صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)
الحلي : بضم الحاء وقرئ بكسرها ، مفردها حَلْي وهو كل ما يتُزين به من المصوغات المعدنية والحجارة الكريمة . العجل : ولد البقرة . له خوار : له صوت البقر سُقِط في أيديهم : ندموا ، وهذا من تعابير القرآن الكريم البليغة . (2/76)
بعد ان ذكر الله خبر مناجاة موسى واصطفاءه له بالرسالة ، وأمرَه إياه ان يأخذ الاواح بقوة- بين هنا ما حدث اثناء غياب موسى عن قومه ، حيث بدّلوا الوثنية بديانتهم .
لقذ ذهب موسى الى الجبل لمناجاة ربه ، فما أسرع ما اتخذ قومه من مصوغاتهم وزينتهم جسماً على صورة عجلٍ من الحيوان ، لا يعقل ، له صوت كصوت البقر ، كان قد صنعه لهم السامريُ وأمرهم بعابدته . لقد عَمُوا ، فلم يروا حين عبدوه انه لا يكلمهم ولا يقدر على هاديتهم الى طريق الصواب! ومع هذا فقد اتخذوه إلهاً لهم ، وبذلك ظلموا أنفهسم باقترافهم مثل هذا العمل الشنيع .
ولما شعروا بزلتهم وخطيئتهم ، تحيَّروا فيما يفعلون ، وندموا اشد الندم وتبيّنوا ضلالهم ، وقالوا : واللهِ لئن لم يتبْ علينا ربنا ، لنكوننّ من الذين خسروا سعادة الدنيا والآخرة .
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
الاسف : الحزن أعجِلتم امر ربكم : اسبقتم . القى : طرح ، شمت بعدوه : فرح بمكروه اصابه . (2/77)
قراءات :
قرأ حفص يا ابن ام بفتح الميم ، وقرأ الكسائي وحمزة وابن عارم : يا ابن أمِّ بكسر الميم .
بعدما ذكرت الآياتُ ما احديه السامريّ من صناعته العجل لبني اسرائيل وعبادتهم له ، ثم ندمهم على ذلك وطلبهم الرحمة من ربهم- تورد هذه الآيات ما حدث من غضب موسى وحزنه حين رأى قومه على تلك الحال من الضلال والغّي ، وتصف ما وجّهه موسى من التعنيف واللوم لأخيه هارون ، الذي سكت عن قومه حين رآهم في ضلالتهم يعمهون .
{ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً . . . } .
ولما رجع موسى من مناجاة ربّه ووجد قومه على تلك الحال غضب عليهم ، وحزن لأنهم وقعوا في تلك الفتنة ، وقال : ما أقبح ما فعلتم بعد غيبتي عنكم! اسبقتم بعبادتكم العجلَ ما أمركم به ربكم من انتظاري حتى أتيكم بالتوراة!؟ آنئذٍ وضع الألواح ، واتجه الى اخيه هارون ، واخذ يشدّهُ من رأسه ، ويجره نحوه من شدة الغضب ، ظنّاً منه انه قصر في ردعهم . فقال هارون : لا تعجل بلومي وتعنيفي يا أخي ، ولا تظن اني قصرت في ردع القوم . لكنّهم استضعفوني وكادوا يقتلونني حين نهيتهم عن عبادة العجل . لا تدع الأعداء يفرحون لتخاصُمنا ويشتمون بي ، ولا تجعلني في زمرة هؤلاء الظالمين فأنا بريء منهم ومن ظلمهم .
قال موسى : ربِّ اغفر لي ما صنعتُ بأخي ، واغفر لأخي إن كان قصّر ، وأَدخلنا جميعاً في رحمتك التي وسعت كل شيء فأنت أرحكم الراحمين ، بل وأرحم بنا منا على انفسنا .
والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل ، في القرآن الكريم . أما التوراة ففيها ان هارون هو الذي صنعه . وهذا احد مواضع التحريف الذي جرى فيها ، كما نص عليه القرآن الكريم .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
الغضب : هنا ، هو ما امروا به من قتل انفسهم . (2/78)
بعد ان ذكرت الآيات عتاب موسى لأخيه هارون ، ثم استغفاره لنفسه ولأخيه ، استطردتْ تذكر ما استحقه بنو اسرائيل من الجزاء على اتخاذ العجل .
ان الذين اتخذوا العجل إلهاً واستمروا على ذلك ، كالسامريّ وأتباعه ، سيواجهون مذلّة ومهانة شديدة .
{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين } .
بمثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي كل من اختلق الكذب على الله وعبَدَ غيره .
هذا بخلاف الذين اقترفوا السيئات من الكفر والمعاصي ثم تابوا ورجعوا الى الله وصدقوا به ، فإن الله سيغفر لهم ويعفو عنهم ، فعفو الله أكبر وأجلّ ، وكرمه أعظم ، بشرط التوبة والندم والاستغفار .
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
السكوت : ترك الكلام ، وهنا معناه : لما ذهب الغضب عن موسى . وفي نسختها : ما كتب منها هدى : بيان للحق الرهبة : اشد الخوف . (2/79)
بعد ان ذكر الله حال القوم وبين انهم قسمان : قسم مصرّ على الذنب وعبادة العجل ، وقسم تائب منيب الى ربه- هنا بيان حال موسى بعد ان سكنتْ سَورة غضبه .
ولما ذهب عن موسى الغضبُ باعتذار أخيه ، عاد الى الالواح التي ألقاها ، فأخذها ، وكان فيها الهدى والرشاد ، واسباب الرحمة للّذين يخافون الله ويرجون ثوابه .
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
اختار موسى قومه : اختار موسى من قومخ . اختار : انتقى واصطفى . الرجفة : الصاعقة . السفهاء : الجهلاء . الفتنة : الاختبار والامتحان والابتلاء انت ولينا : المتولي امورنا الحسنة : في الدنيا : حسن المعيشة ، والعافية . . . وفي الآخرة : دخول الجنة . هُدنا اليك : تبنا ورجعنا اليك . النبي : هو من اوحى اليه الله وانبأه بما لم يكن يعلم . والرسول : نبي امره الله بتبليغ شرع ودعوة دين . الأمي : الذي لا يقرأ ولا يكتب . واهل الكتاب يلقبون العرب بالاميين كما قال تعالى : { 8;لِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } [ آل عمران : 75 ] المعروف : ما تعرف العقول السليمة حسنة . والمنكر ما تنكره القلوب وتأباه الطيبات : كل ما تستطيبه الاذواق من الاطعمة وتستفيد منه التغذية النافعة . الخبائث : كل ما حرم اكله وذبحه ، والخبيث من الأموال : ما أُخذ بغير حق . الإصر : الثقل الذي يتعب صاحبه الأغلال : واحدها غُلّ بضم الغين ، هو القيد الذي يقيَّد به الأسير والجاني . وهنا معناه الشدائد والمحن . عظّروه : نصروه وهي من الكلمات التي لها معنيان مختلفان . (2/80)
ثم أمر الله موسى أن يأتيه في جماعة من قومه يعتذرون عمّن عبدوا العجل ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لم يشاركوا في عبادة العِجل ، وذهب بهم الى الطور . وهنالك سألوا الله أن يكشف عنهم البلاء ، ويتوب على من عبد العجل من قومه . فأخذتهمفي ذلكالمكان رجفة شديدة غُشي عليهم بسببها ، وكان هذا جزاءً لهم لأنهم لم يفارقوا قومهم حين عبدوا العجل ، ولم ينهوهم عن المنكر فلما رأى موسى ذلك قال : يا ربِّ ، لو شئتَ إهلاكَهم أهلكتَهم من قبل خروجهم الى الميقات ، وأهلكتني معهم ، ليرى ذلك بنو إسرائيل فلا يتهموني ، فلا تهلكنا يا رب بما فعل الجهّال منا ، فما محنة عبَدَة العجل الا فتنة منك ، أضللتَ بها من شئتَ إضلاله ممن سلكوا سبيل الشر ، وهدَيت بها من شئت هدايته . . إنك أنت المتولِّي امرونا والقائم علينا ، فتجاوزعن سيئاتنا ، وتفضل علينا باحسانك ، وانت أَكرم من يفعل ذلك .
كذلك قَدِّر لنا في هذه الدنيا حياة طيبة ، وهبْنا من لدنك عافية وتوفيا لطاعتك ، وامنحنا من فضلك في الآخرة مثوبة حسنة ومغفرة ورحمة ندخل بها جنتك وننال رضوانك ، فقد تُبنا ورجعنا اليك .
فقال له ربه : إن عذابي أصيبُ به من أشاء ممن لم يتب ، ورحمتي وسعت كل شيء .
ثم بين من ستكتب له الرحمة فقال :
{ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } .
سأكتبها للذين يتّقون شرَ المعاصي من قومك ، ويؤدون الزكاة المفروضةَ عليهم ، ويصدّقون بجميع الكتب المنزلة وسوف أخصُّ بها أولئك الذين يتبعون الرسول محمدا ، الأميَّ الذي لا يقرأ ولا يكتب ، وهو الّذي يجدون وصفه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ، يأمرهم بكل خير وينهاهم عن كل شر ، ويُحِل لهم ما يستطيبه الطبع من الأشياء ، ويحرِّم عليهم ما يستخبثه منها ، ويزيل عنهم الاثال والشدائد التي كانت عليهم :
فالّذين صدّقوا برسالته وآزروه وأيّدوه ونصروه على أعدائه ، واتبعوا القرآن الذي أُنزل معه - هؤلاء هم الفائزون بالرحمة والرضوان دون سواهم .
لقد ظهر في هذه الايام كتاب جديد بعنوان « محمد في الكتاب المقدس » تأليف خوري طائفة الكلدانيين ، واستاذ اللاهوت؛ البروفسور « عبد الحق داود » فقد اعتنق الاسلام والف هذا الكتاب وبين فيه المواضع التي ذكر فيها سام سيدنا محمد أو الاشارة اليه في التوارة والانجيل وكيف حرفت تلك الأصول . (2/81)
وقد ترجم الكتاب الى اللغة العربية صديقنا السيد فهمي شما .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
كلماته : كل ما أَنزل من تشريع على أَلسنَةِ رسُله الكرام . (2/82)
بعد ان ذكر تعالى ما في التوراة والانجيل من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، وشرفَ من يتبعه من اهل الكتاب ، ونيلَهم السعادة في الدنيا والآخرة- بيّن هنا عموم رسالته ، ودعوة الناس كافّة الى الايمان به .
قل يا أيها النبيّ لجميع بين البشر : إني رسول اليكم جيمعا ، أرسلني الله ، الذي له وحده ملك السماوات والارض ، فهو يدبّر أمرهما بحكمته ، ويتصرف فيها كيف يشاء . انّه لا معبودَ بحق إلا هو ، وهو وحده الذي يُحيي ويُميت . . . آمنوا به وحده ، وصدّقوا رسوله ، فهو النبيّ الأمّيُّ الذي لا يقرأ ولا يكتب . واتّبِعوه في كل ما ينقل منا لدن ربّه ، واسلكوا طريقه واقتفوا أثره . بذلك تهتدون وترشدون .
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
قطعناهم : صيرناهم فِرقا كل فرقة سبط ، والسبط ولد الولد ، واسباط بني اسرائيل : سلائل اولاده . الامة : الجماعة التي تؤلف بين افرادها رابطة او نظام او مصلحة . الاستسقاء : طلب الماء للشرب . انبجس : انفجر . الغمام : السحاب . المن : مادة بيضاء تنزل من السماء مثل الندى حلوة الطعم . السوى : طائر قدْر الحمام طويل الساقين والعُنق سريع الحركة . (2/83)
بد ان بيّن تعالى ان من يتبع النبيَّ الكريمَ من قوم موسى مفلحون مهتدون - ذكر هنا حال خواصّ أتباع موسى عليه السلام الذي اتّبعوه حق الاتباع ، ثم ذكرحالّين من أحوال بني اسرائيل :
أولاهما : انه قسمهم اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباطهم الاثني عشر .
ثانيتهما : أنهم لما استسقَوا موسى ضرب موسى الحجر ( اشارة الى امكانية الحفر ) ، فانبجستْ منه اثنتا عشرة عيناً ، بقدر عدد الأسباط وقد تقدم ذكر هاتين الواقعتين في سورة البقرة .
ومن قوم موسى جماعة تمسَّكوا بما جاء به موسى من الدين الصحيح ، فظلوا يهدون الناس الى الحق الذي جاء به نبيُّهم ، فلا يتّبعون هوى ، ولا يأكلون سُحتاً ولا رشوة .
ثم عدّد الله نعمة على قوم موسى ، فذكر انه صيّرهم اثنتي عشرة فرقة ، وميّز كل جماعة بنظامها ، منعا للتحاسُد والخلاف . وأنه اوحى الى موسى حين طلب قومه الماء في التيه ، ان يضرب الصخر في الأرض ، ففعل موسى ذلك ، فانفجرت عنه ذلك اثنتا عشرة عيناً قد عرف كل سبط من القوم مورد شربهم الخاص بهم . هذا كما جعل لهم السحابَ يلقي عليهم ظلّة في اليته ليقيَهم حر الشمس ، وانزل عليهم المنّ وهو طعام حلو شهيّ والسلوى وهو طائر يشبه السُّمانَي . وقال لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم . لكنهم ظلموا انفهسم وكفروا بتلك النعم ، وتمسَّكوا بالجحود والانكار . وهذا دأبهم وتلك اخلافهم لم تتغير ولم تتبدل .
