صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)

القرح : الجرح ، والمراد هنا كل ما أصاب المؤمنين من مشقات في وقعة أُحد وما تكبدوه من الخسائر . حسبنا الله : كفانا الله . فانقلبوا : فرجعوا .
في هذه الآيات وصف عظيم للمؤمنين الصادقين ، وهم الذين لبّوا دعوة الرسول الى استئناف الجهاد من بعد ما أصابهم من جرح وآلام يوم أُحُد . لقد اتقوا عصيان ربهم ورسوله الكريم ، فاستحقوا الأجر العظيم على ما قاما به من جليل الأعمال .
« وذلك ان أبا سفيان وأصحابه ، لما رجعوا من أحد ، ندموا وهمُّوا بالرجوع حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين . فبلغ ذلك رسولَ الله ، فأراد ان يُرهبَهم ويريهم القوة من نفسه وأصحابه ، فندب أصحابه للخروج في أثر أبي سفيان ، وقال : لا يخرجنّ معنا الا من حضر يومنا بالأمس . وهكذا خرج مع جماعة من أصحابه وفيهم عدد من الجرحى قد تحاملوا على أنفسهم ، حتى بلغوا مكانا سامه » حمراء الأسَد « . وعندما سمع أبو سيفيان بخروج النبي وأصحابه في طلبه ، خشي العاقبة ، فأسرع في جماعته منقلباً الى مكة » .
وهنا يقول :
ان هؤلاء الذين خوّفهم الناس بأن قالوا لهم : إن اعداءكم قد جمعوا لكم جيشاً كثيفا فخافوهم ، لكنهم لم يضعفوا ، بل ازدادوا ايماناً بالله وثقة من نصره ، كما أجابوا : ليس يهمَّنا هؤلاء الذين جمعوا الجموع ، فالله معنا ان ينصرنا على قلّتنا وكثرتهم ، ثم خرجوا مع رسول الله للقاء العدو ، لكنهم لم يلقوه لأنه أسرع خائفا الى مكة ، فرجعوا بدورهم الى المدينة مع الرسول هؤلاء قد فازوا بنعمة السلام ، واطاعهة رسوله . وبذلك ربحوا في تجارتهم ولم يمسَسْهم سوء .
روى البيهقي عن ابن عباس ان عيراً مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم باعها ، فربح مالاً ، فقسمه بين أصحابه ، فذلك من فضل الله .

(1/245)


إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

ان الذي وسوس الى أعوانه ان يقولوا : ان الناس قد جمعوا لكم ، لهو الشيطان . لقد أراد أن يخوّفكم بأوليائه وأنصاره المشركين ويوهمكم ان المشركين أولو قوة وبأس شديد ، فمن مصلحتكم ان تقعدوا عن لقائهم . لا تخافوا أيها المؤمنون من أبي سفيان وأنصاره ، ولا ترهبوا جمعهم ، بل خافوني وأطيعوا أوامري لأنكم أوليائي وأنا وليُّكم ، متكفل لكم بالنصر والظفَر ما ظَلَلْتم صادقين في ايمانكم قائمين بما يفرضه عليكم هذا الايمان .

(1/246)


وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)

يتجه الخطاب الى الرسول الكريم بهذه الآية ليسلّيه ، كما سلاّه في كثير من الآيات ، عما يُحزنه من إعراض الكافرين عن الايمان . ذلك ان بعض المنافقين أظهروا كفرهم وصاروا يخوّفون المؤمنين ويقولون لهم : ان محمداً طالب مُلك ، فتارة يكون الأمر له وتارة عليه ، ولو كان رسولا من عند الله ما غُلب . ومن شأن هذه المقالة ان تنفِّر الناس من الاسلام . فقال الله : لا تحزن أيها النبي الكريم من مسارعة المنافقين وبعض اليهود الى نصرة الكافرين بكل ما أُوتوا من الوسائل ، انهم لن يضرّوك والمؤمنين معك شيئاً . اما عاقبة هذه المسارعة الى الكفر فهي وبال عليهم : فالله يريد الا يجعل لهم نصيباً من ثواب الآخرة بل ان يذيقهم عذاباً عظيماً .

(1/247)


وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)

نُملي لهم : نُمهلهم . اثما : ذنبا .
ولا يحسبنّ هؤلاء الكفارون ان إمهالَنا لهم حين نمد في أعمارهم ونهيّىء لهم أسباب النعيم في حياتهم الدنيا هو خير لهم ، كلا ، ان اطالة العمر وسعة الرزق دون إيمان ولا عمل صالح يُفْضِيان بهم الى الاستمرار في المعاصي . . ومن ثَم استحقاق ما أعد الله لهم من عذاب مهين مقابلَ ما كنوا فيه من مقام ومكانة ونعمة .

(1/248)


مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)

يميز ويُمييٍِّز معناهما واحد وقرىء بهما ، يجتبي : يختار .
يبين الله تعالى هنا ان الشدائد هي محكّ صدق الايمان ، ولذلك يقول : ما كان الله ليترككم يا معشر المؤمنين على ما أنتم من اختلاط المؤمن بالمنافق حتى يميز بينكم بالمحنة والتكاليف والشدائد . بذلك يَظهر المنافق الخبيث والمؤمن الطيب الصادق الايمان . ولم يكن من شأنه تعالى أن يُطلع الناس على الغيب ، فلو فعل ذلك لأخرج الانسان من طبيعته . لذا جرت سنته بأن يميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد ، كما تم أُحد ، حيث ابتلى المؤمنين بظهور العدو عليهم ، جزاء ما فعلوا من المخالفة . وقد قال تعالى { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } .
ولكن الله يصطفي من رسُله من يشاء ، فيطلعه على ما يشاء من الغيب ، فيعلم ذلك الرسول المؤمنَ من المنافق . أما أنتم يا أصحاب محمد { فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } الذين ذكرهم في كتابه . وإن تؤمنوا بما جاؤوا به من أخبار الغيب وتتقوا الله بترك ما نهى عنه ، وفعل ما أمر به ، لفكم أجر عظيم لا يقدَّر ولا يوصف .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « يُمَيِّز » بضم الياء الأولى وفتح الميم وكسر الياء الثانية وتشديدها والباقون : « يَمِيز » بفتح الياء وكسر الميم .

(1/249)


وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)

سيطوَّوقون ما بخلوا : سيُلزمون به لزوم الطوق للأعناق .
كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد ، وهنا شرع يحثُّ على بذل المال في سبيل ذلك . ولمال بطبعه عزيز جدًّا على الناس ، حتى ان بعضهم لَيفدي نفسه من أجل ماله . لذلك ذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله على الجهاد ، واللهُ يرث الأرض و السماوات ، ويبقى الملك له وحده .
قراءات :
قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } بالتاء كما هو هنا ، والباقون « يعملون » بالياء .

(1/250)


لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183)

عهد الينا : أوصانا . بقربان : هو ما يذبح من الأنعام تقربا الى الله . بالبينات : الآيات والواضحة .
أبو بكر وفنحاص
« روى الطبري عن ابن عباس قال : دخل أبو بكر بيت المدارس فوجدَ من يهودَ ناساً كثيرا ، قد
اجتمعوا الى رجل منهم يقال له فنحاص ، كان من علمائهم وأحبارهم . فقال أبو بكر لفنحاص : ويحك يا فنحاص ، إتَّق الله وأسلم ، فوالله إنك لَتعلم ان محمداً رسول الله ، قد جاءكم بالحق من عند الله ، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والانجيل . قال فنحاص : واللهِ يا أبا بكر ما بنا الى الله من فقر ، وإنه إلينا لَفقير . وما تضرع اليه كما يتضرع الينا . وإنّا عنه لأغنياء . ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ، يشير الى قوله تعالى { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً } . فغضب ابو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة ، قوال والذي نفسي بيده ، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربتُ عنقك يا عدو الله ، فذهب فنحاص الى رسول الله ، فقال : يا محمد ، انظر ما صنع بي صاحبُك . فقال رسول الله لأبي بكر : ما حَمَلَكَ على ما صنعت؟ فقال : يا رسول الله ، إن عدو الله قال قولاً عظيما . . زعم ان الله فقير ، وانهم عنه أغنياء . فلما قال ذلك غضبُ لله مما قال ، فضربت وجهه . فجحد ذلك فنحاص ، وقال : ما قلت ذلك » فأنزل الله تعالى ردّاً عليه وتصديقاً لأبي بكر { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين . . . } الآية .
المدارس : ما كان الدرس ، وبَيْعة اليهود ، وهم يلفظونها مدارش .
قد سمع الله من قالوا هذه المقالة المنكرة ولم يَخْفَ عليه شيء . وسيجزيهم على ذلك أشد الجزاء ولقد سجّل عليهم ذلك القولَ الشنيع كما سجل عليهم قتلهم الأنبياء ظلماً وعدوانا ، وسينتقم منهم يوم القيامة ويقول لهم : ذوقوا عذاب النار المحرقة جزاء أعمالكم في الدنيا : كقتل الانبياء ، ووصف الله بالفقر ، وتكبركم وتبجحكم .
{ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } فلا يكون عاقبة الا عدلاً ولا يعاقب غير المستحق للعقاب .
قراءات :
قرأ حمزة : « سيكتب ما قالوا » بالياء المضمومة ، و « قتلهم » بضم اللام ، و « يقول » بالياء .
ان من يدّعون فقر الله وغناهم هم الذين قالوا ان الله أوصانا في التوراة الا نؤمن لرسولٍ إلا اذا دلّل على صدقه بأن يأتينا بشيء يقرّبه لوجه الله وتنزل نار من السماء فتأكله ، فقل لهم يا محمد : لقد بعث الله رسلاً جاؤا بما اقترحتم ، ومع ذلك كذّبتموهم وقتلتموهم! فِلَم فعلتم ذلك ان كنتم صادقين في وعدكم بأن تؤمنوا عندما يتحقق ما تريدون؟
رويَ عن ابن عباس ان كعب بن الأشرف ، ومالك من الصيف ، وفنحاص ، وجماعة من أحبار اليهود أتوا رسول الله فقالوا : يا محمد ، تزعم انك رسول الله ، وأنه أوحى اليك كتاباً ، وقد عهد إلينا في التوراة الا نؤمن لرَسولٍ حتى يأتينا بقربان تأكله . . . . الخ .
وفي الآية رد صريح ومجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر .

(1/251)


فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)

الزبر : جمع زبور وهو الكتاب .
فإن كذّبوك أيها النبي بعد ان جئتهم بالبينات الساطعة ، والكتاب الهادي الى سواء السبيل ، فلا تأسَ عليهم ولا تحزن لعنادهم وكفرهم . لقد جاء قبلك رسل كثيرون كذّبهم أقوامهم ، ومع انهم جاؤوهم بالأدلة الساطعة والكتب السماوية الدالة على صدق رسالتهم ، فليس بالعجيب منهم ان يقاوموا دعوتك . ذلك ان نفوسهم منصرفة عن طلب الحق وتحرّي سبل الخير .
قراءات :
قرأ ابن عامر « وبالزبر » باعادة حرف العطف . وقرأ هشام « وبالكتاب » .

(1/252)


كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)

زحزح عن النار : أُبعد عنها . متاع الغرور : المتاع كل ما يُنتفع به ويتمتع به . الغرور : الخداع والغفلة وكل زخرف باطل .
بعد كل ما تقدم يتجه الخطاب الى المسلمين ، يحدثهم عن القيم التي ينبغي لهم ان يحرصوا عليها ، ويضحّوا من أجلها . وهو يخبرهم ان هناك متاعب وآلاما ، فيجب ان يتجمّلوا بالصبر والتقوى . كما يذكّرهم بحقيقة مقررة ، وهي ان الحياة في هذه الأرض محددة بأجل موقوت ثم تأتي نهايتها فيموت الصالحون والطالحون ، المجاهدون والقاعدون ، الشجعان والجبناء ، العلماء والأنبياء . كل نفس ذائقة الموت لا محالة والبقاءُ للهِ وحده . . يومذاك يعطى العباد جزاء أعمالهم وافيا ، فمن خلَص من العذاب وأُبعد عن النار فقد فاز فوزاً عظيما .
روى الامام أحمد ومسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله « من أحبّ ان يُزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتدركْه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت الى الناس ما يحبّ ان يؤتى اليه » .
وما حياتنا هذه التي نتمتع بلذاتها ، من مأكل ومشرب أو جاه ومنصب وسيادة ، الا متاع الغرور ، لأنها تخدع صابحها وتشغله كل حين بجلْبِ لذاتها ورفع آلامها ومهما عاش الانسان وجمع من مالٍ أو حصل على منصب فانه مفارق هذا كله في نهاية الأم . وما الحياة الدنيا الا كما قال الشاعر .
« فما قضى أحد مها لُبانتَه ... ولا انتهى أربٌ إلا الى أرب »

(1/253)


لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)

لتبلون : لتمتحَنُنَّ . من عزم الأمور : من صواب الرأي والتدبير .
ستُختبرون أيها المؤمنون في أموالكم : بالنقص والنفاق والانفاق والبذل في جميع وجوه البر ، وفي أنفسكم : بالجهاد ، وبالقتل في سبيل الله ، والأمراض والآلام . وسوف تسمعون من اليهود والنصارى والمشركون كثيرا مما يؤذيكم من السب والطعن ، فإن قابلتم ذلك كله بالصبر والتقوى ، كان ذلك من صواب الرأي وحسن التصرفن ، وهو ما يجب العزم على التمسّك به .

