صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)
الذرية : النسل . ان يفتنهم : ان يختبرهم ويبتليهم وهنا معناه ان يضطهدهم . لعال في الأرض : مستَبدّ . تبوأ المكان : اقام فيه . اطمس على اموالهم : أزلها واشدد على قلوبهم : ضيّق عليهم . (2/202)
{ فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ } .
كان الذين آمنوا بموسى مجرد فئة قليلة من السَحَرة والشّبان ، آمنوا على خوفٍ من فرعونَ وزعماءِ قومهم ، خشيةَ أن يضطهدوهم ويعذّبوهم ليرتدّوا عن دينهم .
{ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } .
ان فرعونَ مستبدُّ جبّار ، غالى وأسرف وتجاوز كل حدّ في الظلم والطغيان .
{ وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ } .
وقال موسى لمن آمن من قومهَ ، ولقد رأى عليهم الخوفَ من الفتنة والاضطهاد : إن كنتُم آمنتم بالله حقَّ الإيمان فتوكّلوا عليه ، وسلموا أموركم له ، وثقوا بنصره .
{ فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين } .
فقالوا ممثلين أمره : على اللهِ وحدَه توكّلنا . ثم دعَوا ربَّهم أن لا يجعلَهم أداةَ فتنةٍ وتعذيبٍ على يد الكفارين .
{ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين } .
كذلك دعوا ربهم قائلين : خلَّصْنا يا ربنا برحمتك من أيدي فرعون وقومه الكافرين .
{ وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً } .
وقلنا لهما : اتخِذوا لقومكما بيوتاً في مصر تكون مساكنَ وملاجئَ تَعْتَصِمونَ بها « واجعلوا بيوتكم قِبلَة » أي متقابلة على جهة واحدو . « وأقيموا الصلاةَ وبشرّ المؤمنين » ، وأدّوا الصلاةَ على وجهِها الكامل ، واستبشروا أن يحفظكم الله من فتنة فرعون واعوانه .
{ وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } .
لمّا يئس موسى من فرعون وأعوانه أن يُرجى لهم صلاح ، قال : يا ربّ ، إنك أعطيتَ فرعون وخاصّتَه بهجةَ الدنيا وزينتَها من الأموال والبنين والسلطان ، لكنَّ عاقبة هذا الغنى والنعيم كانت الاسرافَ في الضلال عن سبيل الحق .
{ رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } .
اللهمّ اسحقْ أموالَهم واتركءهم في ظُلمةِ قلوبهم ، فلا يوفَّقوا للإيمان حتى يروا العذابَ رأي العين . قارن بين موسى ومحمد ، دعى موسى على قومه ، ودعا سيدنا محمد لهم .
{ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } .
قال الله تعالى : قد أُجيبتْ دعوتُكما يا موسى وهراون في فرعونَ وأعواِنه ، فامضيا لأمري واثُبتا على ما انتما عليه ، ولا تسلُكا سبيلَ الذين لا يعلمون الأمور على وجهِها .
قراءات :
قرأ ابن عامر : « ولا تتبعان » بكسر النون بدون تشديد . وقراءة اخرى : « ولا تتبعان » بسكون التاء الثانية وفتح الباء وتشديد النون . وقرأ الباقون « ولا تتبعان » بتشديد التاء الثانية وكسر الباء وتشديد النون المسكورة .
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
ننجيك ببدنك نخلص بدنك بعد غرقك ليراه الناس . بوأنا : انزلنا . مبوأ صدق : منزلا صالحا . (2/203)
في هذه الآيات الثلاث خاتمةُ قصة موسى وأخيه هارون مع فرعون ، وما كان من تأييد الله لهما ، وقوةِ فرعون وقومه . وكانت دولة الفراعنة من أقوى دول العالم في ذلك الزمان .
{ وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً } .
ولما أنقذْنا موسى وأخاه من بني اسرائيل وقطعوا البحرَ ، تعقَّبَهُم فرعونُ وجنوده للانتقام . فلما دخل بنو اسرائيلَ البحرَ انفلَقَ لهم ، فكانت فيه الطرقُ والسبل على قدْرِ عددٍ فِرَقِهِم ، فساوا فيها آمنين . وأغرى ذلك فرعونَ وجندَه أن يكون مِن ورائهم ، فلحِقوا بهم . عند ذاك انطبق عليهم البحرُ وكانوا من الغارقين .
ولم يُعرف موضعُ العبور من البحر ، ولم يردْ بذلك خبر صحيح .
{ حتى إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين } .
فلما ادرك الغرقُ فرعونَ قال : آمنتُ بالإله الذي يؤمن به بنو اسرائيل ، وأنا من المسلمين . ولكن ، هيهات! لقد قات الوقت وجاء إيمانك متأخرا .
وهذا ما بيّنه الله تعالى بقوله :
{ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين } .
الآنَ تُقِرّ لله بالعبودية وتستسلم له بالذلّة ، أما قد عصيته من قبلُ؟ بلى ، لقد كتن من المفسدين في الارض الضالمين للعباد يا فرعون ، فإيمانك لن يُقبَل .
{ فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } .
واليومَ نُخرج جثتك من البحر ونعرِضها على الناس لتكونَ عِظَةً وعبرة لمن كانوا عبُدونك ومع كل هذا فإن كثيراً من الناس سيظلّون في غفلة عن البيّنات والأدلة الظاهرة في هذا الكون على قدرتنا .
وقد كان فرعونُ موسى « منفتاح » بن رعميسيس الثاني ، وكان خروج بين إسرائيل في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد في عهد الاسرة التاسعة عشرة . وقد عُثر على جثة « منفتاح » هذا في قبر « امنحتب الثاني » وهي موجودة الآن في المتحف المصري . وهذا مصداق لقوله تعالى : { فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة } ولم يكن هذا معروفا لأحدٍ في العالم إلى ما بعد نزل القرآن بثلاثة عشر قرنا . وهذا اكبر دليل على انه منع عند الله وقد اخبرني الدكتور موريس بوكاي أنه أخذ قطعة من الجثة وحللها فوجد ان صاحب هذه الجثة مات غرقاً . وقد زار الأردن وامضى اسبوعاً وحاضر في الجامعة عن الموضوع نفسه .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « آمنت انه » بكسر همزة انه . والباقون : « أنه » بفتح الهمزة . وقرأ يعقوب : « ننجيك » باسكان النون الثانية . والباقون : « ننجيك » بفتح النون الثانية وكسر الجيم المشددة .
{ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات } .
ولقد اسكنّاهم منزلاً مُرْضيا في أرض خصبة طيبة ، بعيدين عن الظلم الذي كانوا فيه ، أغدَقْنا عليهمُ الرزقَ الوافر من جيمع الطيبات .
{ فَمَا اختلفوا حتى جَآءَهُمُ العلم إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
ولكنّهم حين ذاقوا نعمةَ العزَّة بعد الهوان تفرّقوا واختلفوا ، مع أنهم تعلّموا وتبين لهم الحقُّ والباطل! سيقضي اللهُ بينهم يوم القيامة ، ويجازي كلاً منهم بما عمِل .
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)
{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ } . (2/204)
الخطابُ للرسول الكريم ويقول : ان كنت يا محمد في شك مما أنزل الله اليك ، من هذا القصص او غيره فاسألْ أهلَ الكتاب . . . إن لديهم عِلماً يقرأونه فيكتبهم ، وفيها الجواب القاطع الموافق لما أنزلنا عليك .
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يشك فيما أُنزِلَ اليه ، وقد روى ابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة ان الرسول الكريم قال حين نزول الآية : « اَأشُكُ ولا أسأل » وانما كان هذا تثبيتاً للرسول لشدّة الموقف وتأزّمه في مكة بعد حادث الاسراء ، وبخاصة ان بعض من أسلموا قد ارتدوا آنذاك ، وبعد موت خديجة وأبي طالب ، واشتدوا الأذى عل الرسول واصحابه .
{ لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } .
لقد جاءك الحق الواضح يا محمد بأنك رسولُ الله ، فلا تكونَنَّ من الشاكِّين في صحة ذلك .
{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين } .
إياك ان تكون أنت أو أحد من الّذين اتبعوك ، من الذين يكذّبون بآياتنا البينات! ، اذا ذَالك يحلّ عليك الخُسران والغضب . . والخطابُ ههنا للرسول الكريم ولكن به هو وكل من يساوره ادنى شك في صدق رسالته .
{ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } .
ان الّذي سَبَق عليم قضاءُ الله بالكفرِ لمِا عَلِمَ من عنادِهم وتعصبُّهِم ، لا يؤمنون وذلك لرسوخهم في الكفر والطغيان . وحتى لو جئتَهم يا محمد بكل حجّة واضحة فإنهم لنْ يقنعوا ، بل يظلّوا على ضلالهم ، وإلى أن يحلّ بهم العذاب الأليم .
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)
الخزي : الذل والهوان . الى حِين : الى مدة من الزمن . الرِجْس : العذاب . (2/205)
بعد ان بيّن الكتاب أن الّذين حقّت عليهم كلمةُ ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم ، جاء بهذه الآيات الثلاثة لبيان سُنن الله تعالى في الأُمم مع رسلهم ، وفي خلق البشر مستعدّين للإيمان والكفر ، والخير والشر؛ وفي شيئة الله وحثكمنه بأفعاله وأفعال عباده ، وبيّن أن قوم يونُس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الايمان .
{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ } .
ولو أن قريةٍ من القرى تؤمن لنَفَعَها إيمانُها ، إلا قوم يونس . فقد بُعث الى أهلِ نِينَوى بأرض الموصل ، فدعاهم الى الايمان بالله وحده وترك ما يعبدون من الاصنام . ولم يستجيبوا له ، فأخبرهم أن العذابَ آتيتهم قريبا وتَرَكَهم ورحل عنهم . فلما أيقنوا بالهلاكِ آمنوا ، فوجوا النفع لهم ، فكشفنا عنهم عذاب الخِزي وما يترتّب عليه متَعناهم في الحياة الدنيا حيناً من الزمن .
{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } .
ولو أراد اللهُ ان يؤمنَ أهل الأرض كلُّهم لآمنوا ، فلا تحزنْ على كفرِ المشركين ، فأنت لا تستطع ان تُكره الناس على ان يؤمنوا بالله . وقد اقتضت حكمة ربك ان يخلق البشر على هذه الحالة مستعدّين للخير والشر والكفر والإيمان . فليس لك أن تحاولَ إكراههم على الايمان .
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } .
ما كان لنفسٍ ( بمقتضى ما أعطاها الله من الاختيار والاستقلال في الافعال ) ان تؤمن إلا بارادةن الله ومقتضى سننه في نظام هذا الكون .
{ وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } .
فإذا كان كل شيء بمشيئته وتيسيره ، فسُنّةُ الله ان يجعل العذاب والغضب على الّذين ينصرفون عن الحجج الواضحة ولا بتدبّرونها .
قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
في هذه الآيات الكريمة ، وهي في ختام سورة يونس ، بين الله تعالى ان مدار سعادة البشَر على استعمال عقولهم في التمييز بين الخير والشر ، وما على الرسول الا التبشير والإنذار وبيان الطريق المستقيم الوصِل الى السعادة وأن الدينَ مساعدٌ للعقل على حسن الاختيار إذا أحسنَ الانسانُ والتفكّر في امر الله . (2/206)
{ قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } .
تدعو هذه الآية وكثير غيرها ، الى العمل بالمشاهَدة والتأمل واستعمال العقل ، كما تدعو الى العلمِ بالكون وما فيه لأنه مُسَخَّر للانسان ، فإن ما في السماوات والأرض حافلٌ بالآيات ولكن الآيات والنذُرَ لا تفيد الّذين لا يؤمنون ، لانهم لم يلقوا بالاً إليها ولم يتدبّروها .
{ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } .
يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام محذِّراً من قومه : هل ينتظر هؤلاء المكذِّبون إى ان ينالهم من الأيام الشِداد مثلُ ما أصابَ الذين مضَوا من الأم السابقة!؟ .
{ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين } .
قل أيها النبي منذِرا ومهدّدا : إذا كنتم تنتظرون مثلَ ذلك ، فانتظروا إنّي مكم من المنتظرين . وهذا تهديدٌ كبير من رب العالمين .
{ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين } .