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة الآية رقم ( 59 ) والآية رقم ( 60 ) وهناك بعض الفروق : ( 1 ) قال هنا : « اسكُنوا القريةَ » وفي سورة البقرة قال « ادخُلوا » ( 2 ) وقال هنا : « وكُلوا منها حيثُ شئتم » وفي سورة البقرة قال : « فكُلوا من حيث شئتم رغَدا » ( 3 ) وقال هنا : « وقولوا حِطّة وادخلوا الباب سُجَّدا » وقال في سورة البقرة « وادخلوا البابَ سجَّدا وقولوا حِطّة » ( 4 ) وقال هنا : « سنزيد المحسِنين » وقال في سروة البقرة : « وسنزيد المحسنين » بالعطف والمعنى واحد ( 5 ) وقال هنا : « فبدَّلَ الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قِيلَ لهم » فزاد هنا لفظة منهم ، وقال في سورة البقرة : « فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم » ( 6 ) وقال هنا : « فأرسلْناعليهم رِجْزاً من السماء بما كانوا يظلمون » ، وقال في سورة البقرة « وأنزلنا على الّذين لظموا رِجزاً من السماء بما كانوا يفسقون » . والفرق بين الإرسال والانزال فرقٌ لفظيّ . وكذلك بين ( عليهم ) و ( على الذين ظلموا ) ، ومثله ( يظلمون ) و « يفسقون ) . (2/84)
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)
القرية : أيلة . حاضرة البحر : على شاطئه ، قريبة منه يعدون في السبت : يخالفون امر الله بالصيد المحرم عليهم يوم السبت . يوم سبتهم : يوم عطلتهم وراحتهم شُرَّعا : ظاهرة على وجه الماء نبلوهم : نختبرهم . امة منهم : جماعة منهم معذرة الى ربكم : اتعذروا الى ربكم نسوا ما ذكروا به : تركوه بئيس : شديد . عتَوا : تكبروا وعصوا . خاسئين : اذلاء صاغرين . (2/85)
هذه الآية الى قوله تعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ . . . . لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } مدنيّة نزلتْ في المدينة ، وقد ضُمت الى هذه السورة المكيّة في هذا الموضع ، تكلمةً للحديث عما ورد فيها من قصة بين اسرائيل .
وهنا عَدَل في أُسلوب الحكاية عن ماضي بني اسرائيل ، إلى أسلوب المواجهة لذاراريهم التي كانت تواجه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وتحاروه وتجادله .
يأمر الله تعالى رسلوه الكريم ان يسأل يهود المدينة المنوَّرة في زمانه عن هذه الواقعة المعلومة لهم من تاريخ أسلافهم ، وهو يواجههم بهذا التاريخ باعتبارهم أمةً متصلة الأجيال ، ويذكّرهم بعصيانهم القديم ، فيقول :
اسأل أيها النبي اليهودَ المجاورين لك في المدينة عن فعل اهل القرية التي كانت على شاطئ البحر ، كيف كان يفعل أسلافهم فيها فيخالفون أوامر الله بصدد صيد السمك يوم السبت . كانت تأيتهم الحيتانُ ظاهرةً على وجه الماء يوم السبت ، مع أنهم مأمورون بالتفرُّغ فيه للعبادة ، وأما في غير السبت فلم تكن تأتيهم ، كل ذلك ابتلاءٌ واخبتارٌ من الله ليظهر المحسِنَ من المسيء منهم .
وقد انقسم سكان القرية الى ثلاث فرق : فرقة كانت تحتال على صيد السمك يوم السبت الذي حُرّم عليهم الصيد فيه ، وفرقة كانت تحدذِر هؤلاء العصاة مغبَّة عملهم واحتيالهم وتنكر عليهم ذلك ، وفرقة اخرى تقول لهؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر : ما فائدة تحذيركم لهؤلاء العصاة- وهم لا يرجعون عن غيِّهم وعصيانهم؟ لقد كتب الله علهيم الهلاك والعذاب! وذلك قوله تعالى :
{ وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً . . . } .
وإذ قالت جماعة من صلَحاء أسلافهم لمن يعظون أولئك الأشرار ، لأي سبب تنصحون قوماً سيهلكهم الله بسبب ما يرتكبون من مخالفات ، أو يعذّبهم في الآخرة عذابا شديدا؟ لم تعدْ هناك جدوى لنصحهم وتحذيرهم .
قالوا : لقد وعظناكم اعتذاراً الى الله ، وأدّينا واجبنا نحوه ، لئلا نُنسَب الى التقصير ، ولعلّ النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فَيَسْتثيرُ فيها وِجدان التقوى .
فلمّا تركوا ما ذكّرهم به الصالحون وأعرضوا عنه ، أنجينا الذين ينهون عن المنكر من العذاب ، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب شديد بسبب تماديهم في الفسق ، والخروج عن طاعة الله .
{ فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ . . . } .
فلما تمردوا وأبَوا أن يتركوا ما نُهوا عنه ، ولم يردعهم العذاب الشديد جعلناهم كالقِرَدة في مسخ قلوبهم ، وعدم توفيقهم لفهم الحق ، فكانوا قردة مَهينين ، وانتكسوا الى عالَم الحيوان حين تخلّوا من خصائص الانسان .
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)
تأذن : أعلم . ليبعثن : ليسلطن عليهم يسومهم : يذيقهم . (2/86)
ثم كانت اللعنةُ الأبدية على جميع اليهود إلا الذين يؤمنون بالنبي الأميّ ويتبعونه . وقد بعث الله على اليهود في فترات من الزمن من يسومهم سوءَ العذاب ، وسيظل هذا الأمر نافذا في عمومه الى الأبد ، فيبعث الله عليهم بين آونةٍ وأخرى من يسومهم سوء العذاب ، وكلّما انتعشوا وطغَوا في الأرض ، جاءتهم الضربة ممن يسلّطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية .
وقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توفقت ، وان اليهود عزُّوا واستطالوا كما هو ظاهر للعيان في فلسطين الآن ، لكن ذلك ما هو إلى فترة عارضة من فترات التاريخ ، قود تم ذلك لتنابذ الحكام العرب وفُرقهم فيما بينهم ، تفضيلاً للمصلحة الفردية على المصحلة العامة ، حتى على حساب الجميع ، وبسبب ما تمدهم به امريكا المتصهينة . وذلك لا يدوم أبدا ، ولا يدري الا الله من ذا الذي سيسلَّط عليهم في الجولة التالية ، وما بعدها الى يوم القيامة ، ونحن بانتظار مواكب المجاهدين الفاتحين ، وكلآتٍ قريب مهما طال الزمن .
{ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } والله تعالى يعقّب دائما بعد ذكره العذابَ بالرحمة والمغفرة للمحسنين .
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
قطعناهم : فرقناهم . امما : جماعات . دون ذلك : منحطون عنهم . بلوناهم : امتحناهم . خلْف بسكون اللام : نسل شرير . الكتاب : التوراة العرض بفتح الراء : متاع الدنيا وحطامها . الادنى : الدنيا . نتقنا الجبل : رفعناه وابرزناه فوقهم الظُّلَّة : كل ما يظلل الناس . (2/87)
تأتي بقية الآيات المدنية الواردة هنا تكملةً لقصة بين اسرائيل بعد موسى ، إذ تفرّق اليهود في الأرض جماعاتٍ مختلفة المذاهب ، مختلفة المشارب والمسالك ، فكان منخم الصالحون وكان منهم دون ذلك ، وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات تارة ، وبالنعماء أخرى ، علّهم يرجعون لاى ربهم ويستقيمون .
وقد فصّل سبحانه عقابهم فذكر بدء إذلالهم بإزالة وحدتهم وتمزيق جمعهم فقالك
{ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً . . . . } .
وقد فرّقناهم في الأرض جماعات وجعلنا كل فرقة منهم في قطر ، منهم الصالحون وهم الذين آمنوا واستقاموا ، ومنهم اناس منحطُّون عن الاتصاف بالصلاح . لقد اختبرناهم جميعا بالنعم والنقم ليتوبوا عما نهوا عنه .
فجاء من بعد الّذين ذكرناهم خَلْفُ سوءٍ ورِثوا التوراةَ من أسلافهم ، لكنهم لم يعملوا بها ، ولم تتأثّر قلوبهم ولا سلوكهم ، وكلما رأَوا عَرَضاً من أعراض الدنيا تهافتوا عليه ثم تأولوا وقالوا : « سيُغفرُ لنا » ، فهم مصرون على الذنْب مع طلب المغفرة .
ثم وبَّخهم الله على طلبهم المغفرةَ مع إصرارهم على ما هو عليه فقال : إنّا انفَذْنا عليهم العهدّ في التوراة- وقد درسوا ما فيها- أن يقولوا الحق ، فقالوا الباطل . . . . لم يعقِلوا بعدُ ان نعيم الدار الآخرة الدائم خير من مناع الدنيا الفاني ، فقل لهم يا محمد : من العجب ان تستمروا على عصيانكم ، افلا تعقلون ان ذلك النعيم خير لكم! .
وفي هذه إيماء الى ان الطمع في متاع الدنيا هو الذي افسد على بني إسرائيل امرهم .
وفيه عبرة للمسلمين الذي سرى إليهم كثير من الفساد ، وغلب عليهم حبُّ الدنيا وعرضها الزائل ، والقرآن الكريم بين أيديهم لكنهم لا يعملون به بل هم عنه غافلون .
{ والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب . . . } .
والذين يتمسّكون بالتوراة وأقاموا الصلاة المفروضة عليهم ، ويعتصمون بحبله في جميع شئونهم - لن يضيع اجرهم عند الله ، لأنهم قد اصحلوا اعمالهم .
ثم ختم الله هذه القصة مذكِّراً بِبَدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم عقب بيان مخالفتهم لأمور دينهم حتى بعد أَنْ أخذ الله عليهم الميثاق . وقد ردّ عليهم في قولهم : إن بين اسرائيل لم تصدر منهم مخالفة في الحق ، فقال جلّ وعلا :
{ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل . . . } .
اذكر لهم أيها النبيّ حين رفعنا الجبل فوق رؤوسهم كأنه غمامة ، يؤمئذٍ فزِعوا مما رأوا ، إذ ظنوا ان الجبل واقع عليهم ، فقلنا لهم : خذوا ما أعطيناكم من هدى التوراة بجد وعزم على الطاعة ، وتذكّروا ما فيه لعّكم تعتبرون وتهذب نفوسكم بالتقوى . لكن اليهود هم اليهود ، فقد نقضوا العهد ، ونسوا الله ، ولجّوا في العصيان حتى استحقوا غضب الله ولعنته ، وحقَّ عليهم القول .
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
الظهور : جمع ظهر وهو معروف . الذرية : سلالة الانسان من ذكور واناث . (2/88)
بيّن الله هنا هداية بين آدم بنصْب الأدلّة في الكائنات ، بعد ان بينها عن طريق الرسل والكتب ، فقال : واذكر ايها النبيّ للناس حين أخرج ربُّك من أصلاب بني آدم ما يتوالدون قرنا بعد قرن ، ثم نصب لهم دلائل روبيّته في الموجودات ، وركّز فيهم عقولاً وبصائر يتمكّنون بها من معرفتها ، والاستدلال بها على التوحيد والربوبية ، فقال لهم : ألستُ بربكم؟ فقالوا : بلى انت ربنا شهِدنا بذلك على أنفِسنا . وإنما فعل الله هذا لئلا يقولوا يوم القيامة : إنّا كمنّا عن هذا التوحيد غافلين .
وقد اكثرَ المفسرون الكلام في تفسير هذه الآية وأوردوا عدداً من الاحاديث والأقوال ، لكنه منا لصعب الوثوق بها ، كما أنها غير صحيحة الإسناد .
وأحسنُ ما يقال : إن هذه الآية تعرِض قضية الفطرة في صورة مشهدٍ تمثيلي على طريقة القرآن الكريم . وإن مشهدّ الذرية المستكنّة في ظهور بني آدم قبل ان تظهر الى العالم المشهود لمشهدٌ فريد حتى في عالَم الغيب . وهذه الذرية هي التي يسألها الخالق المربي : ألستُ بربكم ، فتعترف له بالربوبية وتقرّ له بالعبودية .
أما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدَهم على أنفسهم ، وكيف خاطبهم- فكل هذه الأمور من المغيَّبات التي تخالف حياتنا الدنيا .
وأقربُ تفسير لأفهامنا ان هذا العهد الذي اخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة ، فقد انشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوية وحده ، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه او ينصرّانه او يمجّسِانه » اخرجه البخاري ومسلم .
وفي سورة [ الروم الآية : 30 ] { فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } { أَوْ تقولوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا } .
او تقولوا إنما أشرَك آباؤنا من قبلنا . ولقد خرجنا إلى هذا الوجود فوجدنا آباءنا على دينِ فاتّبعنهم ، فهل تؤاخذنا يا ربّ بما فعل السابقون من آبائنا ، فتجعل عذابنا كعذابهم فلا حجّة لكم أبدا .
{ وكذلك نُفَصِّلُ الآيات وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } .
يرجعون الى فطرتهم وعهِدها مع الله ، فاللهُ لا يقبل الاعتذار من أي إنسان بانه يقلّد آباءه واجداده ، وقد بين له الرسل الكرام الطريق الى الهدى .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
التلاوة : القراءة . النبأ : الخبر . انسلخ منها : نبذها وكفر بها فاتبعه الشيطان : ادركه . من الغاوين : من الضالين . يلهث : يتنفس بشدة مع اخراج اللسان ، والسبب في ان الكلب يلهث دائما ، ان جلده أملس لا توجد فيه مسامات كافية . (2/89)
بعد ان ذكر اللهُ تعالى أخْذ العهد والميثاق على بني آدم جميعا ، وأشهدّهم على أنفسهم أن الله ربهم . . أيُّ عذر سيكون لهم يوم القيامة في الإشراك بالله جهلاً او تلقيدا!
