صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
المثل : الحال الذي له شأن . البأساء : الشدّة على الانسان في ماله وفي نفسه ووطنه . (1/118)
والضراء : ما يصيب الانسان في نفسه كالقتل والجرح والمرض . والزلزال : الاضطراب في الأمر .
بعد ان أمر الله تعالى بالوفاق والسلام ، وأرشد الى حاجة البشر الى معونة بعضهم بعضاً لكثرة المطالب وتعدد الرغبات ، دعت الضرورة الى شرع يحدد الحقوق ويهدي العقول الى ما لا مجال لنلزاع فيه .
وقد روى الطبري عن السدّي ان هذه الآية نزلت في غزوة الخندق . ومعنى الآية : ام حسبتم أيها المؤمنون ان تدخلوا الجنة بمجرد اقراركم بكلمة الاسلام دون ان يصيبكم ما اصاب الذين من قبلكم من أتباع الرسل والأنبياء من الشدائد والمحن ، وأن تُبتلوا بمثل ما ابتلوا به من البأساء وهي شدة الحاجة والفاقة ، ومن الضراء وهي العلل والأمراض ، ولم تُزلزَلوا ، اي لم يصِبكم من اعدائكم كثير من الخوف والرعب! كلا ، انكم مثلهم .
وقد أخذتهم الشدة حتى بلغ الأمر ان قالوا متى نصرُ الله؟ ثم أخبرهم الله ان نصره قريب وانه جاعلهم فوق عدوّهم .
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
الخير : معناه هنا المال . (1/119)
يسألك أصحابك يا محمد اي شيء يتصدقون به من أموالهم وعلى من يتصدقون؟ فقل لهم : ان الانفاق يكون من المال الطيب ، وتصدّقوا به على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم ، وعلى اليتامى والمساكين ، ومن انقطع من ماله وأهله . وما تفعلونه من خير اليهم يُحصيه الله لكم حتى يثيبكم عليه .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
كتب عليكم : فرض عليكم . الكره : المشقة . (1/120)
مضى الكلام في الآية السابقة على الإنفاق في سبيل الله وللمحتاجين من الأسرة الاسلامية ، وفي هذه الآية والتي بعدها يأتي الكلام على بذل الأرواح والأنس . المال اخو الروح ، بل هو اغلى عند كثير من الناس .
اذات كان في الانفاق على الوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وغيرهم حماية للمجتمع في داخله فان القتال حماية له من اعدائه في الخارج . لذلك فرض الله علكيم القتال لحماية دينكم والدفاع عن أنفسكم . وهو كرهٌ لكم ، لما فيه من المشقة وتعريض الأنس للموت ، ولكن ربما كرهتم شيئاً يكون فيه خيركم ، ان الله يعلم ذلك ، وأنتم لا تعلمون .
وهذه أول آية فُرض فيها القتال ، وقد نزلت في السنة الثانية من الهجرة . الجهاد فرض كفاية الا اذا دخل العدو بلاد المسلمين فاتحاً فيكون الجهاد فرض عينٍ على الجميع ، وهذه فلسطين ، فقد احتلها العدو ولم يهبّ المسلمون لقتاله . لقد أغفلوا فرض عين ، وحكامهم هم المسؤولون . ولهم مع الله شأن .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)
الصد : المنع . الفتنة : الشرك وتعذيب المسلمين . حبط عمله : بطل وفسد . (1/121)
سببُ نزول هذه الآية ان النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش مع ثمانية من المهاجرين في جُمادى الآخرة . قبل وقعة بدرٍ بشهرين ، ليترصّدوات عِيراً لقريش . فهاجموا قريشاً وقتلوا منهم عمرو بن عبدالله الحضرمي . كما أسروا عثمان بن عبدالله بن المغيرة ، والحكَم بن كيسان . ثم إنهم استاقوا العِير والأسيرين الى المدينة المنورة . وكان ذلك في غُرة رجب ، وهو من الأشهر الحُرم . وكانوا يظنونه آخر يوم من جمادى الآخرة . فقالت قريش : لقد استحلّ محمدٌ الشهر الحرام . وقامت اليهود تشهّر بالنبيّ والمسلمين ، ويقولون : عمرو ، عَمُرت الحرب؛ والحضرمي ، حضرت الحرب ، وواقد ، وقدت الحرب . وكان واقد بن عبدالله هو الذي قتل عمرو بنَ الحضرمي . فلما أكثر الناسُ في ذلك نزل الله الآية :
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام . . . } وتفسيرها :
يسألونك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام ، فقل لهم ان القتال فيه أمرٌ مستنكَر ، لكن ما ارتكبتموه أنتم من الكفر بالله ، و الصدّ عن بيته ، وأخراج المسلمين منه ، والشِرك الذي أنتم عليه ، والفتنة التي حصلت منكم كل ذلك أكبرُ عند الله من قتالكم في الشهر الحرام . لذلك اباح الله لنا القتال في الشهر الحرام لقمع هذه الشرور ، على أساس اختيار أهو الشريّن . واعلموا أيها المسلمون ان سبيل هؤلاء معكم سبي التجني والظلم ، وأنهم سيظلون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ان استطاعوا ، إذ لا همّ لهم الا منع الاسلام عن الانتشار . اذن فإن انتظاركم ايمانهم بمجرد الدعوة طمعٌ منكم في غير مطمع ، والقتال في الشهر الحرام أهو من الفتنة عن الاسلام . ومن يضعف منكم امام هجماتهم ويرتد عن دينه ثم يموت على الكفر فاؤلك بطلت أعمالهم ، وأولئك أهل النار هم فيها خالدون .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
بعد ان ذكر الله المرتدين ، بين لنا هنا جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين في سبيله فقال تعالى : ان المؤمنين ثبتوا على ايمانهم او هاجروا فراراً بدينهم ، لإعلاء كلمة الله ، ولينصروا الله ورسوله هم الذين يرجون رحمة الله وينتظرون عظيم ثوابه . وهم جديرون بأن ينالوا ذلك ، والله واسع المغفرة للتائبين ، عظيم الرحمة بالمؤمنين . (1/122)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
الخمر : كل ما اسكر من المشروبات . الميسر : القمار . الاثم : الذنب : العفو : الفضل والزيادة على الحاجة . (1/123)
هذه أول آية نزلتن في الخمر ، ثم نزلت بعدها الآية التي في سورة النساء { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى } ثم نزلت الآية التي في المائدة . هكذا بالترتيب .
روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر انه قال : اللهم بينْ لنا في الخمر بيانا ، فنزلت هذه الآية . فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهمّ بين لنا في الخمر بياناً شافيا ، فنزلت الآية التي في سورة النساء { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى } . فدعى عمر فقرئت عليه فقال : الهلم بين لنا في الخمر بياناً شافيا . فنزلت الآية التي في المائدة { ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر . . . } الآية فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } قال عمر : انتهينا ، انتهينا .
روى الشيخان عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام . . الحديث » . فحرمةُ الخرم ثبتت بالإجماع ، وهو المصدر الثالث .
يسألونك يا محمد عن حكم الخمر والقمار ، فقل ان فيها ضرراً كبيرا من افساد الصحة وذهاب العقل والمال واثارة العداوة والبغضاء بين الناس ، وفيهما منافع كالتسلية والربح اليسير السهل . . ولكن ضررهما أكبر من نفعهما فاجتنبوهما .
وأصل الميسر هو الجزور الناقةُ يقسمونها الى عدة أقسام ويضربون عليها القِداح ، وهي قطع من الخشب تسمّى الأزلام ، وهي عشرة وأسماؤها كما يلي : الفذ ، والتوءم ، والرقيب ، والحلس ، والمسبل ، والمعلّى ، والنافس ، والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، فكان لكل واحد من السبعة الاولى نصيب معلوم . ولا شيء للثلاثة الأخيرة . وكان المعلّى اعلاها حيث له سبعة أجزاء ولذلك يضرب به المثل فيقال : « له القِد المعلّى » . هذا هو قمار العرب في الجاهلية . وقد حرّمه الله لما فيه من اكل اموال الناس بالباطل وما يجلب من المنازعات والفتنة .
وهذا النص القرآني العظيم يوضح لنا ان التشريع يراعى فيه منافع العباد ، فما كثرت منافعه بجوار مضاره كان مطلوبا ومباحا ، ما قلّت منافعه بجوار مضاره كان منهيّاً عنه .
وهو يومىء الى امر واقع في هذه الدنيا ، وهو ان الاشياء يختلط خيرها بشرها ، فليس هناك خير محض ، ولا شر محض . فالخمر وهي ام الخبائث ، فيها نفع للناس بجوار شرها الذي لا حدود له . والميسر الذي يشغل النفس ويصيبها باضطراب مستمر ، فيه نفع للناس وآثام تفسد الحياة ، ولقد كانت حكمة الله بالغة في تحريم الخمر على مراحل ، وذلك لتعلُّق العرب بها في ذلك الزمان ، ولأن تحريمها دفعة واحدة كان من الصعوبة بمكان .
{ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } ويسألونك يا محمد اي جزء من اموالهم ينفقون وأياً يمسكون؟ قل أنفقوا الزائد عن حاجتكم ، وفي الصحيح قال : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعلو » واخرج مسلم عن جابر ان النبي قال : « ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك ، فان فضل شيء فلذي قرابتك ، فان فضل شيء عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا » .
وكان يكره للمرء ان يتصدق بجميع ماله ، ويجبّ ان يتصدق بما يزيد عن حاجته .
القراءات :
قرأ ابو عمرو « قل العفُو » بالضم .
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
العنت : المشقة . لأعنتكم : لأوقعكم في مشقة . (1/124)
ويسألونك يا محمد بشأن اليتامى وما يوجبه الاسلام حيالهم ، فقل : الخير لكم وهلم في اصلاحهم ، فضموهم الى بيوتكم ، وخالطوهم بقصد الاصلاح ، فهو اخوانكم . ان اليتيم طفل فقد أباه ، والعائلَ الذي يرعاه ، فما احوجه الى عناية رؤوم تنتشلُه وتجعل له متنفّساً يسرّي به عن نفسه! وما أحوجه الى تشريع حيكم ، ووصية من رب رحيم تحفظ عليه نفسه ، وله مالَه ، وتعدّه كي يكون رجلاً عاملا في الحياة .
ولقد كان بعض الاوصياء يخلطون طعام اليتامى بطعامهم ، وأموالهم بأموالهم للتجارة فيها جيمعا ، وكان الغبن يقع احيانا على اليتامى ، فنزلت الآيات في التخويف من أكل أموال الأيتام . مثل { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } . وآية { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى } [ النساء : 9 ] . عندئذ تحرّج الأتقياء حتى عزلوا طعام اليتمامى عن طعامهم ، فكان الرجل يكون في حجره اليتيم ، يقدِّم له الطعام من ماله فاذا فضّل شيء منه بقي له حتى يعاود ، أو يفسد فيُطرح . وهذا تشدد ليس من طبيعة الاسلام ، فجاء القرآن هنا ليرد المسلمين الى الاعتدال واليسر . فالاصلاح لليتامى خير من اعزالهم ، والمخالطة لا حرج فيها اذا حققت الخير لليتيم . والله يعلم المفسد من المصلح ، فليس المعوَّل عليه هو ظاهر العمل وشكله ، بل النيَّةُ فيه وثمرته . ولو شاء الله لشقَّ عليكم فألزمكم رعاية اليتامى من غير ان تخالطوهم لكنهم اذ ذاك ينشأون على بغض الجماعة .
ويكون ذلك افسادا لجماعتكم وإعناتاً لكم . . والله لا يريد إحراج المسلمين ولا المشقة عليهم فيما يكلفهم . وهو عزيز غالب على امره ، حكيم لا يشرّع الا ما فيه مصلحتكم .
والحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الانفاق ، بالسؤال عن الخمر والميسر ، ان السؤالين الأولين بيّنا حال طائفتين من الناس في بذلهم وانفقاهم ، فناسبَ ان يذكر بعدها السؤال عن طائفة هي أحق الناس للإنفاق عليها ، واصلاح شؤونها ، وهم اليتامى . وكأن الله تعالى يذكّرها بأنه حين مخالطتهم واصلاح امورهم يجب ان تكون النفقة من العفو الزائد على حاجتنا من أموالنا ، ولا ينبغي ان نعكس ذلك ونطمع في أموالهم .
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)
هنا نقع على جانب من دستور الأسرة ، والجماعة الصغيرة التي يقوم عليها المجتمع الاسلامي ، والتي أحاطها الاسلام برعاية ملوحظة ، واستغرق في تنظيمها وتطهيرها من فوضى الجاهلية جهداً كبيراً ، نراه متناثرا في عدة سور من القرآن الكريم . وقد روي في نزلو هذه الآية ان مرثد بن ابي مرثد الغنوي كان يهوى امرأة اسمها عناق في الجاهلية ، وأرادت ان تتزوجه بعد ان أسلم فاستشار النبي في ذلك فنزلت هذه الآية ، بمعنى : لا تتزوجا الوثنيات حتى يؤمنّ بالله ويصدقن بالرسول الكريم ، وهذا أمر قاطع . فان الأمَة المؤمنة خير من المشركة التي لا تدين بدين سماوي . ولو كانت الآخيرة جميلة يعجبكم جمالها . ولا تزوِّجوا الرجال المشركين من المؤمنات الا اذا دخلوا في الاسلام . فان العبد المؤمن خير من المشرك ولو أعجبكم شكله وعزته وماله . (1/125)
{ أولئك يَدْعُونَ إِلَى النار } اي ان المشركين يدعون من يعاشرهم الى الشرك الذي يستوجب النار ، فيما يدعوكم الله ، من اعتزالكم المشركين في النكاح ، الى ما فيه صلاحكم ورشادكم فتنالون الجنة والمغفرة .