ان سنَّتنا في رسُلنا مع أقوامهم الذين يبلّغونهم الدعوةَ ، ان يؤمنَ بعضُهم فيما يصّر آخرون على الكفر . فننجّي رسلَنا والمؤمنين من العذاب ونهلك المكذّبين . هذا وعدق حقٌّ عليما لا نُخْلِفُه كما قال تعالى : { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } [ الإسراء : 77 ] .
قراءات :
قرأ يعقوب : « ثم نُنْجى » بالتخفيف . والباقون بالتشديد « نُنَجِّي » وقرأ الكسائي ويعقوب وخفص : « ننج المؤمنين » باسكان النون الثانية وحذف الياء لالتقاء الساكنين ، والباقون بالتشديد .
{ قُلْ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } .
في هذه الآية والتي بعدها أَمر الله بإعلان الدين الإسلامي ، وإظهارِ الفارق بينه وبين ما عليه المشركون والمكذّبون من عبادة الأوثان .
قل أيها الناس جميعا : ان كنتم في شك من ان ديني الذي أدعوكم إليه هو الحقُّ ، فان هذا لا يحوِّلني عن يَقيني ، ولا يجعلين أعبدُ آلهتكم التي تعبُدونها من دونِ اله ، فهو الّذي يملك أجسامكم وأعماركم ، وقد أمرني أن أكونَ من المؤمنين به .
{ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } .
وأمُرتُ أن أُقيم وجهي للدين القيم واتوجّه الى الله وحدَه ، وأن لا أدخُلَ في غِمار الذين أشركوا بالله ، بل ابتعدَ عنهم أنا ومن اتّبعني من المؤمنين .
{ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظالمين } .
ولا تلجأُ بالدعاء الى غير الله مما لا يجلب لك نفعا ، ولا ينزل بك ضررا ، فانك ان فعلت ذلك كنتَ من الظالمين وهذا النهي الموجه للنبي عليه الصلاة والسلام هو موجه لأمته .
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ } . (2/207)
ان يصبْك الله بضُرّ فلن يكشفَه عنك أحد غيره ، وان يقدِّر لك الخيرَ فلن يمنعه عنك أحد ، لأن الله يهبُ الخير من فضله لمن يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ، فلا ييأس احد من فضله وعفوه .
{ قُلْ ياأيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } .
ختم الله تعالى هذه السورة بهذا البلاغ للناس كافة ، وهو إجمال لما تقدم من التفصيل فيها .
بَلِغْ أيها الرسول دعوةَ الله الى الناس كافة ، وقل لهم : ايها الناس ، لقد أنزل اللهُ عليكم الشريعةَ الحقّة من عنده ، فمن شاء ان يهتديَ بها فلْيُسارِع ، ومن أصرَّ على ضلاله فإن ضلالَه سيكونُ عليه وحدَه ، وما أنا بموكَّلٍ من عندِ الله بأموركم ، ولا مسيطرٍ عليكم .
{ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } .
وهذا الختام خطابٌ الى الرسول الصلاة والسلام ، باتّباع ما أُمر به ، والصبر على ما يلقاه حتى يحكم الله بما قدَّره وقضاه ، وهو الختام المناسب الذي يلتقي مع مطلع السورة ، ويتناسق مع محتوياتها بجملتها على طريقة القرآن الكريم في التصوير والتنسيق .
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
تقدم الكلام على هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور ، وانها تقرأ باسمائها : فيقال : « الف لام را » احكمت آياته : اتقنت فصلت : جعلت واضحة . يمتعكم متاعا حسنا : يجعل معيشتكم كلها صالحة وارضية الى اجل مسمى : الى عمر مقدر . (2/208)
{ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ . . . . } .
حروف ابتدأت بها السورة للإشارة الى ان القرآن معجِز ، مع انه مكون من الحروف التي ينطقون بها ، وللتنبيه الى الاصغاء عند تلاوة القرآن الكريم الى انه كتاب آياته محكمة النظم واضحة المعاني ، قد فصِّلت أحكامها ، وأنزلها ربّ حكيمٌ يقدر حاجة عباده ، وخبير يضع الأمور في مواضعها .
{ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } .
قل أيها النبي للناس : لا تعبدوا الا الله ، انّي مرسَل من عنده لأُنذركم بعذابه إن كفرتم ، وأبشّركم بثوابه ان آمنتم وأطعتم .
{ وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } .
وقلْ لهم ايضاً : ادعوا الله واسألوا ه ان يغفر لكم ذنوبكم ، ثم توبوا ليه بإخلاص ، فيمتّعكم في معيشتكم متاعاً حسنا بالرِزق الطّيب والعافية والأمن الى ان ينتهي الأجل المقدر لكم في هذه الحياة .
{ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } .
ويعطي كل صاحب عمل صالح في الدنيا أفضل اثواب واحسن الجزاء في الآخرة .
{ وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } .
وان توليتم وأعرضْتم عما دعوتكم إليه ، فإن أخاف عليكم عذابَ يومٍ كبير ، هو يوم القيامة ، لما فيه من أهوال شديدة .
{ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
إليه تعالى رُجوعكم بعد موتكم ، وحينئذ تلقَون جزاءكم بالعدْل والقسطاس ، والله قادر على كل شيء .
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
ثنى الشيء : عطف عضه على بعض فطواه . يثنون صدروهم : عن الحق وينكسون رؤوسهم . ليستخفوا منه : ليخفوا انفسهم يستغشون ثيابهم : يتغطون بها . (2/209)
بعد ان ذكر الله تعالى أنهم إن أعرضوا حلّ بهم عذابٌ كبير ، بيّنه هنا في هذه الآية وصفَ حالتِهم العجيبة وكيف يتلقى فريق منهم تلك الآياتِ ، عندما يتلوها عليهم النبيّ الكريم .
{ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } .
إن هؤلاء الكافرين يطوون صورَهم ليكتُموا ما يجُول فيها .
{ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } .
والله سبحانه وتعالى مطّلع على أحوالهم حتى في حال خَلْوَتِهم حين يتغطَّون بثيابهم ، فهو يعلم سرَّهم وعلانيتَهم .
{ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } .
وهو يعلم بأسرار الصدور وخواطر القلوب .
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)
الدابة : كل حي يدب على الأرض ، وغلبت على كل ما يركب من الخيل والبغال والحمير . المستقر : مكان الاستقرار . ومستودعها : الموضع الذي كانت فيه قبل استقرارها ، كالصلب والرحم والبيضة . الى امة معدودة : الى زمن معين . حاق بهم : نزل بهم واحط بهم . (2/210)
يبيّن الله في الآيات آثار قدرته ، وما يتعلقّ بحياة البشر وشؤونهم المختلفة ، ويعرِّفُ الخلْقَ بربهم الحقّ الذي عليهم ان يعبدوه ، فهو العالِمُ المحيط علمه بكل خلْقه ، وهو الرزاق الذي لا يترك أحداً من زرقه . ثم يُطلعها على آثار قدرتِه وحكمته في خلق السماوات والأرض بنظامٍ خاص في أطوا او آمادٍ مُحكّمة .
{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } .
لي هناك دابة تتحرك على الارض الا وقد تكّفل الله برزقها ، فكل مخلوق له رزقٌ مقدَّر من الله في سُننه التي ترتَّب النِّتاجَ على الجُهد ، فلا يقعدنَّ أحد عن السعي فالسّماء لا تمطر ذهباً ولا فضة . { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى } [ النجم : 39 ] .
{ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } .
ان الله يعمل اين تستقرّ تلك الدابة او المخلوق واين تقم ، والمكانّ الذي تودع فيه بعد موتها .
{ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .
كل شيء من ذلك مسجَّلٌ عنده سبحانه في كتابٍ مبين موضِحٍ لأحوال ما فيه .
{ وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } .
انه هو الذي خلق السماواتِ والأرض في ستّ مراحلَ ، كما تقدم في سورة الاعراف الآية 54 ، وسورة يونس الآية 4 .
ومن قبل ذلك لم يكن الوجود اكثر من عالم الماء .
{ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء } يعني أن الماء كان موجوداً ، خَلَقَه سبحانه وتعالى قبل ان يخلق السماوات والأرض .
أما كيف كان هذا الماء ، وكيف كان عرشه عليه ، فليس هناك نص على شيء من ذلك ، والعقلُ وحده لا يمِلك العمل به ونترك البحث فيه .
ثم عَلل الله بما آنفاً بعض حِكمه الخاصة بالمكلفين المخاطبين بالقرآن فقال :
{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } .
ولقد خلق هذا الكونَ ليُظهر أحوالَكم ايها الناس ، بالاختبار وليُظهِر أيكم احسنُ إتقانا لما يعمله لنفسه وللناس .
{ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } .
لئن اخبرتَ يا محمد هؤلاء ا لمشركين أن الله سبعثُهم من قبورِهم بعد مماتِهم ، سارعوا الى الرد عليك مؤكدين ان هذا الذي جئتَهم به لا حقيقةَ له ، وما هو الا كالسِحر الواضح تسحَرُ به العقول . فما أعجبَ هذا القول وما أغربه!؟
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « ان هذا الا ساحر مبين » .
{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ؟ } .
ولئن أخّرنا عنهم عذابَنا الذي توعِدُهم به ايها الرسول إلى وقت محدّد لَيقولون مستهزئين : ما الذي يمنعُه عنّا الآن! شأنُهم في التكذي بالبعث ، كشأنهم في مسألة العذابِ الدنيوي ، يستعجِلونه ويتساءولن عن سببِ تأخيره .
{ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } .
الا فلْيعلمْ هؤلاء القوم ان العذابَ آتٍ حتما ، لا خلاصَ لهم منه ، وأنه سيحيط بهم بسبب استهزائهم واستهتارهم .
وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
أذقنا : اعطينا . نزعناها منه : اخذنا منه . يؤوس : مبالغة في اليأس . نعماء : نعمة . ضراء : مضرة . (2/211)
{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا . . . . الآية } .
هذه طبيعةُ الانسان العَجول القاصر ، إذا أعطيناه بعضَ النِعم رحمةٍ منا كالصحَة والرِزق الواسع ، ثم نزعنا تلك النعمة أسرفَ في يأسه من عودتها ، وقطع الرجاءَ من رحمةِ الله . إنه يؤوس منَ الخير ، كفور بالنعمة .
{ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } .
واذا منحنا هذا الانسانَ اليؤوسَ نعمةً أذقناه لذَّتها بعد ضرر لحِقَ به ، لم يقابلْها بالشُّكر والطاعة ، بل تجده يبطَر ويفخَر على الناس ويقول : ذهبَ ما كان يسؤوني .
{ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } .
وذلك لا ينطبق على الذين صبروا عند الشدائد ، وعملوا الصالحاتِ في السّراء والضراء ، فهؤلاء لهم مغفرة من الذنوب ، وأجر كبير عند الله في نعيم الجنة الأبدي .
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
وضائق به صدرك : تحس بالغم والحزن . كنز : أصل الكنز المالُ المدفون تحت التراب ، وكل مال مدخر فهو كنز افتراه : جاء به من عنده كذبا . (2/212)
لا تحاول ايها النبيُّ إرضاءَ المشركين ، فهم لا يؤمنون ولعلّك يا محمد تاركٌ تلاوةَ بعضِ ما يوحى اليك ما يشُقُّ سماعه على المشركين ، بل قد تحسّ بالضِيق وانت تتلوا عليهم ما لايقبلون .
{ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ } .
إنهم يطلبون ان يُنزل اللهُ عليك كنزا ، او يجيء مَلَك يؤيّكك في دعوتك ، فلا تبالِ بعنادهم .
{ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } .
فأنت منذِر ومحذِّر من عقبا الله لمن يخالف أمره ، وقد أدّيتَ رسالتك ، وليس عليك من أعمالهم شيء .
{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
لقد تكرر هذا القول ، وتكرر التحدي ، فقد جاء في سور { البقرة الآية : 23 ] قوله تعالى : { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ . . . الآية } وفي سورة [ يونس الآية 38 ] { أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ . . . الآية } أمن هنا في سورة هود فالوضع فيه تحدٍّ ، لكنّه يختلف عن السورتين السابقتين ، فالله تعالى يقول لهم : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } أي فاتوا بمثله ولم كَذِباً مفترى .
والمعنى : قل لهم : إن كان هذا القرآن مما افتريتُه على الله من عندي ، فإن كنتُم صادقين في دعواكم هذه ، فهاتوا من عندكم عشرَ سُورٍ مثله مفتريات مكذوبات ، واستعينوا في ذلك لك من تستطيعون من فصحائكم وبُلغائكم وشعرائكم وجنّكم وإنسكم .
