صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
القسط : العدل . الدين : مجموعة التكاليف التي يدين بها العباد لله . الاسلام : الخضوع الاستسلام . حاجّوك : جادلوك . الأميّون : مشركو العرب . (1/182)
بعد ان بين سبحانه وتعالى جزاء المتقين ، وشرح أوصافهم التي استحقوا بها هذا الجزاء بيّن لنا هنا أصول الايمان ، فقال : شهد الله بما نصبه من الأدلة وأوحاه من الآيات أنهن لا الَه غيره ، وانه قائم على شئون خلقه بالعدل ، وشهدت بذلك ملائكته الاطهار وأهل العلم . انهو هو العزيز الذي لا يغلِب أحد على أمره ، والحكيم الذي شملت حكمته كل شيء .
ان الدين عند الله هوة الاسلام ، فجمي المال والشرائع التي جاء بها الأنبياء أساسُها التسليم الانقياد والخضوع . اما أهل الكمتاب فقد اختلفوا في هذا الأمر من بعد هذا الامر من بعدما جاءهم اليقين على صحته . ولم يكن اختلافهم عن شُبهةٍ أو جهل ، كلا بل من جرّاء التكبر وطلب الجاه والرياسة والمال . ومن يكفر بآيات الله الدالة على وجوب الاعتصام بالدين ، ووحدته ، وحرمة الاختلاف فيه فان الله ما أسرع ان يحاسبه على ذلك . فإن جادلوك يا محمد في هذا الدين بعد أن أقمتَ لهم الحجج فلا تجارهم ، بل قل لهم : اني اخصلت عبادتي لله وحده ، انا ومن اتبعني من المؤمنين . وقل لهؤلاء اليهود والنصارى والمشركين من العرب : أسلمتم مثل اسلامي بعد ان ظهرت لكم الدلائل؟ فان اسملموا فقد عرفوا طريق الهدى واتبعوه ، وان أعرضوا فليس عليك الا ان تبلّغهم رسالة الله ، والله بصير بعباده لا يخفى عليه شيء من أحوالهم وأعمالهم .
قراءات :
قرأ الكسائي « أن الدين عند الله الاسلام » بفتح ان والباقون بالكسر .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)
حبطت أعمالهم : بطلت . أصل البشارة : الخبر السار ، وجاء استعمالها هنا على طريق التهكم والسخرية . (1/183)
ان الذين يكفرون بدينك من يهود زمانك يا محمد ، وكان اسلافهم يقتلون الأنبياء بغير حق ، كما يقتلون الذين يأمورن بالعدل من الناس لن ينالوا خيراً أبداً ، بل لك ان تبشّرهم بعنذاب مؤلم في الدنيا والآخرة . هؤلاء هم الذين خسروا أنفسهم وفسدت أعمالهم في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا ، فلأنهم لم ينالوا حمداً ولا ثناء من الناس ، وأما في الآخرة فلأنهم فعلوا كل ما سبق من الشائنات . لذا فقد أعد لهم الله الخلود في النار ، وما لهم من أحد يجنبهم بأس الله وعذابه .
قراءات :
قرأ حمزة : ويقاتلون الذي يأمرون بالقسط .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)
النصيب : الحظ . الكتاب : التوراة . يتولى : يعرض . يفترون : يكذبون . لا ريب فيه : لا شك فيه . (1/184)
ألم تعلم يا محمد حال هؤلاء الذين أُعطوا حظاً من التوراة كيف يُعرضون عن العمل بموجبه حين يُدعون اليه اذا لم يوافق أهواءهم! هذا دأب أرباب الديانات في طور انحلالها واضمحلالها .
« روى البخاري عن عبدالله بن عمر ان اليهود جاءوا الى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا ، فقال لهم : كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا : نحمِّهما ونضربهما . فقال : لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا : لا نجد فيه شيئاً . قال لهم عبدالله بن سلام وكان من علمائهم وقد أسلم : كذبتم ، فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين . فلما جاءوا بها وجدوا فيها آية الرجم ، فأمر بهما النبي فرجما » فغضب جماعة من اليهود من ذلك ، لأنهم يزعمون ان النار لن تمسّهم الا أياماً معدودات .
وقد دفعهم الى ذلك غرورهم بأنفسهم وتكبرهم ، حتى لقد صدّقوا ما كانوا يفترون من الكذب على دينهم وما يحرّفون من كتبهم .
كيف سيكن حالهم اذا جمعناهم ليوم القيامة ، وهو آتٍ لا ريب فيه ، حيث توفّى كل نفس جزاء ما علمته من خير أو شر ، وبالقسطاس المستقيم!! هناك العدل الكامل ، ولا يظلم ربك أحداً .
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)
اللهم : يا الله . تنزع الملك : تخلع الملك . (1/185)
قل يا أيها النبي ضارعاً الى الله : يارب ، أنت وحدك مالك كل شيء ، تمنح من تشاء الحكْم وتخلع ذلك عمن تشاء ، وتهب العزة لمن تشاء من عبادك ، وتضرب الذل والهوان على من تشاء . ان بقدرتك الخيرَ كله تتصرف فيه وحدك كما تشاء ، وأنت على كل شيء قدير .
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)
تولج : تدخل . (1/186)
انكل تُدخل بعض الليل في النهار فيقصُر الليل من حيث يطول النهار ، وتدخل بعض النهار في الليل فيطول الليل من حيث يقصر النهار . كل هذا بحكتمك في خلق الكون ، فهل من ينكر بعد هذا ان تؤتي ا النبوةَ والملك من تشاء! إن تصرّفك بشئون الناس كمثل تصرفك في الليل والنهار .
وتُخرج الحيَّ من الميت : كالعالِم من الجاهل والمؤمن من الكافر ، والنخلة من النواة ، والانسان من النطفة ، والطائر من البيضة .
وتُخرج الميت من الحيّ : كالجاهل من العالم ، والكافر من المؤمن ، والنواة من النخلة ، والبيضة من الطائر .
وترزُق من تشاء بغير حساب : فتهب عطاءك الواسع من تشاء ، فلا رقيب يحاسبك .
ومن كان هذا شأنه لا يعجزه ان يمنح رسوله وأصفياءه السيادة والسلطان كما وعدهم ، اذا هم استقاموا على الطريقة المثلى ، وساروا على الصراط المستقيم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر « الميت » بسكون الياء .
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)
الأولياء : جمع ولي : النصير والصديق . تقاة : اتقاء وخوفا . (1/187)
في هذه الآية تحذير كبير من اتخاذ الكافرين أولياء ، فالله سبحانه وتعالى نبّهنا في الآية السابقة أن نلتجىء اليه ، وأفهمنا ان كل شيء بيده ، وهنا يحذّرنا من ان نتخذ الكفارين اصدقاء وناصرين : فما دام الله وحده هو مالك الملك ، يعزّ ويذل ويعطي ويمنع ، فهل يجوز للمؤمنين ان يجعلوا لغير المؤمنين ولاية عليهم؟ ان في يهذا خذلاناً للدِّين واضعافاً للولاية الاسلامية ، ومن يسلك هذا المسلك فإن الله يتخلى عنه . ولا يجوز للمؤمن ان يرضى بولاية الكافرين الا مضطرا ، فيتقي أذاهم باظهار الولاء لهم .
وعلى المؤمنين ان يكونوا في الولاية الاسلايمة ، وهي ولاية الله ، ولْيحذَروا ان يخرجوا منها الى غير ولايته ، فيتولى عقابهم بنفسه ، كما هو حاصل اليوم ، حيث ألقى طائفة من المسلمين بأنفسهم في احضان أعدائهم وأعداء الله في الشرق والغرب ، فأذاقهم الله الذل ونصَر عليهم اليهود . وهو سينصرهم لو رجعوا اليه ، لا إلى مطامعهم ، ووحدوا صفوفهم ، وباعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله لا في سبيل الكراسي والمناصب .
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
قل يا محمد للذين أمرتُهم ان لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين : إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتُسرّوه ، أو تبدوه بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه يعلمه الله ، فهو الذي يعلم جميع اما في السماوات وما في الارض . إياكم ان تُظهروا لهم موالاة ، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به . (1/188)
وفي هذه الآية بيان وايضاح لقوله تعالى : « ويحذِّركم الله نفسَه » اي لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط ، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها . . فلا تجسروا على عصيانه .
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)
الأمد : المدة الطويلة . رؤوف : رحيم أشد الرحمة . (1/189)
واحذروا يوم تجدُ كل نفس عملها من الخير أو الشر حاضراً أمامها ، فُتسَرُّ بالأول وتتمنى للثاني ان يكون بعيداً عنها حتى لا تراه ، خوفاً من العقاب . ويحذّركم الله عقابه اذا خرجتم من ولايته باقتراف الذنوب . كل هذا مع انه رؤوف بعباده واسع المغفرة لهم . ومن رأفته بالناس انه جعل الفطرة الانسانية ميالة بطبعها الى الخير ، مبغضة لما يَعْرِض لها من الشر ، كما جعل أثر الشر في النفس قابلاً للمحو بالتوبة والعمل الصالح .
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)
ق يا محمد : ان كنتم صادقين في دعواكم أنكم تحبون الله وتريدون ان يحبّكم الله ، فاتبعوني فما آمركم به وأنهاكم عنه ، لأن كل ذلك من عند الله . إنْ فعلتم ذلك أحبكم الله وأثابكم بالتجاوز عن خطاياكم ، وهو كثير الغفران والرحمة لعباده . (1/190)
لكن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هياماً بالوجدان ، بل هو اتباعٌ لرسول الله وعملٌ بشريعة اله التي أتى بها نبيه الكريم . ان العمل هو الشاهد والأساس ، أما القول وحده فلفظ يصّرفه اللسان كيف شاء ، وقد يخدع به الناسَ ، لكنه لن يخدع به الله فقد وسع علمُه كل شيء .
قال ابن كثير : « هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية . فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتّبع الشرع المحمدي في جميع أقواله وأعماله » .
وروى انه لما نزل قوله تعالى { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله . . . } قال عبدالله بن أُبيّ ، رأس المنافين : ان محمداً يجعل طاعته كطاعة الله تعالى ، ويأمرنا ان نحبّه كما أحبَ النصارى عيسى ، فنزل قوله تعالى { قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول } أطيعوا الله باتّباع أوامره واجتناب نواهيه ، وأطيعوا الرسول باتباع سنته والاهتداء بهديه .
فان أعرضوا عنك يا محمد ولم يجيبوا دعوتكم فهم كافرون بالله ورسوله ، والله تعالى لا يحب الكافرين أمثالهم .
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
اصفطى : اختار . الذرية : الأولاد . نذرتُ : أوجبت على نفسي . محرراً : مخصَّصا لعبادة الله . أعيذها بك : أجيرها بك . الرجيم : المطرود من الخير . أنبتها نباتا حسنا : رباها تربية صالحة . كفلها زكريا : جعل زكريا كافلا لها . المحراب : الغرفة ، والمسجد ، واشرف جهة في المسجد . أني لكِ هذا؟ : من اين لك هذا . (1/191)
بعد ان بين الله تعالى ان الدين الحق هو الإسلام ، وان اختلاف أهل الكتاب فيه كان بغياً منهم ، وان الفلاح منوط باتّباع الرسول الكريم وطاعته ذكر هنا بعضَ من اختارهم وجعل منهم الرسل الذين يبيّنون للناس طريق الله ومحبته . لقد اختار الله هؤلاء وجعلهم صفوة العالمين بجعل النبوة والرسالة فيهم كما اصطفى محمداً لتبليغ رسالته .
فأول هؤلاء الصفوة المختارة آدم أبو البشر ، اصطفاه ربه واجتباه . ثم جاء بعده نوح ، أبو البشر الثاني . واصطفى ابراهيم وولديه . واختبار آل عمران ومنهم عيسى وأمه . ولقد اختارهم ذريةً طيبة طاهرة ، فهم يتوارثون الطُّهر والفضيلة والخير .
اذكر أيها النبي حال امرأة عمران حين ناجت ربها وهي حامل بنذْرِ ما في بطنها لخدمة الله تعالى قائلة : يارب ، إني نذرت ما في بطني خالصاً لخدمة بيتك ، فاقبل من ذلك إنك أنت السميع لكل قول ، العليم بكل حال . فلما وضعت بنتا قالت معتذرة تناجي ربها : إني قد ولدت انثى ، ( وأنت اعلم بما ولدتُ ) ، وليس الذكر الذي تمنيت ان أنذره ساناً لبيتك كالأنثى التي وضعتها . ومع هذا فإني غير راجعة عما نويته من النذر . واذا كانت الأنثى غير جديرة بسدانة المعبد فتلكن من العابدات القانتات ، إني أجيرها يا ربّ بحفظك ورعايتك من الشيطان الرجيم .
فتقبّل الله مريم نذراً لأمها ، وأجاب دعاءها . وجعل زكريا كافلاً لها . فكان كلما دخل زكريا عليها محرابها فوجد عندها ألوانا من الطعام لم تكن توجد تلك الأيام قال لها : يا مريم من أين لك هذا والأيام جدب وقحط؟ قالت : هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعا ، ويرزق من يشاء من الناس بغير عدد ولا إحصاء . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
قراءات :
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب : « والله اعلم بما وضعتُ » على انه كلامها .
