صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


أما إن قتل أيّلاً « من بقر الوحش » فعليه بقرة ، فإن لم يجد صيام عشرين يوما . وإن قتل نعامة او حمار وحش أو نحو ذلك فعليه بُدنة من الإبل ، فان لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما ، والطعام مدُّ يشبعهم .
وقد أُحل الله لكم صيد حيوان البحر ، تأكلون منه وينتفع به المقيمون منكم والمسافرون ، ووحرم عليكم صيد البر ما دمتم محرمين بالحج او العمرة ، سواء صاده غيركم ، أو انتم قبل إحرامكم . واتقوا الله بطاعته فيما امركم به وما نهاكم عنه ، فإن إليه مرجعكم ، فيجازيكم على ما تعملون .
يشيع على ألسنة بعض الناس خطأ { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر } ولا يوجد في القرآن آية بهذا النصّ ، وإنما { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً . . . } .
قراءات : قرأ الكوفيون ويعقوب « فجزاءُ مثلُ » برفع جزاء ومثل ، وقرأ الباقون « فجزاءُ مثلٍ » برفع جزاء والاضافة . وقرأ نافع وابن عامر « كفَارةَ طعامٍ » بالاضافة والباقون « كفارةً » بالتنوين .

(1/436)


جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)

الكعبة : هي البيت الحرام بمكة . قياما : ما يقوم به أمر الناس . الشهر الحرام : ذو الحجة . الهَدي : ما يُهدى الى الحرم من الأنعام . القلائد : الأنعام التي كانوا يزينونها بقلائد اذا ساقوها هَديا ، وخصها بالذكر لعظم شأنها .
جاءت هذه الآية استكمالاً للسياق السابق ، فلقد حرّم الله في الآية المتقدمة الصيد على المحرِم ، باعتبار الحرم موطن أمنٍ للوحش والطير ، فالأَولى إذن ان يكون موطن أمن للناس من الآفات والمخاوف ، وسبباً لحصول الخير والسعادة للناس في الدنيا الآخرة .
ان الله جعل الكعبة التي هي البيت الحرام مانعاً وحاجزاً تؤمّن الناس ، أرواحَهم ومصالحهم ومنافعهم في معاشهم ، بها يلوذ الخائف ، ويأمن فيه الضعيف ، ويربح التاجر ، ويتوجه اليها الحجاج والمعتمرون .
فمعنى « قياما » المانع الذي به يكون صلاح الناس ، كالحكومة التي بها قوام الرعية ، ترعاهم وتحجز ظالمهم ، وتدفع عنهم المكروه . كذلك هي الكعبة والشهر الحرام والهَدي والقلائد قوام العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية .
فقد كان الرجل لو فعل اكبر جريمة ثم لجأ الى الحرم لم يُتناول ، ولو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يَعرِض له أو يقربه ، ولو لقي الهديَ مقلَّدا ، وهو يأكل العصَب من الجوع لم يقربْه . كان الرجل اذا اراد البيت تقلّد قلادة من شَعر فَحَمَتْه من الناس ، وإذا عاد من الحج تقلد قلادة من الأّذْخر أو السَمُر فمنعته من الناس حتى يأتيَ أهله .
الاذخِر : نبات كيب الريح : السَّمُر : مفمردها سَمُرة ، شجر الطَّلح .
وهي في الاسلام معالم حجَ الناس ، ومناسكهم ، فهم في ضيافة الله اذ ذاك ، فليعلموا على جمع شملهم ، ويتجهوا اليه في صلاتهم . أما الهدي فقد جعله تعالى سبباً لقيام الناس ، لأنه يُهدى الى البيت ويًُذبح ويفرَّق لحمه على الفقراء . . بذلك يكون نسكا للمُهدي ، وقياماً لمعيشة الفقراء .
{ ذلك لتعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ . . . . وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
ان ذلك التدبير اللطيف من الله تعالى إنما جعله كي توقنوا أن علمه محيط بما في السماوات وما في الارض ، فهو يشرّع لمن فيهما بما يحفظهم ويقوم بمصالحهم . فإذا احست قلوب الناس رحمةَ الله في شريعته ، وتذوقت جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم ، أدركوا يقيناً ان الله بكل شيء عليم .
قراءات :
قرأ ابن عامر « قِيَما » وقرأ الباقون « قياما » كما هو هنا في المصحف .

(1/437)


اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)

بعد ان ارشدنا الله تعالى في الآية السابقة الى بعض آياتِ علمه في خلقه نبهنا هنا الى أن العليم بكل شيء ، لا يمكن ان يترك الناس سُدًى ، كما انه لم يخلُقهم عَبَثا ، فلا يليق بحكمته وعدله ان يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين عملوا الصالحات ، ولا ان يسوّي بين الطيب الخبيث ، فيجعل البَرّ كالفاجر . لا بد إذن من الجزاء بالحق . ولا يملك الجزاء الا من يقدر على العقاب كما على المغفرة والرحمة . لذلك جاءت هذه الآيات ترغيباً وترهيباً ، فقال : { اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب وَأَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ، فلأنه يعلم ما في السموات والارض ، لا يخفى عليه شيء من سرائر اعمالكم وعلانيتها . ومن ثم فهو شديدٌ عقابُه لمن عصاه ، وواسعة مغفرته لمن أطاعه وأناب اليه . والله سبحانه وتعالى دائما يوعد ويَعِد ، والرحمة غالبة . لذلك يغفر كثيرا من ظلم الناس لأنفسهم { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } .
{ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }
هذا بيان لوظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فليس عليه الا أن يؤدي الرسالة ، وبعد ذلك يكون الناس هم المسئولين عند الله ، وهو يعلم ما يبدون وما يكتمون .
وبعد ان بين الله تعالى ان الجزاء منوط بالأعمال ، اراد ان يبيّن ما يتعلق به الجزاء من صفات الأعمال والعاملين لها ، وأرشد الى حقيقتين يترتب على كل منهما ما يليق بها من الجزاء :
1- لا يستوي الرديء والجيد من الاشياء والأعمال ، لا من حيث صلاح أمور الحياة بهما ، ولا في حكمهما عند الله . فبالظلم لا تستقيم الحياة ولا يرضى الله عنه . وذلك بخلاف العدل والصلاح .
2- ان الخبيث غرّار في الظاهر ، لكن الطيّب أفضلُ وأبقى . فالقليل من الحلال خير من الكثير الحرام ، كما أنه أدوَم وأطهر .
وما دام الأمر كذلك يا ذوي العقول المدركة ، فسارعوا الى ط اعة الله وقاية لكم من عذابه ، باختيار الطيبات واجتناب الخبائث . بذلك تفوزون في الدنيا والآخرة .

(1/438)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)

بعد ان بين الله تعالى ان وظيفة الرسول هي التبليغ ، ناسَبَ ان يصرّح بأن الرسول قد أدى وظيفة البلاغ الذي كمُل به الاسلام ، وانه لا ينبغي للمؤمنين ان يكثروا عليه من السؤال ، لئلا يكون ذلك سبباً لكثرة التكاليف التي يشقّ على الأمة احتمالها .
يا أيها المؤمنون ، لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين ودقائق التكاليف ولا من امور الغيب ، مما يُحتمل أن يكون إظهارها سبباً لإرهاقكم ، إما بشدة التكاليف وكثرتها ، أو بظهور حقائق تفضح أهلها ، وإن تسألوا النبي عنها في حياته اذ ينزل عليه القرآن يُبّينها الله لكم . ولقد فعلتم ذلك ، لكن الله عفا عن مسألتكم ، وهو حكيم بكم رؤوف في معاملتكم . عفا الله عنكم في هذه الاشياء ، فلا يعاقبكم عليها ، ولقد سأل عن أمثال هذه الامور الشاقة اقوام سبقوكم ، وأجابهم الله على السنة انبيائهم ، وحين زادت التكاليف ثقُل عليهم تنفيذها ، فأعرضوا عنها وأنكروها . وبذلك كانوا هم الخاسرين .
والله سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر لا العسر ، وقد أنزل هذا القرآن ليربي الرسول على هَديه وينشىء مجتمعا متكاملا ، فمن الأدب مع الله والرسول ان يترك الناس لحكمة اللهة تعالى تفصيل تلك الشريعة وإجمالها .
وفي الحديث الصحيح عن ابي ثعلبة الخشني قال ، قال رسول الله عليه السلام : « ان الله فرض فرضا فلا تضيّعوها ، وحدَّ فلا تعتدوها ، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن اشياءَ رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » رواه الدارقطني وغيره .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ذَرُوني ما تركتُكم ، فإذا أمرتُكم بشىء فأتُوا منه ما استطعتُم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه ، فانما أُهلِكَ مَن كان قبلَكم بكثرة سؤالهم واختلافِهم على أنبيائهم » .
وذكر عن الزهري قال : « بلغنا ان زيد بن ثابت الانصاري وهو من علماء الصحابة الكرام كان يقول اذا سئل عن الأمر : أكان هذا؟ فإن قالوا : نعم قد كان ، حدّث فيه بالذي يعلم ، وان قالوا : لم يكن ، قال : ذروه حتى يكون » .

(1/439)


مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)

البحيرة : الناقة اذا انتجت خمسة أبطن آخرُها ذكَر ، شقّوا أُذنها وخلّوا سبيلها فلا تُركب ولا تُحمّل . السائبة : كان الرجل يقول اذا شُفيت من مرضي فناقتي سائبة ، ويجعلها مثل البحيرة . الوصيلة : اذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم ، واذا ولدت ذكرا فهو لآلهتهم ، واذا ولدت توءماً ذكرا وأنثى قالوا : وصلتْ أخاها فلا يُذبح الذكر . الحامي : كان من عادتهم إذا تَنُج من صلب الفحل عشرة أبطن حرّموا ظهره ، ولم يمنعوه من ماءٍ ولا مرعى وقالوا حَمى ظَهْرَه .
بعد ان نهى الله تعالى في الآية السابقة عن السؤال عما لا لزوم له من الأمور ، ناسَابَ ان يبيَن هنا ضلال أهل الجاهلية وخرافاتهم فيما حرموه على انفسهم ، فقال : { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } بالمعنى المشروح أعلاه . فهذه الامور كلها من بدع الجاهلية ، { ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب } ، أي يضعون من عندهم تقاليد وعادات ، ينسبونها الى الله كذبا وزوراً .
قال ابن الكَلْبي في كتاب « الأصنام » : « كان أو من غيّر دين اسماعيل عليه السلام ، فنصب الأوثان وسيّب السائبة ، ووصَل الوصيلة ، وبحرَ البحيرة ، وحمى الحامي ، عمرو بن لِحْي الخُزاعي . فقد مرض مرضاً شديدا فقيل له إن بالبلقاء من الشام حَمّةً إنْ أتيتهَا بَرِئتَ . فأتاها ، فاستحمّ بها فبرىء . ووجد أهلَها يعبُدون الأصنام ، فقال : ما هذه؟ فقالوا نستقي بها المطر ونستنصر بها على العدو . فسألهم ان يعطوه منها ، ففعلوا ، فقدم بها مكّة ونصَبَها حول الكعبة .
وقد روى ابن جرير عن ابي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخُزاعي : » يا اكثر ، رأيت عمرو بن لِحْي يجر قُصْبَهُ يعني أمعاءه في النار ، فما رأيتُ من رجلٍ أشبه برجُل منك به ، ولا به منك . فقال أكثم : أيضرني شَبَهُه يا نبي الله . قال : لا ، لأنك مؤمن وهو كافر ، وإنه أول من غيّر دينَ اسماعيل ، ونصب الأوثان وسيّب السوائب ، فيهم « أي في اهل الجاهلية .

(1/440)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)

حسبُنا : كفانا .
واذا قيل لهؤلاء الجاحدين : تعالوا الى ما انزل الله من القرآن ، وما بيّنه الرسول من الشريعة لنهتدي به قالوا : لا نبغي زيادة ، بل يكفينا ما وجدْنا عليه آباءَنا ، فهم لنا أئمة وقادَة . بذلك يصرّون على التقليد الأعمى حتى لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الشرائع ، ولا يهتدون سبيلا الى الصواب .

(1/441)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

عليكم أنفسكم : احفظوها ، والزموا اصلاحها .
بعد ان نَعَى الله تعالى على المشركين ما هم عليه من جهل وعناد في اتباع القديم المتوارَث رغم عماه ، دون إخضاعه لنقد ولا تمحيص أمر المؤمنين أن يهتموا بإصلاح أنفسِهم ، فاذا أصلحوها وقاموا بما أوجب الله عليم ، لن يضرّهم بعد ذلك ضلالُ غيرهم .
روى ابن جرير عن قيس بن ابي حازم قال : سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس : يا أيها الناس ، إنكم تقرأون { ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . } الآية ولا تدرون ما هي . وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الناس إذا رأوا منكَرا فلم يُغَيِّروه عَمَّهُم بِعقاب » .
ومعنى أن الأمة يجب أن تتخلَّى عن واجباتها في دعوة الناس الى الهدى ، ولا في كفاح الشر ، ومقاومة الضلال ، فإذا ضل أناسٌ من غير ديننا ، ولم يستجيبوا لهدايتنا ، فلا يضرُّونا ذلك . أما اذا قصّرنا في الدعوة ، فقد يعمُّنا العقاب .
اعلما أيها المؤمنون بما أمرتكم به ، وانتهوا عما نهيتكم عنه ، ومروا من حاد عن سبيلي ، بالمعروف ، وانهوهم عن المنكر ، فإن اليّ مرجعكم ، وأَنَا العالِم بما تعملون من خير وشر ، وفأُخبركم يوم الحساب بكل ذلك ثم أجازي كل فرد على ما قدّم .