(1/254)


وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)

الميثاق : العهد المؤكد . فنبذوه : فرموه . واشتروا به ثمنا قليلا : وأخذوا بدله شيئاً قليلا من مطامع الدنيا .
بعد ان بين الله تعالى شُبهة اليهود ومطامعهم في نبوة سيدنا محمد جاء هنا يفضح موقف أهل الكتاب جميعاً في مخالفتهم عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب . وقد تضمّن سياق السورة الكثير من أباطيل أهل الكتاب وأقاويلهم وبخاصة اليهود . ومن أبرزِها كتمانهم للحق الذي يعلمونه حق العلم ، بغية إحداث البلبلة والاضطراب في الدين الاسلامي ، وإنكاراً لوحدة المبادىء بينه وبين الأديان التي قبله . هذا مع ان التوراة بين ايديهم ، ومنها يعلمون أن ما جاء به محمد هو الحق من عند الله . إذنْ ، لماذا يكتمون الحق ولا يبالون به؟ طمعاً في حطام تافه من عرض الدنيا!
هنا يكشف الله ألا عيبهم ثم يخاطل رسوله والمؤمنين : اذكروا حين أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب بلسان أنبيائهم أن يوضحوا معاينه ولا يحرّفوه عن مواضعه ، أو يحفوا شيئا من آياته عن الناس . . لكنهم ألقوه وراء ظهورهنم واستبدلوا به حطام الدنيا ليتمتعوا بلذاتها الفانية ، { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } .
وينطبق هذا المسلمين اليوم ، فهم قد اتبعوا أهواءهم وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم . من ثم أصبحوا حيارى ، لا يدرون ماذا يعملون ، فيما تتخطفهم الأمم من كل جانب .
قال الزمخشري رحمه الله : كفى بهذه الآية دليلاً على انه مأخوذ على العلماء ان يبيّنوا الحق للنار وما علموه ، وان لا يكتموا منه شيئا . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما أخذ الله على أَهل الجهل ان يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا .
وها نحن نرى كلتا الطائفتين مقصرة أشد التقصير . وعذاب الجهّال منصبٌّ على رؤوس العالمِين . وقد ألهى الطمعُ في المال والجاه .

(1/255)


لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)

« روى الامام أحمد والبخاري مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم ان رسول الله سأل بعض احبار اليهود عن شيء فكتموا حقيقته ، وأخبروه بغير الحقيقة ، وخرجوا وقد أروه ان قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك اليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه » وروى البخاري ايضا عن ابي سعيد الخدري أن رجالاص من المنافقين كانوا اذا خرج رسول الله الى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم ذاك . فاذا قدم من الغزو واعتذروا اليه وحلفوا ، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا . فنزلت هذه الآية .
ولا منافاة بين الروايتين ، لأ ، الآية عامة في جميع ما ذُكر . وهي وان كانت في اليهود والمنافقين ففيها ترهيب للمؤمنين ، وتنسحب على كل ما يجب أن يُحمد بما لم يفعل . وقد جاء عن النبي في الصحيحين :
« من أدّعى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله الا قلة » .
ومعنى الآية : لا تظننّ أيها النبي ان الذين يفرحون دائما بما يأتون من أفعال قبيحة ، ويحبون الثناء بما لم يفعلوه سيكونون في نجوة من العذاب ، فقد أعدّ الله لهم عذاباً عظيما يوم القيامة لا مفر منه . ولله ملك السماوات والأرض ، وهو على كل شيء قدير ، يؤاخذ المذنبين بذنوبهم ويثيب المسحنين على احسانهم .
قراءات
قرأ ابن كثير وأبو عمرو « لا يحسبن الذين يفرحون . . . » بفتح الياء وضم الباء .

(1/256)


إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)

الخلق : التقدير والترتيب الدال على الاتقان . اختلاف الليل والنهار : تعاقبهما . الألباب : العقول . وعلى جنوبهم : مضطجعين . الأبرار : المحسنون ، واحدُها بار أو بَر . على رسُلك : على أَلسنة رسلك .
من أسلوب القرآن الكريم انه يجذب النفوس والعقول من الاشتغال بالخلق الى الاستغراق في معرفة الحق ، فيأتي بين الآيات وفي أواخر السور بآيات مشوّقة تريح الأعصاب وتشوق القلوب . فقد اشتملت هذه الآيات الحكيمة على ثلاثة أمور :
الأول : لما طال الكلام في تقرير الأخذ والرد والجواب عن شبهات المبطلين ، عاد التنزيل الى إثارة القلوب بِذِكر ما يدل على التوحيد والالوهية . فقال : ان هذا الكون بذاته كتابٌ مفتوح ، يحمل دالائل الايمان وآياته ، ويشير الى أن وراء هذا الكون يداً تدبره بحكمة ، ويوحي بأن وراء هذه الحياة الدنيا حياةً أخرة ، وحساباً وجزاء .
هذا ما اتفقت على وجوده الأديان الكتابيّة ، وان اختلفت في تمثيل الحياة الأخرى .
وقد آمن الفلاسفة بالحياة الاخرى قبل الاديان الكتابية جميعاً وبعد مجيئها أيضا . فمن أشهر المؤمنين بها قبل الأديان « أفلاطون » ، ومن أشهرهم بعدها « عمانويل كانت » ، وهما يجمعان أطراف الآراء الفلسفية في سبب الإيمان ببقاء النفس بعد الموت . . . . ونريد من الاشارة الموجزة الى رأي هذين الفيلسوفين ، ان يذكر الناظرون في مسألة الحياة بعد الموت انها مسألة بحث وتفكير ، لا قضية اعتقاد وايمان فحسب . . ان العقل لا يرخجها من تناول بحثه ، فلا بد من توضيح الحقيقة الاعتقادية بالمحسوسات في كثير من الأحوال . وعلى هذا ، ينبغي ان يروض فكره كلُّ من ينظر الى عقيدة الحياة الأخرى في القرآن الكريم . وانما يدرك هذه الدلائل ، ويرى هذه الحكمة « أُولو الألباب » من الناس ، لا الذين يمرون بهذا الكتاب المفتوح وأعينهم مغمضة ، وعقولهم مغلقة غير واعين .
والثاني : مدحٌ لأولي الألباب الذين يذكرون الله على كل حال ، فهم يتفكرون في عظمة هذا الكون ثم يبتهلون الى الله بهذه الدعوات الصادقة ، المنبعثة من قلوب صافية مؤمنة .
والأمر الثالث : استجابة الخالق العظيم لهم ، بأنه لا يضيع أجر أحد ، وأنهم سيرجعون الى رب رحيم ، عادل ، قد أعدّ لهم أحسن الثواب وأجمل الاقامة . وها هو التفسير باقتضاب :
ان في خلق الله للسماوات و الأرض ، بما فيهما من ابداع ، وإحكام نظام ، وبديع تقدير ، وفي اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما بنظام دقيق نحسّ آثاره في أجسامنا بفعل حرارة الشمس وبرد الليل لدلائل بيناتٍ لأصحاب العقول المدركة على وحدانية الله ، وكمال قدرته .
وفي هذه الآية اشارة الى حقائق مذهلة في هذا الكون العجيب ، ذلك ان السماء ما هي الا آية من آيات الله تبدو لنا بتأثير الاشعة الشمسية على الغلاف الجوي المحيط بالأرض .

(1/257)


فعندما تسقط هذه الأشعة على ذريرات العناصر الكيماوية التي يتألف منها الجو ، وما يحمله من دقائق عالقة به تنعكس هذه الأشعة وتتشتت ، فنرى نحن الضوء الأبض الذي يتألف من جميع الألوان المرئية .
وصفوة القول ، ان ضور النهار يتطلب الاشعاع الشمسي ، وكميةً متناسية من الغبار الجوي . فقد حدث في سنة 1944 أن أظلمت السماء فجأة في وضح النهار ، ولشدة ظلمتها صار النهار كأنه الليل . وقد ظل الأمر كذلك زمناً وجيزاً ، ثم تحولت السماء الى لون أحمر ، تدرّج الى لون برتقالي ، فأصفر ، حتى عادت الى حالتها الطبيعية ، بعد نحو ساعة أو أكثر .
وقد تبين فيما بعد ان هذه الظاهرة نشأت من تفتُّت نيزك في السماء ، استحال الى رماد ، وحملته الرياح الى مسافات بعيدة من أواسط افريقية الى شمالها ، ثم الى غربي آسيا ، حيث شوهدت هذه الظاهرة في سورية . وتفسير ذلك ان الغبار المعلق في الفضاء قد حجب نور الشمس ، فلما قلّت كثافته أخذ الضوءُ في الاحمرار والاصفرار الى ان عاد طبيعيا .
أما ما نراه في هذه السماء من نجوم وأجرام سمايوة ومجرّات وكائنات ، فهي أمور كُتب فيها مجلدات و موسوعات يتطلب التعرف على أنظمتها دراسة واسعة وتخصصا كبيرا ، وهي مظهر من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى التي تتجلى في خلقه كلَّ ذلك .
والأرض أهم عالم عرفناه ، وفيها أحوال لا تُوجد مثلها في شيء من هذا الكون الواسع . هي على ضخامتها في نظرنا لا تساوي في الحقيقة ذرة في هذا الكون العجيب . ولو ان حجمها كان أقل أو أكثر مما هي عليه الآن ، لاستحالت الحياة فوقها . وهي تدور بسرعة مقدراها ألف ميل في الساعة ، وفيها جاذبية غير عادية ، وهي تشد كل شيء اليها بفعل تلك الجاذبية .
وتُكلم الأرض دورة واحدة حول محورها كل أربع وعشرين ساعة ، ولو فرضنا ان انخفضت هذه السرعة الى مائتي ميل في الساعة ، لطالت أوقات لَيلِنا ونهارنا عشرات المرات ، عما هي عليه الآن . ويترتب على ذلك ان تحرق الشمس كل شيء فوق الارض ، فإن بقي بعد ذلك شيء قضت عليه البرودة الشديدة في الليل .
ثم ان هذه الارض دائرة في الفضاء حول الشمس ، وعلى زواية محددة ، الأمر الذي تنشأ عنه فصول السنة ، وصلاحية البقاع للزراعة والسكن ، فلو لم تَسِر الأرض على هذه الزاوية لغمر الظلام القطبين طوال السنة ، ولسار بخار البحار شمالاً وجنوبا ، ولما بقي على الأرض غير جبال الثلج وفيافي الصحراوات . . اذ ذاك تغدو الحياة على هذه الأرض مستحيلة تماماً .
ولو ك انت قشرة الارض أكثر سُمكاً مما هي الآن بمقدار عشرة أقدام لما وجد الأكسجين ، لأن القشرة الارضية ستمتص الاوكسجين في تلك الحال . وبدونه تستحيل الحياة الحيوانية .
وكذلك لو كانت البحار أعمق مما هي الآن بضعة أقدام ، لا نجذبَ إليها غاز ثاني اوكسيد الكربون ، والاوكسجين ، ولاستحال وجود النباتات عند ذلك .

(1/258)


ويحيط بالأرض غلاف جوي خليط من الغازات التي تحتفظ بخاصائصها ، وأقربُ طبقات الارض الى سحطها تسمى تروبوسفير ، وهي تمتد الى ارتفاع ثمانية كليو مترات عند القطبين والى 11 كم في خطوط العرض الوسطى ، و12 كم عند خط الاستواء . وفي هذه الطبقة يحدث خلط مستمر للهواء نتيجة للتيارات الصاعدة والهابطة . . . . وتتركب الغلاف الجوي من الأزوت والأوكسجين ، والأرغون ، وثاني أوكسيد الكربون ، وكميات ضئيلة من غازات النيون والكريتون والهيليوم والأيدروجين والكسينون والأوزون ، بالاضافة الى كميات متغيرة من بخار الماء والغبار . ولكل هذه المواد نسب معينة محددة لا تزيد ولا تنقص .
ولو كان الغلاف الجوي للأرض ألطف مما عليه الآن ، لاخترقت النيازك الغلاف الخارجي منه كل يوم ، ولرأينا هذه النيازك مضيئة في الليل ، ولقسطت على كل بقعة من الارض وأحرقتها . فولا ان غلاف الارض الهوائي يقينا من هذه الشهب لأحرقتنا . ذلك ان سرعتها أكبر من سرعة طلقة البندقية بتسعين مرة ، كما ان حرارتها الشديدة كافية لإهلاك كل ما على سطح الأرض .
والآن . ألا يدل على التوازن الدقيق العجيب جداً على قدرة الخالق وبديع صنعه! الحق أنه لم يكن صدفة ، ولا وُجد عفوا كما يقول المبطلون الجاهلون .
لكن ، من يدرك ذلك؟ إنهم أولوا الألباب ، فهم الذين ينظرون إليه ثم يستحضرون في نفوسهم عظمة الله وجلاله . ومن ثم تجدهم لا يغفلون عنه تعالى في جميع أحوالهم : قائمين ، وقاعدين ، وعلى جنوبهم . وهم يتفكرون في خلق السماوات والارض ، وما فيها من عجائب ثم يقولون : ربنا ما خلقتَ كل هذا الكون العجيب عبثا ، بل وِفق حكمة قدّرتَها ، إنك أنت العزيز الحكيم .
وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يخاطبون ربهم عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بدائع خلقه ، فوفّقنا يا ربُّ بعنايتك الى العمل الصالح حتى يكن ذلك وقاية لنا من عذاب النار .
ثم إنهم يضرعون الى ربهم قائلين : يا ربنا وخالقنا ، إن من يستحق النار باعماله السيئة سيلقاها ، وبذلك تكون قد أخزيته وأظهرتَ فضيحته . وليس للظالمين الذين استحقوا النار أنصار يحمونهم يوم القيامة من دخول النار .
ثم يتّجهون بقلوب خاشعة تطلب المغفرة الواسعمة ، والوفاةَ مع الأبرار فيبتهلون : يا ربنا ، إننا سمعنا رسولك الكريم يدعو الى الإيمان بك ، فأطعناه وآمنّا ، فاغفر بنا ذنوبنا كبيرها وصغيرها ، وكفّر عنا سيئاتنا واجعلنا في الآخرة من عبادك الأخيار . أعطنا يا ربُّ ما وعدتنا على ألسنة رُسلك الكرام من حسن الجزاء في الدنيا كالنصر والتأييد ، ومن النعيم في الآخرة . لا تفضحنا يا ربّ و لا تهتك سترنا يوم القيامة ، انك لاتخلِف ما وعد به جزاء الإيمان وصالح الأعمال .
ولقد استجاب لهم ربهم طلبهم بعد تلك المناجاة اللطيفة ، والدعاء الخالص ، فطمأنهم الى انه لا يُضيع ثواب عامل ، ذكراً ك ان أم أنثى ، فكلّهم سواء في الانسانية .
وفي هذه الآية نصٌّ على ان الذكر والأثنى متساويان عند الله ولا تفاضل بينهما الا بالأعمال .
بعد ذلك ينتقل البحث الى المهاجرين من مكّة ، فالذين هاجروا يريدون وجه الله ، أو أُخرجوا من ديارهم وناهلم الأذى في سبيل الله ، وقاتلوا وتعرضوا للقتل قد كتب الله على نفسه ان سيمحو عنهم سيئاتهم ، ويُدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار . والله وحده عنده الثواب الجميل .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي « وقتلوا واقاتلوا » ، وقرأ ابن كثير وابن عامرم « وقتلوا » بتشديد التاء .