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
بكلمة من الله : عيسى بن مريم . سيدا : شريفا في العلم العبادة . (1/192)
حصروا : لا يأتي النساء ، وهو يحبس نفسه عن كل ما ينافي الفضائل .
عاقر : عقيم لا تلد . الآية : العلامة .
الا تكلم الناس : لا تستطيع الكلام . الرمز : الاشارة .
ولما رأى زكريا ما رآه من نعمة الله على مريم اتجه الى الله داعياً ان يهبه من فضله ولدا طيبا ، ايمانا منه بأن الله تعالى يسمع دعاء الضارعين .
فاستجاب الله دعاءه ونادته الملائكة وهو قائم يتعبد في محرابه بأن الله يبشّرك بولد اسمه يحيى ، ويؤمن بعيسيى عليَه السلام الذي سيوجَد بكلمة من الله فيكون وجوده معجزة .
ان يحيى سيكون سيداً شريفاً عابدا قانتا ، وحصوراً بعيدا عن كل الأدناس والشهوات ، ونبياً من الصالحين . وكان يحيى ابن خالة عيسى .
وعندما سمع زكريا هذه البشرى استبعد ان يكون له ولد وهو عجوز طاعن في السن وامرأته عقيم لا تلد ، فردّ عليه الله بأنه متى شاء أمراً أوجَدَ له سببه . فدعا زكريا ربه ان يجعل له علامة لتحقُّق هذه البشرة ، فقال : علامة ذلك ان لا تقدر على كلام الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة ومع ذلك تظل تستطيع ان تذكر الله وتسبّحه أثناء تلك الايام الثلاثة .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وخلف « فناداه الملائكة » بالإمالمة والتكذير . وقرأ حمزة وابن عامر « ان الله » بكسر همزة إن . وقرأ حمزة والكسائي « إن الله يبشّرُك » بفتح الياء وضم الشين بدون تشديد .
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
اصطفاك وطهرك واصطفاك : اصفاك الأولى من قِبل أمك حين نذرتْ ما في بطنها . واطصفاك الثانية هداك وخصّك بكرامات عظمى منه ولادة ببي من غيرِ أن يمسكِ رجل . اقنتي : الزمي الطاعة مع الخضوع . (1/193)
واذكر أيها النبي ، اذ قالت الملائكة : يا مريم ان الله اختارك واختصك لتكوني أماً لنبي كريم ، وطهّرك من كل دنس ، وخصك بأمومة عيسى وفضّلك على نساء العالمين . لذلك أطيعي ربك واخضعي له وصلّي دائما مع الذين يعبدونه ويصلّون له .
ان هذا الذي قصّه القرآن عليك يا محمد لهو من أنباء الغيب أوحي الله به اليك ، مع انك لم تقرأ الأخبار السابقة ، ولم تكن حاضراً في بني اسرائيل حين اجتمع كبراؤهم وكل واحد منهم يريد ان يكفُل مريم ، حتى اقترعوا على ذلك ، ولم تنازعهم وهم يختصمون في نيل هذا الشرف العظيم .
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)
المسيح : لقبٌ لعيسى والكلمة معرَّبة وعيسى ايضا كلمة عبرانية . وجيها : شريفا عاليا . المهد : فراش الصبي الصغير . الكهل : الرجل من الثلاثين الى الخمسين . الكتاب : الكتب المنزلة من عند الله ، ويجوز ان يكون المراد به الكتابة . (1/194)
الحكمة : اصابة الحق بالعلم والعمل .
التوراة : الكتاب الذي أنزل على موسى .
الإنجيل : معهناه « البشرى أو البشارة » وهو الكتاب الذي أنزل على عيسى .
واذكر يا محمد حينما بشّرت الملائكة مريم بولد صالح ، اسمه المسيح عيسى بن مريم ، خلقه الله بكلمة منه ، على غير السنَّة الجارية بين البشر في التوالد ، بقوله « كن فيكون » . وقد جعله الله ذا مكانة عالية فيه هذه الدنيا حيث أعطاه النبوة ، وفي الآخرة حيث اعطاه علو المنزلة مع الصفوة المقربين الى الله من النبيّين أُولي العزم . وقد ميزه الله بخصائص منها أن كلّم الناس وهو طفل في مهده ، كما يكلّمهم وهو رجل كامل الرجولة .
فلما سمعت مريم هذا الكلام قالت متعجبة : من أين يكون لي ولد ولم يمسّني رجل! فأَوحى الله اليها انه يخلق بقدرته مثل هذا الخلق العجيب ، وانه اذا اراد شيئاً أوجده بقوله كن فيكون . وان الله سوف يعلّم طفلها العلم الصحيح النافع ، والتوراةَ التي انزل على موسى والانجيل الذي سيوجه اليه .
قراءات :
قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب « يعلّمه » بالياء والباقون « ونعلمه » بالنون .
الانجيل : كلمة يونانية وردت في القرآن الكريم ، معناه « البشرى » وتطلق اليوم على كل من الأناجيل التي تترجِم للمسيح في مجموعة « العهد الجديد » وهي اربعة : متّى ومرقص ولوقا ويوحنا .
والاناجيل المتوازية هي الأناجيل الثلاثة ( متى ومرقص ولوقا ) ، سُميت كذلك لتقاربها من بعضها أكثر من تقاربها مع الانجيل الرابع ، انجيل يوحنا ، الذي يختلف عنها في غايته . وتسمى مشكلة صلات هذه الأناجيل الثلاثة بعضها ببعض « المشكلة المتوازية » ، ومؤداها أن انجليلي متّى ولوقا يوحيان عناصر غير موجودة في انجيل مرقص . وتتفق هذه الأناجيل الثلاثة في أنها تترجم للمسيح رغم وقوف كل منها في ترجمته عند حد معين ، وتوضيح مزية خاصة من مزاياه ، مع بعض الاختلاف في بعض الحوادث والتواريخ . أما انجيل يوحنا فهو تأملا لاهوتي في تعاليم المسيح مع الاحتفاظ بالإطار التاريخي الأساسي .
وانجيل متّى هو أول كتب العهد الجديد ، يعزى الى متّى تلميذ المسيح ، وقد وصلنا في الثلث الثاني من القرن الأول للمسيح قبل سنة سبعين .
وانجيل مرقص هو ثاني كتب العهد الجديد ، وأصغر وأبسط الأناجيل الأربعة .
وانجيل لوقا الكتاب الثالث من العهد الجديد ، وقد دُوّن في أواخر القرن الاول . وهو الانجيل الوحيد الذي يتكلم عن ولادة المسيح كما يعرض لصَلبه وبعثه ، وفيه نصوص لم ترد في الأناجيل الأخرى .
وانجيل يوحنا هو الكتاب الرابع في العهد الجديد ، وضعه الرسول يوحنتا ، وهو يختلف عن الأناجيل الثلاثة المذكورة في مادته وتعالميه . (1/195)
وقد أورد الدكتور محمد وصفي في كتابه : « المسيح والتثليث » أسماءً لسبعة وثلاثين انجيلا ، منها انجيل برنابا ، وهو مطبوع في مصر ، وحديثاً في طبعة أنيقة في بيروت . وقد اقتنيته ، وفيه نصوص كثيرة تخالف الأناجيل الأربعة مخالفة جوهرية . وفيه بشارة صريحة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولكن المسيحين لا يعترفون به ويقولون إنه مزيف .
وفي كتاب الدكتور محمد وصفي « المسيح والتثليث » نصوص صريحة في مخالفة الأناجيل الأربعة لبعضها البعض واضحة جدا ، وكذلك هنا اختلاف بين طبعات الكاثوليك وطبعات البروتستانت .
وقد قال ( فاستس ) في القرن الرابع وهو من علماء ( ماني كيز ) : إن الانجيل المنسوب الى متّى ليس من تصنيفه .
وقال ( اشلاير ماخر ) في كتابه « الأبحاث عن انجيل لوقا » : ليس انجيل لوقا الا كتاباً مختلفة كتبت في أزمنة غير معينة على أيدي قوم مجهولين .
وبعض الفرق المسيحية كالفرقة الموسونية والفرقة الابيونية وفرقة يوني تيرن اسقطت البابين الأول والثاني من انجيل لوقا ، مع وجود الاختلاف الكبير بين كتابيهما وكتاب لوقا الحالي كذلك .
وقال العلامة الألماني رويس : ان انجيل يوحنا مجرد رأي لأحد المسيحين نَزَعَ فيه الى بيان رأيه الخاص فيما أتعى به المسيح عليه السلام . ولقد أكد ( استارولن ) ان انجيل يوحنا ليس إلا كتاباً كتبه بعض الطلبة من مدرسة الاسكندرية .
وقد استبعد مسيو ( موريس فرن ) في دائرة المعارف البريطانية ، كون الأناجيل الثلاثة المعزوة الى متى ومرقص ولوقا من تصنيفهم ، وحين وصل الى الكلام عن انجيل يوحنا قال : لا شك انه كتابٌ دخيل مزوَّر أراد ان يوجد تناقضاً بين أقوال القديسَين متى ويوحنا . . . ومن أراد الاستزادة فعلية ان يرجع الى كتاب الدكتور محمد وصفي « المسيح والتثليث » وكتاب « إظهار الحق » للشيح رحمة الله الهندي . وكل هذه الأقوال والانتقادات من علماء المسيحية أنفسهم . ونحن نعتقد أن هذه الأناجيل كلها محرَّفة ، مؤلفوها مجهولون ، وان الانجيل الصحيح الكامل منفقود كما جاء في القرآن الكريم .
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
الأكمه : الذي وُلد أعمى . البرص : داء خبيث يُحدث بياضاً في الجلد ويجعله يتقشر ، ويسبب للمصاب به حكَاً مؤلما . (1/196)
لقد خلق الله عيسى ابن مريم على حال خاصة وبعثه رسولاً الى بني اسرائيل مستدلاًّ على صدق رسالته اليهم بمعجزات من الله قائلا : لقد جئتكم بهذه المعجزات من عند الله ، فأنا أصوِّر لكم من الطين مثل صورة الطير ثم أَنفخ فيها فتحيا طيوراً عادية باراردة الله ، وأشفي الأعمى فيعود بصيرا ، والأبرص فيبرأ من دائه ، بل وأُوحيي الموتى ، وكل ذلك بإذن الله وارادته . وأُخبركم بما تدّخرون في بيوتكم من مأكول وغيره . ان كل هذه المعجزات إنما أظهرها الله على يديّ حجةً قاطعة على صحة نبوّتي وصدق رسالتي إليكم لعلّكم تؤمنون بي وتصدّقونني .
لقد جدئتكم مصدّقاً لشريعة توراة موسى لا ناسخاً لها ولا مخالفاً لشيء من أحكامها ، لأخفّف عنكم بعض الأحكام المشددة فيها ، فأُحِل لكم بعض الذي حُرم عليكم فيها . ومن واجبكم ان تخشوا الله وتطيعوني ، فهو ربي وربكم ، فاعبدوه وأخلصوا له الطاعة . فليس ما أمرتكم به الا الطريق السويّ الذي أجمع عليه الرسل كلهم قبلي ، لأنه هو الموصلُ الى خير الدنيا والآخرة .
من هذا يتبين ان عيسى عليه السلام نبيّ مرسَل ، لم يدّع أنه إلَه او ابن الإلَه .
قراءات :
قرأ أهل المدينة ونافع « فيكون طائرا باذن الله » ، وقرأ نافع « اني اخلق » بكسر همزة ان .
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
أحس : شعر وأدرك . الانصار : الاعوان المناصرون . الحواريون : مفرده حواريّ وهو صفي الانسان وناصره . المكر ، من العبد : تدبير سيء خفي ، ومن الله : إبطال تدابيرهم السيئة . (1/197)
فلما شعر عيسى من قومه اليهود إصراراً على نكران رسالته وتكذيباً لمعجزاته وصُدوفاً رغم كل ما قدمه لهم من نصائح ومواعظ قال لأتباعه وتلاميذه : من الذين ينصرونني باتّباعي ، وينصرفون الى تأييد الله ودينه وروسله؟ فقال خاصة أصحابه : نحن أنصار دين الله ومحبوه ، لقد آمنّا بك وبرسالتك من عنده ، فاشهد علينا أيها الرسول أنّا مؤمنون بدعوتك ، منقادون لربّك ، مخلصون في عبادتنا له .
وقد طلبوا شهادة عيسى لهم لأن الرسل يشهدون لأممهم يوم القيامة ، ثم تضرّعوا الى الله بقولهم : ربنا ، آمنا بما أنزلتَ واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين لرسولك بالتبليغ ، وعلى بني اسرائيل بالكفر والجحود .
أما الذين أعرضوا عن عيسى من قومه فقد طفقوا يكيدون ليه ويمكرون في تلفيق شيء يحاربون به دعوته ، لكن الله أبطل كيدهم فلم ينجحوا ، واللهُ أحكم المدبِّرين وأقواهم .