والخلاصة انه لا يجوز ان نتصل بالمشركين الذين لا يدينون بدين سماوي برابطة الصهر ، لا بتزويجهم ولا بالتزويج منهم . واما الكتابيات كالنصرانيات واليهوديات فقد جاء في القرآن الكريم نص واضح على حل الزواج بهن : { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } .
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
الحيض : السيلان ، وفي الشرع : دم يخرج من الرحم في مدة مخصوصة . الأذى : الضرر . الحرث : موضع النبت يعني الارض التي تنبت ، شبهت بها النساء ، لأنها منبت الولد . أنى شئتم : متى شئتم . (1/126)
كثرت الأسئلة عن مخالطة النساءِ أيام مجيء العادة الشهرية عندهن ، وذلك بسبب احتكاك المسلمين في المدينة باليهود وبسبب العادات الموروثة من الجاهلية . فقد كان اليهود لا يقربون المرأة أثناء حيضها ، ويعتبرونها نجسة . فلا يجوز للرجل ان يمس جسدها أو يقرب من فراشها ، فإن فعل ، يغسل ثيابه بماء ويستحم ويكون نجسا الى المساء . وان اضطجع معها وهي حائض يكون نجسا سبعة أيام . وكان العرب في الجاهلية لا يساكنون الحائض ، ولا يؤاكلونها كما كانت تفعل اليهود . اما النصارى فكانت تتهاون مفي أمور الحيض ، فكان هذا الاختلاف مدعاة للسؤال عن حكم المحيض في الاسلام فنزلت الآية . . .
يسألونك يا محمد عن إيتان الزوجات زمن الحيض فأجبهم : إنه اذى ، فامتنعوا عنه حتى يطهُرن ، فاذا تطهرن فأتوهن في المكان الطبيعي ، ( لأنه لو كان يجوز اتيانهن في غيره لما قال تعالى : { فاعتزلوا النسآء فِي المحيض } ) . ومن نكان وقع منه شيء من ذلك فليتبْ الى الله فان الله يحب التوبة من عباده ، وتطهُّرهم من الأقذار والفحش .
وقد أثبت العلم الحديث ان الحيض فيه أذى ، اذ يكمون المهبل آنذاك ميدنا مفتوحاً للجراثيم . فالاتصال الجنسي في الحيض يعمل على وصول هذه الجراثيم الى المهبل ، فتصيبه بمختلف الالتهابات التي قد تمتد الى الجهاز التناسلي ، فتتولد مضاعفات قد تؤدي الى العقم .
وتعود العدوى الى الرجل عن طريق قناته البولية ، وقد تمتد الاصابة الى المثانة والحالبين بل الى قاعدة الكليتين ، حتى تصاب البروستاتا والخصيتان بما قد ينتج عنه الضعف الجنسي او العقم . والمرأة اثناء الحيض تكون راغبة عن الرجل ، فالاتصال الجنسي بها في ذلك الوقت قد يؤثر في أعصابها من هذه الناحية . لذلك علّمنا القرآنُ الكريم ان نعتزل المرأة في وقت الحيض . أما مخالطتها ومسها والأكل معها والنوم في فراشها فكل هذا جائز وغير ممنوع .
{ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ . . . } لا حرج عليكم في إتيان نسائكم بأي وضع شئتم اذا كان ذلك في موضع النسل ، قد بيّنا لكم ما فيه رشدكم وهدايتكم ، فقدِّموا لأنفسكم الخير الذي امركم به ربكم ، واتخذوا عنده به عهداً ، لتجدوه حين تلقون ربكم يوم المعاد . واتقوه في معاصيه ، واحذروا أن تخرجوا النساء عن كونهنّ حرثا بإضاعة مادة النسل أثناء الحيض او بوضعها في غير موضع الحرث . وبشّر المؤمنين يا محمد بالفوز يوم القيامة .
وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)
العرضة : المانع . اللغو : ما يقع من غير قصد . (1/127)
ولا تجعلوا الحلف بالله مانعاً لكم من عمل الخير والتقوى الاصلاح بين الناس ، فاذا حلفتم الا تفعلوا ، فكفّروا عن أيمانكم وأتوا الخير ، لأن عمل البر أولى من المحافظة على اليمين . فالله لا يرضى ان يكون اسمه حجاباً دون الخير .
وكثيرا ما يتسرع الانسان الى الحلف بالله بأن لايفعل كذا ويكون خيرا ، أو ان يفعل كذا ويكونُ شرا ، فنهانا الله عن ذلك . وقدج ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري انه قال : « اني والله ان شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها الا أتيت الذي هو خير وتحللتُها » ، وروى مسلم عن ابي هريرة عن رسول الله : « من حلف يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفِّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير » .
ورأى بعض المفسرين في الآية معنى آخر ، وهو النهي عن الجرأة على الله تعالى بكثرة الحلف به ، وذلك أن مَن أكثرَ من ذكر شيء في معنى خاص فقد جعله عرضة .
{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ } : اي لا يؤاخذكم بما يقع منكم من الأيمان اثناء الكلام دون ان تقصدوا به عقد اليمين . . فلا كفارة عليكم فيه ، شأن كثير من المزاح . ومِثلُه ان يحلف على الشيء يظنّه ثم يظهر خِلافه ، أو يحلف وهو غضبان . ولكنْ يؤاخذكم الله بما نويتم من اليمين على ايقاع فعل أو عدم ايقاعه ، وعلى الكذب في القول مع التوثيق باليمين ، لهذا عليه الكفارة . . حتى لا تجعلوا اسمه الكريم عرضة للابتذال . والله عفور لمن يتوب ، حليم يعفو عما لا تكتسبه القلوب .
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)
يؤلون : يحلفون ، آلى يؤلي ايلاءً . عزموا الطملاق : صمَّموا في قصده . (1/128)
للذين يحلفون ان لا يقربوا نساءهم ان ينتظروا اربعة أشهر ، فان رجعوا الى نسائهم وحنثوا في اليمين اثناء هذه المدة فان الله يغفر لهم ، وعليهم الكفّارة . ان عزموا على الطلاق فان الله سميع لحلفهم وطلاقهم .
والخلاصة : ان من حلف على ترك إتيان امرأته ، لا يجوز له ان يمكث أكثر من أربعة أشهر ، فإن عاد اليها قبل انقضاء المدة لم يكن عليه اثم ، وان أتمها تعيّن عليه أجد امرين : الرجوع الى المعاشرة الزوجية أو الطلاق . وعليه ان يراقب الله فيما يختاره منهما ، فان لم يطلِّق بالقول كان مطلِّقا بالفعل ، اي انها تطلق منه بعد انتهاء تلك المدة رغم انفه . فاذا كانت المدة أقل من اربعة أشهر فلا يلزمه شيء . وقد فضّل الله تعالى الفيئة ، اي الرجوع ، على الطلاق ، وجعل جزاءها المغفرة منه .
وقد كانت هذه العادة من ضرار أهل الجاهلية ، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب ان يتزوجها غيره ، فيحلف ألا يقربها أبدا ، ويتركها لا هي مطلّقة ولا ذات بعل . وكان المسلمون في ابتداء الاسلام يفعلون هذا فأزال الله ذلك الضرر عنهم بهذه الآية .
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)
التربص : الانتظار . القرء : الحيض أو الطهر من الحيض . بعولة : جمع بعل وهو الزوج . (1/129)
وعلى المطلقات اللاتي دخل بهنّ أزواجهن ان ينتظرن ثلاثة حيضات لا يجوز للمرأة منهنّ ان تتزوج قبل انقضائها ، وهي العدة . والحكمة في ذلك هي التأكيد من أنها ليست ذات حمل . ولا يجوز لهن ان يكتمن ما خلق الله في ارحامهن من الاولاد ، أو دم الحيض . . ذلك ان بعض المطلقات يدّعين ان مدة الحيض طالت فيطالبن بالنفقة عن تلك المدة .
وكانت المرأة في الجاهلية قد تتزوج بعد طلاقها دون ان تنتظر العدة ، ثم يظهر انها حبلى من الاول ، فتُلحق الولد بالثاني . . وفي هذا اختلاط الأنساب وضياع لحقوق الناس . فلما جاء الإسلام حرّم هذا وشدّد في ذلك بقوله : { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر } اي اذا كن صادقات في الايمان بالله واليوم الآخر .
والأزواج أحقّ من غيرهم في ارجاع مطلقاتهم اليهم قبل انقضاء العدة إذا قصدوا الاصلاح وحسن المعاشرة . أما اذا قصدوا الإضرار بالمرأة ومنعها من التزوج حتى تبقى كالمعلّقة ، فلا ، ويكون الزوج آثماً عند الله .
{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف . . . } ان للرجال والنساء حقوقا الواحد منهم تجاه الآخر وعليهم وعليهن واجبات . « وبالمعروف » تعني ان هذه الحقوق والواجبات موكولة الى اصطلاح ما يجري عليه العرف بينهم وما تعارفوا عليه من آداب وعادات . وقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقوق عندما قضى بين ابنته فاطمة وزوجها عليّ ، حيث قضى عليها بخدمة البيت ، وعليه بماكان في خارجه من الأعمال .
وهذا ما تحكم به الفطرة في توزيع الأعمال بين الزوجين ، فعلى المرأة تدبير شؤون المنزل وعلى الرجل السعي والكسب في خارجه . ولا يمنع هذا من استعانة اي منهما بالخدم ولا من مساعدة كل منهما للآخر .
أما قوله تعالى : { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } فقد فسرتها الآية الواردة في سورة النساء : { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } . فهذه الدرجة هي الرياسة ومسؤولية القيام على المصالح ، والانفاق على الأسرة .
ان الحياة الزوجية تقتضي وجود مسؤول يُرجع اليه عند اختلاف الآراء والرغبات حتى لا يعمل كلٌّ ضد الآخر ، فتنفَصِم عروة الوحدة الجامعة . والرجل هو الأحق بذلك .
{ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فمن عزّته ان أعطى المرأة مثل ما اعطى الرجل من الحقوق بعد ان كانت كالمتاع لدى جميع الأمم . إنه هو الذي رفعها عما كانت عليه في كل شريعة من الشرائع الماضية . فلقد كانت المرأة عند الرومان مثلاً أمَة في بيت زوجها عليها واجبات ، وليس لها حقوق .
ويرى الاستاذ سيد قطب ان هذه الدرحة مقيدة في هذا السياق بحق الرجل في هذا الموضع ، وليست مطلقة الدلالة ، كما يفهمها الكثيرون ، ويستشهدون بها في غير موضعها .
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)
الامساك بالمعروف : ان يرجع زوجته بقصد المعاشرة الحسنة . افتدت : اي دفعت عن نفسها فدية لتخلصها بها ، حدود الله : احكامه . الاعتداء : تجاوز الحد . (1/130)
شُرع الطلاق في الاسلام حينما تشتد الخصومة بين الزوجين الى حد لا يتجدي فيه محاولة الاصلاح . وقد عُرف الطلاق من قديم ، فكان للمرأة عند العرب في جاهليتهم طلاق وعدة ومراجعة في العدة . لكنه لم يكن للطلاق حد ولا عدد ، فكان الرجل يطلق زوجته ثم يطلقها الى غير حد . تطليق فمراجعة ثم تطليق فمراجعة وهكذا ، لا يتركها لتتزج غيره فتستريح ولا يثوب الى رشده فحيسن عشرتها ، وانما يتخذها ألعوبة في يده .
فأنزل الله تعالى : { الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } والمعنى ان الطلاق المشروع ، عند تحقق ما يبيحه ، يكون على مرتين ، مرة بعد رمة . فاذا ما طلق الرجل زوجته المرة الأولى أو الثانية كان عليه إما ردّها الى عصمته مع احسان عشرتها ، وهذا هو الامساك بالمعروف ، وإما ان يتركها تنقضي عدتها وتنقطع علاقتها به ، وذلك هو التسريح بالاحسان . فان عاد الزوج بعد ان راجعها من الطلاق الثان وطلقها ثالثة حرمت عليه ، حتى تتزوج من غيره ويطلقها الأخير وتنقضي عدتها منه . بذلك تكون المدة التي انفصل عنها الأول فيها لا تقل عن ستة أشهر ، وبعد ذلك يجوز له ان يتزوجها ان ارادت .
{ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً . . . } الآية لا يحل للرجل ان يسترد شيئاً من صداقٍ أو نفقة أنفقها على زوجته في مقابل طلاقها ، ما لم تجد هي أنها كارهة لا تطيق عشرته وتخاف معه ان تخرج عن حدود الله ، فهنا يجوز لها ان تطلب الطلاق مه ، وان تعوضه عن تحطيم بيته . وذلك بأن ترد المهر الذي دفعه لها أو بعض النفقة عليها أو كلها .
وهكذا يراعى الاسلا م جميع الحالات الواقعية التي تعرض للناس ، ويراعى مشاعر القلوب التي لا حيلة للانسان فيها ، ولا يجبر الزوجة على حياة تنفر منها . وفي الوقت ذاته لا يضيع على لرجل ماله بلا ذنب جناه .
وأول حادث حدث في الاسلام من هذا القبيل أن جميلة بنت أُبَيّ بن سلول كانت زوجة لثابت بن قيس ، وقد جاءت الى رسول الله وقالت له : يا رسول الله ، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدا ، إاني رفعت جانب الخباء ، فرأيته أقبلَ في عندة من الرجال فاذا هو أشدّهم سواداً وأقصرهم قامة ، وأقبحشهم وجها . وقال ثابت : يا رسول الله ، إني أعطيتها أفضل مالي ، حديقة ، فلترد على حديقتي . قال : ما تقولين؟ قالت : نعم ، وان شاء زدته . ففرق النبي بينهما . وهذا معنى قوله تعالى { أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } وهو ان يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها ، فإذا ظهر ذلك حلّ له ان يأخذ ما اعطته من فدية على فراقها .