فالقرآن الكريم معجز باسلوبه ، وبما فيه من القصص الصادق ، وما فيه من العلوم الكونية التي اشار اليها ، ولم تكن معروفة في عصر نزوله ، وفي الاحكام التي اشتمل عليها .
{ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ الله وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } .
فان عجزتم وعجز من استعنتم بهم ، فاعلموا ان هذا القرآن انما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمقتضى علم الله وارادته ، ولا يقدر عليه محمد ولا غيره ممن تدعون زورا انهم أعانواه . واعلموا انه لا إله الا الله ، فلا يعمل علمه احد ، فهل انتم بعد ان قامت عليكم الحجة داخلون في الاسلام الذي ادعوكم اليه بهذا القرآن؟ وان هذا التحدي لايزال قائما الى يوم القيامة .
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
نوف اليهم : نؤد الحق كاملا . لا يبخسون : لا ينقصون . وحبط ما صنعوا : بطل وفسد . بينة : برهان واضح . يتلوه : يتبعه . مرية : شك . (2/213)
بعد قيام الحجّةِ على حقيقة الاسلام ، والتحديث الشديد بالقرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله - ظل المشركون يكابرون . . لأنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به من منافع وسلطة وشهوات ، لهذا يعقّب القرآنُ على ذلك بما يناسب حالهم يصور لهم عاقبة أمرهم بقوله :
{ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } .
من كان يطلب الحياةَ الدنيا والتمتع بلذّاتها وزينتِها من طعامٍ وشرابٍ ومال وأولاد وغيرِ ذلك نعطِهم ثمراتِ أعمالهم لا يُنْقَص منها شيء .
{ أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
هؤلاء الذين قَصَروا همَّهم على الدنيا وما فيها من لذائذ ليس لهم في الآخرة إلا عذاب النار ، جزاءَ كل ما صنعوه في الدينا ، لأنه لم يكن للآخرة فيه نصيب .
وبعد ان ذكَر اللهُ مآل من يعمل للدنيا وزينتِها ، ولا يهتمُّ بالآخرة وأعمالِها ، ذكر هنا من كان يريدُ اخرة ويعمل لها ، ومعه شاهد عل صدقه وهو القرآن فقال :
{ أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَاماً وَرَحْمَةً أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ } .
أفمَن كان يسير في حياته على بصرةٍ وهداية من ربّه ، ومعه شاهدٌ بالصدِق من الله وهو القرآن ، وشاهدٌ من قبله وهو كتابُ موسى الذي أنزله الله قدوةً ورحمة لمتّبعيه ، كمن يسيرُ على ضلالٍ وكفرٍ فلا يهتمُّ الا بالدنيا وزينتها؟! كلاّ أبداً .
اولئك الأَوّلون هم الذين أنارَ الله بصائرهم ، فهم يؤمنون بالنبيّ والكتابِ الذي أُنزل عليه .
{ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } .
ومن يكفر به ممن تألّبوا على الحقّ وتحزَّبوا ضده ، فالنارُ موعدُه يوم القيامة .
{ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ } .
لا تكن أيها النبيّ في شكّ من هذا القرآن . وحاشا النبيَّ ان يشكّ . واذا كان لخطاب موجَها اليه فالمقصود به كل من سمع برسالة محمد ، ولا في القرآن المنزل عليه .
{ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } .
ان هذا القرآن هو الحقُّ النازل من عند ربّك ، لا يأتيه الباطل ، ولكنّ اكثر الناس تُضِلُّهم شهواتهم فلا يؤمنون .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)
الأشهاد : جمع شاهد . الذين يصدون عن سبيل الله : الذين يصرفون الناس عن الدين . يبغونها عوجا : يريدونها ملتوية معوجة . لا جرم : حقا . واخبتوا : خشعوا واطمأنوا . (2/214)
بعد ان بين الله الناس فريقان : يريد الدنيا وزينتها ، وفريق مؤمن بربه وبرسالة رسوله الكريم ، ذكر هنا بيان حال كُلٍّ من الفريقين وما يكون عليه في الآخرة . وهو يضرب للفريقين مثلا : الأعمى والأصم ، والبصير والسميع .
لا أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله . ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب ، فكيف إذا كان هذا الافتراءُ على الله!!
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } .
لا أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله . ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب ، فكيف إذاكان هذا الافتراءُ على الله!!
{ أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } .
سَيُعْرَضُ هؤلاء المفترون يوم القيامة على ربهم ليحاسبَهم على أعمالهم السيئة ، فيقول الاشهاد من الملائكة والانبياء والناس : هؤلاء هم الذين ارتكبوا جريمة الكذب على الله . بذلك يفضحونهم بهذه الشهادةِ المقرونة باللَّعنة ، اي خروجِهم من رحمة الله .
وفي الصحيحَين عن عبد الله بن عمر قال : « سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يُدني المؤمنَ حتى يضعَ كنَفَه عليه ويسترَهُ من الناس ، ويقرِّره بذنوبه ويقول له : اتعرف ذنْبَ كذا؟ اتعرف ذنب كذا؟ فيقول : يا ربِّ أعرف ، حتى إذا قرّره بذُنوبه ورأى في نفسه انه قد هلَك قال : فإنّي سترتُها عليك في الدُّنيا وأنا أغفر لك اليوم ، ثم يعطى كتاب حسناته » .
{ الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ } .
الذين يَصرِفون الناسَ عن سبيلِ الله ، وهو دينُه القيم وصراطُه المستقيم؛ ويريدون ان تكونَ هذه السبيلُ معوجَّة لتوافقَ شهواتِهم واهواءَهم ، وهو كافرون بالآخرِة والبعث والجزاء .
{ أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } .
هؤلاءِ الّذين يصُدُّون عن سبيل الله لم تكنْ لهم قوةٌ تعجِز اللهَ عن أخذِهم بالعذاب في الدنيا ، ولم يكن لهم أنصارٌ يمنعون عنهم العذابَ لو شاء ان يُعَجِّلَه لهم . انهم سيلقون ضعف العذاب في الآخرة .
ثم بين علة هذه المضاعفة للعذاب بقوله :
{ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } .
لقد أعماهم وأصمَّهم انهماكهم في الكفر والضلال حتى كرهوا ان يسمعوا القرآن أو يبصروا آيات الله في الكون .
{ أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .
هكذا اضاع اولئك الكافرون أنفسهم ، ولم يربحوا بعبادة غير الله شيئاً ، وغابَ عنهم في الآخرة ما كانوا يفترونه من الكذِب على الله في دنياهم .
{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون } . (2/215)
حقا إنهم أشدُّ الناس خسارةً في الآخرة ، وبذلك يكونون قد أضاعوا أنفسَهم في الدنيا والآخرة .
وبعد ان بين الله حال الكافرين واعمالهم ومآلهم ، بين حال المؤمنين اصحاب العمل الصالح وعاقبة أمرهم فقال :
{ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
ان الذين آمنوا بالله ورسُله ، وعملوا الاعمالَ الصالحة ، وخشعتْ قلوبُهم واطمأنّت الى ربها ، سيكونون أهل الجنةِ خالدين فيها ابدا .
{ مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع } .
مثل الفريقين : الكافرين والمؤمنين : الكافرين كالأعمى الذي يسير على غيرِ هدى ، والأصمِ الذي لا يسمع ام يُرشده إلى النجاة؛ والمؤمنين ، كالمبصِر يرى طريقَ الخير ، وقويِّ السمعِ الذي يسمع كل ما ينفعه .
{ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } .
هل يستوي هذانِ الفريقان في الحال والمآل؟ افلا تتفكرون ايها الناس فيما بين الباطل والحق من خلاف فتعتبروا به ، وتسيروا على الصراط المستقيم!
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)
ورد ذِكر نوح في ثلاثة واربعين موضعا من القرآن الكريم في ثمانِ وعشرين سورة . وذُكرت قصة نوح مفصلة في القرآن الكريم في سورة الاعراف وهود وسورة المؤمنين والشعراء والقمر وسورة نوح ، وهي مختلفة اللفظ حسْب ما تكون العنايةُ موجهة نحوه من البيان والمعنى : (2/216)
كما أرسلناك يا محمد الى قومه لتنذِرَهم وتبشّرهم ، فقابلَكَ فريقٌ بالكفر والجحود ، أرسلنا من قبلُ نوحاً الى قومه فقال لَهم : إني رسولُ الله إليكم ، أُنذرُتكم من عذابِ الله وأبيّن لكم طريق النجاة .
ثم فسر هذا الانذار بكلام مختصر .
{ أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } .
وإني أطلبُ منكم ان لا تعبُدوا إلا الله ، ولا تشرِكوا به شيئا ، لأني أخاف عليكم إن عبدتم غيره او اشركتم معه سواه أن ينالكم عذابُ يوم مؤلم .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة : « إني لكم نذير مبين » بكسر همزة ان ، والباقون بفتحها .
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)
الملأ : كبار القوم . اراذل : جمع ارذل ، وهو الخسيس الدنيء . بادى الرأي : ظاهره قبل التامل في باطنه . ارأيتم : اخبروني . عميت : خَفِيتء انلزمكموها : انكرهكم عليها . تزدري : تستهزئ . (2/217)
اختار الله تعالى نوحاً من بين أولئك القوم لينذرَهم عذابَ الله ، لأنهم تمادَوا في غيِّهم وضلالهم . وقد اجتمع كبراؤهم وأهلُ فيهم على تكذيبه واحتقاره هو ومن ابتعه ، واستتعدوا ان يكونَ واحدٌ منهم - لا يمتاز عليهم بالغِنى والجاه- هو المختار لهدايتهم ، وأَنِفوا ان يكونوا مثل الّذين اتّبعوا نوحاً من الضعفاء . وزعموا ان هؤلاء قد اتبعوه من غير رويّة ولا تكفير ، « بادى الرأي » وطلبوا اليه لن يجد ناصر يدفع عنه عقاب اله اذا ما طردهم عن الهدى .
كذلك أوضح لهم ان إنما جاءهم بالهداية ، وليس رجلَ مال قد مكّنه الله من خزائنه وأطلعه على غَيْبه ، وقال إنه المُلك فيهم ، وانما هو شخص اختاره الله تعالى لدعوتهم وتبليغهم أمره . أما اتباععه من المؤمنين الذين تزدريهم أعين الكبراء فإن أمْرَهم الى الله ، وهو أعلمُ بسرائرهم ، لان ادراك الهداية الى الحقّ لا يكون بالمظهر الفاخر بل باطمئنان النفس وركونها الى الهدى مع اليقين التام والرضى به ، ثم إنه لا يطلبُ منهم أجرا على دعوته ، فأجرُه على الله وحده .
قراءات :
قرأ ابو عمرو : « بادئ الرأي » بالهمزة والباقون بدون همزة . وقرأ حمزة والكسائي وحفص : « فعيت » بضم العين وتشديد الميم . « فعميت » بفتح العين وكسر الميم بدون تشديد .
قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
جادلتنا : نافشتنا وخاصمتنا . يغويكم يضلكم . (2/218)
قالوا : يا نوحُ ، قد ناقشتَنا بجِدالك فأطلتَ حتى مَلِلْنا . ان كنت صادقاً فيما تدعيه ، فعجِّلْ وهاتِ ما توعدنا به من العذاب .
{ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } .
عند ذالك قال نوح : هذا أمرٌ بيدِ الله وحدَه ، فهو الذي يأتيكم بما تَشاء حكمتُه ، ولن تعجزوه ابداً ، لأنه لايعجِزه شيءٌ في الارض ولا في السماء .
{ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .
إنه لن ينفعكم نصيحي لمجردٍ إرادتي الخيرَ لكم ، إذا كان الله قد شاء ان يضلَّكم . . . انه ربُّكم وخالقكم لا أنا ، واليه ترجعون يوم القيامة ، ويجازيكم على اعمالكم .