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)
واذكر أيها النبي اذ قال الله : يا عيسى ، اني متسوفٍ ِأجَلَك ، لن أدعَ أحدا يقتلك ، ثم ارفعك الى محل كرامتي ، فتنجوا من أعدائك . اما الذين ابتعوك ولم ينحرفوا عن دينك فسأجعلهم أقوى من الذين لم يهتدوا بهديك الى يوم القيامة . واخيراً ترجعون إليَّ جميعاً يوم القيامة فأقضي بينكم في الذي تنازعتم فيه من أمر الدين ، وأدازي كلاًّ بما يستحق . (1/198)
أما الذين كذّبوك فأعذبهم عذاب الخزي والنكال بتسليط الأمم عليها في الدنيا ، وبنقمتي عليهم في الآخرة . ولن يجدوا من ينصرهم من عذابي الأليم في ذلك اليوم .
وأما الذين تقلبّوا رسالتك وهتدوا بهدي الله ، حين أقرّوا بنبوّتك وما جئتهم به من الحق فَسأُوفّيهم أجرهم كاملاً غير منقوص .
هذه أخبار مريم وعيسى وبني اسرائيل والحواريين التي نود ان نقرئها ايّاك يا محمد باعتبارها بعض القرآن الحكيم الذي يبين وجوه العِبر في الأخبار والحِكم ، فيهدي المؤمنين الى اتباع ربهم . وأنت ترى أن فيها حجة بالغة على من حاجّك من وفد نجران ، ويهود بني اسرائيل .
قراءات :
قرأ حفص ورويس « فيوفيهم » بالياء كما هو هنا . والباقون « فنوفيهم » بالنون .
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
المَثَلَ : الحال الغريبة . الامتراء : الشك . الابتهال : الملاعنة ، ثم شاع استعماله في الدعاء . (1/199)
« روي في سبب نزول هذه الآية ان وفد نجران وعلى رأسهم السيد العاقب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا؟ قال : ما أقول؟ قالوا : هل رأيت إنساناً من غير أب ، ان كنت صادقاً فأرنا مثله . فأنزل الله تعالى { ان مثَلل عيسى عند الله كمثل آدم } اي إن شأنه في خلق الله اياه على غير مثال سابقٍ كشأن آدم ، فقد خلقه من تراب من غير أُمٍ ولا أب . بل ان خلْقَ آدم أغربُ وأعجب . ذلك ان الله قادر على صنع المعجزات اليت لا تدركها عقولنا ، فهو اذا اراد شيئا إنما يقول له كن فيكون .
هذا هو الحق من ربك يا محمد في خلق عيسى ، لا ما اعتقده النصارى من انه إلَه ، ولا ما زعمه اليهود من انه ابن يوسف النجار . دعهم في ضلالهم ، واثبُت على يقينك ولا تكن من الشاكّين . وإذا جادلك اليهود في شأن عيسى بعد هذا التنزيل فقل لهم : تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ندعوا ان يصب الله لعنته على الكاذبين .
وقد روي أن النجرانيّين لما دُعوا الى المباهلة قالوا لسيّدهم العاقب : ما ترى؟ فقال : والله لقد عرفتم نبوته ، وها قد جاءكم بالفصل في أمر عيسى . والله ما باهلَ قوم نبياً الا هلكوا ، فإن أبيتم أن تبقوا على دينكم فوادِعوا الرجل وانصرفوا .
فأتوا رسول الله محتضناً حفيده الحسين ، والحسن وفاطمة وعليّ يشمرون خلفه وهو يقول لهم : أذا انا دعوت فأَمِّنوا فملا رآهم كبير النصارى قال لقومه : إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى ان يزيل جبلاً لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا » .
« وفي صحيح البخاري ومسلم ان العاقب والسيّد أتيا رسول الله فأراد ان يلاعنهما . فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه ، فوالله لئن كان نبيا فلاعنَنا لا نفلح أبدا ، فقالا له : نعطيك ما سألت ، فابعث معنا رجلاً أمينا ، فقال : قم يا أبا عبيدة ، أنت أمين هذه الأمة » .
وفي هذا التحدي ما يدل على قوة يقين صاحبه ويقته بما يقول ، اما امتناع نصارى نجران عن المباهلة فدليلٌ على شكّهم في موقفهم وكونهم على غير بينة فيما يعتقدون .
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
القصص : الحديث ، الخبر والبيان . تولوا : أعرضوا . (1/200)
ان ما نقصّه عليك ايها النبي الكريم هو الخبر اليقين فلا تلتفت الى ما يفتريه اليهود على عيسى وأمه ، ولا الى ما يزعمه النصارى من تأليه وبنوّة ، فالحقّ الذي لامريةَ فيه انه ليس هناك إلَه غير الله ، وانه تعالى هو ذو العزة الذي لا يغالبه فيها أحد ، والحكمةِ التي لا يساويه فيها أحد حتى يكون شريكا له في ألوهيته ، أو نِدّاً في ربوبيَّتهِ .
فإن أعرضوا عن الحق الذي تعرضه عليهم ، ولم يقبلوا عقيدة التوحيد التي جئتبها ، فهم مفسدون ، والله أعلم بحال هؤلاء ، ولسوف يجازيهم على سيئات أعمالهم .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
أهل الكتاب : اليهود والنصارى . كلمة سواء : كلمة عدل وإنصاف . (1/201)
بعد ان بيّن الله تعالى لنا حقيقة الأمر في قضية عيسى وكيف عرضها محمد في دعوته الى التوحيد والإسلام ، وكيف عاند أهلُ الكتاب تلك الدعوة حتى اضطر النبي الى دعوتهم الى المباهلة ، فخافوا وأحجموا عنها طلب من رسوله الكريم ان يدعوهم هنا الى أصل الدين وروحه الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء جميعا . فقل يا محد : يا أهل الكتاب ، تعالوا الى كلمة عادلة اتفقت عليها الرسل والكتب التي أُنزلت من عند الله ، وهي ان لا نعبد الا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دونه ، ولا نطيع أحداً غيره في تحليل أو تحريم . فإن أعرضوا عن هذه الدعوة ، وأبوا إلا ان يعبدوا غير الله ، فقولوا لهم ايها المسلمون : اشهدوا باننا منقادون لأحكام الله ، ولا نعبد أحداً سواه .
« روي عن عدّي بن حاتم قال : أتيت رسول الله وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال : يا عدي ، اطرح عنك هذا الوثن . وسمعته يقرأ من سورة براءة : { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } . فقلت له : يا رسول الله ، لم يكونوا يعبودنهم ، قال : » أما كانوا يحللون ويحرّمون ، فتأخذون باقوالهم؟ « قلت : نعم فقال : » هو ذاك « » يعني أَن هذا التحريم والتحليل يجعلهم بمثابة الأرباب .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)
روى الطبري عن ابن عباس قال : « اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله فتنازعوا عنده ، فقالت الأحبار : ما كان ابراهيم إلا يهودياً ، وقالت النصارى : بل نصرانيا . فأنزل الله تعالى { ياأهل الكتاب لِمَ تُحَآجُّونَ في إِبْرَاهِيمَ . . . } الآية . (1/202)
يا أهل الكتاب ، لما تتنازعون وتجادلون في دين ابراهيم ، كلٌّ منكم يدعي أن أبرهيم كان على دينه هو؟ ان ابراهيم له شريعة خاصة ، وهو سابق في الوجود على التوراة والانجيل ، فكيف يكون على شريعة واحدة منهما! أليست لكم عقول تدركون بها بطلان هذا الكلام الذي يناقض الواقع!!
ها أنتم جادلتم في أمر موسى وعيسى الذي لكم بهما معرفة كما تزعمون فكيف تجادلون في أمر ابراهيم ، ولا ذكر لدينه وشريعته في كتبكم؟ من اين علمتم انه كان يهودياً أو نصرانيا؟ إن الله يعلم حقيقة ما تنازعتم فيه ، اما انتم فلا تعلمون من هذا شيئاً .
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
ان ابراهيم اتفق اليهود والنصارى والمشركون على تعظيمه لم يكن على مّلة أحد مهنم : ، بل كان مائلاً عن ذلك ، مسلماً لله مخلصاً له ، وما كان من المشركين . (1/203)
اما أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته فهم الذين أجابوا دعوته في زمنه فوحّدوا الله مخلصين ، والنبي محمد والذين آمنوا معه ، أهل التوحيد الخالص ، وهو دين ابراهيم ، واللهُ ناصرٌ المؤمني بالتأييد والتوفيق .
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)
ود الشيء : أحبه . طائفة : جماعة . (1/204)
أحبت طائفة من الأحبار والرؤساء ان يوقعوكم في الضلال بإلقاء الشبهات التي تشكّك في دينكم ، وتردّكم الى ما كنتم عليه من الكفر ، وهم الخاسرون من عملهم هذا بإصرارهم على الضلال . لكنهم لا يشعرون بسوء حالهم ، ولا يدركون ان عاقبة سعيهم هذا لاحقة بهم .
وقد نزلت هذه الآية عندما حاول بعض أحبار اليهود ان يدعوا حذيفة وعمَارا ومعاذ ابن جبل الى اليهودية .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)
تلبسون : تخلطون . (1/205)
يا أهل الكتاب ، لماذا تكفرون بما ترونه من البراهين الواضحة الدالة على صدق نبوة محمد وأنتم في قرارة نفوسكم تشهدون بأنها حق!
ولماذا تخلطون الحق الذي جاء به النبيّون من عند الله والبشارة بنبيٍّ من بني اسماعيل بالباطل الذي لفقه أحباركم ورؤساؤكم؟ لماذا تكتمون شأن محمد وهو مكتوب عندكم في التوراة والانجيل وأنتم تعلمون أنكم تفعلون ذلك عناداً وحسدا!
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
وجه النهار : أوله . الفضل : الزيادة . (1/206)
وقالت جماعة من أهل الكتاب لاخوانهم : يا هؤلاء ، آمِنوا بالذي أُنزل على محمد ، في الصباح واكفروا آخر النهار . بذلك قد تستطيعون ان تفتنوا اصحابه فيرجعوا عن دينهم .
روى ابن عباسٍ أن جماعة من اليهود قالوا بضعهم لبعض : تعالوا نؤمن بما أُنزل على محمد وأصحابه غدوةً ونكفر به عشيّة حتى نُلبِّسَ عليهم دينهم ، فقد يقلّدوننا في ذلك ، فيرجعون عن دينهم . فأنزل الله هذه الآيات .
وقد حذّر الله نبيه من مكر هؤلاء ، وأطلعه على سرّهم حتى لاتؤثر هذه الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين .
وقالوا أيضاً { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ، أي لا تُذعنوا إلاّ لمن كان من أهل دينكم يهوديا ، خشية أن يدَّعيَ أحد أنه أوتي مثل ما عندكم أو يحتجّ عليكم عند ربكم ، فقل لهم يا محمد : ان الهدى يأتي من عند الله يختاره لمن يشاء ، وكذلك الفضلُ من عنده يمنّ به على من يشاء من عباده ، فليس الهدى مقصورا على شعب بعيْنه ولا فرد بذاته . ان فضل الله واسع ورحمته عامة ، لا كما يزعم اليهود بأنهم شعب الله المختار .
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
القنطار : مائة رطل والمراد هنا العدد الكثير . الأميون : غير اليهود ، وهنا العرب . ليس علينا في الأميين سبيل : لا مؤاخذة علينا مهما اغتصبنا من حقوقهم . (1/207)
بعد أن بيّن الله سلوك أهل الكتاب في الاعتقاد ، بيّن لنا هنا سلوكهم في المال المعاملات ، فقال : ان منهم طائفة تشاكس المسلمين وتكيد لهم ليرجعوا عن دينهم ، وأخرى تستحلّ أكل أموالهم . وهي تزعم ان توارتهم لم تنههم الا عن خيانة بني اسرائيل وحدهم . لكن ليس عاماً ، فمنهم أفراد كعبدالله ابن سلام ، استودعه قرشيّ الفاً ومائتي أوقية من الذهب فأداها اليه . ومع هذا فان اغلب اليهود يستحلّون مال كل من لم يكن يهودياً . ينطلقون في ذلك من زعم أن غيرهم من العرب محتقر ، فلا حقوق لهم ، وليس على اليهود ذنب في أي إجرام يأتونه ضدهم . وهذه حال إسرائيل في الوقت الحاضر . ومعها النصارى المتهّودون في امريكا ، وعملاؤهم من الحكام في دول أخرى .
روى ابن جرير في التفسير ، قال : « بايع اليهودَ رجال من المسلمين في الجاهلية ، فلما أسلموا تقاضَوهم ثمن بضاعتهم ، فقالوا : ليس لكم علينا أمانة ، ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم غيّرتم دينكم الذي كنتم عليه . وادّعوا أنه وجدوا ذلك في كتابهم » .
وروى عن سعيد بن جبير ان النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال : « كذب أعداءًُ الله : ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فانها مؤداة الى البر والفاجر » .
ويقولون على الله الكذب متعمّدين في ذلك ، لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابهم التوراة ، وهي بين أيديهم ، وليس فيها خيانة غير اليهود ولا أكل أموالهم بالباطل . بل إن في كتابهم « عليكم في الأميين سبيل » ، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات . ومن أدى حق غيره في وقته وخاف فلم يُنقص ولم يماطل ، فانه يكون من الذي أحبهم الله مع المتقين .
والقرآن لا يظلم اليهود بهذا القول ، فإن التلمود عندم مقدّس أكثر من التوراة ، وفيه جاءت هذه النصوص .