هذا ما سماه الفقهاء « خلعا » وهو طلاق ، عدته كعدته . (1/131)
تلك حدود الله ، أوامره ونواهيه ، فلا تتجاوزوا ما أحلّه لكم الى ما حرمه عليكم . ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون لأنفسهم . والذي يظلم زوجته يكون قد خان امانة الله . وظلم بذلك نفسه . والرابطة الزوجية امتن الروابط وأحكمها ، وهي أساس بناء المجتمع . ولقد حذّر النبي الكريم النساء من الإساءة الى أزواجهن ، فقد روى احمد والترمذي والبيهقي عن ثوبان انه صلى الله عليه وسلم قال : « أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة » .
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)
لقد دخل تفسير هذه الآية الكريمة في الآيى التي قبلها « الطلاق مرتان . . » وملخصه : إن من طلّق زوجة مرّتين بعدهما رجعتان ثم طلقها ثالثة حَرُمت عليه حتى تتزوج من غيره ويطلقها الأخير فتعتد منه . (1/132)
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)
بلغن اجلهن : آخر عِدتهن . (1/133)
ولا تمسكوهن ضِراراً : أي قصدَ الإضرار بهن .
واذا طلقتم النساء وقرب انتهاء عدتهن ، فاعزموا احد الأمرين : امساك بالمعروف ، قاصدين اقامة العدل وحسن العشرة . أو طلاق بالمعروف حتى تذهب المرأة في حال سبيلها . ولا تمسكوهن ضِراراً لتعتدوا . اذ لا يجوز ان يكون القصد من المراجعة إلحاق الضرر بها حتى تلجئوهنا الى افتداء نفسها . من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه في الدجنيا . بسلوك طريق الشر وحرمان نفسه سعادة الجياة الزوجية . واستحق سخط الله عليه .
{ وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً }
وفي هذا وعيد لمن يتهاون في الأحكام التي شرعها الله لعباده .
{ واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } بتنظيم الحياة الزوجية تنظيما عاليا ، وبما انزل عليكم من كتاب مبين للرسالة المحمدية وما فيها من حكم وقصص تتعظون بها وتهتدون .
{ واتقوا الله } بامتثال أمره ونهيه في أمر النساء وتوثيق الصلة الزوجية .
{ واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه شيء مما يُسرّ العبد أو يعلنه وهو مجازيكم بما كنتم تعلمون .
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)
فلا تعضلوهن : لا تمنعوهن عن الزواج . أزكى : أطهر . (1/134)
كان من عادات العرب في الجاهلية ان يتحكم الرجال في تزويج النساء ، إذ لم يكن يزوّج المرأة الا وليُّها ، وقد يزوجها بمن تكره ، ويمنعها ممن تحب ، ولمصلحته هو .
اخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن معقل بن يسار قال : كان لي أخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها أياه . فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت عدتها . ثم خُطبت إلي فأتاني مع الخُطاب يخطبها ، فقله له : خُطبت إليّ فمنعتها الناس فآثرتك . ثم إنك طلقتها طلاقا لك فيه رجعة . فلما خُطبت إليَ أتيتني تخطبها مع الخطاب! والله لا ترجع إليك أبدا .
وكان لا بأس به ، وكانت المرأة تريد ان ترجع اليه ، فعلم الله حاجته اليها وحاجتها الى بعلها فأنزل الله الآية . قال/ ففيَّ نزلت ، فكفّرت عن يميني وأنكحتها اياه .
ومعنى الآية : يا أيها الذين آمنوا اذا طلقتم النساء وانقضت عدتهنّ وأراد أزواجهن أو غيرهم أن ينكحوهنّ وأردن هن ذلك فلا تمنعوهن من الزواج . هذا اذا رضي كل من الراجل والمرأة بالآخر زوجا ، على حسن العشرة . ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله وباليوم الآخر ، وهو أدعى الى تنمية العلاقات الشريفة في مجتمعكم وأطهر في نفوسكم من الادناس والعلاقات المريبة . والله يعلم من مصالح البشر وأسرار نفوسهم ما لا تعلمون .
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
الحول : العام . الوسع : ما تتسع له القدرة . الفصال : الفطام . (1/135)
على جميع الوالدات ، مطلقات او غير مطلقات ، أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين ، ويجوز انقاص هذه المدة برضى الوالدين اذا رأيا ذلك من مصلحة المولود .
والآية تفيد وجوب الإرضاع على الأم ولا يكون الاسترضاع الا حيث لا يمكنها ذلك . وقد اتفق الفقهاء على وجوب الإرضاع عليها ديانةً ، لأن لبن الأم هو الغذاب الأمثل للمولود . والرضاعة تفيد الام ولا تضرها الا في أحوال شاذة يقررها الطبيب الامين الموثوق .
والفطام الطبيّ يكون تدريجيا ، ويجوز أن يفطم الصغير لأل من عامين كما قدمنا اذا كانت صحته تعاونه .
{ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف } بما ان الوالدات حملن للوالد وأرضعن له ، فعليه ان ينفق عليهن ما فيه الكفاية من طعام وشراب وكسوة ، وذلك ليقمن بحق الولد ويحفظنه ويرعينه . ويكون ذلك الانفاق حسب البيئة التي تعيش فيها المرأة ولا تلحقها منه غضاضة في نوعه ، ولا في طرق أدائه . وهو على قدر طاقة الوالد بلا إسراف ولا تقتير .
{ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } ولا ينبغي ان يكون ذلك الانفاق سبباً في إلحاق المولود ضرراً بأمه بأن يهضم حقها في نفقتها ، ولا سبباً في الحاق الضرر بأبيه بأن يكلَّف فوق طاقاته . واذا مات الأب او كان فقيراً عاجزا عن الكسب كانت النفقة على وارث الولد لو كان له مال . فان رغب الوالدان بالتراضي في فطام الطفل قبل تمام العامين فلهما ذلك ، لأنهما صاحبا الحق المشترك في الولد . وان شئتم أيها الآباء ان تتخذوا مراضع للأطفال غير امهاتهم فلا مانع من ذلك اذا أرديتم لهن الأجور المتعارف عليها لأمثالهن ، والا فإن المرضع لن تهتهم بالطفل ولا بارضاعه ، ولا نظافته . واتقوا الله فلا تفرّطوا في شء من هذه الأحكام وراقبوه في اعمالكم ، واعلموا انه مطلع عليها مجازيكم بها .
القراءات :
قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب « لا تضار » بالرفع .
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)
والذين يُتوفون منكم ايها الرجال ويتركون زوجات لهم ، فعلى الزوجات ان يمكثن بعدهم دون تعرض للزواج مدة اربعة اشهر وعشر ليال قمرية . وذلك حتى يَتبين ان هذه غير حامل . وكانت المرأة في الجاهلية تلقى الكثير من العنت من الأهل والناس بعد وفاة زوجها . كانت اذا ترمّلت دخلت مكاناً رديئاً ولبست شر ثيابها ولم تمسّ طيباً ولا زينة طيلة سنة . وبعد ذلك تخرج ، وتقوم بعمل بعض الشعائر السخيفة فتأخذ بعرة وتقذفها ، وتركب دابة ، وأشياء أخرى مثل هذه السخافات . فلما جاء الاسلام خفف عنها وجعل المدة اربعة أشهر وعشرة أيام . فاذا انتهت المدة فلا يجوز لأحد ان يمنعها ان تمارص عملها ، وتتزوج من تشاء . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } اي محيط بدقائق اعمالكم . فاذا جعلتم نساءكم تسير على نهج الشرع الشريف صلحت أحوالكم وسعدتم في دنياكم وأحسن الله جزاءكم في أُخراكم . (1/136)
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)
لا جناح : لا اثم . خطبة النساء ، بكسر الخاء : طلب الزواج منهنّ . أكْنَنْتُم : أخفيتم . (1/137)
ولا اثم على الرجال ان يلمّحوا للمرأة أثناء العِدة بالرغبة في الزواج ، ولا فيما يكتمه الرجل في نفسه من رغبة في الزواج من المرأة ، اثناء عدّتها . ان الله يعلم ان الرجال لا يصبرون عن التحدث في شأنهن ، ولهذا أباح التعريض دون التصريح . ولكن لا يجوز ان تواعدوهن على الزواج سراً ، فإن المواعدة على هذه الحال مظنّةٌ للقيل والقال .
{ إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } لا يستحي منه أحد من الناس . فقد أخرج الطبري عن ابن المبارك عن عبدالرحمن بن سليمان عن خالته سكينة بنت حنظلة ، قالت : دخل عليَّ محمد بن علي زين العابدين ( المعروف بالإمام الباقر ) وانا في عِدّتي فقال : يا ابنة حنظلة انا من علمتِ قرابتي من رسول الله ، وحقّ جدّي عليٍّ وقدمي في الاسلام . فقلت : غفر الله لك يا ابا جعفر ، اتخطبني في عدتي ، وانت يؤخذ عنك؟ قال : أوَقد فعلت؟ انا اخبرتك بقرابتي من رسول الله وموضعي . وقد دخل رسول الله على أم سلمة بعد وفاة زوجها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله فما كانت تلك خِطبة .
{ وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } ولا تبرموا عقد الزواج حتى تنقضي العدة . واذا وقع العقد فانه يكون باطلا . واعلموا ان الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز ، فاحذروا ولا تقدموا على ما نهاكم عنه ، ولا تيأسوا من رحمته ان خالفتم ، إنه واسع المغفرة حليم لا يعجَل بالعقوبة امهالاً لإصلاح زلاّتكم .
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)
لا جناح : لا حرج ، ولا تبعة . مال تسموهن : ما لم تدخلوا بهن . الفريضة : المهر . متعوهن : اعطوهن عطية ينتفعن بها . الموسع : الغنيّ . الفقير . متاعاً : حقاً ثابتا . المعروف : ما يتعارف عليه الناس . الذي بيده عقدة النكاح : الزوج . الفضل : المودة والصلة . (1/138)
مازال الحديث في قضايا الطلاق ، وهنا يوضح لنا سبحانه وتعالى حالتين من صور الطلاق قبل الدخول :
الأول : لا ذنب عليكم ان طلّقتم النساء من قبل ان تدخلوا بهن أو تفرضوا لهن مهرا ، فإن حدث ذلك من احدكم فلميتّع المرأةَ بعطيّةٍ منه على قدر طاقته ، الغني بحسب قدرته ومروءته ، والفقير كذلك .
وهذه المتعة واجبة للمطلَّقة قبل الدخول التي لم يسمَّ لها مهر . والحكمة في شرعها ان في الطلاق قبل الدخول سوءَ سمعة للمطلقة ، فاذا هو اعطاها عطية قيّمة تزول هذه الغضاضة ، وتكون شهادة لها بأن سبب الطلاق كان من قِبله هو ولا علة فيها .
الحالة الثانية : اذا عقد رجل على امرأة وسمى لها مهرا ثم طلقها قبل ان يدخل بها ، فيجب عليه في هذه الحالة ان يدفع لها نصف المهر المسمّى . ثم يترك القرآنُ الأمر بعد ذل للمروءة والسماحة والفضل ، فللزوجة ان تعفو اذا ارادت وتتنازل عن حقها أو بعضه ، وللزوج ان يعفو عن باقي المهر ، وحينئذ تأخذ الزوجة المهر كاملا .
ثم أتبع ذلك تعالى بعبارات رقيقة جميلة { وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } فيحث على استبقاء المودة بأن يتسامح الطرفان ويعفوا عن هذه المادة الزائلة حتى تبقى القلوب صافية نقية موصولة بالله . وختم الله الآية بقوله : { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
القراءات :
قرأ حمزة ، والكسائي « تماسوهن » بضم التاء ومد الميم في جميع القرآن . وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان « قدره » بفتح الدال .
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238)
الوسطى : الفضلى . تأتي بمعنى المتوسط بين شيئين . قانتين : خاشعين لله ذاكرين . (1/139)
في اثناء الكلام على تنظيم الأسرة يذكّرنا تعالى بالمحافظة على الصلاة ، عماد الدين ، فيقول : داوِموا على الصلوات الخمس جميعا وحافظوا عليها . ثم إنه أكد على الصلاة الوسطى وهي صلاة العصر ، لأنها في أواخر النهار حين ينتهي الإنسان من عمله اليومي فيقف بين يدي الله متضرعاً للخير وشاكرا على ما رزقه ووفّقه . وقيل في الصلاة الوسطى هي الظهر والمغرب والعشاء والفجر ، وكلها بين صلاتين .
وهناك من قال ان الصلاة الوسطى هي الصلاة الفضلى المتقنة التي أقيمت وأُديت على أحسن وجه .
{ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ } أي خاشعين منصرفين بكل مشاعركم . وقد روى احمد والشيخان عن زيد بن أرقم قال : « كنا يكلّم الرجل منا صاحبه وهو الى جنبه في الصلاة ، حتى نزلت الآية { وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ } فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)
فان أدرك وقت الصلاة في مكان فيه خوفٌ من عدوّ أو لص ، وخفتم على أنفسكم أو اموالكم فلا تتركوا الصلاة ، بل صلّوها كيفما تيسَّر لكم ، مشاة أو راكبين ، فاذا زال الخوف عنكم فصلّوا الصلاة على أصولها ، واذكروا الله كما علّمكم على لسان نبيكم . (1/140)
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)
يذرون : يتركون . وصية : أي يوصون وصية . (1/141)
وعلى الذين يُتوفون منكم ويتركون زوجات لهم بعدهم ، أو يُوصون لهن ان يٌقمن في بيت الزوجية مدة عام كامل ، لا يجوز لأحد ان يخرجهن منه في ذلك العام . . . عليهم ان يوصوا لهن بشيء من المال في تلك المدة .
فإن خرجن من تلقاء أنفسهن قبل ذلك فلا اثم عليكم ايها الاولياء أن تتركوهن يتصرفن في أنفسهن بما لا ينكره الشرع ، والله عزيز غالبٌ على أمره . يعاقب من خالفه ، وحكيمٌ يراعي في احكامه مصالح العباد .