(1/442)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)

الشهادة : قول صادر عن علم حصل بالمشاهدة . ضربتم في الارض : سافرتم . تحبسونهما : تمسكونهما وتمنعونهما من الهروب . ارتبتم : شككتم في صدقهما فيما يُقِرَّانِ به .
يرشدنا الله تعالى هنا الى اداء الشهادة بحقها ، بالوصية ، حتى لا يضيع حق من الحقوق على أصحابها ، فيقول :
يا أيها الذين آمنوا : حينما تظهر على احد منكم علامة الموت ، ويريد ان يوصي بشيء ، فالشهادة بينكم على الوصية : أن يشهد اثنان عادلان من اقاربكم ، أو آخران من غيركم اذا كنتم في سفر . وعليكم ان تجمعوا هذين الشاهدين بعد أداء الصلاة التي يجتمع عليها الناس ، فيحلفان بالله قائلين : لا نستبدل باليمين عِوضاً ولو كان فيه نفع لنا او لأحد من أقاربنا ، ولا نخفي الشهادة التي أمرنا الله بأدائها . . فاذا أخفينا الشهادة أو قلنا باطلاً حقَّ علينا عذابُ الله لأننا ظالمان .
فان ظهر فيما بعد ان الشاهدين قد كذبا في شهادتهما او اخفيا شيئا ، فإن اثنين من اقرب المستحقين لتركة الميت ، هما أحقُّ أن يقفا مكان الشاهدَين بعد الصلاة ، ليحلفا بالله أن الشاهَدين قد كذبا ، وأن ذينك الرجلين لم يتّهما الشاهدين زورا وبهتاناً ، ولو فعلا فإنهما يكونان من الظالمين المستحقين عقاب من يظلم غيره .
ان هذا التشريع اقرب ا طلرب الى ضمان أن يؤدي الشهود شهاداتهم صحيحة ، وذلك محافظة على حلفهم بالله ، وخوفا من فضيحتهم بظهور كذبهم ، حين يحلف الورثة لردِّ أيمانهم . راقبوا الله أيها المؤمنون في ايمانكم وأماناتكم ، واطيعوا احكامه راضين بها ، فان فيها مصالحكم ، ولا تخافلوها فتكونوا من الخارجين على الله ، والمطرودين من هدايته ، المستحقين لعاقبه .
روى القرطبي في تفسيره قال : كان تميم الداري وعديّ بن بَداء رجُلين نصرايّين يتّجران الى مكة في الجاهلية ، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم حوّلا تجارتهما الى المدينة . فخرج بُدليل مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة ، فخرجوا تجاراً الى الشام . حتى اذا كانوا ببعض الطريق استكى بُديل ، فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى اليهما . فلما مات فتحا متاعه ، فأخذا منه جاماً من فضة عليه خيوط من ذهب ، وقدِما على أهله فدفعا اليهم متاعه . ففتح اهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده . وفقدوا الجام فسألوهما عنه فقالوا : هذا الذي قبضنا منه ، فقالوا : هذا كتابه بيده . قالوا : ما كتمنا له شيئا . فترافعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية . فأمر رسول الله ان يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر . فحلفا ، ثم بعد ذلك ظهر الجام معهما ، فاقل اهل بُديل : هذا من متاعه ، قالا : نعم ، لكنّنا اشتريناه منه ونسينا ان نذكره حين حلفْنا فكرهْنا ان نكذّب نفوسنا . فترافعوةا الى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية { فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً } فأمر النبي رجلَين من أهل الميت ان يحلفنا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه .

(1/443)


قال تميم الداري : فلما أسملتُ ، تأثّمت من ذلك ، فأتيت اهل بُديل وأخبرتهم الخبر ، وأديتُ اليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم ان عند صاحبي مثلها . فأتوا به الى رسول الله ، فسألهم النبيّنةَ ، فلم يجدوا . فأمرَرَهم ان يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه . فحلَف ، فأنزل الله عز وجلّ { يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ . . . } الآيات فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر مهم فحلّفا ، فنُزعت خمسمائةُ درهمٍ من يد عدي بن بداء .
وكان تميم يقول : صدق الله ورسوله ، أنا اخذت الإناء . ثم قال : يا رسول الله ، ان الله يُظهرك على أهل الأرض كلِّها فهَبْ لي قريةَ عَيْنون من بيت لحم . وهي القرية التي وُلد فيها عيسى ، فكتب له بها كتاباً ، فلمّا قدِم عمرَ الشامَ ِأتاه تميم بكتاب رسول الله . فقال عمر : أنا حاضِرٌ ذلك ، فدفعها إليه .
قراءات :
قرأ حفص والكسائي « استحق » بفتح التاء الحاء ، الباقون « استحق » بضم التاء وكسر الحاء ، وقرأ حمزة وأبو بكر « الأوّلين » بفتح الواو المشدَّدة وفتح النون ، والباقون « الأوليان » بالتثنية .

(1/444)


يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)

وتذكَّروا يوم القيامة حين يجمع الله أمامه كلَّ الرسُل ويسألهم قائلا لهم : ماذا أجابتكم أُممكُم الّذين أرسلتُكم إليهم؟ والناسُ في ذلك اليوم من كل الأمم واقفون بين يدي الله يسمعون ، لتقوم عليهم الحجّة بشهادة رسلهم ، اذا يقولون لا نعمل ما كان بعدَنا من أمر الأمم الذين بلّغناهم رسالتك ، أنت وحدك علاّم الغيوب .

(1/445)


إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

روح القدس : هو جبريل ملَك الوحي . الكتاب : كل ما يُكتب . الحمة : العلم الصحيح الذي يبعث الإنسانَ على العمل النافع مع معرفة الأسرار ما يعمل . الاكمه : الذي وُلد أعمى . البرص : داء بشكل بياضٍ يظهر على الجلد . السِّحر : تمويه وتخييل يرى الانسان به الشيء على غير حقيقته . الحواريون : انصار سيدنا عيسى . الوحي : الإشارة الخفيّة السريعة ، والإلهام ، { وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى } ، { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } .
بعد أن وجّه السؤال الى جميع الرسل ، واعلنوا ان العلم الحقيقي لله وحده ، { قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب } يتلفت الخطاب الى عيسى ابن مريم ويذكّره بنعمة الله عليه وعلى والدته ، وبالمعجزات التي أيّده بها ، فيناديه من بين الرسل ، ويقول له : اذكر ما أنعمتُ به عليك وعلى أمك في الدنيا ، حينما ثبتُّك بالوحي ، وأنطقتُك في المهد بما يبرّىء أمَّك مما اتُّهمتْ به ، كما انطقتك وانت كبير بما قد أوحيتُ اليك . لقد علّمتُك الكتابة ، وآتَيْتُك الحكمة وعلّمتُك توراة موسى ، والإنجيلَ الذي انزلته عليك . كما أيّدتُك بمعجزات تخرج عن طوق البشر ، فصرتَ تتخذ من الطين صورةَ الطير ، فتنفخ فتصبح طائراً حياً بقدرة الله لا بقُدرتِك . كذلك تشفي من وُلِد أعمى ، وتبرىء الأبرصَ من برصه بإذن الله . كذلك تمّ لك إحياء الموتى بقدرته تعالى .
ففي انجيل يوحنا ان عازر مات في بيت عنيا ووُضع في مغارة ، فجاء المسيح وكان للميت أربعة أيام . فرفع المسيح عينيه الى فوق وقال : « أيها الأب ، أشكرك لانك سمعت لي ، وانا علمت انك في كل حين تسمع لي ، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا انك ارسلتَني » ولما قال هذا : صرخ بصوت عظيم لعازر هلّم خارجاً ، فخرج الميت الخ . . وفي هذا النص يصرح المسيح أنه رسول وليس إلهاً ، ويطلب من الله ان يعينه . واذكر أيضاً يا عيسى . . حينما منعتُ اليهود من قَتْلِك وصَلْبك عندما أتيتَهم بهذه المعجزات ليؤمنوا بالله ، فأعرضَ فريق منهم ، وادّعوا ان ما أظهرتَه من المعجزات ما هو الا من قبيل السحر والواضح .
قراءات
قرأ حمزة والكسائي « ساحر مبين » . وقرأ الباقون « سحر مبين » كما هو هنا في المصحف .

(1/446)


إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)

المائدة : خِوان الطعام ، او الطعام نفسه . العيد : الفرح والسرور ، او الموسم الديني الذي يجتمع الناس له في أيام معينة من السنة . آية منك : علامة .
لا يزال الكلام عن سيدنا عيسى وأُمه ، وهذا عرضٌ لشيء من نعمة الله على قومه ، ومن معجزاته التي أيّده الله بها وشهد بها الحواريون ، وعدد كبير من قومه .
اذا قال الحواريون : يا عيسى : هل يجيبك ربك لو سألته أن يُنزل علينا مائدة من السماء؟ فأجابهم : يا قوم ، خافوا الله من أمثال هذا السؤال ان كنتم تؤمنون به ، ولا تطلبوا حُججاً غير التي قدمتها لكم .
قالوا : نريد أن نأكل من هذه المائدة . عند ذلك تطمئن قلوبنا بما نؤمن به من قدرة الله ، ونعلم بالمشاهدة الحيّة انك قد صَدَقتنا فيما أخبرتنا عنه ، ونشهد لك بالمعجزة عند قومنا .
فاستجاب لهم عيسى وقال : يا ربّنا ومالِكَ أمرِنا ، أَنزلْ علينا مائدة من السماء يكون يوم نزولها عيداً للمؤمنين منا ، ولتكون معجزة نؤيّد بها دعوتك ، وارزُقنا رزقاً طيبا ، وانت خير الرازقين .
قال الله تعالى : سأُنزل المائدة علكيم من السماء ، فأيّ امرىء منكم يكفر بعد ذلك فسوف أعاقبه عقاباً لا أعاقِب بمثله احدا من الناس . . فلقد كفر بعد ما شاهد دليل الإيمان الذي اقترحه .
وبين لنا هذا الحوار بين المسيح والحواريّين ، ذلك الفرق الكبير بين الحواريّين وأصحابِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . فلقد شاهد الحواريون كذلك من المعجزات التي اظهرها الله على يد رسولهم ، ومع ذلك فهاهم يطلبون معجزة جديدة لتطمئن نفوسهم . اما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فإنهم لم يطلبوا أية معجزة بعد اسلامهم . . لقد اطمأنت قلوبهم مذ خالطتها بشاشة الايمان ، وصدّقوا رسولهم ، ومضوا في سبيل الله يعملون في نشر الاسلام ، ولم يطلبوا على ذلك دليلا .
ولقد تكلم المفسرون كثيراً في موضوع المائدة ، هل نزلت فعلاً ام ورد ذلك لضرب المثل ، كما تكلم بعضهم في ألوان طعامها ، وأطلقوا لخيالهم العنان في كل ذلك . ونحن لا نرى فائدة في ذكر كل ذلك ، بل نضرب عنه صفحا ، ولكنّنا نشير الى أنه قد ورد عن الحسن البصري ، ومجاهد المفسّر الكبير وقَتادة أحد كبار المحدّثين انها لم تنزل . وقالوا في تأويل قوله تعالى { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ . . . } الى آخر الآية . إن الحواريّين لمّا سمعوا هذا الوعيد قالوا : إننا نستغفر الله ولا نريدها .
هذا وقد استدل بعض الكاتبين على عدم نزولها بأن قال : إن النصارى لا يعرفونها وليس لها ذكر في كتبهم . ونحن نقول : إن كتب النصارى التي بين أيديهم كتب ناقصة ، فليست هي كل ما جاء به عيسى . اما الاناجيل الاربعة المتداولة فلا تعدو كونها تراجم سيرةٍ لحياة المسيح كتبها أُناس مجهولين بعد المسيح بمدة طويلة .