يقول الدكتور روهلنج في كتابه « الكنز المرصود في قواعد التملود » ترجمة الدكتور يوسف نصر الله : « لم يكتفِ اليهود بما جاء في توراتهم من تعاليم خبيثة تبيح الغدر والمكر وسفك الدماء ، فأخذ الربيّون والحاخامات يفسرون التوراة حسب أهوائهم وبالشكل الذي يرضي غرائزهم الشريرة ونزوعَهم الى عمل المنكرات واستعلاءهم على بقية أجناس البشر . . . الخ . . . »
ويقدّس اليهود التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة . وهم يرون أن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت ، وانه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة وحدها ، لأن أقوال علماء التملود أفضل مما جاء في شريعة موسى .
وقد أورد الدكتور روهلنج في كتابه المذكور نخبة من تعاليم التملود تفضح اليهود وتبين فساد عقيدتهم ، ومنها ما معناه « » ليس علينا في الأميّين سبيل « هذه . (1/208)
ومن النصوص التي أوردها الدكتور روهلنج ما يأتي : » الاسرائيلي عند الله أرفع من الملائكة ، فاذا ضرب أميّ اسرائيلياً فكأنه ضرب العزة الإلَهية ، ويستحق الموت . ولو لم يُخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض ولما خُلقت الأمطار والشمس . والفرق بين درجة الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب « . وهذا ما يطبقه النصارى المتهّودون في اوروبا وأمريكا في الوقت الحاضر . أما نصارى العرب فمواطنون لنا ، لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا .
وهناك نصوص كثيرة تقشعر منها الأبدان ، فمن أراد الزيادة فليرجع الى كتاب » الكنز المرصود « وأمثاله .
قراءات :
قرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمروا » يؤده « و » لا يؤده « باسكان الهاء ، وقرأ قالون باختلاس كسرة الهاء فيهما . وكذا روي عن حفص . وقرأ الباقون بإشباع الكسرة في الهاء .
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)
يتوعد الله تعالى في هذه الآية الناكثين للعهد المخْلِفين للوعد ، بالحرمان من النعيم ، وبالعذاب الأليم ، وبأنهم لن يسمعوا منه تعالى كلمة عفوٍ ولا مغفرة . (1/209)
فالذين يشترون بعد الله وبأيمانهم ثمناً قليلا من عرَض هذه الحياة الدنيا أو الدنيا كلها لن يكون لهم نصيب عند الله ولا قبول . بل لسوف يُعرِض عنهم يوم القيامة ولا يغفر لهم آثامهم ، ولهم عذاب أليم . وهذا يشمل كل من خان الأمانة ، أو نكث بالعهد ، أو حلف على شيء وهو كاذب . ومن هذا القبيل من يتفق مع آخر على بيع سلعة ، فيزيده انسان آخر في ثمنها فيبيعها للثاني وينقض اتفاقه مع الأول . وكذلك من يخطب فتاة ، فيعاهده أبوها على تزويجها له نظير مهر مقدّر بينهما ، فيأتي آخر بمهر أكثر فيزوجها له . ومثلُه من يحلف ببراءته من دَين عليه . وقد قال النبي الكريم « من حلَف على يمين يقتطع بها مال امرىء مسلمٍ لقي الله تعالى وهو عليه غضبان » .
روى ابن جرير ان هذه الآية نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحُييّ بن أخطب ، الذين حرّفوا التوراة وبدّلوا نعت رسول الله وحُكم الأمانات وغيرها فيها وأخذوا على ذلك الرشوة .
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)
بيضا الوجوه : سرورها وفرحها . سواد الوجوه : مساءتها وخزيها . (1/210)
متى يكون ذلك العذاب العظيم للذين تفرقوا واختلفوا؟ سيكون ذلك يوم القيامة عندئذٍ تبيضٌّ بالسرور وجوه المؤمنين لما تعلم من حسن العاقبة ، وتسودُّ بالكآبة والحزن وجوه الكافرين ، ويقال لهم : أكفرتم بعد أن فُطرتم على الإيمان وجاءتكم البينات عليه! إذنْ ذوقوا العذاب الحق جزاءَ كفركم .
أما الذين ابيضّت وجوههم سروراً فإنهم يدخلون الجنة التي أعدها الله لهم وجعلهم فيها خالدين .
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
تلك الآيات الواردة بجزاء المحسن ومجازاة المسيء انما هي من عند الله نتلوها عليك يا محّمد مقررة للحق والعدل . والله لايريد ظلماً لأحد من الناس أجمعين ، فهو مالك العباد والمتصرف في شئونهم بحسب سنّته الحكيمة التي لا تتغير ولا تتبدل ، وإليه مصيرهم أجمعين . والظلم الوارد هنا والذي ينفيه تعالى عن نفسه هو ما ينافي مصلحة العباد من جاجتهم الى العدالة . (1/211)
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)
إنكم يا أمة محمد ، اي مطبقي شريعته حقاً ، أفضلُ أمة خلقها الله تعالى لنفع الناس ، وستظلون كذلك ما دمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله ايمانا صادقا . . يصدق هذا الوصف على الذين خوطبوا به أولاً ، وهم النبي الكريم وأصحابه الذين آمنوا بالله حقا ، واعتصموا بحبل الله المتين ، ونهوا عن المنكر وأمروا بالمعروف . وقد دام الحال كذلك على كل من جاء بعدهم وطبق تعاليم الإسلام . كما ظلت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الإسلام وبعد عنه ، فتفرقت وتمزقت وآلت أحوالها الى ما نراه اليوم . (1/212)
ولو صدَق اليهود والنصارى في إيمانهم مثلكم لكان خيراً لهم مما هم عليه الآن ، ومع هذا فمنهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم ، كعبدالله بن سلام ، ورهطه ، وأكثرُهم فاسقون خارجون عن دينهم وعن حدود الايمان وواجباته .
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)
لن يضروكم الا أذى : أيْ ضرراً يسيراً . يولّوكم الأدبار : يهربوا منكم . ثُقفوا : أينما وجودوا . وباؤوا : رجعوا . (1/213)
لن يضركم هؤلاء الفاسقون بضرر كبير يلحقكم منهم ، وانما هو أذى يسير لا يبقى له أثر ، وإن يقاتلوكم ينهزموا فأرّين من لقائكم دون ان يظفروا بشيء ، ثم إنهم لا يُنصرون عليكم أبداً ما داموا على فسقهم متمسكين بدينكم .
ولقد أخبر سبحانه وتعالى بأنه كَتب عليم الذلة في أي مكان وُجدوا فيه ، إلا بعهد من الله وعهد من المسلمين . والعهدُ ما قررته الشريعة اذا دخلوا في حكمها من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء . وهكذا كان حالهم مع المسلمين ، فقد كان الرسول الكريم يحسن معاملتهم ، وكذلك الخلفاء الراشدون . وكانوا يعيشون مع المسلمين في أحسن حال ، ولا زالوا الى اليوم يعيشون متمتعين بكل الحقوق كما نشاهد ذلك في المغرب العربي وما بقي منهم في البلاد الشامية ، والعراق وغيرها من بلاد الاسلام . لكنهم غدروا وكادوا . وهذه طبيعتهم . لذلك فإنهم قد استوجبوا غضب الله ، وأحاطب بهم المسكنة والصغار ، فلقد كفروا بآيات الله الدالة على بنوة محمد ، وكانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق . وهذا إخبار عن أسلافهم ، لكنهم هم راضون عن ذلك الكفر والقتل بسبب عصيانهم وتمردهم واعتدائهم على حدود الله .
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)
سواء : متساوٍ ، يُستعمل للواحد والمثنى والجمع . قائمة : مستقيمة عادلة . آناء الليل : ساعات الليل . (1/214)
قال ابن عباس وقتادة وابن جريْج : نزلت هذه الآيات لما أسلم عبدالله بن لاسلام وجماعة معه . فقالت احبار اليهود : ما آمن بمحمد الا شِرارنا .
ليس جميع أهل الكتاب متساوين في الأعمال القبيحة والكفر ، بل ان فيهم جماعة قويمة السيرة عادلة ، آمنوا بمحمد ، وهم يقرأون القرآن ساعات من الليل وهم ساجدون ، كما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويبادرون الى فعل الخيرات . لقد صلحتْ أحوالهم وحسنت أعمالهم ، فرضيهم ربهم ، ولن يحرمهم ثواب ما يفعلونه من خير ، إنه عليم بالمتقين محيط بأحوالهم .
وفي هذه الآيات ردٌّ على اليهود المتعنتين الذين قالوا لمن أسلم منهم : لقد خسرتم بدخولكم في الاسلام ، وفيها اشارة الى المؤمنين وتطمئنٌ لهم أنهم فازوا بالسعادة العظمة والدرجات العليا ، كي يزول من صدورهم أثر كلام أولئك الطغاة المتمردين .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)
الصر : ( بالكسر ) البرد الشديد . (1/215)
ان الذين كفروا من أهل الكتاب ، ومشركي مكة ، وغيرهم من مِثلهم في كل مكان وزمان لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً . ولن تنجيهم من عذاب النار يوم القيامة ، فهم خالدون فيها . أما ما ينفقه هؤلاء الكافرون رياءً فهو مثل ريح جليدية قارصة أصابت زرع قومٍ ظلموا أنفسهم بالانهماك في المعاصي ، فأهلكته . لقد كانوا يظلمون أنفسهم بالكفر والتمرد والعناد ، فجزاهم الله مغبّة ظلمهم هذا ، ولم يظلمهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)
بطانة الرجل : خاصته الذين يعلَمونه باطن أمره ، ويكشف لهم اسراره . لا يألونك خبالاً : لا يقصّرون في دفْعكم الى الفساد . ودّوا ما عنتّم : تمنّوا عَنَتَكم ، شدة ضرركم . (1/216)
في هذه الآية وما بعدها تحذير للمؤمنين من مخالطة الكافرين حتى لايطَّلِعوا على أسرارهم .
اسمعوا يا أيها الذين آمنوا : لا تتخذوا أصفياء لكم من غير أهل دينكم ، تستعينون بهم ، وتُطلعونهم على أسراركم . إنهم لا يقصّرون في مضرتكم وإفساد أموركم ، بل يتمنون ان يصيبكم أشد الضرر في دينكم وديناكم . ولقد ظهرتْ أمارات بغضهم لكم في فلتات ألسنتهم وتكذيب نبيكم وكتابكم ، أما ما تضمره قلوبهم من الحقد عليكم فهو أعظمُ من ذلك بكثير . ها نحن قد أظهرنا لكم العلامات الواضحة التي يتميز بها العدو من الصديق ، فانتبهوا واحذورا .
هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)
الكتاب : المراد به هنا جميع الكمتب المنزلة . عضّوا عليكم الأنامل : كنايةً عن شدة الغيظ ، والأنامل : أطراف الأصابع . ذات الصدور : الخواطر التي في نفس الانسان . (1/217)
وهذا تحذير من أولئك الأشرار ، واتخاذهم أصفياء للمؤمنين .
ها أنتم أيّها المؤمنون تحبون أولئك الكفار المنافقين لما لبعضكم معهم من قرابة أو صداقة أو مصلحة ، وقد نهاكم الله عن اتخاذهم كذلك . انهم لا يبحونكم لتعصّبهم لدينهم . ( والسبب في ذلك ان كثيراً من الأنصار كان لهم قرابة أو نسب أو صداقة مع مواطنيهم في المدينة ، فلما أسلموا بقي أولئك على كفرهم وعنادهم وكيدهم للإسلام ، وبقي المسلمون بطيبة قلوبهم وصفاء نيَّتهم على حالهم السابقة معهم حتى نهاهم الله عن ذلك ) .
وإذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان وقالوا آمنّا وصدّقنا بماجاء به محمد ، اما حين يفارقونكم فإنهم يكشفون لبعض عن حقيقة أنفسهم ويبرزون شدة العداوة لكم ، وقد يعضّون أطراف أصابعهم غيظاً منكم . قل يا محمد : موتوا بغيكم . وهذا دعاء عليهم بازدياد الغيظ حتى يهلكوا .
ان الله عليم بما تخفيه صدورهم من الحقد والحسد ، فهم يحزنون اذا أصابكم خير من نصرٍ أو غنيمة ، لكنه يفرحون اذا نزلت بكم مصيبة أو لحقكم أذى . ومع ما سبق فإنكم ان تصبروا على أذاهم ، وتطبّقوا ما نهيتكم عنه من موالاتهم لن يضركم كيدهم شيئاً . ان الله هنا يدلّكم على ما يُنجيكم من شرور اعدائكم ، فعليكم ان تمتثلوا وتطمئنوا الى انه عالم بما يكيدونه لكم ، فلا يعجزه ردُّهم عنكم . فثقوا به أيها المسلمون وأطيعوه فيما أمركم وتوكلوا عليه .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب : « لاَ يضِرْكم » وفعلُه ضار يضير ، وقرأ الباقون بتشديد الراء .
