صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


وذلك لجُبنِهم وبُخلهم في ان يجودوا بأموالهم وأنفسُهم في سبيل الله .
{ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } .
انهم قد ارتضوا لأنفسِهم ان يكونوا في عِداد المتخلّفين من النساء والعجزة والاطفال ممّن لم يُكتب عليهم القتال ، وخَتَم الله على قلوبهم بالخوف والنفاق ، فهم لا يفقهون ما في الجهاد من عّزٍ في الدنيا ورضوانٍ من الله في الآخرة .
{ لكن الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وأولئك لَهُمُ الخيرات وأولئك هُمُ المفلحون } .
ان الرسول والذين آمنوا معه قد جاهدوا وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله ، اعلاء لكلمته ، فلهؤلاء كل خيرٍ في الدنيا من العزّ والنصر والعمل الصالح ، وهم الفائزون بسعاد الدنيا والآخرة .
{ أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا ذلك الفوز العظيم } .
قد هيأ الله لهم في الآخرة النعيمَ الدائم ، في جناتٍ تتخلّلها الأنهار ، وذلك هو النجاح الكبير . وهذا من أسلوب القرآن الحيكم يقابل الصور دائما ويبين السّيء من الحسن ليتعظ الناس بذلك .

(2/158)


وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)

المعذرون : المعتِذرين سواء كان العذر صحيحا ام غير صحيح الاعراب : سكان البادية نصحوا : اخلصوا .
{ وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } .
كما تخلّف بعض المنافقين في المدينة عن الخروج للجهاد ، جاء فريق من أهل البادية ، ينتحلون الأعذارَ ليُؤذن لهم في التخلف ، وقال بعضهم : يا نبي الله ، إن غَزَوْنا معك أغارت طّيء على نسائنا وأولادنا وأنعامنا ، فقال لهم رسول الله : قد أنبأَني اللهُ من أخباركم وسسُغني الله عنكم .
{ وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } .
وهؤلاء هم المنافقون . قعدوا عن كل من القتال والمجيء للاعتذار وتخلّفوا بلا عذرٍكاذبين على الله ورسوله .
{ سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
سيكون جزاء الذين كفروا بكِذْبهم على اللهِ ورسولِه من المنافقين والكاذبين من المتعذرين ، عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة .
قراءات :
قرأ يعقوب : « المعذرون » بسكون العين والذال المسكورة بدو تشديد .
وبعد ان بيّن الله تعالى أحوالَ المنافقين والكاذبين ، وما ينتظرهم من عذاب ، ذكر هنا ثلاثة أصناف أعذارُهم مقبولة ، فالإسلام دين يُسْرٍ ، ولا يكلّف الله نفساً الا وُسْعَها .
{ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ } .
ان التكليف بالغزو ساقِط عن أصناف ثلاثة :
1- الضعفاء : وهم من لا قوّة لهم تمكّنهم من الجهاد كالشيوخ المتقدمين في السنّ ، والعجَزة ، والصبيان وذوي العاهات التي لاتزول .
2- المرضى : وهم من أُصيبوا بأمراض أقعدتهم فلا يتمكّنون معها من الجهاد ، ونتهي عذرهم اذا شفاهم الله .
3- الفقراء الذين لا يجِدون ما ينفقون منه على أنفسهم إذا خرجوا للجهاد ولا ما يكفي عيالهم .
ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلّةٍ في تكوينهم ، أو شيخوخة تقعهدهم ، ولا المرضى الذين لا يستطيعون الحركةَ والجُهد ، ولا المعدمين الذين لا يجدون ما يتزودون منه - أيُّ حَرجٍ اذا تخلفوا عن المعركة ، وقلوبهم مخلصة لله ورسوله .
{ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
ليس على المحسن في عمله وإيمانه أية مؤاخَذة ولا مسئولية ، فالله كثيرُ المغفرة ، واسع الرحمة يستر على المقصر في أداء واجبه ما جام مخلصة لله والرسول .
نزلت هذه الآية في ابن أُم مَكتوم ، واختُلف في اسمه أهو : عبد الله أم عمرو بن قيس بن زائدة وكان هذا ضريراً جاء الى الى رسول الله فقال : يا نبيّ الله ، إني شيخ ضرير ضعيف الحال وليس لي قائد ، فهل لي رُخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبي الكريم فأنزل الله « ليس على الضعفاء ولا على المرضى . . . الآية » .
{ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ } .

(2/159)


كذلك لا حرج ولا مسؤولية على القادرين على الحرب ، لكنّهم لا يجدون الرواحِلَ التي تحمِلُهم الى أرض المعركة ، واذا جاؤك يطلبون منك العون لتؤمَِّ لهم ما يركبون لم تجد أنت أيضاً ما تحمِلُهم عليه ، فانصرفوا من عندك وهم يبكون ، لأنهم حُرموا من الجهاد ولم يجدوا ما يُعينهم عليه .
هؤلاء هم البكّاؤن نزلت فيهم الآية وهم سبعة أشخاص : عبد الرحمن بن كعب ، وعليه بن زيد ، وعمرو بن ثعلبة ، وسالم بن عُبيد ، ومَعْقل بن يَسار ، وعبد الله بن عمرو بن عوف ، وعبد الله بن مغفل . . . جاؤوا الى الرسول الكريم فقالوا : يا رسول الله ، احمِلنا فانه ليس لنا ما نَخرج عليه ، فقال : لا أجدُ ما أحملكم عليه .
وهناك روايات اخرى .
{ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .
انما اللوم والمسؤولية على هؤلاء الذين يطلبون الإذنَ في القعود عن الجهاد ، وهم أغنياء قادرون على الخروج معك ، لكنهم مع قدرتهم رضوا بأن يقعدوا مع المخلفين من العجزة والمرضى . هؤلاء ختم اللهُ عل قلوبهم فأغِلقت عن الحق ، فهم لا يعلمون حقيقة أمرِهم ، ولا سوءَ عاقبتهم في الدنيا والآخرة .

(2/160)


يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)

عالم الغيب : كل ما غاب عنا علمه . والشهادة : ما نشهده ونعرفه . اذا انقلبتم اليهم : اذا رجعتم اليهم رجس : قذر يجب تجنبه .
{ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } .
سعيتذرُ إليكم أيها المؤمنون المجاهدون هؤلاء المتخلِّفون المقصّرون ، عند رجوعكم من ميدان الجهاد .
{ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } .
قل لهم أيها الرسول : لا تعتذِروا ، فإنّا لن نصدّقكم . ثم بيّن الله السببَ في عدمٍ تصديقهم فقال :
{ قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ } .
فالله قد كشف حقيقةَ نفوسِكم وأوحى الى نبيّه بعض أخباركم التي تُسِرّونها في ضمائركم .
{ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .
وسيرى اللهُ عملَكم ورسوله فيما بعد ، ثم يكون مصيرُكم بعد الحياةِ الدنيا الى الله الذي يَعلم ما تكتُمون وما تُظهرون ، فيُخبرك بما كنتم تعلمون ، ويجازيكم عليه .
ثم أكد ما سبق من نفاهم بقوله :
{ سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } .
سيؤكد لكم اعتذارَهم بما يحلِفون بالله لكم من الأيمان الكاذبة بأنهم صادقون في معاذيرِهم ، إذا رجعتم من سفرِكم في غزوة تبوك ، لكي يُرضوكم فَتغْفلوا عن علمهم . . . لا تحقِّقوا لهم هذا الغرض .
{ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } .
فاجتنِبو وامقُتوهم .
روى مقاتل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال حين قدِم المدينة « ا تُجالسوهم ولا تكلّموهم ، إنهم رجس » فهم في أشد درجات الخبث النفسي والكفر .
{ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } .
ومصيرهم إلى جهنم ، عقاباً على ما اقترفوه من نفقا وكذب .
ثم ذاد في تأكيد نفاقهم فقال : « يحلِفون لكم لتَرضوا عنهم » أي إنهم سوف يحلفون لكم طمعاً في رضاكم عنهم ، لتُعاملوهم معاملة المسلمين .
{ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين } .
فان خُدعتم بأيمانهم ورضيتُم عنهم ، فإن هذا لا ينفعُهم ، لأن الله ساخطٌ علهيم لِفسْقِهم ونفاقهم ، وخروجهم على الدين .
روي عن ابن عباس ان هذه الآيات نزلت في الجدّ بن قيس بن قشير واصحابه .
من المنافقين ، وكانوا ثمانين رجلاً امر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لَمّا رجعوا الى المدينة أن لا يجالسوهم لا يكلّموهم .
وهكذا قرر الله العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين ، كما قررها من قبل بين المسلمين والمشركين ، وبي اهل الكتاب والمسلمين ، وكانت هذه السورة العظيمة هي الحكم النهائي الأخير .

(2/161)


الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)

الأعراب : سكان البادية من العرب . مَغرما : غرامة الدوائر : مفردها دائرة المصيبة . قربات : واحدها قربة ، طلب الثواب ، والكرامة من الله . صلوات من الرسول : دعوات منه .
كان يجاور المؤمنين السابقين المخلصين من المهاجرين والانصار ، جماعاتٌ اخرى : الأعراب : وفيهم المخلِصون والمنافقون؛ والمنافقون من أهل المدينة ، وقد كشفهم الله تعالى بهذه السورة المباركة؛ وآخرون خلطوا عملا صالحا ولآخر سيئا ولم ينصهِروا في بوتقة لاسلام تماما؛ وطائفة مجهولة الحال لا تُعرف حقيقة مصيرها ، أمرُها متروك لله؛ ومتآمرون يتستّرون باسم الاسلام ، ويدبّرون المكايدّ ويتَّصِلون بأعداء الاسلام في الخارج . والقرآن الكريم يتحدث عن هذه الجماعات كلِّها باختاصر مفيد ، ويقرر كيف يجب ان تُعامل هذه الجماعات .
وهو يقسِم الناسَ على أساس التقوى والإيما الخالص بالله والعملِ الصالح ، فقد تحدّث عن أحال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم ، وبيّن في هذه الآيات الثلاثِ أحوالَ الأعراب مؤمنيهم ومنافقهم فقال :
{ الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
الأعراب من أهل البادية اشدُّ ونفاقا من أمثالهم أهلِ الحضر ، لأنهم يقضون جُلَّ أعمارهم في البادية يخدمون مواشيَهم وأنعامهم ، بعيدين عن أهل العلم والحكمة . وهم حقيقون أن يجهَلوا حدودَ الله ، وما أنزلَ على رسوله من شرائع واحكام ، واللهُ عليم حكيم ، واسعُ العلم بشئون عباده وأحوالهم ، حيكم فيما يقدِّره من جزاء ومن نعيم .
وقد وردت أحاديث كثيرة تشير الى جَفاء الاعراب ، وغِلْظَتِهم ، وبُعدهم عن الآداب والمعرفة . قال ابن كثير في تفسيره : « جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان ، أحدِ التابعين العلماء الشجعان ، وقد شهِد الفتوحَ وقُطعت يده في نَهاوَنْد ، فقال له الاعرابي : واللهِ إن حديثك لَيُعجبني ، وإن يَدك لتُريبني . فقال زيد : وما يريبك من يدي ، إنها الشَّمال! فقال الاعرابي : واللهِ ما أدري اليمينَ يقطعون أو الشمال فقال زيد بن صوحان : صدق الله ورسوله : { الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ } .
وعن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » من سكنَ الابديةَ جفا « وهناك روايات كثيرة تكشف عن طابَع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب حتى بعد الاسلام .
وبعد هذا الوصف العام للأعراب يقسِمهم القرآن قسمين فيقول تعالى :
{ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
هنا بدأ بذِكر المنافقين من الأعراب ، لأن الحديث أصلاً كان من المنافقين عامة . ومعناه : ان بعض المنافقين من اهلا البادية يعتبرون الإنفاق في سبيل الله غرامةً وخسرانا ، فالرجل منهم مضطر لأن ينفقِ من ماله في الزكاة وغيرها تظاهراً بالإسلام وهو كاره لذلك .
وهو لا يفعل حُبّاً في انصار الاسلام والمسلمين ، وإنما ليستمتعَ بمزايا الحياة في المجتمع المسلم .

(2/162)


ومثلُ هذا المنافق البدوي ينتظِر متى تدور الدوائر على المسلمين ، فعليه وعلى أمثاله وحدهم ستحلّ دائرة السَّوء والمصيبة . ان الشر ينتظرونه لكم ، أيها المسملون سيكون محيطاً بهم ، فاللهُ سميع لما يقولون عنكم ، عليمٌ بأفعالهم ونيّاتهم تجاهكم .
وبعد اؤلئك الأعراب المنافقين ، يذكر الكتابُ حال المؤمنين الصادقين ممن خالطت قلوبهم بشاشةُ الإيمان :
{ وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول ألاا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
أما المؤمنون بالله واليوم الآخر ، والّذين يتخذون الانفاق في سبيل الله وسيلةً يتقربون بها إلى الله ، وسبباً لدعاء الرسول لهم « اذ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، وستغفر لهم » فإن ما ينفقونه في ، الخير وصلوات الرسول عليهم- قُربةٌ عظيمة قد تقبّلها الله وأثاب عليها ، وسيُدخلُهم في رحمته الواسعة ، فهو وساع المغفرة لمن يخلصون في أعمالهم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو : « السوء » بضم السين . والباقون : « السوء » بفتح السين . وقرأ ورش واسماعيل عن نافع : « انها قربة » بضم القاف والراء والباقون : « قربة » باسكان الراء .