(1/447)


وقد كتبت هذه الاناجيل من الذاكرة ، وهي ليست الا قصصاً منقّحاً للأناجيل التي بلغ عددها فوق الخمسين انجيلا . وقد قرر مجمع نيقية المنعقد في سنة 325 ميلادية برئاسة الامبراطور قسطنطين البيزنطي اعتماد هذه الاناجيل الاربعة ، وإعدام ما عداها . فالأمر انتقائي وافق هوى نفس الحاكم . ويعلّمنا التاريخ في مثل هذه الحال ان الحاكم لا ينتقي الا ما يتفق ومصلحته في السيطرة والحكم ، دون النظر الى الصدق او غيره .
وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة ، ولا يلزم ان يكون كل ما قصّه الله تعالى في القرآن قد قصّه في غيره من الكتب المتقدمة ، فليس الأمر تجميل طبعات الكتاب الواحد ، كما لا يلزم ان يكون أصحاب الاناجيل المارون عدم ذكرهم لقصة المائدة دليلا على عدم ورودها .
يقول الاستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيما يختص بنسبة القصص القرآني عامة الى كتب العهد القديم : « وإذا ورد في كتب اهل المِلل او المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص ، فعلينا ان نجزم بأن ما أوحاه الله الى نبيه ونُقل إلينا بالتواتر هو الحق ، وخَبَره الصادق ، وما خالفه هو الباطل ، وناقله مخطىء او كاذب ، فلا نعدّه شُبهة على القرآن ، ولا نكلف انفسنا الجواب عنه . فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام ، حالكه الظلام ، فلا رواية يوثق بها في معرفة رجال سندِها . وقد انتقل العالَم بعد نزول القرآن من حال الى حال ، فكان بداية تاريخ جديد للبشر ، كان يجب عليهم لو أنصفوا أن يؤرخوا به أجمعين » .
هذا ونحن نؤمن بما قصه القرآن الكريم من ان الحوارين قد سألوا عيسى ان يُنزل عليهم الله المائدة ، فسأل عيسى ربه ذلك ، واجاب الله سؤاله على كيفيةٍ اقنعتهم .
لا يفوتنا هنا ان نشير الى انه قد ورد في الاناجيل خبر يشبه خبر المائدة . ففي إنجيل متّى ، نهاية الاصحاح الخامس عشر : « واما يسوع فدعا تلاميذه ، وقال إني أُشفق على الجميع ، لأن لهم الآن ثلاثة أيام يمشون معي ، وليس لهم ما يأكلون ، ولست اريد ان اصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق ، فقال له تلاميذه : من أين لنا في البرية خُبز بهذا المقدار حتى يُشبع جمعاً هذا عدده؟ فقال لهم يسوع : كم عندكم من الخبرز؟ فقالوا : سبعة وقليل من صغار السمك . فأمرالجموع أن يتكئوا على الأرض ، وأخذ السبع خبزات والسمك وشكَر وكسَر . وأعطى تلاميذه . والتلاميذ أعطوا الجمع . فأكل الجمع وشبعوا . ثم رفعوا ما فضُل من الكِسر سبع سلال مملوءة ، والآكلون كانوا آربعة آلاف ما عدا النساء والأولاد » . فإذا سلّمنا جَدَلاً ، بصحة هذا الخبر وأمثاله مما ورد في الاناجيل التي كتبت بعد المسيح بأجيال ، فان خبر المائدة أحق بالتسليم وأصوب . ولماذا لا يكون هذا الخبر نفسه هو حديث المائدة ، لكنّه جاء محرَّفاً لأنه كُتب من الذاكرة بعد سنين عديدة!!
قراءات
قرأ الكسائي « هل تستطيع ربك » وقرأ نافع وعاصم وابن عامر « إني منزلها » بالتشديد . والباقون « منزلها » .

(1/448)


وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)

كان الكلام قبل هذه الآيات في تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى ، وفي إلهامه للحواريين بالإيمان به وبرسوله ، وفي طلب الحواريين من عيسى انزال المائدة من السماء ، وبقية القصة ، اما فيه هذه الآيات فنحن أمام أحد مشاهد يوم القيامة ، ذلك اليوم العظيم الذي يُكشَف فيه كل شيء ، على مرأى من الناس جميعا . يومذاك يأتي جواب سيدنا عيسى الصريح بأنه بريء من كل افتروا عليه ، وانه يفوّض الأمر لله العلي القدير .
أّذكر ايا النبي ما سيحدث يوم القيامة ، حين يقول الله مخاطبا عيسى ابن مريم على رؤوس الأشهاد : أأنتَ يا عيسى قلتَ للناس اجعلوني أنا وأمذ ] إلَهين ، من دون الله؟ فيقول عيسى : سبحانك . إنني أنزّهك تنزيهاً تاماً عن أن يكون لك شريك ، ولا يصح لي ان طلب طلبا ليس لي أدنى حق فيه . ولو كنتُ يا ربّي قلتُ ذلك لعلمتَه سبحانك ، فأنت تعلم خفايا نفسي ، ولا أعلم ميط بكل شيء ، أما أنا فلا أعلم شيئاً .
وبعد تنزيه ربه ، وبرئة نفسه مما نُسب إليه ، بيّن المسؤول حقيقةَ ما قاله لقومه وأن ذلك لم يتعدّ تبليغ الرسالة التي كُلِّف بها ، وأنه أعلن عبوديته وعبوديتهم لله ، ودعاهم الى عبادته .
{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ }
ما قلتُ لهم إلا ما أمرتَني بتبليغه لهم . قلتُ لهم : اعبدوا الله وحده مالك َ أمري وأمركم ، وانك ربي وربهم ، وانني عبد من عبادك مثلهم .
{ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ }
كنت قائما عليهم أراقبُهم وأشهد على ما يقولون ويفعلون مدة وجودي بينهم .
{ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
فلمّا انتهى أجل إقامتي الذي قدّرتَه لي بينهم ، وقبضتني إليك ، ظللتَ انت وحدك المطلع عليهم ، لأني إما شهِدت من أعمالهم ما علوه وأنا بين أظهُرهم ، فكل شيء غيّروه بعدي لا عِلم لي به ، وأنت تشهَد
على ذلك كله .
وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله تعالى توفّى عيسى ابنَ مريم ثم رفعه إليه ، فيما تفيد بعض الآثار أنّه حيّ عند الله . وليس هناك أي تعارض ، فإن الله تعالى قد توفّاه من حياة الأرض ، لكنّه حيٌّ عنده ، مثل بقيّة الشهداء . . فهم يموتون في الأرض وهم عند الله أحياء . اما صورة حياتهم عند ربهم فشيء لا نعرف كيفَه .
وقد جاء في إنجيل يوحنا نص صريح بأن المسيح رسول : « وهذه هِية الحياةُ الأدبية ، ان يعرفوك انت الإلَه الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيح الذي أرسلته » . فالتبديل في العقيدة والتغيير ، انما حدث بعد غياب المسيح .
وقد تكلم المفسّرون والعلماء في موضوع الرفع الذي نطرقه واطالوا في ذلك ، وقد بحث أستاذنا المرحوم الشيخ محمود شلتوت هذا الموضوع مستفيضا في فتاواه ، وخلاصه ما قال : « والمعنى ان الله توفىعيسى ورفعه اليه وطهره من الذين كفروا .

(1/449)


وقد فسّر الألوسي قوله تعالى { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ } بمعنى : إني مُسْتوفٍ أجَلَك ومميتُك حتفَ أنفك لا اسلِّط عليك من يقتُلُك ، وهو كنايةٌ عن عصتمه من الأعداء وما كانوا بصدَدِه من الفتك به عليه السلام .
وظاهرٌ ان الرفع الذي يكون بعد استيفاء الأجَل هو رفْع المكانةٍ لا رفع الجسد ، خصوصاً وقد جاء بجانبه قولُه : { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } مما يدل على أن الأمر أمرُ تشريفٍ وتكريم .
وقد جاء الرفع في القرآن كثير بهذا المعنى ، { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ } ، { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } ، { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } ، { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } ، { يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ } . الى ان يقول وبعد ، فما عيسى إلا رسولٌ قد خلَتْ من قبلِه الرسل ، ناصَبَه قومُه العداء ، وظهرت على وجوههم بوادرُ الشر النسبة إليه ، فالتجأ إلى الله ، فأنقذه الله بعزته وحمته وخيّب ممكر أعدائه . هذا هو ما تضمنته الآيات { فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله } إلى آخرها ، بين الله فيه قوة مَكره بالنسبة الى مكرهم ، وأن مكرهم في اغتيال عيسى قد ضاع اذ قال : { ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } ، فهو يبشِّرُه بإنجائه من مكرِهم وردِّ كيدهم في نحورهم ، وانه سَيَتْوفي أجَله حتى يموت من غير قتل ولا صلب ، ثم يرفعه الله إليه . الخ « .
ثم ينتهي عيسى ابن مريم إلى التفويض المطلق في أمرهم إلى الله تعالى وحده :
{ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } .
ان تعذِّبهم بما فعلوا من تبديل وتغيير فإنهم عِبادُك ، وتتصرف فيهم كما تريد ، وإن تعفُ عنهم فإنك وحدك مالكُ أمرِهم ، والقاهر الذي لا يُغلَب . ومهما تدفعه من عذاب فلا دافع له من دونك ، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحَوْلِك وقوّتك ، لأنك أنت العزيز الذي لا يُغلب ، والحكيم الذي يضع كل شيء موضعه .
ثم يعقّب على كل هذا المشهد بقوله تعالى :
{ قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ }
أي أن هذا اليوم هو يومُ القيامة ، اليوم الّذي ينفع فيه الصادقين صدقُهم في إيمانهم ، وفي سائر أقوالهم وأحوالهم .
فهؤلاء الصادقون أعَدّ الله لهم جناتٍ يعجز عنها الوصف تجري من تحت أشجارها الأنهار ، ثواباً من عند الله . وهم مقيمون فيها لا يخرجون منها ابدا .
قراءات :
قرأ نافع » هذا يوم « النصب ، والباقون » هذا يوم « بالرفع .
وبعد أن بيّن ما أعدّ لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ختم هذه السورة المباركة بختام عظيم بيّن فيه تعالى أنه وحده له ملكُ السماوات والأرض وما فيهن ، فهو وحده المستحق للعبادة .

(1/450)


{ للَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا فِيهِنَّ . . . . }
أي ان الملك كله والقدرة كلها لله وحده فلا يجوز لانسان ان يتوجه الا اليه .
وقد روى الامام أحمد والنّسائي والحاكم والبيهقي عن جُبير بن نفير الحضرمي الشامي ، ( أحد المخضرمين ، أسلم في زمن أبي بكر ) قال : حججتْ فدخلت على عائشة ، فقالت : يا جبير ، تقرأ المائدة؟ قلت : نعم . فقالت : أما إنها اخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه ، وما وجدتم من حرام فحرموه .
والحقيقة ان سورة المائدة من اعظم السور في القرآن الكريم لما اشتملت عليه من احكام وارشادات وبيان للحقائق بعد ان استتب الأمر للمسلمين . وفيها ما يريد الى الوقت الذي نزلت فيه ، والحالة الّتي صار إليها المسلمون في ذلك الوقت . فقد جاء فيها بعد ان فصّل الله المحرّمات قوله تعالى : { اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً } تُقَرِّر أن المشركين الذين كانوا يعملون دائما على قهر المسلمين واذلالهم وتشتيتهم وتفريق كلمتهم وفتنتهم عن دينهم صاروا من كل ذلك في عجز وضعف ، واستولى عليهم اليأس في الوصول الى أغراضهم .
وعليه فجيب على المسلمين وقد عَصَمهم الله من اعدائهم ، وبدّل بضفهم قوة ، وبخوفهم أمنا ، ان يشكروا الله رب هذه النعمة ، وان لا يكترثوا في اقامة دينه وتنفيذ احكامه بأحد سواه . فلقد يئس المشركون بإكمال الدين . وإكمالُ الدين يتناول إكمالَه بالبيان والتشريع ، وبالقوة والتركيز .
وقد روي أن رجلاً من اليهود جاء الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ان في كتابكم آية تقرؤونها لو أنها أُنزلت علينا معشر اليهود لاتخذْنا اليوم الذي أُنزلت فيه عيدا . قال عمر : وأية آية؟ قال { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً } . فقال عمر : إنّي والله لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه والساعة التي نزلت فيها . نزلت على رسول الله عشيّيةعَرَفة في يوم جمعة ، والحمدُ لله الذي جعله لنا عيدا .
وفي هذه السورة المباركة ظواهر تنفرد بها لا نكاد نجد شيئا منها في غيرها من السور المدنية حتى في أطول سوَر القرآن وهي سورة البقرة . ولذلك نرى ان كل ما يدور الحديث عنه في سورة المائدة يتعلق بأمرين بارزين : تشريع للمسلمين في خاصة أنفسهم وفي معاملة من يخالطون ، وارشاداتٍ لطُرق المحاجّة في المزاعم التي كان يثيرها أهل الكتاب .
وفي سياق هذه المحاجَة تعرض السورة لكثير من مواقف الماضين من اسلاف أهل الكتاب مع انبيائهم ، تسليةَ للنبي من جهة ، وتنديداً بهم عن طريق أسلافهم من جهة اخرى .
وقد اشتملت على عدة نداءات الَهية للمؤمنين ، يُعتبر كل واحد منها قانوناً لشأن من الشئون ، فنادى الله تعالى عباده المؤمنين بما شرع لهم من احكام ، وأرشد اليه من اخلاق في مواضع لم نر عددها في أطول سورة وهي البقرة ، نذكرها بالترتيب :
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود . . .

(1/451)


. } .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله . . . . } .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ . . . . } .
{ يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط . . . . } .
{ يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ . . . . } .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَآءَ . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تعتدوا . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . . . . }
{ ياأيها الذين آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم . . . . }
{ يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية . . . . }
هذه ستة عشرة نداءً وُجّهت الى المؤمنين خاصة ، يعتبر كل نداء منها قانوناً ينظم ناحية من نواحي الحياة عند المسلمين بأنفسهم ، وفيما يختص بعلاقتهم بأهل الكتاب .
وفيها كذلك نداءات من الله لرسوله ، وليس هناك نداء له عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف في غير هذه السورة : وهما قوله تعالى :
{ ياأيها الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } ،
وقوله تعالى : { ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } .
وقد وجهت نداءين الى أهل الكتاب : وهما قوله تعالى :
{ يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } ، وقوله تعالى :
{ يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } .
وأمرت الرسول الكريم ثلاث مرات ان يوجه اليهم النداء في موضوعات ثلاثة في شأن ما يثيرون به الخلاف بينه وبينهم .
{ قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ } .
{ قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ } .
{ قُلْ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحق وَلاَ تتبعوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل } .
هذه جملة النداءات التي وجهت الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، والى المسلمين ، والى اهل الكتاب ، أو أُمر النبي بتوجيهها اليهم في هذه السورة ، وقد مرت كلها في اثناء الكلام عليها باخصار ، ومن اراد زيادة تفصيل فليرجع الى ما كتبه في التفسير استاذنا المرحوم الشيخ شلتوت .
نسأل الله تعالى ان يجعلنا ممن توجهت قلوبهم اليه ، ولم يعتمدوا في قبولهم ونجاتهم الا عليه ، وان يجعل ثمرة ايماننا زكاة نفوسنا ، وثبات قلوبنا ، وصلاح اعمالنا ، وفكاك اسارنا .
{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } . والحمد الله رب العالمين .