وللنساء اللاتي يطلَّقن بعد الدخول حقٌ في ان يعطَين ما يتمتعن به من المال ، جبراً لخاطرهن ، يُدفع إليهن بالحنسى على قدر حال الزوج .
والخلاصة المطلَّقات أربعة أصناف .
1 ) مطلقة مدخول بها وقد فُرض لها مهر ، وهذه لها كل المهر المفروض .
2 ) مطلقة غير مدخول بها ولم يسمَّ لها مهر ، وهذه يجب لها المتعة بحسب حال الزوج ، ولا عدة لها .
3 ) مطلقة مفروض لها مهر وغير مدخول بها . ولها نصف المهر المسمى ، ولا عدة لها .
4 ) مطلقة مدخول بها غير مفروض لها مهر . وهذه تأخذ مهر مثيلاتها من اسرتها وقريباتها .
هكذا يبين الله لكم آياته بما فيها من التشريعات المحققة للمصحلة لتتدبروها وتعلموا بما فيها .
القراءات :
قرأ ابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم « وصية » بالنصب ، وقرأ الباقون « وصية » بالرفع .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)
مر بنا كثير من القصص الأمم السابقة ، اختارها سبحانه وتعالى لينبه الناس الى ما فيها من العبر . وقد وردت هذه القصص مجملة مختصرة مثل قصص قوم نوح وعاد وثمود ، وكانت العرب تتلقاها أباً عن جد ، ومثل قصص ابراهيم وأنبياء بني اسرائيل ، والتي كانت مألوفة لأسماعهم لمخالطتهم اليهود في قورن كثيرة . (1/142)
وهنا يقص علينا القرآن خبر قوم لم يسمّهم ولم يَرِدْ فيهم خبر صحيح . وقد قال عدد من المفسرين ان هذا مثلٌ ضربه الله لا قصة واقعة . والمقصود منه تصحيح التصور عن الحياة والموت ، وحقيقتهما الخافية ، وردّ الأمر فيهما الى قدرة الله ، والمضيّ في حمل التكاليف والواجبات .
روي عن ابن عباس ان الآية عُني بها قوم كثيرو العدد خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد فأماتهم الله ، ثم أحياهم ، وأمرهم ان يجاهدوا عدوهم . فكأن الآية ذُكرت ممهدةً للأمر بالقتال بعدها في قوله تعالى { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . وعلى هذا يكون معناها : ألم تعلم يا محمد هذه القصة العجيبة؟ وهي حالة القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الجهاد خشية الموت ، فقضى الله عليهم بالموت والهوان من أعدائهم . حتى إذا استبسلت بقيتهم وقامت بالجهاد أحيا الله جماعتهم به .
والخلاصة ان موت الأمة يكون بتسليط الأعداء عليها والتنكيل بها ، جزاء تخاذلها وتفرقها كما هو حاصل للعرب اليوم . اما إحياؤها فيكون بفعلٍ جماعة مؤمنة من أبنائها تسترد قواها وتعيد لها ذلك المجد الضائع والشرف المسلوب . وهو أيضاً حاصل للعرب .
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)
والأمر بالجهاد هنا يوضح أن الآية السابقة جاءت مثلاً للتذكير وتفهيم الناس ان الجبن والبخل والخوفَ مِن مسببات ضعف الأمم وموتها . فاذا علمتم يا أيها الناس ان الفرار من الموت لا ينجي منه ، فجاهدوا في سبيل الله ، وابذلوا أنفسكم لإعلاء كلمته ، واعلموا ان الله يسمع ما يقول المخلفون منكم وما يقول المجاهدون . (1/143)
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)
بما ان الجهاد يحتاج الى المال ، وقد أمر سبحانه في الآية السابقة بالجهاد فقد حث هنا على بذل المال فيما يُعين عليه . والله تعالى يقول : ان المال الذي ينفَق في سبيل الله لا يذهب سدى ، بل هو دَين عند الله ، يضمنه ويضاعفه أضعافاً كثيرة ، في الدنيا مالاً وبركة وسعادة ، وفي الآخرة نعيماً مقيماً في جنات الخلد . (1/144)
{ والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } هو الذي يعطي ويمنع ، يضيّق على من يشاء من عباده في الرزق ، ويوسعه على آخرين . لذلك لا تبخلوا في الانفاق في سبيله بما وسّع عليكم ، واعلموا ان المنفِق في هذا السبيل انما يدافع عن نفسه ، ويحفظ حقوقها . والاسلام دين التكافل الاجتماعي بحق ، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } والحديث الشريف « مَثَل المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » الى غير ذلك من الآيات والأحاديث .
{ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وعندها يوفي الله كل انسان بحسب ما قدم من خير أو شر .
القراءات :
قرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر « يبصط » بالصاد ، ومثلَ ذلك في سورة الأعراف في { وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَسْطَةً } .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
الملأ : القوم . كتب : فرض . اصفطاه : اختاره . السعة : الغنى . البسطة في الجسم : العِظم والضخامة . (1/145)
يبين لنا الله تعالى هنا في هذه القصة ، كما في معظمم الآيات المتعلقة باليهود ، نفسية بني إسرائيل وتعنتهم . فبعد موسى اجتمع أهل الرأي فيهم الى نبي لهم لم يسمّه القرآن وطلبوا اليه ان ينصّب علهيم ملكاً ليقاتلوا تحت رايته . فقال لهم نبيهم وقد أراد ان يستوثق من صدق عزيمتهم : الا يُنتظر منكم ان تجبُنوا عن القتال اذا فرض عليكم؟ فأنكروا ان يقع ذلك منهم قائلين : وكيف لا نقاتل لاسترداد حقوقنا وقد أخرجَنا العدوّ من أوطاننا ، وتركْنا أهلنا وأولادنا! فلما أجاب الله رغبتهم وفرض عليهم القتال أعرضوا عنه وتخلّفوا ، الا جماعة قليلة منهم .
وكان إعراضهم وتخلفهم هذا ظلماً منهم لأنفسهم ونبيِّهم ودينهم ، والله عليم بالظالمين .
وقال لهم نبيّهم : ان الله استجاب لكم فاختار طالوت ملكاً عليكم . فاعترض كبراؤهم على اختيار الله قائلين : كيف يكون طالوت ملكاً علينا ونحن أولى منه! انه ليس بذي نسب ، فليس هو من سلالة الملوك ولا النبوة ، وليس له مال . وهذا هو مقياس الأولوية عندهم .
فردّ عليهم نبيهم قائلا : ان الله اصطفاه من بينكم لأن فيه صفات ومزايا أهمَّ من المال والنسب . وهي السعة في العلم ، للتدبير وحسن القيادة ، والخبرة بشؤون الحرب وسياسة الحكم ، مع قوة الجسم . السلطانُ بيد الله يعطيه من يشاء من عباده ولا يعتمد على وراثة أو مال ، والله واسع عليم .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)
التابوت : صندوق فيه التوراة . السَّكينة : ما تسكن اليه النفس ويطمئن به القلب . يطعمه : يذوقه . الطاقة : أدنى درجات القوة . الفئة : الجماعة . (1/146)
في هذه الآيات الكريمة بقية قصة النبي الاسرائيل الذي لم يُسّمَّ مع قومه ، فقد قال لهم : ان دليل صدقي على ان الله اختار طالوت ملكاً عليكم هو ان يأتيكم بالتابوت الذي سُلب منكم تحمله الملائكة ، وفي هذا التابوت بعض آثار آل موسى وآل هارون كالتوراة والعصا والألواح وأشياء أخرى توارثها علماؤكم . وفي ذلك علامة على عناية الله بكم ، ان كنتم مؤمنين .
فلما خرج طالوت من البلد يصحبُه جنوده الكثيرون عطشوا ، فقال لهم طالوت : ان ا لله مختبركم بنهرٍ في طريقكم ، فلا تشربوا منه بل اغرفوا بأيديكم قليلا منه فقط ، فمن شرب منه أكثر من غَرفة فانه ليس من جيشنا ، لخروجه عن طاعة الله فلم يصبروا على هذا الاختبار وشربوا إلا جماعهة قليلة صبرت وأطاعت . فاصطحب طالوت هذه القلة الصابرة واجتاز بها النهر . فلما ظهرت لهم كثرة عدوّهم قالوا : لن نستطيع اليوم ان نقاتل جالوت وجنوده ، لكثرتهم وقلّتنا . فقال نفر منهم ثبَّتَ الله قلوبهم : لا تخافوا ، كم من جماعة قليلة مؤمنة غلبت جماعةً كثيرة كافرة بإذن الله ، والله مع الصابرين .
وقد دعوا الله عندما برزوا اللحرب أن يثّبت أقدامهم ، وينصرهم على أعدائهم الكافرين . فهزوا عدوّهم بإذن الله تعالى . وكان في الجيش داود النبي فقتل جالوتَ قائ الكفار ، وأعطاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء .
تلك آيات الله نقصّها عليك أيها الرسول الكريم بالحق والصدق لتكون لك أسوة ودليلاً على صدق رسالتك ، ولتعلم أننا سننصرك كما نصرنا مَن قبلك من المرسلين ، كيما علم بأن الكثرة لا قيمة لها اذا لم تكن منظمة مؤمنة ، وان الايمان بالله والعمل الصادق هما القوة الحقيقية .
القراءات :
قرأ ابن عامر والكوفيون : « غرفة » بالضم ، الباقون : « غرفة » بالفتح .
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)
هؤلا ء الرسل المشار اليهم بقوله : { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } فضّلنا بعضهم معلى بعض في مراتب الكمال ، ومع انهم كلَّهم رصل الله ، وهم جديرون ان يقتدى بهم ، ويهتدى بهديهم فقد امتاز بعضهم عن بعض بخصائص : في أنفسهم ، وفي شرائعهم وأممهم . فمنهم من كلّمه الله مثل موسى ، ومنهم من رفعه الله الى درجات الكمال والشرف مثل محمد ، الذي اختص بعموم الرسالة ، وكمال الشريعة وختم الرسالات . وآتينا عيسى بن مريم البيّنات ، وأمددناه بالمعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وأيدناه بروح القُدس . (1/147)
وقد جاء هؤلاء الرسل بالهدى ودين الحق . وكان مقتضى هذا ان يؤمن الناس جميعا ، ولا يختلفوا ولا يقتتلوا . ولو شاء الله ما فعلوا ، ولكن الله لم يشأ ذلك . لهذا اختلفوا ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر . والله يفعل ما يريد لحكمة قدّرها .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
خلة : صداقة ومودة . (1/148)
يا أيها المؤمنون بالله واليوم الآخر ، أنفقوا من بعض ما رزقكم الله في وجوه الخير ، فهو الذي ينجيكم يوم القيامة ، يوم لا تستطيعون ادراك ما فاتكم في الدنيا ، ولا بيع ولا شراء ، يوم لا تنفع صداقة ولا شفاعة دون اذن الله ، ولا يستطيع احد ان يفدي احدام . إن الكافرين هم الذين ظهر ظلمهم يومذاك ، ولسوف يندمون على ما علموا حيث لا تنفع الندامة .
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
القيوم : الدائم القيام بتدبير خلقه . لا تأخذه : لا تستولي عليه . سنة : فتور يتقدم النوم ، نعاس . الكرسي : إما العرش ، أو العِلم الالَهي . يئوده : يثقله . (1/149)
في هذه الآية الكريمة التي اشتهرت باسم آية الكرسي تقرير أصول الدين في توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد عظيم سلطانه ، ووجوب طاعته ، والوقوف عند حدوده . وقد جمعت هذه الآية أصول الصفات الالَهية ايضاً ، فهو واحد حيّ ، قيُّوم لا يصيبه نعاس ولا نوم ، له ما خفي من العالم وما بطن ، مطلق التصرف لا يَرُدُّ حُكمه شفيع ، عالم بخفيّات الأمور لا يستطيع أحد ان يدرك شيئاً من علمه الا ما أراد ان يُعلم به من يرتضيه ، وسع علمُه كل شيء في السموات والأرض ، ولا يشقّ عليه حفظهما وتدبيرهما ، وهو العلي العظيم .
وانها لآيةٌ تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله ، حتى لا تدع موضعاً للغرور بالشفعاء . هي آية جليلة الشأن ، عميقة الدلالة . وقد ورد في حديث أخرجه الإمام احمد عن أسماء بن يزيد « إنها أعظم آية في كتاب الله وانها مشتملة على اسم الله الأعظم » .
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
تبين : ظهر ووضح . الرشد : بالضم والرشد ، والرشاد : الهدى وكل خير . الغي : الجهل . الطاغوت : الشيطان ، وكل ما يُعبد من دون الله . العروة ، من الدلو أو الكوز ، مقبضه . الوثقى : الوثيقة المتينة . . والمراد بها هنا الايمان بالل . الانفصام : الانقطاع ، والانكسار . (1/150)
لا يُكره احد على الدخول في الاسلام ، فقد وضح طريق الحق والهدى من طريق الغي والضلال . فمن هداه الله لأن يدخل في الدين ويكفر بالأوثان وكل ما سِوى الله ، فقد استمسك بأمتن وسائل الحق ، التي لا تنقطع ، كما اعتصم بطاعة الله فلا يخشى خذلانه إياه عند حاجته اليه في الآخرة .
وهذه الآية من أكبر الحجج التي تبيّن عظمة الإسلام ، فهي نص صريح على ان مبدأه هو حرية الاعتقاد . وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان واحترام ارادته ومشاعره . لقد ترك أمره لنفسه فيما يختص في الاعتقاد . وحرية الاعتقاد هي أو حقوق الانسان . ومع حرية الاعتقاد هذه تتمشى الدعوةى للعقيدة . ان الإسلام هو الدين والوحيد الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين ، والذي يبين لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه غيرهم على اعتناقه .