(2/163)


وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)

رضي الله عنهم : قبلِ طاعتهم . ورضوا عنه : بما افاض عليهم من نعمة . مَردوا على النفاق : بتوا عليه ، واتقنوا اساليبه .
بعد تصنيف الأعراب الى مؤمنين ومنافقين ، صنف الله تعالى المجتمع كله حاضِرَه وبادِيَة الى اربع طبقات :
الأولى : السابقون الأولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان .
الثانية : المنافقون الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة والأعراب .
الثالثة : الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا .
والرابعة : الذين ارجئ الحكم في أمرهم يقضي الله فيهم بقضائه .
{ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } .
هؤلاء هم الطبقة الأولى : السابقون من المهاجرين الذين لاقوا من الشدائد والعذاب والاضطهاد ما اضطرهم إلى الهجرة ، والسابقون من الأنصار ، الذي آووا الرسول ونصروه ، والذين ابتعوهم بإحسان . هذه الطبقة بمجموعاتها الثلاث هم القاعدة الاساسية للمجتمع المسلم . هؤلاء جميعا رضي الله عنهم في ايمانهم وإسلامهم ، فقبِلَ طاعتهم وسجيزيهم أحسنَ الجزاء ، ورضوا عنه بالاطمئنان اليه ، والثقة بقدَره .
ولذلك { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم } .
وها الوعدُ الكريم من رب العالمين هو الذي يستبشر به أولئك المسلمون . . إنه جنات تجري الأنهار تحت اشجارها ، فينعمون فيها نعيماً أبديا ، وأيّ فوز بعد هذا!!
ثم إنه يذكر حال الطبقة الثانية ، وهم منافقو اهلِ المدينة ومن حولَها :
{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } .
لقد سبق الحديثُ عن المنافقين عامة ، لكن الحديث هنا عن صنف خاص منهم ، حَذَقَ النفاقَ ومَرَنَ عليه ، حتى لَيخفى امره على رسول الله مع كل فراسته وتجربته . والله تعالى يقرر ان هذ الفئة من الناس موجودةٌ في أهل المدينة وفي الأعراب المحيطين بالمدينة ، ويُطمئن الرسولَ الكريم والمؤمنين معه ، من كيدِ هذه الفئة الماكرة ، وانه سيتولى أمرهم ولن يدعَهُم ، بل سيعذّبهم عذاباً مضاعفا : مرتين في الدنيا ، مرةً بنصر بالمسلمين على اعدائهم مما يغيظ أولئك المنافقين ، ومرة بفضيحتهم وكشف نفاقهم . أما في الآخرة فسيَصْلَون عذاب جهنم وهولها الشديد .
وجملة القول ان المنافقين فريقان : فريق عُرفوا بأقوال قالوها ، وأعمال عملوها . . . وهؤلاء مكشوفون معرفون ، وفريق حذَقوا النفاق حذَقوا النفاق حتى لا يشعر احد بشيء يستنكره منهم .
وهذان الفريقان يوجَدان في كل عصر ، والأمة مبتلاةٌ بهم في كل قطر ، وهم يزعمون انهم يخدمون الأمة باسم الوطنية او اسم الدين ، ويستغلّون مناصِبهم ، ويجمعون الاموال لأنفسِهم . نسأل الله السلامة منهم .
{ وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
هذه هي الطبقة الثالثة : هؤلاء من المؤمنين ليسوا منافقين ، ولا من السابقين الأولين ولكنهم من الذين خَلطوا الصالحَ من العمل السيء منه ، كالّذين تخلّفوا عن الخروج الى غزوة تبوك من غير عذر صحيح ، ولم يستأذنوا كاستئذان المرتابين ، ولم يعتذِروا بالكذب كالمنافقين .

(2/164)


ومنهم ثلاثةٌ معرُوفون ، هم أبو لُبابة بن عبد المنذر ، وثعلبة بن وديعة ، وأَوس ابن حذام ، من الأنصار ، تخلّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك . فلما رجع من غزوته ، ندموا على ما فعلوا وأوثقوا أنفسَهم في سواري المسجد . فلما مر بهم سأل عنهم فقالوا له تخلّفوا عنك يا نبي الله ، فصنعوا بأنفسم ما ترى ، وعاهدوا الله ان لا يُطلقوا انفسهم حتى تطلقهم انت فقال : وأنا لا أُطلقهم حتىأوَمَرَ بإطلاقهم . فأنزل الله تعالى : { وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ . . . الآية } .
وهذا الصنف الناس كثير ، فالانسانُ ضعيف والمغريات كثيرة ، والنفس أمّارة بالسوء . ونحمد الله تعالى على أن باب التوبة مفتوح دائماً ، ولذلك قال تعالى :
{ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
فالاعتراف بالذنب والشعورُ بوطأته دليلٌ على حياة القلب ، ومن ثَمّ فإن التوبة مرجُوَّة القبول ، والمغفرة مرتقبة من الغفور الرحيم .
وقد قبل الله توبتهم ورحِمَهم . . وهذا ينطبق على كل مسلم يخطئ ثم يرجع الى الله . بل ان هذه الفئة من الناس هي الغالبية العظمة من البشر . . يخطئون ويتوبون ، لكن الله رؤوف رحيم تواب يقبل التوبة .

(2/165)


خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)

الصدقة : ما ينفقه المؤمن قربة لله . تطهرهم : تمحو ذنوبهم . وتزكّيهم : تصلحهم وترفعهم الى منازل الابرار . ان صلاتك سكن لهم : ان دعائك لهم يدخل الاطمئنان والراحة الى نفوسهم وآخرون مرجون : مؤخرون لأمر الله .
والطبقة الرابعة ستأتي في الآية ( 106 )
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
خذْ أيها الرسول من أموال هؤلاء التائبين صدقات تطرهّهم بها من الذنوب والشحُّ ، وترفع درجاتهم عند الله ، وادعُ لهم بالخير والهداية . . . فإن دعاءك تطمئنّ به قلوبُهم ، والله سميح للداء عليمٌ بالمخلصين في توبتهم .
« روى ابنُ جرير عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لُبابة وصاحبَيْه انطلق ابو لبابة وصاحباه بأمواله الى الرسول الكريم ، وقالوا : خذ من أموالنا فتصدَّقْ بها عنا وصلِّ علينا ( يعني استغفر لنا وطهرنا ) فقال رسول الله : لا آخذُ منها شيئاً حتى يأتيَنا أمرُ الله » أنزل الله تعالى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً . . . الآية } فأخذ .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وحفص : « ان صلاتك » وقرأ الباقون : « ان صلواتك » بالجمع .
{ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } .
أَلا فلْيعلم هؤلاء التائبون أن الله هو الذي يقبل التوبةَ الخالصة من عباده ، وهو الذي يأخذُ الصدقة ، وأنه سبحانه هو الواسعُ الفضلِ في قبول التوبة ، ذو الرحمة الشاملة لعباده .
وبابُ التوبة مفتوح دائما ، روى الترمذي : ما أصَرَّ من استغفرَ ، وإن عادّ في اليوم سبعين مرة .
وفي موضع الصدقات ، روى الشيخان عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما تصدّق أحدُكم بصدقةٍ من كسبٍ حلال طيب ، ولا يقبل الله الا الطّيب ، إلا أخَذَها الرحمن بيَمينه وإن كانت تَمْرة ، فَتَربُو في كفّ الرحمن حتى تكون أعظمَ من الجبل ، كما يُربي أحدُكم فِلْوَه أو فَصِيله » فالصدقة مقبولة مهما كان حجمها . وفي الحديث ايضا « تصدَّقوا ولو بِشِقّ تمرة » والغِلْو ، المُهر يُفصَل عن الفَرَس .
ثم يتوجّه الكلام بالخطاب إلى جميع المكلَّفين أن يعملوا ، لأن الإسلامَ منحَهُم حياةً واقعية ، لا تكفي فيها المشاعر والنوايا ، ما لم تتحوّل الى حركةٍ وعمل دائم .
{ وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .
قل لهم ايها الرسول : اعملوا لِدُنياكم وآخرِتكم ولا تقصّروا في عمل الخير وأداء الواجب . إن ربّكم يعلم كل أعمالكم ، وسيراها هو والرسول والمؤمنون ، فيزِنونها بميزان الإيمان ويشهدون بقتضاها . ثم ترجعون بعد الموتٍ الى الله الذي يعمل سِركم وجهركم ، فيجازيكم بأعمالكم . والمنهج الإسلامي في حقيقته منهج عقيدةٍ وعمل .

(2/166)


ثم جاء ذكر الطبقة الرابعة التي لم يبتَّ في أمرهان بل وكَلَ امرها الى الله .
{ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
هؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك ، غير النافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين . وقد تأخر البتُّ في أمرهم ، وكان أمرُهم موكولاً الى الله ، لم يعلموه ، ولم يعلمْه الناس . قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة : هم الثلاثة الذين خُلّفوا وهم : مرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك وهلال بن أميّة ، قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً الى الدّعة والتمتع بطيب الثمار ، لا شكاَّ ولا نفاقا . وسيأتي ذكرهم في الآية ( 118 ) .
فهؤلاء مرجَأون لأمرِ الله : إما أن يعذّبَهم ، واما ان يتوبَ علهيم ويغفرَ لهم .
قراءات :
قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص « مُرْجَون » كما في المصحف ، وقرأ الباقون « مرجأون » وهذا في اللغة جائز يقال أرجأت الأمر وأرجيته .

(2/167)


وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)

ضرارا : لمحاولة الضرر . ارصادا : ارتقابا . على شفا : على حرف . جرف : جانب الوادي هار : متداع آيل للسقوط .
سبب نزول هذه الآيات انه كان في المدينة رجل اسمه ابو عامر الراهب ، قد تنصّر في الجاهلية وقرأ التوراة . وكان فيه عبادةٌ في الجاهلية وله شرقٌ كبير بين قومه من الأوس والخزرج ، فلما قدِم الرسول الى المدينة دعاه الى الله وقرأ عليه القرآن ، فأبى أبو عامرٍ أن يُسلم وتمرَّد ، فدعا عليه الرسول أن يموت طريداً . . . فنالته الدعوة ماتَ في بلاد الروم .
وقد تجمَّع حوله جماعةٌ من المنافقين ، ورأوا ان افضلَ وسيلةٍ يكيدون فيها للإسلام ونبيّه الكريم أن يبنوا مسجداً تحت شعار الدين ، ثم يعملون للكفرِ بالله ورسوله ، ولهدْمِ الإسلام ، والإضرار بالمسليمن وتفريقِ كلمتهم .
وقد بنوا المسجد وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى تبوك ، وجاؤوا فسألوه ان يصلّيَ في مسجدهم ليكون ذلك ذريعةً الى غَرِضهم ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية . فقال لهم الرسول الكريم : إنا على سَفرٍ ، ولكن اذا رجعنا إن شاء الله .
وقبل ان يصل المدينةَ في رجوعه من تبوك نزلت عليه هذه الايات ، فبعثَ بعضَ أصحابه وأمرهم أن يهِدموا ذلك المسجدَ ، ففعلوا .
أما أبو عامر الفاسق كما سمّاه الرسول فإنه لما رأى الاسلام في ظهورٍ وارتفاع - هربَ إلى هِرَقْلَ ملكِ الروم يستنصره . فوعده هذا وأقام أبو عامر عنده ، وكتب الى جماعة من اهل النفاق في قومه يعدُهم بانه سيقدم بجيشٍ يقاتل به رسول الله ، وامرهم ان يتخذوا معقِلا يَقْدَم عليهم فيه ، ويكون له مرصدا بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجدٍ مجاورٍ لمسجِد قُباء كما تقدّمت قصته ، وهلك ابو عامر ولم يعد .
وابو عامر هذا من الأوس ، لكنه ورد في تفسير ابن كثير انه من الخزرج . . وقديماً كانوا يسمُّون الأوسَ والخزرج باسمِ « الخزرج » .
هذا هو مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله مكيدةً للاسلام والمسلمين .
{ والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .
من المنافقين جماعة بنوا مسجدا لا يبتغون به وجه الله ، وأنما لإلحاق الضرر والتفريق بين جماعة المؤمنين . وسحلفون على انهم ما ارادوا ببناء هذا المسجد إلا الخير والعمل الأحسن ، لكن الله يشهدُ عليهم أنهم كاذبون في أيمانهم .
{ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ } .
لا تصلِّ أيها الرسول في هذا المسجد ابدا . إن المسجد الذي أقيم على التقوى ابتغاءً لوجه الله ، وطلباً لمرضاته ، من اول يوم- هو أحقُّ من غيره ان تصلّي فيه وتؤدي شعائر الله وهو مسجد قباء .

