صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم من هؤلاء اليهود فلا تقولوا حينما يتلو الرسول عليكم الوحي ( راعنا ) رغبة في أن يجعلكم موضع رعايته ، ويتمهل عليكم في تلاوته حتى تعوا القرآن وتحفظوه ، لأن خبثاء اليهود يتظاهرون في ذلك ويستعملون كلمة « راعنوا » ، ومعناها « شرّنا أو شرير » ، فيلوون ألسنتهم بهذه الكلمة حتى تصير مطابقة للفظ شتيمةٍ ويوجهونها للرسول الكريم ليسخروا منه فيما بينهم . ولكن اسعمِلوا كلمة اخرى لا يجد اليهود فيها مجالاً لخبثهم وسخريتهم فقولوا : « أنظرنا » . واسمعوا جيداً لما يتلوه علكيم . (1/54)
وللكافرين يوم القيامة عذاب أليم . واعلموا ان هؤلاء الكافرين والمشركين لا يحبون ان يأتكيم أي خير من ربكم . والله سبحانه وتعالى يختص برحمته من يشاء من عباده . وقد خصكم بهذا الكتاب العظيم الذي جمع به شملكم ، وظهر عقولكم من زيغ الوثنية ، والله ذو الفضل العظيم .
مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)
النسخ في اللغة الازالة ، يقال : نسخت الشمس الظل : أزالته . الإنساء : اذهاب الشيء من الذاكرة . الولي : الصديق . النصير : المعين . يتبدل : يُبدل . يستبدل . ضل : حاد عن الطريق المستقيم . السواء ، من كل شيء : الوسط . السبيل : الطريق . (1/55)
في هذه الآيات ردٌّ على اليهود الذين كانوا يطعنون في الاسلام والقرآن والنبي عليه الصلاة والسلام . وكانوا لا يتركون فرصة دون أن يعترضوا ويحاولوا تشويه الحقائق . فكانوا يقولون : ما بال هذا النبي يأمر قومه بام ثم يبدله بعد ذلك؟ فردَ الله تعالى عليهم بقوله : { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ } أي ما نغير حكم آية او نؤخرها الا أتينا بما هوخير منها . وذلك لمصلحة الناس واظهار الدِّين . كل هذا من الله . القادر على كل شيء والذي له ملك السماوات والارض ، يتصرف فيه كيف يشاء ، وحسب مصلحة عباده . فلا تتعنتوا كما فعل اليهود من قبلكم حين سألوا رسولهم موسى ان يأتيهم بأشياء مستحيلة . وفي هذا نصيحة وتأديب للمسلمين ان يعملوا با يأمرهم به نبيهم الكريم ، وينتهوا عما ينهاهم عنه . أما من لا يتأدب . بل يترك الثقة بالبينات المنزلة حسب المصلحة ، ويطلب غيرها فقد اختار الكفر واستحبَ العمى على الهدى .
القراءات : قرأ ابن عامر : ما نُنسخ من أنسخ الرباعي . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « ننسأها » اي نؤخرها . وقرىء « تنسها » . و « تنسها » بالبناء للمفعول . وقرأ ابو عمرو « ناتِ » بدون همزة .
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)
العفو : ترك العقاب على الذنب . (1/56)
الصفح : الإعراض عن المذنب . وهو يشمل العقاب وترك اللوم .
الخطاب للمؤمنين تحذيراً من بعض أحبار اليهود مثل كعب بن الاشرف ، وحييّ بن أخطب . وأبي ياسر بن أخطب وأمثالهم الذين كانوا أشد الناس عداوة للإسلام ولنبيّه صلى الله عليه وسلم .
بعد ان عرض الله حالة المنافقين والكافرين وناقش اليهود مناقشة طويلة ، ثم أدّب المؤمنين كيف يخاطبون النبي وعلمهم ان التعاليم والأوامر المنزلة من عند الله بعضُها عُرضة للغير والتبديل حسب المصلح جاء هنا يحذّر جماعة المسلمين من ان كثيرا من الهيود يودون ان يردوهم عن الاسلام حسدا لهم ، بعد ان تبين لليهود من كتابهم نفسه ان المسلمين على الحق . وذلك لأنهم يخشون ان ينتقل السلطان منهم ويفلت من ايديهم . بعد هذا يعلم القرآن المسلمين الأخلاق العظيمة فيأمرهم سبحانه بضبط النفس وان يعاملهم بالرفق واللين . كما وعدهم بأنهم ان تحلّوا بهذه الأخلاق فانهم منصورون . وأكد ذلك بقوله { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فالله هو القادر على أن يهبكم من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى ، فتتغلبوا على من يناوئكم .
ثم ذكر عز وجل بعض الوسائل التي تحقق النصر الذي وعدهم به فقال :
{ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة } حافِظوا على شعائر دينكم ، فأقيماو الصلاة على أحسن وجه من الخشوع وأداء اركانها ، واعطوا الزكاة الى أهلها . بهذه الأعمال الطيبة ينصركم الله إنه عالم بجميع أعمالكم ، لا تخفى عليه من أمركم خافية وهو مجازيكم عليها .