(1/259)


لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)

يغُرنَّك : يخدعنَّك . تقلب الذين كفروا : تصرُّفهم في التجارة والمكاسب . مأواهم : مصيرهم ونُزُلهم . . المهاد : المكان الممهد . النزل : المنزل ، أو ما يقدَّم للضيف من طعام وشراب . الابرار : جمع بارّ وبَرٍّ : كل متصف بالخير ومتوسع فيه .
بعد تلك المناجاة الروحية وما فيها من ابتهالات ودعوات ، وما تلاها من تبشير من الله تعالى للمؤمنين بالثواب العظيم ، جاء التبصير للمؤمنين . وكانوا في غاية الفقر ، لا سيما المهاجرون ، فيما كان مشركو قريش في رخاء وعيس لين . لذا ذكر الله تعالى هنا ما يسلّي المسلمين ويصبّرهم على تلك الشدة ، فبيَّن هنا أن رخاء المشركين متاع زائل ، فلا ينبغي للعاقل ان يوازنه بالنعيم الخالد المقيم . فقال تعالى : لا يغرَّنك يا محمد ، انت والمؤمنين ، ما ترى الذين كفروا يتقلّبون فيهن من النعيم ، ذلك كلّه متاع قليل زائل ثم ينتهون الى جنهم .
وبعد أن بين حال الكافرين ومآل أمرهم ، شرح عاقبة المؤمنين فقال : أما الذين آمنوا بالله ورسوله واتقوا ربهم بفعل الطاعات وترك المنهّات فإن لهم جنات تجري من تحتها الأنار ، مخلَّدين فيها ، في نعيم من كرم الله وضيافته . ولا شك ان ما عند الله من الكرامة أفضل على التحقيق مما يتقلب فيه الذين كفروا من المتاع القليل .

(1/260)


وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)

لقد روي في سبب نزول هذه الآية عدة روايات : النجاشي ، أو جماعة من نجران ، أو بعْض أفراد من الروم . وهي على كال حال تعم كل كتابيٍّ آمن بالله ورسوله ولا عبرة بخصوص السبب . والمعنى : ان بعض اهل الكتاب يؤمنون بالله ، وبما أُنزل على محمد ، وما أنزل على الرسل من قبله ، وانت تراهم يا محمد خاشعين لله مبتهلين اليه ، لا يستبدلون بآيات الله وايمانهم الصحيح عَرَضاً من أعراض الدنيا مهما عظم . فلهؤلاء القوم الجزاءُ الأوفى عند ربهم في دار الرضوان ، والله لا يعجزه إحصاء اعمالهم ومحاسبتهم عليها ، وهو قادر على كل شيء .
ثم يختم الله تعالى هذه السورة العظيمة بوصية للمؤمنين اذا عملوا بها كانوا أهلاً لاستجابة الدعاء ، وأحق بالنصر في الدنيا وحسن ثواب الآخرة .

(1/261)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

يا أيها المؤمنون اصبروا على شدائد الدنيا وآلامها ، وألجِموا شهواتم النفس وأطماعها ، واصبروا على انحراف الناس ونقصهم وسوء أعمالهم ، فالصبر شيء عظيم . ولقد حث الله تعالى عليه في نيِّفٍ ومائة آية من القرآن الكريم ، وما ذلك الا لعلو منزلته ، وكونه من أكبر علائم النجاح في الدارين .
أما { وَصَابِرُواْ } فتعني تحمَّلوا الماكره التي تلحقكم من سواكم ، وصابِروا الأعداء دون أن ينفذ صبركم على طول المجاهدة ، وسيكون لكم النصر بإذن الله .
{ وَرَابِطُواْ } في سبيل الله ، وأصلُ المرابطة الإقامة في الثغور على حدود الأعداء ومواقع الجهاد ، اما الآن فقد بات معناها الجهاد في جميع ألوانه والاستعدادُ له بكل ما ولّده هذا العصر من وسائل الدفاع والاسلحة الحديثة . ما ترك الجهادَ قومٌ الا وَقَرَنهم الله بالذل ، فلننظر الى ما نحنن عليه الآن من فرقة ونزاع واختلاف بين زعمائنا وحكامنا ، وما يصدر من بعضهم من تبجح وتصريحات ، فهل نحن في مستوى قضيتنا؟؟
{ واتقوا الله } والتقوى تصابح ل ما سبق ، فهي الحارس اليقظ في الضمير تحرسه من أن يغفل ، أو يضعف ، أو يحيد عن الطريق القويم . فالصبر والمصابرة والجهاد بدون تقوى الله لا قيمة لها ولا فائدة منها .
{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } في الدنيا والآخرة ، نسأل الله تعالى ان يوفقنا لنكون من هؤلاء ، فنفوز مع الفائزين برضاه في الدارين ، وصدق الله العيظم .

(1/262)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)

الزوج : يطلق على الذكر والأنثى . بث : خلق ونشر . تساءلون به : يسأل بعضكم بعضا به ، كأن يقول : سألتك بالله ان تفعل كذا . الأرحام : جمع رحم وهي القرابة . اليتيم : من مات أبوه وهو صغير قاصر . حوباً كبيراً : اثما عظيما .
يا أيها الناس احذروا عصيان خالقكم ، الذي انشأكم من العدم ، واذكروا انه أوجدكم من نفس واحدة خلق منها زوجها ، ثم نشر منها رجالاً ونساء كثيرين . فاتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون ، ويسأل بعضكم بعضا باسمه فيما تتبادلون من أمور . كذلك تذكَّروا حقوق الرحم والقرابةِ عليكم فلا تفّرطوا فيها ولا تقطعوا وشائجها .
وقد قرن الله الرحم باسمه الكريم لأن صلتها أمر عظيم عنده . وقد ورد في الحديث الصحيح « ان الرحم تقول : من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله » وكذلك قال رسول الله « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِل رحمه » .
ظهرت العناية باليتامى في القرآن الكريم منذ اول نزول الوحي ، واستمر يوصي بهم الى أواخر نزول القرآن . وقد وردت آيات كثير توصي باليتيم والمحافظة على ماله حتى جعل بعضُها من يظلم اليتيم ويقصّر في حقه كأنه يكفر بالله ويكذّب بيوم الدين .
في هذه السورة العظيمة جاءت الآيات تأمر بالمحافظة على أموال اليتامى والقيام بحقوقهم ، ثم تشدّد في التحذير من اهمال ذلك . وقد مهدت لهذه الأحكام في آيتها الاولى ، فطلبت تقوى الله ، والتقوى في الرحم ، وأشعرت الناس أنهم جميعا من نفس واحدة ، فاليتيم رحمُهم وان كان من غير أسرتهم .
وبعد هذا التمهيد الجميل أمرَهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسملوها كاملة عندما يبلغون سنّ الرشد ، كما حذّرهم من الاحتيال في مبادلة الطيب المختار من مال اليتيم بالرديء الخبيث من أموال الوصي عليه ، أو خلط أموالكم باموال اليتماى . وقد عبر عن هذا بالأكل { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ } . فإن لجأتم الى التحايل بالمبادلة ، أو الأكل تحت شعار الخلط ، فاعلموا { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } اي ذنْباً عظيماً ، فاجتنبوه .
قراءات :
قرأ عاصم وحمزة والكسائي : « تساءلون » بفتح السين المخففة ، وقرأ الباقون « تساءلون » بفتح السين المشددة ، وقربأ حمزة « والارحام » بجر الميم .

(1/263)


وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)

تقسطوا : تعدلوا . تعولوا : تميلوا عن الحق ، وقيل يكثُر عيالكم .
يسأل كثير من الناس قديماً وحديثا : ماوجه الربط بين العدل في معاملة اليتامى ، ونكاح النساء! وقد سأل عروة بن الزبير خالته عائشة أم المؤمنين ، ففسرت ذلك بأن بعض أولياء اليتامى كان يتزوج بمن عنده من اليتيمات اللاتي يحل له زواجهن ، أو يزوّجها بعض أبنائه ، ويتخذ ذلك ذريعة الى أكل مالها أو أكل مهرها الذي تستحقه بعقد الزواج . فأنزل الله تعالى هذه الآية مرشدة لهم بأن من كان عنده يتيمة وأراد ان يتزوج بها أو يزوّجها من بعض أبنائه ، لا لغاية أكل مالها أو أكل مهرها فلا مانع من ذلك . اما اذا اراد ان يتزوجها ليأكل مالها أو مهرها ، فان الله يأمره أن يتركها تتزوج غيره ، وله ان يتزوج غيرها .
ولقد أباح له الزواج بأكثر من واحدة الى اربع نساء . ثم وضع شرطاً مهماً جداً فقال : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين الزوجات فعليكم ان تكتفوا بواحدة فقط ، لكم ان تتمتّعوا بمن تشاؤون من السراري . واختيار الواحدة اقرب من عدم الجور والظلم ، اذا ان العدل بين النساء من الأمور الصعبة جدا . لذلك قال تعالى في آية أخرى { وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء وَلَوْ حَرَصْتُمْ } والمقصود بالعدل هنا هو المعاملة الطيبة ، والنفقة ، والمعاشرة الحسنة للزوجات على السواء . اما العدل في مشاعر الرجل وميله القلبي فإنه غير ممكن وليس هو المقصود . فان النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول : « اللهم هذا قَسمي فيما امِلكَ ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » .
وموضوع تعدد الزوجات أمرٌ كثر فيه الكلام قديماً وحديثا ، واتخذه أعداء الاسلام سبيلاً للطعن فيه ، ولا سيما المشترقون والمبشرون . ولو ان هؤلاء المتعصبين بحثوا الموضوع بتجرد عن الهوى لرأوا ان الاسلام لم يبتدع تعدد الزوجات بل حدّده ووضع قيوداً تقلله بقدر الامكان . فقد كان التعدد معروفاً ومعمولاً به عند جميع الأمم ، فجاء الاسلام ورخّص فيه وقيّده بقيود صارمة . وذلك لمواجهة واقع الحياة البشرية ، وضرورات الفطرة الانسانية . إن الناس ليسوا سواء ، فمنهم من لا تكفيه زوجة واحدة ومنهم المضطرُّ الى الجمع ، لأمور عديدة والدين الاسلامي ليس ديناً جامداً ، بل هو واقعيٌّ ايجابي ، يتوافق مع افطرة الانسان وتكوينه كما ينظر الى واقعه وضروراته ولهذا أباح تعدد الزوجات بذلك التحفظ الشديد ، فحيسن ان يؤخذ هذا الموضوع بيسر ووضوح ، وان تُعرف الملابسات التي تحيط به ، فلا ينبغي لمسلم ان يقدم على الزواج بأكثر من واحدة الا لضرورة ، ومع مراعاة ما أوجبه الله من العدل .
{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } تمتعوا بما شئتم من السراري ، وهذا غير موجود في عصرنا .
{ ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } اي ان الاقتصار على زوجة واحدة أقرب الى عدم الوقوع في الظلم والجور ، كما أنه أدعى إلى ألاّ كثر عيالكم فتعجزوا عن الانفاق عليهم .

(1/264)


وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)

صدقاتهن : مهروهن . نحلة : عطية عن طيب نفس .
الخطاب للأزواج ، وأعطوا النساء مهورهن عطية خالصة ، ليس لكم فيها شيء . فإن طابت نفوسهن بأعطائكم شيئا منها دون اجبار ولا خديعة فكلوا هنيئا طيبا ، محمود العاقبة .
وعلى هذا لا يجوز للرجل ان يأخذ لنفسه أو ينقص شيئاً من مهر زوجته الا اذا علم ان نفسها طيبة به ، لأن العلاقات بين الزوجين ينبغي ان تقوم على السماحة النابعة من القلب ، والود الذي لا يبقى معه حرج .

(1/265)


وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)

السفهاء : ضعاف العقول الذي لا يحسنون تدبير أنفهسم . قياما : تقوم بها أمور معايشكم وتمنع عنكم الفقر . وارزقوهم فيها : اعطوهم رزقهم من أموالهم ، ولا تجمّدوها بل اتَّجروا بها حتى لا تنفد .
ولا تعطوا ضعاف العقول ممن لا يحسنون التصرف في المال أموالهم التي هي أموالكم كمجتمع . ذلك ان مال اليتيم وضعيف القعل هو مالُكم كمسلمين ، فاذا ضاع أو تلف خسرتم أنتم . لذلك عليكم ان تثمِّروه وتحافظوا عليه حتى لا يضيع .
{ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً } الّتي بها تقوم الحياة وتثبت . وفي هذا حيٌّ على حفظ الأموال وعدم تضييعها . وقد كان السلف يقولون :
المال سلاح المؤمن . ولأَن أَترك مالاً يحاسبني الله عليه خيرٌ من أن احتاج الناس .
( وأعطوهم رزقهم ) اي أعطوهم من ثمراتها النصيب الذي يحتاجون اليه للطعام ، واكسوهم وعاملوهم بالحسنى .
{ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً } يرضيهم ولا يؤذيهم .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر « التي جعل الله لكم قيما » والمعنى واحد .

(1/266)


وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)

آنستم منهم رشدا : أبصرتم منهم حسن التصرف في الأموال . اسرافا وبدارا ان يكبروا : لا تأكلوا اموالهم مسرفين ومسرعين في تبذيرها قبل ان يكبروا . والبدار والمبادرة : المسارعة .
بعد أن أمرنا الله في الآيات السابقة بإتياء الايتام أموالهم وبأعطاء النساء مهورهن بيّن في هذا الآية الكريمة شرطام مهما ، وهو : لا يعطى اليتيم أو القاصر ماله الا اذا كان بالغاً راشدا . فاختبروا عقول اليتامى وتبينوا حسن تصرفهم بالمال ، حتى اذا أصبحوا صالحين للزواج وعرفتم فيهم الرشد والسداد فادفعوا اليهم أموالهم . وإياكم ان تأكلوها ، لا مسرفين فيها بالانفاق منها ( ولو على اليتيم نفسه ) ، ولا مستعجلين في الانفاق قبل ان يكبر اليتيم . ومن كان من الأوصياء غنياً فليتعفف عن أموال اليتامى ، ومن كان فقيرا فليكتفِ بقدر مايكفيه بحسب الصرف الجاري في بلده ووقته . فاذا سلّمتموهم أموالهم فأشهدوا عليهم انهم قبضوها ، ( والاشهاد واجب عند الشافعية والمالكية ومندوب عند الحنفية ) ، والله من ورائكم هو المحاسب والمراقب .
وقد ورد في الحديث : « ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : لي مال وإني وليُّ يتمي ، فقال : » كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالاً ، ومن غير أن تَقِيَ مالَك بماله « » .