(1/452)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

الحمد : الثناء الحق والذكر الجميل . الظلمة : الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه ، والنور قسمان : حِسّي وهو ما يدرك بالبصر ، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة .
الجَعل : الانشاء والابداع كالخلق ، الا ان الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية ، وبالتشريعي كما في قوله تعالى : « وما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة » الآية .
ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً ، والظلمة إلا جمعاً . وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره ، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه ، ومصادر ذلك كثيرة . وكذلك حال النور المعنوي ، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة . فالحق واحد لا يتعدد ، والباطل الذي يقابله كثير . والهدى واحد ، والضلال المقابل له كثير . وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود ، فقد وُحدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك ، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة . والى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو : « ان الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم رشّ عليهم من نوره ، فمن أصابه نورُه اهتدى ، ومن أخطأهُ ضل » رواه احمد والترمذي . ويؤيده قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } .
ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود ، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر ، وغير الكسبيِّ منه الوحي ، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
يعدلون : يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة ، أيك يتخذون له أندادا . الأجَل : المدة المقدَّرة . تمترون : تشكّون في البعث .
{ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض } .
الثناء والذِكر الجميل لله ، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه ، وأوجد الظلمات والنور لمنعفة العباد . ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة!!
بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى ، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي اشرنا اليها : الالوهية ، الوحي والرسالة ، وقضية البعث بعد الموت فقررت في اولاها ما يوجب النظَر في التوحيد ، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره ، واهابات بالعقول أن تلتفت الى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة ، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء ، لأن الله هو وحده المصدر ، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس الى غيره ، فما أضلَّ اولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق .

(1/453)


ففي الآية الكريمة إشارة الى عظمة الخلق ووحدته ، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله : فالسماوات بنجومها وكواكبها ، والأرض وما عليها من حيوان ونبات ، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة ، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء- كلها تدل على وحدانية الخالق . وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة ، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف . . . . كل هذا يدل على ابداع الخالق .
{ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ } .
هو الذي بدأ خلْقكم من طين هذه الأرض ، ثم قدّر لحياة كل واحد منكم زمناص ينتهي بموته ، واجلاً مسمّى عنده . وهذا يعني ان الله تعالى قضى لعباده أجلَين : أجَلاً لحياة الفرد قبل مماته ، وأجلاً آخر محدداً عنده تعالى لبعث جميع الناس بعد النقضاء عمر الدنيا . ثم أنتم ايها لاكافرون بعد هذا تجادلون في قدرة الله على البعث! ما دام الله هوا لذي خلق الإنسان من طين ، وسخّر له ما في الأرض والسماوات ينتفع بما فيها ، فكيف يشك اي إنسان في ان له حياة اخرى!!
{ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض } .
هو وحده المستحقُّ للعبادة في السماوات وفي الأرض ، يعلم ما أخفيتموه وما أظهرتموه ، ويعلم ما تكسبُون من الخير والشر فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به .
تقرر هذه الآية الكريمة خاصة الألوهية من العلم الشامل وعموم القدرة ، وهما الاساسان في فهم الحق بالنسبة الى الألوهية ، وبالنسبة الى البعث والجزاء ، وبالنسبة الى الوحي والرسالة .

(1/454)


وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)

الآية : العلامة والعبرة والحجة ، ومن القرآن جملة او جُمل . الاعراض : التولي عن الشيء . الحق : دين الله الذي جاء به خاتم رسله . الإنباء : الإخبار الذي جاء به القرآن الكريم من وعد ووعيد القرن : القوم المقترنون في زمن واحد ، جمعُه قرون . مكّناهم في الارض : جعلناهم يتصرفون فيها . ارسلنا عليهم السماء مدرارا : امطرنا عليهم مطرا غزيرا .
بعدأن أرشد سبحانه وتعالى في الآيات السالفة الى دلائل وحدانيته ، وذكَر انها على شدة وضوحها لم تنمع المشركين من أن يتجاهلون ذلك كله- جاءت هذه الآية تقرر أن الله آياتٍ يبعث بها أنبياءه إلى خلقه ، وهي آيات الشرائع والاحكام ، وآيات الخلق والاتقان . لكن الناس مع وضوح هذه الآيات تأخذهم فتنة الحياة ، فيُعرضون ويكذّبون . ثم توعّدهم ربهم على إعراضهم ذاك وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق ، ووجَّه أنظارهم الى ما حل بالأمم التي قبلهم لعلّم يرعوون .
{ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } .
ولا تنزلُ عليهم آية من تلك الآيات الناطقة بتفصيل بدائع صنع الله إلا أعرضوا عنها استهزاءً وتكذيبا .
ولما بيّن تعالى أن شأنهم الإعراضُ عن الآيات قال : { فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَآءَهُمْ } اي أنه بسببٍ من ذلك الإعراض عن النظر في الآيات كذّبوا بالحق الذي جاءهم به النبيّ عليه السلام ، ولم يتأملوا ما فيه .
ثم هدّدهم وتوعدهم على تكذيب فقال : { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أي ان عاقبة لاتكذيب أن تحل بهم العقوبات العاجلة ، من نصر رسوله وأصحابه ، وإظهار دينه على الدين كله . وقد حقق ذلك ، وتم فتح مكة والنصر لدين الله .
وبعد ان توعدهم سبحانه بنزول العذاب بهم بيّن أنّ مما جرت به سُنّته في المكذبين قبلهم ليتّعظوا فقال :
{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ؟ }
ألم يَعْلموا أنّنا أهلَكْنا أُمماً كثيرةً قبلَهُم ، أعطَيْناهم مِن أسبابِ القُوّة والبقاءِ في الأرضِ ووسّعنا عليهم في الرزق والنعيم ما لم نُعْطِكم مثلَه ايها الكافرون .
ولما لم يشكروا هذه النِعم ، أهلكناهم بسبب شركهم وكثرة ذنوبهم { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } اي أوجدنا أناساً غيرهم خيراً منهم .
وفي هذه الآية ردّ على كفار مكة وهدمٌ لغرورهم بقوتهم وثروتهم ، قبالة ضعف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفقرهم في ذلك الوقت . كما حكى الله عنهم في قوله : { وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } [ سبأ : 35 ] .

(1/455)


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

الكتاب : الصحيفة المكتوبة ، ومجموعة الصحف في موضوع واحد . القرطاس : الورق الذي يكتب فيه . اللمس : مسُّ الشيء باليد ، وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء ، يقال : لمسه والتمسه وتلمّسه . السحر : خداع وتمويه يُري ما لا حقيقة له في صورة الحقائق لقُضي الأمر : لتم هلاكهم . لا ينظَرون : لا يمهلون . اللبس : الستر والتغطية .
بعد أن أرشد سبحانه في الآيات المتقدمة إلى ما دعا اليه الرسولُ الكريم من التوحيد والبعث ، ثم ذكر أن قريشا نزعت إلى التكذيب ، وانذرهم عاقبة ذلك طالباً اليهم أن يتعظوا من أمم غابرة- أورد هنا شُبهاتِ أولك الجاحدين المعاندين على الوحي وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم منها لجوؤهم الى رمي الحديث بالسحر . وتفسير الآية :
ولو انْزلنا عليك ايها النبي هذا القرآن مكتوبا في ورق ظاهر ، كدليل على رسالتك ، قرأوا بأعينهم وتأكدوا منه بلمسه بأيديهم لقالوا : ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر واضح ظاهر .
وكان كفار قريش وزعماؤهم يتعنّتون كثيراً ويطلبون من الرسول الكريم اشياء للتعجيز ، وكان النبي يعجَب من كفر قومه به وبما انزل عليه ، رغم وضوح برهانه - فبيّن الله تعالى أسباب ذلك ، وان هذا قديم في طباع البشر وأخلاقهم .
وكان من تعنت قريش أنهم اقترحوا ان يُنزل على الرسول ملَك من السماء يسمعون كلامه ويرونه ، ويكون معه رسالته من ربه . وقد رد الله تعالى الاقتراحين بقوله تعالى :
{ وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }
قالوا : نطلب ان ينزل الله عليه ملَكاً يصدِّقه ، ولو أنزلْنا كما اقتروحا لقُضي الأمر بإهلاكهم ثم لا يؤخَّرون ساعة . ولو جُعل الرسول ملَكاً لجُعل متمثّلاً في صورة بشرٍ ، وذلك ليستطيعوا رؤيتَه ، وسماعَ كلامه فالملائكة ارواح لطيفة لا تُرى ، ولا يمكن ان يظهروا للعيان الا في صورة جسم بشري . ولو جاءهم ملك في صورة بشر لاعتقدوا انه بشر مثلهم ، وحينئذٍ يقعون في اللَّبس والخطأ الذي يتخبطون فيه الآن .
وقد ذكر الإمام البخاري في تفسير « قضاء الأمر » عدةَ وجوه :
1- ان سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا بها بعد أن جاءتهم - عذّبهم الله عذاب الاستئصال . والله لا يريد ان يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } .
2- انهم لو شاهدوا الملَك بصورته الأصلية لماتوا من هول ما يشاهدون .
3- انهم اقترحوا ما لا يتوقّف عليه الإيمان ، فلو أُعطوه ولم يجدِ ذلك معهم نفعا - دلّ ذلك على منتهى العناد الذي يستدعي الاهلاك وعدم الإمهال . . .

(1/456)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

الاستهزاء والهزؤ : السخرية والاحتقار . حاق به المركوه : احط به .
بعد ان ذكر سبحانه مقترحات كفار قريش السخيفة وتعنتهم ، وخفّف عن الرسول ما يلاقيه منهم من سوء الأدب- بيّن له انه ليس اول رسول يلاقي ما يلاقيه . . فان كثيرا من الرسل قبله لاَقوا من أقوامهم مثل ما لاقى بل أشدّ ثم أمر هؤلاء المكذبين أن يسيروا في الأرض ليروا كيف كانت عاقبةُ الذين كذّبوا أنبياءه من قبلهم .
والتفسير : لقد استهزأ الكفار برسل كرام قبلك ، فأحاط بالساخرين العذاب الذي أنذرهم به رسلهمن جزاء على سوء صنيعهم . وفي الآية تسلية للرسلو الكريم عن إيذاء قومه له ، وتعليم له بسنُنِ الله في الأمم مع رسلهم ، وبشارة له بحسن العاقبة ، وما سيحل بالمستهزئين من الخزي والنّكال . كذكل فيها تحدّ لهم : قُل يا محمد للمستهزئين بل من قومك : سيروا في الأرض ، وتأملوا كيف كان الهلاك نهاية المكذبين لرسلهم ، وكيف كانت عاقبتهم بما تشاهدون من آثارهم ، ثم اعتبروا انتم بهذه النهاية ، وذلك المصير .

(1/457)


قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

كتب على نفسه الرحمة : أوجب على نفسه ايجاب فضل وكرم . سكن : من السكون ، ضد الحركة ، الولي : الناصر ومتولي الأمر . فاطر السموات والارض : بمدعها على غير مثال . وهو يُطعم ولا يطعم : هو الرزاق ليغره ولا يرزقه احد . يصرف عنه : يبعد عنه .
في الآيات السابقة ذكرَ اللهُ تعالى أصول الدين الثلاثة : التوحيد ، والبعث والجزاء ، ورسالة محمد ، ثم ذك شبهات الكافرين الجاحدين وبيّن ما يدحضها ، ثم أرشد الى سننه تعالى في اقوام الرسل المكذّبين وعاقبتهم . وهنا يرد ذِكر هذه الاصول الثلاثة باسلوب آخر : اسلوب السؤال والجواب . ويسيرُ هذا الاسلوب في طريقين بارزين لاتكاد نجدهما بهذه الكثرة في غير هذه السورة . فهي تورد الأدلةَ المتعلقة بتوحيد الله ، وتفرُّدِه بالمُلك والقدرة في صورة الشأن المسلَّم بالتقرير الذي لا يقبل الإنكار او الجدل { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } هذا الاسلوب .
أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب التلقين : تلقين الحجة والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تحيط به من جميع جوانبه فلا يستطيع التفلّت منها ، ولا يجد بُدّاً من الاستسلام لها . ففي حجج التوحيد والقدرة :
{ قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض قُل للَّهِ كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة }
{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السماوات والأرض . . . الآية } .
{ قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ }
وفي حجج الوحي وبيان مهمة الرسول ، وأن الرسالة لا تنافي البشرية ، وفي إيمان الرسول بدعوته ، واعتماده على الله ، وعدم اكتراثه بهم ، او انتظار الأجر منهم :
{ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً؟ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولاا أَعْلَمُ الغيب ولاا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } إلى آيات كثيرة .
وفي وعيدهم على التكذيب :
{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين } .
{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } .
{ قُلْ يَاقَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار } .
{ قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } .
وفي الرد عليهم في التحليل والتحريم من دون الله وتفنيدِ شبهتهم في الشرك وآثاره ، وفي بيان ما حرم خاصة في الطعام ، وعامةفي نظام الله :
{ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين } .
{ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً الآية . . .