(2/168)


{ فيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين } .
ان في مسجد قباء رجالاً يعمُرونه بإقامة الصلاة ، يحبّون ان يطهِّروا اجسادَهم وقلوبَهم بأداء العبادة الصحيحة فيه ، « والله يحب المطهّرين » الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد ، لأن فيهما الكمالَ الانساني .
{ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } .
لا يستوي في عقيدته ولا في عمله مَنْ أقام بنيانه على الإخلاص في تقوى الله وابتغاءِ مَرْضاتِه مع ذاك الذي أقامَ بنيانَه على النفاق والكفر!! فإنّ عمل المؤمن الصالح مستقيمٌ ثابت على أصل متين ، فيما علم المنافق كالبناء على حافَةِ هاويةٍ بدون أساس ، فهو واهٍ ساقط ، يقع بصاحبه في نار جنهم ، واللهُ لايهدي الظالمين إلى طريق الرشاد .
{ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
سيظل الذي بناه المنافون ريبةً مَصْدَرَ اضطرابٍ وخوف في قلوبهم ، لا ينتهي حتى تتقطع قلوبُهم بالندم والتوبة أو بالموت ، والله عليم بكل شيء ، حكيم في افعاله .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر : « الذين اتخذوا مسجدا ضرارا » بدون واو والباقون : « والذين . . . . » وقرأ نافع وابن عامر : « أُسّسِ بنيانه » بضم الألف ورفع بنيانه في الموضعين . وقرأ الباقون : « أَسسَّ بنيانَه » وقرأ ابن عامر وحمزة وابو بكر : « جرف » باسكان الراء . وقرأ الباقون : « جرف » بضم الجيم والراء . وقرا يعقوب : « الى ان تقطع قلوبهم » وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص : « تقطع » بفتح التاء والطاء المشددة . وقرا الباقون : « تقطع » بضم التاء وتشديد الطاء المفتوحة .

(2/169)


إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)

يؤكد الله وعْده للمؤمنين الذين يبذلون أنفسَهم وأموالَهم في سبيله بأنه اشترى منهم تلك الأنفسَ والأموال بالجنة ثمناً لما بذلوه . انهم يجاهدون في سبيل الله فَيَقْتُلون اعداء الله أو يُسْتَشْهدون في سبيل الله . وقد أثبتَ الله هذا الوعدَ الحقَّ في التوراة والانجيل كما اثبته في القرآن ، وليس أحدٌ أبَرَّ وأوفى بعده من الله ، فافرحوا ايها المجاهدون وأبشروا بهذه المبايعة . فيها الظفر الكبير لكم .
وهذا ترغيب في الجهاد عل أبلغ وجه ، فالله سبحانه هو المشتري ، والمؤمنون هم البائعون ، والانفس والاموال هي المبيع ، والثمن هو الجنة ذالك عقد ذكرته الكتب السماوية كلها ، وفي ذلك منتهى الربح والفوز العظيم .
« روى ابن ابي حاتم عن جابر قال : نزلت هذه الآية على رسول الله في المسجد ، فكّبر في المسجد . فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرف ردائه على عاتقه فقال : يا رسول الله ، أنزلتْ فينا هذه الآية؟ قال : نعم فقال الانصاري : بيعٌ ربيع لا نقيل ولا نستقيل » .
ثم وصف الله هؤلاء الكَمَلَةَ من المؤمنين الذين اشترى منهم انفسهم وأموالهم ، بأنهم صفوة مختارة ، ذات صفات مميزة ، منها ما يختص بذوات انفسم ، ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة فقال :
{ التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ المؤمنين } .
ان اوصاف هؤلاء باعوا انفسَهم لله بالجنة ، انهم : يكثِرون التوبة الى الله من هفواتهم ، ويحمدونه على كل حال ، ويسعون في سبيل الخير لأنفسهم ولغيرهم ، ويحافظون على صلواتهم ويؤدونها كاملة في خشوع ، ويأمرون بكل خير يوافق ما جاء به الشرع ، وينهون عن كل شرٍ يأباهن ويلتزمون بشريعة الله . وبشرِّ أيها الرسول المؤمينن المتصفين بهذه الصفات بخَيْرَي الدنيا والآخرة .
قراءات :
قرأ عاصم : ( فيَقتُلون ويُقتَلون ) وهي قراءة المصحف وقرأ حمزة والكسائي : « فيُقتَلون ويَقتُولون » بتقديم الفعل المبني للمفعول .

(2/170)


مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)

لأواه : كثير التأوه ، الخاشع الكثير الدعاء . حليم : لا يغضب ، هادئ الأعصاب .
كان الكلام من اول السورة الى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الاحوال ، وهنا بيّن الله تعالى انه يجب البراءة من الكفار ولو كانوا أُولي قرابة ، وأن ابراهيم عندما استغفر لوالده كان قد وَعَدَه بذلك ، فلما أصرَّ والده على كفره تبرأ ابراهيم منه .
{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم } .
ليس للنبي وللمؤمنين ان يطلبوا المغفرة للمشركين ، ولو كانوا اقرب الناس اليهم ، من بعد ما تبين لهم بالدليل انهم من اصحاب النار .
وقد وردت روايات ان هذه الآية نزلت في ابى طالب ، وهذا غير صحيح ، فان ابا طالب مات قبل الهجرة ، وهذه الآية نزلت بعد غزوة تبوك والمدة بينهما نحو12 سنة .
ثم اجاب على سؤال قد يخطر بالبال ، فيقال كيف يمنع النبي والمؤمنين من الاستغفار لاقربائهم وقد استغفر ابراهيم لأبيه فقال :
{ وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ } .
ولم يكن ما فعله ابراهيم عليه السلام منا لاستغفار لأبيه ، الا تحقيقا لوعد من ابراهيم له ، وذلك بقوله تعالى : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } [ مريم : 47 ] وبقوله : { واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين } [ الشعراء : 87 ] وقد وفى ابراهيم بما وعد .
{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } .
فلما مات ابوه ولم يؤمن تبين له انه مات كافرا وانه عدو الله ، فتبرأ منه وترك الاستغفار له .
{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } ان ابراهيم كير الخشية والدعاء لله ، صبور على الأذى والصفح عن غيره .

(2/171)


وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)

قيل مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل ان تنزل الفرائض ، فقال بعض الصحابة : يا رسول الله ، إخوانُنا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم عند الله؟ فنزل قوله تعالى :
{ وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } .
ما كان من سُنن الله ولطفه بعباده ان يصف قوماً بالضلال ، ويُجزي عليهم أحكامه بالذّم والعقاب ، بعد ان هداهم للإسلام .
{ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } من الأقوال والافعال بياناً واضحاً .
{ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
انه تعالى عليم بجميع الاشياء ، محيط علمه بكل شيء .
{ إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } .
ان الله وحده مالكُ السماوات والأرض وما فيها ، وهو المتصرِّف فيهما بالإحياء والإماتة ، وليس لكن سوى الله من وليّ يتولى امركم ، ولا نصير ينصركم .

(2/172)


لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)

العسرة : الشدة والضيق وسُميت غزوة تبوك غزوة العسرة لما كا فيها من شدة وضيق وحاجة . يزيغ : يميل بما رحبت : بما وسعت على اتساعها . ظنوا : معناها هنا اعتقدوا .
بعد ان استقصى الله احوال المتخلفين عامة من غزوة تبوك ، عاد مرة اخرى الى الكلام في توبتهم .
{ لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة } .
لقد تفضل الله سبحانه عل نبيّه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والانصار الذين يخرجوا معه الى الجهاد في وقت الشدة . وقد سُميت غزوة تبوك غزوةَ العسرة لعسرة المسلمين مادياً إبان ذلك . قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : عسرة الظَّهر ، يعني عدم وجود ما يركبون عليه ، وعسرة الزاد ، وعسرة الماء .
{ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } .
لقد تاب عليهم فثَّبتهم وصانضهم عن التخلّف من بعد ما اشتد الضِيق بفريق منهم ، حتى كادت قلوبُهم تميل الى التخلف . وكان الله بهم رؤوفا رحيماً .
وتوبة الله على عباده هي توفيقُهم للتوبة وقبولُها منهم . وقد كرر التوبة ههنا لتأكيد على قبولها عند الله .
{ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } .
لقد تفضلّ الله تعالى بالعفو عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج للجهاد في غزوة تبوك ولم يكن تخلّفهم عن نفاق . وهو يعلم أنهم مؤمنون صادقون . لذا كانت توبتهم خالصة ، وندمهم شديدا حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على سَعَتها ، وضاقت عليهم نفوسُهم همّاً وحزنا . لقد عموا انه لا ملجأ من غضب الله الا بالرجوع إليه ، وحينئذ هداهم الى التوبة ، وعفا عنهم ، فهو التواب الرحيم .
والثلاثة الذين خلفوا هم : كعب بن مالك وهلال بن امية ، ومرارة بن الربيع ، وجميعهم من الانصار . وكان كعب بن مالك من أكابر الشعراء ومن الصحابة الصادقين وأحد المنافحين عن النبي الكريم بشِعره . وقد روى البخاري ومسلم قصته بالتفصيل . قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله في غزوةٍ غزاها الا في دبرٍ وتبوك ، والرسول لم يعاتب احدا تخلف عن غزوة بدر .
وكنت وقتَ غزوة تبوك في حالة جيدة من المال والصحة ، عندي راحلتان . وقد بقيت أغدو وأروح لأتجهّز فلم أوفَّق ، وظللت أتعلل باني قادر وسوف ابتعُهم . ولما رجع رسولالله عن الغزوة وجلس للناس جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون اليه ، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم عذرهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم الى الله . فجئته أنا ، فلما سلَمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضَب ، ثم قال لي : ما خلّفك؟ الم تكن قد ابْتَعتَ ظهرك؟ فقلت بلى ، اني والله لو جلستُ عند غيرك من اهل الدنيا ، لرأيتُ ان سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أُعطيتُ جدلا ، ولكني والله قد علمت لئن حدّثتُك اليوم حديثَ كذب ترضى به عني ، ليوشكنّ اللهُ ان يُسخِطَك علي ، ولئن حدثتك حديثَ صدق تجد عليَّ فيه ، اني لأرجو فيه عفو الله .

(2/173)


لا والله ما كان لي من عذر . . فقال رسول الله : أما هذا فقد صَدق ، قم حتى يقضي الله فيك ، فقمت .
وكذلك فعل صاحباه فصدَقا رسول الله . وكان الثلاثة من الصحابة المرموقين فآثروا الصدق وفاء لدِيهم ، وخوفا من ان يفضح الله كذبهم . وسمع النبي منهم واعلن انهم قد صدقوه ، ولم يعفُ عنهم مع ذلك ، بل ترك امرهم الى الله . وأمرَ المؤمنين ان لا يكلّموهم .
وينظر هؤلاء الثلاثة فإذا هم في عزلة بغيضة الى نفوسهم ، السجنُ أهون منها .
يقول كعب : فبينما انا أمشي بسوق المدينة ، اذا نبطيُّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له ، حتى اذا جاءني ، رفع اليَّ كتاباً من ملك غسَان ، فاذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغني ان صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدارٍ هوان ولا مَضْيَعة ، فالحقْ بنا نُواسِك ، فقلت لما قرأتها : وهذا ايضاً من البلاء ، فأحرقت الكتاب .
وبعد ان مضت أربعون ليلة أرسل اليهم النبي ان يعتزلوا نساءهم . وبعد ان مضت عليهم خمسون ليلة في هذه العزلة ، كان الندم قد أخذ من قلوبهم أقوى مأخذ ، فأنزل الله توبته عليهم في هاتين الآيتين الكريمتين ، وقد ابتهج المؤمنون كلهم لذلك ، فكانوا يهنئونهم بذلك .
يقول كعب : لما بلَغني النبأ انطلقتُ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإا هو جالس في المسجد حوله المسلمون . فقام اليَّ طلحةُ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وقالك لِتَهْنِكَ توبة الله ، فلن انساها لطلحة . وقال رسول الله وهو يستنير اسنارة القمر : أبشِر يا كعب بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتْك أُمك . ثم تلا علينا الآية . . .
وفي هذه القصة عبرة للمؤمنين تخشع لها قلوبهم ، وتفيض عبراتهم .
قراءات :
قرأ حمزة وحفص : « يزيغ » بالياء ، والباقون تزيغ بالتاء .
{ ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } .
يا أيها الذين آمنوا اثبُتوا على التقوى والإيمان ، وكونوا في الدنيا من أهل ولايته وطاعته تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة .

(2/174)


مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)

الضمأ : شدة العطش . النَّصَب : التعب المخمصة : الجوع الشديد . موطئا : مكانا .
بعد ان بين الله تعالى توبته عن المتخلفين أكّد هنا وجوب اتباع الرسول والغزو معه .
لا نبغي لأهل المدينة ولا من حولَهم من الأعراب ان يتخلّفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما فعل بعضهم في غزوة تبوك ، ولا ان يَضِنّوا بأنفسِهم فيرغبوا في الراحة والسلام ، ولا يبذلوها فيما بذَلَ نفسه الشريفة . . اذا أنهم لا يصيبهم في سبيل الله ظمأ او تعب او جوع ، ولا ينزلون مكاناً يَغيظ الكفارَ ، ولا ينالون من عدو غرضا كالهزيمة او الغنيمة الا كتب لهم بذلك عملاً صالحاً يجزون عليه احسن الجزاء .
بل إنهم { وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً . . . الآية } .
وكذلك لا يبذلون اي مال في سبيل الله ، ولا يسافرون اي سفر الا كتبه الله لهم في صحائف اعمالهم الصالحة .

(2/175)


وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)

نفر : خرج للجهاد . الفرقة : الجماعة الكثيرة . الطائفة : الجماعة القليلة . تفقّه : تعلم امور دينه . الذين يلونكم : من كانت بلادهم قريبة لبلدكم . غلظة : شدة .
هنا يبن الله تعالى بقية احكام الجهاد مع بيان حكم التعلم والتفقه في الدين ، لأن دين الاسلام قامَ على العلم ولاحجة والبرهان .
قال ابن عباس : لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين لتخفلهم عن الجهاد ، قال المؤمنون : واللهِ لا نتخلّف عن غزوة يغزوها رسول الله ، ولا سرية بادا . فلما أمر الرسولُ الكريم بالجهادَ نَفَرَ المسلمون جميعا وتركوا رسول الله وحد بالمدينة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
{ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً } .
ليس من شأن المؤمنين ان يخرجوا جميعاً في كل سريةٍ تخرجُ للجهاد ، الا اذا اقتضى الأمر وخرجَ الرسولُ بنفسه او اسنتفر الناس جميعاً .
{ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } .
ان هناك واجباتٍ اخرى مهمة غير الجهاد يجب على المؤمنين ان يقوموا بها ، وذلك ان ينفِرَ من كل بلد او قبيلة جماعة يأتون الى رسول الله ليتفقّهوا في الدين ثم يعودوا الى قومهم فيرشدوهم ويعلّموهم ليثبتَ هؤلاء على الحق ، ويعلموا الباطل فيجتنبوه .
{ ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } .
لما امر الله تعالى بقتال المشركين كافة - أرشدهم في هذا الآية الى طري السداد ، وهو ان يبدأوا بقتال من يَلِيهم من الأعداء ثم ينتقولا الى الأبعد فالأبعد وهكذا فعل الرسول وصحابته . . . فقد حربَ قومه ثم انتقل الى غزو سائر العرب ثم الى غزو الشام . ولما فرغ الصحابة الكرام من الشام انتقلوا الى غيرها ، وهكذا .
يا ايها الذين آمنوا قاتِلوا الكفار الذين يجاورونكم ، حتى لا يكونوا مصدرَ خطرٍ عليكم ، وكونوا أشداء عليهم في القتال ، ولْيجدوا فيكم شدة وجرأة ، ولا تأخذْكم بهم رأفة . . واعلموا ان الله معكم بعونه ونصره اذا اتقيتموه ، وأعددتم العدة الكاملة للحرب ، وكنتم صفاً واحدا وعلى هدف واحد .

(2/176)


وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)

الرجس : النجس ومعناه هنا الكفر يعني ازدادوا كفراً الى كفرهم .
بعد ذِكر الوان من مخازي المنافقين وكشفِ اخلاقهم بيّن هنا أنواعاً اخرى من تلك المثالب مثل سُخريتهم من القرآن الكريم ، وتسلَّلهم حين سماعه .
{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } .
واذا ما أنزل الله سورةً من القرآن على رسوله ، وسمعها المنافقون ، سخرواواستهزأوا ، وقال بعضهم لبعض : هل منكم من زادته هذه السورة إيمانا؟ وجواب ذلك يا محمد : نعم ، المؤمنون الذين ابصروا النور وعرفوا الحق زادتهم إيمانا إلى إيمانهم . يفرحون بذلك ويستبشرون ، لأنهم يرجون الخير من هذه الزيادة ، وذلك بتزكية أنفسهم في الدنيا والآخرة .
{ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ } .
وأما المنافقن الذين في قلوبهم شك وارتياب ، فقد زادتهم كفرا الى كفرهم ، وحين ماتوا على الكفر والنفاق كان مأواهم جهنم وبئس المصير .
{ أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } .
أوَلا يعتبر هؤلاء المافقون بما يبتليهم اللهُ به كل عام من ألوان باللاء بكشفِ أستارهم ، وإنباء الله بما في قلوبهم وفضيحتهم ، ونصر المؤمنين!! ثم هم مع كل هذا لا يتوبونَ من نفاقهم ، ولا يتعظون بما يحل بهم من العذاب .
قراءات :
قرا حمزة ويعقوب : « او لا ترون » بالتاء .
{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصرفوا صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون } .
بعد ان بين حال تأثير إنزال آيات القرآن في المنافقين وهم غائبون عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ، بين حالهم هنا وهم في مجلسه حين نزولنا واستماع تلاوته لها . واذا ما انزلت سورة وهم في مجلس الرسول الكريم تسارقوا النظر وتفاخروا وقال بعضهم لبعضه : هل يراكم أحد؟ ثم انصرفوا متسللين لئلا يفتضحوا بما يزره عليهم من سخرية وانكار { صَرَفَ الله قُلُوبَهُم } وهذا دعاء علهيم ، فقد صرف قلوبهم عن الهدى فاهم يستحقون ان يزلوا في ضلالهم يعمهون ، لانهم قوم لا يفقهون ، حيث عطلوا قلوبهم عن وظيفتها واستمروا على عنادهم ونفاقهم .
ثم يختم الله تعالى هذه السورة الكريمة بآيتين تتحدث احداهما عن الصلة بين الرسول وقومه ، وعن حرصة عليهم ورحمته بهم ، والآية الثانية توجيهٌ للرسول ان يعتمد على به وحده حين يتولى عنه من يتولى ، فهو وليه وناصره وكافيه .

(2/177)


لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)

من انفسكم : من جنسكم . عزيز عليه ما عنتم : يشق عليه ما يصيبكم من مكروه الحرص على الشيء : شدة الرغبة فيه .
لقد جاءكم ايها العرب رسول من جنسكم ، يشق عليه ما يصيبكم من الضرر . وهو حريص على هدايتكم ، ولا يلقي بكم في المهالك ، وهو شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين فهو حريص عليكم ان يكون لكم شرف حمل الدعوة ، وحظ رضوان الله ، والجنة التي وعد بها المتقون .
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لاا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } .
فان أعرضوا عن الإيمان بك ، فَلا تحزن لإعراضهم ، وقل يكفيني الله الذي لا آله غيره . فتوكَّلْ عليه ، فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه ، وهو حسب من لاذ به ، وحسبُ من والاه ، هو مالك الملك ورب الكون وصاحب السلطان العظيم .

(2/178)


الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)

الآية : العلامة . الكتاب : القرآن الكريم . المحكم ، وذو الحكمة . قدم صدق : سابقةٌ حسنة ، والمنزلة الرفيعة . مبين : ظاهر .
الر : هذه الحروف تقرأ ساكنةَ غير معربة هكذا « الف . لام . را » وقد بدأ الله تعالى بها السورة لتنبيه السامع الى ما يتلى عليه ، وفي ذلك اشارة الى ان القرآن مكون من مثل هذه الحروف ، ومع ذلك عجزتم ايها المشركون عن ان تأتوا بمثله .
{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } .
ما كان للناس ان يعجبوا وينكروا إنزال الوحي على رجل من جنسهم . ولِمَ هذا التعجب والانكار ، والله قادر على ان يتصل بأي عبد من عباده ويصطفيه برسالته ، { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الانعام : 124 ] وان لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من الصفات والمكرمات ما يؤهّله الرسالة الكريمة .
وبعد ان بيّن الله عجبَ الكافرين من الوحي الى النبي الكريم بيّن حقيقةَ ما أوحى به إليه ، وهو انذارُ الناس وتحذيرهم من عذابا لله ، وتبشيرُ المؤمنين بأ ، هلم منزلةً عالية عند ربهم نالوها بصدق القول وحسن النية .
{ قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ } .
فلما أتاهم بوحي الله وتلاه علهيم قالوا : ان هذا الرجلَ ساحرٌ أمره واضح ، فما جاءَ به سحرٌ لأنه خارق للعادة في تأثيره على الناس ، وحذْبه النفوس الى الايمان به .
قراءات :
قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي : « لساحر مبين » بالف بعد السين . وقرأ الباقون « لسحر مبين » بغير الف « .

(2/179)


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)

خلق السماوات والارض : صنعها وابدعها . في ستة ايام : في ست مراحل فقد يكون اليوم الاف السنين من ايامنا ، العرش : مركز التدبير ولا نعلم كنهه وصنعته . استوى : استولى . القسط : العدل . حميم : حار شديد الحرارة .
بعد ان افتتح السورة بذِكر آيات الكتاب ، وأنكر على الناس تعجُّبَهم من أن يوحى الى رجل منهم يُنذر ويبشّر ، جاء بذكر أمرين .
1- إثبات ان لهذا الكون إلهاً قادراً يفعل ما يشاء .
2- اثبات البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال من ثواب وعقاب .
{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبِّرُ الأمر } .
إن ربكم أيّها الناس هو الذي خلقَ هذا الكونَ بأسرِه في ستّ مراحل تتضمن المرحلةُ منها أحقاباً وأزمنة ليست كأيّامنا هذه ، قد تم في كّلٍ منها طور من اطوار الخلق ، ثم استوى على عرشه وهيمَنَ بعظيم سلطانه ودبّر أمورَ مخلوقاته .
{ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } .
فليس لأحدٍ سلطانٌ من الله من شيء ، ولا يستطيع أحد من خلقه ان يشفع لأحدٍ الا بإذنه .
{ ذلكم الله رَبُّكُمْ فاعبدوه } .
ذلكم الموصوفُ بالخلق والتقدير والحكمة والتدبير هو الله ربكم وولي نعمتكم ، فاعبُدوه ، وصدِّقوا رسوله ، وآمنوا بكتابه .
{ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } .
اتجهلون هذا الحق الواضح فلا تتذكرون نعمة الله ، وتتدبرون آياته الدالة على وحدانيته .
{ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } .
كما بدأت الله الخلقَ فإليه مرجعُكم ، ومرجع المخلوقات كلها . لقد وعد الله بذلك وعداً صادقاً لا يتخلّف . . . إنه بدأ الخلق بقدرته ، وسيعيده بقدرته بعد فنائه .
{ لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط } .
سوف يعيدهم الله من أجل ان يثيب المطيعين بعدْله التام .
{ والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } .
واما الكافرون فلهم شراب في جهنم شديد الحرارة يقطّع أمعاءَهم ، وعذابٌ شديد جزاء أعمال الكفر والعناد .