(1/267)


لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)

في هذه الآية الكريمة بدء لذكر الميراث ، فقد كان العرب في الجاهلية لا يوّرثون النساء والأولاد الصغار ، ويقولون : لا يرث الا من طاعَن بالرماح وحاز الغنيمة .
وقد روي في سبب نزول هذه الآية ان أوس بن الصامت الأنصاري توفي وترك زوجة تدعى أم كحة ، فحاز انبا عمه ، سويد وعرفطة ، ميراثه ولم يعطيا الزوجه والبنات شيئا . فجاءت أم كحة الى الرسول فشكت اليه أمرها . فدعاهما رسول الله ، فقالا : ان الميراث لمن يقاتل العدو ويكسب . فنزلت هذه الآية ، ثم نزل تفصيل الميراث في الآيات التي بعدها .
والمعنى انه : اذا ترك الولدان أو الأقربون مالاً فانه ينقسم ، للرجال نصيب منه ، وللنساء نصيب ، سواء أكان الوارث صغيرا أو كبيرا ، ذكرا أو انثى ، ومهما كان المال الموروث قليلا أو كثيرا . وهذا الآية عامة فصّلتها الآيتان 11 و12 بعد قليل .

(1/268)


وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)

واذا حضر قسمة التركة بعضُ الاقارب الذين لا يرثون كالأخ لأبٍ مع وجود الأخ الشقيق ، أو حضرها اليتامى والمساكين فأكرموهم . وذلك تطييباً لنفوسهم ، ونزعاً للحسد من قلوبهم وجمِّلوا عطاءكم لهم بقول حسن .
ورى عبد الرزاق في مصنفه ان عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبدالرحمن وعائشةُ حية ، فمل يدعْ مسكيناً ولا ذا قرابة الا أعطاه من ميراث أبيه . وتلا هذه الآية :
{ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى . . . . }

(1/269)


وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

القول السديد : الحق الصواب . السعير : النار الحامية الملتهبة .
تذكّروا أيها الأوصياء ذريتكم الضعاف من بعدكم ، وكيف يكون حالهم بعد موتكم فعامِلوا اليتامى تحت وصياتكم بمثل ما تريدون ان يعامَل أبناؤكم . واتقوا الله في اليتامى وكلِّموهم برفق ولين كما تكلِّمون أولادكم .
كذلك ليخشَ الذين يوصون من أموالهم للفقراء ان يتركوا شيئاً لأولادهم ، وعلى من يحضرون عند مريض يريد ان يوصي بشيء من أمواله ان ينصحوه بأن يوصي بقسم قليل ويترك لورثته الباقي خشية حاجتهم من بعده .
ورى البخاري ان سعد بن أبي وقاص أراد ان يوصي بنصف مالهمن بعده للفقراء ، فنصحه النبي أن يوصي بالثلث وقال له : « ان الثلث ايضا كثير . وانك إن تذر ورثتك أغنياء خير من تذرهم عالةً يتكففون الناس » . الحديث .
{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ . . . . } هنا عاد سبحانه وتعالى الى التحذير بشدة من أكل أموال اليتامى فقال : ان الذين يظلمون اليتامى بأخذ أموالهم في غير حق ، انما يأكلون في بطونهم النار التي سوف يتعذبون بها يوم القيامة .
قراءات :
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم : « وسيصلون » بضم الياء ، والباقون بفتحها .

(1/270)


يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)

بعد ان ذكر حكم الميراث مجملا ، بين هذه الآية والتي بعدها والأخرى التي في آخر السورة { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة . . . } أحكام الميراث الكبرى ، وبقي هناك بعض الفرائض تكفّلت بها السنَّة واجتهاد الأئمة .
كانت أسباب الميراث في الجاهلية ثلاثة :
( 1 ) النسب : وهو الا يكون الا للرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون العدو ، وليس للمرأة والأطفال ميراث .
( 2 ) التبني : كان الرجل يتبنى ولدا من الأولاد فيكون له الميراث كاملا .
( 3 ) الحلف والعهد : فقد كان الرجل يحالف رجلاً آخر ويقول له : دمي دمُك ، وهدمي هدمك ، وترثني ، وأرثك ، وتُطلب بي وأُطلب بك . فاذا فعلا ذلك يرث الحي منهم الميت . ومعنى هدْمي هدْمك ( يجوز فتح الدال ) : إن طُلب دمك فقد طلب دمي .
فلما جاء الاسلام أقرّ الاول والثالث فقط ، وجعل الميراث للصغير والكبير على حد سواء ، وورّث المرأة . وقد أقر الثالث بقوله تعالى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } ، كما أبطل التبني بحكم { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ } .
فنظام الميراث الذي بينه القرآن نظام عادل مقعول ، اعترف بذلك عظماء علماء القانون في أوروبا . وقد ابتع فيه الإسلام النظم الآتية :
( 1 ) جعل التوريث بتنظيم الشارع لا بإرادة المالك . وجعل للمالك حرية الوصية من ثلث مالهن ، وفي ذلك عدالة عظمى ، وتوزيع مستقيم .
( 2 ) عل للشارع توزيع بقية الثلثين للأقرب فالأقرب ، من غير تفرقةٍ بين صغير وكبير ، فكان الأولاد أكثر حظاً من غيرهم في الميراث ، لأنهم امتداد لشخص المالك . ويشاركهم في ذلك الأبوان والجدة والجد ، لكن نصيبهم أقل من الأولاد . وذلك لأن الأولاد محتاجون أكثر من الأبوني والجدّين . . فهم مقبلون على الحياة ، فيما الآباء و الأجداد مدْبرون عنها . وتلك حكمة بالغة .
( 3 ) جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل ، ليحفظ التوازن بين أعباء الرجل وأعباء الأنثى في التكوين العائلي . فالرجل يتزوج امرأة ويكلَّف بإعالتها هي وأبنائها منه ، كما أنه مكلف ايضا باخوانه ووالدته وغيرهما من الأرحام . أما المرأة فانها تقوم بنفسها فقط . والقاعدة تقول : « الغُنم بالغرم » ، ومن ثم يبدو التناسق في التكوين العائلي والتوزيع الحكيم في النظام الاسلامي .
( 4 ) يتجه الشرع الاسلامي في توزيعه للتركة الى التزوزيع ون التجيمع ، فهو لم يجعلها للولد البكر كما في النظام الانجليزي ، ولا من نصيب الأولاد دون البنات ، ولم يحرم أحداً من الأقارب ، فالميراث في الاسلام يمتد الى ما يقارب القبيلة . وقاعدته : الأقربُ فالأقرب . وقد كرّم المرأة فورّثها وفحظ حقوقها . ثم انه لم يمنع قرابة المرأة من الميراث ، بل ورّث القرابة التي يكون من جانبها ، كما ورث التي تكون من جانب الأب ، فالأخوة والأخوةات لأمٍ يأخذون عندما يأخذ الاشقاء . وفي بعض الحالات يأخذ أولاد الأخ ويأخذ الإخوة والأخوات .

(1/271)


وهذا تكريم للأمومة لا شك فيه واعتراف بقرابتها .
التفسير :
{ يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ . . . } الآية يأمركم الله تعالى في شأن توريث أولادكم ان يكون : للذَّكر مثلُ حظ الانثَيين . واذا كان المولود انثى واحدة فنصيبها النصف ، والباقي لأقارب المتوفى ، واذا انعدم الأقابر رُدَّت التركة الى بيت المسلمين .
واذا كانت الوارثات بنتَين فأكثر فمن حقهن ان يأخذن ثلثي التركة ، ويكون الباقي للأقارب أو بيت المال . ولا يرث الكافر ، ولا القاتل عمدا ، ولا العبد الرقيق .
وعند الشيعة الامامية : تأخذ البنت أو البنتان فأكثر جميع التركة ، ونصيب كل من الأبوين السدس اذا كان الميت له ولد . واذا كان لم يخلّف الميت أولادا وورثه أبواه أخذت الأم الثلث وكان الباقي للأب .
واذا مات الميت وترك أباً وأماً وعددا من الاخوة فلأُمه السدس والباقي للأب ، اذ ان الاخوة يحجبون الأم وينقصون ميراثها ولا يرثون . وقال ابن عباس : يأخذون السدس ، ولكن هذا مخالف للجمهور .
وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية اذا أوصى الفقيد ، ومن بعد سداد الدَّين اذا وُجد ، والدَّين مقدَّم على الوصية بإجماع العلماء .
هذه فريضة من الله يجب اتباعها ، اما أنتم فلا تدرون اي الفريقين أقرب لكم نفعاً : آباؤكم أو أبناؤكم ، فلا تجرموا أحدا ممن له نصيب من التركة . فالله هو العليم بمصالحكم الحكيم فيما فرض عليكم .
قراءات :
قرأ حمزة والسكائي « فلإمه » بكسر الهمزة . وهي الآن لغة بعض البلاد الشامية .
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر « يوصى » بفتح الصاد .

(1/272)


وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

ونصيب الزوج من زوجته نصف الميراث ان لم يكن لها ولد منه أو من غيره ، فان كان لها ولد فللزوج الربع .
ونصيب الزوجة أو الزوجات ، من زوجهنّ الرُّبع اذا لم يكن له ولد ، فان كان له منهم او من غيرهن ولد فللزوجة أو الزوجات الثمن . وولد الولد كالولد فيما تقدم . وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدَّين .
وبعد ان بيّن سبحانه وتعالى حكم ميراث الأولاد والوالدين والأزواج ممن يتصل بالميت مباشرة شرع يبين من يصتل به بالواسطة ، وهو الكلالة ، فقال :
{ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً . . . }
وان كان الميت رجلا أو أمراة يورَث كلالة ، اي ليس له ولد ولا والد ولا أم ، وترك أخاً لأم أو اختا لأم فنصيب كل واحد منهما السدس . فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث للذَّكر مثل الانثى ، من بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدَّين ان وُجد .
وفي كل ما تقدم يجب ان تكون الوصية من ثلث الميراث فقطن لا تزيد عليه ، حتى لاتضر الورثة . وقلنا هنا إن الأخ والأخوات لأم ، لأن الإخوة الاشقاء سيأتي حكمهم في آخر السورة .
والوصية مستحسنة ، وقد قال علي بن أبي طالب :
لأن أُوصي بالخمس أحبّ الي من أن أوصي بالربع ، ولأن أوصي بالربع أحبُّ الي من أن أوصي بالثلث .
فالزموا ايها المؤمنون ما وصاكم الله به ، فانه عليم بما ينفعكم ، حليم لا يعاجل الجائر بالعقوبة .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابن عامر وابن عباس عن عاصم « يوصى » بفتح الصاد .

(1/273)


تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)

تلك الأحكام المذكورة في بيان المواريث وما سبقها ، وهي شرائع الله تعالى التي حددها لعباده ليعلموا بها ولا يعتدّوها ، فمن استقام وأطاع الله والرسول وابتع هذه الشرائع كان جزاؤه الجنة التي تجري فيها الأنهار خالدا فيها ، منعماً راضياً مرضياً ، وذلك هو الفوز العظيم .
ومن لم يتقيد بها فانه يكون عاصيا لله والرسول ، فجزاؤه نار جهنم مخلداً فيها معذباً مهانا .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر « ندخله » بالنون .

(1/274)


وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)

الفاحشة والفحش والفحشاء : ما عظُم قبحه من الافعال والأقوال . والمراد بها هنا الزنا .
كانت الآيات السابقة تعالج تنظيم حياة المجتمع الاسلامي ، فعُنيتْ بحقوق اليتامى والسفهاء المالية ، كما عنيت بحقوق النساء وشؤون الميراث ، فأبطلتْ ما كان عليه أهل الجاهلية في توزيع الميراث وبينت القسمة العادلة بياناً شافيا . أما هذه الآية فإنها تعالج حياة المجتمع المسلم ، وتطهيره من الفاحشة التي كانت متفشية في أهل الجاهلية . وكان الحم في ابتداء الاسلام ان المرأة اذا ثبت زناها بشهادة أربعة رجال حُبست في بيتها فلا تخرج منه حتى تموت . وهو ما تحكم به هذه الآية . لكنه لم يستمر فقد جاء تفصيل الحكم لاحقا في سورة النور وفي الاحاديث الصحيحة .
واللاتي يأتين الزنا من نسائكم ، بعد ثبوته عليهن بحق ، فاحبسوهن أيها المؤمنون في البيوت وامنعهن من الخروج الى ان يتوفاهن الله { أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } اي يفتح لهن طريقاً مستقيما للحياة ، بالزواج أو التوبة .
قال ابن عباس : هذا كان الحكم لهذه الفاحشة ثم أبدله الله في سورة النور وجعله الجَلْد .

(1/275)


وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)

أما اللذان يرتكبان الزنا أو اللواط وهما غير متزوجين ، فلتكن عقوبتهما الإيذاء بالتوبيخ والتأنيب بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة من الرجال . فإن تابا ورجعا وأصلحا عملهما فأعرِضوا عنهما ولا تذكّروهما بما ارتكبا أو تعيِّروهما به ، لأن الله يقيل التوبة من عباده ويعفو عنهم برحمته الواسعة .
وقال بعض المفسرين ان المراد باللاتي في أول الآية : من يأتين المساحقة ، والمراد باللذان : من يأتيان اللواطة ثم عدلت العقوبة بعد ذلك .
قراءات :
قرأ ابن كثير « واللذان » بتشديد النون .