هنا نفيٌ بضرب المثَل للمكذّبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد ان أيّدها بالأدلة العقلية والكونية ، وهو مثَل من آتاه الله آياتِه فكان عالماً بها قادراً على بيانها ، لكنه لا يعمل بها ، بل يأتي عمله مخالفا لعلمه . لذا سلبه الله ما آتاه ، فكان ذلك الانسان كمثَل الكلب يظل يلهث دون جدوى .
اقرأ اتيها النبيُّ على قومك خبرها الإنسان الذي آتاه الله علماً بآياته المنزلة على رسُله ، فأهملها ، بل انسلخ منها ، كأنما الآيات جلد له متلبِّس بلحمه فهو ينسلخ منه بعد جهد ومشقة ، وينحرف عن الهدى ليتّبع الهوى ، فلاحقه الشيطان ، وتسلط عليه باغوائه ، فصار في زُمرة الضالين .
ولو شاء ربك رفعه الى منازل الأبرار لفعل ، وذلك بتوفيقه للعمل بتلك الآيات ، لكن الرجل اخلد الى الأرض ، وهكذا هبط من الأفق المشرق فالتصق بالطين المعتم ، ولم يرتفع الى سماء الهداية . لقد ابتع هواه ، فبات في قلق دائم ، وانشغل بالدنيا وأعراضهم ، لذا فإن مثله مثل الكلب في اسوأ حواله . . . يظل يلهث على غير طائل ، تماماً مثل طالب الدنيا الشرِه ، يظل يلهث وراء متعه وشهواته ، وهي لاتنقضي ولا هو يكتفي منها .
اما من هو الرجل الذي يشير إليه هذا المثل فقد وردت روايات عديد ة تجعله بعضها « بلعام ابن باعوراء » من بني اسرائيل ، والبعض الآخر « أميّة بن أبي الصلت » الشاعر العربي المشهور ، أو هو « ابو عامر الفاسق » وهناك روايات أخرى لا حاجة لنا بها اصلاً ، فلسنا مكلَّفين ان نعرف من هو .
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
ذرأنا : خلقنا . الجن : خلاف الانس الفقه : العلم بالشيء والفهم به . ويرد في القرآن الكريم المعنى دقة الفهم والتعمق في العلم . (2/90)
بعد ان أمر الله تعالى نبيه الكريم ان يقصّ خبر ذلك ضلّ على علم منه ، يقصَّه الى اولئك الضالين لعلهم يهتدون ويتركون ما هم عليه من الاخلاد الى الضلالة ، والكفر - بيّن هنا ان اسباب الهدى والضلال ينتهيان للمستعدّ لأحدهما الى احدى الغايتين بتقدير الله والسيرِ على سنّته في استعمال مواهبه الفطرية ، وان الهدى هدى الله .
فمن يوفقه الله لسلوك سبيل الحق فهو المهتدي حقا ، الفائز بسعادة الدارين؛ ومن يُحرم من هذا التوفيق بفعل سيطرة هواه فهو الضال خسِر سعادة الدنيا وسعادة الآخرة .
ثم فصّل سبحانه ما أجملَه في الآية السالفة مع بيان سببه فقال :
{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ . . . . } .
ولقد خلقْنا كثيراً من الجن والانس مآلهم النار يوم القيامة . وتتساءل لماذا؟ فتأتي الإجابة : لأن لهم قلوباً لا يَنقُذون بها الى الحق ، وأَعيُناً لاينظرون بها دلائل القدرة ، وآذاناً لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماعَ تدبُّرٍ واتعاظ ، أفليس اصحاب هذه الصفات كالبهائم ، ما داموا لم ينتفعوا بما وهبهم الله من عقول للتدبر ، بل الحقّ إنهم اضل منها ، فالبهائم تسعى الى ما ينفعها ، وتهرب مما يضرها ، وهؤلاء لا يدركون ذلك ، فيظلون غافلين عما فيه صلاحهم في الدارين .
ثم بعد ذلك ذكرت الآيات الدواء لتلك الغفلة والوسائل التي تخرج الى ضدها وهي ذِكْر الله ودعاؤه في السرّ والعلَن في جميع الاوقات .
ولله دون غيره الأسماءُ الدالة على أكمل الصّفات فاذكروه بها ، دعاءً ونداءً وتسمية ، واتركوا جميع الذين يلحدون في اسمائه فيما لا يليق بذاته العلّية ، لأنه سيلقَون جزاءَ علمهم ، وتحلُّ بهم العقوبة .
وللذِكر فوائد ، منها : تغذية الإيمان ، ومراقبة الله تعالى والخشوع له والرغبة فيما عنده ، ونسيان آلام الدنيا . وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الدعاء والالتجاء الى الله ، منها الحديث الصحيح : « من نزل به غَم او كربٌ ، أو أمرٌ مهم فليقل : لا إله الا الله العظيم الحليم ، لا إله الا الله ربّ العرش العظيم ، لا إله الا الله ربّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم » رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي .
وروى الحاكم في ( المستدرك ) عن أَنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : « ما يمنعكِ أن تسمعي ما أُوصيكِ به؟ ان تقولي إذا أصبحتِ واذا أمسيتِك يا حيّ يا قيّوم ، برحمتِكَ أَسغيث ، أصلحْ لي شأني ، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفة عين » .
ثم بيّن وصْف أُمة الإجابة ، وهي الامة الاسلامية ، الذين أجابوا وأطاعو وهدوا بالحق وبه يَعدِلون .
وممن خلَقْنا للجنة طائفةٌ يدعون غيرهم للحق بسبب حُبِّهم له ، ويدلّون الناس على الاستقامة ، وبالحق يحكمون .
أخرج ابنُ جَرير وابن المنذِر وابو الشيخ عن ابن جُريج قال : ذَكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال : « هذه أمتي ، بالحق يحكُمون ويقضون ويأخذون ويعطون » .
فهذه الأمة الثابتة على الحق ، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض ، الشاهدة بعهده على الناس . وفي الحديث الصحيح : « لا تزلا طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحق » .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
سنستدرجهم : سنأخذهم درجة بعد درجة ، اي شيئا فشيئاً الى العذاب . أُملي لهم : امهلهم . الكيد ، كالمكر : هو التدبير الخفي . الجِنة : ما يصيب الانسان من صرع وغيره من الجنون . الملكوت : الملك العظيم فبأي حديث بعده يؤمنون : الحديث هنا القرآن الكريم الطغيان : تجاوز الحد في الباطل والشر . العمَة : التردد والحيرة بحيث لايدري اين يتوجه . (2/91)
والّذين كذّبوا بآيات الله سندعهم يسترسلوه في غيّهم وضلالهم حتى يصلوا أقصى غاياتهم ، وذلك بإدرار النعم عليهم ، ومع انهماكم في الغي ، حتى يفاجئهم الهلاك وهم غافلون .
إنني أُمهل هؤلاء المكذّبين وسأمد لهم في الحياة بدون اهمال ، لكن أخْذي لهم سيكون شديدا ، بقدر سيئاتهم الّتي كثُرت بتماديهم فيها ، وفي الحدث الصحيح : « ان الله لَميلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته » رواه البخاري ومسلم عن ابي موسى الاشعري رضي الله عنه .
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .
كان زعماء قريش يقولون للناس : إن محمداً مجنون . . فردّ الله عليهم بقوله : او لم يتفكروا في حاله من بدءِ نشأته! إنهم يعرفونه حقا . أما كان اسمه الامين! وهم يعرفون حقيقة دعوته ايضاً ، انه سليم العقل ، لا جنون به ، بل هو منذر لهم ، ناصح ومبلّغ عن الله رسالتَه الى الناس كافة . ولو تأمل مشركو مكة في نشأته صلى الله عليه وسلم وما عُرف عنه من الامانة والاستقامة والصدق لما نزعوا الى هذه الفِرية على رجلٍ عرفوه ، ولأدركوا أن ما يأتي به من عند ربه لن يصدر عن مجنون .
لقد كذّبوا محمداً فيما يدعوهم اليه من التوحيد ، ولم يتأملوا في هذا الملكوت العظيم من السماوات والأرَضِين وما فيها ، مما يدل على قدرة الصانع ووحدانيته . كذلك لم يفكروا في انه قد اقترب أجلُهم ، فيسارعوا الى طلب الحق قبل مفاجأة الاجل . والحقّ أنهماذا لم يؤمنوا بالقرآن فباي حديث بعده يؤمنون!!
ثم يعقب تعالى بتقرير سنّته الجارية بالهدى والضلال ، وفق ما ارادته مشيئته : هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه ، واضلال من يصرف قلبه عنه فيقول :
{ مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } .
وتفسير ذلك : إن من يكتب الله عليه الضلال لسوء اخياره هو يظل في بُعدِهِ عن الحق وعماه عنه ، وحيرته بحيث لا يدري أين يتوجه . وليس في هذا الإهمال ظُلم لأنه جاء بعد البيان والتحذير .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
الساعة : القيامة ، ايان : متى . مرساها : وقت حصولها . يجلِّيها : يظهرها . بغتة : فجأة حفيّ عنها : عالم بها ، مختم بالسؤال عنها . (2/92)
بعد أن أرشد اللهُ من كانوا في عصر التنزيل الى النظر والتفكير في اقتارب اجلهم بقوله : { عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } قفّى على ذلك بالإرشاد الى النظر والتفكير في أمر الساعة التي ينتهي بها أجل جميع من على هذه الارض . وقد كانت عقيدة الآخرة والحشْر وما فيها من حساب وجزاء غريبةً عن أهل الجزيرة العربية ، وكانوا يعجبون من الحياة بعد الموت ، ومن البعث للحساب والجزاء . لذلك كله كان التوكيد في القرآن شديداً على عقدية الآخرة .
يسألك مشركو مكة يا محمد عن الساعة والقيامة في اي وقت تكون؟ قل لهم عِلمُ وقتها عند ربي وحده ، لا يكشف الخفاء عنها احد سواه ، فقد ثَقُلت وعظُم هلوها ، وهي لن تأتيكم الا فجأة بلا إشعار ولا انذار وهم يسألونك هذا ، وكأنك عالِم بها حريصٌ مهتم بالسؤال عنها ، فكرر عليهم الجواب بأن علمها عند الله ، ولكن اكثر الناس لا يدركون الحقائق التي تغيب عنهم .
قل لهم أيها الرسول : إني لا أملِك لنفسي جَلْب نفعٍ ولا دفع ضرر الا ما شاء الله ان يقدِّرني عليه . ولو كنت اعلم الغيبَ كما تظنون ، لاستكثرت من كلّ خير ، ولدفعتُ عن نفسي كل سوء . لكن الحقّ أني لست الا نذيراً للناس أجمعين فالذين يؤمنون ينتفعون بما جئت به ، ويذعنون للحق .
فالرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل ، بشر لا يدّعي الغيب ، بل إنه مأمور ان يَكِلَ الغيب الى الله ، فذلك من خصائص الألويهة ، أما الرسل فهم عباد مكرّمون لا يشاركون الله في صفاته ولا أفعاله ، وانما اصطفاهم تبليغ رسالته لعباده ، وجَعَلَهم قدوةً صالحة للناس في العمل لما جاؤا به من هدى وفضيلة .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)
ليسكن اليها : ليأنس بها ويطمئن إليها . تغشّاها : باشرها في الاتصال الجنسي ، وهو من التعابير القرآنية المهذَّبة . فمَرَّت به : استمرت بالحمل ولم تُسقطه . اثقلت : حان وقت الولادة . صالحا : ولد سوياً تام الخلقة . (2/93)
فيه هاتين الآيتين تمثيل لطبع الإنسان وكيف انه : إذا نزل به ما يكره ، أو أراد الحصول على ما يجب- اتلجأ الى الله يتضرع ، ويقطع على نفسه العهود والمواثيق ان يشكر الله ويطيعه اذا حقق له ما يريد ، فاذا تمّ له ما طلب تولى مُعرِضا ولم يوفِ بالعهود والمواثيق .
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل زوجها من جنسها ، وكانا يسكنان معا فلما قاربَ الذكرُ الانثى عَلِقت منه . وكان الحمل في اول عهده خفيفا لا تكاد تشعر به ، فلما ثقل الجنين دعا الزوج والزوجة ربهما قائلَين : والله لئن رزقتنا ولدا سليما تام الخلقة ، لنكونن من الشاكرين لنعمائك . ونالا ما طلبا ، لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة ، وتقربا إليها بالشكر ، والله وحده هو المستحق لذلك فتعالى اللهُ يُشِركون .
وهناك بعض الروايات المأخوذة من الاسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء وهذا خلط وتخريف .
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)
افتُتحتْ صورة الأعراف بدعوة القرآن إلى دين التوحيد والأمر باتّباع ما انزل الله والنهي عن اتّباع من دونَه ، وتلاه التذكير بنشأة الانسان الاولى في الخلق والتكوين ، والعداوة بينه وبين الشيطان ، ثم اختتمت بهذه المعاني ، وفيها التذكير بالنشأة الاولى والنهي عن التشِرك . والآية ههنا تتساءل : (2/94)
هل يصحّ ان يشركوا مع الله أصناماً لا تقدِر أن تخلُق شيئا من الاشياء ، بل هي أضعف مخلوقاته! ان الخلق والأمر لله ، هو وحده يخلق كل شيء .
ولا تستطيع هذه الاصنام ان تنصر من يعبدونها ، بل حتى ان تردّ الأذى عن نفسها اذا تعدى عليها احد .
وإنْ تدْعوا ايها العبادون لغير الله هذه الاصنام طالبين ان ترشدكم الى ما تحبون ، فإنها لن تجيبكم . ان دعاءكم إياها وعدمه سواء ، فهي لا تنفع ولا تضر ، ولا تهدي ولا تهتدي . أما الرب المعبود الذي بيده كل شيء فهو الله .