(2/180)


هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)

الضوء والضياء : النور . والضوء اقوى من النور ، لان الضوء م الشمس ذاتها ، والنور في القمر مستمد من الشمس .
قدّره منازل : جعله يتنقل بيها وهي ثمانية وعشرون منزلا . غافلون : ناسون ، الغفلة النسيان . آخر دعواهم : آخر دعائهم .
بعد ان ذكر الله الآيات الدالةَ على وجوده ، ومنها خلقُ السماواتِ والأرض على ذلك النظام المحْكَم ، ذَكَر هنا أنوعاً من آياته الكونية الدالة على ذلك . وهو تفصيلٌ لما تقدّم وبيان له على وجه بديع واسلوب عجيب .
{ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً } .
إن ربكم هو الذي خلق السماواتِ والأرضَ وهذا الكونَ العجيب ، وفيه جعل الشمس تشع ضياء ، والقمر يرسل نورا .
{ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين } .
وجعل للقمرر منازلَ عددُها ثماينة وعشرون يتنقل فهيا ، فيختلف فيها ، فيختلف نورُه تبعاً لهذه المنازل ، وذلك لتستعينوا به في تقدير مواقيتكم ، وتعلموا عدَد السنين والحساب ، فتحسِبوا الأشهرَ والأيام وتضبطوا فيها مواعيدَكم وعباداتكم ومعاملاتكم .
{ مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق يُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة ، وهو هنا يبيّن الدلائل ويبسط الآياتِ الدالةَ على ألوهّيته وكمالِ قدرته لِقومٍ يتدبرون بعقولهم .
وقد قررت هذه الآيةُ الحقيقةَ العلمية التي لم يصل إليها العمل الا أخيراً ، وهي ان الشمس جرم ملتهب ، ومصدرُ الطاقات ، ومنها الضوء والحرارة ، بينما القمر جِرم مظلم غير ملتهب . أما النور الذي يبدو منه فهو مستَمدٌّ من الشممس . ولذا عبّر الله تعالى عن الشمس بأنها ضِياء ، يعين مصدراً للضوء ، وأن القمر نورٌ منير فقط . كذلك اشارات الآيةُ الى حقيقة فلكية ، وهي ان القمرَ يدور حول الأرض ، فيحتل مكاناً خاصّا بالنسبة لها في كل يوم . وهو يُتم دورتَهُ في الشهر القمري ، وبه تُعلم السنة القمرية . وعلى ذلك يمكن بطريق الرؤية الحِسْبَةُ لِمنازله ومعرفة السنين وحساب الأشهر .
قراءات :
قرأ ابن كثير برواية قنبل : ضِئاء بالهمزة . والباقون بالياء . وقرأ ابن كثير وأهلُ البصرة وحفص : « يفصّل الآيات » بالياء والباقون : « نفصل » بالنون .
{ إِنَّ فِي اختلاف الليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } .
ان في تعاقب الليل والنهار واختلافهما بالزيادة والنقصان ، وفي خلق السماوات والأرض وما فيها من الكائنات ، لدلائلَ عظيمةً وبراهينَ بيّنة على وجود الصانع ، وألوهيته ، وقدرته لقومٍ يتّقون مخالفةَ سُننه تعالى .
وتشير هذه الآية الى حقيقة مشاهَدة ، وهي اختلاف طويل الليل والنهار على مدار العام في أي مكان على الأرض ، وكذلك تعاقُب النهار والليل وكون النهار مبصراً ، والليل مظلما . وتفسير ذلك أساسه دورانُ الأرض حول محورها وحول الشمس . وكل هذه دلائلُ على قدرة الخالق المبِع ، والعلمُ بها لم يكن البتّةَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا دليل على انه وحيٌ من الله إليه .

(2/181)


{ إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بالحياة الدنيا واطمأنوا بِهَا والذين هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } .
لا يرجون لقاءنا : لا يريدون ، لا يأملون ، لا يتوقعون .
ان الذين لا يتوقّعون لقاءَ الله في اليوم الآخر ، إذا اعقتدوا أن الحياةَ الدينا هي منتهاهم ليس بعدها حياة ، فقَصَروا كل همِّهم على الحصول على أغراضهم منها ، واطمأنوا الى ذلك ، ولم يعملوا لما بعدها ، والّذين غفلوا عن آيات الله الدالة على البعث والجزاء- أولئك مأواهمُ النارُ بما كانوا يكسِبون .
{ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار فِي جَنَّاتِ النعيم } .
ذلك جزاءُ الفريق المنحرِف الضال ، اما الفريق المقابلُ وهم الذين آمنوا إيماناً صحيحا ، وعملوا الصالحات في ديناهم بمقتضى هذا الايمان ، فإنهم ربم يثبتهم على الهداية ، ويُدخلهم يوم القيامة جناتٍ تجري الأنهار خلالها ، يتنعمون خالدين فيما ابدا .
{ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } .
لي في دار النعيم هموم ولا شواغل ، فهم يتلذّذون بالدعاء الى الله وتسبيحه ، وتنزيهه عما كان يقوله الكافرون في الدنيا ، ونياجونه بقولهم : سبحانك اللهُمّ ، ويحيّي بعضم بعضا بالسلام ، فهي تحية المؤمنين .
وآخرُ كل دعاءٍ يناجون به ربَّهم ، ومطلب يطلبونه من احسانه وكرمه قولهم : « الحمد رب العالمين » على توفيقه إياهم بالايمان وفوزهم برضوانه عليهم .

(2/182)


وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)

الطغيان : مجاوزة الحد في الشر : يعمهون : يترددون فيحرتهم وضلالهم . القرون : جمع قرن ويطلق على كل مائة سنة ، وفي كتب اللغة الختلاف كبير في تحديده . خلائف : جمع خليفة وهو من يخلف غيره .
{ وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } .
لو أجاب اللهُ ما يستعجِلُ به الناسُ على أنفسٍهم من الشرّ مثلَ استعجالِهم لِطلبِ الخير لأَهَلَكَهُم جميعا ، ولكنّه يتلطّف بهم ، فيرجئُ هلاكَهم ، انتظاراً لما يظهر منهم حسب ما علمه فيهم ، فّتتضح عدالتُه في جزائهم .
وفي هذه الآية جواب لمشركي مكة الذين قالوا : اللهمّ إن كان ما يقولُ محمد حقّا في ادّعاء الرسالة فأَمطْر علينا حجارة من السماء .
لقد استعجلوا وقوعَ الشر ، كما ستعجلون الخير ، ولكنّ الله أخّرهم الى ما أراده .
{ فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } .
إننا ندعُ لا يتوقّعون لقاءَنا فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب ، يتردّدون فيه متحيّرين لا يهتدون سبيلاً للخروج منه .
قراءات :
قرأ ابن عامر ويعقوب : « لقَضى الهيم أجلهم » بفتح القاف والباقون « لقُضي الهيم أجلهم » بضم القاف .
{ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً } .
واذا أصاب الانسانَ ضررٌ في نفسه او مالِه او نحوِ ذلك أحسَّ بضعفه ، ودعا ربَّه على أي حال من أحواله : مضجِعاً لجنْبه ، او هو قاعد ، أو قائم على قدميه ، حائراً في أمره - دعاه ان يكشف ما نزلَ به من مِحنته .
{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ } .
فلما استجاب الله له ، فكشف عنه ضره وأزال عنه السوء ، انصرف عن جانبِ الله ، مضى في طريقِه واستمرَّ على عصيانه ونسيّ فضلَ الله عليه ، كأن لم يصبْه ضرر ، ولم يدعُ الله ليكشفَه عنه .
{ كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
وكمثلِ هذا المسْلك زُيَّن الشيطانُ للمشركين من طغاةِ مكّة وغيرِهم ما كانوا يعملون من سوءٍ وكفرٍ وعناد ، وما اقترفوه من باطل .
{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كذلك نَجْزِي القوم المجرمين } .
بيّن هنا ما يجري مجرى التهديد ، وهو أنه تعالى يُنزل بهم عذابَ الاستئصال كما حدّث للأمم الغبرة قبلضهم حتى يكون ذلك رادعاً لهم عن هذا الطلب . ولقد أهلكْنا كثيراً من الأمم السابقة قبلكم بسبب كفِرهم حين جاءتهم رسُلهم بالآيات الواضحة على صِدق دعوتِهم الى الإيمان ، وما كان في عِلم الله أنهم سيؤْمنون ، لإصرارهم على الكفر والعصيان . فاعتبروا يا كفّارَ قريش ، فكما اهلكنا مَن قبلكم ، سنجزي المجرمين بإهلاكهم .
{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } .
ثم جعلناكم يا امة محمد خلفاء الأرض ، تعمرُونها من بعدِ هؤلاء السابقين ، لنختبركم ونرى ماذا تعملون في خلافتكم فنجازيكم به بمقتضى سُنّتنا فيمن قبلكم . وهذا واضح في ان هذه الخلافة منوطةٌ الأعمال الصالحة والاستقامة والعدل والاحسان ، حتى لا يغترَّ إنسان بما سيناله من مُلك او ولاية . وهذا كما قال تعالى : { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ } [ النور : 55 ] .

(2/183)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)

من تلقاء نفسي : من عند نفسي . لبثت قيكم عمراً : مدة من الحياة .
{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ } .
واذا تتلى على هؤلاء المشركين آياتُنا الواضحة ، قال لك يا محمد الكافرون الذين لا يتوقّعون لقاءَنا ولا يخافون عذابَ الله : أحضِر لنا كتاباً غير القرآن ، او بدِّلْ ما فيه مما لا يُعجبنا ولا يخالفُ دينّنا ومعتقداتِنا الوثنية .
{ قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
قل لهم ايها الرسول : لا يمكنني أن أُغير او ابدل من عندي ولا يجوز لي ذلك ، وما أنا الا متَّبعٌ ومبلّغٌ ما يوحي إلي من ربي ، إن أخاف إن خالفتُ ربي عذابَ يومٍ عظيمَ الشأن هو يوم القيامة .
{ قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ } .
قل لهم ، ايها الرسول : لو شاءَ اللهُ ان لا يُنزل عليَّ قرآناً من عنده ، وان لا أبلّغكم به - ما أنزله ، وما تلوته عليكم ، ولا أعلمكم اللهُ به . . لكنه نَزَل ، وأرسلني به ، وتلوتُه عليكم كما أمرني .
{ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .
وقد مكثتُ بينكم زمناً طويلا قبل البعث لم ادَّعِ فيه الرسالة ، ولم أتلُ عليكم شيئا ، وانتم تشهدون لي بالصدق والامانة . أفلا تعقِلون أن مَن عاش بينكم أربعين سنةً لم يقرأ كتابا ولم يلقَّن من أحدٍ علما ، ولم يمارس اسالي البيان من شعرٍ ونثر - لا يمكنه ان يأتَي بمثلٍ هذا القرآن المعجِز ، فاعقِلوا الأمور وأدركوها .
قراءات :
قرأ ابن كثير : « ولأدراكم به » والباقون : « ولا أدراكم به » .
{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } .
ان شر أنواعِ الظلم الإجرام افتراءُ الكذب على الله ، والتكذيبُ بآيات الله التي جاء بها رسوله .
{ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون } .
لن يفوز الذين اجترموا الكفر وافتروا على الله الكذب عندما يلاقون ربهم .

(2/184)


وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)

بعد ان بيّن الله في الآيات السابقة أن المشركين طلبوا ان يأتي محمد بقرآن غير هذا او تبديله ، لأن فيه طعناً على آلهتهم ، وتسفيه آرائهم في عبادتها - نعى عليهم هنا عبادة الأصنام وبين حقارة شأنها ، اذا لا تستطيع ضرا ولا نفعا ، فلا يليق بالعاقل ان يعبدها من دون الله .
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } .
ان هؤلاء القوم يعبدون اصناما لا تملك لهم نفعا ولا ضرا .
{ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله } .
ويقولون : ان هذه الاصنام تشفع لنا عند الله في الآخرة .
{ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض } .
قل لهم أيها الرسول مبينّا لهم كذبهم ، وافتراءهم على الله : هل تخبرون الله بشيء لا يعلم له وجوداً في السماوات ولا في الارض!؟ ما الذي تزعمون!
{ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
تنزّه ربُّنا وعلا علواً كبيرا عكن الشريك ، وعما تزعمون بعبادة هؤلاء الشركاء .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « عما تشركون » بالتاء ، والباقون « عما يشركون » بالياء .
{ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
بعد ان اقام الأدلة على فساد عبادة الاصنام - ذكر هنا ما كان عليه الناس من الوحدة في الدين ، ثم ما صاروا اليه من الاختلاف والفرقة . وقد كان الناس أمةً واحدة على الفِطرة ، والقطرة في أصلها كانت على التوحيد ، ثم بعث الله اليهم الرسل لارشادهم وهدايتهم . فاختلفت نزعاتهم ، منهم من غلب عليه الخير ، ومنهم من غلب عليه الشر . وقد اقتضت مشيئة الله ان يُمهِلهم جميعا الى أجَل يستوفونه ، وسبقت كلمته بذلك لحكمة يريدها ، ولولا ذلك لعجَّل لهم الهلاك بسبب الخلاف الذي وقعوا فيه .
{ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين } .
ويقول هؤلاء المشركون : هلاّ أُنزل على محمد معجزةٌ غير القرآن تُقْنعنا بصدق رسالته كآيات الانبياء السابقين الين يحدّثنا عنهم!! ومعنى هذا أنهم ما زالوا غير مدركين طبيعة الرسالة المحمدية ، من حيث أنها ليست معجزةً وقتية تنتهي بانتهاء جيلهم ، بل معجزة دائمة وعامة تخاطب الناس جميعا جيلا بعد جيل . ولذلك اجابهم جوابا فيه الامهال والتهديد : قُل لهم ايها الرسول : إن نزول الآيات غيبٌ ، ولا يعلم الغيبَ الا الله ، فإن كان القرآن لا يقنعكم فانتضِروا قضاء الله بيني وبينكم في ذلك ، وانا معكم من المنتظرين .
روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام انه قال :
« ما من نبي الا وقد أُعطيَ من الآيات ما مثله آمنَ عليه البشر ، وانما كان الذي أُوتيتُه وحياً أوحاه الله ليّ ، فأرجوا ان أكونَ اكثرَهم تابعاً يوم القيامة » .