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)
غدوت : خرجت مبكرا . تبوِّىء : تُهيّىءُ وتعيّن مراكز القتاتل للمسلمين . الفشل : الضعف والجبن . (1/218)
وقعة أُحُد
من هذه الآيات الى ستين آية بعدها يعالج التنزيل وقعة أُحُد . ويتخلل ذلك تذكيرُ المؤمنين كيف نصرهم الله يوم بدر ، لأنهم اطاعوا الله ورسوله وكانوا يداً واحدة . اما معركة أحد فقد بدأت بالنصر للمؤمنين ، وانتهت بالدائرة عليهم ، لأنهم عصوا أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام . وكانت المعركة كارثة كادت تمحو المسلمين لولا فضل من الله .
اذكر يا محمد اذ خرجت مبكراً ( صباح السبت ، سابع شوال ، سنة ثلاث للهجرة ) تهيّىء امكنة القتال للمؤنين . يومذاك رتب الرسول الناس فجعل الرماة في موضع مرتفع ( وهم خمسون رجلا ) ، وأمّر عليهم عبدالله بن جبير وأفهمه وأصحابه ان يلزموا مراكزهم ، وان لا يفارقوه أبدا مهما كانت نتيجة المعركة . كذلك رتب الفرسان في أماكنهم وعيّن لبقية المقاتلين مراكزهم . ودارت المعركة ، وانهزم المشركون ، فقال الرماة المسلمون : لقد انهزم المشركون . لذلك تركموا مراكزهم رغم أمر الرسول ألا يرحوها ، وقالوا : الغنيمةَ الغنيمة . ولقد نبههم أميرهم الى خطأهم فلم يسمعوا وذهبوا في طلب الغنيمة . بذلك كشفوا ظهر المسلمين . وعندئذٍ جاء خالد بن الوليد ، آمر فرسان المشركين ، وكرّ وعلى المسلمين من ورائهم وأَعمل فيهم السيف . ورجع المشركون حين رأوا خالداً والفرسان قد احاطوا بالمسلمين ، وانقلبت المعركة ، وكثر القتل ، واستشهد عدد من المسلمين وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم . وكل ذلك بسبب مخالفة المسلمين لأوامر رسول الله .
اذ همّت طائفتان من جيشك يا محمد ان تجبُنا وترجعا ( وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ) فقد تزعزعت نفوسهم عند ما رأوا عبدالله بن أُبيّ ، رئيس المنافقين ، ينسحب بثلاثمائة رجل . . لكن الله تولاّهما وثبتهما ، وصرف الفشل عنهما . فعلى المؤمنين ان يأخذوا من هذا عبرة ويتوكلوا على الله ، فبقدرته تعالى ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة اذا اطاعوا وثبتوا .
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)
أذلة : جمع ذليل ، وهو الضعيف المقهور . ان يمدكم : يرسل لكم مددا . منزلين : من السماء . بلى : حرف جواب يأتي بعد النفي والاستفهام المقترن بالنفي . من فورهم هذا : من ساعتهم هذه . مسوّمين : مرسَلين ، أو معلَّمين . ليقطع طرفا من الذين كفروا : يُضْعِفهم بقتل رؤسائهم وصناديدهم . يكبتهم : يخزيهم . (1/219)
يوم بدر ( ثانية ) .
جاء التنزيل بهذه الآيات ليذكّر المؤمنين أن الله نصرهم يوم بدرٍ رغم كونهم قلة ضعفاء ، لأنهم ثبتوا وصبروا ، فاتقوا الله أيها المؤمنون ، واعلموا انكم إن تصبروا ينصركم الله دائماً كما نصركم في ذلك اليوم العصيب .
ويقع ماء بدر على مسيرة مائة وعشرين ميلاً الى الجنوب الغربي من المدينة ، وكان اللفاء فيها بين المسلمين وكفار قريش يوم الثلاثاء في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة . وكان عدد المسلمين 313 رجلاً معهم ثمانية سيوف فقط ويحمل الباقون منهم قوساً أو عصا عزّلاً . اما المشركون فكانوا نحو ألف مقاتل بكامل أسلحتهم وعُددهم .
وقد أنجز الله وعده في هذه المعركة غير المتكافئة ، فكان النصر للمؤمنين رغم قلّتهم وندرة سلاحهم . وبفضل ذلك الانتصار صارت كلمة الايمان هي العليا . كانت بدر مقدمةً لانتصارات متلاحقة عَقَبتها حتى امتد ظل الاسلا م على الجزيرة كلها .
ولقد نصركم الله ببدرٍ حينما كنت يا محمد تقول للمؤمنين : ألن يكفيكم لتطمئن نفوسكم ان يُعينكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة يرسلهم من عنده مدداً لكم! بلى ، ان تصبروا على لقاء العدو ، وتتقوا الله ، ويأتِكم اعداؤكم على الفور يرفع ربكم عدد الملائكة الى خمسة آلاف . بذلك يعجّل لكم النصر عليهم ويسهّل عليكم أمركهم . كل هذا بشارة لكم بالغلبة عليهم ، ولتسكنَ به قلوبكم ، اذ ما النصر الا من عند الله ، فهو الذي يدبِّر الأمور على خير السنن وأقوم الوسائل .
وقد نصركم الله يا محمد في ذلك اليوم ليُهلك طائفة من الذين كفروا ، ( وقد تم فعلاً قتل عدد كبير من صناديد قريش وكبرائهم يوم بدر ) أو بذلّهم بالأسر والهزيمة والعار فيرجعوا خائبين . ليس لك أيها الرسول من التصرف في أمر العباد شيء ، بل الأمر لله ، يقضي فيهم ويحكم بما يشاء ، فإما ان يتوب عليهم بالإيمان ، أو يعذبهم بالقتل والخزي جزاء ظلمهم لأنفسهم وابتعادهم عن الهدى .
وقد دل قوله الله هذا دلالة لا تقبل التأويل أنه جلّت قدرته قد أمد المسلمين بالملائكة في بعض حروبهم . وقد دلت الروايات الكثيرة ، واتفق المسلمون على أن الله أنزل الملائكة يوم بدر لنصرة المؤمنين ، واختلفوا في انزالهم يوم أحد ، وليس من شك ان الله سبحانه أنزل الملائكة يوم بدر لنُصرة المؤمنين ولكن لا نعلم نوع هذا النصر : هل كان نصراً مادياً كالقتل ، أو نصراً معنوياً كتخويف المشركين ، وحصول الطمأنينة للمؤمنين؟ الله أعلم ولا يجب علينا البحث والتنقيب عن ذلك ، على أنه إذا بحثنا فلن نصل الى يقين .
قراءات :
قرأ ابن عامر « منزلين » بتشديد الزاي ، والباقون « مُنزَلين » . وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب : « مسوِّمين » بكسر الواو ، والباقون بفتحها .
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)
لله جميع ما في الكون الواسع يحكم فميهم بما يشاء ويقضي بما أحب ، فيتوب على منت شاء من خلقه العاصين فيغفر له ، ويعاقب من شاء على جرمه فينتقم منه ، لكن الغفران والرحمة من صفاته الحسنى . (1/220)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
الربا : الزيادة ، ومعناه هنا الفائدة التي تؤخذ على المال . اضعافا مضاعفة : زيادات متكررة . والسّراء : الرخاء . الضّراء : الشدة والضيق . الكاظمين الغيظ : الذين يضبطون أعصابهم فكيفّون عن الانتقام . الفاحشة : الفعل القبيح الذي يتعدى أثره الى الغير ، وظلم النفس هو الشر الذي يقتصر على الانسان وحده . (1/221)
في هذه الآيات الكريمة ينهانا الله عن التعامل بالربا ، كما كانت تفعل اليهود وأثرياء المشركين ، فيقول : أيها المؤمنون ، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد ان هداكم الله ، كما كنتم تفعلون في جاهليتكم . وكانت طريقة التعامل بالربا في الجاهلية ، ان يكون للرجل مال على آخر الى أجل ، فاذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه ، فيقول المدين : أجّلْ دَينك وأزيدك عليه . فيفعلان ذلك . هذا هو الربا اضعافا مضاعفة ، وهو الذي يسمى الآن الربا الفاحش أو الربا المركّب ، ويسمى أيضاً ربا النسيئة .
وهناك نوع آخر من الربا هو ربا الفضل ، وهو الذيب ورد النهي عنه بالحديث الشريف : « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثل بمثل سواء بسواء ، ولا تشفوا بعضه الى بعض ، اني اخشى عليكم الرماء ، يعني الرباء » ومعنى لا تشفوا : لا تزيدوا .
وهذه أول آية نزلت في تحريم الربا . وهو بلاء كبير وشر عظيم ، وطالما هدم بيوتاً ودمر مجتمعات . وقد بلغ درجة من الفظاعة في الجاهلية حتى ألجأ بعض الناس ان يرهنوا زوجاتهم لدائنيهم . لهذا حرّمه الاسلام وشدّد في منعه ، ولذلك رافق الآية تهديد ظاهر وأمر صريح . فقال تعالى :
{ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } اي أطيعوا فيم نُهيتم عنه من التعامل بالربا كيما يكون ذلك سبب فلاحكم في دنياكم وسعادتكم في الآخرة .
ثم عزّز ذلك بقوله :
{ واتقوا النار التي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } اي ابتعِوا عنها بامتناعكم عن التعامل بالربا ، فإنما هي قد هيئت للكافرين . وقد قال الامام ابو حنيفة رحمه الله : هذه أخوفُ آية في القرآن ، حيث أوعد الله المتعاملين بالربا بالنار المعدَّة للكفارين .
ثم أردف قائلا ومؤكدا ، أن أطيعوا الله ورسوله فيما نهيا عنه من التعامل بالربا حتى تُرحموا في الدنيا بصلاح حال المجتمع ، وفي الآخرة بحسن الجزاء على أعمالكم .
{ وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ . . . } بادِروا الى العمل الصالح الذي يوصلكم الى مغفرة ذنوبكم ، ويُدخلكم جنة واسعة المدى ، عرضُها السماوات والأرض سبقَ أن أعدّها الله لمن اتقاه و امتثل أوامره .
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)
بعد ان نهى سبحانه عن الربا من خلال هذه الآيات ، وفيها تلوح صورة الغني القاسي القلب الذي يحصر همَّه كله في جمع المال من آية جهة كانت بيّن لنا في هذه الآيات صورة الأغنياء المتقِين الذين ينفقون أموالهم في السرّاء والضراء ، ويأخذون بيد الفقراء فيبذلون لهم الأموال ابتغاء مرضاة الله فقال : انهم الذين ينفقون أموالهم إرضاءً لله في حالة الضيق والعسر ، وفي حالة الرخاء واليسر . ونحن نعلم ان بذل المال للفقراء والمحتاجين وفي سبيل الله من أهمِّ علامات التقوى . كما ان الشحَّ والبخلَ من علامة عدم التقوى . والتقوى هي السبيل الموصل الى الجنة . وهم أيضا { والكاظمين الغيظ } اي الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه . (1/222)
ثم أردف تعالى بمزية عظيمة أخرى وهي قوله : { والعافين عَنِ الناس } اي الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك . وتلك منزلةٌ من ضبط النفس وملْكِ زمامها قلّ من يصل إليها . وهي أرقى من كظم الغيظ ، اذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة ، فالله سبحانه وتعالى يريدنا ان نكظم غيظنا ونعفو عن نالناس وننسى إساءتهم . وقد روى الطبراني عن أُبيّ بن كعب ان رسول الله قال : « من سرَّه أن يُشرف له البنيان ، وتُرفع له الدرجات فليعفُ عمَّن ظلمه ، ويعطِ من حرمه ، ويصل من قطعه » .
{ والله يُحِبُّ المحسنين } اي اولئك الذين يتفضلون على عبادة البائسين يواسونهم ببعض ما أُنعم عليهم .
وإليكم صفةً اخرى من صفات المتقين وهي انهم : اذا فعلوا ذنباً يؤذي غيرهم أو يتعلق بأنفسهم ذركوا عند ذلك وعد الله ووعيده فرجعوا اليه راجعين رحمته تائبين ومستغفرين . وهكذا نجدهم لا يصرّون على ما فعلوا من الذنوب في الحالين . ولهذا قال الرسول الكريم « لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الاصرار » .
ان للمتصّفين بماأوردته الآيات الكريمة من الصفات أماناً ونجوة من العقاب ، بل لهم ثواب عظيم عند ربهم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها لا يبرحونها ، ونعمَ أجر العاملين .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر : « سارعوا » بدون واو .
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)
خلت : مضت . سنن : مفردها سنّة ، وهني الطريقة ، وتأتي بمعنى الأمم ايضا . (1/223)
فيكون المعنى : لقد مضى من قبلكم أيها المؤمنون كثير من الأمم السالفة ، كذّبوا رسله وجحدوا نبوّته ، كعاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط الذين أهلكهم الله بأنواع العذاب ، فبقيت لهم آثار في الديار فيها أعظم الاعتبار والاتعاظ ، فسيروا في الأرض وانظروا الى آثارهم وديارهم الخاوية وتأملوا ما حلّ بهم . فان أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقِبتُكم الصلاح ، وان سلكتم سبيل المكذِّبين مثلهم كان حالكم كحالهم .
والمراد ان مشيئة الله في خلقه تسير على سنن حكيمة ، ومن سار عليها ظفر ، ومن خرج عنها خسر . وعلى هذا فلا عجب ان ينهزم المسلمون يوم أُحُد ، بعد ان ركبهم الغرور وخالفوا النظام الذي عيّنه لهم رسول الله .