روى الطبري عن ابن عباس ان رجلاً من الأنصار يقال له الحصيني كان له ابنان نصرنيان ، وكان هو مسلما ، فقال للنبي : ألا أُكرهمما على الاسلام؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية .
اما الذين يقولون ان الاسلام قد انتشر بالسيف ، فإنهم من المغرضين المفترين على الله . ذل أن الجهاد في الإسلام انما فُرض لرد الاعتداء ولحماية العقيدة ، لا ليكرِه أحداً على الإسلام .
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
الله متولي شئون المؤمنين ، يخرجهم من ظلمات الشك والجهل والحيرة المؤدية الى الكفر ، الى نور الحق والاطمئنان وهو الإيمان . والكافرون أولياؤهم الشياطين ودعاة الشر والضلال ، يخرجهم من امكانية تقبّل نور الإيمان الى واقع ظلمات الكفر والضلال . انهم أهلُ النار هم فيها خالدون . (1/151)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)
حاج : جادل . بهت : انقطع وسكت متحيرا . (1/152)
ألم ينته الى علمك يا محمد قصة ذلك الملك الجبار الذي ادعى الربوبيّةَ وجادل ابراهيم خليل الله ، في الوهية ربه ووحدانيته . لقد أبطره الملك فحمله على الاسراف والاعجاب بقدرته ، حتى جادل ابراهيم ، فعندما قال له ابراهيم : ان الله يحيي ويميت ، وذلك ينفخ الروح في الجسم واخراجها منه قال الملك : أنا أيضاً أحيي وأميت ، أعفو عمن حُكم عليه بالاعدام فأحييه ، وأميت من شئت إماتته فآمرُ بقتله .
فقال ابراهيم ليقطع مجادلته : ان الله يُطلع الشمس من المشرق ، فان كنت تستطيع ان تغير شيئاً من نظام هذا الكون فأطعل لنا الشمس من المغرب . عند ذاك بُهت الملك وانقطع ، وسكت متحيرا . ومع هذا بقي على غيه وضلاله وقال : ان هذا انسان مجنون فأخرِجوه ، ألا ترونه قد اجترأ على آلهتكم؟ والله لا يهدي القوم الظالمين الى اتباع الحق .
القراءات :
قرأ حمزة « رب » بحذف الياء . وقرأ نافع « أنا » من غير ان يمد الألف .
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)
القرية : معروضة ، وقد تطلق على البلد الكبير . وهنا لم يحدد مكانها ، ولم يرد خبر صحيح عن مواضعها . خاوية على عروشها : خالية وساقطة على سقوفها . ويقال العروش هي الأبنية أيضا . لم يتسنّه : لم يتغير ولم يفسد ننشزها : نجعلها ترتفع ، ثم نكسوهنا اللحم . (1/153)
في هذه الآية الكريمة والتي بعدها يعرض علينا الله سبحانه وتعالى أسرار الحياة والموت . فالموتُ نتيجة حتيمة لهذه الحياة ، بل هو ظاهرة طبيعية مكلمة لصفات الكائن الحي . فكما تتصف الأحياء بالنمو والتكاثر والحركة تتصف أيضاً بالضعف والفناء .
وبين الآية السابقة { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ } وهذه الآيةِ عطف . فيقول : ألم تعلم بهذه القصة العجيبة ، قصة ذلك الرجل الذي مر على قرية متهدمة سقطت سقوفها وهلك أهلها ، فقال متعجبا : كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتهم! وكيف تعمرُ هذه القرية بعد خرابها! فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه حتى يبيّن له سهولة البعث على الله . وبعد ذلك سُئل : كم المدة التي لبثْتَها ميتا؟ قال ، وهو لا يعلم : قد مكثت يوما أو بعض يوم . فقال له الله : بل مكثتَ مائة عام . ثم وجّه نظره الى أمر آخر من دلائل قدرته فقال لهك انظر الى طعامك لم يفسد ولم يتغير ، وكذلك شرابك . وانظر الى حمارك أيضاً كيف نخرتْ عظامه وتقطعت أوصاله حتى تستيقن طول المدة الي مكثتها وتؤمن بالإحياء بعد الموت . ولنجعلَكَ آيةً ناطقة للناس بالبعث . انظر الى العظم نركّبه ونجعله ينمو ثم نكسوه اللحمن ثم ننفخ فيه الروح فتتحرك .
لقد أطلعناك على بعض آياتنا الدالة على قدرتنا على البعث ، لتعلم ان الله تعالى قادر على ان يعيد العمران للقرية ويعرها بالناس والحيوان . وأن ذلك القادر على الإحياء بعد مائة عام وهو قادر عليه بعد آلاف السنين . و { كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } . فلما ظهر له إحياء الميت عياناً قال : إن الله على كل شيء قدير .
القراءات :
قرأ حمزة والكسائي « لم يتسن » بغير الهاء . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب « ننشرها » بالراء المهملة من أنشر ، وقرأ حمزة والكسائي : « اعلم » بصيغة الأمر .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
بَلى : نعم . صرْهن : اضممهن . سعيا : مسرعات . (1/154)
وهذه الآية تتعلق بالحياة والموت أيضاً .
واذكر يا محمد قصة ابراهيم يوم قال لربه : أرني يعيني كيف يكون إحياء الموتى ، فقال له تعالى : أَوَلمْ تؤم بأني قادر على إحياء الموتى . ؟ قال : بلى ، علمت وصدّقت ، ولكن ليزداد إيمامني ويطمئن قلبي . قال : خذ أربعة من الطير الحي فضمها اليك ثم جزِّئهنّ بعد ذبحهن واجعل على كل جبل من الجبال المجاورة جزءا ، ثم نادهن فسيأتِينَك مسرعات وفيهن الحياة كما كانت ، واعلم ان الله لا يعجز عن شيء وهو ذو حكمة بالغة في كل شيء .
وهذه الأمور من المعجزات التي لا تحدث الا على أيدي الأنبياء . ولو أننا أنعمنا النظر يومياً فيما حولنا لرأينا كثيرا من المعجزات في أنفسنا وفي نظام هذا الكون والحياة ، لكنّا ألفنا هذه الأشياء ، وأصبحت عندنا أمورا عادية . ان كثيرا من المخترعات الحديثة لو أخبرنا عنها أحدٌ قبل مدة من الزمن لما صدقناه ، مع أنها من صنع الانسان ، فكيف بقدرة الله جل وعلا!
القراءات :
قرأ حمزة ويعقوب « فصرهن » بكسر الصاد ، وهي لغة أيضاً . وقرأ أبو بكر « جُزوا » بالواو .
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)
مر في الآيات المتقدمة الكلام على الحياة والموت والبعث ، وان الانسان لا ينفعه بعد الموت الا ما قدّم من عمل صالح ، وفي هذه الآيات وما يتلوها الى آخر السورة تقريباً يبين الله تعالى لنا قواعد النظام المالي والاقتصادي الاسلا مي . (1/155)
مثَل الذين ينفقون المال يبتغون به اللله وحسن ثوابه كمثل من يزرع زرعاً طيباً فتُنبت الحبة الواحدة منه سبع سنابل في كل سنبلة منها مائة حبة . وهذا تصوير جميل لكثرة ما يعطيه الله من الأجر على الانفاق في الدنيا ، والله يضاعف عطاءَه لمن يشاء ويزيد .
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الانفاق . ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . في الحديث القدسي « كل عمل ابن آدم يضاعَف ، الحسنة بعشرة أمثالها الى سبعمائة ضعف ، الا الصوف فإنه لي وأنا أَجزي به » .
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم عن ابن مسعود قال : جاء رجل بناقة مخطومة فقال : هذه في سبيل الله . فقال رسول الله : « لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة » .
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)
المن : ان يعُدَّ فاعل الخير ما فعله لمن أحسن إليه كأن يقول أعطيتك كذا وكذا ، وهو تكدير وتعيير . الأذى : ان يتطاول عليه بسبب إنعامه عليه . قول معروف : كلام جميل . رئاء الناس : مراءاة لأجلهم . صفوان : حجر أملس . الوابل : المطر الشديد . صلد : أملس . (1/156)
في هذه الآيات يعلّمنا الله آداب الصدقات ، بأن نؤديها عن طيب نفس ودون ان نمنّ على الذين تصدق عليهم ولا نؤذيهم ، وان الكلام اللطيف الرقيق خير من الصدق التي يتبعها أذى للمتصدَّق عليهم ، فالله غني عن صدقة يأتي بعدها الأذى والمن والتنكيد .
وقد حث القرآن الكريم على الصدقات والتصرف بالمال وانفاقه عن طيب نفس في آيات كثيرة ، وذلك حتى يقوم المجتمع على أساس التكافل مع الأُخوة والمحبة ، فيضل مجتمعاً سليماً متكافلا .
ان الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير المشروعة ولا يمنّون أو يتفاخرون على المحسَن اليهم ، ولا يؤذيهم بالكلام الجارح والتطاول لهم عند ربهم ثواب لا يقدَّر قدره ، ولا خوف عليهم حيث الناس ، ولا هم يحزنون يوم يحزن البخلاء الممسكون .
هذا ، وكلام طيب وردٌّ جميل على السائل تَطيب به نفسه لهو أنفع لكم وأعظم فائدة من صدقة فيها الأذى . والبشاشة في وجهه خير له من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو المقابلة . ان الله غني عن صدقةعباده ، فهو لا يأمرهم ببذل المال لحاجة منه اليه ، ولكن ليطهّرهم ويؤلف بين قلوبهم ، ويصلح شئونهم الاجتماعيّة .
ثم أقبل تعالى يخاطب المؤمنين وينهاهم نهياً صارماً عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى } اي لا تضيعوا ثوب صدقاتكم باظهار فضلكم على المحتاجين اليها ، فتكونوا كمن ينفقون أموالهم رياءَ أمام الناس ، بدافع الشهرة وحب الثناء . ان حال هؤلاء المرائين مثلُ حجر أملس عليه تراب ، نزل عليهن مطر شديد ، فأزال التراب وتركه صلداً لا خير فيه . وكما أن المطر الغزير يزيل التراب الّذي ينبت فيه الزرع عن الحجر ، فإن المن والأذى والرياء تبطل ثواب الصدقات . والله لا يهدي القوم الكافرين الى ما فيه خيرهم ورشادهم .
وفي هذا تعريض بأن الرئاءَ والمن والأذى على الانفاق لهي من صفات الكفار ، فعلى المؤمن ان يتجنب هذه الصفات .
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)
مرضاة الله : طلب رضوانهن . تثبتا من أنفسهم : لتمكين أنفسهم من مراتب الايمان والاحسان . الربوة : المكان المرتفع من الارض . آتت أُلكها : اثمرت واعطت انتاجها الجيد . (1/157)
بنعد ان ذكر سبحانه حال الذين ينفقون أموالهم رياء ثم يمنِّنون ويؤذون من أحسنوا اليهم ذكر في هذه الآية الكريمة حال المؤمنين الصاديقن الذين ينفقون أموالهم اتبغاء رضوان الله تعالى ، وتمكيناً لأنفسهم في مراتب الايمان . وقد جعلهم مثلَ بستان في أرض مرتفعة خصبة أصابه مطر جيد كثير فأعطى من الثمرات ضعفين ، وحتى لو جاءه مطر خفيف فانه يكتفي بذلك المطر .
وهكذا حال المؤمن الجواد المنفق ، ان أصابه خير كثير تصدّق وأنفق بسخاء عن طيب خاطر ، وان أصابه خير قليل انفق بقدر ما يستطيع . . فخيره دائم وبره لا ينقطع .
القراءات :
قرأ ابن عامر وعاصم « بربوة » بفتح الراء كما هو هنا والباقون « بربوة » بضم الراء . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو « اكلها » بتسكين الكاف .
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)
الجنة : البستان : الربوة : المرتفع من الارض . الاعصار : ريح شديدة عاصفة دوّامة . (1/158)
أيحب احد منكم ان يكون له بستان فيه نخل واعناب ، تجري بين أشجاره الأنهار فتسقيها ، وقد أثمر من كل الثمرات الطيبة ، والرجل عجوز أوهنته الشيخوخة وعنده أبناء صغار لا يقدرون على الكسب! وفي حين يرجو الرجل ان ينتفع من ارضه هذه اذا بإعصار فيه نار يحرقها عن آخرها! اذ ذاك يبقى هو وأولاده حيارى لا يدرون ما يفعلون .
كذلك شأن من ينفق ويتصدق ثم يُتبع الصدقة بالمنّ والأذى . انه يبطل ثوابه . وهو يأتي يوم القيامة وهو اشد حاجة الى ثواب مابذل ، لكنه يجد امامه اعصار الرياء والمن والأذى قد احرق صدقاته وجعلها هباء منثورا . بثمل هذه الأمثال الواضحة بيبن الله لكم اسرار شرائعه وفوائدها لتتفكروا فيها وتعتبروا بها .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)
لا تيمّموا : لا تقصدوا . تغمضوا : تتساهلوا . (1/159)
تبين لنا هذه الآية الكريمة نوع المال الذي نتصدق به وطريقة الصدقة .
يا أيها المؤمنون ، اذا تصدقتم فأنفقوا من جيد أموالكم : من كسبكم ، ومن أحسن الثمرات لتي تخرجها لكم أرضكم . إياكم ان تقصدوا الخبيث الرديء من أموالكم فتنفقوا منه . فلو قُدم إليكم لرفضتموه ، الا أن تُغمضوا فيه . . اي تتسامحوا وتتساهلوا بقبوله . واعلموا ان الله غني عن انفاقكم فلا يصله منه شيء ، وانما يأمركم به لمنفعتكم ، وهو مستحق لكل حمد ، يتقبل الطيبات ويجزي عليها بالحسنى .