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
الأماني : جمع امنية : وهي كل ما يتمناه المرء ولا يدركه . البرهان : الججة والدليل . من اسلم وجهه : تعبير عن الايمان والاخلاص له والعلم بأوامهر . بلى : حرف يأتي ردا للنفي . (1/57)
في هاتين الآيتين يبين الله تعالى دعوى كل من اليهود والنصارى في ان الجنة لهما ولأتباعهمنا فقط . تلك أمانيّهم ، وهي لا تتعدى ان تكون كذباً يزعمونه دون دليل . فقولوا لهم : هاتوا دليلكم ان كنتم صادقين . والواقع انه يدخل الجنة من لم يكن يهوديا ولا نصراينا اذا آمن بالله وأخلص نفسه له وابتع أوامره . ذلك ان رحمة الله لا تختص بشعب ولا ملّة { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } [ النساء : 123 ] .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)
ومن العجيب ان اليهود يكذّبون النصارى ويعادونهم . والنصارى يكذبون اليهود ويعادونهم . . و الجميع من أهل الكتاب . وهم يتلون الكتاب : التوراة والانجيل . والكتابان من عند الله ولكن المطامع الشخصية . والتعصب الاعمى جعلاهم يكفّر بعضهم بعضاً . ومن يقرأ التلمود يجد فيه أمورا بشعة قذرة في وصف المسيح عليه السلام . من ذلك قوله : « يسوع المسيح ا رتد عن الدين اليهودي وعبد الاوثان ، وكل مسيحي لم يتهود فهو وثني عدو لله ولليهود . . » وفيه أقوال تقشعر منها الأبدان . وكذلك النصارى يتهمون اليهود بالكفر والخروج عن دين الله . ولا أدري كيف يقولون ذلك مع ان المسيح عليه السلام يقول في الانجيل : جئت لأتم الناموس لا لأنقُصه . وكذلك قال الوثنيون من قبلهم بأنهم هم وحدهم الذين على الحق . وكل هذه الأقوال باطلة . وليس مثل الاسلام في صراحته وسعة أفقه ، فهو يصدق بالأديان السماوية ويعتبرها ، ويؤمن بكتبها الحقيقة قبل ان يطرأ عليها التحريف . ما أعظم قوله تعالى : { آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملاائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ . . } [ البقرة : 285 ] . هذا هو الاسلام وهذه هي عظمته . (1/58)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)
في هذه الآية انذار كبير وتحذير مخيف لكل من يمنع احدا من عبادة الله او يصد الناس عن دخول المساجد لأداء عباداتهم ، أو من يسعى في خرابها . والمنى : أي امرىء أشد تعدياً وجرأة على الله ممن يفعل شيئاً من هذه المعاصي! ان لهؤلاء في الدنيا خزياً ولهم في الآخرة عذاب عظيم . وهذا انذار عام يصدُق على كفار قريش حين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة وتأدية العمرة عام الحديبية ، كما يصدق على كل من عمل على تعطيل مسجد أو حالَ دون أداء شعائر الله فيه . (1/59)
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
قال بعض المفسرين : نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه الى استقبال الكعبة في الصلاة . وفيها إبطال لما كان يعتقده أرباب المِلل السابقة من ان العبادة لا تصح الا في المعابد ، لأن الله موجود في كل مكان . انه رب المشارق والمغارب . ثم شُرعت بعد ذلك القبلة الموحدة ، وجعلت الكعبة رمزاً لذلك . ولا يزال بعض مفهوم هذه الآية سارياً الى الآن على من لم يعرف أين القبلة . (1/60)
والذي يرجحه ابن جرير في تفسيره ان هذه الآية ليست منسوخة بل ان حكمها باق ومعمول به على أساس انه « اينما تولّوا وجوهكم في حال سيركم في أسفاركم ، في صلاتكم التطوّع وفي حال مسايفتكم عدوَّكم ، في تطوعكم ومكتوبكم ، فثم وجه لله » وفي هذا توسيعك كبير .
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
قانتون : خاضعون ، طائعون . بديع السماوات : مبدعها ، خالقها ومخترعها . (1/61)
في هاتين الآيتين انتقال الى موضوع جديد ، هو نسبة الولد الى الله ، فقد قال اليهود : عُزَير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله . وقال المشركون قديما : الملائكة بنات الله .
وهنا ينفي سبحانه هذا كله فيقول : ان له كل ما السماوات والأرض ، ومن كان هذا شأنه ، وجميع ما في الكون مسخر لأمره ، فهو ارفع من ان يحتاج الى نسل او يتخذ ولدا . وكيف يتخذ ولدا من أبدع هذا الكون العجيب بما فيه من سماوات وأرض ونجوم وكواكب ، وقد اذعن كل ما فيه لإرادته ، واذا أراد أمراً فاما يقول له : كن فيكون؟؟
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)
الذين لا يعلمون : مشركوا العرب والجهلة من أهل الكتاب . (1/62)
ولق أمعنوا في عنادهم فطلبوا من الرسول آية حسّية أو يكلمهم الله بنفسه . وهكذا طلبت الأمم السابقة من أنبيائهم ، فقد قال بنو اسرائيل لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهارا . وطلب أصحاب عيسى اليه اني ينزل عليهم مائدة من السماء . اما نحن فقد بيّنّا للناس الآيات على يديك يا محمد ، بما لا يدع مجالاً للريب لدى طالبي الحق بالدليل والبرهان .
ثم يلتفت تعالى الى الرسول الكريم فيخاطبه بما معناه : « إنّا ارسنلاك بالشيء الثابت الذي لا تضل فيه الأوهام وجعلناك بشيراً لمن اطاع بأنه من الفائزين ، ونذيراً لمن عصى انه من الكافرين الجاحدين . فلا عليك إن أصرّوا على الكفر والعناد ، فانك لن تُسأل عن أصحاب الجحيم . فأنت لم تُبعث ملزماً ولا جبارا ، وانما بعثت معلماً وهادياً بالدعوة والأسوة الحسنة . وفي هذا تسلية للنبي الكريم لئلا يضيق صدره .
القراءات :
قرأ نافع ويعقوب : { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } بالنهي . والباقون » لا تسئلُ « .
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
الملة : الطريقة ، الدين ، الشريعة ، جمعها ملل . الاهواء : جمع هوى ، وأهل الأهواء أهل البدع ، قال السيد الجرجاني « الهوى ميلان النفس الى ما تستلذ من الشهوات من غمير داعية للشرع » . ولا يستعمل في الغالب الا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه . (1/63)
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على ان يبادر أهلُ الكتاب الى الايمان به ، فكبُر عليه إعراضهم عن اجابة دعوته ، مع انها موافقة لأصول دينهم . وهنا يخاطبه الله تعالى بأنهم لن يرضوا عنه ابدا . فيقول له : لا ترهق نفسك في استرضاء المعاندين من اليهود والنصارى ، فان هؤلاء لن يرضوا عنك حتى تتبع دينهم الذي يزعمون انه هو الصواب . ولا يوجد هدى حقيقي الا ما أنزل الله على أنبيائه وماأنزلتُه عليك من الاسلام . لا ما أضافه اليهود والنصارى من تحريف وتغيير حتى فرّقوا دينهم وكانوا شيعا . ولئن اتبعتَ أهواءهم وما أضافوا الى دينهم وجعلوه أصلاً م أصول شريعتهم فان الله لن ينصرك أو يساعدك على ذلك . وهذا انذار شديد الى الرسول الكريم الذي عصمه الله من الزيغ والزلل ، ولكنه في الحقيقة موجه للناس كافة . وقد جاء الكلام هنا على هذا الأسلوب الشديد ليرشد من يأتي بعده ان يصدع بالحق ولا يبالي بمن خالفه مهما قوي حزبه واشتد امره . فمن عرف ان الله ناصره لا يخاف انكار المعاندين .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
يذكر الله سبحانه في هذه الآية ان هناك فريقاً من أهل الكتاب يرجى ايمانهم ، وهم الذين يتدبرون كتابهم ويتبعون ما جاء فيه من الحق فيؤمنون به ، ولا يحرّفونه عن موضعه . وقد آمن منهم جماعة وكانوا من خيرة الصحابة كعبدالله بن سلام . أما من يكفر بما أُنزل اليك يا محمد بعد ان تبيَّّن له الحق فأولئك هم الذين خسروا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة . (1/64)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)
هذه الآية عظة من الله تعالى لليهود في عصر الرسول الكريم ، وتذكير لهم بما سلف من نعمة الله على آبائهم بانقاذهم من أيدي عدوهم ، واعطائهم كثيرا من النعم . فخاطبهم على هذه الصورة . (1/65)
يا بني اسرائيل ، اذكروا نعتمي عليكم وانقاذي اياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه ، وانزالي عليكم المنَّ والسلوى في تهيكم ، واختصاصي الرسل منكم ، وتفضيلي اياكم على غيركم ممن كانوا في ذلك الزمان . . وذلك كله حتى يترك اليهود المعاصرون للرسول تماديهم في الغي والضلال ويثوبوا الى رشدهم . ثم يورد الآية التي بعدها « واتقوا يوما . . » ترهيبا منه للذين وعظهم بالآية التي قبلها . فيقول : اتقوا يا معشر بني اسرائيل ، المبدّلين كتابي وتنزيلي ، المحرفين تأويله عن وجهه ، المذكبين برسولي محمد عذا يوم لا تجزىي فيه نفس عن نفس شيئا ، ولا يشفع فيما وجب عليها شافع ، ولا يمنعها احد من عذاب الله .