(2/185)


وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)

أصل الذوق : ادراك الطعم بالفم ، ومعنى « اذقنا الناس رحمة » : اعطيناهم صحة ومالا ونعمة . المراد بمكر الله : تدبيره الخفي . الفلك : السفن يطلق على الجمع والواحد . بريح طيبة : موافقة ، مريحة سهلة ، ريح عاصف : شديدة مهلكة . احيط بهم : هلكوا .
بعد ان ينتهي الكتاب من عرض ما يقول المشركون وما يعترضون به ويطلبون ، يعود الى الحديث عن بعض طبائع البشر ، حين يذوقون الرحمةً والنِعم بعد الضّرِ ، كما تحدّث من قبل عنهم حين يصيبهم الضرُّ ثم ينجُون منه . ويضرب لهم مَثَلاً مما يقع في الحياة بصدق ذلك .
{ وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ في آيَاتِنَا } .
عجيبٌ أمرُ هذا الانسان لا يذكُر اللهَ إلا ساعة العسرة ، فاذا أنعمنا على الناس من بعد شدةٍ أصابتْهم في أنفسهم او أهليهم وأموالهم ، لم يشكروا الله على ما أنعمَ به ، بل تجدهم يقابلون ذلك بالإصرار على التكذيب والكفرِ بالآيات .
{ قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } .
قل لهم أيها الرسول : إن الله أقدرُ على التدبير وإبطال ما يمكرون ، وأن الحَفَظَةَ من الملائكة الموكّلين بكم يكتبون اعمالكم سيحاسبكم الله عليها ويجازيكم بها .
قراءات :
قرأ يعقوب : « ما يمكرون » بالياء ، وبالباقون « ما تمكرون » بالتاء .
ثم ضرب الله مثلاً من أبلغِ أمثلا القرآن الكريم في صورة حيَّة كأنها واقعةٌ يشاهدها الناس ، وتتبعها المشاعر ليَظْهَر لهم بهذا المثَلِ ما هم عليه فقال :
{ هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } .
ان الله تكفُرون بِنِعمِه وتكذّبون بآياته ، هو الذي وهبكم القدرةً على السَّير والسعي في البر مشاةً وركبانا ، وفي البحر بما سخّر لكم من السفُن التي سخّرها لكم ، وجَرَت بكم تدفعُها ريح طيّبة اطمأنتم اليها وفرحتم بها- هبّت ريح شديدة أثرات عليكم الموجَ من كل جانب ، وأيقنتم أن الهلاكَ واقع لا محالة ، ولا تجدون ملجأً غيرَ الله . عند ذلك تدعونه مخِلصين له الدّعاء موقنين أنه لا منقذّ لكم سواه ، ومتعهدين بأن تكونوا من الشاكرين إن انجااكم من هذه الشدة .
{ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق } .
هذه تكملة للصورة . فلما أنجاهم اللهُ مما تعرّضوا له من الشدّىة والهلاك ، نقضُوا عهدَهم ، وعادوا بيغون في الأرض ويفسدون بغير الحق .
قراءات :
قرأ ابن عامر . « ينشركم » بالنون والشين . والباقون « يسيركم » بالياء والسين والياء اي زمان وُجدوا فقال :
{ ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } .

(2/186)


أيها الناقضون للعهد ، ان عاقبةَ بغيكم وظلمكم سترجِع عليكم وحدَكم ، أما ما تحصُلون عليه من ظلمكم هذا فهو مجرد متاع دنيوي زائل ، ينقضي بسرعة ، ثم تعودون الى الله فيجزيكم بأعمالهكم التي اقترفتموها .
والحق ، أن البغي ، وهو أشدّ أنواع الظلم ، يرجع على صاحبه ، لما يولّد م العداوة والبغضاء بين الأفراد ، ولما يوقد من نيران الفتن في الشعوب .
روى الامام احمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثٌ هنّ رواجع على أهلها : المكر ، والنكث ، والبغي » ثم تلا : { بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ } . { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } [ الفتح : 11 ] .

(2/187)


إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)

الزخرف : الزينة وكمال حسن الشيء ، وزخرف الارض الوان نباتها . كأن لم تغنَ بالأمس : كأن لم تكن مأهولة . دار السلام : الجنة .
لما كان سببُ بغي الناس في هذه الدنيا هو إفراطُهم في حبّها ، والتمتع بزينتها وما يجنون منها - ضَرب اللهُ بذلك مثلاً يَعْزِف بفضله العاقلُ عن الغرور بها ، ويدفع الى الكف عن الظلم والفساد .
{ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام . . . الآية } .
شبّه اللهُ حال الحياة الدنيا في روعتها وبهجتها ، بماء أنزلَه من السماء ، فاختلط به نباتُ الأرض مما يأكلُه الناس والحيوان ، فيزدهر ويُثمر ، وتزدانُ به الأرض نضارةً وبهجة ، حتى إذا بلغتْ هذه الزينةُ تمامها ، وأيقن أهلُها أنهم ملكوها وقَدَروا على الاستمتاع بثمارِها وخيراتها ، أتاها أمرُ الله فجأة ، فباتت كالأرض المحصودة التي قُطع زرعها ولم يبقَ منه شيء .
{ كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .
إننا بالأمثال الواضحة ، نبين الآيات ونفصل ما فيها من الاحكام لقوم يتفكّرون ويعتبرون ويعلمون أن الدنيا زائلةٌ وأن متاعها قليل .
{ والله يدعوا إلى دَارِ السلام وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .
إن الله يدعو الناسَ جميعاً الى العمل الصالح والإيمان الصادق ليدخُلوا الجنة ، وهو يهدي من يشاء الى الطريق الموصل إليها وهو الإسلام .

(2/188)


لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)

لا يرهق وجوههم : لا يغشيها ولا يغطيها . قتر : دخان ساطع الذلة : الهوان . العاصم : المانع فزيلنا بينهم : فرقنا وميزنا بينهم .
بعد أن بيّن الله تعالى في المثل الذي ضربَه غرور المشركين الجاهلين بمتاع الدنيا الزائل ، ودعا الناس جميعا الى نشدان السعادة الأبدية - عقّب هنا ببيان حال المحسنين والمسئيين ، وما أعدّ لكلٍ منهم في الآخرة فقال :
{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } .
للذين احسنوا اعمالهم في الدنيا ، المنزلة الحسنى في الآخرة وهي الجنة ، ولهم زيادة على ذلك فضلاً من الله وتكريما ، كما قال تعالى : { وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ } [ النساء : 173 ] ، [ النور : 38 ] ، [ فاطر : 30 ] ، [ الشورى : 26 ] . وقد فسّر تلك الزيادة عدد من الصحابة والتابعين برؤية الله ، روى ذلك الإمام أحمد في مُسْنَده ، ومسلمُ في صحيحه .
{ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
لا يغشى وجوههم كآبة من هّمٍ أو ذُل ، وهؤلاء هم اهل الجنة ينعمون فيها دائما .
{ والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا } .
أما الذين لم يتسجيبوا لدعوة الله ، فكفروا وعصَوا أمر ربهم ، فسيُجْزَون بمثل ما عملوا من سوء .
{ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } .
وتغشاهم ذلة الفضيحة والهوان ، وليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله .
{ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
وجوهُهم مسودّةٌ عليها الغمُّ والكآبة كأنما أُسِدل عليها سوادٌ من ظلمة الليل ، أولئك أهلُ النار هم فيها خالدون .
قراءات :
قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب : « قطْعا » بسكون الطاء والباقون « قِطَعا » .
ثم بيّن الله ما ينال المشركين يوم الحشْر من التوبيخ والخزي بقوله تعالى :
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ } .
اذكُر أيها الرسول هول الموقف يوم نجمعُ الناس كافة ، الذين أحسَنوا والذين أساءوا ، ثم نقول لمن أشرك منهم : الزَموا مكانكم أنتم وشركاؤُكم لا تبرحوه حتى تنظُروا ما يُفعل بكم .
{ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } .
فرّقنا بين المشرِكين والشركاء ووقعتْ بينهم الفُقة .
{ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } .
أيْ تبرّأ الشركاء من الذين عبدوهم ، وقالوا لهم : إنكم ما كنتم تعبدوننا ، بل كنتم تبعدون أهواءكم وشياطينكم .
{ فكفى بالله شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } .
تكفينا شهادةُ الله ، واللهُ يعلم أنّنا ما أمرنْاكم بذلك ، وما أردنا عبادتكم لنا ، ولا نعلم بها ابدا .
{ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ وردوا إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الحق وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .
هنالك في موقف الحساب تُختَبَر كلُّ نفسِ فتعلم ما قدّمت من خيرٍ أو شرٍ وتلقى جزاءه ، وأُرجِعوا الى الله ربِّهم الحق ، وتكشَّف الموقفُ عن ربِّ واحدٍ يرجع اليه الجميع ، ولم يجد المشركون شيئاً مما كانوا يفترونه على الله .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « هنالك تتلوا » بتاءين من التلاوة يعني تقرأ ما عملت ، او تتلوا تتبع عملها فيقودها الى الجنة او الى النار .

(2/189)


قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)

فأنى تصرفون : كيف تعدلون عن عبادة الله . انى تؤفكون : كيف تُصرفون وتعدِلون عن عبادة الله .
بعد عرضِ يوم الحشر وما فيه ، وكيف تُكشَف الأعمال وتَسقُط الدعاوي والأباطيل ، يؤكد الله هنا قدرته ، وأنه مالكُ كلّ شيءٍ ، يدبر الأمر في هذا الكون ، ويسأل : كيف بعد هذا كله يعدِلون عن عبادته!!
{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمآء والأرض أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار } .
قل لهم أيها الرسول : من الذي يأتيكم بالرِزِق من السماء بإنزال المطر ، ومن الأرض بما تُنبته من شتّى أنواع النبات والثمر؟ من الذي يمنحُكم السمعَ والبصرَ ، وانتم بدونها لا تدرون شيئا!! وقد خصّ هاتين الحاسّتين ، لأنهما أهم الحواس .
{ وَمَن يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } .
من ذا الذي بيده أمرُ الموت والحياة ، فيخرج النباتَ الحيَّ من الأرض الميتةُ ، ويُخرِج الميِّتَ من الحيّ فيما تعرِفون من المخلوقات وما لا تعرفون!؟ .
{ وَمَن يُدَبِّرُ الأمر فَسَيَقُولُونَ الله فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } .
من الذي يصرّف جميع أمور هذا الكون بقدرته وحكمته؟ . وهم يجيبون عن هذه الأسئلة الخمسة بأن فاعلَ هذا كلّهِ هو الله وحدَه ، فقل لهم ايها الرسول : إذنْ ، أفلا تخافونه وتتقون سخطه وعذابه ، وتتركون عبادة غيره وترجوعن اليه!!
{ فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال فأنى تُصْرَفُونَ } .
ان المتّصف بكل تلك الصفاتٍ السالفة هو الله المربّي لكم بِنِعمه والمدبّر لأموركم ، وهو الحقُ الثابت بذاتِه ، والذي تجب عبادتُه دون سواه . ليس بعد الحق من توحيد الله وعبادته الا الضلال ، وهو الشِرك بالله وعبادة غيره ، فكيف تتحوّلون عن الحقّ الى الباطل!؟
{ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين فسقوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .
كما تحقّقت ألوهيةُ الله ووجبتْ عبادتُه ، حقَّ قضاءه على الذين خرجوا وتمردوا على أمرِه ، بأنهم لا يؤمنون . . . لأن الله تعالى لا يهدي إلى الحقّ إلاّ من سلَكَ طريقه المستقيم .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر : « حقت كلماتُ ربك » بالجمع ، والباقون : « كلمة » كما هو في المصحف .
ثم أقام الله الحجَّةَ على حقيقة التوحيد وبطلانِ الشرك بما هو من خصائصه تعالى من بدء الخلق واعادته فقال سبحانه :
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ فأنى تُؤْفَكُونَ } .
قل لهم أيها الرسول : هل مِن معبوداتِكم مَن يستطيعُ أن ينشئ الخلقَ ثم يعيدُه بعد فنائه؟ سيعجِزون عن الجواب ، فقل لهم : اللهُ وحدّه يفعل ذلك ، فكيف تنصرفون عن الحق الواضح والايمان بالله!!