(1/458)


} .
{ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ؟ } .
{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } .
هذان الاسلوبان قد تناوبا معظم ما تصمنته هذه السورة العظيمة ، والقرآن كله عظيم . .
ويدل الاسلوبان على انهما صدرا في موقف واحد ، وفي مقصد واحد ، ولخصم واحد بَلَغ من الشدة والعتو مبلغاً استدعى من الله تزويد الرسول بعدةٍ وقية تتضافر في جملة شديدة يقذف بها في معسكر الاعداء ، فتزلزل عمده ، وتهد من بنيانه ، فيخضع بالتسليم للحق .
{ قُل لِّمَن مَّا فِي السماوات والأرض؟ } .
قل ايها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك ، المعرضين عن عدوتك : من هو مالك السماوات والأرض ومن فيهن؟ فان احجموا ولم يجيبوا ، فقل الجواب الذي لا جواب غيره : إن مالكها هو الله وحده لا شريك له . لقد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه ، فلا يعجل في عقوبتهم وانما يقبل توبتهم . ومن مقتضى هذه الرحمة ان يجمعكم الى يوم القيامة .
{ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .
والذين ضّيعوا أنفسَهم ، وعرَّضوها للعذاب في هذا اليوم هم الذين لا يؤمنوا بالله ، ولم يصدقوا رسوله ، ولا بيوم الحساب .
{ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليل والنهار وَهُوَ السميع العليم } .
فلله ما في السماوات والأرض ، وله كل ما فيهنّ من ساكن ومتحرك في كل مكان وزمان ، وهو السميع المحيط علمه بكل شيء .
{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً؟ الآية . . . } .
قل أيها النبي ، أنا لا اتخذ غير الله إلهاً وناصرا ، وهو وحده منشئ السماوات والأرض على نظام لم يُسبق اليه . روى عن ابن عباس انه قال : ما عرفت معى فاظر السماوات والارش ، حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر ، فقال احدهما : أنا فطرتها ، اي ابتدعتها .
وهو الرزاق لعباده طعامَهم ، ولي هو بحاجة الى من يرزقه ويطعمه . قل لهم يا محمد : بعد ان استبانت لكم الأدلة وجوب عبادة الله وحده ، فأنا أُبلّغكم أنني قد أمرني ربي ان اكون أول من أسلم اليه ، ونهاني عن ان اشرك معه غيره في العبادة . ذلك أني أخاف إن خالفتُ أمر ربي وعصيته ، عذابَ يوم يتجلى فيه الرب على عباده ويحاسبهم على اعمالهم ويجازيهم بما يستحقون . إنه يوم شديد عند ذلك ، فمن صرُف عنه العذاب ونجا من العقوبة ، فقد رحمه الله ، فدخل الجنة ، وفاز عظيما .

(1/459)


وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

المس : أعمًّ من اللمس ، يقال مسه السوء او الكِبَر او العذاب او التعب ، أصابه .
الضر : الألم والحزن والخوف ، القاهر : الغالب . الشهيد : الشاهد عن علم ويقين . الانذار : التخويف .
قعد أن بين سبحانه وتعالى ان صَرْفَ العذاب والفوزَ بالنعيم هو من رحمته تعالى في الآخرة- بين هنا ان الامر كذلك في الدنيا ، وان التصرف فيها له وحده .
{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } .
إن يُصبْك الله بأي نوع نم الألم والسوء والحزن وغيره فلا صارف يصرفه عنك الا الله وان يمنحك خيرا كصحة وغنى وقوة وجاه فلا رادّ لفضله ، وهو القادر على حفظه عليك ، لأن التقدير على كل شيء .
وبعد ان اثبت الله تعالى لنفسه كمال القدرة ، اثبت لها كمال السلطان والقوة ، مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الامور ، فقال :
{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الحكيم الخبير } .
وهوا لغالب بقدرته ، المتسعلي على عباده ، المتّصف بالحكمة في كل ما يفعل ، هو المحيط علمه بما ظهر واستتر ، والخبير بمصالح الاشياء ، ومضارها ، لا تَخفى عليه خوافي الامور .
{ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
قل ايها النبي لِمَن يطلبون شهادة على رسالتك : أي شيء أعظمُ شهادةً وأحق التصديق؟ قل : ان الله اعظم شاهد بيني وبينكم على صدق ما جئتكم به ، وقد أنزل عليّ هذا القرآن ليكون حجة لصدقي ، لأحذركم به أنتم وكل من بلغه خبرُه .
واسألْهم : أانتم الذين تقولون ، معتقدين ، إن مع الله آلهة غيره؟ ثم لهم : لا أشهد بذلك ، ولا أُقركم عليه ، وانما المعبودُ بحق إلهٌ واحد هو الله ربي وربكمن ، وأنا بريء مما تشركون به من الأصنام والأوثان .

(1/460)


الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

افترى : كذب . تزعمون : تظنون ، واكثر ما يستعمل الزعم فيما هو باطل . ضل : غاب ، وخفِي .
بين الله تعالى في الآية السابقة ان شهادة الله على صحة نبوة رسوله كافية في تحقُّقها ، وذكَر كذب أهل الكتاب في ادعائهم أنهم لا يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم ، فأورد أنهم يعرفون نبوّته كما يعرفون ابناءهم . وقد رُوي أن كفار قريش أرسلوا ليهودَ وسألوهم عن صفة النبي هل جاء في كتبهم عنا شيء ، فأنكروا أن في التوراة والانجيل شيئا من ذلك وقد كذبوا في ذاك ، إن صفته في كتبهم واضِحة ظاهرة .
{ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } .
فهؤلاء قد ضيعوا أنفسهم لأنهم كذبوا ، لوم يقرّوا بما عرفون ، بل أصرّوا على إنكارهم الحقائق . وليس هناك من هو أشد ظلماً ممن افترى على الله كذِبا ، كمن زعم ان له ولداً أو شريكا ، ولا ممن كذّب بآياته المنزلة عل أنبيائه السابقين وأنكرها .
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ } .
اذكر لهم ايها الرسول ما سيحصل لهم يوم نجمع الخلق كلّهم للحساب ، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره : أين الذين جعلتموهم شركاء لله ، وزعمتم في الدنيا أنهم اولياؤكم من دونه؟
{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } .
لن تكون نتيجة محنتهم الشديدة في هذا الموقف الحرج الا محاولة التخلص من شركهم السابق بالكذب ، قائلين ما أشركنا في العبادة احدا .
{ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } .
انظر كيف سيغالطون انفسهم بهذا الكذب ، كيف غاب ما كانوا يختلفونه من عبادة الاحجار ، ويزعمونها شركاء لله .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي « ثم لم يكن » بالياء والباقون « لم تكون » بالتاء . وقرأ بن كثير وابن عامر وحفص « فتنتهم » بالرفع ، والباقون « فتنتهم » بنصب التاء . وقرأ حمزة وخلف والكسائي « والله ربنا » بنصب الباء ، والباقون بكسرها .

(1/461)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)

الأكنة : الأغطية مفردها كنان . الوقر : الثقل في السمع ، الصمم . الأساطير : مفردها أسطورة هنا ما يوجب اليأس من ايمان بعضهم مهمات توالت الآيات والنذر .
ومنهم من يستمع اليك حين تتلو القرآن ، لا يلتفهموه وليهتدوا به ، وانما ليتلمسوا سبيلا للطعن فيه والسخرية منه . لذا فقد حرمناهم من الانتفاع بعقولهم وأسماعهم ، فباتوا وكأن عقولهم عليها أغطية تحجب عنهم الادراك الصحيح ، وكأن في آذانهم صمماً يحول دون سماع الآيات على صحة نبوتك وحتى لو رأوا كل دليل فإنهم لن يؤمنوا . وسيظلون اذا جاؤوك ليجادلوك بالباطل ، قالوا مدفوعين بكفرهم : ما هذا الاخرافات عن الأولين .
{ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ . . } .
وهم ينهون الناس عن الإيمان بالقرآن ، ويبتعدون عنه بانفهسم ، فلا ينتفعون ولا يَدعون غيرهم ينتفع به .
{ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } .
الواقع انهم لا يضرون بذلك الا أنفسهم ، وما يشعرون بقبح ما يفعلون .
روى ابن عباس : قال حضر عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر ابن الحارث ، والحارث بن عامر ، وأبو جهل . . . . في جَمعٍ من كفار قريش ، واستمعوا النبي وهو يقرأ القرآن فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة ، ما يقول محمد؟ فقال : والذي جعل الكعبة بيته ما أدري ما يقول ، إلا أني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولي مثل ما كنتُ أحدّثكم بهِ عن القرون الماضية ( وكان النضر كثير الحديث عن القرون الاولى ) قال ابو سفيان : إني لأرى بعض ما يقول حقاً . فقال ابو جهل : طلا فأنزل الله الآية . . . . وهناك روايات اخرى .

(1/462)


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

وقفوا على النار : اطّلعوا عليها وعرفوها .
يبين الله تعالى هنا مشهدا من مشاهد يوم القيامة ، وبعض ما يكون من أمرِ الكفار عندما يُعرَضون على النار ويشاهدون هولها ، عند ذاك ينتمون ان يعودوا الى الدنيا ليعملوا صالح الاعمال . وقد كذّبهم الله فيهما يقولون من أمر ذلك .
ولو ترى ايها النبي ، هؤلاء الكفار وهم واقفون على النار يعانون اهوالها لرأيتَ أمارَ غريباً رهيباً ، إذا يتمنّون الرجوع الى الدنيا ، ويقولون ياليتنا نُردّ إليها نُردّ إليها لنُصلح أعمالنا ، ونكون من المؤمنين .
لكن قولهم هذا ليس إلا رهمة وتخلصاً ، فقد جاء بعد أن ظهر لهم ما لا يمكن اخفاؤه والمكابرة فيه . ولو رُدوا الى الدنيا كما يتمنون ، لعادوا الىلكفر الذي نهاهم الله عنه ، اغتراراً منهم بزخرفها وإطاعة لأهوائهم . انهم لكاذبون في دعواهم الايمان اذا ردوا الى الدنيا ، فلو أُعيدوا الى الدنيا لقالوا : ليس لنا حياة إلا هذه ، وما نحن بمبعوثين بعد ذلك .
قراءات :
قرأ حمزة ويعقوب وحفص « لا نكذب بآيات ربنا ونكون » بالصنب فيها والباقون بالرفع . وقرأ ابن عامر « ونكون » بنصب النون .

(1/463)


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

الساعة : الزمن المعّين ، والمراد به هنا يوم القيامة . بغتة فجأة . الحسرة : الغم والندم على ما فات . فرّطن : قصرنا الأوزار : جمع وزر وهو الحمل الثقيل ، ومعناه هنا الإثم والذنب يبين الله هنا حال الكفار حين ينكشف لهم كل شيء يوم القيامة ، ويجدون انفسهم في موقف حرج ، فيتحسرون ويندمون على تفريطهم السابق في الدنيا ، وغرورهم بمتاعها الزائل .
{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ . . . . } ولو ترى يا محمد هؤلاء الظالمين المكذبين حين يقفون للحساب امام ربهم ، ويعرفون صدق ما أنزله على رسله لرأيت سوء حالهم اذ يقول اله لهم : أليس هذا تشاهدونه الآن هو الحق الذي أنكرتموه في دنياكم؟ فيقولون متذلّلين : بلى وربنا إنه الحق فيقول الله لهم بعد ذلك : ادخلوا النار بسبب ما كنتم حريصين عليه من الكفر .
يومذاك يكون الذي انكروا لقاء الله للحساب والجزاء يوم القيامة قد خسِروا كل شيء . . . حتى اذا فاجأتهم مشاهد يوم القيامة وهولها ندموا وقالوا : يا سحرتنا على إهمالنا اتّباعَ الحق وما فرطنا في الدنيا . إنهم هم يتحملون ذنوبهم ويرزحون تحت اعبائها ، وما أسوأ تلك الاثقال!
الحقّ أقول لكم : ليست هذه الحياة الدنيا التي حسب الكفار أنه لا حياة غيرها إلا لهواً ولعباً لا نفع فيه ، أما الدار الآخرة فهي الحياة الحقيقة . إن نعيم الآخرة لهو أنفع للذين يخافون الله فيمتثلون أمره فلا تعقلون هذا الأمر الواضح ، وتفهمون ما يضركم ولا ينفعكم؟ .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب « تعقلون » بالتاء والباقون « يعقلون » بالياء .