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
الابتلاء : الاختبار . الكلمات : التكاليف من أمر ونهي وتشريع . . (1/66)
أتَمَّهن : قام بهن خير قيام .
واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم ان الله تعالى اختبر ابراهيم ببعض الأوامر والنواهي ، فقام بما امره خير قيام ، فقال له : اني جاعلك للناس رسولا يقتدى بهديك .
قال ابراهيم : واجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم . قال الله تعالى : أجبتك على ما طلبت ، ولكن عهدي بالإمامة لا يناله الظالمون ، فهم لا يصلحون ان يكونوا قدوة للناس . ذلك ان الإمامة الصالحة لا تكون الا لذوي النفوس الفاضلة . وفي الآية اشارة الى انه سيكون من ذريته الابرار والفجار .
القراءات : قرأ ابن عامر : ابراهام بالألف جمع ما في هذه السورة .
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)
البيت : الحرم المكي . مثابة : مرجعا يثوب اليه الناس . مقام ابراهيم : هو الحجر الذي كان يقوم عليه حين بناء الكعبة . وقيل ان الحرم كله مقام ابراهيم . (1/67)
عهد : وصّى .
في هذه الآيات يأتي الحديث عن ابراهيم واسماعيل ، وعن البيت الحرام وشعائره ، لتقدير الحقائق الخالصة في ادعاءات اليهود والنصارى والمشركين جمعيا حول النسب الذي يمتُّ به ويحترمه أهل الكتاب ومشركوا العرب ، وهو ملة ابراهيم ونسبه الى عقيدة المسلمين .
اذكروا قصة بناء ابراهيم مع ابنه اسماعيل لبيت الله الحرام بمكة ، اذ جعلنا هذا البيب للخلَف ملاذا ومأمنا ، واذ امرنا الناس ان يتخذوا منه مكاناً يصلّون فيه . وعهدنا الى ابراهيم واسماعيل ، اي وصيناهم ، بتطهير البيت ، وان يصوناه من كل رجس معنوي كلاشرك بالله وعبادة الأصنام ، أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه ، وقت اداء العبادات . كما أوصيناهما ان يجعلاه مهيَّأً للناس للطواف والصلاة والسعي .
ومقام ابراهيم الذي جاءت الاشارة اليه كان ملاصقاً للكعبة ، وكان الحجاج أثناء الطواف يتزاحمون عنده ، وربما حدث كثير من الانزعاج لبعضهم ، مما حدا بالمسئولين ان يستفتوا العلماء لإبعاده قليلا . وقد افتى بذلك جمهور من العلماء فتمت زحزحته عن مكانه . وهناك من المفسرين من يقول : مقام ابراهيم هو الحرم جميعه ، سماه الله بيته لأنه أمر المصلّين ان يتوجهوا في عبادتهم اليه . والحكمة في ذلك ان الناس في حاجة الى التوجه الى خالقهم لشكره والثناء عليه ، لكنهم يعجزون عن التوجه الى « ذات مجردة » لا تنحصر في جهة ، فعيّن الله لهم هذا البيت المقدس نسبة اليه .
واذكروا اذا طلب ابراهيم الى ربه ان يجعل مكة ، البلد الحرام ، بلداً آمنا ، وان يرزق مَن يحل فيه من ثمرات الأرض وخيراتها . هذا ما طلبه ابراهيم ، فأجابه الله تعالى اليه . اما من كفر فإني انا العلي القدير ، أُمتِّعه في هذه الحياة الدنيا القصيرة الأمد ثم أسوقه الى عذاب النار يوم القيامة .
القراءات :
قرأ نافع وابن عام : « اتخذوا » بلفظ الماضي . وقرأ ابن عامر : « فأمتعه » من أمتع الرباعي .
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
القاعدة : ما يقوم عليه البناء من أساس . الأمة : الجماعة . والمناسك : جمع منسك العبادة ، وأصبحت شائعة في عبادة الحج . الكتاب : القرآن . الحكمة : كلمة معامة تجمع معاني العلم والعدل والحلم وكل أنواع المعرفة التي تجعل المرء حكيما يسلك طريق السداد : ويزكيهم : يطهر نفوسهم من دنس الشرك والمعاصي . (1/68)
بعد ما مر من الآيات التي نوهت بالحرم والبيت ، وان الله جعله بلدا آمناً تجبى اليه الثمرات انتقل التنويه الى ان الذي بنى ذلك البيت هو ابراهيم بمعنونة ولده اسماعيل .
وكانا يدعوان بقولهما : ربنا تقبّل منا هذا العمل الخالص لوجهك الكريم ، إنك انت السميع لدعائنا؛ العليم بنيّاتنا في جميع اعمالنا .
وفي الآية اشارة الىأن كل من عمل عملاً صالحاً أو أدى فريضة مقررة وابتهل الى الله بالدعاء طالبا القبول فإنَّه لا يرده خائبا .
ربنا واجعلنا مخلصين لك بأن لا نتوجه بقلبنا الا اليك ، ولا نستعين بأحد الا بك ، و لا نقصد بعملنا الا مرضاتك . واجعل من ذريتنا جماعة مخلصة لك ، وعلّمنا طريقة عبادتنا الصحيحة لك في بيتك المحرم وما حوله ، في الحج وغيره ، ووفّقنا للتوبة انك تقبل توبة عبادك وتغفر لهم بفضل من رحمتك .