(2/190)


قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)

وهذا ضربٌ آخر من الحُجّة أقامه الله تعالى دليلاً على توحيده وبطلان الاشراك به ، وقد جاء بطريق السؤال للتوبيخ وإلزام الخصم بالحجة .
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق } .
ايها الرسول ، قل لهؤلاء المشركين : هل من هؤلاء الذين عبدتموهم من يستطيع التمييز بين الهدى والضلال ، فيرشده سواه الى السبيل الحق؟ إن الله وحده يفعل ذلك .
{ أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى } .
هل القادرُ على الهداية الى الحق أَولى بالاتباع والعبادة أم الذي لا يستطيع ان يهتدي في نفسه ، ولا يهدي غيره الا اذا هداه الله!!
{ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } .
ما الذي جعلكم تنحرفون حتى أشركتم هذه الأصنامَ وغيرها في العبادة مع الله! كيف تحكمون بجواز عبادتهم وشفاعتهم عنده وتؤمنون بالخرافات ، رغم الادلة الواضحة على فسادها!
قراءات :
كلمة يهدي : جاءت ثلاثة مرات « يَهدي » بفتح الياء وسكون الهاء وكسر الدال ، والرابعة : « أمّن لا يهدِّي » بفتح الياء وكسر الهاء والدال المشددة . وهذه قراءة حفص ويعقوب كما هي بالمصحف ومعناها يهتدي .
وقرأ ابن كثير وورش عن نافع عامر : « يهدي » بفتح الياء والهاء وتشديد الدال . وقرأ ابو بكر : « يهدي » بكسر الياء والهاء وتشديد الدال .
{ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً } .
وما يتبع أكثرُ المشركين في متعقداتهم الا ظنّاً لا دليل عليه ، والظنّ لا يفيد ولا يغني عن العلم الحق اي شيء .
{ إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } .
ان الله عليم بما يفعله رؤساء الكفر وأتباعهم وسيجازيهم على ذلك .
وفي هذا تهديد لكل من يتبع الظن في أمرٍ من أمور الدين .
{ وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ } .
لايصحُّ ولا يُعقل ان يفتريَ هذا القرآنَ أحد ، لأنه في إعجازه وأحكامه لا يمكن ان يكون من عند غير الله ، لما فيه من علوم عالية ، وحِكم سامية ، وتشريعٍ عادل ، وآداب اجتماعية وإنباء بالغيب من الماضي والمستقبل ، وإنما هو مصدّقٌ لما سبقه من الكتب السماوية ، فيما جاءت به من الحق .
{ وَتَفْصِيلَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين } .
وهو مفصِّلٌ وموضِّح لما كُتب وسَبَق من الكتب السماوية ، فهو لا شك منزلٌ من عند الله رب العالمين .
هكذا بيّن الله تعالى أنّ القرآن أجلُّ من أن يُفترى ، لِعجزِ الخلْق عن الإتيان بمثله ، ثم انتقلَ إلى حكاية زعْمِ المعاندِين المشركين الذين قالوا : إن محمّدا قد افتراه فقال :
{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .

(2/191)


بل يقول هؤلاء المشركون : إن محمّداً اختلقَ هذا القرآنَ من عنده ، فقل لم ايها الرسول : إن كانت هذا القرآنُ من عملِ البشَر ، فأُتوا أنتم بسورةٍ واحدة مماثلةٍ له ، واستعينوا على ذلك بمن تشاءون من دونِ الله ، إن كتنم صادقين فيما تزعمون .
وهذا التحدي قائم الى الآن ، وقد عجَزَ عنه الأوّلون الآخرون ، وسيظل ثابتا الى أبد الآبدين .
{ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } .
لقد سارَعوا الى تكذيبه من غير أن يتدبّروا ما فيه ، أو يقفوا على ما احتوى عليه من الأدلة والبراهين والحقائق .
{ كَذَلِكَ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين } .
وبمثل هذه الطريقة في التكذيب من غير علم ، كذَّب الذين قبلهم من مشركي الامم رسلَهم بما لم يحيطوا بعلمه قبل ان يأيتهم تاويله ، فانظر ايها الرسول الكريم كف كيف كان عاقبة الظالمين ، وما آل اليه أمر المكذبين السابقين كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم .
بعد ان بين الله ان المشركين كذّبوا بالقرآن قبل ان يأتيهم تأويله أو يحيطوا بعلمه - ذكر هنا كيف يكون حالُهم بعد ان يأتيهم التأويل ، اذ سينقسمون فريقين : فريق يؤمن به وفريق يستمر على كفره وعناده .

(2/192)


وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)

{ وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين } .
من هؤلاء المعانِدين من يؤمن بالقرآن بعد ان يفطَنَ الى ما فيه ، ومنهم من سيظل يعاند ويكابر فيصَر على الشرك ويستمر عليه ، والله تعالى أعلم بهؤلاء .
{ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ } .
وان أصرّوا على تكذيبك بعد كل هذه الأدلة ، فقل لهم : إن لي جزاء عملي ، ولكم جزاءُ عملكم ، أنا مستمر في دعوتي ، وأنتُم لا تؤاخّذون به ، وانا بريء مما تعملون .
{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } .
من هؤلاء مَنْ يستمع إليك بآذانهم فقط حينَ تدعوهم الى الله ، أما قلبهم فقد اغلقت وأمَّا عقولهم فقد غابت ، فهل تقدر على إسماع الصمّ!! وإنهم لا يعقِلون ولا يفهمون .
{ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } .
ومنهم من يتجه نظرهُ إليك حين تقرأ القرأن ، فيرى دلائلَ نبوَّتِكَ واضحة ، لكنهم كالعميان الذين لا يبصِرون ، إن نفوسهم قد انصرفت عن استعمال عقولهم وأنت لا تستطيع هداية العمي .
{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .
لقد سهّل تعالى للناس كلَّ أسباب الهداية بإرساله الرسُل ، وهو لا يظلم أحدا ، لكن الناس بكفرهم واتّباع أهوائهم يظلمون أنفسهم بصدّهم وعدم اتباع الحق الموصِل الى السعادة .

(2/193)


وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47)

{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ . . . }
أنذرْهم أيها الرسول يومَ يجمعُهم الله للسحاب ، وقل لهم إن هذه الدنيا التي غرّتهم بمتاعها الزائل ، لهي قصرة الأمد وستزول بموتهم . وفي ويوم القيامة سيقدّرون قصرها بساعة من النهار ، وبتلاومون على مان كانوا عليه من الكفر والضلال . يومئذٍ سيعرفون أن الذين آثروا هذه الحياة السريعة الزوال وكذّبوا باليوم الآخر- قد خسروا السعادة الأبدية ولم يهتدوا إلى طريقها .
قراءات :
قرأ حفص « يحشرهم » بالياء كما هو في المصحف ، والباقون « نحشرهم » بالنون .
{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } .
وإن أريناك أيّها الرسول ، وفي أثناء حياتك ، بعض ما نعِدُهم من العقاب ، من نصرك عليهم ، وإلحاق العذاب بهم ، أو توفّيناك قبل ان ترى كل ذلك ، فلا مناصَ من عودتهم إلينا للحساب والجزاء .
{ ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ } .
والله تعالى رقيب على كل ما يفعلونه عالم بذلك ، وسيجزيهم عليه .
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .
لقد أرسل الله لك أمةٍ رسولاً قبلّغها دعوة الله . فآمن بعضهم ، وكذّب آخرون وهكذا استوفى الجميع حقهم الذي فرضه الله على نفسه بن لا يعذِّب قوماً إلا بعد الرسالة . وبعد الاعذار لهم فإن الله يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم لرسوله . { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] .

(2/194)


وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)

{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
ويقول كفار قريش للرسول الكريم : متى يكون هذا الذي تَعِدُنا به من العذاب ان كنت ومن معك صادقن فيما تؤمنون به!؟
{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله } .
قل لهم أيها الرسول : إنّي بَشَرٌ مثلكم ، لا أمِلك لنفسي خيرا ولا شرا ، الا ما قدّرني الله عليه .
{ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } .
ان لكل امةٍ من الأمم فترة حدّدها الله ، فإذا جاءت تجدهم لا يتسطيعون التأخر عنها ، ولا سْبقَها . فإذا كان الرسول الكريم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعاً ، فكيف يملكه ليغره ، بل كيف يملَك غيره لنفسه! ان الأمر لله يحقق وعيده في الوقت الذي يشاء ، والأجلُ قد ينتهي بالهلاك الماديّ كما وقع لبعض الأمم السابقة ، وقد ينتهي بالهلاك المعنوي ، اي الهزيمة والضياع والأمة الاسلامية بانحرافها عن دينها وخلقها قد انهزمت ولا يمكن ان تعود الى مجدِها وعزها بدون الرجوع الى الله .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون } .
قل ايها الرسول لهؤلاء المكذبين المستعجلين وقوع العذاب : أخبروني إن وقع بكم عذاب الله ليلاً او نهاراً ، فأيّ فائدة تحصُلون عليها من استعجالكم إياه! ، وأي عذاب تستعجلون؟ عذاب الدنيا ، أم عذاب الآخرة!؟
{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ } .
ثم اذا حل بكم ، هل تؤمنون به حين لا ينفع الايمان؟
{ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } .
عند ذاك يقال لكم على سبيل التوبيخ : الآن آمنتم به اضطرارا ، وقد كنتم تستعجلونه في الدينا!! .
{ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد }
يومئذ يقال للذين ظلموا أنفسَهم بالكفر والتكذيب : يا هؤلاء ، الآن ذوقوا العذاب الدائم .
{ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } .
إنكم اليوم لا تُجزون إلا على أعمالِكم في الدنيا ، ونحن لن نظلمكم شيئاً .
{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } .
ويسألونك ايها الرسول ان تخبرهم عن هذا العذاب الذي تعِدثهم به في الدنيا والآخرة ، ويقولون : يا محمد ، أحقّ أنه سيقع؟ فقل لهم : نعم ، أُقسِم لكم بِربّي إنه حاصلٌ لا شك فيه .
{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ } .
وفي تلك اللحظة من ذلك اليوم لو ان لكل نفس كفَرت بالله جميعَ ما في الأرض لافتدَت به من عذابها لو تستطيع ، وذلك لما تراه من عذاب يوم القيامة .
{ وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .
ولما رأوا العذابَ أخفَوا ندمَهم لعجزِهم عن النطق ، ولشدة ما دهاهم من الفَزع ، ونَفَذ فيم قضاءُ الله .

(2/195)


وهم غير مظلمون في هذا الجزاء لأنه نتيجةٌ لما قدّموا في الدنيا .
ثم أبتعَ الله ما تقدّمَ بالدليل على قدرته على نفاذِ حُكمه وإنجاز وعده ، فقال .
{ ألاا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض } .
فلْيتذكّر من نَسِيَ او جَهِلَ وغَفَلَ ان الله وحدَه يملك جميع ما في هذا الكون يتصرف فيه كيف يشاء .
ثم اكد ما سَلَف بقوله :
{ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .
وليعلموا أن وعدَه حق ، فلا يُعجِزُه شيء ، ولكن اكثرَ الكفار قد غرَتْهم الحياةُ الدنيا فباتوا لا يعلمون ذلك حق اليقين .
ثم أقام الدليلَ على قدرته على ذلك فقال :
{ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .
والله تعالى يَهبُ الحياةَ بعد عدَم ، ويسلبُها بعد وجود ، ثم إليه المرجِعُ في الآخرة حين يُحييكم بعد موتكم ويحشُركم اليه للحساب والجزاء .