ثم بالغ في الردّ عليهم واثبت أنّها أحط منزلة من الناس ، ووبخهم على عبادة تلك الحجارة والاصنام ، فقال :
{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ . . . } .
بل ان هذه الاصنام اقل منكم في الخلق والتكوين ، فهل لهم ارجل يمشون بها؟ او أيدٍ يدفعون بها الضر عنكم وعنهم؟ او اعين يبصرون بها؟ او حتى آذان يسمعون بها ما تطلبون منهم؟ ليس لهم شيء من ذلك ، فكيف تشركونهم مع الله؟
وهذ التحديث للمشركين ليبني جهلهم وعجز آلهتهم ، وقد تحداهم في اكثر من آية ولهم عجز هذه الآلهة . من ذلك قوله تعالى : { ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب } [ الحج : 73 ] .
وبعد ان تحدى المشركين وآلهتهم قال لهم : ان الله هو مولِّي أمري وناصري ، الذي نزّل عليّ القرآن ، وهو وحده الذي ينصر الصالحين من عباده
ثم اكّد هذا التحدي بقوله تعالى : { والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ ولاا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } وقد تقدم هذا في الآية 192 ، وجاء التكرار ليؤكد ان هذه الأصنام لن تناله بأذى وأنها أعجزُ من أن تنصر أحداً .
وبعد ذلك أضاف . . . وإن تسألوهم الهدايةَ إلى ما فيه خيركم لا يسمعوا سؤالكم ، وإنّك يا محمد لتراهم ينظرون إليك ، وهم في الحقيقة ولا يَرَوْن شيئا ، لأنهم مجرد حجارة وتماثيل لا حياةَ فيها ولا حِسّ .
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
العفو : الذي يأتي من غيرِ كُلفة . ينزغ : يوسوس بالشر . والنزغ : وساوس الشيطان وما يحمل به الإنسانَ على المعاصي . طائفٌ من الشيطان : ما يدور في خيال المرء من وساوس . اجتبيتها : افتعلتها . (2/95)
جاءت هذه التوجيهات الربانية الى الرسول الكريم وأصحابه ، وهم لا يزالون في مكّة المكرمة ، وفي مواجهة المشركين فيها ومواجهة الأعراب من حولهم في الجزيرة وأهل الأرض كافة .
يا محمد ، خذ العفو الميسَّر الممكِنَ من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة ، ولا تطلب منهم ما يشقّ عليهم ، واعفُ عن أخطائم وضعفهم . ذلك ان التعامل مع النفوس البشرية بغية هدايتها يقتضي سعةَ صدرٍ ، وسماحة طبعٍ ، ويسراً في غير إفراطٍ ولا تفريط في دين الله ، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثال الكمال والخلق العظيم .
وامرْ يا محمد بالعُرف ، وهو الخير المعروف ، والعُرف اسمٌ جامعٌ لك ما عرف من طاعة الله والتقرب اليه والإحسان الى الناس .
وأعرض أيها الرسول الهادي عن الجاهلين ، وهم الذين لا تُرجى هدايتهم ، إذ قد يكون إهمالهم والإعراض عنهم أجدي في هدايتهم .
روي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه انه قال : « ليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه » وقال بعض العلماء : تضمنت هذه الآية قواعد الشريعة ، فلم يبق حسنة الا وعتْها ، ولا فضيلة الا شَرَحتها .
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ان عُيَبْنَةَ بن حِصْن ، وكان فيه غلظة وجفاء ، قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : هِيْ يا ابن الخطاب ، أفو اللهِ ما تعطينا الجَزْل ، ولا تحكم فينا بالعدل . فغضب عمر ، حتى همّ ان يوقع به . فقال له الحُرّ بن قيس : يا امر المؤمنين ، إن الله تعالى قال لنبيه : « خُذِ العفوَ وأمرْ بالعُرف وأعرِض عن الجاهلين » وهذا من الجاهلين .
قال ابن عباس : والله ما جوزَها عمرُ حين تلاها عليه ، كان وقّافاً عند كتاب الله .
وان تعرَّض لك يا محمد من الشيطان وسوسةٌ لصرفِك عما أُمرت ، كأن تغضب من لجاجتهم بالشر فاستجرْ بالله يصرفه عنك ، إنه سميع لكل ما يقال عليم به .
ثم بيّن الله طريق سلامةِ مَن يستعيذ من الشيطان من الوقوع في المعصيةِ فققال :
{ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } .
ان اخبار المؤمنين المتقين ، إذا ألمَّ بهم من الشيطان وسوسةٌ تذكّروا أن ذاك من إغواء الشيطان عدوِّهم ، وعند ذاك يبصرون لاحق فيرجعون عن الأخذ بتلك الوسوسة .
هذا حال المتقين أما اخوان الشياطين من الكفار ، فان الشياطين تزيدهم ضلالا بالوسوسة ، بذلك فهي تمدهم في غيّهم وافسادهم . ومن ثم تراهم يستمرون في شرورهم وآثامِهم .
واذا لم تأت يا محمد الكفار الذين يعاندونك بآية مما يطلبون ، قالوا هلا اختلقتها؟ قل لهم : إنني لا أتّبع الا القرآن الذي يوحي اليّ من ربي ، وفيه بصائر وحجج تهديكم الى وجوه الحق والخير ، فهو نبع هدى يرشد ، ورحمةٍ تغمر المؤمنين وتفيض عليهم البركات .
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
استمعوا له : اصغوا . انصتوا : اسكتوا . خيفة : حالة الخوف والخشية في الغدو والآصال : اوقات الصباح والمساء . يسبّحونه : ينزهونه عما لا يليق به . (2/96)
لما ذكّر اللهُ مزايا القرآن الكريم ، وانه بصائر تكشف وتنير وهدى يرشد ويهدي ، ورحمة تغمر وتفيض- امر في هذه الآية بالاستماع والانصات له ، لتدبُّرِ ما فيه من ذلك . فنذوه إلى أنه :
اذا تُلي القرآن عليكم ايها المؤمنون فأصغوا اليه بأسماعكم ، واستجمِعوا حواسكم لتتدبروا مواعظه ، وتفوزوا برحمة ربكم .
وبعد أن جاء الأمر بهذا العلاج فيه يختص بالمعاملة ، وفيما يختص بقراءة القرآن ، يأتي الأمر والتوجيه الى مَلاك الأمر كله وهو ذِكر الله في القلب بعظَمته وجلاله رجاءَ الثواب ، على ان يكون ذلك بهدوء واطمئنان لا ازعاج فيه ، كيما تهدأ الاعصاب ويسبح الفكر في معاني الجلال والجمال ، كما يرشد الى ان يكون ذلك شأن المؤمن في كل وقت .
{ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجهر مِنَ القول بالغدو والآصال وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين } .
استحضِرْ عظَمة ربك من مشاهداتك في كونه الذي خلق ، وفي آثاره العظيمة فيه ، وانعاماته المادية والروحية عليك ، فتعرَّف من كل هذا على ربوبيته بالتقرب اليه والخضوع له والخوف منه . واذكر ربّك هادئ النفس مطمئن البال في لاصباح وفي المساء تَنغمر نفسك بقيض من الرضا الرّباني ، يبعث منك واليك الخير كله ، وتكون في مراقبة دائمة وشهود مستمر ، بذلك لا تكون في عامة اوقاتك من الغافلين عن ذكر الله .
ثم تختم السورة بالارشاد الى ان الملائكة مع عظيم شرفهم وسمو مرتبتهم معترفون بعوديتهم ، خاضعون عزّ الربوبية ، لا يخالجهم في عبادتهم كِبر ، وهم دائما يسبّحون الله وله يسجدون . فما احوج الانسان وقد ركّبت فيه مبادئ الشهوة والغضب ان يتخذ الى ربه سبيلا ، فيعبد بحق .
وهذه الآية إحدلا الآيات التي طُلب الى المؤمنين ان يسجُدوا عند تلاوتها او سماعها ، وهي اربع عشرة آية في القرآن الكريم .
وهذه هي السجدة المعرفوة بسجدة التلاوة : وهي سجدة بين تكبيرتين : تكبيرة لوضع الجبهة على الأرض ، وأخرى للرفع من السجود ، دون تشهد ولا تسليم . ويشترط لها ما يشترط لصلاة م الطهارة والنية واستقبال القبلة .
والحكمة في هذه السجدة انها نوع من التربية العملية الروحية في اعلان التمسك بالحق والاعراض عن الباطل ، ومراغمة المبطلين ، والسير في طريق المثل العليا للذين حمَّلهم الله امانة الحق والدعوة اليه . وبذلك كانت سجدة الثلاوةو شعارا عاما للمؤمنين في اعلان تقديسهم عبادتهم ، وشدتهم في مخلافة البالطل كلَّما قرأوا القرآن أو سموه جعلّنا الله من المسبحين بحمده ، الساجدين له ، المقتدين بانبيائه ، المتشبيهن بالملأ الأعلى ، انه سميع مجيب .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
الانفال : جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة . ذات بينكم : فيما بينكم . وجلت قلوبم : فزت وخافت . (2/97)
خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً الى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله ، وليكون للمسلمين دولة . وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والانصار ، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء ، ليكلا يُفتَن أهلُ الايمان . فكانت غزوة بدر ، وكان فيها النصر المبين والغنائم . وكان وراء الغنائم فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع الى المادة ، وهو من اكبر اسباب الفشل .
فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية ان يتلقى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم .
يسألونك أيها الرسول عن الغنائم . لمن هي ؟ وكيف تقسم ، أللشُبّان أم للشيوخ؟ أو للمهاجرين هي ، أم للانصار؟ ام لهم جميعا؟ .
قل لهم أيها الرسول :
إنها لله والرسول ، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها ، فاتركوا الاختلاف بشأنها ، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم ، وأصلحوا ما بينكمن فاجعلواالصلاة بينكم محبة وعدلا . هذه صفةُ أهل الايمان .
ثم وصف الله تعالى المؤمنين المخلصين في ايمانهم بأنهم هم الذين اجتمعت فيهم خصالٌ خمس : ( 1 ) { الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } الذين اذا ذكَروا الله بقلوبهم فزِعوا لعظمته وسلطانه ، وامتلأت قلوبهم هيبة .
( 2 ) { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } وكلّما تليت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخا ، وازداودا إعاناً وعلما .
( 3 ) { وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ولا يعتمدون الا على الله الذي خلَقَهم ، ولا يفوّضون أمرهم الى سواه . ومعنى التوكل : ان نسعى للعمل كما أمرنا الله راجين منه التوفيق في سعينا مؤمنين بان العمل شرط أساسيُّ للتوكل .
( 4 ) { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } واولئك المؤمنون الصادقون في ايمانهم ، يؤدون الصلاة مستوفية الاركان ، كاملة الخشوع والخضوع ، وبهذا تحصل ثمرة الصلاةالتي تنهى عن الفحشاء والمنكر .
( 5 ) { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } وينفقون بعض ما رزقناهم من المال في الجهاد والبِرِّ ومعاونة الضعفاء ، وفي مصالح الأمة ومرافعها العامة .
{ أولاائك هُمُ المؤمنون حَقّاً . . . } هؤلاء ، هم الذين يوصفون بالامان حقا وصدقا . ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله ، وهو الذي يمنحهم رضاه ، ويغفر لهم سيئاتِهم ، ويرزقهم رزقاً طيباً كريما في الحياة الدنيا ، ونعيماً دائماً في الآخرة .
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
الشوكة : القوة والبأس ، والسلاح ، ومعنى ذات الشوكة : الطائفة المسلّحة القوية . احدى الطائفتين : الأولى هي الطائفة التي جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان ومعها العِير وفيها اموال قريش . والثانية : قريش وقد خرجت بصناديِدها ورجالها المسلّحين ليحموا العير . دابر الكافرين : آخرهم ليحق الحق : ليعزّ الإسلام ويبطل الباطل : يزيل الشرك والكفر . (2/98)
الكلام هنا عن غزوة بدر التي كانت أول فوزٍ للمؤمنين وخذلانٍ للمشركين . وملخص القصة : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أن أبا سفيانَ رجع من الشام يقود قافلةً ضخمة فيها معظم اموال قريش وتجارتها . فأخبر أصحابه ونَدَبَهم الى الخروج ليصادروا هذه القافلة لكن البعض تثاقل وكره الخروج وخرج الرسول في ثلاثمائة رجل ونيف ، ولم يعلموا انهم مقبلون على واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ .
وعِلم أبو سفيان بخروج الرسول وأصحابه فبعث الى قريش يطلب النجدة . ولم يبق أحد قادر على حمل السلاح في مكة إلا خرج . اما ابو سفيان فحوّل طريقه الى ساحل البحر ونجا ، وبعث الى قريش يخبرهم بذلك ليرجعوا . فأبى أبو جهل وسار بالقوم الى بدر . فشاور النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه وقال لهم : ان الله وعَدَني إحدى الطائفتين ، فوافقوه على القتال ، وكره ذلك بعضهم وقالوا : لم نستعدَّ له ، لكنهم ساروا وأجمعوا على لقاء قريش وكانت المعركة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة وقد انتصر المسلمون انتصراً عظيما ، فقتلوا من قريش سبعين رجلا ، وأسروا سبعين ، وفر الباقون ، واستُشهد من المسلمين اربعة عشر رجلا فقط . وكانت هذه المعركة أول نصر للمسلمين ، فبدأ ينحاز كثير من العرب الى جانبهم بعد ذلك .
{ كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ } .
إن حال المؤمنين في خلافهم حول الغنائم مثل حالهم عند ما أمرك اللهُ بالخروج من المدنية لقتال المشركين ببَدْر .