ربنا وابعث في ذريتنا رسولاً منهم ، يقرأ آياتك ، ويعلّمهم ما تُنزل من الوحي ، ويبصّرهم بكل علم نافع وشريعة قويمة ، ويطهرهم من ذميم الأخلاق ، إنك انت القوي الذي لا يُغلب ، ولا يناله ضيم ، والعزيز الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه الحكمة والعدل والصلاح .
وقد أجاب الله دعاءهما وأرسل فيهم محمداً عليه الصلاة والسلام من ذرّية اسماعيل ، فكوّن من العرب بفضل الاسلام أُمة كانت خير الأمم . واذا كانت هناك الآن وحدة اسلامية عامة أو شيء يشبه هذه الوحدة ، فإنما هي بفضل القرآن وُجدت وبفضل القرآن ستبقى ، مهما تختلف الظروف وتدلهمّ الخطوب . فالقرآن هو أساس هذه الوحدة الجديدة كما كان أساسا للوحدة القديمة . والعرب أجدر ان يفهموه وينفذوه ، فقد نزل فيهم ، وأنزل بلغتهم ، واتّجه اليهم أول ما أُنزل .
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)
رغب في الشيء : أحبه ، ورغب عنه : لم يردّه وزهد فيه . سفِه نفسه : أذلها واحتقرها . اصطفيناه : اخترناه . أسلم : أخلص العبادة لله . (1/69)
هذه هي ملة ابراهيم : الاسلام الخالص . ولَنعم ما فعله ابراهيم وما دعا اليه ربه ، فكيف تعرضون عنها ، وتدعون أولياء من دون الله لا يملكون لكم ضراً ولا نفعا! انه لا يعرض عن ملة ابراهيم الا من امتهن نفسه واحتقرها . ولقد اصطفينا ابراهيم من بين خلقنا في الدنيا ، وجعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح . اذ قال له ربه حين دعاه : أسلِم ، فلبى دعوته حالاً وقال : أسلمت واخصلت ديني لله . اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما ن من المشركين . وبعد ذلك وصى ابراهيم بنيه بهذه الدعوة كا وصى يعقوب أولاده من بعده أن اتبعوا ملة أبيكم ابراهيم فالله قد اختار لكم هذا الدين الحنيف ، فحافظوا على هذه النعمة ، ولا تموتن الا وأنتم مسلمون .
القراءات :
« وصى بها ابراهيم » قرأ نافع وابن عامرب « وأوصى بها » .
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)
شهداء : جمع شهيد بمعنى حاضر . وهو المقصود . (1/70)
روي ان اليهود قالوا للنبي الكريم : ألست تعلم ان يعقوب أوصى بنيه باليهودية؟ فجاءت هذه الآية رداً علهيم . أكنتم هناك يوم حضرته الوفاة وعرفتم الملة التي مات عليها!
اعلموا ان يعقوب مات على دين ابراهيم ، وكذلك ابناؤه بعده . فلقد سألهم : ماذا تعبدون من بعدي؟ فأجابوا : نعبد إلَهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحاق ، لا نشرك به شيئا ونحن له منقادون مسلمون .
وقد ارشدت الآية الكريمة الى ان دين الله واحد في كل أمة ، وعلى لسان كل نبي ، وروحُه التوحيد والاستسلام لله والاذعان لِهَدْي الأنبياء .
تلك أمة ابراهيم ويعقوب والصالحين من بنيهما ، وهي جماعة قد خلت ، لها ما كسبت في اسلامها من الاعتقادات والأعمال والأخلاق ، ولكم ما كسبتم من الهدى أو الضلا . انهم لا يُسألون عن أعمالكم ولا تسألون عما كانوا يعملون . اولئك لا ينفعهم الا ما اكتسبوا ، وأنتم لا ينفعكم الا ما اكتسبتم .
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)
هودا : يهودا . حنيفا : مائلا عن الباطل الى الحق ، ثم صار علَما للاستقامة . الأسباط : جمع سبط وهو ولد الولد . الاسباط من بني اسرائيل كالقبائل من العرب : تولوا : اعرضوا . في شقاق : في نزاع . صبغة الله : فطرة الله التي فطر الناس عليها . (1/71)
قال اهل الكتاب : كونوا ايها المؤمنون يهوداً او نصارى تهتدوا الى الطريق السوي ، فقل لهم يا محمد : بل نتبع ملة ابراهيم الذي لا تنازعون في هداه ولم يكن من المشركين . ودين ابراهيم الحنيف هو الذي عليه محمد واتباعه المؤمنون . وذلك لأنهم يؤمنون بالله وبرسله كتبه . لذلك قال بعده هذه الآية : قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا من القرآن ، وآمنا بما أنزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط ، وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى غير محرّفة ، والانجيل الذي أنزله الله عليى عيسى غير محرف أيضاً . وآمنا بما أُتي النبيون من ربهم ، لا نفرّق بين أحد منهم فنكفر ببعضه ونؤمن ببعض ، بل نشهد بأن الجميع رسل الله بعثهم بالحق والهدى ، ونحن له مسلمون مذعنون بالطاعة والعبودية . فإن آمنوا بكل هذا وتركوا ما هم عليه من تحريف كتبهم وادعائهم حلول الله في بعض البشر ، فقد اهتدوا الى الحق . اما إن اعرضوا عما تدعوهم اليه ، وفرقوا بين رسل الله فاتركهم . فانهم في شقاق وعداوة ، والله سوف يكفيك امرهم ويريحك من لجاجهم ونزاعهم .
غن ما ذثكر آنفاً هو الايمان الحقيقي ، وهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها . اختار الله هذه الرسالة وجعَلها آخر رسالاته الى البشر لتقوم عليها وحدة انسانية واسعة الآفاق ، كل الناس فيها سواء ، أفضلهم أتقاهم وانفعهم . ومن أحسنُ من الله صبغة! وتختتم الآية بهذه العبارة اللطيفة « ونحن له عابدون » أي ان الله هدانا بهدايته ، وارشدنا الى حجته ، ونحن لا نخضع الا لله ، ولا نتبع الا ما هدانا وأرشدنا اليه ، فلا نتخذ الاحبار والرهبان اربابا يزيدون في ديننا وينقصون .
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)
اتحاجوننا : اتجادلوننا . (1/72)
بعد ان بين الله تعالى ان الملة الصحيحة هي دين ابراهيم ، وهي صبغة الله عز وجل ، وان محمداً جاء متبعاً لها متمماً للراسلات التي سبقته شرع هنا يبطل الشبهات التي تعترض سبيل الحق ، فقال : قل يا محمد ، اتجادلوننا في الله زاعمين انه لا يصطفي الأنبياء الا منكم ، وهو ربكم ورب كل شيء لا يختص به قوماً دون قوم! ان رب العالمين يصيب برحمته من يشاء ويجزي كل قوم بأعمالهم ، لنا اعمالنا ، ولكم أعمالكم ، ونحن له مخلصون .
ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق والأسباط كانوا يهوداً او نصارى مثلكم مع أن الله ما انزل التوراة والانجيل اللذين قامت علهيما اليهدية والنصرانية الا من بعد هؤلاء! لقد اخبرنا الله بذلك ، فهل انتم أعلم أم الله؟ بل انه اخبركم بذلك في أسفاركم ، فلا تكتموا الحق . و من أظلمُ ممن كتم حقيقة يعلمها من كتابه! ان الله لا يترك امركم سدى فهو يعلم حقائق الأمور ، وهو محيط بما تأتون وماتذرون .
{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ . . . } اعاد القرآن الآية التي مرت منذ قليل للتأكيد على انه لا علاقة لهم بالأسلاف الماضين . .
القراءات :
قرأ بن عامر ، وحمزة والكسائي وحفص « ام تقولون » بالتاء . والباقون : « ام يقولون » بالياء .
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)
السفيه وجمعه سفهاء : الجهال ، ضعاف العقول . ولاه عن الشيء : صرَفه . القبلة : ما يستقبل الانسان . . ثم خصه بالجهة التي يستقبلها المسلمون في الصلاة . الوسط : العدل والخيار . من ينقلب على عقبيه : يترك ما كان عليه من التقوى والاستقامة . (1/73)
لما هاجر الرسول الكريم الى المدينة مكث ستة أو سبعة عشر شهرا يصلي متوجهاً الى بيت المقدس . وفي شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة أوحي اليه ان يتوجه بالصلاة الى الكعبة كما يقول ابن عباس . فغضب اليهود من تحويل القبلة هذا وجاء نفر من أحبارهم ، منهم رفاعة بن قيس وكعب بن الاشرف والربيع ابن ابي الحقيق فقالوا : يا محمد ، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم انك على ملة ابراهيم ودينه؟! ارجع الى قبلتك نتبعك وتصدقك . وما كانت أقوالهم هذه الا كذباً وما أرادوا بذلك الا فتنة النبي صلى الله عليه وسلم .
فأنزل الله تعالى : { سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس . . } الآية سيقول الذين ضعُفت احلامهم وأضلتهم أهواؤهم من اليهود والمنافقين والمشركين : أي شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانواعليها؟ .
قل يا محمد ، إنّ جميع الجهات لله لا فضل لجهة على أُخرى ، وليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور ، وكذلك الكعبة والبيت الحرام . وانما جعل الله للناس قبلة ، لتكون جامعة لهم في عبادتهم ، والله وحده هو الذي يختار ما يشاء ليكون قبلة للصلاة . وهو يهدي بمشيئته كل أمة من الأمم ويلهمها ما فيه الخير لها . وكذلك جعلناكم امة وسطاً خياراً عُدولا ، جَمَعَ دينُها بين المادة والروح فجاء وسطاً جامعاً بين حق الروح وحق الجسم . وخير الامور الوسط . وذلك لتشهدوا يوم القيامة على جميع الناس الماديين الذي فرطوا في جنب الله واخلدوا الى الملذات وعبادة المادة ، وقالوا إِنْ هي الا حياتنا نموتونحيا وما يهلكنا الا الدهر . . وكذلك الذين غلَوا في الدين وتخلّوا عن جميع اللذات الجثمانية وتعلقوا بالروحانيات فقط . لقد جعلناكم كذلك لتكونوا أمة وسطا بين هؤلاء وهؤلاء ، وبكل معاني الوسط ، سواء في الوساطة يمعنى الحسن والفضل أو الاعتدال والقصد ، أو التفكير والشعور . { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً } اذ هو المرتبة العليا لمرتبة الوسط .
{ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ . . . } اما القبلة إلى بيت المقدس واليت شرعناها لك حيناً من الدهر ثم أمرناك ان تتحول عنها فانما جعلناها امتحانا للمسلمين ، ليتبين منهم من يطيع أوامر الله ويتبع الرسول الكريم ، من يغلب عليه هواه فيضلّ عن سواء السبيل .
ولقد كان الأمر بالتوجه الى بيت المقدس ثم التحول الى الكعبة شاقاً الا على الذي وفقهم الله الى الايمان . والله رؤوف بعباده ، لأنه ذو رحمة واسعة فلا يُضيع عمل عامل من عباده .
القراءات :
قرأ الحرميان ، وابن عامر وحفص « لرؤوف » بالمد على وزن فعول . والباقون « رَؤُف » فَعُل .
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)
تتقلب الوجه في السماء : التطلع الى السماء . الشطر : الجهة . (1/74)
كان النبي عليه الصلاة والسلام منذ وصوله المدينة يتطلع الى ان يؤمر بان تكون قبلته الكعبة . قبلة ابيه ابراهيم . فيه قبلة بني قومه ، يعظمونها ويفتخرون بها . لذلك جعل يديكم النظر الى السماء ، راجيا ان يمنّ الله عليه بالوحي الذي يأمره بذلك ، فأوحى الله تعالى اليه قوله { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء . . . . } فها نحن أولاء نؤتكي سؤلك ، فاستقبل في صلاتكم المسجد الحرام ، واستقبلوه كذلك أيها المؤمنون في أي مكان تكونون .
اما أل الكتاب فانهم يعلمون ان استقبال القبلة في المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على رسوله ، ومع ذلك تجدهم يثيرون الشغب والفتنة ، ويؤثّرون على الضعاف في دينهم ، ويوهمونهم ان ما يقولونه مأخوذ من كتبهم ، وما هو من كتبهم ، ولكنهم يريدون بذلك الخداع والفتنة . والله ليس غافلا عنهم ، وهو يجزيهم بما يفعلون .
ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد .
القراءات :
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي « يعملون » بالياء . وبالباقون « تعملون » بالتاء .
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)
ثم يؤكد تعالى عنادهم وكفرهم بهذه الآية ، وتفسيرها : ولئن جئت يا محمد اليهود بكل برهان وحجة بأن الحق هو ما جئت به من فرض تحويل القبلة . . ما صدقوا به ولا اتبعوك ، لأن إنكارهم ما كان لشبهة تزيلها الحجة . بل هو عناد ومكابرة ، فلا يُجدي معهم برهان ولا تقنعهم حجة . (1/75)
واذا كان اليهود يطمعون في رجوعك الى قبلتمهم ويعلقون اسلامهم على ذلك ، كما راجعك نفر منهم فقد خاب رجاؤهم ولن تتحول الى قبلتهمه . ان اليهود لن يتركوا قبلتهم ويتوجهوا الى المشرق . ولا النصارى تغير قبلتها وتتجه الى المغرب .
{ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم . . . } ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود فابتعت قبلتهم من بعدما أوحينا إليك أنهم مقيمون على باطل فإنك اذّاك من الظالمين أنفسهم المخالفين لأمري .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)
ان أهل الكتاب ليَعلمون ان تحويل القبلة الى المسجد الحرام حق ، وأنك يا محمد النبي المنعوت في كتبهم بأنه سوف يصلي الى الكعبة . . وهم يعرفون ذلك كمعرفتهم لأبنائهم . وذلك ما قاله عبدالله بن سلام ، أحد احبار اليهود . قبل ان اسلم وصار من عظماء الصحابة . لسيدناعمر رضي الله عنه : انا اعلم بأن محمداً نبي أكثر مما اعلم انه مني . وكذكل قال تميم الداري وهو من علماء النصارى . . ولكن بعضهم أصروا على الكفر وكتموا الحق الذي يعرفونه ، اتباعا لهواهم ، وتعصباً وحفظاً على سطلناهم . (1/76)
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147)
اعلم يا محمد ان الحق هو ما أعلمك به ربك لا ما يضلَّل به اهل الكتاب فلا تكن من اهل الشك والتردد . ومن ذلك الحق امرُ القبلة فامض فيه ولا تبال بالمعارضين . (1/77)
والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم . . . } الخطاب فيه موجه الى النبي عليه السلام ، والمراد به من كانوا غير راسخي الايمان من أُمته .
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)
بعد ان اقام الحجة على أهل الكتاب وبين أنهم يعملون من كُتبهم ان محمداً نبي ، وان جحودهم لتحويل القبلة عناد ومكابرة بيّن الله تعالى هنا ان كل أمة لها قبلة خاصة تتوجه اليها حسب شريعتها ، ليس في ذلك شيء من التفاضل ، وإنما التفاضل في عمل الخير ، فسارعوا اليها المؤمنون الى الخيرات وتنافسوا فيها ، ان الله سبحانه سيجمعكم يوم القيامة ويأتي بكم من كل مكان تكونون فيه ، ثم يحاسبكم على ما قمتم به من أعمال ، فيوفّي المسحن جزاءه والمسيء عقابه ، أو يتفضل فيصفح . وهو على جمعكم من قبوركم وعلى غير ذلك مما يشاء قدير . (1/78)
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
الى أي جهة توجهت في اسفارك يا محمد فاستقبل المسجد الحرام . هاذ هو الحق من ربك ، فاحرص عليه انت وأمتك ، فان الله ليس بغافل عن أعمالكم . وحيثما كنتم من أقطار الارض ، مقيمين أو مسافرين ، فصلُّوا متجهين الى المسجد الحرام . (1/79)
وقد كرر سبحانه هذا الأمر ثلاث مرات تأكيدا لأهمية هذا الموضوع حتى تنقطع حجة أهل الكتاب والمشركين ومن تبعهم من المنافقين ، الا الذين ظلموا منهم فلن ينقطع جدالهم وضلالهم . وسيظل اليهود يقولون : ما تحوّل الى الكعبة الا حباً لبلدة ، ولو كان على حق للزم قبلة الأنبياء الذي قبله . ويقول المشركون : رجع الى قبلتنا وسيرجع الى ديننا . ويقول المنافقين : انه متردد مضطرب لا يثبت على قبلة . لا تبالوا بمثل هؤلاء ، فان مطاعنهم لا تضركم ، واخشوني ولا تخالوا امري . بذلك أتم نعمتي عليكم بأعطائكم قبلة مستقبلة لكم ، لعلكم تهتدون .
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)
يعدد الله سبحانه نعمه الكثيرة على هذه الأمة فيقول : ان من تمام نعمتي عليكم توجيهكم الى المسجد الحرام . بعد أن أرسنلا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا التي ترشدكم الى الحق ، ويظهر نفوسكم من دنس الشرك وسيء الاخلاق والعادات ، التي كانت فاشية فيه العرب من وأد البنات ، وسفك الدماء لأتفه الأسباب . ويعلمكم القرآن ، ويبين لكم ما فيه من تشريع واسرار آلهية ، كما يعلمكم أشياء كثيرة كانت مغيَّبة عنكم . (1/80)
فاذكروني بالطاعة والعبادة وبأعمالكم الطيبة واشكروا لي هذه النعم بها ، ولا تكفروا هذه المنن ولا تجحدوها .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)
بعد ان تم تقرير القبلة ، وما واكبه من امتحان كبير للمؤمنين ، وما لا قوه من اليهود والمنافقين والمشركين ، وبعد بيان نعم الله على المؤمنين شرع سبحانه في توجيه هذه الأمة توجيها عظيما ، وتوطينها على احتمال الشدائد ، وتعويد النفوس على التضحية . وأعظم شيء يواجه الانسان به كل هذه المكاره هو الصبر . ولذلك قال تعالى : يا أيها المؤمنون ، استعينوا في كل تأتون وما تذرون بالصبر ، فانه أمر عظيم ، ومزية كبرى وليس الصبر مجرد الاستسلام والخنوع اما الحوادث ، إن ذلك عجز وصغار لا يرضى بهما الله لعبادة المؤمنين ، وإما هو تحمُّل منع عمل دائب مدروس . وكذلك بالصلاة ، وهي الوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته بخشوع وتدبر ، وطلب المعونة والهداية منه . بذلك يطهُر جسد المؤمن ، كما تطهر روحه . وقد خص الصبر والصلاة معاً لأن الصبر أشد الأعمال الباطنية على البدن ، والصلاة أشد الأعمال الظاهرة عليه . وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا حَزَبه أمر صلّى » فالصبر والصلاة من أقوى عُدد المؤمن في هذه الحياة ، ان الله مع الصابرين . (1/81)
{ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله . . . } نزلت هذه الآية في شهداء بدر وهي تعم كل من استشهد في سبيل الله . ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هو ميت ، فإنه حي عدي في حياة نعيم ، وعيش هنيء .
فالشهداء احياء في عالم غير عالمنا ، ونحن لا نشعر بحياتهم ، لأنها ليست في عالم الحس الذي يدرَك بالمشاعر . وقد صوّرها رسول الله أجمل تصوير رمزي فيما رواه مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود : « ان أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي الى قناديل معلقة تحت العرش ، فاطلع عليهم ربك اطلاعةً ، فقال : ماذا تبغون؟ فقالوا : يا ربنا . وأي شيء نبغي وقد اعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا ، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يُسألوا قالوا : نريد ان تردنا الى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نُقتل فيك مرة أخرى ، لما رأوا من ثواب الشهادة ، فيقول الرب جل جلاله : اني كتبت انهم اليها لا يرجعون » .