(1/464)


قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

الجحود والجحد : الانكار ، وعدم الاعتراف بالحق . كلمات الله : وعده ووعيده النبأ : الخبر ذو الشأن العظيم كبر الامر : عظم ، وشق وقْعه . الاعراض : لاتولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه ، او احتقاراً له . الاتبغاء : طلبُ ما في طلبه مشقة . النفق : سرب في الارض له مدخل ومخرج السلّم : المرقاة ، مأخوذة من السلامة لأنه الذي يُسْلمك إلى المكان الذي تريد الجهل : ضد العلم ويُذَم الانسان بجهل ما يجب عليه علمه .
{ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ } .
اننا نعلم بتكذيبهم لرسالتك وحزنك واسفك عليهم ، فلا تحزن من ذلك ، فان منشأ هذا التكذيب هو العناد والجحود .
{ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } .
إن الحقيقة أنهم لا يتهمونك يا محمد بالكذب ، ولكنهم يظلمون أنفسهم مكابرة في الحق وعناداً له ، فينكرون بألسنتهم دلائل صدقك ، وعلامات نوبتك .
هناك روايات كثيرة وردت عن إقرار بعض زعماء قريش بصدق النبي عليه الصلاة والسلام ، ولكنْ سراً بينهم . فقد روى ابن جرير عن السُدّي ان الأخنَس ابن شريق وأبا جهل التقيا ، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكَم اخبرني عن محمد : أصادق هو أم كاذب؟
فانه ليس ها هنا أحد يمع كلامك غيري . قال ابو جهل : والله إن محمداً لَصادق وما كذب قط ، ولكن اذا ذهب بنو قومه بالواء والسقاية والحجابة والندوة النبوةّة فماذا يكون لسائر قريش؟! والزعامة الدنيوية والمصلحة هنا هما أساس إعراض أبي الحكَم ، كما ترى .
وروى سفيان الثورِي عن عليّ كرم الله وجهه قال : قال ابو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنّا لا نكذّبك ولكن نكذّب بما جئت به .
فهم يعلمون حق العلم ان الرسول صادق ، وقد جرّبوه منذ نشأته وعرفوه ، لكن خوفهم على مراكزهم جعلهم يصرّون على الكفر والجحود .
{ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } .
لقد قوبل رسل قبلك يا محمد بالتكذيب والإيذاء من اقوامهم كما تجد أنت الآن من قومك ، فصبروا حتى نصرناهم ، فاصبر انت مثلهم .
{ وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله } .
إصبر وسيأتيك نصرنا ، فلا مغّير لوعدِ الله بنصْرِ الصابرين .
{ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } .
لقد قصصنا عليك من أخبار هؤلاء الرسل وتأييدنا لهم ، ما فيه تسلية للك ، ويقتضيه توجيه الرسالة نم تحمُّل الشدائد .
{ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ . . الآية } .
ان كان قد شق عليك انصرافهم عن دعوتك ، فإن استطعت أن تتخذ طريقا في باطن الأرض ، أو سلّما تصعد به الى السماء ، فتأتيهم بدليل على صدقك- فافعل . ليس في قدرتك ذلك يا محمد ، فأرحْ نفسك واصبر لحكم الله . ولو شاء الله هدايتهم لحلهم جميعاً على الإيمان بما جئت به قسراً وقهراً . لكنه تركهم لاختبارهم ، فلا تكونن من الذين لا يعلمون حكم اله وسنّته في الخلق .
قراءات :
قرأ نافع والكسائي « لا يُكْذِبونك » من اكذب والباقون « يُكَذِّبونك » وقرئ « ليُحْزِنك » .

(1/465)


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)

استجاب : أطاع في ما دُعي إليه ، وأجاب الداعي واستجاب له : لبّاه وقام بما دعاه اليها . والاستجابة من الله يعبر بها في الأمورة التي تقع في المستقبل . استجاب الله فلاناً ، ومنه ، وله- قبل دعاءه وقضى حاجته الموتى : هنا الكفار يبعثهم الله : يحييهم .
بعد أن بيّن الله تعالى أن حكمته اقتضت أن يكون البشر متقاوتفين في الاستعداد مختارين في ترفاتهم اعمالهم ، فمنهم من يختارون الهدى ومنهم من يختارون الضلال- بيّن هنا أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ويفقهون ما يسمعون ، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون ، فهم والاموات سواء .
{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } .
إنما يجب دعوةَ الحق مقبلين عليه ، أولئك الذين يسمعون كلامَ الله سماع فهمٍ وتدبّر ، أما الذين لا تُرجى استجابتهم فإنهم لا يسمعون السماع النافع ، ولا نتفعون بدعوتك ، لأنهم في حكم الاموات ، يُترك أمرهم الى الله ، فهو سبعثهم يوم القيامة من القبور ، ويرجعهم اليه فيجاسبهم على ما فعلوا .
{ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } .
ذكر شيئا من تعنتهم وعنادهم الدال على عظيم جحودهم . إذا قالوا : إننا نطلب ان تُنزّل آية معجزة على محمد كدليل مادي من ربه تشهد بصدق دعوته .
{ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .
قل لهم ايها الرسول : إن الله قادر على ان ينزل اي دليل تفترحونه ، ولكن أكثرهم لا تعلمون حكمة الله في إنزال الآيات . انها ليست تابعة لأهوائكم ، ولو أجاب مقترحاتكم ثم كذبتم بعد ذلك لاهلككم ، لكم اكثركم لا يعلمون نتائج أعمالهم .

(1/466)


وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

الدابة : كل ما يدب على الأرض من الحيوان . الطائر كل ذي جناح الأمم : واحدها أُمة : وهي كل جماعة يجمعهم امر واحد ، كزمان أو مكان ، أو صفات أو مصالح التقريط : التقصر . الكتاب : اللوح المحفوظ يحشرون : يجمعون .
بعد ان بين سبحانه وتعالى انه قادر على انزال الآيات اذا رأيى من الحكمة والمصلحة انزالها- ذكرهنا ما هو كالدليل على ذلك ، فأرشد الى عموم قدرته وشمول علمه وتدبيره في ما اوجد من مخلوقات على الأرض ، أو في الفضاء .
ان أقوي دليلٍ على قدرة الله وحكمته ، أنه خلَق كل شيء ، وليس من حيوان يدب في ظاهر الأرض وباطنها ، او طائر يسبح في الهواء- الا خلقها الله جماعات تماثلكم أيها البشَر ، وجعل لها خصائصها ومميزاتها ونظام حياتها . إنه لم يترك في الكتاب المحفوظ شيئاً إلا ذكره . وان كانوا قد كذّبوا ، فسوف يُحشرون مع كل الامم للحساب يوم القيامة .
{ والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات . . . } .
والذين لم يصدّقوا بآياتنا الواضحة الدالة على قدرتنا ، لم ينتفعوا بحواسهم من معرفة الحق فتخبّطوا في ضلال الشرك ولعناد تخبُّط الأصم والابكم في الظلمات الحالكة : ظلمة الوثنية ، وظلمة الجاهلية ، والكفر ، والجحود . وهؤلاء لا نجاة لهم من الهلاك . ولو كان لديهم أي استعداد للخير لوفّقهم الله اليه . فانه سبحانه إذا أراد إضللال إنسان لفساد قصده ، تركه وشأنه . وإذا أراد هدايته لسلامة قصده ، يسّر له السير في طريق الايمان الواضح المستقيم .
وهذه الآية الكريمة وامثالها ترشدنا الى البحث في طباع الأحياء لنزاداد علماً بسنُن الله وأسراره في خلقه ، ونزداد بآياته إيمانا ، ونعتبر بحال من لم يستفيدوا مما فضلهم الله بِهِ على الحيوان ، وهو بالعقل ، ومما جاء به الرسول الكريم من هدى وارشاد ، وهو القرآن .

(1/467)


قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

أرأيتكم : أخبِروني ، وهو أسلوب يُذكر للتعجيب والتنبيه الى أن ما يُذكر بعده غريب عجيب . يكشف : يزيل ما تدعونه الى كشفه البأساء : المشقة ، والعذاب الشديد . الضراء : الضُرّ ضد النفع يتضرعون : يظهرون الخضوع بتكلّف . مُبْلِسون : متحسرون ، يائٍسون من النجاة . دابر القوم : آخرهم .
بعد أن بيّن الله تعالى للمشركين أن علمه محيد بالكون كله ، وعنايته تعم كل ما فيه ، وأن أمم الحيوان ، كأمم الانسان ، قد اوتيت نم الإلهام والغريزة ما تميز به بين ما ينعفها وما يرها- أمرَ نبيّه الكريم ان يوجّه الى الكفار هذا السؤال ، ليعلموا ان ماتقلّدوه من الشرك عارض يُفسد أذهانهم وقت الرخاء ، حتى اذا جد الجد ونزول بهم مكروه دعوا الله مخلصين عار يُفسد أذهانهم وقت الرخاء ، حتى إذا جد الجد ونزل بهم مكروه دعوا الله مخلصين له الدين . والسؤال هو : أخبروني أيها المكذّبون إن اتاكم عذاب كالذي نزل بمن قبلكم ، او جاءتكم القيامةُ بأهلواها ، الى من تتجهون!؟ ألغيرِ اله تضرَعون أن يكشف ما نزل بكم من البلاء؟ إن كنتم صادقين في عبادتكم لغير الله فيجب ان تتجهوا إليهم .
{ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } .
الواقع أنكم لا تتجهون إلا اليه ، تدعونه ان يكشف عنكم البلاء ان شاء . إنكم في حال الشدة تنسون كل ما تجعلونه شركاء لله ، فلماذا تفطنون لهم في الرخاء!!
وقد بين الله في اكثر من آية أن المشركين ينسون آلهتهم المزيفة عند الشدة والضيف ، مثل قوله تعالى : { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ الروم : 65 ] .
ثم بين أن من سنّته تعالى أخْذَ عباده بالشدائد لعلّهم يثوبون الى رشدهم ، فقال : { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } .
فلا يشُق عليك أيها الرسول ما تلاقيه من قومك . . لقد بعثنا قبلك رسلاً إلى أمم كثيرة قبل أمتك فكذّبوهم ، فعاقبناهم لعلّهم يرجعون الى الله .
لكنّ كثيراً من الناس يصلون الى حال من الشرك والفجور لا يغيّرها بأس ولا يُحَوّلها بؤس فلا تجدي معهم العبر والمواعظ ، ومنهم تلك الأمم الذين أُرسل اليهم أولئك الانبياء .
ولا تذهب بعيداً ، وحالنا نحن العربَ شاهد ودليل . . . لقد نزل بنا أكبر الشدائد وهاجمنا في ديارنا ألأَمُ الناس وأخبثُهم ، بل أخذوا قسما عزيزاً من بلادنا ، ومع ذلك لم نتعظ ولم نغير من حالنا شيئا . إننا لا زِلنا سادرين في غرورنا ، نتفاخر بماضينا ، غافلين عن دونا الحاضر ، ويقتل بعضنا بعضاً طمعاً في مناصب فصّلها لهم عدُّ الأمة وخصيم الاسلام . . لم نرجع ألى ديننا ، ولم نتضرع الى ربنا ، بل تضرعنا الى اعدائنا الألداء في أمريكا واوروبا ، نطلب منهم النصر ، غافلين متعمدين عن أن النصر من عند الله ومن عند انفسنا .

(1/468)


{ فلولاا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } .
هلاّ تضرّعوا إلينا خاشعين تائبين قبل أن جاءتهم مقدمات العاب . إنهم لم يفعلوا ، واستمرت قلوبهم على قسوتها ، وزين لهم الشيطان ما هم عليه من الشرك والفجور .
{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } .
فلما أعرضوا عن الاتعاظ بما ابتليناهم من الفقر والمرضن وأصرّوا على كفرهم ، ابتليناهم بعد ذلك بالرزق الوسع ، وفتحنا عليهم ابواب رخاء العيش وصحة الاسجام والأمن على الانفس ، حتى اذا فرحوا بكل ذلك ولم يشكروا الله عليه ، جاءهم العذابُ بغتة ، فإذا هم متحسّرون يائسون من النحاة لايجدون إليها سبيلا .
والخلاصة أن الله تعالى سلّط عليهم المكاره والشدائد ليعتبروا ويتعظوا ، فلما تجدِ معهم شيئا نَقَلَهم الى حال هي ضدُّها ، ففتح عليهم أبوبا الخيرات ، وسهّل لهم سبل الرزق والرخاء فلم ينتفعوا به ايضاً . عند ذاك أذاقهم جزاءهم العادل .
وروى مسلم عن صُهيب عن النبي انه قال : « عجبا لأمر المؤمن ، إن أمْرَهُ كلّه خير ، وليس لك لاحد الا للمؤمن ، إن أصابتْه سراءُ شكَر فكان خيراً له ، وان اصباتْه ضراءُ صبرَ فكان خيراً له »
{ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } .
لقد هلك اولئك القوم الظالمون وأبيدوا عن آخرهم .
والحمدُ . . . هنا ارشاد منا لله لعباده بتذكيرهم بما يجب عليهم من حمده على نصر المرسَلين المصلحين ، وإيماءٌ الى وجوب ذكره في عاقبة كل أمر وخاتمو كل عمل ، { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين } .
قراءات :
قرأ نافع أرأيتكم بتسهيل الهمزة ، وقرأ الكسائي : أريتكم بحذف الهمزة . والباقون « أرأيتكم » بتحقيق الهمزة وحمزة يسهل الهمزة بالوقف .

(1/469)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

نصرّف الآيات : نكررها على وجوه مختلفة . يصدفون : يعرضون . يمسهم العذاب : يصيبهم .
قل أيها الرسول لهؤلاء المكذبين بك وما جئت به من الهدى والحق : أخبروني ماذا يكون من أمركم مع آلهتكم الذين تدعونهم من دون الله إن أصمّكَم اللّهُ فذهب بسمعكم ، وأعماكم فذهب بأبصاركم ، ثم طبع على قلوبكم بما يحجبها عن الإدراك . . . مَنْ غيرُ اللهِ تعالى تأتيكم بكل ما أُخِذ منكم؟ أُنظر ايها النبي كيف نتابع عليهم الحجج ، ونضرب لهم الأمثال على وجوه شتى ليعتبروا ويعودوا عن كفرهم ، ولكنهم مع كل هذه البراهين يصرون على عنادهم وكفرهم .
{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } .
وهذا تهديد . قل لهم أيها الرسول : أخبروني إن حلّ بكم عذاب الله فجأة دون توقع ، أو جاءكم عياناً وأنتم تنظرون اليه ، فمن الخاسرُ عند ذاك إلا الذين ظلموا انفسهم بالإصرار على الشرك والضلال؟ .
{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } .
وهذه وظيفة الرسل . وما نرسل الأنبياء الا ليبشّروا من يؤمن بالخير والثواب ، وليحّذروا من يكفر من العذاب .
{ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ولا حاجة الى تفسير .
{ والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العذاب بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } .
أما الذين كذّبوا بآياتنا الواضحة على صدق ما جاء به الرسل ، فان لهم العذابَ جزاءً خروجهم عن الطاعة وعدم الإيمان .
قراءات :
أرأيتم ، وأرأيتم ، مثل ما تقدم ، نافع يسهل الهمزة ، والكسائي يحذفها ، وحمزة يسهّلها بالوقف ، والباقون يثبتونها « أرأيتكم » كما هي هنا في المصحف .