(1/276)


إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)

{ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله . . . }
انما التوبة مضمونة عند الله ، أوجبَ قبولها على نفسه بوعدِه الذي هو أثر من كرمه وفضله اللذين يعملون السيئات عن حماقة فيهم ، وبفعل الطيش وعدم التبصر ، ثم يندمون على ما فرط منهم ويتوبون الى الله . أولئك يقبل توتبهم ، لأنه عليم بشئون عباده ، يعلم ضعفهم ولا يؤاخذهم عليه .
{ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات . . . }
ان التوبة غيرُ مقبولة من الذين يعملون السيئات وهم مصّرون عليها ، ثم يتوبون عند حضور الموت . كذلك لا تقبل التوبة من الذين يموتون على الكفر ، بل لقد أعدّ الله للفريقين عذاباً اليما .

(1/277)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)

العضل : التضييق والشدة . و لاتعضلوهن : لا تمنعوهن من الزواج . الفاحشة : الفعلة الشنيعة . مبينة : ظاهرة ، مفضوحة . المعروف : ما تألفه الطباع .
روى البخاري وابو داود و النسائي وغيرهم انه كان اذا مات الرجل في الجاهلية كان أولياؤه أحقَّ بامرأته ، ان شاء بعضهم تزوجها وان شاؤوا زوّجوها لمن يشاؤون ، وان شاؤوا لم يزوجوها ابداً . كانوا هم أحق بها من أهلها . . فنزلت هذه الآية . ومن بعض عادات الجاهلية الممقوتة ان كان الرجل اذا مات ابوه عن زوجة غير أُمه فرض عليها زواجها منه ، من غير عقد جديد . وكان اذا طلق امرأته وقد دخل بها فإنه يسترد كلَّ ما اعطاها من مهر سابق . ومنهم من كان يطلقها ويعمل على منعها من الزواح بغيره ظلماً وعدوانا . . فجاء الاسلام ورفع عنها ظُلم العضل ، وهو من المرأة من الزواج بمن تريد ، او ايذاؤها لحملها على طلب الطلاق لقاءَ مال تدفعه الى الزوج .
كذلك كان من الجائز عندهم ان يتزوج الرجل مطلقة أبيه ، فنهى الاسلام عنه ، وسماه مقتا ، لأنه أمر فاحش القبح .
يا أيها المؤمنون لا يحلّ لكم ان تسيروا على سنة الجاهلية فتجعلوا النساء كالمتاع ، وترثونهنّ كما ترثون الأموال والعبيد ، وتتصرفون فيهن كما تشاؤون ، تتخذونهن زوجات من غير مهر ، كرهاً . ولا تظلموهن بالتضييق عليهن حتى يفتدين أنفسهن منكم بالمال الذي دفعتُموه لهن من مهور ، أو ما حصلن عليه من ميراث .
{ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } الا ان يرتكبن إثماً بيناً بزنىً ، أو بنشوز او سوء خلق ، فعند ذلك لكم ان تضيّقوا عليهن أو تأخذوا بعض ما آتيتموهن عند الفراق .
{ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } عليكم ا ن تحسنوا معاشرة النساء ، فتدخلوا عليهن السرور بالقول والعمل . والزواج شركة يجب ان يكون فيها كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وهناءته . { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . } الآية . فالزواج مبنيّ على ا لمودة والرحمة في الاسلام .
{ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ . . . } لِعَيْبٍ في اخلاقهن أو خَلْقهن ، أو لتقصير في العمل والواجب علهين كخدمة البيت وغير ذلك؛ او لميل منكم الى غيرهن فاصبروا و لاتَعْجلوا بمضارتّهنّ ولا مفارقتهن ، عسى ان يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « كرها » بالضم وهما لغان كَرها وكُرها . وقرأ ابن كثير وأبو بكر « مبينة » بفتح الياء ، هنا وفي سورة الأحزاب وسورة الطلاق .

(1/278)


وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)

زوج : زوجة . بهتانا : ظلما ، وأصل البهتان الكذبُ الذي يبهت المذكوب عليه . افضى بعضكم الى بعض : وصل بعضكم الى بعض ، وامتزج به . الميثاق : العهد . الغليظ : الشديد المؤكد .
واذا رغبتم ايها الازواج في استبدال زوجة مكان أخرى وأعطيتم الأولى مالاً كثيراً ، فلا يحل لكم ان تأخذوا منه شيئا . . أتأخذونه ظالمين! ان ذلك إثمٌ وبهتان عظيم . وكيف يسوغ لكم ان تستردوا ما أعطيتم من المهر ، بعد أن تأكدت بينكم الرابطة الزوجية المقدسة ، ولا بَسَ كل منكما الآخر حتى صار بمنزلة الجزء المتمم لوجوه!
{ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } بهذه العبارة الهائلة يختم الله تعالى هذا الآيات فيُفرغ على عقد الزواج صبغة كريمة جعلته فوق عقود البيع والاجارة والتمليك . فتعبير « ميثاقا غليظا » الذي يعني : شديداً مؤكداً ، له قمته في الإيحاء بموجبات الحفظ والمودة . والزواج في عرف الشرع عهد شريف ترتبط به القلوب ، وتختلط به المصالح : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } [ البقرة : 187 ] .
وكلمة الميثاق لم تَرِدْ في القرآن الكريم الا تعبيرا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد ، والتزام الاحكام ، وما بين الدولة والدولة من الشئون العامة الخطيرة ، ثم على عقد الزواج . ومن هذا ندرك مقدار المكانة التي سما القرآن بعقد الزواج اليها .

(1/279)


وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)

سلف : مضى . مقتا : مبغوضا . ساء سبيلا : بئس العادة .
لا تتزوجوا أيها الأبناء ما تزوج آباؤكم من النساء ، فإنه أمر فاحش يمقته الله والناس . وكان هذا النكاح فاشيا في الجاهلية . فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال : لما مات قيس بن الأسلت قام بانه محصن فورث نكاح امرأته ، ولم ينفق عليها ، ولم يورّثها من المال شيئا . فأتت النبي عليه السلام فذكرت له ذلك ، فنزلت آية { لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً . . . } الخ وهذه الآية : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ . . . } وهو أسوأ سبيلٍ فتجنّبوه ، لكن الله يعفو عما سلف منكم في الجاهلية .
بعد ذلك بيّن الشارع انواع المحرمات فقال : حرمت عليكم أمهاتكم . . الآية : 23 .

(1/280)


حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

هنا يبين أقسام المحرَّمات ، بدأ بالأُمهات ، وكذلك يقاس عليهن الجدّات . وهن الأصول . ثم البنات ، وهو الفروع . والمراد بهنّ ما يشمل بنات أصلابنا أو بنات أولادنا ممن كنا سبباً في ولادتهن . ثم الحواشي القريبة ، الأخوات الشقيقات والأخوات لأب ولأم . ثم الحواشي البعيدة من جهة الأب والأم ، وهن العمات والخالات . ثم الحواشي البعيدة من جهة الاخوة ، بنات الأخ وبنات الأخت .
ثم يأتي القسم الثاني ، وهو ما حُرم من جهة الرضاعة . وهذا النوع من خصائص الاسلام ، فلا يوجد مثله في شريعة اخرى من الشرائع . وهنّ الأمهات اللاتي أرضعنكم ، وأخواتكم من الرضاعة . وعند مالك وأبي حنيفة يحرم قليل الرضاعة وكثيرها ، وحدد بعضُهم الرضاعة بثلاث رضعات فأكثر . ومذهب الشافعي وأحدم خمسُ رضعات مشبعات . وعند الإمامية خمس عشرة رضعة ، وبعضهم يقول عشر رضعات ، ويشترط ان يكون وقت الرضاعة في مدة الرضاعة ، يعني في سن الحولَين .
وأخيرا يأتي القسم الثالث ، وهو محرّمات المصاهرة التي تعرض بسبب الزواج . وهي اربعة أنواع : أمهات نسائكم ، وربائبكم اللات في حجوركم من نسائكم اللات دخلتم بهن ، فان عقد عقده على امراة ولم يدخل بها لا تحرم عليه بناتها . وزوجات أولادكم وأولادِهم . وحرم عليكم الجمع بين الأُختين ، وبين المرأة وعمتها وخالتها ، والضابط بذلك انه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابه بحيث لو كانت احداهما ذكراً لحرم عليه بتلك القرابة نكاح الاخرى .
اما ما قد مضى في الجاهلية فان الله لا يؤاخذكم عليه ان اكلله كان غفورا رحيما .

(1/281)


وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)

المحصنات : العفيفات ، والمراد الحرائر المتزوجات . ما ملكت أيمانكم : ما سبيتموهن في الحروب . ما وراء ذلك . محصنين : عفيفين . غير مسافحين : المسافحة هي الزنى .
وبالاضافة الى ما سبق حُرم عليكم نكاح المتزوجات عامة الا مَن سَبيتم وملكتم منهم في حرب بينكم وبين الكفار . إن عقد زواجهن السابق ينفسح بالسبي فيصِرن حالالاً لكم بعد استبراء أرحامههن ، هذا ما كتب عليكم تحريمه فرضاً مؤكداً من عند الله .
وأحلّ الله لكم ما وراء ذلك من النساء ، تتزوجون بأموالكم منهم من تشاؤون ، محصِنين أنفسكم ، بعيدين عن الزنا والمخادعة . وأيّ امرأة من النساء اللات أُحللن لكم فاستمتعتم بالزواج منها ، فأعطوها مهرها الذي اتفقتم عليه عند القعد . ذلك فريضة من الله فرضها عليكم لا تسامح فيها؟ . بيد أنه لا حرج عليكم فيما اذا تراضيتم على النقص في المهر بعد تقديره ، أو تركه كله ، أو الزيادة فيه . إن ذلك عائد للزوجين اذا ما تفاهما وعاشا في مودة و طمأنينة . وهذا مايبغيه الشارع الحكيم .
وقد تمسّك الشيعة الإمامية بقوله تعالى { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وقالوا ان المراد بذلك هو المتعة ، وهي الزواج المؤقت . كما قالوا : ان هذا دليل واضح . ولا تزال المتعة قائمة عندهم ، معمولاً بها . يقول الطَّبَرْسي ، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية في تفسيره « مجمع البيان » عده هذه الآية : « قيل المرادُ به نكاح المتعة ، وهو النكاح المنعقد بمهر معين الى أجل معلوم ، عن ابن عباس والسدّي وجماعة من التابعين ، وهو مذهب اصحابنا الإمامية الخ » وكذلك يقول شيخ الطائفة العلاّمة ابو جعفر محمد بن الحسن الطُّوسي في تفسيره « التبيان » .
ويقول ابن رشد في « بداية المجتهد » : « وأما نكاح المتعة فإنه تواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريمه ، الا انها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم . . . وأكثرُ الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها ، واشتهر عن ابن عباس تحليلها ، وروَوا انهن كان يحتج لذلك بقوله تعالى { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . . . } الآية وفي قراءاة عنه { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ . . . } الخ .
وهذا ا لذي روي عن ابن عباس ، رواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار . وعن عطاء ، قال : سمعت جابر بن عبدالله يقول : تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفٍ من خلافة عمر ثم نهى عنها عمرُ الناسَ » .
قراءات :
قرأ الكسائي : « المحصنات » بكسر الصاد في جميع القرآن ، بمعنى أحصنّ فزوجهن . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم « وأُحِلّ لكم » بضم الهمزة وكسر الحاء كما هو في المصحف هنا ، والباقون قرأوا « وأحل لكم » بفتح الهمزة والحاء .

(1/282)


وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

الطول : الغنى والفضل من مال او قدرة على تحصيل الرغائب . المحصنات : الحرائر . الفتيات : الإماء . مسافحات : مستأجَرات للبغاء ، وكان ذلك فاشيا في الجاهلية . والأخدان : واحدُها خِدْن ، وهو الصاحب تتخذه المرأة سراً كما كان في الجاهلية . العنت : المشقة .
ومن لم يستطع منكم نكاح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته المادية على ذلك فَلَهُ ان يتزوج أَمَة من الإماء المؤمنات . والله أعلم بحقيقة إيمانكم فلا تستنكفوا من نكاحهن . فأنتم وهنّ سواء في الدين بعضكم من بعض . فإذا رغبتم في نكاحهن فتزوجوهن بإذن أصحابهن ، وأدّوا لهن مهورهن التي تفرضونها لهن ، حسب المعروف بينكم في توفية الحق ومهر المثل . واختاروهن عفيفات وزوجات لكم ، لا مستأجَرات للبغاء جهراً ، ولا متخذاتٍ العشّاق والاصحاب سراً . فإذا اقترفن الزنا بعد زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة .
{ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ . . . } وما اباحة نكاح الاماء عند العجز عن الحرائر لمن خشي الضرر على نفسه إلا تسهيل من الله لكم ورفعٌ للحرج . هذا ، وصبرُكم على نكاح المملوكات مع العفة خير لكم ، والله كثير المغفرة عظيم الرحمة .
قراءات :
قرأ ابو بكر وحمزة « فاذا احصنّ » بفتح الهمزة والصاد ، والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد .

(1/283)


يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

بعد ان ذكر الشارع احكام النكاح جاء هنا يبين عللها وأحكامها كما هو دأب القرآن الكريم ، ليكون في ذلك طمأنينة للقلوب ، وسكون للنفوس . والمعنى إن الله ، بما شرعه لكم من الأحكام ، يريد ان يبين لكم مافيه مصالحكم ومنافعكم ، وان يهديكم مناهج من تقدَّمكم من الأنبياء ، كما يريد لكم إن تتوبوا عن جميع أعمالكم السابقة في الجاهلية ، فيرجع بكم الى طريق طاعته . والله مطلع على شئونكم ، مدبِّر في أحكامه لما يصلح أموركم . انه يريد ان يتوب عليكم فيطهركم ويزكّي نفوسكم ، أما الذين يتبعون الشهوات من الكفار والفجرة فإنهم يريدون لكم ان تبعدوا عن طريق الحق وتُمنعوا في ذلك . لقد خلق الله الانسان ضعيفا أمام غرائزه وميوله ، ولذلك فإنه بتيسيره عليه في الأحكام إنما يود ان يخفف عنه ويرفع عنه الحرج . هذا هو الشرع الاسلامي الشريف .