وقد رُوي في نزول هذه الآيات عدة روايات . منها ما وراه ابن ابي حاتم عن البراء قال : نزلت فينا . كنا اصحابَ نخلٍ فكان الرجل منا يأتي من نخله بالقِنو ، فيعلقه في المسجد . كان أهلُ الصُفّة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم اذا جاع فضرب بعصاه ، سقط البُسر والتمر فيأكل . وكان اناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشَف والشيص ، ( نوع من رديء التمر ) فيعلّقه . فنزلت الآية . . فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده .
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)
الفحشاء : كل المعاصي . وهنا المراد بها البخل . المغفرة : الصفحة عن الذنب . الفضل : الرزق . (1/160)
الشيطان يخوفكم من الفقر ويغريكم بالبخل ويحاول ان يصرفكم عن صالح الاعمال ، حتى لا تنفقوا أموالكم في وجوه الخير ، بل في المعاصي . والله سبحانه وتعالى يضمن لكم على الانفاق في سبيله مغفرة وعفواً عن ذنوبكم في الآخرة ، وخلفاً من الجاه ، وسمعةً حسنة بين الناس ، ومالاً أزيَدَ مما انفقتكم ، في الدنيا . فأياً تتبعون! إن الله واسع الرحمة والفضل ، يحقق ما وعدكم به ، وعليم بما تنفقون فلا يضيع أجركم عنده .
وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من يوم يصبح العباد فيه ، الا وملَكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أَعطِ منفِقاً خلفاً ، ويقول الآخر اللهم اعط ممسِكاً تلفا » .
وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي انه قال : « ما نقصت صدقةٌ من مال ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ الا عِزاً ، وما تواضع أحد لله الا رفعه » .
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)
الحكمة : معرفة الأشياء ، واصابة الحق بالعلم والعمل . وتطلق الحكمة على العدل والنبوة ، والعلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاها . (1/161)
ان الله يعطي من أراد من عباده قدرة على معرفة الأشياء واصابة الحق في القوة والعمل ، ومن أُعطي هذه الحكمة فقد فاز بغنى الدارَين ونال خيرا كثيرا ، لأن الإنسان اذا ذاك يفعل الخير فينتظم له أمر الدنيا والآخرة . { وما يذكّر الا أولو الألباب } ولا يتعظ بالعلم ويتأثر به الا ذوو العقول السليمة والنفوس الطاهرة التي تدرك الحقائق وتستخرج منها ماهو نافع في هذه الحياة .
القراءات :
قرأ يعقوب « ومن تؤت الحكمة » بكسر التاء اي ومن يؤته الله الحكمة .
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)
النذر : التزام طاعة يتقرب بها العبد الى الله . (1/162)
الكلام هنا عام في جميع أنواع النفقات وأعمال الخير ، والنذور ، ومعناه : ان أي نفقة من طرفكم في الخير أو الشر ، ما أوجبتم على أنفسكم من النذور تقربا الى الله يعلمه الله ، ويجازي عليه إن خيراً فخير ، وان شرا فشر . ونحن نقول :
أما من كانت نفقته وصدقته رياء للناس ، ونذوره للشيطان فان الله يجازيه بالذي أوعده من العذاب ، ما للظالمين من اعوان ينصرونهم يوم القيامة .
والنذر فيما حرّمه الله لا يجوز ، فمن نذرَ فعل معصية حَرُمَ عليه عملها . . فلقد اخرج النسائي عن عمران بن الحصين عن رسول الله انه قال : « النذر نذران : فما كان من نذر في طاعة الله تعالى فذلك لله وفيه الوفاء ، وما كان من نذر في معصية الله تعالى فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ، ويكفّره ما كفر اليمين » .
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)
ان تظُهروا صدقاتكم خالية من الرياء والتصنع فأنعمْ بهذا العمل وأكرم به ، ذلك ان اظهارها يشجع الناس على ان يقتدوا بكم فتكونون أسوة حسنة . وهو عمل طيب يرضى عنه ربكم . (1/163)
وان اعطيتموها خفية وسراً حتى لا تُحرجوا الفقراء ، وخوفاً من تدخُّل الرياء ، فان ذاك افضل لكم ، وبه تنقص ذنوبكم يوم القيامة .
وقد قال اكثرُ العلماء بأفضلية السر على العلانية في صدقة التطوّع ، أما الزكاة المفروضة فالأفضل ان يعطيها علناً لأنها من شعائر الدين ، وهذه يجب اظهارها حتى يقتدى بها الناس . والله تعالى يغفر لكم من خطاياكم وذنوبكم بسبب اخلاصكم في صدقاتكم ، والله خبير بما تفعلون في صدقاتكم من الإسرار والإعلان .
القراءات :
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي « فنعم » بتفح النون وكسر العين ، وقرأ أبو بكر وابو عمرو وقالون « فنعم » بكسر النون وسكون العين .
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
الهدى : الرشا ، ضد الضلال . الخير : المال . ابتغاء وجه الله : في طلب رضاه . أحصروا في سبيل الله : حبسوا أنفسهم فوقفوها في سبيل الله . لا يستطيعون ضربا في الأرض : يعجزون عن التكسب في التجارة أو العمل . التعفف : منع النفس مما تريد من الشهوات . السيما : العلامة . إلحافاً : إلحاحاً . (1/164)
ليس عليك يا محمد هدى المشركين الى الإسلام حتى تمنعَهم صدقة التطوع ، ولا تعطيهم منها الا اذا دخلوا فيه . ما انت الا بشير ونذير . ان عليك الارشاد والحث على الفضائل ، والله يهدي من يشاء من خلقه الى الإسلام فيوفّقهم . ان أمْرَ الناس مفوَّض الى ربهم لا اليك ، فلا تمنعهم الصدقة .
اخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس قال : « كان النبي يأمرنا ان لا نتصدق الا على أهل الاسلام حتى نزلت هذه الآية » .
ويا أيها المسلمون : ان جميع ما تنفقونه من خير وتبذلونه من معونة لغيركم ، مهما كان دينه ، لكنم أنتم فائدته في الدنيا والآخرة . هذا اذا كنتم لا تقصدون بالانفاق الا ارضاء الله لا لأجل جاهٍ او مكانة ، وفي تلك الحال يعود اليكم ثوابه كاملاً دون نقصان .
ويكون هذا الانفاق للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد ، فشغَلهم ذلك عن الكسب من أي عمل ، أو لمن أصيب منهم بجراح اقعدته عن السعي في الأرض ، المتعففين عن السؤال حتى ان الجاهل بحالهم لَيحسبهم أغنياء من شدة تعففهم . ولأمثال هؤلاء علامة لا يعرفهم بها الا المؤمن الذي يتحرى في انفقاه عمن يستحقون ذلك . والله عليم بما تبذُلونه من معروف ، وسيجزيكم الله عليه الجزاء الأوفى .
قيل نزلت هذه الآية في أهل الصُّفة ، وكانوا اربعمائة رجل وقفوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله .
وسؤال اناس من غير حاجة محرَّم ، وقد وردت عدة أحاديث في النهي عنه . ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان رسول الله قال : « ليس المسكين الذي يطوف على الناس ، ترده اللقمة واللقمتان ، والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكينُ الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يُفطن له فيُتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس » وروى ابو داود والترمذي عن عبدالله ابن عمر عن النبي انه قال : « لا تحلُّ الصدقة لغني ولذي مِرّة سويّ » والمِرة : القوة .
القراءات :
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة « يحسَبهم » بفتح السين والباقون « يحسِبهم » بكسرها .
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)
بعد أن رغّّب سبحانه وتعالى في الإنفاق وبيَّن فوائده بيّن في هذه الآية فضيلة الانفاق في جميع الاوقات والاحوال ، وختمها بنص عام يشمل كل طرق الانفاق وجميع أوقاته ، وبحكمٍ عام يشمل كل منفق لوجه الله : ان الذين يتصدقون باموالهم على الفقرء في جميع الأزمنة وسائر الأحوال ، وتجود أنفسهم بالبذل في السر والعلانية لهم ثوابهم عند ربهم في خزائن فضله ، ولا خوف عليهم حين يخاف الذين يحبسون المال بخلاً عن المحتاجين ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من صالح العمل الذي يرجون به ثواب الله . (1/165)
وبعد ، فان الاسلام لا يقيم حياة أهله على الصدقة ، بل على تيسير العمل والرزق لكل قادر أولاً ، وعلى حسن توزيع الثروة بين أهله على أساس التوفيق بين الجهد والجزاء ثانياً .
لكن هنالك حالات تختلف لأسباب استثنائية ، وهي التي يعالجها بالصدقة . وقد رغّب الاسلام في الصدقة وحض عليها كثيرا . مرة في صورة فريضةٍ ، وهي الزكاة ، ومرة في صورة تطوع غير محدود هو الصدقة .
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)
يأكلون : يأخذون . الربا : الزيادة يتخطبّه : يصرعه ويضربه . المس : الجنون . يمحق : ينقص . يربي . يزيد . ما سلف : ما تقدم . (1/166)
يعتمد الاسلام في بناء المجتمع مبادىء قيمة ، أهمها في الجانب المادي من من الحياة مطالبةُ كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل الذي يكفل له حاجته . لقد أشعرَ الاغنياء ان حق الانتفاع بهذا المال مشتركٌ بينهم وبين اخوانهم الفقراء . كما أوجب مدَّ يد المعونة الى الفقراء والمساكين والمحتاجين ، إما بالبذل والعطاء أوبتهيئة العمل . كذلك أوجب على ذوي المال ان يدفعوا الى اولياء الأمر ما يمكنّهم من اقامة المصالح التي تحقق الخير للمجتمع .
على هذه الأسس التي تقتضيها الأُخوة والتعاون ، وتبادل الشعور بين الافراد ، امتلأ القرِآن بآيات الحث على الانفاق للفقراء والمساكين وفي سبيل الله وفي هذا الوضع الذي انتهجه الاسلام في بناء المجتمع ، كان من غير المعقول ان يبيح للغني من أهله ان يستقل بمتعة ماله دون ان يمد يده على المحتاج من اخوانه والمواطنين في دولته .
واذا كان من غير المعقول في الاسلام ان يباح للغني ان يقبض يده عن معونة أخيه الفقير ، فمن غير المعقول أشد ان يباح له استغلال أخيه وأخذ ماله بالربا وشد الخناق . لذلك عمد الإسلام إلى الاصلاح بتحريم الربا تحريماً قاطعا .
وقد جاء الاسلا م في وقتٍ فرغت قلوب الناس فيه من معاني الرحمة والتعاون ، كانوا يأكل قويهم ضعيفهم ، ويستغل غنيهم فقيرهم فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر ، وازالمة الحواجز التي قطّعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون ، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحداً متماسك الأطراف . وكان أول ما اتخذه من ذلك ايجاباً الحثُّ على التعاون والتراحم . ثم كان تحذيره الشديد فيما يخص الناحية السلبية ، فحرَّم الربا والرشوة ، بعد ان حرم الشحَّو والضن يحق الفقير والمسكين .
وربا الجاهلية الذي كان عليه الناس نوعان الأول : ربا النسيئة ، وهو أن يقرض الرجل أخاه من المال لزمن محدود على ان يدفعه له مع زيادة معيننة . وقد نص القرآن على تحريمه ، وجعل التعامل به من الكبائر . والنوع الثاني : ربا الفضل ، وهو ان يبيع الرجل نوعا من السلعة بمثلها مع زيادة احد العوضَين على الآخر ، كأن يبيع قنطارا من القمح بقنطار وربع أو نصف .
وهذا ايضا من الربا المنصوص على تحريمه في الحديث الشريف لقوله صلى الله عليه وسلم « ولا تبيعوا الذهب بالذهب ، والورق بالورق ، والبُرَّ بالبر ، والتمر بالتمر ، والشعير بالشعير ، والملح بالملح الا سواء بسواء ، عينا بعين ، يداً بيد » وقد اتفق الفقهاء على تحريمه ، وأباحوا الزيادة اذا اختلف الجنس . وقد حرموا التأجيل في هذا الأصناف ، واختلفوا في قياس غيرها عليها اختلافا كبيرا .
وتحريم الربا الذي جاء في القرآن الكريم ، تنظيم اقتصادي عظيم : ، وهو يتفق مع قياس ما قرره الفلاسفة في الماضي وما انتهت اليه النظم الاقتصادية الحديثة . فأرسطو يقرر ان الكسب بالفائدة نظام غير طبيعي ، فالنقد لا يلد النقد . (1/167)
والاقتصاديون يقررون أن يطرق الكسب أربَع : ثلاثٌ منها منتجة والرابعة غير منتجة . فالثلاث المنتجة : العمل ويتبعه الصناعة؛ والزراعة؛ والمخاطرة في التجارة . . لأنها في نقل الأشياء من مكان انتاجها الى مكان استهلاكها تتعرض لمخاطر ، وتزيد قيمتها بهذا الانتقال . وذلك في ذاته انتقال . وذلك في ذاته انتاج . أما الرابعة فهي الفائدة أو الربا ، وهذه المخاطرة فيها ، لأن القرض لا يتعرض للخسارة ، بل له الكسب دائما؛ ولأنه لا انتاج الا لِعملِ المقترض ، فالفائدة نتيجةٌ لذلك ، هذا كما ان اباحة الكسب بالفائدة تؤدي الى تحكم رؤوس الأموال في العمل . وهذا غير سليم .
وتذكر الآية ان الذين يتعاملون بالربا لا يقومون يوم القيامة من قبورهم كبقية الناس وانما كالمجنون الذي اصابه مسّ من الشيطان فهو يتخبط بفعل الصرع . ولماذا؟ لأنهم ستحلّوا أكل الربا وقالوا لا فرق بين البيع والربا ، فكما يجوز بيع السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما بأجل ، يجوز أن يعطي الانسان أحد المحتاجين عشرة دراهم على أن يردها بعد أجلٍ ، والسبب في كل من الزيادتين واحد هو الأجل . تلك حجتهم . وهم واهمون فيما قالوا ، وقياسهم فاسد . فالله أحلّ الأرباح في الشراء البيع وحرّم الربا . ذلك ان البيع ملاحَظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعاً حقيقاً ، اما الربا فهو اعطاء الدراهم ثم أخذُها بدون مخاطرة ولا تعب ، كما ان الكسب فيها مضمون دائما بخلاف التجارة والعمل .
{ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ } .
أي : فمن بلغه تحريم الله الربا فتركه فورا ، فله ما كان قد أخذه من الربا فيما تقدم لا يكلَّف بردِّهِ الى من دفعوه ، وانما عليه ألا يأخذ ربا بعد ذلك . . ان أمره موكول الى الله يحكم فيه بعدله وعفوه . ما من عاد الى أكل الربا بعد تحريمه فأولئك الذين لم يتعظوا بموعظة من ربهم ، فهم أصحاب النار هم فيها خالدون .
ان الله تعالى يُذهب الربا ويهلك المال الذي يدخل فيه ، لكنّه يضاعف ثواب الصدقات ويبارك في المال الذي خرجت منه الصدقة .
والله لا يحب لك من تمادى في إنكار ما أنعم الله به عليه من المال ، كأن لا ينفق منه في سبيله ، ولا يواسي المحتاجين من عباده .
والأثيم : هو المنهمك في ارتكاب الذنوب والمحرمات ، فهو قد جعل ماله آلة لجذب ما في أيدي الناس الى يده فاستغلّ إعسارهم وأخذ أقواتهم وامتص دماءهم .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)
من أسلوب القرآن الحكيم ان يأتي بآيات فيها صور متقابلة في كثير من المواضع ، فهنا بعد ان بين شناعة الربا وسيئاته ، وبعد الآيات التي حثت عل الصدقات والعطاء بدون مقابل عاد وأورد هذه الآية المباركة . وفيها يعرض صفحة الإيمان والعمل الصالح ، وصفات المؤمنين الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ليبشرهم ان ثوابهم مدّخر عند ربهم يوم الجزاء ، لا خوف عليهم يوم القيامة ، ولا هم يحزنون على شيء فاتهم في الدنيا . (1/168)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)
ذروا : اتركوا . ذو عسرة : معسر لا يستطيع دفع ما عليه . ميسرة : يسر . (1/169)
هنا عاد التشديد في الربا والحث على تركه وعدم التعامل به ، ومحاربة من يتعطاه وكأننه يحارب الله ورسوله .
يا أيها المؤمنون ، خافوا الله واستشعروا هيبته في قلوبكم واتركوا ما بقي لكم من الربا عند الناس ان كنتم مؤمنين حقا . فإن لم تفعلوا فكونوا على يقين من أنكم في حرب مع الل ورسوله ، اذا خرجتم عن شريعته ونبذتم ما جاء به رسوله . وحربُ الله هي غضبه . وحرب رسوله هي مقاومته له في زمنه . هذا واعتبارهم خارجين من الاسلام يُحِلّ قتالهم فيما بعد .
وان تبتم توبة صحيحة فلكم رؤوس أموالكم ، دون زيادة مهما كانت ، لأن الزيادة التي تأخذونها ظلم لغيركم ، كما ان ترك جزء من رؤوس الأموال ظلم لكم . وهذا معنى قوله تعالى { لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } . وان وُجد رجل مدين لكم ، لكنه لا يجد ما يسد به دينه فأمهِلوه الى حين اليسار ، كيما يسدّد ذلك الدين . اما تصدُّكُم على المعسر المدين بمسامحته من جميع الدَّين أو بعضه فهو خير لكم ، وأكثر ثوابا عند الله .
هذه هي النظرة الكاملة ، والسماح للمَدين المعسر ، وفيها فوائد كثيرة . فهي تجعل الناس مترابطين متعاطفين ، وتضامنَهم أقوى وأمتن . هذا ما يرشدكم اليه ربكم فاعملوا وفق ما تعلمون ، وسامحوا إخوانكم . بذلك تبنون مجتمعاً مثالياً لا مثيل له .
وقد ختم سبحانه وتعالىأياة الربا بآية بالغة الموعظة ، اذا وعاها المؤمنون وعملوا بها هوّنت عليهم السماح بالمال والنفس وكل ما يملك المرء في هذه الدنيا .
قراءات :
قرأ عاصم « تصدقوا » بتخفيف الصاد ، الباقون « تصدقوا » بالتشديد .
وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عباس « فآذنوا بحرب » بالمد .
وقرأ نافع وحمزة « ميسرة » بضم السين .
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)
واحذروات أيها الناس يوماً ترجعون فيه الى الله ، فتلقون ربكم ، وليس لكم الا ما قدمتم من أعمال الخير . ذاك يومُ ثواب ومحاسبة ، فيه توفَّى كل نفس أجرها على ما قدّمت من سيء أو صالح . وفيه لا يُظلم الناس ولا يُنقصون من ثوابهم شيئاً . (1/170)
فاذا تذكرتم أيها المؤمنون ذلك اليوم ، وفكرتم فيما أعد الله لعباده من الجزاء على قدر أعمالهم خفف ذلك من غلوائهم ومال بكم الى نشدان الحق والخير .
قال كثير من العلماء ان هذه آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن وعاش بعدها تسع ليال كما روى الطبري عن ابن عباس .
قراءات
قرأ أبو عمرو ويعقوب : « تَرجعون » بفتح التاء .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
أجل مسمى : موعد محدد . وليملل : الاملال والاملاء واحد ، أملّ وأملى بمعنى واحد . لا يبخص : لا ينقص . السفيه : ضعيف الرأي . الضعيف : الصبي الصغير ، أو الشيخ الهرم . شهيدين : شاهدين . لا تسأموا : لا تلموا وتضجروا أقسط : أعدل . رهان : جمع رهن . (1/171)
يا أيها الذين آمنوا اذا د
اين بعضكم بعضاً بدين مؤجل الى وقت معلوم فيجب عليكم ان تكتبوه خفظاً للحقوق ، وتفاديا للنزاع . وعلى الكاتب ان يكون عادلاً في كتابته ، ولا يجوز له ان يمتنع عن الكتابة كما علّمه الله . اذن لقد شرط الله في الكاتب العدالة ، كما شرط فيه ان يكون عالما بأحكام الفقه وكتابة الدَّين وعليه ان يكتب حسب اعتراف المدين . وعلى المدين ان يتقي الله ولا يُنقص من الدين شيئا . فان كان المدين لا يقدّر الأمور تقديراً حسنا ، أو ضعيفا لصغر سنه أو مرض شيخوخة ، أو لا يستطيع الإملاء لخرسٍ أو جهل بلغةِ الوثيقة فعلى من يتولى أموره ( من وكيل أو قيم أو مترجم ) ان يملي بالعدل بلا زيادة ولا نقصان . واشهدوا على ذلك الدَّين من رجالكم ، فان لم تجدوا شاهدَين ، فاشهودوا رجلاً وامرأتين عدولاً ، حتى اذا نسيت احداهما ذكّرتها الاخرى . ولا يجوز الامتناع عن أداء الشهادة اذا ما طُلب من الشهود . ولا تتكاسلوا عن كتابة الدين قليلا كان أو كثيراً ، ولا من ان تبيّنوا أجله المعيّن . . فالكتابة المستوفية الشروط أحفظ لحقوق الناس ، وأحرى باقامة العدل بين المتعاملين منكم ، وأعونُ على اقامة الشهادة . ان هذا أقرب الى درء الشكوك بينكم . اما في حال تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين فلا حرج في ترك الكتابة ، اذ لا يترتب عليه شيء من التنازع والتخاصم . وأشهدوا في التبايع في التجارة الحاضرة حسماً للنزاع . وتفادوا انيلحق ضرر بكاتب أو شاهد ، فذلك خروج على طاعة الله . واتقوا الله في جميع ما أمركم الله به ونهاكم عنه ، فهو سبحانه يعلّمكم ما فيه صلاح حالكم في الدارّين ، وهو العليم بكل شيء .
وإن كنتم مسافرين ، ولم تجدوا من يحسن الكتابة فليكن ضمان الدَّين شيئاً من الرهن يأخذه الدائن من المدين . فان كان الدائن يأمن المدين فلم يأخذ منه رهناً لحسن ظنه به فليؤدً الذي اؤتمن أمنانته ويؤكّد حسن ظن الدائن . واذا دُعيتم الى الشهادة فلا تكتموها ، ان ذلك إثم كبير ، والله مطلع عليكم وهو خير الشاهدين .
هذه آية الدَّين قد قررت مبادىء الإثبات : الكتابة ، وأن القضاءي لا يكون بأقل من شاهدين عدلين أو رجل وامرأتين ، وأنه يختص بالكتابة كاتب عدل ، ووجوب الإشهاد على الكتابة ، وأنه يستغنى عن ذلك اذا كانت المعاملات متبادلة في ساعتها غير مؤجلة ، ووجوب الولاية على من لا يحسنون التصرف ، وانه عند السفر يغني الرهن المقبوض عن الكتابة .
قراءات :
قرأ حمزة « إن تضل » ان شرطية جازمة « فتذكر » وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب « فتذكر » من اذكر الرباعي . وقرأ عاصم « تجارة » بالنصب والباقون بالرفع . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « فرُهُن » جمع رهن .
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
جاءت هذا الآية متممة لقوله تعالى : { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لأن كل شيء له ، وهو خالقه ، فهو العليم به ، له ما في السموات وما في الارض ، وان تُظهروا أيها المؤمنون ما في قلوبكم او تكتموه عن الناس يجازكُم به الله يوم القيامة ، فهو { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور } [ غافر : 19 ] والمعوَّل عليه في مرضاته تزكية النفوس وتطهير السرائر . (1/172)
روى الامام أحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية { وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله } اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ، فأتوا النبي وقالوا : لقد كُلِّفنا من الاعمال ما نطيق كالصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أُنزلت هذه الآية ولا نطيقها . فقال النبي : « قولوا سمعنا وأطعنا وسلَّمنا » فألقى الله الإيمان في قلوبهم وأنزل { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا . . . } الآية . فكانت الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين به . وصار الأمر الى ان قضى الله تعالى ان للنفس ما اكتسبت من « القول والعمل » .
وهذا هو نهج الاسلام الصحيح العادل .
{ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } يغفر بفضله لمن يشاء أن يغفر له ، ويعذب من يشاء ، وهو تعالى على كل شيء قدير .
قراءات :
قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ } برفع يغفر ويعذب كما هو هنا : وجزمهما الباقون عطفاً على جواب الشرط .
آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)
غفرانك : نطلب مغفرتك ، الا وسعها : الا طاقتها . كسبت واكتسبت : الفرق بينهما ان كسبت تستعمل في الخير ، واكتسبت في الشر . إصرا : حِملا ثقيلا ، وهي التكاليف الشاقة التي كانت تفرض على الأمم السابقة لكثرة عنادها وتشددها . مولانا : ما لكنا ومتولي أمورنا . (1/173)
بهاتين الآيتين الكريمتين تُختتم هذه السورة الكبيرة التي هي أطول سورة في القرآن . هما تمثلان بذاتهما تلخيصاً وافياً لأعظم قطاعات السورة يصلح ختاماً لها متناسقاً مع موضوعتها وجوّها وأهدافها .
فقد افتتح سبحانه هذه السورة العظيمة ببيان أن القرآن لا ريب فيه وانه هدى للمتقين ، وبيّن صفات هؤلاء ، وأصول الايمان التي أخذوها بها ، ثم ذكر الكافرين والمنافقين ، ثم أرشد الى كثير من الاحكام كما قدمنا في أول السورة . وهنا اختتم السورة بالشهادة للرسول وللمؤمنين ، كما لقّنهم من الدعاء ما يرضيه ويطهرُ نفوسهم من الأدناس . واخيرا وصلوا الى طريق السعادة ، وفازوا بخير الدارين . . وهذا منتهى الكمال الانساني وغاية في ما تصبوا اليه نفوس البشر .
آمن الرسول بما جاء به الوحي من عند الله ، وآمن معه المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله . ومن فضيلة هذا الدين ان المؤمنين به يحترمون جميع الأنبياء والرسل لا يفرّقون بين أحد منهم ، وهذه ميزة لهم على غيرهم من أهل الكتاب الذين يقولون : نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض .
ويقول المسلمون : لقد بلّغنا الرسولُ الكريم تنزيل الله المحكم ، واستجبنا لما فيه وأطعنا أوامره ، فاغفر لنا ربّنا ذنوبنا ، اليك وحدك المرجع والمآب . وقد منّ الله على المؤمنين حيث قال : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ، اي لا يكلف عباده الا ما يطيقون ، فضلا منه ورحمة؛ فلكل نفس ما كسبت من قول أو فعل ، وعليها ضرّ ما اكتسبت من شر .
ثم علّم الله المؤمنين كلمات يدعونه بها ترفع عنهم الحرج ، وتخفف عنهم عبء الخطأ والنسيان فقال : قولوا ربنا لا تؤاخذنا ان نسيان أو أخطأنا ، ولا تشدّد علينا فتكلّفنا ما يشق علينا كما شدّدت على بني اسرائيل بسبب تعنتهم وظلمهم . ربنا لا تحمّلنا ما يشق علينا من الأحكام والتكاليف ، واعفُ عنا بكرمك ، واغفر لنا بفضلك ، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، إنك انت مالكنا ومتولي أمورنا فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين حتى تقوم بنشر دينك وإعلاء كلمتك .