يومئذٍ كانوا يجادلونك ايها لارسلو في لقاء قريش وقتالهم مع ان هذا اللقاء والقتال مع ان هذا اللقاء والقتال حق وخير . ولقد آثروا لقاء العِير لأن فيها الأموال ، ولأن حراسها قليلون . لكن الحق تبيَّنَ بحيث لم يبقَ للجدل فيه وجه كما يقول تعالى : { يُجَادِلُونَكَ فِي الحق بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ } وكانوا في ذهابهم الى القتال كالذي يُساق الى الموت وهو ينظر أسبابه ويعاينُها . وهذه صورة يرسمها القرآن لشدَّة خوفهم من قريش ، لأنها أكثرُ عددا ، وأقوى عدة .
{ وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين . . . الآية } اذكروا أيها المؤمنون اذ يَعِدكم الله ان ينصركم على احدى الطائفتين ، قريش وفرسانها ، أو العِير وما فيها من أموال . انتم تودّون أن تَلقوا الطائفة التي فيها المال ، لكنّ الله تعالى يريدكم ان تلقوا قريشاً وينصركم عليهم ، ليثبت الحقُّ بإرادته ويُعز الإسلام ويُظهره على الدِّين كلّه ، وليقطع دابر الكافرين بعد ان يزيل الباطل ، وهو الشِرك ، لقد أردتم أنتم حطام الدنيا الزائل ، واراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم ، كيما يحقِّق لكم وعدَه بالنصر . هذا أفضلُ لكن وللاسلامن وفيه العزة والكرامة ، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام الدنيا الزائل ، واراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم ، كيما يحقِّق لكم وعدّه بالنصر هذا أفضلُ لكم وللاسلام ، وفيه العزة والكرامة ، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)
مردفين : متتابعين ، وأردفه اركبه خلفه . وأردف : تتابع يغشيكم النعاس : يغلبكم رجز الشيطان : وسوسته ، وله معان اخرى كالذنب ، وعبادة الاوثان . ليربط على قلوبكم : ليثبتها ويصبرها . فوق الاعناق : الرؤوس ، والبنان : اطراف الاصابع . مفرده : بنانة . شاقّوا الله : عادوه . (2/99)
{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ . . . . } روى ابن جرير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال : حدثني عمر بن الخطّاب رضي اله عنه قال : لما كان يومُ بدرٍ نظر النبي صلى الله عليه وسلم الى اصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا ، ونظر الى المشركين فإذا هم ألفٌ او يزيدون ، فاستقلَ القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه : اللهمّ أنجِزْ لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلَك هذه العصابةُ لا تُعبد في الأرض ، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط راداؤه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه لعى منكبيه ثم التزمخ من وارئه ، وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربَّك فإن سينجز لك ما وعدك . فأنزل الله تعالى : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ . . . الآية } .
اذكروا وقتَ استغاثتكمن ربَّكم ، فأجاب الله دعاءكم ، وأمدكم بألف من الملائكة متتابعين . وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد بالملائكة إلا بِشارةً لكم بالنصر ، لتطمئنّوا وتُقْدِموا ، وما النصر الا من عند الله دون غيره من الملائكة او سواهم ، وقد تقدمت هذه الآية في سورة آل عمران 126 .
قراءات :
قرأ ابو عمرو : « فاستجبا لكم إنّي ممدكم » بكسر همزة إنَّ والباقون « أَنّي » بفتح الهمزة وقرأ نافع ويعقوب : « مُرْدَفين » بفتح الدال . والباقون « مردفين » « بكسر الدال » .
{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً . . . . } اذكروا ايها المؤمنون ، وقتَ أن خفتم من قلة الماء ، ومن الأعداء ، فوهبكم الله الأمن وداهمكم النعاسُ فنمتم آمنين . وعند ذاك انزل الماءَ من السماء لتطَّهَّروا به ولتذهبوا وساوس الشيطان عنكم ، وتثبت قلبوكم واثقة بعون اللهن ولتتماسك به الأرض فتثُبت منكم الاقدام .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو : « يغاشكم النعاسُ » بضم السين .
فقد أنزل الله في تلك الليلة مطرا طهَّركم به وأذهب عنكم رجس الشيطان ، ووطَّأ به الارضَ وصلُب الرمل ، وثبتت الأقدام . وقد سبق رسول الله واصحابه الى الماء فنزلوا عليه وصنعوا الحِياض ثم عوَّروا ما عداها ، وبذلك تمكّنوا من الشرب والأعاداء عِكاش . وتفصل ذلك في كمتب السيرة والحديث .
كذلك اذكروا أيها المؤمنون أن الله أوصى الملائكة أن تودِع في نفوسكم أن الله معكم بالتأييد والنصر ، قائلا لهم : ثبِّتوا الذين آموا ، قوُّوا قلوبهم . . وسأجعل الرعب يستولي على قلوب المشركين ، فاضربوا رؤوسهم التي فوق اعناقهم ، وقطِّعوا ايديهم التي يحملون بها السيوف .
{ ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار } ان هذا هو العقاب الذي عجَّلتُ لكم به ايها الكافرون من هزيمة وخِزي وذلّ امام فئة قليلة العَدد والعُدد من المسلمين ، فذوقوه في الدنيا عاجلا ، واعلموا ان لكم في الآخرة عذاب النار .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
زحفا : مشياً بثقل في الحركة . زحف الجيش الى العدو مشى اليهم في نقل كأنه جسم واحد الأدبار : واحدها دُبر مؤخرة الانسان ، يراد بها الهزيمة . متحرفا لقتال : منحرفا الى جانب آخر . متحيزا الى فئة : منضمّا اليهم . مأواه جهنم : مصيره اليها . موهن كيد الكافرين : مضعف كيدهم وتدبيرهم . (2/100)
يا ايها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا في الميدان وهم زاحفون عليكم بكثرتهم فلا تقرّوا منهم ، إلا أن يكون ذلك مكيدَة حرب ، وحيث تختارون موقعاً أحسن ، او تدبّرون خطة ، او يكون ذلك التحيز انضماماً إلى فئمة أخرى من المسلمين ، لتعاودوا القتال . ان من تولّي منكم وانهزم من وجه العدو يغضب الله عليه ، ومصيره الى النار .
والتولِّي يوم الزحف كبيرةٌ من السبع الموبقات ، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اجتنِبوا السبعَ الموبقات ، قيل يا رسول الله وما هنّ؟ قالك الشرك بالله ، والسِّحر ، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق ، وأكلُ الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولّي يومَ الزحف ، وقذف المحصنَات الغافلات المؤمنات » .
{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ } . إذا كنتم ايها المؤمنون قد انتصرتم عليهم وقتلتموهم ، فانكم لم تفعلوا ذلك بقوتكم ، بل إن الله هو الذي نصركم عليهم بتأييده لكم والقاء الرعب في قلوبهم ، وما رميتَ أيها الرسول اذ كمت ترمي التراب والحصا في وجوههم ، ولكن الله تعالى هو الذي رمى فافزعهم .
{ وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلااء حَسَناً } والله قد فعل ما ذكر ليبلي المؤمنين بالشدة ، ليظهر اخلاصهم ، ويُنعم عليهم بالنصر والغنيمة ، وليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه .
{ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم .
{ ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين } ذلك هو النصر العظيم ، وان الله مضعف بأسَ الكفارين وتدبيرهم بنصركم وخذلانهم . وهذه بشارة أخرى مع ما حل من النصر ، فانه أعلمَهم بانه مضعفٌ كيدَ الكافرين فيما يُستَقْبل من الأيام .
قراءات :
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر « مُوهِنٌ كيدَ الكافرين » بالتنوين ونصب كيد ، وقرأ ابو عمرو وابن كثير ونافع : « مُوَهّنٌ كيد » بتشديد الهاء . وقرأ حفص : « مُوهِن كيد » بالاضافة وهي قراءة المصحف . وقرأ نافع وابن عامر وحفص « وأنَّ » بفتح الهمزة والباقون بكسرها .
{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح } يتجه الخطاب هنا الى الكافرين فقد قال أبو جهل : « اللهُمَّ أيُّنا كانَ اقطع للرحم ، وآتى بما لا يعرف فأَحْنِهِ الغداة » ويعني بذلك الرسول الكريم ، وقوله : « كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد » ومعنى أحْنِهِ أَمِتْهُ . يعني اجعله ينحني ويسقط على الأرض .
إن تستفتحوا فتطلبوا من الله ان يفتح بينكم ، وبين المسلمين ، وأن يُهلك أضلَّ الفريقين وأقطعَهُا للرحم فقد استجاب الله ، فجعل النصر للمسلمين ، والهزيمة عليكم .
{ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وعلى ضوء هذه الحقيقة ، يرغِّبهم الله في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر ومحاربة الله ورسوله وان تعودوا للاعتداء نعدْ عليكم بالهزيمة .
{ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } لن تغنَي عنكم جماعتكم المجتمعة على الإثم شيئا ، ولو كان عددها كثيرا ، وماذا تفعل الكثرة اذا كان الله في جانب المؤمنين!
{ أَنَّ الله مَعَ المؤمنين } اذا صدقوا وأخلصوا لله وللرسول ، وقاموا بواجبهم ، ونصروا الله ورسوله .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
تقدم أن سورة الانفال نزلت تحلّ مشكلات المؤمنين في غزوة بدر من العنائم والاسرى وغير ذلك ، وتذكرهم بنعم الله عليهم ، وتعرِض لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من شجاعة وثبات حتى يظفروا بالنصر والفلاح ، ويحصلوا على العزة التي جعلها الله لعباده المؤمنين . (2/101)
في سبيل هذا ناداهم الله ست مرات بوصف الايمان { ياأيها الذين آمَنُواْ } وقد تقدم النداء الاول في الآية من 15-19 حذرهم فيه من الفرار امام الاعداء .
والنداء الثاني في هذه الآية : { ياأيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ . . . } اطيعوا الله ورسوله في الاجابة الى الجهاد ، وقد علمتم ان النصر كان بتأييد الله وطاعة رسوله ، فاستمروا على طاعتكم لله وللرسول ، ولا تعرضوا عن دعوة الرسول الى الحق وانتم تسمعون كملامه الداعي الى وجوب طاعته وموالاته ونصره .
ولا تكونوا كالمنافقين الذين قالوا : سمعنا الحق ووعيناه ، لكنهم لا يذعنون له .
ان اولئك المشركين ومعهم المنافقون ، هم كشرّ الدواب التي أصيبت بالصَّمم فلا تسمع ، وبالبُكم ف تتكلم ، فقد صمّوا عن الحق فلميسمعوه ، ولم ينطقوا به ولم يفعلوه . ولو علم الله بعلمه الأزَلي أن فيهم خيراً لأنفُسهم وللناس وللحق ، لأسمعهم مسامع هداية يوصل الحق الى عقولهم .
{ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } ولو سمعوه وفهموه لانصرفوا عن الهداية ، وهم منصرفون عن تدبير ما سمعوا والانتفاع به ، فقدوا نوره الفطرة وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
هذا هو النداء الثالث : بعد ان ركّز الأمر على أساس من الطاعة والتحذير من المخالفة ، ناداهم بإنهاض الهمة وتقوية العزيمة ، والمبادرة الى الطاعة والامتثال دون إبطاء وتسويف ، وأرشدهم الى أن ما يدْعَون اليه فيه حياتُهم ، بالعلم والمعرفة ، بالشرف والهمزة بالسلطان وعلوا الكلمة ، بالسعادة الحقة والنعيم المقيم . (2/102)
يا أيها الذين آمنوا أجيبوا الله ولبّوه فيما يأمركم به ، واجيبوا الرسول في تبليغه ما يأمره الله به ، اذا دعاكم الرسول الى أوامر الله بالأحكام التي فيها حياة اجسامكم وارواحكم وعقولهكم وقلوبكم . فنحن مأمورون ان نطيع الله بالأحكام التي فيها حياة اجسامكم وارواحكم وعقولكم وقلوبكم . فنحن مأمورون ان نطيع الرسول الكريم ونتّبع ما يقول وما يفعل ، وما يأمرنا به وما ينهانا عنه . ان سنّة الرسول الكريم أصل من أصول الاسلام ، والعمل بها عملٌ على حقظ كيان الاسلام وتقدمه ، وفي تركها انحلال الاسلام . كيف نفهم القرآن الكريم لولا سنّة رسوله؟ لقد وردت الصلاة والزكاة والحج وكثير من اركان الاسلام بألفاظ عامة في القرآن الكريم ، والرسول هو الذي علّمنا إياها وشرحها لنا بأحاديثه وافعاله .
وهنالك في هذه الأيام فئات من الناس يدعون الى ترك الحديث وسنة الرسول وعدم الأخذ بها ، وما هذه الدعوة الا لهدم الاسلام وتقويض اركانه . وهذا خروج عن الاسلام والحاد كبير نعوذ بالله منه .
{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } واعلموا علم اليقين ان الله قائم على قلوبكم ، يوجّهها كما يشاء .
روى البخاري واصحاب السنن قال : كانت يمين النبي « لا ومقلّب القلوب » . وفي صحيح مسلم : « اللهم مصرّف القلوب ، صرِّفْ قلوبنا الى طاعتك » .
{ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } وانكم جمعا ستجعون يوم القيامة يوم البعث والجزاء .
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
هنا امرنا الله ان نتقي الفتن الاجتماعية التي لا تخص الظالمين ، بل تتعداهم الى غيرهم ، وتصل الى الصالح ، فقال : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً } قال ابن عباس : امر الله المؤمنين ان لايُقرّوا المنكّر بين أظهُرهم فيعمّهم العذاب « وفي صحيح مسلم عن زينب بن جحش انا سألت رسول الله ، فقالت له : يا رسول الله أنِلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم ، اذا كثر الخبث » . (2/103)
فاتقوا ايها المؤمنون الفتن ، واضربوا على أيدي المجرمين ، فان الذنب العظيم مفسدٌ جماعتكم ولا يصيب الذين ظلموا وحدهم ، بل يصيب الجميع . والأفرادُ في نظر القرآن مسئولين عن خاصة انفسهم ، ومسئولون عن أمتهم ايضاً فإذا قصروا في أحد الجانبين او فيهما- عرّضوا انفسهم وأمتهم للدمار والهلاك .
{ واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } للأمم والافراد اذا سكتوا عن الفحشاء والمكَر فيهم ، ولم يتلافوا المفاسد التي تحصل بينهم .
ثم يشفع الله هذا التحذير بتذكيرهم بنعمة الله عليهم حينما استجابوا وتضامنوا في المسؤولية والحرص على اعلاء كلمته ، وكيف نظر الله اليهم على قلتهم فكثّرهم ، والى ضعفِهم فقوّاهم وخوفهم فآمنهم ، فقال :
{ واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرض . . . } تذكّروا أيها المؤمنون ، وقت أن كنتم عدداً قليلا ، وضعفاء يستغلّ أعداؤكم ضعفكم ، وقد استولى عليكم الخوف من ان يتخطفكم اعداؤكم فيفتكوا بكم . يومئذٍ آواكم أيها المهاجرون إلى يثرب حيث تلقّاكم الأنصار ، وأيدكم وإياهم بنصره في غزواتكم ، ورزَقكُم الغنائم الطيبة رجاء ان تشكروا هذه النعم تفسيرا في طريق الجهاد لإعلاء كلمة الله .
ثم يأتي النداء الرابع ، وفيه ينبّههم الى ان مخالفة الله في اوامره- ومن أشدِّها إفشاء سر الأمة للاعداء - خيانةٌ لله ولرسوله وخيانة للأمة ، وحسب الخائنين سقوطا عند الله قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين } [ الأنفال : 59 ] .
يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول بموالاة الاعداء ، ولا تخونوا الامانات التي تكون بينكم ، فالخيانة من صفات المنافقين ، والأمانة من صفات المؤمنين .
واكبر خيانة في الوقت الحاضر هي قعود المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ، وتركُ المسجد الأقصى في يد أعداء اله اليهود . فالخيانة بكل معانيها صفة مذمومة . روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « آية المنافق ثلاث : اذا حدّث كذب ، واذا وعد أخلَف ، واذا ائتُمِن خان ، وان صام وصلى وزعم انه مسلم » { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } وانتم تعلمون مفاسد الخيانة وتحريم الله لها وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة .
{ واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يحذّر الله هنا من شهوة النفس في الحرص على المال والولد ، ذلك ان فتنة الاموال والاولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الالباب ، فلا تغلِّبوا ايها المؤمنون محبة المال والولد على محبة الله تعالى .
إن ذلك يفسِد أموركم . فيجب على المؤمن الصادق الإيمان ان يتقي الفتنة في المال بأن يكسبه من الحلال وينفقه في سبيل البر والاحسان ، ويتقي الفتنة في الأولاد بحسن تربيتهم وتعويدهم الفضائل وحسن الاخلاق . (2/104)
{ وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يجزيكم به عن المال والولد ، فعليكم ان تؤثروا ما عند ربكم .
لمّا حذّر الله تعالى عن الفتنة بالأموال والأولاد ، قفّى على ذلك بطلب التقوى التي هي اساس الخير كله ، وان التقوى شجرة مثمرة ، اعظم ثمارها الفرقان والنور الذي يبصرّنا بالحق والعدل والصلاح ، والذي به نهتدي ونسعد ، كما تُمحة سيئاتنا ، ويغفر الله لنا ذنوبنا ، وبه تفتح لنا ابواب السماء .
وهذا هو النداء الخامس :
{ يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم } انت تخضعوا لاوامر الله في السر والعلن ، يجعل الله تعالى في انفسكم قدرةً تفرّقون بها بين الحق والباطل ، وينصركم على أعدائكم ، ويغفر لكم جميع ذنوبكم ، فهو ذو الفضل العظيم عليكم وعلى جميع خلقه .
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)
ليُثْبتوك : ليمنعوك من الحركة بالحبس وشد الوثاق . يمكرون : يدبرون لك أخبث الحيل . ويمكر الله : يُبطل مكرهم الأساطير : واحدها أُسطورة ، وهي الخرافات والاحاديث القديمة . مُكاءً : تصفيراً بالفم . وتصدية : تصفيقا باليد . (2/105)
في هذه الآيات الكريمة تصوير لموفق المشركين وهم يبيتون لرسول الله قبل الهجرة ويتآمرون عليه .
اذكر أيها الرسول نعمة الله عليك إذ يمكر بك المشركون للإيقاع بك ، إما بالحبس الذي يمنعك من لقاء الناس ودعوتهم الى الإسلام ، وإما بالقتل ، وإما بأن يُخرجوك من مكة ، يدبّرون لكم التدبير السيء ، والله تعالى يُبطل مكرهم بأن يدبرّ لك الخروج من شرهم . وتدبيرُ الله هو الخير وهو الأقوى والغالب .
ولما قص الله علينا مكرهم في ذاتِ النبيّ عليه السلام قصّ علينا هنا مكرهم في دِين محمد فقال :
{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا . . . . }
اذكر ايها النبي معاندة المشركين عندما كنتَ تقرأ عليهم آياتِ القرآن الكريم ، وهي آياتنا ، فيقولون جهلاً منهم وعناداً للحق : لو أردنا ان نقول مثل هذا القرآن لفعلْنا ، ان هذا يشبه أساطير الأمم القديمة وخرافاتها .
وكان زعماء قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والنضْر بن الحارث وغيرهم يتواصَون بالإعراض عن سماع القرآن ويمنعون الناس عنه . وكان النضر بن الحارث يحفظ كثيرا من أخبار الأمم القديمة كالفرس والهند واليهود ، فكان يتتبع الرسول الكريم وكلّما سمعه يتلو القرآن ، يجلس على إثره ويحدّث الناس بأخبار الملوك وقصص الفرس والهند ثم يقول : بالله أيّنا أحسن قصصنا؟ انا او محمد؟ .
ولقد أسره المقداد بن الأسودَ يوم بدر ، وامر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقتله .
{ وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } اذكر أيّها النبيّ كيف ذهبوا في الكفر والعناد الى ان قالوا ، موجِّهين النداء الى ربهم : اللهمّ إن كان هذا القرآن وما يدعو اليه محمد هو الحقّ فاجعلْ السماء تمطر علينا حجارة ، او أنزلْ علينا عذاباً شديدا .
وما كان من حكمة الله ورحمته ان يعذّبهم في الدنيا بعذاب شديد وانت فيهم تدعو الى الحقّ راجياً اجابتهم له ، وما كان من شأنه ان يعذّب العصاة وهم يتسغفرونه ، وسلمون ويرجعون عما هم فيه .
{ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله } .
وما لهم لايعذّبهم الله وحالُهم القائمة الآن تسوّغ تعذيبَهم ، لأنهم يمنعون المسلمين من دخول المسجد الحرام ، وما كانوا مستحقّين للولاية عليه لشرِكهم ، وعملِ المفاسد فيه .
{ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون } أن أولياءه الحقيقيين هم المؤمنون الطائعون لله ، ولكنّ أكثرَ المشرِكين لا يعلمون حقيقة الدين ، ولا ماقم ذلك البيت الكريم .
{ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً } وما كانت صلاة المشركين وطوافهم في البيت الحرام إلا من قبيل اللّهو واللعب ، فكانوا يطوفون رجالاً ونساءً عراةً يصفرون بأفواههم ويصفّقون .
{ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } ذوقوا عذابَ القتلِ لبعض كُبرائكم والأسرِ للآخرين منهم ، وانهزمَ الباقين مدحورين يوم بدرٍ بسببِ كفركم .
قال بعض العلماء ان الآيات من رقم 30 الى 36 مكيّة ، وذلك لأنها تتحدث عن سورة الهجرة وما كان يجري بمكة من أفعالِ مشركي قريش ، وهذا وهمٌ غير صحيح ، اذ ان سورة الأنفال كلّها مدنية ، اما ما جاء ي هذه الآيات فهو لتسلية الرسول الكريم ، وللعِبرة والذكرى .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
يركمُه : يجعل بعضه فوق بضه . (2/106)
لما اصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلُّهم إلى مكة ، ورجع أبو سفيان بقافلته- مشى رجال أصيب آباؤهم وأبناؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فكلَّموا أبا سفيان ، ومن كانت له في تلك القافلة تجارة ، قاولا : يا معشر قريش ، إنَّ محمداً قد رزأكم ، وقتل خِياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنّا ندرك منه ثأراً بمن أُصيب منا . ففعلوا ، وجمعوا ما استطاعوا من المال ، وموّلوا به غزوة أحد فنزلت فيهم .
إن هؤلاء الكفار الذي جحدوا آيات الله وأشركوا به ، ينفقون أموالهم لمينعوا الناس عن الإيمان بالله واتّباع رسوله . . انهم سينفقون هذه الأموال لتكون حسرة عليهم ، ولن تفيدهم شيئا ، وسيُغلَبون في ساحة القتال في الدنيا ثم يساقون يوم القيامة الى جهنّم وستكون تلك هي الحسرة الكبرى لهم .
وليس ما حدَثَ قبل بدرٍ وبعدها إلا أنموذجاً من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين وقد استمرَ العداء منذ فجر الدعوة ولا يزال ، ومن الشرق والغرب ، فلم يتركوا وسيلة الا تخذوها ليهاجموا الإسلام والمسلمين ، واللهُ سبحانه وتعالى حفظ هذا الدين ، وسيُبقيهِ عاليا الى أن يرِث الأرضَ ومن عليها .
{ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } لقد كتب تعالى النصر لعبادة المتقين والخذلان والحسرة لمن يعاديهم من الكفار ، ليميز الكفرَ من الايمان ، والحق والعدل من الجور والطغيان ، وليجعل الخبيث بعضهَ فوق بعض ، ثم يجعل اصحابه في جهنم ، وهم الخاسرون في الدنيا والآخرة .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « لِيُمَيِّز » بالتشديد والباقون لِيَميزَ كما هو في المصحف .
{ قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ } ان باب الرجاء مفتوح في الاسم دائما ، والفرصة أمامهم سانحة لينهوا عَمَّا هم فيه من الصدّ عن سبيل الله ، وليتوبوا ويرجعوا الى الله ، والله واسع المغفرة يغفر ما سبق من اعمالهم ، والاسلام يجُبُّ ما قبله . أما اذا عادوا بد هذا البيان الى كفرهم ، فإن سنّة الله في الأولين قد مضت ، وهي ان يعذب المكذّبين ، ويهب اولياءه النصر والعزّ التزموا بأوامر الشرع .
ويتجه الحديث الى المؤمنين :
{ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
استمِروا أيها المؤمنون في قتال المشركين حتى تزول الفتنةُ في الدين ، ويمتنعوا عن إفسادهم لعقائد المؤمنين بالاضطهاد والأذى ، فإن رجعوا عن الكفر وخلَصَ الدين لله ، فإن الله تعالى عليمٌ بأعمالهم ومُجازيهم على ما فعلوا .
{ وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } .
وإن استمرّوا على إعراضهم وإيذائهم للمؤمنينَ بعدَ بيان الرسول فاثبتُوا لهم أيّها المسلمون ، واعلموا أنكم في وَلاية الله ، وهو ناصرُكم عليهم ، وحافظُكم منهم ، وهو خير الحافظين .
وما غُلب المسلمون في هذه الأيام وذهَبَت أرضُهم إلا لنهم تركوا الاهتداء بهدي دينهم ، وتركوا الاستعدا المادّي والحربيّ الذي طلبه بقوله : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] وتفرَّقوا دولاً كثيرة فذهبتْ ريحُهم وقلّتْ هيبتُهم وغُلبوا على أمرهم .
نسأل الله تعالى ان يوفقنا جميعا الى ما يحبّه ويرضاه ، ويجمع شتاتنا على الخير والهدى فنعود صفّاً واحدا ، ونعيد مقدّساتنا إلى حظيرة الإسلام ، إنه نعم المولى ونعم النصير .
وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
الغُنم والمغنم والغنيمة : ما يناله الانسان في الحرب من أموال الأعداء . يوم الفرقان : يوم بدر . (2/107)
اعملوا ايها المؤمنون ان حُكم كل ما غنمتموه من الاعداء المحاربين ان يُقسم خمسة اخماس : خمس منها لله وللرسول ولقرابته ، واليتامى ، وهم أطفال المسملين الذين مات آباؤهم وهم فقراء ، والمساكين ، وهم ذوو الحاجة من المسلمين ، وابن السبيل ، وهم المنقطع في سفره ويُنفق من هذا المخصص لله وللرسول في المصالح العامة التي يقررها الرسول في حياته ، ويقرّرها الإمامُ بعد وفاته ، وباقي الخمس يصرف للمذكورين آنفا . واما الاخماس الاربعة الباقية من الغنيمة ، فهي للمقاتلين .
وقرابة النبي عليه الصلاة والسلام هم بنو هاشم وبنو المطّلب ، دون بني عبد شمس ونوفل .
روى البخاري عن مطعم بن جبير ( من بني نوفل ) قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان ( من بين عبد شمس ) الى الرسول فقلنا : يا رسول الله ، أعطيتَ بني المطّلب وتركتَنا ، ونحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال الرسول الكريم : ( إنما بنو المطّلب وبنو هاشم واحِد ) .
والسر في هذا ان قريشاً لما حصَرت بني هاشم في الشِعب وقاطعتهم دخَلَ معهم فيه بنو المطلب ، ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل .
والحكمة في تقسيم الخُمس على هذا النحو ، أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بدَّ لها من المال لتستعين به على القيام بالمصالح العامة ، كشعائر الدين والدفاع عن الأمة ، وهو ما جُعل لِلّه في هذه الآية ، ثم ان هناك نفقة رئيس حكومتها وهو سهمُ الرسول فيها ، ثم لِذوي القربى وذوي الحاجات من ضعفاء الأمة .
ولا يزال هذا الاعتبار معمولاً به في كثير من الدول مع اختلاف شئون المجتمع والمصالح العامة ، فالمالُ الذي رُصد للمصالح العامة يدخل في موازنة الوزارات المختلفة ما بين مصروفات علنية وسرّية ، ولا سيما الامور الحربية . وكذلك راتبُ رأس الدولة من ملكٍ او رئيس جمهورية ، منه ما هو خاصٌ بشخصه ، ومنه ما هو لأُسرته وعياله . ومن موازنة الدولة ما يُبذل لإعانة ، الجمعيات الخيرية والعِلمية غيرها .
وعند الشيعة تفسيرٌ للغنيمة أعمُّ مما عند السنّة ، كما أنهم اختلفوا عنهم في تقسيم الخمس ، فقالوا : يُقسم الخُمس الى قسمين : الاول منها ثلاثة اسهم : سهمٌ لله ، وسهم لرسوله ، وسهم لذوي قرباه . وما كان لله فهو للرسول ، وما كان للرسول فهو لقرابته ، ووليُّ القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي ، فان وُجد أعطي له ، وإلا وجَب إنفاقه في المصالح الدينية ، وأهمُّها الدعوةُ الى الإسلام ، والعملُ على نشره وإعزازه .
أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم : سهم لأيتام آل محمد ، وسهم لمساكينهم ، وسهم لأبناء السبيل خاصة ، لا يشاركهم فيه أحد لأن الله حرّم عليهم الصَدقات فعوّضهم عنها بالخمس .
فاعلموا ذلك أيها المسلمون ، واعملوا به كنتم آمنتم بالله حقا ، وآمنتم بما أَنزلْنا على عبدنا محمد يوم الفرقان من آيات التثبيت والمدد ، وهو اليوم الذي التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر .
{ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومن عظيم قدرته ان نصَركم على قلتكم وضعفكم ، وخذل الكافرين مع كثرتهم .
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
العدوة : جانب الوادي ويجوز في العين الفتح والضم والكسر . القُصْوى : مؤنث الأقصى ومعناها البعيدة . البينة : الحجة الظاهرة . ذات الصدور : ما يدور في النفس من افكار . (2/108)
اذكروا حين كنتم في موقعة بدر بالجانب الأقرب الى المدينة ، وكفار قريش في أبعدِ الجانبين ، والقافلةُ التي خرجتم تطلبونها أقربُ إليكم مما يلي البحر ، ولو تواعدتُم على التلاقي للقتال لما اتّفقتم عليه ، ولكن الله دبَّر تلاقيكم على غير موعد ، لينفِّذ أمراً كان ثابتاً في علمه انه واقع لا محالة ، وهو القتال المؤدي الى نصركم وهزيمتهم .
{ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ } ليهلك الهالكون من كفار قريش عن حجَّة ظاهرة ، وهي هزيمة الكثرة الكافرة ويحيا المؤمنون من حجّة بينة ، وهي نصر الله للقلة المؤمنة ، إن الله لَسميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال الفريقين ولا نيّاتهم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وأبو عمرو : « بالعِدوَة » بكسر العين والباقون بالضم .
اذكر أيها الرسول حين تفضّل الله عليك ، فأراك في منامك جيشَ الأعداء في قلة . كان ذلك ليُظمئنكم أنكم ستغلبونهم ، فتثبتوا أمام جمعهم حين يلتقون ، ولو ترككم تروْنهم كثيراً ، دون ان يثبتكم بهذه الرؤيا - لخِفتم منهم ولتردَّدتم في قتالهم . ولكن الله سلَّم أصحابك يا محمد من ذلك ونجّاهم من عواقبه ، إنه عليم بما تخفيه الصدور من شعور الجبن والجزع الذي تضيق به فيُحجم اصحابها عن القتال .
اذكر ايها الرسول ايضا كيف كان الله يريكم أعداءكم قلّة عند التلاقي ليشد من عزمكم ، وتقاتلوهم بجرأة وثبات ، كما يُظهركم في اعينهم قلّة ، زيادةً في الغرور بكثرتهم حتى قال ابو جهل : غنما أصحاب محمد أكلة جزور ، يعني يكفيهم جزور واحد لقلّتهم . وذلك ليتم أمرٌ علمه الله ، وكان لا بد ان يتم . والى الله ترجع الامور كلها فلا ينفُذُ الا ما قضاه وهيّأ أسباب بعدْله وحكمته .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)
تفشلوا : تجبنوا وتضعفوا . تذهب ريحكم : تذهب قوتكم وهيبتكم . البطر : إظهار الفخر ، والطغيان في النعمة . رياء : نكَص : جرع ، تولى الى الوراء . الذين في قلوبهم مرض : ضعاف الإيمان . (2/109)
هذا هو النداء السادس : يؤكد ما تضمّنته النداءات السابقة من مبادئ وأُسسٍ ضرورية للحصول على النصر ، وفيه يأمر الله المؤمنين بالتزام الفضائل والاخلاق التي لا بد من التحلي بها ساعةَ اللقاء في الحرب .
وأوّلها الثباتُ أمام الأعداء ، ثم ذِكر الله بالقلب واللسان ، واستحضارُ ثم طاعةُ الله والرسول ، فكلّ مخالفةٍ تؤخر النصر ، وفتتح ثغرة للعدوّ . ثم يؤكد ذلك كله بتحذير يسد به نافذةً خطِرة يهبُّ منها والفساد ، هي نافذة التنازع والاختلاف فيما بينهم ، مما يؤدي الى الفشل وذهاب القوة هذه قاعدة مطّردة من قواعد الاجتماع ، وسنّة ثابتة من سنن الله . وهذا ما هو حاصل في مجتمعنا العربي ، وهو داؤنا الّذي يفتّت قوانا ويجعل العدو يعيش ويتوسّع .
يا أيها الّذين آمنوا إذا لقيتم فئةً من أعدائكم فاثبُتوا ، وأكثِروا من ذِكر الله مستحضِرين عظمته وحسن وعده بنصركم . إن الثباتَ وذِكر الله هما وسيلتان من وسائل الفوز والنصر .
وأطيعوا الله ورسوله فيما أُمرتم به او نُهيتم عنه ، وتجنّبوا النتنازعَ والاختلاف فيما بينكم ، فإن ذلك من اكبر اسباب الفشل والخيبة . واصبِروا على الشدائد وما تلقَون من مكارِه الحرب من بأس العدوّ واستعداده وكثرة عدده ، فإن الله مع الصابرين يمدُّهم بالعَون والتأييد . . . ومَن كان الله معه غالب له .
{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس } ولا تكونوا كأعدائكم المشرِكين الذين خرجوا من ديارهم في مكة مغرورين بَطِرين ، متظاهرين أمام الناس رياءً يريدون الثناء عليهم بالشجاعة .
{ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } والله عليم بما جاءوا من أجله ، عالِم بأعمالهم ، وسوف يجازيهم عليها في الدنيا والآخرة .
{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ } اذكر أيّها الرسول للمؤمنين كيف زيّن الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوستِه ، قائلا لهم إنه لا أحدّ من الناس يغلبهُم ، لأنه هو مجيرٌ لهم ، فلما تقابلَ الفريقان في الحرب نكص على عقِبيه وهرب وتبرّأ منهم . لقد خاف أن يُهلكه الله ، واللهُ شديد العقاب على الذنوب .
{ إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ } اذكر يا محمد ماذا كان يقول المنافقون من الكفّار ، وضعفاء الإيمان عند رؤيتكم في إقدامكم وثباتكم : لقد غرَّ هؤلاء المسلمين دينهم .
{ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ومن يكِل أمهر إلى الله ويؤمن إيماناً خالصاً فان الله يكفيه ما أهمَّه ، ويصره على أعدائه ، فهو العزيز الغالب ، والحكيم الذي يضع كل امر في موضعه .
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)
أدبارهم : ظهورهم . عذاب الحريق : عذاب النار في الآخرة كدأب : كعادة . (2/110)
بعد ان بيّن الله تعالى حال هؤلاء الكفار في خروجهم إلى قتال المؤمنين بَطَراً ورياءً ، وتزيينَ الشيطان لهم أعمالَهم - قفّى على ذلك بذِكر أحوالهم حين موتهم وبيان العذاب الذي ينالونه عندئذٍ ثم ذكر ان الملائكة تأخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب حين يقبضون ارواحهم بصورة منكرة ، ويؤذونهم أذى مهينا ، جزاء على البطر والاستكبار . ويذكر في اثناء هذا العرض ان أخْذ الكفار بتكذيبهم سنّةٌ ماضية . وانه كذلك أخَذ فرعون .
ولو ترى ايها الرسول ذلك الهول الخطير ينزل بهؤلاء الكفار حين تتوفاهم الملائكة لرأيتهم يضربون وجوههم وظهورهم ، ويقولون لم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذّبون .
قراءاتك
قرأ ابن عامر : « اذ تتوفَّى » بتائين . والباقون : « يَتَوفى » بالياء .
ان الله لا يظلم أحداً من عبيده ، فلا يعذّب الا بما عمل من سوء .
{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } .
ان الله تعالى لا يترك الناس سُدى ، وانما هي سنّته يمضي بها قدَرُه ، وليس فعل هؤلاء المشركين من قريش الذين قُلتوا ببدر وما أصابهم الا ما يصيب المشركين في كل زمان . لقد اصاب مثلُه آل فرعون والذين من قبلهم من الأمم الخالية ، وقد آتاهم الله من نعمته ، وزرقهم من ففضله ، ومكن لهم في الأرض ، وجعلهم خلائف فيها ، فطغَوا وبغَوا وتجبروا ، وجاءتهم آيات الله فكفروا بها ، فحقَّت عليهم كلمة ربك ، وأخذَهم بالعذاب .
{ إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب } لا يغلبه غالب ، شديد المجازاة لمن يستحقه عقابه .
روى مسلم في صحيحه عن أبي ذرّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ان الله تعالى يقول : إني حرّمت الظلمَ على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تَظالموا ، يا عبادي انما هي اعمالكم أُحصيها لكم ، فمن وجَد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ الا نفسه » والحديث طويل نفيس .
{ ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .
ذلك ، أي الذي ذُكر من أخْذه لقريش بكفرهم بنعم الله لقد كذّبوا رسوله واخرجوه من دياره وحاربوه ، ففعل الله بهم كما فعل بالأمم من قبلهم ولقد جرت سنّة الله ان لا يغيرّ نعمة أنعمها على قوم ، كنعمة الامن والرخاء والعافية ، حتى يغيروا ما بأنفسِهم . وهذا عدل في الجزاء .
{ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } سميع لما يقولون عليم بما يفعلون .
{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ } .
هنا كرر قضية آل فرعون فقد كانت المرة الأولى لبيان كفرهم فأخذَهم بالعذاب ، اما الثانية فهي أن حال هؤلاء كحال آل فرعون والذين من قبلهم في تغيير النعم .
وكما أن دأْب هؤلاء الكفار في الإنكار لآيات الله ونعمه كدأب آل فرعون والذين من قبلهم- فان دأبهم ايضا الاستمرار على لاتكذيب برسله ، مثل آل فرعون والذين من قبلهم - من ثم كان الشبه بينهم في الكفر بالآيات وجحود رسالة الرسل ، وفي الاستمرار على ذلك . لهذا أخذ الله الجميع بذنوبهم : أولئك بالصواعق والرياح ونحوها ، وآل فرعون بالغرق ، وكلهم كانوا ظالمين ، فاستحقوا ما نزل بهم من العقاب .
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)
الدواب : كل ما دبّ على وجه الأرض ، وغلب على ذوات الأربع من الحيوان ، وشبه الله تعالى الكواب . فاما تثقفنَّهم : تدركهم وتظفر بهم فشرِّد بهم . ابعدهم ونكل بهم . من خلفهم : كفار مكة واعوانهم من مشركي القبائل الموالية لهم . النبذ : الطرح . رباط الخيل : حبسها على الجهاد واقتناؤها . جنحوا : مالوا . السلم : بفتح السين وكسرها ، ضد الحرب . (2/111)
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة صار الكفار معه أقساماً ثلاثة : قسماً صالحهم ووادعهم على ان لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا عليه عدوَّه ، وهم على كفرهم آمنوا على دمائهم واموالهم وقسماً حاربوه ونصبوا له العداوة . وقسماً تركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه ، بل انتظروا ما يؤول اليه أمره وأمر اعدائه .
ثم من هؤلاء من كان يحبّ انتصار الرسول في الباطن ، ومنهم من كان يحب انصار المشركين ، ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين . هؤلاء هم المنافقون وقد عامل الرسول كا ظائفة من هذه الطوائف بما أمره به الله .
وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة ، وهم بنو قينقاع ، وبنو النضير ، وبنو قريظة . كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة .
وقد ورت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص ، قيل : انهم بنو قريظة ، وقيل : انهم بنو النضير ، وقيل : انهم بنو قينقاع ، وقيل : انهم الاعتراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين . وقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله اكثر من مرة ، كما تكرر نقض المشركين من العرب لعهودهم . والمهم ان نعلم ان هذه النصوص تتحدث عن حالةٍ واقعةٍ قبل بدرٍ وبعدها .