(1/284)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

اعتنى القرآن الكريم بالمال ، والمحافظة عليه ، والحث على تحصيله بطرق مشروعة ، في كثير من الآيات . وفي هذه السورة جاءت العناية بالأموال من أولها عندما طلبت العناية باليتامى وحفظ أموالهم ، ثم حذّرت من اعطاء السفهاء أموالهم . وهنا جاء النص واضحاً على العناية بالأموال والمحافظة عليها ، وذلك لأن الأموا عنصر لا بد منه في الحياة ، وهناك كثير من الأمور تتوقف عليها الحياة وسعادتها ، من علمٍ ، وصحة ، واتساع عمران ، لا سبيل للحصول عليها الا بالمال .
ولا ريب ان الأموال هنا تشمل أموال الافراد وأموال الأمة لأنه تعالى قال : { وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ } بمعنى انه يحرم على الافراد ان يأكل مال بعض بالباطل . ومن ثم فإن أكل أموال الأمة أو ضعها في غير مصلحتها لهو أشد حرمة عند الله ، وأكبر جرماً في نظر الإنسانية . لذلك يجب ان نحافظ على أموال الأمة والدولة كما نحافظ على أموال الافراد .
يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير حق ، وقال ( أموالكم ) فأضافها الى جميع الأمة تنبيهاً الى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح كأن مال كل فرد هو مال الأمة جميعا . فاذا استباح أحدهم ان يأكل مال الآخر بالباطل : كالربا والقمار ، والرشوة والسرقة ، والغش والتسول ، وغير ذلك فقد اباح لغيره ان يأكل ماله .
لقد اباح لكم التجارة بينكم عن طريق التراضي ، والعملَ الحِرفي في نواح عديدة من الكسب الحلال . ثم لما كان المال شقيق الروح ، فقد نُهينا عن اتلافه بالباطل كَنهْيِنا عن قتل النفس . { وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ } . وهذه اشارة بليغة جداً تُبيّن انه : لمّا كان من شأن أكل أموال الناس بالباطل ان يغرس الحقد في القلوب ، وكثيرا ما يؤدي ذلك الى القتل والشر فقد قرنهما الشارع وجاء بهذا التعبير العظيم . ولا ريب في ان من سلب مال انساب إنما سلبه عنصراً هاماً من عناصر الحياة وصيّره في حكم المقتول . { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل أنفسكم فتهلكون . اما من يُقدم على مفعل ما حرم الله ونها عنه ، اعتداءً وتجاوزاً لحقه ، فسوف يكون جزاؤه يوم القيامة ناراً حامية وعذابا أليما . وعقابه هذا أمرٌ يسير على الله .

(1/285)


إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)

الكبائر : جمع كبيرة وهي الذنب العظيم كالشرك بالله وقتل النفس وغير ذلك . السيئات : الذنوب الصغيرة . نكفّر : نمحو ، ونغفر ، ونعفو .
إن تتركوا عمل الذنوب العظيمة وتبتعدوا عنها نمحُ عنكم ما دونها من السيئات وصغائرها الذنوب ، فلا نؤاخذكم بها .
وقد ورد في الصحيحين عن ابي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : ما هي يار سول الله؟ قال : الشرك بالله ، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق ، والسِّحر ، وأكل ما اليتيم ، وأكل الربا ، والتولّي يوم الزحف ، وقذف المحصنَات المؤمنات الغافلات » .
وقد وردت أحاديث كثيرة بتعداد الكبائر ، وهي في بعضها سبع ، وبعضها تسع ، والحقيقة انه لا حصر لها .
وقال بعض العلماء : كل ذنب رتّب عليه الشارع حداً أو صرّح فيه بوعيد فهو كبيرة .
وفي هذا الآية الكريمة فرَجٌ كبير على المسلمين ، والعلماء يقولون : لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار .
قراءات :
قرأ نافع : « مدخلاً » بفتح الميم .

(1/286)


وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)

التمني : تشهِّي حصول الأمر المرغوب فيه . من فضله : من احسانه ونعمه المتكاثرة .
في هذه الآية الكريمة ينهى الله تعالى عن التحاسد وتمنّي ما فضّل الله به بعض الناس من المال والجاه ونحوه ، مما يجري فيه التنافس . وذلك ليطهُر المجتمع الاسلامي ظاهراً وباطناً .
ان الله كلفّ كلاً من الرجال والنساء أعمالاً ، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر ، فعلى المسلم الحقيقي ان يعتمد على مواقبه وقواه في كلم مطالبة ، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل اليه كسبه . واسألوا إحسانه وإنعامه فان خزائنه مملوءة لا تنفد ، و لاتتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فُضل عليكم .
وقو روى الترمذي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله « سلوا الله من فضله ، فان الله عز وجل يحبّ ان يُسأل ، وأفضلُ العبادة انتظارُ الفَرج » .
قراءات :
قرأ ابن كثير والكسائي « وسلوا » .

(1/287)


وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)

موالي : جمع مولى وهو بمعنى الوالي الذي يتولى غيره . ومعناه : لكل انسان جعلنا ورثة يرثونه . الذين عقد ايمانكم : الازواج ، فان كلاً من الزوجين له حق الإرث بالعقد .
ولكل من الرجال والنساء جعلنا مستحقين لتركتهم يرثونهم ، وهم الوالدان والأقربون من الأصول والفروع والحواشي والازواج ، والذين عَقَدَ المتوفى لهم عقداً مقتضاه ان يرثوه اذا مات من غير قرابة ، وينصروه اذا احتاج الى نصرتهم في مقابل ذلك . وكان هؤلاء أربعة أنواع :
الأول : عقد ولاء العتق ، وهو النظام الذي يصبح بمقتضاه الرقيق بعد عتقه بمنزلة العضو في أسرة معتقِه ، اذا مات ولم يترك أحدا من عصبته .
الثاني : عقد الموالاة ، وهو ان يأتي غير العربي فيرتبط بعقد مع عربي فيصبح بمنزلة عضو في أُسرة مولاه . وهذا يرثه اذامات بدون وارث .
الثالث : العقد الذي عقده الرسول بين المهاجرين والانصار وكانوا بذلك العقد يتوارثون .
الرابع : كأن يعاقد الرجلُ الرجلَ ويقول : « ترثني وأرثك » . ثم أبطل الاسلام معظم هذه العقود وجعل الميراث سببه القرابة .
قراءات :
قرأ غير الكوفيّين : { عاقدت أيمانكم } .

(1/288)


الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

قواموا : يقومون عليهن ويهتمون بأمرهن وجميع شئونهن . قانتات : عابدات بخضوع وسكون . نشوزهن : عصيانهن ، وتورفّعهن على أزواجهن . البغي : الظلم .
في هذا الآية الكريمة تنظيم لشئون الأُسرة ، وتحديد اختصاص أعضائها . فللرجال حق الصيانة والرعاية للنساء والقيام بشئونهن ، كي يمكن المرأة ان تقوم بوظيفتها الفطرية وهي الحمل وتربية الاطفال وهي آمنة مكفيّة ما يهمّها من أمور أرزاقها وحاجاتها .
ثم فصّل حال النساء في الحياة المنزلة وبين أنهن قسمان : فالنساء الصالحات مطيعات للأوزاج حافظات لما يجري بينهن وبينهم في الشؤون الخاصة بالزوجية ، وكذلك بحفظ بيوتهن وأموال أزواجهن ، خضوعاً لأم الله في ذلك . والذي يُرزق واحدة منهن يعيش في نعيم مقيم .
والقسم الثاني : الزوجات اللاتي تظهر منهن بوادر العصيان والترفع ، وتخافون ألاّ يقمن بحقوق الزوجية ، فانصحوهن بالقول الليّن المؤثر واعتزِلوهن في الفراش . واذا لم ينفع ذلك كله عاقبوهن بضرب خفيف غير مبرّح ، فان رجعن الى طاعكم فلا تبغوا عليهِنَّ ولا تتجاوزوةا ذلك الى غيره .
{ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } ان سلطان الله علكيم فوق سلطانكم على نسائكم ، فاذا بغيتم عليهن عاقبكم .

(1/289)


وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

الشقاق : الخلاف .
كان الحديث في الآية السابقة عما اذا كان الخلاف من الزوجة فقط ، لكنه هنا فيما اذا كان من احد الزوجين . ومنطوق الآية الكريمة يحرص على التوفيق ولذلك قال : { إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ } . فان حدث خلاف بين الزوجين فقد يكون بسبب نشوز المرأة وقد يكون بسبب ظلم الرجل ، فإن تأزَّم الموقف وجب على اقاربهما فمن عقلاء المسلمين . وعلى الحكَمين ان يجتهدا في تقريب وجهة النظر بين الزوجين ويذكّراهما ان الحياة الزوجية مبنية على الرفق والمودة . ومتى صدقت الارادة وصحّت العزيمة فان الله كفيل بالتوفيق . ان الله شرع لكم هذه الاحكام وهو عليم بأحوال العباد واخلاقهم ، خبير بما يقع بينهم ، لا يخفى عليه شيء .

(1/290)


وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)

بذي القربى : أقرباء الانسان من أخ وعم وخال ونحوهم . الجار ذي القربى : الذي قُرب جواره . الجار الجنب : الجار الذي لا قرابة له ، أو البعيد . الصاحب بالجنب : الرفيق في السفر ، او المنقطع اليك .
ابن السبيل : المسافر او الضعيف . ما ملكت أيمانكم : الأرقاء العبيد .
بعد ان عالجت السورة أمر الأيتام والنساء والميراث وحفظ الأموال وتنظيم الأسرة ، جاء التذكير هنا بحسن معاملة الخالق ، ثم التذكير بحسن معاملة الناس . فالسوةُ تأمر بأساس الفضائل التي تهذّب النفس وهي عبادة الله و الاخلاص له ، كما تأمر بالإحسان في معاملة الناس ، وتخص بالذكر طوائف من الناس ، الإحسانُ اليها احسان الى النفس والأسرة والى الانسانية كلها . بذلك تضع للمسلمين اساس الضمان الجماعي ، والتكافل الحقيقي بينهم .
اعبدوا الله وحده ولا تشركوا معه أحدا ، وأحسِنوا الى الوالدين إحساناً لا تقصير فيه ، لأنهما السبب الظاهر في وجودكم ، وأحسنوا معاملة اقرب الناس اليكم بعد الواليد ، والى اليتامى ، والى المساكين الذين افتقروا بسبب عجزهم او بذهاب الكوارث بأموالهم ، والى الجيران سواء منهم القريب او البعيد . وقد وردت أحاديث كثيرة تحض على الاحسان الى الجار مهما كان دينه او جنسه ، فقد عاد النبي بن جاره اليهودي ، وذبح ابن عمر شاةً فجعل يقول لغلامه : أهديت لجارنا اليهودي؟ . . . .
وإكرام الجار من شيم العرب قبل الاسلام ، وزاده الإسلام توكيداً بما جاء ف يالكتاب والسنة . من إكرامه ارسال الهدايا اليه ، ودعوته الى الطعام ، وتعاهده بالزيارة والعيادة ونحو ذلك . وهناك حديث الصحيحين المشهور : « ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيروّثه » .
والصاحب بالجنب هو الرفيق في السَّفَر ، وابن السبيل هو المسافر المحتاج ، وما مالكتم من الأرقاء كل هؤلاء تجب معاملتهم بالحسنى . . فاللهُ لا يحب من كان متكبراً متعالياً على الناس لا تأخذه بهم رحمة . وفي الحديث الذي رواه ابو داود والترمذي عن ابن مسعود قال رسول الله : « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْرٍ » فقال رجل : ان الرجل يحب ان يكون ثبوه حسنا وفعله حسنا ، فقال الرسول الكريم : « ان الله جميل يحب الجمال » .

(1/291)


الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)

أعتدنا : هيّأنا : رئاء الناس : للمراءاة والفخر . القرين : الصاحب .
هذه الآيات الكريمة تبين هنا ان التقصير في الحق الاجتماعي شأنُ المختالين المتكبرين . وهم الذين يظهر أثر كِبرهم في عملهم ، وفي أقوالهم . ومثلُ هؤلاء لا يعترفون بحق للغير على أنفسهم . وقد جعلهم الله صنفين من طبيعة كل منهما ألا يعترف لله بشكر على نعمةٍ ، ولا للخلق بحق عليه ، فهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، ويخفون نعمة الله عليهم فلا ينفعون أنفسهم ولا الناس . هذا ما كان يفعله جماعة من اليهود ، يأتون رجالاً من الانصار فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالكم ، فنحن نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون .
{ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً } وهيأنا لهؤلاء عذابا يهينُهم ويذهلهم .
والنصف الثاني : { والذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَآءَ الناس } فهؤلاء يبذلون المال لا شكراً لله على نعمه ، ولا اعترافاً لعباده بالحق بل الرياء أمام الناس . وهم بذلك يقصدون ان يراهم الناس فيعظموا قدرهم ويحمدوا فعلهم ويمدحوهم ، وهم غير مؤمنين بالله ولا باليوم الآخر ، يوم الجزاء الأكبر ، لأنهم تبعوا الشيطان فأضلّهم .
وحسْب هذين الصنفين من البشر تسجيل القرآن الكريم عليهم ان قرينهم الشيطان منبع الشر والمغزي بالفساد ، { وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً } وبئس الصاحب .
{ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ . . . } وما الذي كان يضرهم لو آمنوا ايماناً صحيحاً لا رياء فيه ولا كذب ، بالله وباليوم الآخر ، واعطوا من المال والرزق الّذي آتاهم الله استجابة لهذا الايمان وما يقتضيه من اخلاص النبية ورجاء الثواب ، والله عالم كل العلم ببواطن الأمور وظواهرها لا ينسى عمل العاملين ، ولا يظلمهم من أجرهم شيئاً .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « ويأمرون الناس بالبخل » بفتح الباء والخاء . وهي لغة .

(1/292)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)

الذرة : أصغر ما يُدرك من الاجسام . من لدنه : من عنده .
ان الله تعالى لا ينقُص أحداً من أجر عمله والجزاءِ عليه شيئاً ما ، حتى وإن صغُر كدرّة الهباء . يضاعف للمحسن ثَواب حسناته ، ويعطي من فضله عطاء كبيرا ، اضعافا مضاعفة ، بدون حساب . ان الظلم لا يقع من الله تعالى ، لأنه من النقص الذي يتنزه عنه ، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع « حسنة » بالرفع . وقرأ ابن كثير و ابن عامر ويعقوب « يضعفها » بالتشديد . والمعنى واحد .