(1/470)


قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)

الخزائن : واحدها خِزانة ، ما يُخزن فيه ما يراد حفظه ومنع التصرف فيه . الغيب : ما غيِّب علمه عن الناس . الاعمى والبصير : المراد به هنا الضال والمهتدي .
كان الكلام في الآيات السالفة في بيان اركان الدين واصول العقائد ووظيفة الرسل ، والجزاء ، على الاعمال يوم الحساب ، وهنا يبين لنا وظيفة الرسل العامة . قل ايها الرسول لهؤلاء الكفار المعاندين : أنا لا أقول لكم عندي خزائن الله فأملم التصرّف في أرزاق العباد ، وشئون المخلوقات . كلا ، ان التصرف المطلق من شأن الله وحده . وليس موضوع الرسالة ان يكون الرسول قادراً على ما لا يقدر عليه البشر ، كتفجير الينابيع والأنهار في مكة ، وإيجاد الجنات والبساتين ، والإتيان بالله والملائكة وغير ذلك من التعجيز . وكان المشركون قد جعلوا ذلك شرْطاً للايمان بالرسول .
كذلك لا أدّعي علم الغيب الذي لم يطلعني الله عليه ، ولا أقول إني ملَك أستطيع الصعود الى السماء اما قوله تعالى { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } فإن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل لهو من الأمور التي يخصّ بها الرسل ليؤيد بذلك دعوتَهم ورسالتهم . وهو لايتعدّى إلى حمل أقوال الرسل على المستقبل ، فهم لا يعلمون الا ما علمهم الله به .
{ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } .
إنما أنا بشر أتبع ما يوحيه الله تعالى إلي ، فأمضي لوحيه واعمل بأمره .
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير . . . } .
هنا وبخهم الله تعالى على ضلالهم ، فأمر رسوله ان يسألهم ما اذا كانوا يعتقدون أن الضال والمهتدي ليسا سواء فقال : قل هل أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم ، يَعْدِل ذا البصيرة المهتدي إليه؟ هل يليق بكم ان تعرضوا عن الهدى الذي أسوقه إليكم بعد هذا كله!! تعقلوا ايها القوم ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان .

(1/471)


وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

الحشر : اجتماع الخلق يوم القيامة .
بعد أن أمر الله تعلى نبيّه الكريم بتبليغ الناس حقيقة رسالته ، أمره بإنذار من يخافون الحساب والجزاء فقال :
أنِذر ما محمد بما يوحى إليك ، وحذّر بما في هذا القرآن أولئك الذين يخافون اهوال يوم الحشر ، حيث لا ناصر ولا شفيع إلا بإذن الله ، لعلّهم يتقون فيبتعدون عما يُغضبه .
{ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } .
ثم نهى الرسولَ أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المستضعفين من المؤمنين .
فقالك لا تستجيب أيها النبي ، لدعوة المتكبرين من المشركين ، فتُعبد عنك المتسضعفين من المؤمنين . إنهم هم الذين يعبدون ربهم طول الوقت لا يريدون إلا رضاه . لا تلتفت يا محمد لدسّ المشركين عليهم ، فلست مسئولاً أمام الله عن شيء من أعمالهم ، وليسوا مسئولين عن أعمالك ، فإن استجبتَ وأبعدتَ المؤمنين ، كنتَ من الظالمين .
كان زعماء المشركين وكبراؤهم- أمثال أبي جهل وعُتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والحارث بن عامر ، وقرظة بن عمرو وغيرهم - كثيراً ما يتضايقون من المؤمنين المتسضعَفين - مثل عمار بن ياسر ، وبلال ، وصهيب ، وخَبَّاب ، وسالم مولى أبي حذيف ، وابن سمعود- وكانوا يطلبون من النبي ان يبعدهم عنه حتى يحضروا مجلسَه ويستمعوا اليه .
روى احمد ، وابن جرير ، والطبراني عن عبد الله بن مسعود قال : « مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صُهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، أرضيتَ بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء مَنّ الله عليهم من بيننا؟ انحن نكون تبعا لهؤلاء؟ أطردْهم عنك ، فلعلّك ان طردتهم أن نتبعك .
فأنزل الله تعالى فيهم القرآن : { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ . . . إلى قولهأَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين- } .
{ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } .
تشير الآية الكريمة الى ما سبق وتفسيرها :
وبمثل هذا الابتلاء الذي جرت به سنتنا ، امتحنّا المتكَبرين . . لقد سبقَهم الضعفاء الى الاسلام ، ليقول المتكبرون مستنكرين ساخرين : هل هؤلاء الفقراء هم الذين أنعم الله عليهم من بيننا بالخير الذي يعد به محمد؟
وفي الآية إشارة الى أن ما اغتّر به الكبراء من النعيم لن يدوم ، كما لن يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه . . لا ان ينعكس الحال ، وتدول الدُّولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين وقد صدَق الله وعدَه .
قرأ ابن عامر : » بالغُدوة « والباقون ، » بالغَداة « .

(1/472)


وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)

السلام : البراءة والعافية من الآفات والعيوب ، والسلام ايضا من اسماء الله تعالى .
وقد استُعمل السلام في التحية بمعى تأمين المسلَّم عليه من كل أذى من المسلِّم .
كتب : أوجَبَ الجهالة : السفَه والخفة والغفلة . تستبين : تتضح وتظهر .
بعد ان نهى الله تعالى نبيه عن طرد المستضعفين من حضرته أملاً في استمالة المشركين المتكبرن من بني قومه- أمره أن يلقى الذين يدخلون في الاسلام بين حين وآخر ، يعلّمهم ويبشّرهم برحمته تعالى ومغفرته .
{ وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ . . . . الآية } .
اذا جاءك الذين تصدّقون بك وبرسالتك سائلين عما اذا كان لهم توبة عن ذنوبهم التي فرطت منهم ، فقل لهم تكريماً لهم : سلام عليكم ، إنني ابَشّركم برحمة اله الواسعة . . لقد أوجَبَها على ذاته تفضّلاً منه . وهي تقضي ان من تاب ورجع عن ذنبه نادماً ثم أصلح عمله - غفر الله له ، وشمله بعطفه .
{ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } .
يبين سبحانه انه فصّل الحقائق للمؤمين حتى يبتعدوا عن سلوك المجرمين .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمزة « أنه من عمل منكم سوءا » والباقون بكسر الهمزة . وقرأ ابن عامر ويعقوب « فأنه غفور رحيم » بفتح الهمزة ، والباقون بكسرها . وقرأ نافع « لتستبين سبيلَ » بالنصب وقرأ ابن عامر وابو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بالرفع . والباقون بالياء ، وبرفع سبيل .

(1/473)


قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

وتدعون من دون الله : تعبدون البيّنة : الحجة الواضحة ، وكلما يُتبين به الحق . يقُصّ الحق : يخبر به . خير الفاصلين : القاضين في الأمور .
{ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } .
قل ايها النبي لهولاء الكفار الذين يدعونك الى الشِرك بالله ، إن الله قد نهاني عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله ، فلا أتبع أهواءكم ، ولو فعلتُ ذلك واتبعتكم أكون قد انحرفتُ عن الحق ، وسِرتُ على غير هدى .
ثم امره ان يقول لهم : إني على هدى من ربي فيما أّتبعه ، فأنا على شريعة واضحة منزلة من ربي . أما أنتم فقد كذَّبتم القرآن الذي جاء بها ، وليس في قدرتي أن أقدم ما تستعجلونه من العذاب ، فذلك داخل في قدرة الله ومروهو بارادته . ثم اكد ما سبق بقوله : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } في هذا وفي غيره من شئون الأمم ، إن شاء عجّل لكم العذاب وان شاء أخّر . وله في ذلك سنن حكيمة ، وهو يقص على رسوله القصص في وعده ووعيده ، إنه خير الفاصلين بيني وبينكم .
قل ايها الرسول لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] لو ان في قدرتي انزال العذاب الذي تتعجلونه ، لأنزلته عليكم غضباً لربي ، لكن الأمر لله ، وهو اعلم بما يستحقه الكافرون من العذاب العاجل او الآجل .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم « يقص » بالصاد من القصص والباقون « يقضي » من القضاء .

(1/474)


وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

المفاتح : جمع مفتح بفتح الميم ، ومفتاح . يتوفاكم بالليل : جعل النوم مثل الموت . توفّاه أخذه وافياً كاملا . جرحتم : عملتم . يبعثكم فيه : يرسلكم ويوقظكم من النوم في النهار . الأجل المسمى : مدة البقاء في الدنيا . الحفظة : الملائكة الكرام الكاتبون .
بعد أن أمر الله تعالى الرسول ان يبين للمشركون انه على بينة من ربه فيما بلّغهم من الوحي ، وان ما يستعجلونه من العذاب ليس عنده ، وان الله تعالى يقضي الحق ويقصه على رسوله- عَمَد الى وصف حقيقة الالوهية في مجال عميق من مجالاتها الفذة ، هو مجال الغيب المكنون . فيقول :
وعند الله علمُ جميع المغّيبات ، لا يحيط بها علماً الا هو وحده ، ومن أظهره هو على بعض العلم كما جاء في سورة الجن { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ } .
والمغّيبات قسمان :
مغيبات مطلقة لا يمكن أن يصل إليها العقل الانساني ، ومنها ما يقع للإنسان في المستقبل من حوادث تتعلق به .
ومغيبات نسبية ، وهي ما يتعلق بأسرار الكون وما فيه ، وتسخيره لخدمةالإنسان ، فإن العلم بها قد يغب اجيالا ثم يظهر من بعد . ومفاتح هذه المغيبات أيضا بيد الله ، ويوفّق إليها من يشاء من عباده الذين يتعمقون في دراسة الكون . ومن ذلك الاختراعاتُ التي نرى بعض الناس يصلون إليها بعد جهد جهيد بتوفيق الله .
روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن ابيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الغيْبِ خَمْس : إن الله عندَهُ عِلمُ الساعةِ ، ويُنَزّلُ الغيْثَ ، ويعلَمُ ما في الأرحامِ ، ما تَدري نفسٌ ماذا تَكسِبُ غَداً ، وما تَدرِي نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت ، إن الله عَلِيمٌ خَبير » .
ويحيط علم الله كذلك بجميع الموجودات في البر والبحر ، ولا تسقط ورقة عن شجرةً إلا بعلمه ، ولا حبة ما في باطن الارض ، ولا شيء رطب ولا يابس ، الا هو في اللوح المحفوظ عند الله .
والخلاصة ، إن عند الله عِلمَ ما لا تعلمونه ، وعنده علم ما يعلمه جميعهم ، فهو يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن الى يوم القيامة .
وهو الذي يتوفى أنفسَكم في اثناء النوم ، أي يُزيل إحساسها ، ويوقظكم في النهار ، ويعلم ما كسسبتم فيه . . . حتى ينتهي أجَل كل منكم ، ثم ترجعون اليه يوم القيامة فيخبركم باعمالكم ويجازيكم عليها .
{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } .
بعد ان بين الله امر الموت والرجوع اليه للحساب ، والجزاء ، ذكره فهره لعباده وارسال الحفظة لاحصاء اعمال البشر فقال : إن الله هو الغالب بقدرته ، المستعلي بسلطانه على عباده ، يرسل عليكم ملائكة يحصون اعمالكم الى ان تجيء نهاية كل منكم ، فتقبض روحه ملائكتنا الذين نرسلهم لذلك وهم لا يقصّرون فيما يوكل اليهم .
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يتعاقبون فيكم ملائكةُ بِالليل ، وملائكة بالنهار ، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربُّهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلّون ، وأتيناهم وهم يصلّون » .
قراءات :
قرأ حمزة « توفاه رسلنا » بالألف الممالة ، والباقون « توفته رسلنا » .

(1/475)


قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

ظلمات البر والبحر : حسيّة ، كظلمة الليل وظلمة السحاب ، ومعنوية ، كظلمة الجهل بالمسالك ، وظلمة الشدائد والاخطار . والعرب تقول لليوم الذي فيه شدة : يوم مظلم ، ويوم ذو كواكب . وفي المثَل ، رأي نجوم الظهر . التضرع : المبالغة في الدعاء . والخفية : بضم الخاء وكسرها الخفاء والاستتار . الكرب : الغم الشديد .
بعد أن أبان تعالى لعباده إحاطة علمه ، وشمول قدرته ، وانه القاهرة فوق عباده- ذكّرهم هنا بالدلائل الدالة على كمال قدرته الإلهية . فأمر رسوله ان يَسأل المشركين الغافلين عن انفسهم : من يننجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه فتحيّرتم أين تذهبون ، ومن ظلمات البحر اذار ركبتموه فأظلم عليكم فلم تهتدوا؟ من يفعل ذلك غير الله الذي تلجأون إليه في خضوع ، معلنين الدعاء تارة ومخفين إياه أخرى ، مقْسِمين : لئن أنجيتَنا من هذه المخاطر لنكونن من الشاكرين لفضلك بالعبادة لك .
{ قُلِ الله يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } .
ان الله وحده هو الذي ينقذكم من هذه الاهوال ، ومن كل شدة اخرى ، وعلى ذلك فسرعان ما تَحنِثون بأقسامكم وتشركون مع في العبادة غيره .
قراءات :
قرأ يعقوب « قل من ينجيكم » بدون تشديد ، والباقون « ينجيكم » بتشديد الجيم . وقرأ أبو بكر : « وخفية » بكسرا لخاء والباقون بضمها وقرأ أهل الكوفة « انجانا » وأماله حمزة والكسائي وخلق . وقرأ الباقون « لئن أنجيتنا » وقرأ أهل الكوفة : « قل الله ينجيكم » بالتشديد ، والباقون بالخفيف .