وفي الذي تقدم بيان للناس كافة ، وهدى وموعظة للمتقين خاصة . فهو يرشد الى أنَّ سنن الله حاكمة على الانبياء والرسل كما هي حاكمة على سائر خلقه . أما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق ، ويتعظون بما تنطبق عليها من الوقائع ، فيسيرون على النهج السوي ، ويتجنّبون نتائج الاهمال التي تظهر لهم مضرّةُ عاقبتها .
وفي الآية اللاحقة جاء مايسلّي المؤمنين عما أصابهم من الهزيمة في وقعة أُحد ويقول لهم : ان انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنَّة الثابتة بل مجرد حادث عابر .
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)
لا تهنوا : لاتضعفوا . لا تحزنوا : لا تتألموا . الحزن ألم يعرض للنفس اذا فقدت ما تحب . القرح : الجرح ، وألم الجرح . نداولها : نصرفها ، ونعاقبها فنجعل الغلبة لهؤلاء تارة ولأولئك أخرى . وليمحص : ليطهر . وأصل التمحيص تخليص الشيء مما فيه من عيب . يمحق الكافرين : يُنقصهم . (1/224)
ولا تضعفوا عن الجهاد في سبيل الله بسبب ما نالكم من القتل والجروح والفشل يوم أُحد ، ولا تحزنوا على ما فقدتم من الشهداء في ذلك اليوم . كيف يلحقكم الوهن والحزن ، وانتم الغالبون بتأييد الله ، جزاء ايمانكم ، وحفاظاً للحق الذي تدافعون عن!؟ لقد مضت سُنة الله أن يجعل العاقبة للمتقين .
واني كن قد لحقكم يوم أُحدٍ قتل او جرح ، فقد أصاب خصومكم مثلُه . لقد أوقعتم بهم يوم بدر ، والأيام دُولة بين الناس . هذه سنة الله في خلقه ، يكون النصر لهؤلاء أحياناً ولأولئك أخرى ، ولكن الغلبة النهايئة دائما لمن اتبع الحق . ما هو الا اختبار للمؤمنين ليعلم الله الثابتين على الإيمان ، وليكرم أناساً بالاستشهاد . كذلك ليخلّص الله أحباءه المؤمنين من الذنوب ، ويطهرهم من مرضى القلوب وضعفاء الإيمان ، فيغدون صلاباً على أيديهم يُستأصلوا الكفر كله .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم « قرح » بضم القاف ، والباقون بفتح القاف . وهما لغتان .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)
الجهاد : احتمال المشقة ومكافحة الشدائد . ويكون بالقتال وبذلِ المال في سبيل الله ، كما يكون بمجاهدة النفس لشهواتها أو لدفع الباطل ونصرة الحق . (1/225)
لا يزال الحديث موجّهاً الى من شهد معركة أُحد من المؤمنين . والقرآن يخاطبهم في الآية بصورة السؤال : لا تظنوا أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة دون ان يتبين منكم المجاهدون الصابرون الذين تُطهّرهم المحن والشدائد . واعلموا ان طريق الجنة محفوف بالمكاره ، زادُه الصبر على مشاق الطريق ، فتحمّلوها .
هنا يبين لنا سبحانه وتعالى ان طريق السعادة في الآخرة هو الصبر والجهاد في سبيل الله . كما أن طريقها في الدنيا هو اتباع الحق والتزام الإنصاف والتزام الإنصاف والعدل بين الناس . فسُنة الله واحدة لا تتبدل .
{ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت . . . } .
وهذا أيضاً خطاب لمن شهد وقعة أُحد من المسلمين ، فقد كان كثيرٌ من الصحابة الذين لم يشهدوا معركة بدر يلحّون في الخروج الى أحد حيث عسكر مشركو قريش ، ليكون لهم يومٌ كيوم بدر . قال ابن عباس : لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل لشهداء بدر من الكرامة ، رغبوا في الشهادة ، فتمَّنوا قتالاً يستشهدون فيه . . فنزلتْ آية : لقد كنتم . . . تتمنون الموت قبل ان تلاقوا القوم ، فها أنتم أولاء ترون ما كنتم تتمنّونه وتنظرون اليه ، فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم ، وما بالكم تحزنون وتضعفون!
وفي ذلك اليوم ثبت جماعة من الصحابة مع الرسول ( وكانوا نحو ثلاثين رجلا ) وذبّوا عنه الى ان انتهت المعركة ، فيما تزعزع كثير منهم وضفعوا . وحين ارتفعت الصيحة ان محمداً قد قُتل كان لها وقعها الشديد على المسلمين ، حتى إن الكثيرين منهم فروا مصعِّدين في الجبل ، والرسول عليه السلام يناديهم وهم مولّون ، حتى رجعوا اليه وثبّت الله قلوبهم . وها ينبّهنا القرآ الكريم الى ان الرسول بشرٌ يمكن ان يموت ، لكن رسالته تظل باقية الى الأبد .
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)
في غمرة المعركة وساعة المحنة ، وحيث انقلبت الكفة ودارت الدائرة على المسلمين قُتل مصعب بن عمير . وكان مصعب يشبه النّبي شبهاً تاما ، فنادى قاتلُه : قتلتُ محمداً . في تلك الساعة الحرجة قال أنس بن النضر ( وهو عم أنس من مالك ) : يا قوم ، ان كان محمد قد قُتل فان رب محمد حيّ لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول! قاتِلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه . ثم شد سيفه وقاتل حتى قُتل . (1/226)
فالله سبحانه وتعالى هنا يخاطب هؤلاء بقوله : ليس محمد إلا رسول قد مضت قبله الرسل ، فماتوا وقُتل بعضهم ولم يُكتب لأحد منهم الخلود . وسيموت محمد كما ماتوا ، أفإن مات أو قُتل رجعتم على اعقابكم الى الكفر! ان من يرجع الى الكفر في تلك الحال لن يضر الله شيئاً ، وانما يضر نفسه ، بتعريضها للعاذب .
ويرشدنا الله في هذه الآية الى ان نتّبع الرسول ونسترشد برسالته وهدية ودينه ، اما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم . وما يعرض له من حياة وموت فلا مدخل له في صحة دعوته ، ولا لخضوعنا نحن . ذلك ان محمداً بشر مثلنا خاضع لسنن الله .
{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله . . . }
فالموت والحياة بيد الله ، ولا يمكن ان تموت نفس إلا بإذن الله ، وفي أجل معين يعلمه الله ، لا يتقدم ولا يتأخر . لذلك ، قد يموت الصغير ويبقى الكبير ، ويفتك المرض بالشابّ القوى فيما يعيش المريض العليل . وقد يسلم المقدام في الحرب ويُقتل الجبان . ومن ثم لا عذر للمرء هنا في الوهن والضعف .
وفي الآية تحريض على الجهاد ، والذي تركناه اليوم لليهود ، فيهم يجاهدون عن وطنهم المزعوم ونحن قاعدون مستسلمون لنكبة وطننا الحق ، نريد من الأمم أن تحل قضيّتنا . ألا بئس ما نحن فيه! ما دام الأجل محتوماً ، ومؤقتا بميقات ، فلماذا هذا الجُبن والخور!
{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا . . . }
وم قصَد بعمله حظَّ الدنيا أعطاه الله ثوابها ، ومن قصد الآخرة اعطاه الله حظاً من ثوابها وأجزله له ، وسيجزي الله الشاكرين لنعمائه ، وهم الذين أطاعوه فيما أمرهم به وجاهدوا وصبروا مع النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد كرر تعالى : قوله : { وَسَيَجْزِي الله الشاكرين } حتى يعلم كل انسان ان الله كريم لا يُضيع أجر من أحسن عملا .
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)
ربيون : مفرده ربّيّ . الجماعات الكثيرة ، وله معنى آخر هو الربانيون ، اي العلماء الأتقياء . هنوا : وضعفوا . استكانوا : خضعوا للعدو . الاسراف : مجاوزة الحد في كل شيء . (1/227)
ما أكثر الأنبياء الذين قاتل معهم جماعات ممن آمنوا بهم فما خافوا ولا ضعفوا ولا خضعوا ، ولا ولّوا الأدبار منهزمين ، بل ثبتوا وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله ، والله يحب الصابرين .
فعليكم يا أصحاب محمد ان تعتبروا بحال أولئك الرَّبِّيين وتصبروا كما صبروا . ولذلك طُلب الكيم ان تعرفوا عاقبة من سبقكم من الامم ، وتقتدوا بعمل الصادقين منهم ، وتقولوا مثل قولهم عند اشتداد الحرب ونزول الكوارث . ذلك انهم مع ثباتهم وصبرهم ضرعوا الى الله بالدعاء قائلين : ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، وتجاوْز عما يكون منّا من إسراف في أعمالنا ، وثبِّتنا في مواطن الحرب ، ربّنا وانصرنا على أعداء دينك الذين جحدوا ألوهيتك .
وفي هذا اشارة الى ان الذنوب والإسراف في الأمور من عوامل الخذلان ، فيما الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح .
اذ ذاك لبّى الله طلبهم بقوله : فآتاهم الله ثواب الدنيا ، بالنصر على الأعداء ، والسيادة في الأرض ، والكرامة في الحياة ، والذِّكر الحسن بين الناس؛ وثوابَ الآخرة اذ فازوا برضوان الله ورحمته .
والله تعالى يتلو على نبيّه هذه الآيات ليعلّمنا الاقتداء بالصالحين من الأمم السابقة ، ويؤدبنا بأدب المؤمنين مع ربهم ، ويُفهمنا أننا اذا أخلصنا حقاً وثبتنا على مبادئنا ثم طلبنا منه النصر فإنه يجيبنا وينصرنا بكرمه وفضله .
قارءات :
قرأ ابن كثير : « كأين » بدون تشديد ، والباقون « كأين » بتشديد الياء . والمعنى واحد .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
يردوكم على اعقابكم : يرجعوكم الى الكفر . المولى : الناصر والمعين . السلطان : الحجة . المثوى : المأوى ، ومقر الانساان . (1/228)
لا يزال الحديث في معركة أحد ، وما حدث يومذاك من بلبلة في الأفكار وإرجاف من المشركين والمنافقين واليهود . فقد انتهزوا جميعاً ما أصاب المسلمين من الهزيمة وأخذوا يثبطون عزائهم ، ويخّوِفونهم عاقبة السير مع محمد ، ويصورون لهم مخاوف الحرب ضد مشركي قريش وحلفائهم . ونحن نعرف ان نجو الهزيمة لهو أ صلح الأجواء لبلبلة النفوس ، واشاعة عدم الثقة في القيادة ، وتزيين الانسحاب من المعركة . لذلك نجده تعالى بعد ان رغّب المؤمنين في الاقتداء بأنصار الأنبياء الصادقين المخلصين ، ينهاهم في الآية نفسها عن متابعة الكفار والمنافقين .
{ يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ . . . } إن تطيعوا أعداء الله الذين أرجفوا يوم أُحد أن محمداً قد قتل ، وانه لو كان رسولاً حقا لما هُزم ، فإنهم سيطلبون اليكم ان ترجعوا الى دينكم الذي كنتم عليه ، وبذلك تخسرون الدينا والآخرة . وأيّ خسارةأشد من الارتداد عن الايمان الى الكفرِ! اما اذا حدثتم أنفسكم بأنه قد يترتب على الميل اليهم من طرفكم قدرٌ من الحماية والنصر فاعلَموا ان ذلك وهمٌ خادع ( وهذا ما يفعله بعض حكام المسلمين مع اميركا في الوقت الحاضر ) . ان الله مولاكم ، وهو ناصركم ومعين لكم وحاميكم . . فلا تخشوهم ، إن الله أعظم الناصرين .
ولا يضعْفكم ما أصابكم من خذلان يوم أحد ، فنحن سنلقي الرعب في قلوب أعدائكم ، جزاءً لهم على إشركاهم بالله في العبادة . وسيكون مقرهم النار ، وبئس مقام الظالمين .
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)
تحُسونهم : تستأصلونهم بالقتل . فشلتم : ضعفتم . ليبتليكم : ليختبركم . (1/229)
في هذه الآية الكريمة والتي بعدها تصوير للمعركة ، وعرض كامل لمشهدها ، ولتداول النصر والهزيمة فيها ، ثم ماتبعها من فرار . ومع ذلك التصوير توجهات قرآنية ، وتربية وتعليم بأسلوب قرآني حكيم .
« { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } . ما زال الكلام والخطاب مع الأصحاب الذين كانوا في أُحد . . وكان ( صلى الله عليه وسلم ) قد وعدهم النصر يومئذ ان امتثلوا أمره . وقد وفى الله لهم بما قاله على لسان نبيه ، ذلك ان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أقام الرماة عند الجبل صيانة لمؤخرة المسلمين ، وأوصاهم ان لا يبرحوا مكانهم ، حتى ولو رأوا العدو تتخطفه الطير ، ووعدهم النصر بهذا الشرط . كان الرماة خمسين رجلاً .