(1/293)


فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)

يود : يتمنى : لو تسوَّى بهم الارض : ان يدفنوا وتسوى عليهم الأرض .
ثم يختم سبحانه وتعالى الأوامر والنواهي المتقدمة بمشهد من مشاهد القيامة ، ويحسم موقفهم فيه ، ويرسم حركة النفوس والمشاعر كأنها شاخصة مترحكة فيقول :
فكيف يكون حال هؤلاء البخلاء المتكبّرين والمعرِضين عما أمر الله به ، اذا جئنا يوم القيامة بكل نبيّ شهيداً على قومه ، وجئنا بك يا محمد شهيدا على قومك أيضاً؟ .
{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ . . . }
في ذلك اليوم يتمنّى الّذين كفرو وعصَوا الرسول فلم يتّبعوا ما جاء به ، لو يُدفنون في الأرض كما تدفن الأموات ، وتسوّى بهم الأرض . وكما جاء في سورة النبأ { وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً } .
{ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً }
فإنهم يتمنّون ان يكون ترابا ، ولا يكونوا قد كتموا الله وكذبوا أمامه على أنفسهم بإنكارهم شِركهم وضلالهم ، كما وضَح ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام . .
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي « تَسْتَوى » بفتح التاء والسين المخففة . وقرأ نافع وابن عامر « تسوى » بفتح التاء وتشديد السين والواو المفتوحتين . والباقون « تسوى » كما هو هنا بضم التاء .

(1/294)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

الغائط : الموضع المنخفِض من الأرض . كان العرب إذا أراد أحدهم قضاء الحاجة عمَد في ذلك الى مكان منخفض . فصاروا يكنّون عن قضاء الحاجة ، بالخروج الى الغائط . لامستم النساء : جامعتم . تَيمّموا : اقصدوا . الصعيد : وجه الأرض .
هذه هذ الآية الثانية التي تنزل في الخمر فقد كانت الخمر متفشّية في المجتمع الجاهلي ، فنزل تحريمها تدريجيا . وهناك روايات عديدة في سبب نزول هذه الآية ، فمنها ما رواه أبو داود والترميذي عن علي بن أبي طالب قال : « صنع لنا عبدُ الرحمن بن عوف طعاماً ، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذتْ منّا . وحضرت الصلاةُ فقدَّموني فقرأتُ { قل يا أيها الكافرون لا أعدب ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون } فنزلت الآية ومعناها :
يا أيها الذين آمنوا لا تصلّوا وأنتم في حال السُّكر الذي لا يَدري معه المصلّي ما يقول . فالصلاة وقوفٌ بين يدي الله ، فيجب ان يكون المصلّي صاحياً ليتدبر القرآن والذِكر فيما يقول . ثم قال :
{ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } ، أي لا تصلُّوا وأنتم جُنب ، ولا تدخلوا المساجدَ وأنتم جُنُبٌ إلا عباري الطريق ، حتى تطَّهَّروا . ولما كانت الصلاة فريضةً موقوتة يجب تأديتها في وقتها ، وكان الاغتسال من الجنابة يتيسَّر في بعض الحالات ويتعذر في بعضها الآخر فقد رخَّص الله ترك استعمال الماء والاستعاضةَ عن الماء بالتيمم ، فقال ما معناه :
وان كنتم مرضى لا تستطيعون استعمال الماء ، خشيةَ زيادة المرض او تأخير البُرء ، او مسافرين يشقّ عليكم وجودُ الماء فاقصدوا الصعيدَ الطيب ، وهو كلُّ ما على الأرض ، فلو لمس حجراً كفاه عند بعض الأئمة . وكذلك اذا قضى أحدُكم حاجتَه ، أو باشرتم النساء ولم تجدوا ماءً ، فعليكم بالتراب : اضربوا به أيديَكم وامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ثم صلّوا ان الله يحب التيسير على عباده .
ومذهبُ الإمام محمد عبده في تفسير : » وان كنتم مرضى او على سفر « أن السفر عذرٌ يبيح التيمُّم ، وُجد الماء أو غاب ، وذلك لان الآية صريحة بذلك . ومثله قال حسن صدّيق خان في تفسير هذه الآية وهذا نص كلامه : » المعنى ان حُكم المريض والمسافر اذا أراد الصلاة كحكْم المحدِث حدثاً أصغر أو ملامسِ النساء ولم يجد الماء ، فعلى كل هؤلاء التيمم « .
قراءات : قرأ حمزة والكسائي » لمستم النساء « .

(1/295)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)

ألم تعجب يا محمد من هؤلاء الذين أُعطوا حظاً من معرفة الكتب السابقة كيف حُرموا الهداية وتبعوا الضلالة ، يختارونها لأنفسهم ، ويريدون لكم ان تضِلّوا طريق الحق القويم أيها المؤمنون . إنهم دائبون على الكيد لكم ، ليردوكم عن دينكم ان استطاعوا . والله أعلم منكم بمن هم أعداؤكم الحقيقيون ، وأخبرُ بما تنطوي نفوسهم ، لكنه يحميكم ويكفيكم اعداءكم . فلا تطلبوا الولاية من غيره ولا النصر من سواه ، بل اتّبعوا دينكم ولا تستعينوا الا بربكم .

(1/296)


مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)

الذين هادوا : اليهود . اسمع غير مسمع : اسمع غير مجاب الى ما تدعوا اليه . راعنا : انظُرنا ، وهي توافق كلمة سبٍّ في لغتهم . أقوم : أعدل .
من اليهود فريق يحرّفون الكلام عن معناه بالتأويل او الحذف أو التبديل ، وهو أمر أجمعَ عليه أهل النظر من الغربيين . يقول مارتن لوثر في كتابه : اليهود وأكاذيبهم « هؤلاء الكذّابون الحقيقيون مصاصو الدماء ، الذين لم يكتفوا بتحريف الكتاب المقدّس من الدفة الى الدفة ، بل ما فتئوا يفسّرون محتوياته حسب أهوائهم وشهواتهم » .
فتحريف التوراة حاصل باعتراف النصارى أنفسهم ، ولذلك عندما يقول القرآن شيئاً فإنه يكون حقاً لا شُبهة فيه .
ويقول اليهود في أنفسهم للنبيّ الكريم : سمعنا بالقول وعصَينا الأمر . اسمعْ كلامنا لا سمعتَ دعاء يدعون بذلك على النبي . ويقولون ( اسمع غير مسمَع ) فيسوقون اللفظ ومرادُهم الدعاءُ عليه ، ويوهمون أن مرادهم الدعاء له ويقولون ، راعِنا ، يلوون بهنا ألسنتَهم يوهمون أنهم يريدون « انظُرنا » فيُظهرون أنهم يطلبون رعايته ويُبْطنون وصفه بالرعونة لمجرد السبّ والشتم .
ولو أنهم استقاموا وقالوا ( سمعنا وأطعنا ) بدل قولهم ( سمعنا وعصينا ) ، وقالوا ( اسمَع ) دون ان يقولوا ( غير مسمَع ) ، وقالوا ( انظُرنا ) بدل ( راعِنا ) لكان ذلك خيراً لهم وأصوبَ ، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة ، ولكن الله طردهم من رحمته بأعراضهم عنه ، فللا تجدُ منهم من يستجيبون لداعي الإيمان إلا عدداً قليلا .
وصدق الله . فلم يدخل في الاسلام على مر القرون الا قليل من اليهود ، ممن قَسَم الله لم الخير ، وأراد الهدى . أما أغلبهم فقد ظلّوا حرباً على الاسلام والمسلمين ، منذ كانوا في المدينة الى يوما الحاضر . هذا مع أنهم لم يجدوا أمةً تحفظهم وتصون حقوقهم كالمسلمين . ولم يعيشوا في أمانٍ إلا في ظِل الاسلام ولا يزالون كذلك حتى الآن في كثير من البلاد الاسلامية .

(1/297)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47)

الكتاب : التوراة . الطمس : إزالة الأثر بمحوهِ او إخفائه . ومنه الطمس على الأموال في قوله تعالى { رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ } أي أهلكها وأزِلها ، والطمس على الأعينِ محوُ نورها . { وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ } [ يس : 66 ] .
يا أيها الذين أوتوا الكتاب ، والمقصودُ اليهودُ الذين كانوا حوالي المدينة ، والخِطابُ عام لجميع أهل الكتاب ، آمِنوا بما أنزلنا من القرآن على محمد . فقد جاء مصدّقاً ومحققاً لما معكم ، فآمِنوا به قبل أن يحلّ بكم العقاب الذي تُمْحَى به معالم وجوهكم ، ونسلُبها وجاهتها ، كما نعمّي عليكم السبل كما نبصّر المؤمنين بشؤونكم ونغريهم بكم . بذلك يكون سعيكم الى غير الخير ، او نطردكم من رحمتنا كما لعنّا الذي خالفوا أمرنا بمزاولتهم الصيدَ يوم السبت ، وكان قضاء الله نافذاً لا مردَ له .

(1/298)


إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)

افترى الكذب : اخلتقه ، وأصله من الفَرْي وهو القطع .
في هذه الآية الكريمة تهديد كبير ، وأمل عظيم ورجاء مفتوح . . تهديدٌ لمن يقترف جريمة الشِرك ، فالله لا يغفر ذلك أبداً ، لأن الشرك انقطاعُ ما بين الله العباد ، فلا يبقى لهم معه أمل في المغفرة . . وفيها أمل عظيم يفتح أبواب رحمته تعالى كلّها لما دونَ الشِرك من الذنوب ، فكل ذلك يغفره الله ، ما دام العبد يرجوا مغفرفته ، ويؤمن انه قادر على ان يغفر له . وهذا منتهى الأمر في تصوير الرحمة لا التي لا تنفَد ولا تحدّ .
{ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً }
ومن يجعل لغير الله شِركة مع الله فقد اخترع ذنباً الضرر ، تُستصغَر في جنب عظَمته جميع الذنوب والآثام ، ومن ثم لا يستحق صاحبه الغفران .

(1/299)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)

تزكية النفس : مدحها . الفتيل : ما يكون على نواة التمر مثل الخيط .
ألا تعجب يا محمد من هؤلاء الذين يُثنون على أنفسهم ويقولون : نحن أبناء الله وأحبّاؤه ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً! هذا ويضيف اليهود : إن ذنوبنا التي نعملها بالنهار تكفَّر عنَّا بالليل ، وما أَشبه ذلك من الافتراء على الله . والحق ان الله وحده هو الذي يعلم الخبيث من الطيّب ، فيزكْي من يشاء من عباده ، لا اليهود ولا النصارى .
ثم يؤكد سبحانه التعجيب من حالهم وأقوالهم فيقول { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } انظر الى زعمهم أن الله تعالى يعاملهم معالمةً خاصة بهم ، لا كما يعامل سائر عباده . . ان الكذب على الله إنما يكشف عن خُبث طويتهم لا أكثر .

(1/300)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)

الجبت : السِحر ، والساحر ، والشر ، وكل ما عُبد من دون الله . الطاغوت : كل باطل من معبود وغيره ، والشيطان ، والكاهن . النقير : النكتة التي في ظهر النواة .
روي في سبب نزول هذه الآيات عدة روايات تدور كلها على كعب بن الأشرف وحيُيّ بن أخطب ، وهما من زعماء وأحبار اليهود المناوئين للنبيّ والاسلام . وخلاصة روايات الطبري ان كعباً وحييَّ بن اخطب ذهبا في جماعة من الأحبار الى مكة ليحالفوا قريشاً على حرب النبي ، فأجابتهم قريش : انتم أهل الكتاب وأنتم أقربُ الى محمد . ونحن لا نأمن مكركم حتى تسجدوا لآلهتنا . ففعلوا ، ثم سألتهم : أدينُ محمد خير أم ديننا؟ فقال اليهود : بل دينكم ، وأنتم أهدى منه وممن تبعه . فأنزل الله تعالى هذه الآيات . ومعناها :
ألم تر يا محمد الى اليهود الذين أوتوا حظاً من عِلم الكتاب يعظّمون غير الله بالعبادة فيسجدون للجبت والطاغوت ، ثم يقولون للكفار إنهم أرشدُ طريقةً في الدين منت الذين اتبعوا محمداً . كل ذلك يُرضوا المشركين ويحالفوهم ليحاربوا الاسلام . { أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله } وطردهم من رحمته ، ومن يخذله الله فلن ينصره أحدٌ ولا يحيمه أحد من غضَبه .
ثم ينتقل سبحانه من توبيخهم على فِعلتهم المنكرة تلك الى توبيخهم على حسَدهم وبُخلهم وأثَرتهم ، فيقول : { أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الملك . . . . . } فيما عجباً ، إنهم لا يطيقون ان ينعم الله على عبد من عباده بشيء من عنده اذا لم يكن يهودياً! فهل هم شركاؤه سبحانه ، حتى يكون لهم نصيب في ملكه! لو كان لهم ذلك لضنّوا وبخلوا ان يعطوا الناس نقيرا ، وهو أتفهُ الأشياء وأقلها .

(1/301)


أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)

صد عن الشيء : أعرض عنه .
إنهم من جرّاء حسدهم للغير واغترارهم بأنفسهم يريدون ان يَضيقَ فضل الله بعبادهخ ، لذلك يستكثرون على العرب ان يبعث الله منه رسولا ، مع انه آتى ابراهيم وآله الكتابَ والنبوَة والملُلك ، وهو أبوكم وابو العرب . فمِنَ الذين بُعث فيهم إبراهيم وآله مَن آمن بالكتاب ودين ابراهيم ، ومنهم من اعرض عنه ، وحَبْبُ هؤلاء المعرضين جهنم في الدار الآخرة وبئس القرار .