(2/196)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60)

موعضة : نصيحة ووصية بالخير واجتناب الشر . شفاء لما في الصدور : دواء للنفوس .
بعد ان ذكر الله تعالى الادلة على أسس الدين الثلاثة : الوحدانية ، والرسالة والبعث ، ذكر هنا القرآن الكريمَ وما فيه من مقاصد هامة أجملَها في أمور اربعة :
{ ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } .
يا أيها الناس جاءكم على لسانِ الرسول الكريم كتابٌ جامع لكل ما تحتاجون اليه .
1- موعظة تصلح اخلاقكم واعمالكم .
2- شفاء لأمراض قلوبكم من الشِرك والنفاق .
3- الهِداية الواضحة الى الصراط المستقيم الذي يوصل الى سعادة الدارين .
4- ورحمة للمؤمنين من رب العالمين .
{ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } .
قل لهم أيها الرسول : إفرحوا بفضلِ الله عليكم ورحمتِه بكم بإنزال القرآن ، وبيانِ شريعةِ الإسلام . ان هذا خير من كل ما يجمعه الناس من متاع الدنيا ، لأنه هو سببُ السعاد في الدارَين .
وقد نال المسملون في العصور الأولى بسببه المُلْكَ الواسع والمالَ الكثير ، لكنّهم تأخرون الآن لبُعدهم عن القرآن والدين ، لانشغالِهم بالدنيا ومتاعها ، نسأل الله تعالى ان يردّنا إلى ديننا ، ويلهمنا الصوابَ في القول والعمل .
قراءات :
قرأ رويس عن يعقوب : « فلتفرحوا » بالتاء والباقون « فليفرحوا » بالياء . وقرأ ابن عامر ورويس : « تجمعون » بالتاء والباقون « يجمعون » بالياء .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً } .
قل ايها الرسول لهؤلاء المشركين : أخبروني عن الرِزق الذي منحكم الله إياه ، حلالاً طيبا ، لكنكم جعلتم بعضهَ بعضهَ حراماً وبعضه حلالاً ، فلماذا؟
وكان العرب في الجاهلية يحرّمون على أنفسهِم بعضَ الإبل وغيرها ، ويجعلون بعضَها للذكور منهم خاصة . وقد تقدم بيان ذلك في سورة الانعام .
{ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ } .
قل لهم أيها الرسول : إن حقّ التحريم والتحليل لا يكون الا لِله ، فله أذِنَ لكم بذلك ، ام أنكم تكذبون في ذلك!؟ .
وبعد ان سجل الله تعالى عليهم جرمة افتراء الكذب على الله ، بين هنا ما يكون من سوء حالهم وشدة عقابهم يوم القيامة فقال : { وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب يَوْمَ القيامة } .
أيظن اولئك الذين يكذبون على الله أنهم يتركون بلا عقاب على كذبهم وافترائهم؟ وهذا ينافي العدالة . والله تعالى يقول : { أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار؟ } [ ص : 28 ] .
{ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } ان الله تعالى قد انعم على الناس نعما كثيرة من فضله ، ولكن أكثرهم لا يشركون الله عليها .
اخرج البخاري والطبراني عن زهير بن ابي علقمة قال : « اذا آتاك الله مالا فليرَ عليك ، فان الله يحب ان يرى أثره على عبده حسنا ، ولا يحب البؤس ولا التباؤس » .

(2/197)


وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)

الشأن : الأمر ، والحال ، والمنزل . تفيضون فيه : تتوسعون في الحديث . وما يعزب : ما يغيب . مثقال ذرة : قدر نملة صغيرة او ما يرى في الغبار . الكتاب : اللوح المحفوظ البشرى : الخبر السار ، البشارة .
{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } .
وما تكونُ أيّها الرسولُ في أمرٍ من أمورِك ، وما تقرأُ عليهِم من قرآنٍ أو تعمَلُ أنتَ وأمّتك من عملٍ الا ونحنُ شهودٌ عليه حين تخوضُون فيه .
{ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولاا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } .
ولا يغيبُ عن علمٍ ربك شيءٌ ولو كانَ في وزْنِ الذرَّة في الأرضِ ولا في السماء ، ولا أصغُر من ذلك ولا أكبر منه ، إلاّ وهو معلومٌ في كتابٍ عظيم الشأن .
قراءات :
قرأ الكسائي : « يعزِب » بكسر الزاي . والباقون « يعزُب » بضم الزاي . وقرأ حمزة وخلف ويعقوب « ولا أصغُر من ذلك ولا اكبر » بالرفع ، والباقون بفتح الراء .
بعد ان بيّن اللهُ تعالى لعبادِه سعةَ عِلمه وقدرتَهُ مراقبته لعباده ، ذكر هنا حال الشاكرين المتقين الذين لهم حُسْنُ الجزاءِ يومَ القيامة .
{ ألاا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .
إن أولياءَ الله الّذين يُخِلصون له بالعباة ويتوكَلون عليه لا خوفٌ عليهم في الدُّنيا والآخرة ، وهم لا يحزَنون على ما فاتَهم من عَرَض الدنيا لأن لهم عندَ الله ما هو أعظمُ من ذلك .
{ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } .
وأولياءُ الله هؤلاء هم الذين صدَّقوا بكل ما جاءَ من عند الله ، واتقوا الله حق تقاته .
{ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة } .
كذلك فان البشرى لهؤلاء الاولياء بالخير في الدنيا بما وعدَهم اللهُ من نصرٍ وعز ، وفي الآخرة بتحقيق وعده بعظيم الجزاء .
{ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذلك هُوَ الفوز العظيم } .
لا تغييرَ ولا خُلف في مواعيد ربِّهم ، وهذا هو الفوز العظيم .

(2/198)


وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

العزة : الغلبة والقوة . يخرصون : يحزرون ويقولون بلا علم . والنهار مبصرا : يعين تبصرون فيه . من سلطان : من حجة او برهان .
{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } .
لا تحزنْ أيها الرسول لما يقوله المشركون من سُخرية وطعنٍ وتكذيب .
{ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم } .
ولا تظنَّ يا محمد أن حالَهم ستدوم ، بل ان العزَّة كلَّها لله ، والنصرُ بيدِه ، وسسينصُرك عليهم ، وهو السميعُ لما يقول من تكذيب الحق ، كما يعلم بما يفعلون وما يُضمرون ، وسيجازيهم على ذلك .
{ ألاا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض } .
اعملوا أيها الناس أن الله وحدَه يخضع كلُّ من في السماوات والأرض ، فهو الخالِق وهو المالِك وهو المدبّر .
ثم بين الله انه لا شريك له ابدا فقال :
{ وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } .
إنه هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله ، لا يتّبعون شركاءَ له في الحقيقة ، بل أوهاماً باطِلة . وليسوا في ذلك إلا واهمين ، يخمِّنُون ويحْدِسون بلا عِلم ولا يقين .
بعدما نبَّه الله تعالى على انفرادٍه بالقدرة الكاملة ، ووجَّه الأنظارَ الى بعض مجالي تلك القدرة في المشاهدة الكونية ، قال :
{ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } .
إن الله تعالى هو الذي خلَق لكم الليلَ لتستَريحوا فيه من عناءِ العملِ والسعي في النهار ، كما خلَق لكم النهارَ مضيئاً لستعَوا فيه الى مصالِحكم ، وفي تعاقب الليل والنهار دلائل بينة لقومٍ يسمعون ويتدبرون .
ثم شرع في تفنيد نوع آخر من أباطيلهم فقال :
{ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } .
وقال المشركون : لقد اتخذَ الله ولداً ، إن الله منزّه عن ذلك ، فهو غني عن اتخاذ الولد ، لأن الولد مظهر الحاجة الى البقاء ، والله باقٍ خالد .
{ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ } .
ليس لديكم من البراهين ما يؤيّد صحةَ ما تقولون وتفترون .
{ أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
لماذا تختلقون على اللهِ أمراً لا اساسَ له من الحقيقة .
{ قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ } .
قل لهم ايها الرسول : إن الذين يكذِبون على الله ، ويزعمون ان له ولداً لن يُفلحوا ابدا .
{ مَتَاعٌ فِي الدنيا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } .
سيكون لهم متاع قليل في الدنيا ثم إلَينا مرجعُهم فنحاسبُهم نُذيقهم العذابَ الشديد بسبب كفرهم .

(2/199)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)

النبأ : الخبر له خطر وشأن . فاجمعوا امركم : اعزموا عليه من غير تردد . الغمة : ضيق الأمر الذي يوجب الحزن . خلائف : يخلفون من مضى .
يذكر الله تعالى هنا الأمَم السالفةَ وأخبارَهم مع رسُولهم ، وكيف كذّبوهم وعاندوهم ، وفي ذلك تسليةٌ للرسول الكريم ، وبيانٌ له بأن قومه لم يكونوا بِدْعا في عنادهم ، بل سبقهم في مثلِ فعلهم كثيرٌ من الأمم قبلهم . لكن العاقبة كانت على الدوام ان يفوز الرسلُ المؤمنون .
{ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } .
اقرأ يا محمد على المشركين ، قصةَ نوحٍ أحسّ كراهيةَ قومه وعداءَهم لرسالته ، فقال لهم : يا قومي ، إن كان وجودي فيكم لتبليغ الرسالةِ أصبحَ ثقيلاً عليكم ، فإنّي مثابرٌ على دعوتي ، متوكلٌ على الله في أمري .
{ فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } .
فأعِدُّوا أمرَكم واعزموا على ما تُقْدِمون عليه في أمري انتم وشركاءكم الذي تبعدونهم . لا تدعوا في عِدائكم لي أَيّ خفاء ، ولا تُمهلوني فيما تُريدون لي من سوء ان كنتم تقدرون على ذلك .
قراءات :
قرأ نافع : « فاجمعوا » بوصل الهمزة وفتح الميم . والباقون : « فأجمعوا » بالهمزة وكسر الميم . وقرأ يعقوب : « وشركاؤكم » بالرفع ، والباقون « وشركاءكم » بالنصب .
{ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } .
فإن اعرضتُم عن دَعوتي ، لم يضرّني ذلك ، لأني ما سألتُكم أن تدفعوا لي أجراً على ما دعوتكم اليه ، بل إن ثوابي على الله وحده ، وهو يؤتيني إياه ، وقد أمرين أن أُسْلِمَ اليه جميع أمري .
{ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } .
ومع كل هذه الجهود التي بذلها من اجل هدايتهم ، فقد أصرّوا على تكذيبه ، فنجاه الله ومن معه من المؤمنين في السفينة ، وجعلهم خلفاء في الأرض ، وأغرق الكافرين بالطوفان .
فانظر أيها الرسول كيف كانت عاقبةُ هؤلاء المكذبين لرسولهم : نجّى الله نوحا والذين آمنوا معه واستخلفهم في الارض على قلّتهم ، اغرق المكذبين وهزمهم على كثرتهم .

(2/200)


ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)

نطبع على قلوب المعتدين : نختمها ونغلقها . الملأ : أشراف القوم لتلفتنا : لتصرفنا .
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بالبينات فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } .
ثم أرسلنا من بعدٍ نوحٍ رسُلا آخرين ، مبشِّرين ومنذِرين ، ومعهم الدلائلُ والمعجِزات لكم أقوامهم رفضوا أن يصدّقوا ويذعنوا ، واصّروا على موقفهم ، فلم ينتفعوا بتعاليم الرسل الكرام .
{ كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين } .
وعلى مثل هذه الصورة اغلق الله قلوب الكافرين المعتدين عن الإيمان وطبع الباطل عليها ، فتحجّرت ولم تعدْ صالحة للهداية ابدا .
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ موسى وَهَارُونَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فاستكبروا وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } .
ثم أرسلْنا من بعد اولئك الرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون مصر وخاصّتِه وأشراف قومه ، فاستكبروا عن متابعة الرسولين في دوتِهما ، ورفضوا إلا ان يكونوا مجرمين .
{ فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قالوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } .
وحين ظهر لهم الحقُّ من عند الله على يدِ موسى ، قالوا عن معجزته إنّها مجرد سحر مؤكد .
{ قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون } .
قال لهم موسى مستنكرا : أتصِفُون الحقَّ الّذي جئتكم به من عندِ الله أنه سِحْر؟ كذبتُم . وثِقوا أنه لن يفوز الساحرون أبدا .
وبعد أن أفحمهم موسى بحجّته كشفوا عن حقيقة الدوافع التي تصدّهم عن الايمان بالله ، ألا وهي الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، وضَياع مصالحهم .
{ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء فِي الأرض وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } .
قال فرعون وقومه لموسى : لقد جئتَ إلينا لتصرِفنا عن دينِ آبائنا وتقاليد قومنا ، لكم نصيرَ لكما أتبعاً ويكون لك ولأخيك المُلك والعظَمة والرياسة!؟
ولقد كان زعماء قريشٍ يدركون ما في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من صدق وسموّ ، وما في عقيدة الشِرك من فساد وخرافات ، لكنهم كانوا يخافون على مكانتهم الموروثة ومصالحهم الذاتية ، كما خشيَ الملأُ من قومِ فرعونَ مثل ذلك ، فقالوا : « وما نحن لكما بمؤمنين » .
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتوني بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ } .
وظن فرعونُ أن موسى وأخاه ساحران ، والسَحَرةُ عنده كثيرون ، فأمر رجاله ان يُحضروا له كل ساحر عظيم في ملكته .
{ فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ } .
ولما حضرَ السَحَرة ووقفوا أمام القوم لمنازلة موسى قال لهمك هاتُوا ما عندَكم من فنُون السِحْر .
{ فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } .
فلما ألقَوا حِبالهم وعصيَّهم وجعلتْ تسعى كأنها الأفاعي ، قال لهم موسى : إن الذي فعلتموه هو السِحر حقا ، وهو خيالٌ لا حقيقة فيه ، واللهُ تعالى سبُطلِهِ على يدي ، فهو لن يجعلَ عملَ المفسدين صالحاً للبقاء ، بل يزيلُه ويمحقه .
{ وَيُحِقُّ الله الحق بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } .
ويثّبت الله الحقّ الذي فيه صلاح الخلْق وينصرُه ، ولو كره ذلك كل مجرم .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي « بكُلّ سحار » على صيغة المبالغة ، والباقون « بُكّلِ ساحر » وقرأ ابو عمرو : « ما جئتم به آلسحر » بالاستفهام والباقون : « السحرُ » .

(2/201)