ولما ابتدأت المعركة شرع الرماة يرشقون المشركين ، وقية الأصحاب يضربونهم بالسيوف ، وقتلوهم قتلاً ذريعاً ، حتى انهزوا ، وهذا معنى { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } ، أي تقتلونهم بأمر الله . وفي تفسير ابن جرير الطبري والمراغي وغيرهما ان طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين المعروف بكبش الكتيبة قام فقال : يا معشر أصحاب محمد ، إنكم تزعمون ان الله يعجّلنا بسيوفكم الى النار ، ويعجلكم بسيوفنا الى الجنة ، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي الى الجنة ، أو يعجلني بسيفه الى النار؟ . فقام اليه علي بن أبي طالب ( ع ) وضربه فقطع رِجله . وسقط ، فانكشفت عورته ، فقال طلحة لعلي : انشدك الله والرحم يا ابن عم . . فتركه على ( ع ) وكبّر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . وقال لعلي أصحابُه : ما منعك أن تجهز عليه؟ . قال : ناشدني الله والرحم . . هذا هو عليٌّ في خلقه ، يفيض قلبه بالحنان والرحمة ، حتى على أعدى اعدائه الذي برز له شاهراً السيف في وجهه مصمماً على قتاله وقتله .
{ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } . بعد أن ولى المشركون الدبر وكانوا ثلاثة آلاف مشرك امتلأ الوادي بما خلفوه من الغنائم . وحين رآها الرماة ، وإخوانهم المسلمون ينتهبونها دونهم عصَف بهم ريح الطمع ، واختلفوا فيما بينهم ، وقال بعضهم : ما بقاؤنا هنا؟ وتجاهلوا وصية النبي وتشديده عليهم بالبقاء . فقال لهم أميرهم عبدالله بن جبير : امكثوا ولا تخالفوا أمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) . . ولكن أكثرهم غادروا مواقعهم هابطين الى انتهاب الأسلاب والأموال ، وتركوا أميرهم عبدالله في نفر دون لعشرة ، والى هذا التنازعه والعصيان يشير قوله تعالى : { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ } . أما قوله : { مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } فيشير الى انهزام المشركين وغنائمهم .
وكان خالد بن الوليد يحارب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع أبي سفيان ، وحين رأى مؤخرة المسلمين مكشوفة بعد أن أخلاها الرماة اغتنم الفرصة ، وانقضّ مع جماعة من المشركين على البقية الباقية من الرماة ، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة ، حتى استشهدوا جميعاً ، وخلا ظهر المسلمين ، ورجع المشركون الى الميدان ، وأحاطوا بالمسلمين من الخلف والأمام ، وأكثروا فيهم القتل والجراح ، ودارت الدائرة عليهم بعد ان كانت لهم . .
وهذه النتيجة الحتيمة للتنازع والتخاصم . (1/230)
{ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } . وهم الرماة الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة . { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } . وهم الذين ثبتوا مكانهم مع أميرهم عبدالله بن جبير حتى نالوا الشهادة . { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } . أي ردكم عن الكفار بعد أن نصركم عليم بسبب تنازعكم وعصيانكم . { لِيَبْتَلِيَكُمْ } . أي عاملكم معلامة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الايمان ، وصبركم على الشدائد ، ويميز بين المخلصين والمنافقين . { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } . وكثيراً ما يخطىء الإنسان عن طيش ، ثم يؤوب الى رشده ، فيعفوا الله عما سلف منه ، أما من عاد فينتقم الله منه .
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)
اذكروا ايها المؤمنون حالكم في تلك اللحظات الرهيبة حين ذهبتم منهزمين لا تلتفتون لأحد من شدة الهرب ، والرسول يناديكم ويقول : هلم اليّ عباد الله ، أنا رسول الله ، من يَكُرَّ فله الجنة . . وأنتم لا تسمعون لا تنظرون . ولقد جازاكم الله غمّاً متصلاً بغمٍّ من الإرجاف بقتل رسول الله بعد الجرح ، والقتلِ الذيب حصل فيكم اذ قُتل منكم سبعون رجلا ، وظَفَرِ المشركين حتى صرتم من الدهش يضرب بعضكم بعضا . ولقد فاتتكم الغنيمة التي طمعتم بها ، لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ما اصابكم من الهزيمة ، الله خبير بما تعلمون يعلم مقاصدكم وقادر على مجازاتكم . (1/231)
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
يغشى : يغطي . برز : خرج . الى مضاجعهم : الى مصارعهم وقبورهم . ذات الصدور : السرائر . (1/232)
بعد انت انتهت المعركة ورجع بعض من انهزم من المسلمين ويتجمّعوا حول الرسول الكريم وقف أبو سفيان وصاح : أُعلُ هُبَل ، يوم أُحد بيوم بدر ، لنا العزّى ولا عُزّى لكم . فقال رسول الله لعُمر : قل : الله أعلى وأجل ، الله مولانا ولا مولى لكم . فقال ابو سفيان : فيكم محمد؟ قالوا : نعم ، قال لقد حدثتْ مُثْلَةٌ لم آمر بها ولم تسؤني ، ( يعني بذلك ما حدث من التمثيل بجثّة حمزة وغيرها من قتلى المسلمين ) ثم قال : الموعد بيننا بدرٌ في العام القابل . فخاف المسلمون ان يذهب المشركون الى المدينة . وفي تلك اللحظة بعث الله النعاس على طائفة المؤمينن الصادقين في إيمانهم تطميناً لقلوبهم ، وفي النوم راحة كبرى للأعصاب المرهقة وقت الشدائد .
قال ابو طلحة : غشينا النعاسُ يوم أحد ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، ويسقط وآخذه .
ورفعتُ رأسي فجعلت أَنظر ما منهم يومئذ الا يميد تحت حَجَفته من النعاس . وذلك قوله تعالى :
{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً } .
والحجفة : الترس من الجلد .
هذه احدى طائفتي المسلمين الذين قاتلوا يوم أُحد . أما طائفة الايمان المزعزع فقد أذلهم الخوفُ ، نولم يكن لهم همٌّ الا انفسهم . وذلك لأنهم كانوا مكذِّبيه بالرسول في قلوبهم ، فظنوا بالله الظنون الباطلة وأخذوا يوقولن مستنكرين : هل لنا من النصر والفتح نصيب؟ . لهؤلاء قل يا محمد : الأمر كله لله في النصر والهزيمة . وحتى حين يسألونك فإنهم في الواقع يخفون في أنفسهم ما لا يستطيعون اعلانه لك ، فهم يُظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر ، لكنهم يبطِنون الإنكار والتكذيب . فلسان حالهم يقول : لو كان أمر النصر بيد اله محمد كما ادعى محمد لما غُلبنا ، ولما قُتل من قُتل من أصحابه في هذه المعركة! .
قل لهم يا محمد : لو كنتم في منازلكم وفيكم من كُتِبض عليه القتل الخرجوا الى مصارعهم فقُتلوا . اما الهزيمة فقد جازانا بها للهن ليمتحن ما في صدورنا من الصدق والإخلاص أو عدمه ، ويمحصّ ما في قلوبنا من وساوس الشيطان ، والله عليم بذات الصدور .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي « تغشى » بالتاء ، والباقون « يغشى » بالياء . وقرأ أبو عمرو ويعقوب « قل ان الأمر كلُّه » برفع اللام . والباقون بنصبها .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
الجمعان : جمع المؤمنين وجمع المشركين . استزلهم الشيطان : جرهم الى الخطأ . (1/233)
ان الذين انهزموا منكم يا معشر المسلمين يوم أحد انما جرّهم الشيطان الى الزلل والخطأ ، فعصَوا أمر الرسول وبارحوا المكان الذي أوقفهم فيه على الجبل . لقد رأوا النصر للمسلمين في أول المعركة فهبطوا الى السهل طمعاً في الغنيمة . عند ذلك هاجمهم خالد بن الوليد بخيل المشركين وقتل من بقي من الرماة وأحدث الخلل في صفوف المسلمين . ولقد فر أكثر المقاتلين ، ولم يبق مع النبي الا ثلاثة عشر رجلاً منه خمسة من المهاجرين هم : أبو بكر وعلى وطلحة وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، وثمانية من الأنصار . وقد انهزم بعضهم ولم يعند الا بعد ثلاثة أيام .
من هذا يتبين ان عملاً بسيطا لا يقدّره الانسان قد يجر الى نبكة كبرى ، ويكون بعلمه هذا قد قدّم أعظم مساعدة لعدوه . وهذا ما نحن فيه اليوم ، فاننا بتفرقنا ومعادتنا لبعضنا البعض ، اما نقدم اعظم خدمة لليهود وحلفائهم ، منّا ومن غيرنا .
وفي الآية تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئةَ فتفقد ثقتها في قوتها ، ويختلّ توازنها ، فَتَبِيتُ عرضةً للوساوس والهواجس . وعندئذ يجد الشيطان طريقه الى هذه النفس فيقودها الى الزلل والخطأ ، وتحل بها النكبة والهزيمة . . . .
ولكن الله ادرك أصحاب أُحد برحمته ، فلم يدع الشيطان يتسلط عليهم ، بل عفا عنهم ، ثم أخبرهم بأنه غفور حليم . ونحن نسأل الله تعالى ان يردّنا الى طريقه المستقيم ، ويدركنا برحمته فيوحّد كلمتنا ويعيد الينا ثقتنا بأنفنسان ، لننظم صفوفنا ونسترد ما اغتُصب من بلادنا .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
المراد بالذين كفروا هنا : المنافقون ، عبدالله بن أُبي وأصحابه . ضربوا في الأرض : سافروا فيها للتجارة وغيرها . غزى : جمع غاز ، محابرون ، مجاهدون . (1/234)
يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن اخوانهم حين سافروا للتجارة والكسب فماتوا ، او كانوا غزاة في وطنهم او في بلاد اخرى فقُتلوا : لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا ما قتلوا ، فقد جعل الله ذلك القول والظن حسرة في قلوبهم . ان الله هو الذي يحي ويميت ، وليس للإقامة والسفر مدخل في ذلك . والله مطّلع على ما تعملون ، بصير بما تكفرون فيه ، لا يخفى عليه شيء مما تكتمون في أنفسكم من وساوس الشيطان .
ثم بشّر من قُتل او مات في سبيل الله بحسن المآل { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ . . وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } أي إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يُقتل في سبيل الله خيرٌ لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع في هذه الدار الفانية . والحقَّ أقول : لو أننا آمنا إيماناً صادقاً لما خفنا من الموت ، ولحاربنا اليهود بعزم وصدق وخلّصنا بلادنا من براثنهم .
ثم حثّنا سبحانه على العمل في سبيله ، لأن المرجع اليه فقال :
{ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } . فبأي سبب كان موتكم فإنكم راجعون الى الله لا إلى غيره ، فيجزي كلاً منكم بما يستحق . فآثِروا ما يقرّبكم إليه من العمل الطيب والجهاد في سبيله ، ولا تركنوا الى الدنيا ولذاتها الزائلة ، أيها المؤمنون .
قراءات :
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي « والله يعلمون » بالياء . وقرأ نافع وحمزة والكسائي « متم » بكسر الميم . وقرأ غير حفص « خير مما تجعمون » بالتاء .
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
لنت لهم : ترفّقت بهم . الفظ : الشرس الأخلاق ، الجافي العشرة . القلب الغليظ : القاسي الذي لا يتأثر باللطف والرقة . انفض : تفرق : المشاورة : أخذ آراء الذين حولك من العقلاء وذوي الرأي . التوكل : تفويض الأمر الى الله ، للثقة بحسن تدبيره ، مع أخذ الأهبة واستكمال العدة . (1/235)
بعد ان أرشد الله المؤمنين من الآيات المتقدمة الى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم ، اتجه في الخطاب هنا الى الرسول الكريم بهذا التعبير الدقيق اللبق ، والمدح العظيم . فهو يريد ان يلطّف الجو بعد معركة أحد ، ويخفف مما في نفس الرسول على القوةم الذين كنوا سبباً في تلك النكبة .
ويتوجه سبحانه إلى الرسول بهذه الآية والتي بعدها يطيّب قبله ، والى المسلمين يشعرهم بنعمة الله عليهم به ، ويذكّرهم رحمة الله الممثلة في خُلقه الكريم .
{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } من رحمة الله عليك ان عاملتَ أصحابك بعد رجوعهم باللين والرفق ، وهذا شيء خصّك الله به ، فقد حباك بآداب القرآن العالية وحِكمه السامية ، فهانت عليك المصائب . هذا مع انَّ كثيرا من أصحابك قد استحقوا اللوم والتعنيف ، اذ تركوك وقت اشتداد الهول فيما الحرب قائمة على أشدها .
{ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } ولو كنت يا محمد رجلاً خشناً جافيا في معاملتهم لتفرقوا عنك ، ونفرت قلوبهم منك ، فلم تتم هدايتُهم وارشادهم الى الصراط المستقيم .
هكذا يجب ان تكون أخلاق الزعيم والقائد الحاكم ، فان الناس في حاجة الى رعاية فائقة وقلب رحيم ، وحلِم لا يضيق بجهلهم وأخطائهم ، لا إلى حاكم ، فان الناس في حاجة الى رعاية فائقة وقلب رحيم ، وحِلم لا يضيق بجهلهم وأخطائهم ، لا إلى حاكم متعالٍ يتطاول بالغطرسة وادّعاء العظمة في غير حق . وما أرحمَ ما كان قلب الرسول الكريم ، وما أجمل ما كانت سيرته مع الناس : ما غضِب لنفسه قط ، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري ، بل وَسِعَهم حلمُه وبره وعطفه . وسيرته طافحة بذلك .
{ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } ما أحلى هذا الكلام وما أرقّة وأعطفه! وما أعظم قوله سبحانه { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } ، فهو نص قاطع في تقرير مبدأ الشورى في الحكم الإسلامي ، لا الاستئثار بالسلطة الفردية المتحكمة . وانه لمبدأ عظيم هذا الذي يقرره القرآن بصدد ذلك ، وهو المعمول به اليوم عند الأمم الراقية التي سقتنا . اما نحن فقد تأخرنا لأننا أردنا لهذه التعاليم الحكيمة الراشدة ، واتّبعنا مبدأ التسلُّط والقهر . واتخذنا اسم « الرعيّة » وكأنه من الرعي للسائمة لا من الرعاية للبشَر .
فاذا عقدت عزمك يا محمد على أمر بعد المشاورة ، فامض فيه متوكلاً على الله ، ان الله يحب الواثقين به ، فينصرهم ويرشدهم الى ماهو خير لهم .
اذنْ فالتوكل يجب ان يكون مقروناً بالسعي والعزم والعمل لا نابعاً من التقصير ورغبة في التخلص من العناء ، وإلا فهو تواكلُلٌ يمقُتُه الله .
في الحديث المعروف الذي رواه الترمذي والبهيقي وأبو نعيم وابن أبي الدنيا وابن حبّان . « قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أعقلُ ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ فقال له الرسول الكريم : » عقِلها وتوكيل « .
وقد سار هذا الحديث مثلاً .
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
اذا اراد الله نصركم كما حدث يوم بدر ، حين عملتم بإرشادات الرسول وثبتُّم في مواقفكم ، كما اتكلتم على توفيق الله ومعونته فلن يغلبكم أحد . وإن يُرد خذلانكم ويحرمكم معونته ، لعدم اتخاذككم أسباب النصر أو لشيء من التنازع وعصيان القائد فيما أمركم به ( كما جرى يوم أحد ) فلا ناصر لكم سواه . وعلى الله وحده يجب ان يعتمد المؤمنون . (1/236)
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)
الغل : الأخذ خِفية كالسرقة ، يقال غلّ فلان الغنيمة يغُل غلولاً ، وأغل إغلالا خان فيها ، وأخذ شيئا منها خفية . تُوفّى : تعطى . (1/237)
« روي ان هذه الآية نزلت يوم أحد عندما ترك الرماة موقعهم على الجبال طلباً للغنيمة ، إذ قالوا : نخشى أن يقول النبي : مَن أخذ شيئاً فهو له ، وان لا يقسم الغنائم كما قسمها يوم بدر . فقال لهم الرسول : ألم أعهد اليكم الا تتركوا موضعكم حتى يأتيكم أمري؟ فأجابوا : تركنا بقية اخواننا وقوفا . فقال لهم : بل ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم » .
وكان بعض المنافقين قد اشاعوا ان الغنائم يوم بدر قد اختفت ، واتهموا الرسول الكريم انه اخفاها . فكذّبهم الله . والمعنى هنا :
لا يجوز لنبي ان يخون في الغنائم ، لأن النبوة أساسها الأمامنة . وفي هذا نفي الخيانة عن جميع الأنبياء . لقد عصمهم الله من الغلول والخيانة لأن النبوة أعلى المناصب الانسانية ، فصحابُها معصوم عن كل ما فيه دناءة وخسة . اما الناس فقد يقع منهم ذلك ، فمن فعله أتى بما غل به يوم القيامة ، ليفتضَح فيه أمره ويزيد به عذابه .
{ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يومذاك تعطى كل نفس جزاء ما علمت وافيا تاما ، لا تلقى ظلماً بقصان في الثواب او زيادة في العقاب .
« روى عبدالله بن احمد عن عبادة بن الصامت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اياكم والغُلول ، فان الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة ، أَدُّوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك ، وجاهدوا في سبيل الله القريب البعيد ، في الحاضر والسفر ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة . إنه لَينجي الله تبارك وتعالى به من الهم والغم . وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد ، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائم » .
وهناك أحاديث كثرة في هذا الموضوع .
وقد علمتْ هذه الآية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية السلف الصالح من المسلمين حتى أتوا بالعجب العجاب :
حُملتع الغنائم الى عمر بن الخطاب بعد القادسية ، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقوَّمان بثمن فنظرَ رضي الله عنه الى ما أدَّاه الجندُ في غبطة وقال : « ان قوماً أدوا هذا لأمِيرهم لأمناء » .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب : « ان يُغَل » على البناء للمفعول ، والمعنى على هذه القراءة ما صح لنبي أن ينسب الى الغلول أو يخونه أحد ، أما عند قراءاتها « يغُل » بفتح الياء وضم الغين فالمعنى المقصود ان يخون في الغنائم .
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)
باء : رجع . مأواه : منزله . (1/238)
أردف الله تعالى بهذه الآية ليبين أن جزاء المطيعين ليس جزاء المسيئين : أفمن اتقى وسعى في تحصيل رضا الله بالعمل الطيب والطاعة التامة مثلُ الذي باء بغضب عظيم من الله بسبب عصيانه وغلوله وخيانته!! كلا ، ان منزل العاصي الذي غلّ وخان هو جهنم ، وساءت منقلبا .
والحق ان كلاً ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله طبقات مختلفة ومنازل متفاوتة ، حسب الأعمال الحسنة أو السيئة . ولا يعلم هذه الدرجات الا من أحاط بكل شيء علما ، لأه جلّ جلاله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)
يزكيهم : يطهرهم . الكتاب : القرآن . الحكمة : السنَّة ، والمعرفة بجميع أنواعها . (1/239)
لقد مرّ نظير الآية في سورة البقرة ، الآية129 .
بعد أن نفى الله الغلول والخيانة عن النبي الكريم على أبلغ وجه أكد بذلك بهذه الآية فأبان نه قد تفضل على المؤمنين بأن يبعث فيهم رسولا منهم ، وُلد في بلدهم فعرفوه حق المعرفة ولم يروا فيه طوال حياته الا الصدق والأمانة حتى فاز بلقب محمد الأمين . وقد جاء هذا الرسول يتلو عليهم آيات الله الدالة على القدرة والوحدانية ، ويوجه النفوس الى الاستفادة منها والاعتبار بها .
ها كما جاء محمد ليزكّيهم ، أي يطهّرهم من العقائد الزائفة ، ويطهر بيوتهم وأعرضهم ومجتمعهم من دنس الجاهلية وشِركها . كذلك جاء يعلّمهم القرآن والكتابة والقراءاة بعد ان كانوا أُميّين ضالين .
« وعلى أية حال ، فقد تضمنت هذه الآية الأمور التالية :
01 ان الرسول احسان من الله الى الخلق ، لأن الرسول ينقلهم من الجهل الى العلم ، ومن المذلَة الى الكرامة ، ومن معصية الله وعقابه الى عطاعته وثوابه .
02 ان هذا الاحسان قد تضاعف على العرب بالخصوص لأن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) منهم ، يباهون به جميع الأمم .
03 انه يتلو عليهم آيات الله الدالة على وحدانيته ، وقدرته وعلمه وحمكته .
04 انه يطهّرهم من أرجاس الشرك والوثنية ، ومن الاساطير والخرافات والتقاليد الضارة ، والعادات القبيحة .
05 يعلّمهم الكتاب أي القرآن الذي جَمَعَ كلمتهم ، وحفظ لغتهم ، وحثّهم على العلم ومكارم الأخلاق ، ويعلمهم الرسول أيضاً الحكمة ، وهي وضع الأشياء في مواضعها ، وقيل : ان المراد بها هنا الفقه . . »
يقول جعفر بن أبي طالب الصاحبي الجليل مخاطباً النجاشي عندما لجأ اليه المسلمون في أول بدء الدعوة : « أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويُّ منا الضعيف ، حتى بعث الله الينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا الى الله وحده لنوحّده ، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرَرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصِلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل ما اليتيم ، وقذف االمحصنات ، وأمرنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئاً وأمرَنا بالصلاة والزكاة والصيام » .
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)
لا ينبغي ان تعجبوا وتجزعوا مما حل بكم يوم أُحُد من ظهور المشركين عليكم ، وقتْل سبعين رجلاً منكم ، فلقد أصبتم منهم مِثْلَيْها يوم بدر بقتل سبعين رجلاً منهم وأسر سبعين آخرين . اذن كان نصركم في بدر ضِعف انتصار المشركين في أحد . (1/240)
وقد كان سبب تعجبهم ان بعضهم قال : نحن ننصر دين الله وفينا رسوله ، وهم ينصرون الشرك بالله ، ومع ذلك يُنصرون علينا؟ فرد الله عليهم بهذه الآية بقوله : { قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } ، و { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } اي أن الذي أصابكم انما هو من عند أنفسكم : لقد خالفتم الرسول في أمور كثيرة ، فقد كان من رأيه البقاء في المدينة و محاربة المشركين فيها اذا هاجموا ، لكنكم تحمستم وأردتم الخروج للقاء العدو . ثم إنكم تنازعتم الرأي فيما بينكم . ثم كانت الطامة الكبرى بمخالفة الرماة منكم أمر الرسول ونزولهم عن الجبل . . كل هذه المخالفات أدّت الى الهزيمة . والله قادر على كل شيء ، ومن مقتضى قدرته ان تنفُذ سُنَنُه ، وأن تمضي الأمور وفق حكمة وارادته ، وألا تتعطل سُنّته التي أقام عليها الكون والحياة .
وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)
وكل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقى جمعُكم وجمع المشركين في أحد إنما وقع بإذن الله وارادته ، وليُظهر للناس ما عَمِله من أيمان المؤمنين حقا . إن هزيمتكم لم تقع مصادفة ولا عبثاً ولا سدى ، فكل حركة محسوبٌ حسابها في تصميم هذه الكون ، هي في مجموعها تجري وفق السنن والقوانين الثابتة التي فرضها الله لحكمةٍ مدبَّرة يجري كل شيء في نطاقها . (1/241)
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)
وكما يُظهر اللهُ حال المؤمنين من قوة الايمان وضعفه ، واستفادتهم من المصائب حتى لا يعودوا الى أسبابها ، يُظهر حال المنافقين ( من أمثال عبد الله بن أبي سلول ) ويفضح موقفهم يوم أُحد . وقد كشفهم الله على حقيقتهم يومذاك ، اذا انصرفوا ورجعوا الى المدينة . وتبعهم ابو جابر السلمي من الصحابة يناديهم وقول لهم : تعالوا قاتِلوا في سبيل الله . فأجابوه : لو نعلم انكم ستلقون قتالاً في خروجكم لذهبنا معكم . لقد كانوا غير صادقين في ذلك ، بل إنهم في مقالتهم هذه أقرب الى الكفر منهم الى الايمان . وما كان اعتذارهم الا على وجه الخديعة والاستهزاء ، يقولون بأفواههم « ليس هناك حرب » مع أنهم يعتقدون في قلوبهم أنها واقعة . ومع ذلك فقد أصروا على الارتداد . (1/242)
ثم أكد الله كفرهم ونفاقهم بقوله : { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من الكفر والكيد للمسلمين وتربُّص الدوائر بهم . ثم مضى يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس :
الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)
ارأوا : ادفعوا . (1/243)
قال الذين تخلّفوا عن القتال ورجعوا الى المدينة ، في شأن اخوانهم الذين خرجوا وقُتلوا : لو أنهم أطاعونا وقعدوا مثلنا لنجَوا من القتل كما نجونا . وهكذا لم يكتفِ المنافقون بالتخلف والاعتذار الكاذب ، وما أحدثه ذلك من رجة وبلبلة في النفوس ، بل راحوا يثيرون الحسرة في قلوب أهل الشهداء بعد المعركة . فرد الله تعالى عليهم رداً قاسياً دحض حجتهم وأبان كذبهم ، كما وبخهم على ما قالوا فأبلغ نبيَّه ان يتحداهم { قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، اي ادفعوا عن أنفسكم الموت ان كان الحذَر يمنع من القدَر كما تزعمون .
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
هنا شرح الله حقيقةً من أعظم الحقائق التي تبشّر المؤمنين وتحفزهم على الجهاد في سبيل الله ، وهي ان الذين قُتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتاً بل هم أحياء عند ربهم في عالم آخر غير هذا العالم ، قد شرّفهم ربهم في تلك الحياة وأكرمهم بها . وهي حياة غيبية لا ندركها نحن ، يُرزقون فيها رزقاً طيبا يعلمه الله ، وتتألف وجوههم من السرور بما أعطاهم ، كما يستبشرون بخلاص اخوانهم الذين تركوهم في الدنيا مقيمين على منهج الايمان والجهاد ، وانه لا خوف عليهم من مكروه ولا هم يحزنون لفوات محبوب . إنهم يستبشرون بنعمة الله فتتألف وجوههم بالبشر والسرور بما أعطاهم ربهم من نعمة الشهادة ونعيم الجنة وعظيم الكرامة ، انه لا يضيع أجر المؤمنين جميعا . (1/244)
قراءات :
قرأ ابن عام : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ } بشديد التاء مع الكسرة .