وقد روى الطبراني في آخر هذه السورة عن ابن عباس ان رسول الله عند قراءة هذه الآية قال « ان الله تعالى يقول قد فعلت ، أي عفوتُ عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على الكافرين ، فأعطيتُ هذه الأمة خوايتم سورة لم تعطَها الأمم قبلها » فاذا اتخذ المسلمون العدّة ، وقاموا ببذل الوسع في استكمال الوسائل التي أرشد اليها المولى سبحانه ، فانه يستجيب دعوتهم وينصرهم على اعدائهم . فقلد ورد في الأثر ان هذه الأمة لا تغلب من قلّة ، لكنها قد تغلب لعدم قيام وُلاتها بالحق ، وغفلة شعوبها عن واجباتهم .
نسأل الله تعالى ان يوفقنا الى العمل الصادق بكتابه وسنته وأن يجمع شلمنا ، ويوحد كلمتنا ، إنه نعم المولى ونعم النصير .
الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)
القيوم : القائم على كل شيء . الفرقان : القرآن ، لانه يفرق بين الحق والباطل . ألف لام ميم : وردت هذه الأحرف في فاتح عدد من السور ، وقد قدمنا الكلام عليها في أول سورة البقرة . والرأي المرجح أنها جاءت في أوائل السور لتنبيه المخاطبين الى ما يلقى بعدها من حديث يستدعي العناية بفهمه . (1/174)
روى الطبري في تفسيره ان الله عز وجل أخبر عباده ان الألوهية خاصة به دون ما سواه ، وان العبادة لا تجوز الا له . وقد افتتح السورة بنفي الألوهية عن غيره احتجاجاً منه على طائفة من النصارى ، قدمِتْ على رسول الله من نجران . وكانوا ستين راكباً فيهم اربعة عشر رجلاً من اشرافهم ، أميرهم العاقب ، واسمه عبد المسيح ، وهو صاحب مشورتهم الذي لا يصُدرون الا عن رأيه . وكان منهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم ولقد قدموا الى المدينة ، فدخلوا مسجد الرسول حين صلى العصر . وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون في مسجد النبي ، فقال لأصحابه دعوهم . فصلّوا الى المشرق . فقام رؤساؤهم وكلّموا رسول الله في شأن المسيح ، وانهن هو الله ، وابن الله ، وثالث ثلاثة . فقال لهم النبي : ألستم تعلمون انه لا يكون ولد الا وهو يشبه أباه؟ قالوا بلى . قال : ألستم تعلمون ان ربنا حي لا يموت ، وان عيسى عليه الفناء؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون ان ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه . قالوا : بلى ، قال : فله يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا : لا ، قال : أفلستم تعلمون ان الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا الا ما عُلِّم؟ قالوا : لا ، قال : فان ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعملون ان ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب اشراب ولا يُحدث الحدث؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون ان عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غُذي كما يغذّى الصبي ، ثم كان يَطعم الطعام ، ويشرب الشراب ، ويُحدث الحدث؟ قالوا : بلى ، قال فكيف يكون هاذا كما زعمتم؟ قال : فعرفوا ثم أبَوا الا جحودا . فأنزل الله عز وجل { الم الله لاا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } الى بضع وثمانين آية كما سيأتي .
والمعنى ان الله واحد لا آلهة غيره ، وكل ما في العالم من تنسيق وإبداع يشهد بذلك . وهو الحي الذي لا يموت ، القائم بأمر هذا لعالم يدبّره ويصرّفه .
ولقد نزّل الله عليك يا محمد القرآن مشتملاً على جميع أصول الشرائع السماوية في الكتب السابقة ، ومصدّقا لها . وأنزل من قبله التوراة على موسى والانجيل على عيسى ، لهداية الناس . فلما انحرفوا عنها أنزل الفرقان فارقاً بين الحق والباطل ، ومبيناً الرشد من الغي . انه الكتاب الصادق الدائم . اما الذين كفروا بآيات الله الناطقة بتوحيده وتنزيهه عما لايليق بشأنه الجليل ، فقد كذّبوا بالقرآن أولاً ثم بسائر الكتب تبعاً لذلك . فلهعم عذاب شديد .
قراءات :
قرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي ، « التوراة » بالإمالة في جميع القرآن . وقرا نافع وحمزة بين اللفظين .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
ان الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء منهما كان : صغيراً أو كبيراً ، ظاهراً أو باطناً . وكيف يخفى عليّ يا محمد شيء وأنا علاّم الغيوب!! (1/175)
وفي التعبير بعد الخفاء اشارة الى ان علمه لا يوازن بعلوم المخلوقين .
والله هو الذي يصوّركم فيجعلكم صورا مختلفة في أرحام أمهاتكم . انه يجعل هذا ذكراً ، وهذه انثى ، وهذا اسود وهذا أحمر .
ولك ذلك يتم على أدق ما يكن ، فمن المستحيل ان يكون هذا الخلق قد جاء من قبيل الاتفاق والصادفة . اما عيسى بن مريم فقد صوّره الله في رحم أمه ، ولو كان إلَهاً لما كان ممن اشتملت علهي رحم مخلوقة .
ان الله هو المنفرد بالخلق والتصوير ، العزيز الذي لا يُغلب على ما قضي به عِلمه ، الحكيم الذي يوجِد الأشياء على مقتضى الحكمة .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)
آيات محكمات : محكمة العبارة لا تقبل الصرف عن ظاهرها . أُم الكتاب : أصله الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود . وأخر متشابهات : محتملات لعدة معان لا يتضح المقصود فيها الا بتدقيق النظر . زيغ : عدول عن الحق . ابتغاء الفتنة : طلبا للفتنة . الراسخون في العلم : المتمكنون منه . (1/176)
لقد أنزل الله عليك القرآن وجعل فيه آيات محكمات ، محدّدة المعنى بينه المقاصد ، هي الأصل واليها المرجع في الدين والفرائض والحدود . كما جعل فيه آيات متشابهات يدِقُّ معناها على كثير من الناس وتشتبه على غير الراسخين في العِلم . فأما الآيات المتشابهات فقد أُنزلت بحكمته تعالى لتبعث العلماء على تدقيق النظر ودقة الفكر في الاجتهاد . لكن أهل الشك والذين في قلوبهم ميل عن الحق يتّبعون ما تشابه من الآيات رغبةً في اثارة الفتنة . . يؤوّلونها حسب أهوائهم ، فيُضلّون وراءهم خلقاً كثيرا .
ولا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات الا الله والذين تثبتوا في العلم وتمكنوا منه ، وهؤلاء يقولون : اننا نؤمن بالقرآن كاملاً ، لا نفرق بين مُحكمة ومتشابهه . وما يعقل ذلك وبفقه حكمته الا ذوو البصائر المستنيرة ، والقعول الراجحة .
هذا وقد استفاض الحديث حول أن في القرآن محكماً ومشابهاً ، وان العلماء أمام هذه المتشابه فريقان : فريق السلف الذي يرى التفويض وعدم الخوض في معناه ، وفريق الخلف الذي يرى التأويل وصرف اللفظ عن دلالته المعروفة الى معنى يتفق مع ما دل عليه المحكم . ويعتبرون من ذلك أمثال قوله تعالى « الرحمنُ على العرش استوى » « يد الله فوق أيديهم » « بل يداه مبسوطتان » « والارض جميعاً قبضتُهُ يوم القيامة والسّماواتُ مطويات بيمينه » فيقولون ان معنى الاستواء هو الاستيلاء . واليد بمعنى القدرة . واليمين بمعنى القوة . وبسطُ اليد بمعنى كثرة المنح والعطاء ، الى غير ذلك .
وهناك أقوال كثيرة اختلافات كبيرة في هذا الموضوع لا طائل منها ولا فائدة .
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
ويطلب اولئك العلماء الراسخون في العلم الى الله كان الله ان يحفظهم من الزيغ بعد الهداية . ويهبهم الثبات على الإيمان فيقولون : ربنا لا تجعل قلوبنا تنحرف عن الحق بعد ان هديتنا اليه ، وهبْ لنا رحمتك إنك أنت كثير النعم والافضال . (1/177)
وهذا تعليم من الله لنا ان نعرف حدودنا ونقف عندها ، ونطلب منه تعالى دائما ان يثبِّتنا على الإيمان فلا يتركنا عرضة للتقلب والنسيان .
{ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ الناس . . . } وهذا من تتمة كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأ ، هم لما طلبوا من الله تعالى ان يصونهم عن الزيغ ويخصهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا بل مايتعلق بالآخرة . فاننا نعلم يا إلَهنا انك جامع الناس للجزاء يوم القيامة . فمن زاغ قلبه بقي العذاب أبداً ، ومن منحته الرحمة والهداية بقي في السعادة والكرامة أبدا .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
وقود النار ( فتح الواو ) : الحطب وكل ما يُحرق فيها . الدأب : العادة . (1/178)
بعد ان بين الله لنا الدّين الحق وقرر التوحيد ، ثم نوّه بشأن القرآن الكريم وايمان العلماء الراسخين بالمحكم والمتشابه به من آيات شرع يذكر حال أهل الكفر والجحود ويبين أسباب غرورهم باموالهم وأولادهم ، فقال ما تفسيره :
ان الذين كفروا وجحدوا بنوة محمد صلى الله عليه وسلم لن تنجيهم أموالهم الوافرة ، ولا أولادهم الكثيرون من عذاب الله يوم القيامة ، بل سيكنون حطبا لنار جهنم . ذلك أنهم في تكذيبهم بمحمد وكفرهم بشريعته مثلُ آل فرعون مع موسى ، ومثل من كان قبلهم من الأمم مع أنبيائهم ، كذّبوا بآيات الله ، فنكل بهم وأهلكهم بسبب كفرهم ، والله شديد العقاب .
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
قال يا محمد للكافرين عامة : ستُغلبون أيها الكافرون ، وستُحشرون الى جهنم التي ستكون لكم فراشا ، وياله من فراش سوء! . وفي سنن أبي داود والبَيْهَقي ( في الدلائل ) ان رسول الله لما رجع من وقعة بدر ، جمع اليهود في سوق قينقاع وقال : يا معشر يهود ، أَسلِمموا قبل ان يصيبكم الله بما أصاب قريشا ، فقالوا : يا محمد لا يغرّنَك من نفسك ان قتلت نفرا من قريش كانوا أَغْماراً لا يعرفون القتال . إنك والله لو قاتلتنا لعرفتَ انا نحن الناس وأنك لم تلق مثلنا . فأنزل الله تعالى هذه الآية { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ . . . } وقد صدق وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير ، وفتح خيبر . (1/179)
لقد كان لكم عبرة ظاهرة في طائفتين من المحاربين التقتا يوم بدر ، إحداهما مؤمنة تحارب لإعلاء كلمة الله ، والاخرى كافرة تحارب في سبيل الشيطان . فأيد الله المؤمنين ونصَرهم . لقد جعل الكافرين يرونهم ضعف عددهم الحقيقي ، وبذلك وقع الرعب في قلوبهم فانهزموا . أليس في هذا النصر عبرة لأصحاب البصائر الرشيدة والعقول السليمة!
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي « سيغلبون ويحشرون » بالياء . وقرأ نافع « ترونهم مثيلهم » بالتاء .
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)
الشهوات : مفردها شهوة . وهي التي فسرها الله في الآية بمعنى جميع ما يشتهي الانسان . الانعام : الابل والبقر والغنم . الخيل المسوّمة : الخيل الحسان المعدّة للركوب والقتال : (1/180)
فُطر الناس على حب التملك واشباع شهواتهم إلى الاستحواذ ، كما في محال التمتع بالنساء وكثرة البنين وتركيم قناطير الذهب والفضة واقتناء الخيل الحسان ، الانعام العائدة بالربح ، والعقار ، والاراضي المفلوحة . . ولكن ذلك كله لا يقاس بشيء مما عند الله الذي أعدّه لعباده في الحياة الآخرة . فلا ينبغي للناس ان يجعلوا همّهم في هذا المتاع العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لخير الثواب الآجل ، والله عنده حسن المآب .
روى البخاري ومسلم عن بان عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنّى ان لكون لهما ثالث ، لا يملأ جوفَ ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب » .
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)
أُؤنبئكم : أخبركم . مطهرة : نظيفة خالية من الدنس . الرضوان : الرضا . القانتين : العابدين ، المداومين على الطاعة والعبادة . (1/181)
قل يا محمد للناس الذين زُيّن لهم حب الشهوات التي أسلفنا : أيها الناس ، هل أُخبركم بخير من ذلكم وأفضل لكم؟ ان للذين اتقوا ربهم ثواباً عنده : هو جنات ظليلة تجري من تحتها الأنهار ، وزوجات خلّصهن الله من كل ما يعيب النساء في الدنيا ، ورضاء من الله يتمتعون في ظله بنعيم أكبر . ان الله هو البصير بعباده ، الخبير بقراءة أنفسهم ، ودخائل أحوالهم . فمن هم هؤلاء؟ إنهنم الذين تتأثر قلوبهم بثمرات ايمانهم ، فيقولون : ربنا إنننا آمنّا استجابة لدعوتك ، فاغفر لنا ذنوبنا بعفوك ، وأبعد عنا عذاب النار .
ثم بين أحسن ما امتازوا به من أوصافهم فقال :
الصابرين : على أداء الطاعات وترك المحرمات .
والصادقين : والصدق هو منتهى الكمال .
والقانتين : وهم الذي داوموا على العبادة والطاعة لله تعالى مع الخشوع والخضوع .
والمنفقين : اي الذين ينفقون المال في سبيل الله ، عن طيب قلب وصدق نية . .
والمستغفرين بالأسحار : الذين يتهجدون في آخر الليل ، ساعة النوم ، حين يشق على النفس القيام . وهو وقت عظيم تكون فيه النفوس صافية والقلوب فارغة عن مشاغل الدنيا .
قراءات :
قرأ عاصم في رواية أبي بكر « رضوان » بضم الراء في جميع القرآن ما عدا قوله تعالى { يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام } في سورة المائدة فإنه قرأها بكسر الراء . والباقون قرأوها بكسر الراء .