ونرى من هذا الحوار الذي دار بين نوح والملأ من قومه أنهم عجَزوا عن الجدال فطلبوا ان يأتيَهم بالعذاب تشكيكاً فيه ، وهذا دَيْدَنُ الأمم في عدم الخضوع لحكم العقل إذا خالف الأمرُ ما ألِفُوه وورثوه عن آبائهم .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)
في هذه الآية الكريمة دَفْعُ شبهةٍ من شُبَهِ المشركين من قريشِ الّذين ادَّعوا أن محمَّداً يفتري هذا القَصص ، فيردُّ الله عليهم بأن هذا القَصص صادقٌ ، وقل لهم أيها الرسول : إن كنت افتريتُه على الله كما تزعمون ، فهو جُرمٌ عظيمٌ عليَّ وحدي إثمهُ ، وإذا كنت صادقاً ، فانتم المجرمون ، وانا بريء من جرمكم هذا . (2/219)
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)
فلا تبئس : فلا تحزن الفلك : السفينة . مفرد وجمع . بأعيننا : تحت رعايتنا . وحينا : بارشاد وحينا . (2/220)
في تلك الحال أوحى الله الى نوح أنه لم يؤمن من قومك غير الذين سبق وآمنوا ، فلا تحزَنْ على ما كانوا يعملون . . . ابنِ السفينةَ تحت رعايتنا وبإرشادش وحْينا ، ولا تشفعْ في الّذين ظلموا . . . فهم محكومٌ عليهم بالغرق . وشرع نوح في صنع الفُلك ، فكان كلّما مر عليه نفر من قادة الكفر من قومه استهزأوا به ، لجَهْلِهم الغرضَ من بناء السفينة ، فيقول لهمك ان تهزأوا منا فنحن ايضاً نهزأ منكم ، لكنكم سوف تعلمون من منا الّذي سيأتيه عذابٌ يذلّه في الدنيا ، ثم يحلّ عليه في الآخرة عذاب دائم .
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
فار التنور : نبع منه الماء بقوة . التنور : فرن له شكل خاص للخبر . مجراها ومرساها : اجراؤها وارساؤها . ومجراها بفتح الميم ومرساها بضم الميم . معزل : مكان بعيد عن ابيه . سآوي الى جبل : سألتجئ الى جل يعصمني : يحميني . اقلعي : أمسِكي . وغيض الماء : نضب الجوديّ : اسم جبل يقال انه في الموصل . (2/221)
حتى اذا جاء وقتُ أمرِنا بإهلاكهم نبع الماء بشدة من التنُّور . وحينئذ قلنا لنوح : إحملْ معكم في السفينة من كل نوعٍ زوجَين ذكراً وأنثى ، واحمِل اهلَكَ جيمعاً الا من سبق عليه حُكْمنا بإهلاكه . كذلك واحمِل معك من آمن بك من قومك ، وهم نفر قليل .
وقال نوح : اركبوا في السفينة باسم الله جريانُها ورسوُّها ، ان ربّي لواسع المغفرة لعباده . وركبوا في السفنية وهم يذكُرون الله ، وجرتْ بهم في أمواجٍ هائجة عالية كالجبال ، ثم ان نوحاً دعتْه الشفقة على انبه الذي تخلّف ولم يرافق أباه . فناداه قائلاً : تعال اركب معنا يا بنّي ، ولا تكن من الجاحدين . فكان جواب ذلك الوالد العاصي : يا أبتِ ، سألجأ الى جبلٍ يحمين من طغيان الماء . فقال نوح : لا شيء يعصِم أحداً من عذاب الله في هذا اليوم العصيب ، الا من رحمة الله . ثم إن الموج حال بينهما وغاب الولد في اللجة وكان من الهالكين .
ثم ذكر الله ما حدثَ بعد هلاكهم ، فأُمرت الأرضُ أن تبتلغَ ماءضها ، والسماءُ أن تكفَّ عن المطر . وغاضَ الماء ، وانتهى حكمُ الله بالإهلاك ، ورست السفينةُ عند الجبل المسمَّى بالجُودِيّ عند المَوْصِل بالعراق . « وقيِلَ بُعداً للقومِ الظالمين » .
قراءات :
قرأ حفص : « من كل زوجين اثنين » بتنوين كل والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين . والباقون : « من كلّ زوجين اثنين » وقرأ حمزة والكسائي : « مجراها » بفتح الميم والباقون بضم الميم .
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
{ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } . (2/222)
وبعد ان هدأت العاصفة ، وسَكَن الهَول ، ثارت الشفقةُ في قلب نوحٍ على ابنه ، فنادى ربَّه ضارعاً مشفقا : يا ربّ ، إن ابني منّي وهو من أهلي ، وقد وعدتَ أن تنجّي أهْلي ، ووعدْك هو الحقّ ، وأنت أعدلُ الحاكمين .
{ قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } .
قال الله تعالى : يا نوح ، إن ابنك هذا ليسَ من أهلِك ، بكفْره قد انقطعت الصِلةُ بينك وبينه ، فهو عملٌ غير صالح . واحذر ان تطلبَ ما ليس لك به علم ، فأنا أرشِدك الى الحقّ لكيلا تكونَ من الجاهلين الّذين تُنسِيهم الشفقةُ الحقائقَ الثابتة .
قراءات :
قرأ الكسائي ويعقوب : « انه عَملَ غيرَ صالح » والباقون « عملٌ غيرُ صالحٍ » وقرأ ابن كثير : « لا تسألن » بتشديد النون وفتحها . وقرأ نافع وابن عامر : فلا تسألَنِيّ .
{ قَالَ رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وترحمني أَكُن مِّنَ الخاسرين } .
قال نوح : يا ربّ ، إني ألجأ إليك فلا أسألُك بعدَ هذا ما لاعِلمَ لي بحقيقته ، وإن لم تنفضَّلْ عليَّ بمغفرتِك ، وترحمني أكْنْ في عِداد الخاسرين .
وفي هذه الآية دليل على ان الله تعالى يجازي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم ، نلا بأنسابهم . انه لا يحابي أحدا لأجل الآباء والاجداد ولو كانوا من الأنبياء .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يا قاطمة بنت محمد ، واللهِ لا أُغني عنك من الله شيئا » . فأساس الدين عندنا انه لا علاقة للصلاح بالوارثة والأنساب . وانما بالايمان والعمل الصالح .
{ قِيلَ يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
قال تعالى : يا نوح ، انزِل من السّفينة بسلامٍ منا ، وأمْنٍ وبركاتٍ عليك .
ويسأل أناس كثيرون : هل كان الطوفان عاماً في الأرض جميعا ، ام حدث في المنطقة التي كان يسكنها نوح وقومه ، وأين كانت هذه الأرض؟
لم يرد نص صريح بذلك ، وقد ودت رواياتٌ واسرائيليات كثيرة واخبرا غير مقطوع بصحتها ، ولذلك نضرب عنها صفحا .
ثم ذكر الله تعالى لنبيّه الكريم أن هذا قصصٌ من عالَم الغيب لا يعرفه هو ولا قومه من قبل ، قال :
{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ } .
ان هذه القصة عن نوح وقومه من أخبارِ الغيب التي لا يَعلمها الا الله ، ما كنتَ تعلمُها يا محمد ولا قومُك من قبل هذا . فاصبِر على إيذاء قومك كما صَبَرَ الأنبياءُ قبلك ، فان عاقبة الفوز للّذين يتّقون اللهَ بالإيمان والعمل الصالح .
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)
فطرني : خلقني . مدرارا : كثيرا . (2/223)
جاء ذكر عاد قومي النبي هود سبع مرات بدون ذكره هو صراحة ، وذلك سورة المؤمنون ، وفصلت ، والاحقاف ، والذارايات ، والقمر ، والحاقة ، والفجر .
والقارئ لقصة هود مع قومه يراه إنسانا وقوراً رزيناً يزنُ الكلامَ قبل إلقائه ، ويتجلى الإخلاص وحُسن النية على قسمات وجهه . فهو لا يقابل الشرَّ بمثله ، بل لا يفارقه اللّينُ مع قومه أبداً ، ويتلطف معهم بذكِر نعم الله عليهم ويرغَّبهم في الايمان ، ويذكّرهم بما أنعمَ اللهُ عليهم به من اموال وبنين وجنات وعيون ، وأنه زادَهم في الخلْق بَسْطَةً ، وجعلهم خلفاء الأرض من بد قوم نوح ، فإذا آمنوا حازوا رضي الله ، فيرسل السماءَ عليهم مِدراراً لسقي زروعهم وإبناتِ الكلأ لماشيتهم ، كما يزيدُهم عزّاً على عزّهم ، وكان في كل محاوراته معهم واسعَ الصدر ، مثالَ الحكمة والرزانة والأَناة .
وقد ذكرت قصة هود في سورة الاعراف بأُسلوب ونَظْمٍ يخالف ما هنا ، وفي كل من الموضعَين من العظمة والعبرة ما ليس في الآخرة .
{ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } .
وأرسلْنا الى قوم عادٍ أخاهم في النسَب والوطَن هودا ، فقال لهم : يا قوم ، اعبُدوا الله وحده ، ليس هناك إلهٌ غيره ، أما عبادتكم للأصنام والأوثان فهي محض افتراءٍ منكم على الله .
كانت مساكنُ عادٍ في أرض الأحقاف ، في شمال حَضْرَمَوْت ، وفي شمالها يوجد الرَّبْع الخالي ، وفي شرِقها عُمان . وموضع بلادهم اليومَ رمالٌ خالية ليس بها أنيس . ولم يردْ ذِكرٌ لقوم عاد في الكتب القديمة سوى القرآن الكريم .
{ ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الذي فطرني أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .
يا قوم إنني لا أطلبُ منكم أجراً على تبيلغ رسالة ربي إليكم ، فأَجري على من خلقني وبعني اليكم . أفلا تعقِلون ما ينفعُكم وما يضركم؟ .
{ وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } .
يا قومُ اطلبوا المفغرةَ من ربِّكم على سلَفَ من ذنوبكم ، ثم توبوا إليه توبةً صادقة ، فإنه يَغِيثُكم بالمطر الغزير المتتابع ، ويزيدُكم قوةً الى قوتكم التي تغترّون بها ، ولا تُعرِضوا عما أدعوكم اليه ، وأنتم مصرّون على إجرامكم وآثامكم .
قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)
الناصية : شعر مقدم الرأس ، ومقدم الرأس . (2/224)
{ قَالُواْ ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بتاركي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } .
قالوا : يا هود ما جئتَنا بحُجّةٍ واضحةٍ تؤيّد دعواك في أنك مرسَل من عندِ الله ، ولن تركَ عبادةَ آلهتِنا قولك .
{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } .
وبالَغوا في الردّ وقالوا : ما نقول فيك الا أن بعضَ آلهتنا قد أصابك بمسٍّ من جُنونٍ . فقال : مصرَّا على ايمانه متحدّيا : إني أُشهِد الله ، وأشهِدكم على قولي إن أبرأ الى اللهِ مما تُشركون به . واتحدّى أن دبِّرا كلَّ حيلةٍ لإهلاكي إذا استطعتم .
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .
حتى اذا عجَزتم جيمعا ، ولم يبقَ شُبهةٌ في أن آلهتكم لا تضرّ ولا تنفع ، أجبتُكم أَني توكَلْ على الله واعتمدتُ عليه . هو ربّي وربكم . وليس في ها الكون من دابّةٍ الا هو مالكُ أمرِها يصرّفها كما يريد ، فلا يُعجِزه حِفظُها من أذاكم . وهو عادل تجري كل أفعاله على طريق الحق والعدل ، ولا يضيع عنده مظلوم .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي على كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } . (2/225)
فان تُعرِضوا عن دعوتي لم يضرَّني إعراضُكم أبداً . . . لقد أبلغْتُكن رسالةَ ربي اليكم ، وقد يُهلككمُ اللهُ ويستخلفُ قوماً غيركم في دياركم وأموالكم . وكذلك لا تضرون الله بإعراضكم عن الايمان ، وهو رقيب على كل شيء من أعمالكم .
{ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } .
ولما نزلَ عذابُنا نجَّينا هودا والذين آمنوا معه من العذاب الشديد الذي نزل بقومه ثم ذلك سبب ما نزل بهم من البلاء فقال :
{ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } .
وتلك قبيلة عادٍ . لقد أنزلنا لهم نقمتنا لأنهم أنكروا الحججَ الواضحة ، وعصَوا رسُل الله جميعا بعصيانهم رسولَهم ، وطاعتِهم لأمر كل طاغية من رؤسائهم وكبرائهم .
{ وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } .
ولقد لحقتْ بهم اللعنةُ في هذه الدنيا ، وسوف تلحقهم يوم القيامة .
ثم اكد الله كفرهم بشهادته عليهم فقال :
{ ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } .
فلْيعلم كلُّ الناس ان عاداً جحدوا خالقِهم عليهم ولم يشكروها بالإيمان ، فبُعداً لهم . وهذا دعاء عليهم بالطرد عن رحمة الله .
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)
أنشأكم من الارض : اوجدكم منها . استعمركم فيها . جعلكم تعمرونها . مرجوا : نرجوا منك الخير . مريب : موجب للتهمة والشك . تخسير : خسران . (2/226)
صالح هو الرسول الثاني من العرب ، ورد ذِكره في القرآن تسع مرات ، في سورة الأعراف ثلاث مرات ، وفي سورة هود اربع مرات ، وفي كل من الشعراء والنمل مرة واحدة . وجاء ذِكر ثمودَ في سورة الحِجْر ، وفُصّلت ، والذاريات ، والنجم ، والقمر ، والحاقة ، والشمس .
كانت مساكن ثمود بالحِجْر التي تُعرف اليوم بمدائن صالح ، في شمال الحجاز ، وآثارُها باقية الى اليوم ، وكانوا وثنيين يعبُدون الاصنام .
{ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } .
وأرسلْنا إلى قوم ثمود رسولَهم صالحاً ، فقال لهم : يا قومي ، اعبدوا لله وحدَه ، لي لكم آله غيره يستحق العبادة . لقد خلقَكُم من الأرض ، ومكّنكم من عِمارتها ، واستثمارها خَيراتِها ، فاستغفِروه من ذنوبكم ، ثم ارِجعوا إليه بالتوبة الصادقة ، فهو قريبُ الرحمة مجيبٌ لمن دعاه .
{ قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } .
قالوا : يا صالح ، لقد كنّا نرجو الخير فيك قبل هذه الدعوة ، كنا نرى فيك حكمةً وأصالة رأي ، فما بالك الآن؟ أتنهانا عن عبادة ما كان يعبُد آباؤنا؟ نحن في شكّ من دعوتك هذه الى عبادة الله وحده ، شكٍ يجعلُنا نرتابُ فيك وفيما تقول .
{ قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } .
قال صالح : أخبرني ان كنتُ على بَصيرةٍ من ربي ، واعطني رحمةً منه لي ولكن ، وهي النبوة والرسالة ، ماذا اصنع؟ وكيف أخالف أمره وأعصيه؟ ومن يُعينني إن عصيتُه؟ ، إنكم لن تزيدوني غيرَ الضياعِ والوقوع في الخسران .
وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)
الآية : المعجزة . ذروها : اتركوها فعقروها : قطعوا قوائهما ثم بعد ذلك ينحرونها . في داركم : في بلدكم . الصيحة : صوت الصاعقة . جاثمين : ساقطين على وجوههم . كأن لم يغنوا فيها : كأنهم لم يقيموا في تلك الديار . (2/227)
يا قوم ، هذه ناقةُ الله معجزةً لكم تشهدُ على صدقي ، فاتركوها تأكل في الأرض ولا تَمَسُّوها بأذى فينزلَ بكم عذابٌ قريب . فعقروها . . . فقال لهم صالح : استمتعوا بحياتكم في بلدِكم ثلاثة ايام ، ثم بعدَ ذلك يأتيكم عذابُ الله . هذا وعد من الله الذي لايًخلف وعده .
فلما نزل العذاب نجّى الله صالحا والذين آمنوا معه من الهلاك ومن فضيحة ذلك اليوم على السوء والله هو القوي العزيز .
واخذت الصَّيحةُ ثمود ، فاصبحوا في ديارِهم هامدين ساقطين على وجوههم . يؤمئذٍ انتهى أمرُهم وباتت ديارُهم خاليةً مهجورة كأنهم لم يسكنوها . لقد كفر قوم ثمود بآيات ربهم ، فبُعداً لهم . وهكذا كانت الخاتمة ، تجيل الذنب وإتباعهم اللعنة ، وهلاكهم الى الأبد .
قراءات :
قرأ نافع : « ومِن خزي يومَئذ » بفتح ميم يومَئذٍ . وقرأ الباقون بكسرها . وقرأ الكسائي « لثمودٍ » بكسر الدال وتنوينها . وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ويعقوب : « الا ان ثمودَ » بفتح الدال بدون تنوين . والباقون : « ثمودا » بالتنوين .
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)
فما لبث : أسرع . حنيذ : مشوي بالحجارة المحاماة . نكرة : أنكره ، ضد عرفه . واوجس منهم خِيفة : احس بالخوف . يا ويلتا : يا عجبا . البعل : الزوج . (2/228)
جاء ذِكر إبارهيم عليه السلام في خمس وعشرين سورة سيأتي بعض التفصيلات عنها في سورة ابراهيم .
{ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } .
ولقد أرسلنا الملائكة إلى ابراهيم تبشِّره بأن الله سيرزُقُه غلاماً من زوجته سارة . وكان له اسماعيل من هاجر . فقالوا يحيُّونه : سلاماً ، فقال : سلام ، وأسرع فهيَّأ لهم طعاماً لذيذاً ، عِجلاَ مشوياً ، وكان كريماً يحب الضيوف .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « قال سلم » بكسر السين وسكون اللام .
{ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } .
استغرب ابراهيم حال ضيوفه حين رأى أيديَهم لا تمتد الى الطعام ، وأَدرك أنهم ليسوا من البشرَ ، وأَضمر ذلك في نفسِه وخافَ أن يكون مَجيئهم لأمرٍ خطيرٍ لا يعلمه . فالذّي لا يأكل الطعام من الضيوف يكون امره مريباً ، ويُشعر بأنه ينوي خيانةً او غدراً حسب تقاليد العرب .
وعند ذلك شفوا له عن حقيقتِهم ، قالوا : لا تخفْ ، لقد أُرسِلْنا إلى قومِ لوطٍ لإهلاكهم . وكانت ديارهم قريبةً من ديار ابراهيم .
{ وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } .
وكانت امرأةُ إبراهيم سارة واقفةً تسمع ما يقال ، فضحكتْ سروراً بالأمنِ من الخوف ، فبشَّرها الملائكة بأن الله سيرزقها ولداً اسمُه اسحاق ، ومن بعدِه سيولد لإسحاقَ يعقوب .
قراءات :
قرأ ابن عامر وحمزة حفص « ويعقوب » بنصب الباء ، والباقون « ويعقوب » بالرفع .
{ قَالَتْ ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ } .
قالت سارة متعجبة : كيف ألد وأَنا كبيرة في السن عجوز ، وهذا زوجي كما تَرَونه شيخاً كبيراً لا يولَد لمثله! إن بشارتكم هذه شيء عجيب مخالف لما هو معروف .
{ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } .
قال الملائكة : لا ينبغي لك ان تعجبي من قُدرة الله وأمرهِ . انه لا يعجِزه شيء .
لتكنْ هذه معجزةً من معجزاته الخارقة للعادات ، وهي رحمةٌ منه لكم واحدى نعمه الكثيرة عليكم يا أهلَ بيتِ النبوّة . وهل جلَّ ثناؤه مستحقّ لجيمع المحامد ، حقيق بالخير والاحسان .
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)
الروع : الخوف . حليم : يصبر على من آذاه وجهل عليه ويعامله بلطف . اواه : كثير التأوه والتضرع الى الله . منيب : يرجع الى الله في كل امر . (2/229)
وكان ابراهيم عليه السلام رجلاً رقيق القلب ، فلما عَلِمَ أن قومَ لوطٍ هالكون ، كما أعلمه الملائكة- أخذتْه الشفقةُ عليم ، فجعلَ يجادل ويسأل الرحمة بهم ، رجاء ان ينظُر الله اليهم نظر رحمة .
قال تعالى :
{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع وَجَآءَتْهُ البشرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } .
حين اطمأن ابراهيم الى ان ضيوفه ملائكة من رسُل الله ، وذهب عنه الخوف ، وسكن قلبه ببُشرى الولد التي حمولها اليه ، أخذ يجادل الملائكة في خلاك قوم لوط . وكان لوط هذا ابن أخ ابراهيم ، وقد آمن بعمه كما قال تعالى : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي } [ العنكبوت : 26 ] .
{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } .
لقد جادل ابراهيم الملائكة في عذاب قوم لوط لأنه كان يعمل ان لوطاً من الصدِّيقين ، ولان ابرايهم نفسهَ كان حليماً لا يعْجَل بالانتقام من المسيء ، بل هو كثير التأوُّه والتضرُّع الى ربه ، ويرجع في كل اموره الى الله .
{ ياإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } .
وجاءه الرد بقوله الملائكة : دعْ هذا الجدل لمصلحة قوم لوط والتماس الرحمة لهم يا إبراهيم ، فقد صدر أمرُ ربك بهلاكهم ، فالعذاب آتيهم لا يُرَدّ ، بعد أن حقَّت عليهم الكلمةُ بالهلاك .
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)
سيء بهم : ساءه مجيئهم . وضاق بهم ذعا : تحير ولم يطق هذه المصيبة . الذرع : منتهى الطاقة ، يقال : ضاق الامر ذرعا : اذا صعب عليه احتالُه عصيب : شديد يُهرَعون اليه : يسرعون . لا تخزوني : لا تخجلوني . رشيد : عاقل الى ركن شديد : الى من ينصرني من اصحاب النفوذ . (2/230)
{ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ } .
كان لوط ابنَ أخِ ابراهيم . آمن بنبوّة عمّه وتَبعه في رحلاته . فكان معه بِمِصْرَ وأغدق عليه ملكُ مصرَ كما اغدق على ابراهيم . فكثُر ملاه ومواشيه . ثم إنه افترقَ عن ابارهيم لأن المكانَ الذيسكنه عمّه لمي عد يتسع لمواشيهما ، ونزل سدوم في جنوب فلسطين ، وهو المكان الذي فيه البحر الميت الآن .
وقد ذكر لوط في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرة في اربع عشرة سورة هي : الانعام ، الاعراف ، هود الحجر ، الانبياء ، الحج ، الشعراء ، النمل ، العنكبوت ، الصافات ، ص ، ق ، القمر ، التحريم .
وكان أهلُ سَدوم ، قوم لوط ، ذوري أخلاق دنيئة لا يتسحون من منكر ، ولا يتعفّفون عن معصية ، بل يأتونها علناً على رؤوس الاشهاد ، كما قال تعالى : { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر } [ العنكبوت : 29 ] .
وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سُوَر ، وخلاصتها ان قوم لوطٍ كانوا من الشرّ بمكان . . . كانوا يقطعون الطريقَ على السابلة ، قد ذهب الحياء من وجوههم فلا يستقبحون قبيحا ، ولا يَرْغَبون في حَسَن . وكانوا قد ابتدعوا من المنكَرات مالم يسبقهم اليه أحَد ، ومن ذلك أنهم يأون الذكورَ من دون النساء ، و يرون في ذلك سوءا . وقد وعظَهم لوط ونصحهم ونهاهم وخوَّفهم بأسَ الله فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا . فلما ألحّ عليهم بالعِظات والإنذار هدّدوه : تراةً بالرجم ، وتارةً بالإخراج ، لأنه غريب ، الى أن جاءَ الملائكةُ الذين مرّ ذِكرهم . وقد جاءوا الى لوط بهيئةِ غِلمان مُرْدٍ حسان الوجوه ، فلّما جاءوا على هذه الهيئة تألَم واستاء ، واحسّ بضعف عن احتمال ضيافتهم وحمايتهم من فساد قومه ، وقال : هذا يومٌ شديد ، شرُّه عظيم .
{ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } .
ولما علم قومُ لوط جاءوا مسرعين اليه ، وكانوا معتادين على ارتكاب الفواحش والفُسوق وعملِ السيئات .
{ قَالَ ياقوم هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } .
وحاول لوط ردَّهم فقال : يا قوم ، هؤلاء بناتي ، تزوجوا بهن ، ذلك أظهرُ لكم من ارتكاب الفواحش مع الذكور . . . اخشوا الله واحذَروا عقابه ، و تفضحوني بالاعتداء على ضيوفي ، الي فيكم رجلٌ عاقل سديدُ الرأي يردّكم عن الغيّ والضلال!!
{ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } .
فأجابه قومُه بقولهم : أنت تعلم أ ، ا لا نريد النساء كما تعلمُ ما هي رغبتُنا .
وأَجمَعُوا أمرَهم على فعلِ ما يريدون من العمل الخبيث . (2/231)
عند ذلك تحيرّ لوط ، وأَحسّ بضعفه ، وهو غريبٌ بينهم ، لا عشيرةَ له تحميه ، فقال بحزن :
{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } .
آه لو كان لي قوة تدفعكم عن بيتي هذا ، او ركن شديد أعتمدُ عليه في حماية ضيوفي ، ومنعكم من ارتكاب السيئات .
وفي صحيح البخاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وهو يقرأ هذه الآيات يقول : « يغفرُ الله للوط ، أنه كان لَيأوي إلى ركن شديد » .
فلما ضاق الأمر واستحكمت حلقاته ، وبلغ الكرب اشده ، كشف الرسل عن حقيقة أمرم وأَنهم ملائكة فقالوا :
قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ . . . } .
قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
فأسر بأهلك : فسِرْ بأهلك في الليل ، السرى والاسراء : السير ليلاً . بقطع من الليل : بجزء منه . من سجيل : من طين متحجر . منضود : متتابع منتظم . مسومة : لها علامة خاصة . (2/232)
فما اشتدالأمرُ على لوط ، وضاقت عليه الأرض بما رحُبَت ، قالت الملائكة ، وقد ظهرت على حقيقتها : لا تخف يا لوط ، نحن رسُل ربك ، ولسنا بشرأً كما بدا لك . ان قومك لن يؤذوك . سنمنعهم من ذلك . ولن يصلوا اليك بشر او ضر ، أَسر بأهلك ليلاً ، واخرج بهم من هذه القرية ، ولا يلتفت أحدٌ منكم خلفه لكيلا يرى هولَ العذاب فيُصابَ بشرٍ منه ، الا امرأتك التي لم تؤمن فإنها من الهالكين مع قومها ، ان موعد هلاكهم الصبح ، وهو موعدٌ قريب .
فلما جاء وقت لاعذاب قلَبْنا ديارهم ، بهم ، وجعلنا عاليَها سافلَها ، وأَمطرنا عليهم حجارةً من طينٍ متحجّر ، عليها علامة من عند ربك .
{ وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ } .
ليس العذاب الذي حل بقوم لوط وديارهم بعيا عنكم أيها المشركون من أهل مكة .
قراءات :
قرأ بان كثير ونافع : فاسر بهمزة الوصل ، والباقون : « فأسر » من الإسراء . وقرأ ابن كثير وابو عمرو : « الا امراتُك » بالرفع ، والباقون : « الا امرأَتك » بالنصب .
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)
الا بتخسوا الناس اشياءهم : لا تنقصوهم من حقوقهم . ولا تعثَوا في الارض مفسدين : لا تبالغوا في الافساد . بقية الله : ما ابقاه الله لكم من الربح الحلال . (2/233)
تقدم ذكر قصة شُعيب في سورة الاعراف ، وقد ذُكر شعيب في القرآن عشر مرات في سورة الاعراف وسورة هود ، وفي سورة الشعراء وسورة العنكبوت . وفي كل موضع من العظمات والأحكام ما لي في الأخرى .
وأرض قومه فهي مَدْين في شمال الحجاز لا تزال معروفة الا الآن ، ويسمي المفسِّرون شُعيباً خطيب الانبياء لحسن مراجعته قومَه وبراعته في الحوار واقامة الحجة عليهم . ويقول الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتابه « قصص الأنبياء » صفحة 149 :
« أما شُعيب فقد كان زمنه قبل زمن موسى ، فان الله تعالى لما ذكر نوحاً ثم هوداً ثم صالحاً ثم لوطاً ثم شعيباً قال : » ثم بعثنا من بعدِهم موسى بأياتنا الى فرعون وملأه « سورة الاعراف ، ومثل ذلك في سورة يونس وهود والحج والعنكبوت . . . » .
ولقد أرسلْنا الى قومِ مدين أخاهم في النسَب شعينا ، قال لهم : يا قوم اعبُدوا الله وحده ، ليس لكم إله يستحق العبادة غيره ، ولا تنقُصوا المكيالَ والميزان حين تبيعون . إن اراكم أهل ثروة واسعةٍ في الرزق تُغنيكم عن الدناءة في بخس حقوق الناس وأَكل اموالهم بالباطل ، وأخاف ان يحلّ عذابُ يومٍ يحيط بكم لا تستطيعون تفلتوا من اهواله اذا لم تشكروا الله وتطيعوا امره؟
{ وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط } .
أتمُّرهما بالعدْل دون زيادة ولا نقصان .
{ وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ } .
بسرقة أموالهم بالباطل .
{ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ } .
ولا تفسدوا في الارض بقطع الطريق ، وتهديد الأمن ، وتعطيل مصالح الناس .
{ بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } .
ان ما يبقى لكم من المال الحلال الذي تفضّل اللهُ به عليكم خيرٌ لكم من المال الذي تجمعونه من الحرام ، ان كنتم تؤمنون بالله حقّ الإيمان ولست استطيع أن أكون عليكم رقيبا أحصي أعمالكم واحاسبكم عليها .
قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)
بينة : حجة واضحة ، ان اخالفكم الى ما انهاكم عنه : ولا أريد ان أفعل ما انهكم عنه . واليه أنيب : الى الله ارجع . ولا يجرمنكم شقاقي : لا يحملنكم الخلاف بيني وبينكم على العناد . (2/234)
بعد ان بين الله تعالى أمرَ شعيب لقومه بعباده الله وحده وعدم النقص في الكيْل والميزان- ذكر هنا ردَّهم عليه ، ثم أعدا النُّصح لهم بأنه لا يريد لهم الا الإصلاح ، فقالوا متهكّمين به :
أصلاتُك يا شعيب تأمُرك ان نتركَ ما كان يعبد آباؤنا؟ ون لا نتصرّف في أموالنا كما نشاء؟ افأنت الحليمُ الرشيدُ كما هو معروف بيننا؟ .
فأجاب شعيب :
يا قوم ، أرأيتم ان كنتُ على حجةٍ واضحة من ربي ( وهي النبوة ) ورزقَني منه رزقاً حسنا . . . هل يصحُّ لي مع هذه النعم الجزيلة ان كتَم ما أمرين بتبليغه لكم؟ إنني لن آتي ما أنهاكم عنه لأستبدَّ به دونكم ، وانما اريد الإصلاح قدر طاقتي ، وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي الا بهداية الله تعالى ، عليه توكلت في أداء ما كلّفني من تبليغكم ، وإليه أرجع في كل ما أهمَّني .
ويا قوم ، لا يحملنَّكُم الخلافُ بيني وبينكم على العناد والإصرار على الكفر . عندئذ يصيبكم ما أصاب قومَ نوح من الغرق ، او قوم هودٍ من الريح ، او قوم صالح من الرَّجْفة . ان ديار قوم لوط قريبة منكم ، فاتبروا بما أصابهم .
{ واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } .
واطلبوا من اللهِ ان يغفرَ لكم ذنوبكم ، ثم ارجِعوا إله نادمين ، فهو يرحم من اسغفر واعتذر ، ويتودد الى عباده بالإنعام عليهم ، والنصح لهم .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وحفص : « اصلاتك » بالافراد ، والباقون : « اصلواتك » بالجمع .
قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)
ما نفقه : ما نفهم . لولا رهطك : ولولا جماعتك . لرجمناك : لرميناك بالحجارة . واتخذتموه وراءكم ظهريا : وراء ظهرهم نسيا منسيا . اعملوا على مكانتكم : ما يمكنكم ، اقصى استطاعتكم . ارتقبوا : انتظروا الصحية : صيحة العذاب . جاثمين : باركين على ركبهم مكيبن على وجوههم . كأن لم يغنوا : كأنهم م يقيموا في ديارهم ولم يسكنوها . بُعداً لمدين هلاكا لهم . (2/235)
قالوا : يا شعيب ، نحن لا نفهم كثيراً مما تقول ، وأنت بيننا ضعيف في مكانتك ، ولولا ان عشيرتك عزيزةٌ علينا لقتلناك رَجماً بالحِجارة ، وما انت علينا بعزيز حتى نجلّك ونحترمك .
قال شعيب : يا قوم أعشيرتي أعزُّ عليكم من الله ارسلني اليكم! لقد جعلتم أوامره منبوذةً وراء ظهوركم . . ان ربي محيط بكل ما تعملون .
يا قوم ، اعملوا ضدي كل ما تستطيعون ، أما انا فسأظل أعمل على الثبات والدعوة الى الله . وسوف تعلمون من منّا الذي يأتيه عذاب يفضحُه ومن هو كاذب انتضِروا وأنا معكم من المنتتظِرين .
ويحن جاء عذابُنا نجَّينا شعيباً ومن آمنَ معه ، واخذت الظالمين من اهل مدين الصيحةُ المهلكة ، فأصبحوا في ديارشهم باركين مكبيّبين على وجوههم .
وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم باركين مكبين على وجوههم .
وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم خاوية كأنْ لم يقيموا فيها . الهلاكُ لمدين ، وبعداً لهم من رحمة الهل كما بعدت ثمود من قبلهم .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)
الآيات التسع المعدودة في سورة الإسراء ، والمفصلة في سورة الاعراف وغيرها . سلطان مبين : الحجة الواضحة والدليل الظاهر . الملأ : اشراف القوم وزعماؤهم : بلوغ الماء ، والمورد : الماء . وهنا استعمل بمعنى النار مجازا . والرفد : العطاء والعون ، والمرفود : المعطى . (2/236)
لقد تكرر ذِكر موسى عليه السلام في القرآن الكريم مراتٍ كثيرة ، ولما ذكر سبحانه ما أصاب أقوامَ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ، اشار في هذه الآيات الى قصص موسى مع فرعون وقومه للإعلام بان عاقبة فرعون وزعماء قومه الهلاكُ مثل الظالمين من اولئك الأقوام ، والغاية من ذلك العبرة والعظة .
لقد ارسلنا موسى ، مؤيَّداً بالمعجزات الدالة على صدقه والحجّة ، إلى فرعون وكبار قومه . فكفر فرعون وأمر قومه ان يتبعوه في الكفر ، فاتبوعوا أمره وخالفوا أمر موسى . ولي ما فعل مما يدل على الرشد . وسيأتي يوم القيامة يتقدم قومه كما كان يتقدمهم في الدنيا ، فيوردهم النار . ولبئس ذاك المورد . فعلى فرعون وعليهم لعنة الله والملائكة والناس . « بئس الرفد المرفود » بئس العطاء المعطى . . . اي تلك اللعنة .
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)
منها قائم : موجود . وحصيد : محصود أمّحت آثاره كالزرع المحصود . تتبيب : اهلاك وتخسير تب : هلك وخسر . (2/237)
{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ } .
ان هذا القصص يا محمد هو بعض اخبار القرى التي أهلكناها ، وهي جديدة عليك لم تكن تعلمها من قبل ، لكن الوحي من لدنّا ينبئك بهذا الغيب . وذلك بعض اغراض القرآن في قصصه . « منها قائم » ومن هذه القرى ما لا تزال آثاره تشهد بما بلغ أهله من القوة والعمران ، كآثار الفراعنة بمصر ، وبقايا عاد وثمود ، « وحصيد » ومن تلك الآثار ما درس وزال ، كأنه زرع محصود ، كما حل بقوة نوح او قوم لوط وغيرهم .
{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التي يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } .
وما ظلمناهم بإهلاكهم ، ولكنّهم ظلموا أنفسَهم بالكفر وعبادةِ غير الله والفساد في الارض ، فما استطاعت آلهتُهم ان تردّ عنهم الهلاك ، ولا نفعتْهم بشيءٍ لما جاء أمر ربك ، فما زادوهم غير هلاكٍ وتخسير .
{ وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .
مثل هذا الذي قصصنْا عليك من الأخذِ الشديد يأخذ ربُّك القرى حين يهلكها وهي ظالمة مشركة تَدين لغيره بالربوبية .