(1/302)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57)

آياتنا : أدلّتنا الواضحة . نُصْليهم : نشويهم . نضجت : احترقت . الظل الظليل : ظل وارف لا يصيب صاحبه حر ولا سموم .
يعرض سبحانه في هاتين الآيتين صورتين متقابلتين : فريق الذين كذّبوا بآيات الله ومآلهم النار وما يذوقون من العذاب ، وفريق المؤمنين العاملين المصدّقين وما يحدونه في الآخرة من النعيم .
فقد أعدّ الله لمن جحد بهذه الحجج البينات التي أنزلها على أنبيائه ناراً حامية تشوي جلودهم . حتى اذا احترقت هذه وفقدتْ القدرة على الإحساس بدّلهم الله جلوداً غيرها ليستمر ألم العذاب . وقد نصّ الكتاب بشكل خاص على الجلود لأنها النهاية الخارجة لشبكة الأعصاب في الجسم ، فهني التي تستقبل المؤثراتِ من ألم وحرارة وبرودة وغيرها . وقود بحث في ذلك الدكتور عبد العزيز اسماعيل باشا في كتابه ( الاسلام والطب الحديث ) بحثاً قيِّماً .
{ إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } . فهو عتزيز قادر لا يمتنع عليه شيء ، وحكيم يعاقب من تقتضي الحكمة ان يتم عقابة ، ولا يظلم ربك أحد . هذا فريق .
اما الفريق الآخرة فهم الّذين آمنوا بالله وصدّقوا برسوله ، وهؤلاء سيدخلون جناتٍ يتمتعون بنعيمها العظيم ، ولهم في أزواجٌ مطهّرة من العيوب والأدناس ، يُدخلن السرور الى نفوسهم ، فتكمل سعادتهم ، ويقيمون في ظل ظليل من العيش الطيب .

(1/303)


إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)

الأمانة : الشيء الذي يُحفظ بنيّةِ أن يؤدَّى الى صاحبه ، والأمانات ، كل ما يؤتمن عليه المرء من مال ، أو عهد ، أو عقد ، او سر ، أو ما اشبه ذلك . العدل : ايصال الحق الى صحابه .
بعد ان بين الله سبحانه الإرشادات الحكيمة التي يجب على الأمة ان تتخذها أساساً للحياة فيها ذكر هنا ما يجب أن يؤسَّس عليه شأن الجماعة الاسلامية ، فقرر أمرين لهما خطرهما في ذلك . وهما : أداء الامانات الى أهلها ، والحكم بالعدل بين الناس ، وكأنه يشير بهذا الى أن الانتفاع بالارشادات المتقدمة في الأُسرة والأموال لا يتحقق الا على « أداء الامانة » و « العدل » .
والأماناتُ كلمة عامة تشمل جميع الحقوق من ماليه وعملية ، وعلمية ، والحُكم بالعدل فيها هو القضاء بتلك الأمانات عند تعرضها للضياع . اما الحكم بالعدل عامة فيشمل ما كان طريق التولية ، وما كان طريق التحكيم ، كما يشمل ما بين المسلمين أنفسهم ، وما بنيهم وبين غيرهم . وقد كثُر الحثّ في القرآن على العدل لأنه أساس الحياة . وعناصر العدل في الحكم هي فهمُ الحادثة من جميع جوانبها ، ثم معرفة الحكم من مصدره التشريعي ثم تحرّي انطباق الحكْم على الحادثة . كل ذلك مع التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء .
{ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا }
خطاب عام لجميع الناس وفي مقدّمتهم المؤمنون . وقد وردت عدة أحاديث في نزول هذه الآية منها قضية عثمان بن طلحة ووجوب ردِّ مفتاح الكعبة إليه . لكن ، العبرةُ بعموم اللفظ . والمعنى :
أيها المؤمنون ، ان الله يأمركم ان تصولوا جميع ما أنتم مؤتمنون عليه ، وهو نفوسكم أولاً ، وذلك أن تؤمنوا به إيمانا حقيقيا ، تطيعوا أوامره وتتجنبوا نواهيه ، وتعملوا عملاً صالحا يرضاه .
هذه هي الأمانة الكبرى التي كُلّف الانسان بحملها وتقاست عن ذلك الجبال . . ومنها تنبثقُ سائر الأمانات التي يأمر الله بها أن تؤدَّى .
ثم أمانةُ العبد مع الناس . من ذلك ردُّ الودائع الى أربابها ، وعدم الغش ، وحِفظ السر ونحو ذلك مما يجب للأهل والأقربين وعامة الناس والحكام . يدخل في ذلك عدل الحاكمين مع الرعية ، بألاّ يستأثرون بثرواتها ، ولا يتحكموا في رقابها ، وان يختاروا خير الناس لتولّي شئونهم . كما يدخل عدل العلماء مع الناس بأن يرشدوهم الى دينهم الصحيح ، ويعلّموهم الأعمال التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم من أمور التربية وكسب الحلال ، لا أن يتخذوا الدينَ تجارة يبيعون منه القراريط لقاء رضا الحكام وملء جيوبهم هم . ويدخل فيها كذلك أمانة الرجل مع زوجته في النفقة والعشرة ، ومع أولاده وسائر أهل بيته المسئول عنهم .
ثمّ يدخل عدل الانسان مع نفسه بأن يختار لها ما هو الأصلح فلا يُقدم على عمل يضرّه في دنياه أو آخرته ، ويتجنب تعاطي الأشياء التي تضر بصحته ويبتعد ما أمكن عن جميع المغريات .

(1/304)


{ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل } .
هذا نص مطلق شامر ، فإنه سبحانه يطلب منا إقامة العدل بين الناس جميعاً على أختلاف أديانهم وطبقاتهم ، لا بين المسلمين فحسب . . لأن العدل هو أساس انتظام الحياة ، وعلى ذلك فهو حق لكل إنسان من أي دينٍ او جنس او لون . هذا هو دستور الاسلام العظيم لا التستر على التمييز العنصري ولا تسخير الدين في خِدمة الحكام .
{ إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } هذه موعظة من ربكم فاحرصوا عليها لأنه لا يوجد أحسن منها ، ان الله دائماً سميع لما يقال ، بصير بما يُفعل ، وهو من أدّى الامانة من خانها ، ومن حكَم بالعدل أو جار ، فيجازي كلاًّ بعمله . وفي هذا وعد للطائعين ، ووعيد للعاصين .

(1/305)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)

بعد ان بين سبحانه الأساس الذي تقوم عليه الحياةُ الاسلامية من أداء الأمانات والحكم بالعدل جاء في هذا الآية الكريمة بالنظام الأساسي الذي تتطلبه الحياة العادلة ، وقاعدة الحكم ، ومصدر السلطة . وكلّها تبدأ وتنتهي عند التلقّي من الله وحده ، والرجوعِ اليه في كتابه ، ثم الى سُنة رسوله ، ثم عدالة أولي الامر من المسلمين ، فالآية صريحة في توضيح مصارد التشريع الاسلامي . . فعندما نضع قانوناً او نريد ان نحكم في قضية ، علنيا ان نرجع الى القرآن الكريم : ، فاذا لم نجد رجعنا الى سُنة رسوله ، فاذا لم نعثر على طلبنا هناك سألْنا أوُلي الأمر ان يجتهدوا رأيهم . وهذا الاجتهاد بابُه مفتوح دائما لم يُغلق ، واما على أهل العلم والرأي إلا ان يجدّوا ويجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلاً للاجتهاد .
« ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعَلِمَه الّذين يستبطونه منهم » وهذا صريح جداً في موضوع الاجتهاد .
وهذا حديثُ مُعاذ بن جَبل حين ولاّه رسول الله قاضياً على اليمن أوضحُ دليل ، فإنه قال له : « بمَ تقتضي إذا عرض لك قضاء؟ قال : بكتاب الله؟ قال : فإن لم تجدْ؟ قال : بسنّة رسول الله . قال : فإن الم تجد؟ قال : أَجتهد رأيي » ، فأقرّه الرسول على ذلك .
{ يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ }
أطيعوا الله واعملوا بكتابه ، وأطيعوا الرسول لأنه يبيّن لكم ما نُزِّل إليكم ، وأطيعوا أولي الأمر منكم وهو من ولّيتموهم أنتُم أموركم ، والعلماَْ ورؤساء الجند و سائر من يرجع إليهم الناس في الحاجات عن ثقة فيهم . . فإن تنازعتم في شيء فيما بينكم فاعِرضوه على كتاب الله ، ثم على سنة رسول الله لتعلموا حكمه . فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة ينظُر أولوا الأمر فيه ، لأنهم هم الذين يوثَق بهم . فإن اتفقوا وأجمعوا وجَبَ العمل بما أجمعوا عليه .
{ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر }
هذا مقتضى إيمانكم بالله واليوم الآخرة ، وهو خير لكم ، لأنكم تهتدون الى العدل فيما اختلفتم فيه ، وأ؛سنُ عاقبةً ، لأنه يمنع الخلاف المؤدي الى التنازع والضلال .
والأحاديث الواردة في الحض على طاعة اولي الأمر كثيرة جداً ، ففي الصحيحين عن ابن عمر : « السمع والطاعة الى المرء المسلم ، فما أحبَ أو كره مال يُؤمر بمعصية ، فاذا أُمرنا بمعصية فلا سمع ولا طاعة » .
وفي صحيح مسلم عن أم الحُصَين أنها سمعت الرسول الكريم يخطب في حجة الوداع يقول : « ولو استُعمل علكيم عبدٌ يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا » ، أما الذي يَستعمل ذلك العبدَ ، فه والرسول أو الخليفة الذي يُجمع عليه المسلمون . فالأصل هم المسلمون لا القوة ، ولا جيوشٌ لقاءَ أجْر ، ولا تسلسلٌ في مُلك عضود أساسُه التوارث .

(1/306)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)

الزَّعم : القول . وكثر استعماله في مظنّة الكذب . الطاغوت : الطغيان والمعبود من دون الله .
تعرض هذه الآيات الكريمة لوناً من ألوان التمرد على الوضع التشريعي السابق ، فقد وصفتْ قَوماً أنهم يؤمنون بما أُنزل الى الرسول والأنبياء السابقين من الكتب ، لكنهم يريدون ان يتحاكموا في خصوماتهم الى رؤوس الطغينان والضلال ، فيقبلون حكم غير الله . انهم يتحاكمون الى الطاغوت فيحلّلون ما حرم اللهن ، ويحرّمون منا أحل . ولقد أمرهم ا لله ان يكفروا بالطاغوت ، ولا يتحاكموا اليه ، الا ان الشيطان يصدّهم عن طريق الحق . واذا قيل لأولئك الذين يزعمون انه مؤمنون ، تعالوا الى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكّمه بيننا ، والى الرسول ليحكم بيننا بما أراده الله رأيتَ هؤلاء المنافقين يُعرضون عنك يا محمد ويرغبون عن حكمك .
فكيف تكون حالهم إذا نزلتْ بهم مصيبة من جرّاء أعمالهم وخُبث نيّاتهم ولم يجدوا ملجأً الا اليك ، فجاؤوك يُقسِمون بالله إنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم الى غيرك إلا الإحسان في المعاملة ، والتوفيقَ بينهم وبينَ خصومهم . إن الله يعلم حقيقة ما في قلوبهم وكذب قولهم فلا تلتفت يا محمد الى كلامهم ، وادُعهم الى الحق بالموعضة الحسنة ، وقل لهم قولاً حكيماً يصل الى اعمال نفوسهم .
وقد رويتْ عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات منها أن يعض المنافقين تخاصم مع يهودي فقال له اليهودي : أُحاكمك الى أهل دنيك . زو يَعني الى النبي . فلم يقبل الرجل ، وقبل ان يتحاكم الى أحد الكهان . والآية عامة في كل ما يصد عن حكم الله ، ويعرض عن شرعه .

(1/307)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)

ان سنّتنام في هذا الرسول الكريم مثل سنّتنا في الرسل قبله ، نرسله ليُطاعوا بإذن الله ، فمن يخرج عن طاعتهم بأن ينافق او يكذب او يخالف يكنْ ظالماً لنفسه ، ويرتكب أكثر الآثام . ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ورغبوا عن حكمك رجعوا الى الهدى فجاؤوك وطلبوا المغفرةَ من الله على ما قدّموا ، وندموا على ما فرط منه ، لدَعوتَ أنت يا محمد لهم بالمغفرة فغفر الله لهم ، إنه كان تواباً رحيما .
وأقسم الله تعالى بربوبيته مخاطباً رسوله الكريم بأن أولئك الذين لم يقبلوا التحاكُم إليه ، هم وومن ماثَلَهم من المنافقين لا يؤمنون إيماناً حقيقياً حتى يجعلوا محمداً حكَماً فيما يكون بينهم من نزاع ، ثم لا تضيق نفوسهم فيما يحكم به ، ويُسلّموا ويذعنوا لذلك .

(1/308)


وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)

كتبنا : فرضنا . التثبيت : التقوية ، جعل الشيء راسخاً ثابتاً .
ولو أنّا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل اليك والمحتكمين الى الطاغوت ان يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك ، أو أن يخرجوا من ديارهم ما فعلوه ، الا نفر قليل منهم هم المؤمنون حقا . والمقصودُ بذلك المنافقون ، وترغيبهم في الاخلاص ، وترك النفاق .
وهو يعني أننا لو شدّدنا التكاليف على الناس ، كأن نأمرهم بقتل أنفسهم ، او الخروج عن أوطانهم لصعُب ذلك عليهم . ولما فعله الا الأقلون . وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم . فلما لم نفعل ذلك ، رحمةً منا بعبادنا ، واكتفينا بتكليفهم ما يطيقون كان عليهم ان يقبلوهُ ويتركوا التمرد والعناد ، حتى ينالوا خير الدارين .
روى الطبري في تفسيره قال : قال رجل من الصحابة لما نزلت هذه الآية : لو أمَرَنا لفعلْنا ، والحمد الله الذي عافانا . فبلغ ذلك النبيَّ الكريم ، فقال : « ان من أُمتي لرجالاً ، الايمانُ أُثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي » .
ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل لأعطيناهم الثواب العظيم من عندنا ولهديناهم الى طريق العمل الموصل الى الفوز بسعادة الدارين .
قراءات :
قرأ ابن عامر وحده « إلا قليلا » بالنصب ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي « ان اقتلوا » بضم النون . « او اخرجوا » بضم الواو . وقرأ عاصم وحمزة « ان اقتلوا انفسكم او اخرجوا » بكسر النون والواو ، على الأصل بالتقاء السكانين . وقرأ ابو عمرو ويعقوب « ان اقتلوا » بسكر النون « او اخرجوا
بضم الواو »

(1/309)