وقد وردت احاديث كثير تشيد بالجهاد في سبيل الله ، وفضل الشهداء والشهادة . وهل هناك أعظم من التضيحة في سبيل الله والوطن!!
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
الابتلاء : الاختبار والامتحان . (1/82)
المصيبة : كال ما يؤذي الانسان في نفسه أو ماله أو أهله . الصلاة من الله للفرد : التعظيم للانسان اعلاء منزلته . والرحمة منه : اللطف بما يكون من حسن العزاء .
هذا إخبار من الله تعالى للمسلمين انه مبتليهم بشدائد من الأمور ليُعلم من يتّبع الرسول مما ينقلب على عقبيه ، وسيمتحنهم بشيء من الخوف من العدو ، والجوع من القحط لختبرهم أيضاً . يومئذ تنقص أموالكم ، وتكون حروب بينكم وبين الكفار ، وتقع جدوب تنقص فيها ثماركم ، ويومئذ يتبين الصادقون منكم في ايمانهم ، من الكاذبين فيه ، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه . ولن يعصمكم في هذا الامتحان القاسي الا الصبر . ولذلك بشّر يا محمد الصابرين على امتحاني ، والحافظين أنفسهم عن الإقدام على مخالفة أوامري ، والذي يؤدون فرائضي مع ابتلائي اياهم والذين اذا نزل بهم ما يؤلمهم يؤمنون بان الخير والشر من الله ، وان الأمر كله لله فيقولون : إنا مقرّون لله بالعبودية والملك ، واليه راجعون مقرّبون بالفناء والبعث من القبور . فليس لنا من أمرنا شيء وانما له الشكر على العطاء وعلينا الصبر عند البلاء . أولئك لهم من ربهم مغفرة ورحمة ، يجدون أثرها في برد قلوبهم عند نزول المصيبة .
هذه تربية ربانية عالية للمسلمين ، ليعدّهم لأمر عظيم ، وذلك الامر هو نشر دينه القويم ، ودعوته السماوية التي أخرجت الناس من الظلمات الى النور . وقد قاموا بحقها ووفوها بعز وإيمان . لقد أدوها يومذاك خير أداء ، وهو ما يُطلب منا اليوم : ان نأخذ بهذه الآداب الربانية ونلتف حول القرآن الكريم لنستعيد مجدنا وكرامتنا ، ونستحق الحياة في هذا الكون ، ونكون من المهتدين .
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)
الصفا والمروة : جُبيلان في مكة في الحرم . شعائر الله والمشاعر : المناسك والعبادات . (1/83)
الحج : الذهاب الى بيت الله الحرام في أيام موقوتة وذلك على من استطاع . والعمرة : معناها في اللغة الزيارة ، وفي الشرع الزيارة لأداء مناسكها . فلا جناح عليه : لا اثم عليه .
التطوع : التبرع بالخير .
كان بين الصفا والمروة سوق تجارية عامة فكان في السعي بينهما بعض المتاعب ، نتيجة لما يصادفه الساعي من الاحتكاك بالناس والحيوان . والمسافة بينهما نحو 760 ذراعا . وقد ازيل السوق وضم الى الحرم ، ونظم السعي من زحام فان المرء يسعى بكل راحة واطمئنان .
وقد كان في زمن الجاهلية على كل من الصفا والمروة صنم يطوف به أهل مكة ويتبركون . فلما جاء الاسلام تحرج بعض المسلمين ، وقالوا كيف نطوف في هذا المكان وقد كان المشركون يتبركون بالاصنام فيه؟ كذلك كان أهل يثرب يحجون الى مناة ، الصنم المشهور ، فقالوا : بعد اسلامهم : يا رسول الله ، إنا كنا في الجاهلية لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة ، فهل علينا من حرج ان نطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله . . . } الآية .
ان هذين الموضعين من مناسك الحج والعمرة ، فمن أدى فريضة الحج أو اعتمر فلا يتخوف من الطواف بينهما ، ولا حرج على من زاد وأكثر من الطاعة في العبادة فان الله تعالى يجازيه على الإحسان احسانا . وذلك انه مهما استكثر المؤمن من عمل الخير فان الله يزيده من الأجر أضعافا مضاعفة .
وفي هذا تعليم لنا وتأديب كبير ، فاذا كان الله تعالى يشكرنا على تأدية الواجبات وعمل الطاعات فإن معنى هذا أن نشكر الله على ما أسبغ علينا من النعم الكثيرة . كذلك فيه تعليم لنا ان نشكر كل من أسدى الينا معروفا ، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله .
القراءات :
قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : « ومن يطَّوَّع » بالياء والادغام .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)
كتم الشيء : ستره واخفاه . والبينات : الأدلة الواضحة . الكتاب : يراد به الكتب المنزلة من عند الله . اللعن : الطرد و الإبعاد . (1/84)
الكلام هنا في عناد اليهود ومن تابَعهم من المنافقين . لذلك انتقل من بيان مشروعية الطواف بالصفا والمروة الى الحملة على هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى . والظاهر ان هناك من اعترض منهم أيضاً على مناسك الحج ، لكن حكم الآية ههنا شامل لكل من كتم علماً فرض الله بيانه للناس .
ان أهل الكتاب الذين كتموا أمر الإسلام ، ونبوة محمد رغم انهم يجدون ذلك لديهم في التوراة والانجيل ، والذين عرفوا براهين صدق نبوته ثم أخفوا هذه الدلائل وكتموها عن الناس اولئك يصب الله غضبه عليهم ويبعدهم من رحمته .