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)
لا تكلم : لا تتكلم . يوم مشهود : يشهده جميع الناس . لأجل معدود : معين الزفير : تنفس الصعداء من الهم والكرب . شهيق : نشيج في البكاء اذا اشتد تردده في الصدر وارتفع به الصوت . غير مجذوذ : غير مقطوع مرية : شك . (2/238)
بعد ان ذكر اللهُ تعالى العبرةَ في إهلاك الأمم في الدنيا ، ذكره هنا العبرة بجزاء الآخرة للأشقياء والسعداء ، وما ينال الاشقياءَ من العذاب والخلود في النار . ما يتمتع به المؤمنون في الجنة .
{ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } .
ان في ذلك القصص عبراً ومواعظ يعتبر بها من آمن بالله وخاف عذاب الآخرة بعد يوم القيامة ، وهو يوم يُجمع له الناس كلهم للحساب ، وتشهدهُ الخلائق جميعا من الجن والانس والملائكة .
{ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } .
ونحن نؤخر ذلك اليوم حتى تمضي مدة محدّدة في عالمنا لا تزيد ولا تنقص ، ولم يُطلع عليها أحداً من الخلق .
{ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } .
في ذلك اليوم الذي يأتي لا تتكلَّم نفس من الأنفس الا بإذنه تعالى ، ويكون الناس فريقين : شقياً مستحقاً للعذاب الأليم ، وسعيداً مستحقاً لما وُعد به المتقون من نعيم الآخرة
قراءات :
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة : « يوم يأتِ » بكسر التاء بدون ياء . والباقون « يوم يأتي » بالياء .
ثم فصل جزاء الفريقين فقال :
{ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } .
فاما الذين شقوا في الدنيا ففي النار مآلُهم يكون فيها تنفُّسه مصحوباً بآلام مزعجة ، وشهيقُهم يشتد تردُّده في الصدر من شدة كروبهم .
{ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } .
خالدين في ا لنار ما دامت السموات والارض ، لا يخُرجون منها الا في الوقت الذي يشاء الله ، وليعذِّبَهم بنوعٍ آخر من العذاب . ان ربك أيّها النبي فعّال لما يريد فعله ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
{ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } .
اما الذين رزقَهم الله السعادةَ فيدخلون الجنة خالدين فيها الى ما لا نهاية { إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } الا الفريق الذي يشاء الله تأخيرَه عن دخول الجنة مع السابقين ، وهم عصاةُ المؤمنين ، وهؤلاء يتأخَرون في النار ريثما يم توقيع الجزاء عليهم ، ثم يخرجون منها الى الجة ويعطي ربك أهل الجنة عطاءً دائماً غير مقطوع ولا منقوص .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وحفص : « واما الذين سعدا » بضم السين وكسر العين والباقون : « سعدوا » بفتح السين وكسر العين .
{ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } . (2/239)
بعد ان بيّن الله تعالى قصص عبدةِ الأوثان وما آل اليه أمرهم ، ثم أتبعه بأحوال الاشقياء والسعداء - أعاد الخطاب الى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليسرّي عنه عن المؤمنين معه ويثبتهم .
ما دام امر الأمم المشركة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصنا عليك يا محمد- فلا يكن لديك أدنى شكٍ في مصير عَبَدِة الأوثان من قومك . انهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم من قبل ، من الاوثان والاصنام فهم مقلِّدون لهم ، وسوف نعطيهم نصيبهم من العذاب جزاء اعمالهم وافيا على قدر جرائمهم .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)
شك منه مريب : قوي دائم . طرفي النهار : الغدوة العشيّة ، يعني صلاة الصبح والظهر والعصر . وزلفاً من الليل : الساعات الاولى منه ، صلاة المغرب والعشاء . (2/240)
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } .
بعد ان ذكّر مشركي مكة بالماضين من أمثالهم ، وما جرى لهم في الدنيا وما سينالهم في الآخرة - ذكّرهم هنا في هاتين الآيتين بقوم موسى ، واختلافهم في الكتاب . فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، فلا عجب أن آمن بك قومٌ ايها الرسول وكفر بك آخرون .
ولقد آتينا موسى التوراة فاختلف بنو اسرائيل فيها ، ولولا كلمةٌ سبقت من ربك بتأخير عذابهم الى يوم القيامة لفصل بينَهم بإهلاك المبطِلين ونجاة المحقّين . ان كفار قومك يشكّون في صدق القرآن ، وكذلك هؤلاء ورثوا التوراة واقعون في حيرة وبعدٍ عن الحقيقة .
{ وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .
ان ربّك سيوفي كل فريق من هؤلاء : المصدّقين والمكذبين ، جزاء اعمالهم ، وهو خبير بهم يحيط علمه بكل ما يعملون .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابو بكر « وان كلا » باسكان النون . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة « لما » بالتشديد والباقون « لما » بالتخفيف .
وبعد ان بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة ، وذكَرَ وعْدَهم ووعيدَهم- أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بالاستقامة ، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعمل والعمل والاخلاق الفاضلة ، فقال .
{ فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
ما دام هذا حالُ الأمم التي جاءها كتاب من الله فاختلفت فيه وخرجت عليه ، فاستِقم انت يا محمد ومن معك من المؤمنين ولا يتتجاوزوا حدودَ الاعتدال ، انه سبحانه محيط علمه بكل ما تعملون .
{ وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } .
لا تميلوا ادنى ميلٍ ولا تطمئنوا الى اعداء الله وأَعدائكم الذين ظلموا أنفسَهم بالكفر والشرك فتستَحِقّوا عذابَ النار مثلهم . انه لا ناصر لكم غير الله ، ولا تنصَرون الا بالاستقامة والايمان .
وكذلك لاتسكُتوا عن المنكر إذا رأيتموه . . . فإن الامام أحمد وأصحاب السُنن رووا عن ابي بكر رضي الله عنه انه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ان الناس رأوا المنكَر بينهم فلم يُنكِرونه ، يوشكُ أن يعمَّمهم الله بعاقبه » وهذا ما هو حاصل فينا اليوم .
{ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ } .
بعد ان امر الله رسولَه بالاستقامة وعدم تجاوُزِ ما رسمه الدين ، وعدم الركون الى الظالمين ، أمره هنا بأفضلِ العبادات وأجلّ الفضائل ، فقال :
يا محمد ، أقمِ الصلاة كاملة على أحسن وجه ، وداومْ عليها في طرفَي النهار ( وهما أوله وآخره ) وفي اوقات متفرقة منه .
وهذه تشمل أوقاتَ الصلاة المفروضة دوت تحديد عددها ، لكن السُّنة وعمل الرسول الكريم حددت ذلك . وقد خصّ الله تعالى الصلاة بالذكرلانها أساس العبادات . (2/241)
{ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } .
ان الأعمال الحنسة تمحو السيئات التي قلّما يخلو منها البشر ، والمراد بالسيئات الذنوب الصغيرة ، لان الكبائر لا يكفّرها الا التوبة . كما قال تعالى { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [ النساء : 31 ] .
وفي الحديث الصحيح : « الصلوات الخمسُ كفّارة لما بينَها ما اجتُنبت الكبائر » رواه مسلم وفي صحيح البخاري ايضا : « أأيتُم لو ان نهراً بباب أحدِكم يغتسل فيه لك يوم خس مرات ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا : لا قال : فذلك ملُ الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا » .
{ ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ } .
ان في الوصايا السابقة من الاستقامة ، والنهي عن الركون الى الذين ظلموا ، واقامة الصلاة في تلك الأوقات عبرةً للمتعظين المستعدين لقبولها ، الذين يذكرون ربهم على الدوام .
والاستقامة في حاجة الى الصبر ، ولذلك عقب الله على ذلك بقوله :
{ واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } .
اصبر ايها النبي على مشاق ما أمرناك به ، فالاستقامة احسان ، واقامة الصلاة في اوقاتها احسان ، والصبر على المكاره احسان ، والله لا يضيع أجر المحسنين .
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)
فلولا : فهلا القرون : جمع قرن ، الجيل من الناس وشاع تقديره بمائة سنة . اولوا بقية : ما يبقة من اهل الصلاح والعقل . ما اترفوا فيه : ما تنعموا فيه من ملذات الدنيا فافسدتهم وابطرتهم . وتمت كلمة ربك : قضاؤه وأمره . (2/242)
{ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض } .
فهلاَّ وجد هناك من أهل القرون التي كانت قبلكم جماعةٌ اصحابُ شيء من العقل او الرأي والصلاح ينهون قومهم عن الفساد في الأرض .
{ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ واتبع الذين ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } .
ولكن كان هناك نفَر قليل من المؤمنين لم يُسمع لهم راي ولا توجيه فأنجاهم الله مع رسلهم . أما الظالمون المعانِدون فقد تمسّكوا بما رزقناهم من أسباب الترف والنعيم فبطِروا واستكبروا وصدّوا عن سبيل الله ، وكانوا بذلك مجرمين .
ثم بين الله تعالى ما يحول بين الأمم وإهلاكها فقال :
{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } .
ما كان من سنة الله ، ولا من عدله في خَلقه ، ان يظلم أمةً من الأمم فيهلكها وهي متمسكة بالحق ، ملتزمة الفاضئل . وهذا هوا لعدل من احكم الحاكمين .
{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } .
لو شاء ربك ايها النبيّ لجعلَ الناس على دينٍ واحد ، مطيعين الله بطبيعة خلْقتهم ، كالملائكة ، ولكان العالَم غير هذا العالم ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك ، بل خلقهم مختارين كاسِين ، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم ، وهي لا يزالون مختلفين في كل شيء حتى في اصول العقائد ، تبعا لميولهم وشهواتهم وتفكيرهم .
الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } .
لا يزالون مختلفين في شئونهم الدنيوية والدينية ، الا من رحم الله منهم لسلامة فِطَرهم ، فانهم اتفقوا على حكم الله فيهم ، فآمنوا بجميع رسله وكتبه واليوم الآخر . ولهذه المشيئة التي اقتضتها حكمته تعالى في نظام هذا الكون ، خلَقهم مستعدّين لهذا الاختلاق ليرتب على ذلك استحقاق الثواب والعقاب .
{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ } .
ولقد سبق في قضائه وقدَره وحكمته النافذة ، أن يملأ جهنم من اتباع ابليس من الجن والناس من الذين ظلموا ولا يهتدون .
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)
نقص عليك : تخبرك . من ابناء الرسل : من اخبارهم نثبت : نقوي على مكانتكم : على تمكنكم واستطاعتكم . (2/243)
في خاتمة السورة خطاب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن في قصص الأنبياء والأمم القديمة فائدةً عظمى له وللمؤمنين ، وهي تثّبت الفؤاد وتُلقي العظمة .
{ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } .
إننا نقصّ عليك ايها النبي كلّ نبأ من انباء الرسُل المتقدمين مع أممهم كيما نقوي قلبك على تحمل اعباء الرسالة . وقد جاءك في هذه الأنباء بيان الحق الذي تدعو اليه مثلما دعا اليه السابقون من الرسل ، وفيها موعظة وذكرة وعبرة ينتفع بها المؤمنون .
{ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ } .
ايها النبيّ ، قل للذين يصرّون على العناد والكفر : اعملوا ما تستطيعون من محارة الاسلام وايذاء المؤمنين ، فاننا ماضون في طريقنا على قدر ما نستطيع من الثابت على الدعووة وتنفيذ أمر الله .
{ وانتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } .
وانتظروا بنا ما تترقبون لنا . إننا كذلك منتظرون وعدَ الله لنا بنجاح الدعوة والانتصار .
{ وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } .
ولله وحده علم الغيب في هذا كله ، واليه وحده يرجع تصريف كل أم من الأمور . واذا كان الامر كذلك فاعبد ربك وحده ، وتوكل عليه ، وامتثل ما أُمرت به من دوام التبليغ والدعوة وما ربك بغافل عما تعملون جميعا ايها المؤمنون والكافرون . وقد صدق وعده ونصر عبده ، واظهر دينه على الدين كله .
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)
الف . لام . را . سبقت الاشارة الى تلك الحروف وأمثالها في القرآن الكريم . المبين : الواضح المرشد الى مصالح الدنيا وسبيل الوصول الى سعادة الآخرة . (2/244)
{ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
لقد انزلنا هذا الكتاب على النبي العربي ليبّين لكم بلُغتكم نفسِها ما لم تكونوا تعلمونه ، فعلنا ذكل تسهيلاً عليكم في أن تعقلوا معانيه وتفهموا ما ترشد اليه آياته من مطالب الروح ، ومدارك العقل .
{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } .
نحن نروي لك يا محمد أحسنَ الأخبار التي تتضمن العِبر والحِكَم ، بإيحائنا اليك هذا القرآن ، وكنتَ قبل نزوله عليك لا تعلم شيئا عنها ، وبخاصة أنك في مجتمع أميّ جاهل لا يعرف شيئاً من أمور الماضين ولاِأخبار الأنبياء واقوامهم .
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
أحد عشر كوكبا : هم اخوة يوسف . والشمس والقمر : ابوه وامه الرؤيا : ما يراه النائم في المنام . يجتبيك ربك : يختارك ويصطفيك . تأويل الاحاديث : تعبير الرؤيا . (2/245)
قال يوسف لأبيه يعقوب : لقد رأيتُ في منامي أحد عشر كوكبا ساجدة لي ، ومعها الشمس والقمر ساجدين أيضاً . ( وهذا السجود سجودُ تعظيم لا سجودَ عبادة ) وقد عِلَمَ أبوه ان هذه الرؤيا سيكونُ لها شأنٌ عظيم ، وان يوسفَ سيكون له مستقبل وسلطان يسود به أهلَه والناس ، فقال لولده : يا بنيّ ، لا تقصَّ على إخوتك هذه الرؤيا ، فإنها تثير في نوسهم الحسدَ ويكيدون لك كيداً عظيما ، فالشيطان بالمرصاد للانسان وهو عدوه الظاهر على الدوام .
لقد اصطفاك ربك يا يوسف فأراك هذه الرؤيا التي تبشّر بخير عظيم ، وسختارك أيضاً للنبوة والملك ، ويعلّمك الرؤيا ، فيعظُم قدرُك وذكرك . وتتم نعمة الله عليك بالنبوّة ، كما أتمّها من قبلُ على أبويك : ابرهيم واسحاق إنه عليم بمن يصطفيه حكيم في تدبيره .
ان بعض الرؤى حقّ ، ويتحقق كثير منها في المستقبل ، وما ورد في هذه السورة من وقوع مصداق رؤيا يوسف وصاحبيه في السجن ، ورؤيا ملك مصر - يجعلنا نؤمن بها . وقد حصل معنا الكثير من الرؤى ومع اشخاص عرفناهم ، وتحقق بعضا في حالات متكررة .
قراءات :
قرأ ابن عامر : « يا ابت » بفتح التاء والباقون : « يا ابت » بكسر التاء .
لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)
آيات : عبر . عصبة : جماعة اقوياء . الجب : البئر غيابه الجب : قعرها بعض السيارة : بعض المسافرين من القوافل يرتع : يلهو ينعم . واوحينا اليه : ألهمناه . لتنَبَّئهم : سوف تخبرهم فيما بعد . (2/246)
لقد كان في قصة يوسفَ وإخوته عِبَرٌ للسائلين عنها والراغبين في معرفتها ، اذا قال إخوة يوسف لبعضهم : إن يوسفَ وأخاه أحبُّ على أبينا منا ، فهو يفضّلهما علينا على صغرهما . ونحن أكبرُ منهما وأنفعُ لكن أبانا بإيثاره يوسف وأخاه بنيامين يقع في الخطأ ويتعمد البعد عن الحق والصواب .
وتشاوروا فيما بينهم ، فقال بعضهم : اقتلوا يوسف حتى لا يكون لأبيه أمل في لقائه ، او أبعدوه الى أرضٍِ بعيدة عن العمران حتى يلا يهتدي الى العودة منها . بذلك يخلُص لكم حبُّ أبيكم ، وتصيرون قوماً يرضى عنكم ، اذ يقبل الله توبتكم ، ويقبل ابوكم اعتذاركم .
فقال : واحد منهم : لا تقتلوا يوسف ، ان ذلك ذنبٌ عظيم ، ويكفي ان تُلقوه في قعر بئر يلتقطه منها بعض المسافرين من القوافل . . . وبذا يتم لكم ما تريدون .
قراءات :
قرأ نافع : « في غيابات » بالجمع والباقون « غيابه بالمفرد .
فأعجبهم هذا الرأي وأقرّوه ، وذهبوا الى أبيهم يخادعونه ، ويمركون به وبيوسف ، فقولوا له : يا أبانا ، لماذا تخاف على يوسف منّا فلا تأمنّا عليه؟ نحن نحبه ونُشفق عليه ، فأرسلْه معا غداً الى المراعي . ؟ هناك يتمتع بالأكل الطّيب ، ويلغب ويمرح شأن بقية الصبيان ، ونحن نحرص عليه من كل مكروه .
قراءات :
قرأ ابن كثير : » نرتع ونلعب « بالنون فيها ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر : » نرتع ونلعب « بالنون وجزم العين . وقرأ نافع : » يرتع ويلعب « .
قال ابرايهم : إنني لأشعر بالحزْن إذا ذهبتم به بعيدا عني ، وأخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه لاهون .
قراءات :
قرأ الكسائي وخلف : » الذيب « بدون همز . والباقون : » الذئب « بالهمز .
قالوا : كيف يأكله الذئب ونحن جماعة قوية! لا خير فينا لأنفسنا في تلك الحال .
وذهبوا به لينفذوا المؤامرة ، واتفقوا على إلقائه في غور البئر وفي تلك اللحظات ألهمناه الاطمئنان والثقة بالله ، وانه سيعيش ويذكر إخوتَه بموقفهم هذا منه فيما بعد .
وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)
بعد ان بيّن الله تعالى أن كلّ من في السموات والأرض خاضعٌ لقدرته عاد الى المشركين يسألُهم عدة أسئلةٍ ليُلزمهم الحجّةَ ويقنعهم بالدليل . (2/247)
قُل لهم ايها النبي : من خَلَقَ السماواتِ والأرضَ؟ فإن لم يجيبوا فقُل لهم : إن الذي خلق هذا الكونَ وما فيه هو الله ، ثم اسألهم وقل لهم : كيف اتّخذتم مِن دونِ الله أرباباً مع انهم لا يملكون لأنفسهم ولا لكم نفعا ولا ضرا!؟
ثم ضرب مثلاً للمشركين الذي يعبُدون الأصنامَ وغيرها من دون الله ، والمؤمنين المصدِّقين بالله ، فقال :
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير؟ } .
هل يستوي الأعمى الذي لا يُبصر شيئاً ولا يهتدي ، مع البصير الذي يُبصر الحقّ فيتّبعه .
ثم ضربَ مثلاً للكفر والايمان فقال :
{ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظلمات والنور؟ } .
لا يستوي الكُفر والإيمان ، فالظلماتُ التي تحجُب الرؤيةَ هي التي تلفُّهم وتكفُّهم عن إدراك الحق الظاهر المبين .
ام جعلوا لله شركاءَ خلقوا كخلقه فاشتبه الأمرُ عليهم فلم يعرِفوا من خَلَقَ هذا ومن خلق ذاك ، قل لم أيّها النبي : اللهُ وحده هو الخالقُ لكلّ ما في الوجود ، وهو الواحد القهار الغالب على كل شيء .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وابو بكر : « هل يستوي الظلمات والنور » بالياء ، والباقون « تستوي » بالتاء كما هي في المصحف .
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)
اكرمي مثواه : أحسني معاملته . المثوى : مكان الاقامة مكنا ليوسف : جعلنا له مكانه رفيعة . والله غالبٌ على امره : قادر عليه من غير مانع حتى يقع ما أراد ، او غالب على امر يوسف يدبره ويحوطه . بلغ اشده : استكمل قوته وبلغ رشده . آتيناه حكماًوعلما : وهبناه حكما صحيحا صائبا ، وعلما بحقائق الاشياء . (2/248)
انتهت محنة يوسف الاولى ، وبدأ عهداً جديداً في بلدٍ جديد عليه ، ومجتمع غريب مختلف عن بيئته واهله . هناك بيع يوسف لرئيس الشرطة في المدينة وقال رئيس الشرطة لزوجته : خذي هذا الغلام ، اشتريتُه من أصحابه أكرمي مقامه عندنا لعلّه ينفعُنا او نتهذه ولدا لنا . وأحبه سيَدُه كثيراً ، فجعله رئيس خَدَمه ، حتى لم يكن لأحد في الدار كلمة اعلى من كلمة يوسف سوى سيده وسيدته ، كما قال تعالى : { وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض } الآية .
{ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } .
ألهمناه قدراً من تعبير الرؤيا ، ومعرفة حقائق الامور ، والله غالبٌ على كل أمرٍ يريده ، ولكنّ اكثرَ الناسِ لا يعلمون خفايا حِكمته ولطف تدبيره . ذلك أنا ما حدث ليوسف من اخوته ، وما فعله الذي أخذوه حراً وباعوه عبدا ، ثم ما وقع له من امرأة العزيز ودخوله السجن- كل ذلك كان من الاسباب التي أراد الله تعالى بها المكين ليوسف في الأرض .
ولما بلغ يوسف أشُدّه واستلكم قوته ، اعطيناه حُكماً صائبا وعلماً نافعا ، ومثلُ ذلك الجزاء العظيم نجازي بها المحسنين على احسانهم .
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
وراودته : طلبت منه برفق ولين ومخادعة . هيت لك : هلم اقبل وأسرع . قال معاذ الله : قال اعوذ بالله . انه ربي : انه سيدي . احسن مثواي : احسن معاملتي فلا اخونه . (2/249)
وراودته امرأة سيِّده عن نفسه ، ( وانه لتعبير لطيف محتشَم ) وغلّقت أبواب قصرها وقالت : هلمّ ، عليّ يا يوسف ، فقد هيأت لك نفسي فقال يوسف : معاذ الله اخون ربّي وسيّدي ومالك نفسي . . . لقد أحسنَ إليّ غاية الاحسان ، فكيف أخونه بعد كل هذا الاكرام!!
{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .
الذين يخونون من أحسن اليهم بالتعدي على اعراض الناس .
قراءات :
قرأ ابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي : « هَيْتَ لك » كما هي في المصحف . وقرأ ابن كثير : « هيت » بفتح الهاء وضم التاء مثل حَيْتُ . وقرأ نافع وابن عامر : « هيت » بكسر الهاء وفتح التاء . وروى هشام ابن عامر : « هِيئْتُ » يعني تهيأت لك .
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)
وهذه محنة يوسف الثانية : لقد افتتنت امرأة العزيز بجماله ، فأَشعل ذلك في نفسها جذوة الحب ، فراودته عن نفسه ، فأبى ، وحاولت اغراءه بشتّى الطرق ، حتى همت عن المعصية والخيانة ، وثبت على طُهره وعفافه . بذلك صرف الله عنه سوء الخيانة والمعصية وظل هو من عباد الله الذين أخلصوا دينهم له . (2/250)
وهرب منها . . فلحقت به عند الباب ، وتعلقت بقميصه فشقته من خَلف . وفي تلك الأثناء جاء سيّدها . وصادف الحادث وهو يهمُّ بالدخول ومعه ابن عمها . فملا رأت زوجها ارادت ان تشفيَ غُلَّ صدرها وحنقها على يوسف لما فاتها من التمتع به ، فقالت لزوجها :
{ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
لقد أرادت ان توهم زوجَها أن يوسف قد اعتدى علهيا ، وطلبت منه ان يسجنه أو يعذّبه عذابا اليما . وهنا وقف يوسف وجهر بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل ، فقال : « هِيَ روادتْني عن نفسِي » لا أنا الذي فعلت . لقد حاولتْ ان تخدعني وتوقعني في المعصية . فقال ابن عمها : ان كان قميصه شُقّ من أمام ، فقد صدقت وهو من الكاذبين ، وان كان فميصه شُقّ من الخلف ، فقد كذبت في قولها ، وهو من الصادقين .
فلما رأى الزوج قميص يوسف تمزّقَ من خلْفٍ ، قال لزوجته : ان اتهامك له باطل ، وما الأمر الا من كيدكن معشر النساء ، إن كيدَكن عظيم .
ثم التفت الى يوسف ، وقال له : يا يوسف ، أعرِض عن هذا الأمر ، اكتمه ولا تذكره أبداً . وقال لزوجته : اما انتِ فاستغفري لذنبك من هذا العمل الخطأ .
وانتهى الامر الى هنا ، ولم يوقع العزيزُ أية عقوبة على يوسف ، لتأكده من براءته .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر ويعقوب : « المخلصين » بكسر اللام والباقون : « المخلَصين » بفتح اللام كما هو في المصحف .