(1/476)


قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

الشيع : واحدها شيعة ، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر . او يلبسكم شيعا : يخلط أمركم خلط اضطراب فيجعلكم فرقاً مختلفة . بأس : شدة نصرف الآيات : نحولها من نوع الى آخر من فنون الكلام . يفقهون : يفهمون . مستقر : وقت استقرار ووقوع .
بعد ان بيّن تعالى الدلائل على كمال القدرة الآلهية ، ونهاية الرحة بعباده ، ذكر هنا قدرته على عذيبهم إن عصوَه ، وأبان ان عاقبة كفران النعم زوالها .
قل ايها الرسول لقومك الذين لا يشكرون نعمة الله ويشركون معه غيره في العبادة : ان الله وحده هو الذي يقدر على أن يرسل عليكم عذاباً يأتيكم من أعلاكم او من أسفلكم ، او يجعل بعضكم لبعض عدوّاً ، وتكونون طوائف مختلفة الاهواء متناكرة ، يقتل بعضكم بعضا .
انطر ايها الرسول كيف دلّت الدلائل على قدرتنا واستحقاقنا وحدنا للعبادة ، ومع هذا لا يؤمن قومك بذلك!! لا شك ان هذه الآية من معجزات القرآن الذي لاتفنى عجائبه ، فإن فيها نبأ مَن كان قبل الإسلام ، ومن كان زمن التنزيل ، ومن سيأتي بعدهم .
فهذه الحروب التي تشبّ في عصرنا فيها من الأهوال ما لم يسبق له نظير ، فقد ارسل الله على تلك الأمم المحاربة عذاباً من فوقها تقذفه الطائرات والصواريخ وعذاباً من تحتها تقذفه الغواصات من اعماق البحار ، وتهلك به مختلف السفن ، كما جعل امم اوروبا شيعاً متعادية ، ذاق بعضُها بأس بعض فحلّ بها من القتل والدمار والتخريب ما يشيب له الاطفال .
واذا نظرنا في احوالنا نحن العرب والمسلمين ، نجد أننا يعادي بعضنا بعضا ونحترب ، فيما العدو مترّبص بنا يتظر لينقضّ علينا ويلتهم ما يستطيع من أراضينا وبلادنا . وما ذلك إلا لأننا بعُدنا عن ديننا ، وغرّتْنا الحياة الدنيا ، فاصبحنا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون .
روى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية » قُلْ هو القادِرُ الخ . . . « قال : أما إنّها كائنةٌ ولَمء يأتِ تأويلُها بعد . . . . »
{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق . . . } .
ثم ذكر الله تعالى ان قوم الرسول الكريم قد كذبوا بالقرآن على ما فيه من الآيات الواضحة البينة ، وهو الحق الثابت ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
ثم امر رسوله أن يبلغهم أن لا سبل له في اجبارهم على الايمان به فقال : « قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل » لا أنا حفيظ ولا رقيب ، وإنما أنا رسول أبلّغكم رسالات ربي ، ولا أملك القدرة على اجبار الناء ان يؤمنوا .
ثم هددهم وتوعدهم على التكذيب به فقال :
{ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } لك خبر جاءَ به القرآن وقت يتحقق فيه ، وسوف تعلمون صدق هذه الاخبار عند وقوعها .

(1/477)


وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

يخوضون في آياتنا : يسترسلون في الحديث بتشيوه تلك الآيات . ولكن هذا تذكير لهم . ان تبسل نفس : ان تحبس بما كسبت وتمنع . السبل : حبس الشيء ومنعه بالقهر ، ومنه شجاع باسل اي مانع غيره . تَعْدِل : تَفْدش كل فداء . الحميم : الشديد الحرارة . ألِيم : شديد الألَم .
بعد ان ذكرا لله تعالى في الآيات السابقة تكذيب كفار قريش ، وبيّن ان الرسول عليه الصلاة والسلام مبلّغ للناس عن ربّه لا خالق للايمان فيهم- جاءت هذه الآيات لبيّن كيف يعامل المؤمنُ من يتخذ دين الله هزواً ولعبا من الكفار الذين كانوا يستهزئون بالقرآن وبالرسول والمستضعَفين من اسحابه الكرام . وكذلك كيف يعامل المؤمن أهل الأهواء والبِدع في كل زمان ومكان . والمخاطَب في هذه الآيات هو الرسول عليه الصلاة والسلام ومن كان معه من المؤمنين ، ثم المؤمنين في كل زمان .
{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ . . . الآية } .
اذا حضرتَ مجلس الكفار ، او جاء المشركون ليستمعوا اليك ، ووجدتهم يطعنون في آيات القرآن ، او يستهزئون بها ، فانصرِف عنهم يا محمد حتى ينتقلوا الى حديث آخر . وإن نسيتَ وجالستَهم وهم يخضون ، ثم تذكَرت أمر الله بالبعد عنهم- فلا تبقَ معهم أبداً .
وسرُّ هذا النهي أن الإقبال على اولئك الخائضين والقعود معهم يغريهم في التمادي ، ويدل على الرضا به والمشاركة فيه . وهذا خطر كبير لما فيه من سماع الكفر والسكوت عليه .
{ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } .
ثم بين الله تعالى ان المؤمنين اذا فعلوا ذلك فلن يشراكوا الخائضين في الإثم ، لكن عليهم أن يذكّروهم ، لعلّهم يكّفون عن الباطل .
{ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } .
واترك يا محمد ، انت ومن اتبعك من المؤمنين ، جميعَ الذين اتخذوا دينهم لعبا ، فلقد خدعتهم الحياة الدنيا عن الآخرة ، فآثروها واشتغلوا بلذائذها الفانية .
{ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } .
وبعد ان امرهم بترك المستهزئين بدينهم امر بالتذكير بالقرآن فقال : ذكّر يا محمد دائما بالقرآن ، وحذرهم هول يوم القيامة ، يوم تُحبس فيه لك نفس بعلمها . { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } لا ناصر يومذاك ولا معين غير الله .
{ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ } .
ثم أرشد الى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح الاعمال ، فلا شفيع ولا وسيط ، وكلُّ فِدية للنجاة من العذاب مرفوضة ولا ينفع النفسَ أي فدية تقدمها في ذلك اليوم .
ثم يبين الله أن هذا الإبسال كان بسوء صنِيعهِم ، حيث اتخذوا دينهم هزواً ولعباً فحُرموا الثواب ، وحُبسوا عن دار السعادة . لقد أحاطت بهم خطاياهم ، فاستحقّوا ان يكون { لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } ، أي شراب من ماء شديد الحرارة ، وعذاب شديد الألم بنار تشتعل في أبدانهم .
وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن ، ولا يَغتَرُّ بلقب الاسلام فقط ، ويعلم أن المسلم من اتخذ القرآن إمامه ، وسنَّةَ رسوله طريقه ، لا من اغتّر بالأماني وركن إلى شفاعة الشافعين .
وفي ذلك عبرة لمن ينفعه القرآن ، ولا يَغتَرُّ بلقب الاسلام فقط ، ويعلم ان المسلم من اتخذ القرآن إمامه ، وسنَّةَ رسوله طريقه ، من اغتّر بالأماني وركن إلى شافعة الشافعين .

(1/478)


قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

الاعقاب : واحدها عقب ، مؤخر الرِجل ، نردّ على أعقابنا : نرجع الى الشِرك .
استهوته الشياطين : ذهبت بعقله . الصور : القرن يُستعمل للفنخ ، وقد استعمله الناس قدما . ويوم القيامة ينفخ في الصور ، فيقوم الناس لرب العالمين . عالم الغيب والشهادة : الغيب ما غاب عنا ، والشهادة ما نراه من خلقه . قال ابن عباس : هما السر والعلانية .
القرآن الكريم في جميع مراحله يعرض الخير والشر للناس ، يرغّب في الخير واتّباعه ، وحيذّر من الشر وعواقبه ، ويهدي الى الصارط المستقيم ومعنى الآيات :
قل أيها الرسول لهؤلاء الكفار : هل يصحّ أن نعبد غير الله مما لا يملك جَلْبَ نفعٍ ولا دفع ضر؟ وننتكِس فنُردَّ على أعقابنا بالعودة الى الضلال والشِرك بعد إذ هدانا الله الى الاسلام!! .
ثم ضرب اللهُ مثلا يصوّر المرتدّ في أقبح حالة تتخيلها العرب وهي :
{ كالذي استهوته الشياطين فِي الأرض حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا . . . } .
أي : الذي غرّرتْ به الشياطينُ وأضلّته في الأرض ، فصار في حَيرة لا يهتدي معها الى الطريق المستقيم ، وله رِفقة مهتدون يحاولون تخليصة من الضلال ، فهم ينادونه قائلين : إرجع الى طريقنا السوري ، لكنه لايستجيب لهم .
{ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين } .
أمر الله تعالى نبيّهُ الكريم أن يرغّب المشركون فيما يدعون اليه بلطف واسلوب حكيم .
قل أيها النبي : ان الإسلام هو الهدى والرشاد ، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لا ما تدعون إليه من أهوائكم وأساطير آبائكم الاولين . وكل ما عدا هدى الله فهو ضلال لا فائدة منه . وقد أمَرَنا الله بالانقياد اليه ، واتباع دينه القويم ، فهو خالق العالمين .
كذلك أمرنا الله باقامة الصلاة على اكمل وجه من الخضوع ، وان نخاف الله ونتقيه حق تقاته ، لأنه هو الذي تُجمَعون وتساقون الى لقائه يوم القيامة ، فيحاسبكم على ما كسبتم .
وهو وحده الذي خلق السماوات والأرض ، وأقام خلْقها على الحق والحكمة . وفي اي وقت تتجه إرادته الى إيجاد شيء فإنه يوجده بكلمة « كن » ان قوله هو الحق ولاصدق ، وله وحده التصرف المطلق يوم القيامة ، حين يُنفخ في الصور فيُبعث من في القبور . عندئذٍ يقف الخلق بين يديه ، لا تملك نفس لنفس شيئا والأمُر يؤمذ لله . وهو سبحانه الذي يستوي في علمه الغائب والحاضر ، والسر والعلانية . وهو الذي يتصرف بالحكمة في جميع افعاله ، ويحيط علمُه ببواطن الأمور وطواهرها ، « فلا تَدْعوا مَعَ اللهِ أحَداً » .

(1/479)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

ابراهيم : خليل الرحمن ، أبو الانبياء بعد نوح ، والاسم أعجمي معناه ابو الجمهور العظيم ، او أبو الأمة . أزر : ابو ابراهيم . قال البخاري : إبراهيم بن آزر ، وهو في التوراة تارح والله سماه آزر . وقال كثير من المفسرين ان اسمه تارح ، وآزر وصفّ له الضلال : العدول عن الطريق الحق . ملك الله وملكوته : سلطانه وعظمته جَنَّةُ الليل : ستره أفل : غاب بزغ القمر : طلع وجّهت وجهني : قصدت بعبادتي فطر السماوات : خلقها ومعنى فطر : شَقَّ الحنيف : المائل عن الضلال ، المخلص في عبادته .
بعد ان بين الله لنا ان عبادة غيره عبث وضلال ، وأمَرَنا أن نسلم اليه ، لأننا سوف نُحشر يوم ينفخ في الصور - جاءت هذه الآيات لتشرح الموضوع الأساسي لهذه السورة ، وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الالوهية وحقيقة الربوبية ، ومنا بينهما من ارتباطات . لكنه يعالج ذلك في اسلوب من القصص اللطيف .
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إني أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .
اذكر ايها الرسول لهؤلاء المشركين ، حين قال ابراهيم لأبيه آزر منكراً عليه عبادة غير الله : ما كان لك يا أبي ان تعبد الأصنام ، وتتخذها الهة وهي لا تضر ولا تنفع إني أراك وقومك في ضلال ظاهر .
{ وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض } .
وكما أرينا إبراهيم الحق في أمر أبيه وقومه فقد عمدنا الى أن نريّه مُلكنا العظيم للسماوات والارض- بما فيها من بديع النظام وغريب الصنع- ليقيم الحجة على المشركين ، وليكون في خاصة نفسه من الراسخين في الايمان .
{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي }
ثم فصّل سبحانه وتعالى كيف هداه الى الا يمان . فمال استنكر ابراهيم عبادة الأصنام طلب هداية الله ، وأخذ يفكر في هذا الكون العظيم . وكان من أول أمره في ذلك انه لما أظلم عليه الليل ، وهو يفكر في ملكوت الله - رأى كوكباً عظيما يقال إنه « المشتري » وكان قوم إبراهيم يعبدونه ، فلما رآه قال : هذا ربي لكن النجم غاب فلما غرب قال إبراهيم مبطلاً لربوبية ذلك النجم : أنا لا أُحِب الآفلين ، ولا اقبل عبادة الآلهة المتغّيرين . وفي هذا تعريض بجهل قومه في عبادتهم الكواكب .
{ فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } .
وحين رأى إبراهيم القمر طالعاً بعد ذلك قال محدّثا نفسه : هذا ربي فلما أفَل القمر ، شأن ساقه الكوكب- قال ابراهيم مسمِعاً من حوله من قومه ، ليوجّه نفوسهم الى الهداية : أٌقسِم إن لم يوفقني ربي لإصابة الحق في توحيده لأكونن من القوم الضالّين .
{ فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي هاذآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ } .

(1/480)