{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ان شر ما يدبّ على وجه الارض عند الله في حُكمه وعدله هم الكفار المصرّون على كفرهم ، الذي عقدتَ معهم العهود والمواثيق ، ولا يزالون ينقضونها مرة بعد مرة . وقد تكرر ذلك من اليهود ، فقد روي عن ابن عباس ان المقصودين بنو قريظة . . . نقضوا عهد رسول الله ، وأعانوا عليه بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا نسينا وأخطأنا . فعاهدهم مرة ثانية فنقضوا العهد ومالأوا الكفار على رسول الله يوم الخندق . وقد ركب زعيمهم كعب بن الاشرف الى مكة فحالفهم على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم { . . . وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } اي لا يتقون الله في نقض العهد ، ولا يردعهم عن ذلك خوف من نقمته وعذابه .
وبعد ان بين تعالى انهم قد تكرر منهم نقض العهد ، ذكر ما يجب ان يعاملوا به قال :
{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } فإن تدركْ أيها الرسول ، هؤلاء الناقضين لعهدهم في الحرب ظافر بهم ، فنكِّلْ بهم تنكيلا يسوؤهم ويخيف مَنْ وراءهم من الاعداء ، { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } لعل مَن خَلْفهم من الأعداء يذكرون ذلك النكال فيمنعهم من نقض العهد والقتال .
{ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين } ان الخيانة مبغوضة بجميع ضروبها ، فأبعدوا عنها ايها المؤمنون . (2/112)
روى البيهقي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثةٌ المسلمُ والكافر فيهن سواء ، من عاهدتَه فَوَفِّ بعهده ، مسلماً كان او كافرا ، فإنما العهد لله . ومن كانت بينك وبينه رحِم فصِلْها ، مسلما كان او كافرا . ومن ائتمنك على أمانة فأدّها اليه ، مسلما كان او كافرا » .
وبعد هذا أنذر الله أولئك الخائنين مما سيحلّ بهم من عقاب فقال :
{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } ولا يظن الذين كفروا انهم قد نجوا من جزاء خيانتهم وغدرهم ، فهم لا يعجزون الله ولن يعجزوه ، ولا يفوقونه في مكرهم أبدا ، بل هو القادر وحده ، وسيجزيهم بقوته وعدله .
قراءات :
قرأ ابن عامر وحمزة وحفص : « ولا يحسبَنَّ » بالياء والباقون : « ولا تحسبن » بالتاء ، وقرأ ابن عامر « أنهم لا يعجزون » بفتح الهمزة ، والباقون بكسرها .
بعد ذلك بيّن الله تعالى ان الاستعداء بما فيه القدرة والطاقة فريضة تصاحب فريضة الجهاد ، والاستعداد انفى للاعتداء .
{ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } أعدّوا يا معشر المسلمين لمواجهة أعدائكم ما ستطعتم من قوة حربيّة شاملة لجميع عتاد القتال ، ومن المرابطين في الثغور وأطراف البلاد بِخَليهم ، لتخيفوا بكل ذلك عدوَّ الله وعدوكمن من الكفار المتربصين .
{ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } وليخيفوا أيضا آخرين غير هؤلاء الأعداء ، أنتم لا تعلمونهم الآن لكن الله يعلمهم ، لأنه لا يخفى عليه شيء .
{ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } ان الله يجزيكم جزاء وافيا ، عن كل ما انفقتم من شيء في سبيل إعداد القوة قاصدين به وجه الله ، دون ان ينقصكم مثقال ذرة مما تستحقون .
{ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا . . . } وإن مالَ الأعدادُ المحاربون الى السلم ، فاجنح لها أيها الرسول ، فليست الحرب غرضاً مقصوداً لذاته عندك ، إنما تقع دفعاً لعدوانهم وتحدّيهم لدعوتك ، فاقبل السلم وتوكل على الله ، ولا تخفّ كيدهم ومكرهم انه سبحانه هو السميع لما يتشاورون به ، العليم بما يدبرون ويأتمرون .
قراءات :
قرأ ابو بكر : « للسّلِم » بكسر السين ، والباقون بفتحها والمعنى واحد .
{ وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين } .
وإن أراد من تظاهُرهم بالجنوح الى السلم الخداعَ بك ، فان الله يكفيك امرهم من كل وجه . وقد سبق له أن أيّدك بنصره ، حين هيأ لك من الاسباب الظاهرة والخفية ما ثّبت به قلوب المؤمنين من المهاجرين والانصار ، وجعلهم اُمةً واحدة متآلفة متعاونة على نصر الله ورسوله .
{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . (2/113)
ان الله تعالى جمعَ بينهم على المحّبة والإيمان بك ، بعد التفرق والتعادي ( دامت الحرب بين الأوْس والخَزْرج سنين عديدة ، وكذلك بين مختلف قبائل العرب ) فأصبحوا ملتفّين حولك ، باذلين اموالهم وارواحهم في سبيل دعوتك . ولو انفقتَ جميع ما في الارض من الاموال والمنافع ، في سبيل هذا التأليف بين قلوبهم ، لما أمكنك ان تصل اليه ، لكنّ الله ألَّف بينهم ، بقدرته ، انه تعالى قوي غالب يدبر امر العباد على مقتضى ما ينفعهم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
حسبك : كافيك ، ما يهمك التحريض : الحث على الشيء . التخفيف : رفع المشقة الضعف : بالفتح والضم ، ضد القوة . (2/114)
يا أيها النبيّ إن الله كافٍ كلَّ ما يهمّك من أمر الاعداء ، متكفل بك ومن اتبعك من المؤمنين .
فشجّشع المؤمنين على القتال لاعلاءِ كلمة الله ، ورغِّبهم فيما وراء ذلك من خير الدنيا والآخرة . واعلم يا محمد أنه إن يوجد منكم عشرون معتصمون بالإيمان والصبر يغلبوا مئتين من الذين كفروان ذلك بأن الكافرين لا يدرِكون حقائق الأمور ، فليس لهم ايمان ولا صبر ولا مطمع في ثواب .
{ الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين } .
ان واجبكم أيها لمؤمنون ان تصبروا على ملاقاة أعدائكم ولو كانوا عشرة أمثالكم ، لكن الله قد خفف عنكم الآن فجعل عليكم ان تصبروا امان مِثَلْيكم فقط ، لعلمه ان فيكم ضعفاً يقتضيالتيسير عليكم والترخيص لكم ، فان يكن منكم مئةُ مجاهدٍ صابر يغلبوا مئتين من الكفار ، وان يكن منكم الف يغلبوا الفين بارادة الله ومعونته ، والله مع الصابرين .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : « ان تكن » بالتاء في الآيتين . وقرأ عاصم وحمزة : « ضعْفاً » بفتح الضاد والباقون : « ضُعفاً » بضمها .
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)
أسرى : جمع أسر وهو كل من يؤخذ من المحاربين . الإثخان : الشدة حتى يثخن في الأرض : يُكثر القتال ويبالغ فيه . عرض الدنيا : حطام الدنيا وما فيها من زخارف مسّكم : اصابكم . (2/115)
لا يسوغ لأحد من الانبياء ان يكون له أسرى يحتجزهم ، أو يأخذ منهم الفِداء ، او يمنّ عليهم بالعفو ، حتى يتغلّب على أعدائه ، ويُكثر القتل والجراح فيهم ، فلا يستطعيوا قتالا بعد ذلك ، ولكنّكم أيها المؤمنون سارعتم في غزوة بدر الا اتخاذ الأسرى قبل التكّن في الارض تريدون منافع الدنيا وحُطامَها ، والله يريد لكم الآخرة .
{ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } عزيز يَهَبُ العزة للمؤمنين وإن لم يكن لهم اسرى ، وهو حيكم في تدبيره وأمره ونهيه .
قراءات :
قرأ اهل البصرة « ان تكون » بالتاء .
روى الإمام أحمد عن أنس قال : « استشار النبي صلى الله عليه وسلم في الاسارى يوم بدر فقال : ان الله مكّنكم منهم ، فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله اضربْ أعناقهم . فأعرض عنه النبي ، ثم عاد رسول الله لمقالته ، إنما هم إخوانكم بالأمس وعاد عمر لمقالته ، فأعرض عنه فقام أبو بكر الصدّيق فقال : يا رسول الله نرى ان تعفو عنهم ، وان نقبل منهم الفداء؟ قال : فذهب عن وجه رسول الله ما كان فيه من الغم ، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء » .
وفي رواية ابن عباس عن عمر زيادة هي : فلما كان الغد جئتُ ، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان فقلت : يا رسولَ الله ، أخبِرني من أي شيء تبكي انت وصاحبك . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أبكي على أصحابك من أخذِهم الفداءَ ، لقد عرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة » . فأنزل الله عز وجل « وما كان لنبي . . . . » الآية .
{ لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } لولا حكمٌ سابق من الله بالعفو عن المجتهد المخطىء لأصابكم فيما أخذتم من الفِداء عذابٌ كبير بسبب ما تعجّلتم به .
بعد ان عاتبَهم الله على اخذ الفداء أباح لهم أكْل ما أخذوه ، وعدَّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في اول السورة فقال :
{ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كلوا مما غنمتم من الفداء حلالا لكم طيبا في نفسه لا خبث فيه ، واتقوا الله ما كل أموركم ، انه غفور لذنبكم السابق حين أخذتم الفداء .
ثم يخاطب الاسرى بكلام رقيق يُحْيي فيهم الرجاء ، ويُشيع فيهم النور ، ويؤملهم بحياة أكرم مما كانوا فيه ، وكسبٍ أطيب مما فقوا من مال وديار ، وبعد ذلك كلّه بالمغفرة والرحمة .
{ ياأيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يا ايها النبي قل للأسرى الّذين اخذتم منهم الفداء : ان يكن في قلوبكم خير يعلمه الله فسيُخلِفُ لكم خيراً مما أخذه المؤمنون منكم ويغفر لكم ما كان من الشرك والسيئات .
ان الله غفور لمن تاب من كفره وذنوبه ، رحيم بالمؤمنين يشملهم بعنايته وتوفيقه . (2/116)
قراءات :
قرأ ابو عمرو : « من الأسارى » والباقون : « من الأَسرى » .
وفي الوقت الذي يفتح الله للأسارى باب الرجاء ، يحذرهم خيانة الرسول- صلى الله عليه وسلم - كما خانوا الله من قبل فلاقوا هذا المصير .
{ وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
وان يردوا خيانتك بما يظهر بعضهم من الميل الى الاسلام مع انطواء صدروهم على قصد مخادعتك بهذا الميل فلا تبتئس ، فقد خانوا الله من قبل باتخاذ الأنداد والشركاء لله والكفر بنعمته ، فامكن منهم اذ نصرك في بدر مع قلة عَددكم وعُددكم ، وكثرتهم ، والله قوي غالب متصرف بحكمته ، يعلم ما ينونه وما يستحقونه من عقاب .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
الهجرة : مفارقة بلدٍ الى غيره ، فان كانت قُرْبةً إلى الله فهي الهجرة الشرعية . (2/117)
آواه : اسكنه .
قسم الله المؤمنين أربعة أقسام وبيّن حُكم كل منها ومنزلته من بينها :
1- المهاجرون الاولون اصحاب الهجرة الاولى قبل غزوة بدر الى صلح الحديبية .
2- الانصار الذين كانوا بالمدينة وآووا النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين من اصحابه عند الهجرة .
3- المؤمنون الذين لم يهجروا .
4- المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحيبية .
1- { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله } هؤلاء هم الكَمَلَة المؤمنون الذين هجروا أوطانهم فِراراً بدِينهم من فتنة المشركين ، وإرضاء لربهم ونصراً لرسوله ، ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله .
2- { والذين آوَواْ ونصروا } والآنصار من اهل المدينة الذي آووا الرسول الكريم ومن هاجر من اصحابه ونصروهم ، وأمّنوهم من المخاوف ، وشاركوهم في أمالهم حتى لآآثروهم على انفسهم - فحُكمهم حكم المهاجرين الاولين { أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } بعضهم نصراء بعض في تأييد الحق وإعلاء كلمة الله على الحق .
3- { والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ } والذين لم يهاجروا من المؤمنين ، لا يثبت لهم شيءٌ من ولاية المؤمنين ونصرتهم ، اذ لا سبيل إلى وَلايتهم حتى يهاجروا .
{ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } وان طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم في الدّين ، فانصرُوهم ، فإن طلبوا النصر على قوم معاهِدين لكم ، لم ينقضو الميثاق معكم فلا تجيبوهم .
{ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه شيء .
قراءات :
قرأ حمزة : « ولايتهم » بكسر الواو ، والباقون بفتحها .
وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سِراً وجهراً امتازت الشريعة الاسلامية على غيرها ، فشعارُ أهل الإسلام الوفاءُ بالعهود ، والبعد عن الخيانة والغدر .
{ ( * ) والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } إن الكفار على اختلاف شِيعِهم بعضُهم يوالي بعضاً وينصره ضد الاسلام . قد كان اليهود والمنافقون ومشركو العرب كتلةً واحدة متفين على محاربة الاسلام والمسلمين . وهذا ما يحصل اليوم . . . جاء اليهود الى بلادنا واحتلّوا قسماً منها بمساعدة النصارى في جميع أقطار الارض ، وقد اتفق على ذلك جميع الأوربيين والأمريكان ، كلُّهم مجتمِعون متفقون على حمايةِ اليهود ومساعدتهم ضد الإسلام والمسلمين .
{ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } إن لم تفعلوا ما شُرع لكم من ولاية بعضكم لبعض ، ومن تناصرُكم وتعاونكم تجاه وَلاية الكفّار بعضُهم لبعض ، يقع من المفتنة والفساد ما فيه أعظمُ الضرر عليكم ، بتخاذلكم الذي يُفضي الى ظفر الاعداء بكم وسلبكم بلادكم . وهذا ما هو حاصل اليوم من تكتّل الأعداء ضدّنا ، ونحن متمزقون في عدة دول وامارات ، يحارب بعضنا بعضاً والعدو يسرح ويرتع في بلادنا .