ثم استثنى الحقُّ مَن تاب ، فقال : إلا الذين تابوا ، وأصلحوا حال أنفسهم بالتقرب الى الله صالح الأعمال فهؤلاء يتوب الله عليهم ، ويفيض عليهم مغفرته ، وهو التواب الرحيم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)
كان ما سبق حالَ من يرضى عنهم ربهم ، اما الذين يموتون وهم كفار ولا يتوبون فاولئك لهم اللعنةُ الأبدية ، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . انه مطرودون من جميع المخلوقات ، يرجون رحمة ربهم ولا يستطيع احد ان يشفع لهم ، وسيبقون في العذاب خالدين في النار ، لا يخفَّف عنهم العذاب ولا هم يُمهلون حتى لو طلبوا ذلك . (1/85)
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)
يبين الله تعالى هنا القاعدة الكبرى في هذا الدين والأساس الأول الذي يبنى عليه وهي الوحدانية . فالذي يستحق منكم الطاعة ويستوجب منكم العبادة هو معبود واحد ورب واحد . فلا تعبدوا غيره ، ولا تشركوا معه سواه . انه الذي وصعت رحمتُه كل شيء ، فحسْب المرء ان يرجو رحمته ولا يعتمد رحمة سواه . (1/86)
وقد قرَن الوحدانيةَ مع الرحمة دون غيرهما من صفاته ، ليبين لعباده انه يرحم ويغفر أكبر الذنوب ، يفعل ذلك ترغيباً في التوبة والرجوع اليه في كل حين .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
في هذه الآية عرض موجز لبعض مشاهد الكون العجيب ، وآيات لكل ذي عقل على وجود الله وألوهيته . وفيها تنبيه للحواس والمشاعر تفتح العين والقلب على عجائبها هذا الكون ، فمن ذلك : ابداع السموات التي ترونها والكواكب تسير فيها بانتظام دون ان تتزاحم او تصدم ، بل تبعث الحرارة والنور لهذا العالم ، والارضُ وما فيها من البر والبحر ، وتعاقب الليل والنهار في حياتها ما في ذلك من المنافع للناس . كذلك ما يجري في البحر من السفن التي تحمل الناس والمتاع ، ولا يسيّرها الا الله . كذلك فهو الذي يرسل الرياح التي تبعث المطر ، فيحيي الحيوان ويسقي الارض ، والنبات . ومن خلقه ايضا ما ترونه من السحاب المعلّق بين السماء والارض . (1/87)
والآن ، هل يعقل ان تقوم هذه الأشياء كلها ، وبهذا الاتقان والإحكام من تلقاء نفسها! ام هي صنع العليم القدير!
ويدلنا علم الفلك ان عدد نجوم السماء مثل عدد ذرات الرمال الموجودة على سواحل البحار في الدنيا كلها ، فمنها ماهو أكبر من الأرض وما هو أصغر منها . لكن أكثرها كبير جداً ، حتى ليمكن ان يعدِل أحدها ملايين النجوم التي في مثل حجم ارضنا هذه .
عندما تكون السماء صافية نستطيع ان نرى بالعين المجردة خمسة آلاف من النجوم ولكن هذا العدد يتضاعف الى أكثر من مليونين حين نستعمل تلكسوباً عادياً . ذلك ان الفضاء الكوني فيسح جداً ، تتحرك فيه كواكب لا حصر لها ، وبسرعة خارقة . فبعضها يواصل رحتله وحده ، ومنها ما يسير مثنى مثنى ، أو في مجموعات .
وأقرب حركة منا هي حركة القمر الذي يبعد حوالي 000ر240 ميل . وهو يكمل دورته حول الارض من تسعة وعشرين يوماً ونصف يوم . كذلك تبعد أرضنا عن الشمس مسافة ( 000ر000ر92 ) ميل ، وهي تدور حول محورها بسرعة الف ميل في الساعة ، وقطر فلكها ( 000ر000ر190 ) ميل تكمله مرة واحدة في السنة . وهناك تسعة كواكب مع الارض وكلّها تدور حول الشمس بسرعة فائقة . فالمشتري مثلا يكمل دورة واحدة حول الشمس كل 11 سنة وستة وثمانين يوما . وزحل كل 29 سنة وستة وأربعين يوما . وأورانس كل 84 سنة ويومين . ونبتون كل 164 سنة وسبعة وتسعين يوما . وأبعد هذه الكواكب السيّارة حول الشمس هو بلوتو الذي تستغرق دورة واحدة منه حول الشمس 248 سنة و 43 يوما . وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمرا .
ولا ننسى ذلك العملاق الذي نسميه « الشمس » ، وهي أكبر من الأرض بمليون ومئتي ألف مرة . ثم ان هذه الشمس ليست بثابتة في مكانها وانما هي بدورها تدور مع كل هذه السيارات والنجميات في هذا النظام الرائع . وهناك آلاف من الأنظمة غير نظامنا الشمسي ، يتكون منها ذلك النظام الذي يسمى المجرات .
وكأنها جميعا طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة كما يدور الخذروف يلعب به الطفل ، { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } . (1/88)
وبقدّر علماء الفلك ان هذا االكون يتألف من خمسمائة مليون واحدة من هذه المجرات ، ويرون ان هذا الكون الفسيح بأعداده الهائلة من الكواكب والنجوم انما يسير بحركة منتظمة ، طبقاً لنظام وقواعد محكمة لا يصطدم فيها بعضها ببعض . وان العقل حين ينظر الى هذا النظام العجيب ، والتنظيم الدقيق الغريب ، لا يلبث ان يحكم باستحالة أن يكون هذا قائمة بنفسه ، بل يجزم ان هناك قدرة هي التي تقيمه وتهيمن عليه . تلك هي قدرة الله الواحد القدير . أفليس في هذه العجائب والمشاهد عبر ومواعظ لمن يتدبر بعقله ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة مبدعها وحكمته!
وقد قال بعض العلماء : ان لله كتابين ، كتاباً مخلوقاً هو الكون ، وكتابا منزلا مقرواً هو القرآن ، يرشدنا الى طرق العلم بذلك ، فمن اعتبر بهما فاز .
القراءات
قرأ حمزة والكسائي « وتصريف الريح » على الإفراد .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
الند : المماثل جمعه انداد . السبب ، وجمعه أسباب : أصل معناه الجبلُ ثم أصبح يطلق على كل ما يُتوصل به الى مقصد من المقاصد . الكرة : العودة . الحسرة : شدة الندم . (1/89)
بعد ان بين الله تعالى ظواهر الكون الدالة على قدرة الخالق وعظمته يقول هنا : رغم هذه الدلائل الواضحة ، والآيات البيّنات اتخذ بعض الناس ممن ضلت عقولهم أرباباً متعددة غير الله ، وجعلوهم اندادا له يطيعونهم ويعبدونهم ويحبونهم كحب المؤمنين لله ، وقد يكون هؤلاء الأرباب من ؤسائهم الذين يتبعونهم ويتعلقون بهم ، وقد يكونون احجاراً أو أشجارا ، أونجوما وكواكب ، أو ملائكة وشياطين ، أو حيوانات وهذا شرط عظيم .
والذين آمنوا أشد حباً لله من كل ما سواه . والتعبير هنا بالحب جميل فوق انه صادق . فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب والانقياد التي لا تنقطع ، فهو يلجأ الى الله دائما عد كل شدة أو نائبة .
ولو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك ما سينالهم من العذاب يوم القيامة ، يوم تكون القوة جميعها لله وحده؛ وانهم كانوا ضالين حين لجأوا الى سواه ، ويتحققون من ان الله شديد العذاب لو يرون حين يتبرأ الرؤساء المتبوعين من الذين اتبعوهم ، وحينَ تنقطع الأواصر والعلاقات وينشغل كل بنفسه ، وتظهر حقيقة الالوهية وكذب القيادات الاخرى وضعفها وعجزها أمام تلك القدرة لندموا أشد الندم .
{ وَقَالَ الذين اتبعوا . . . } وسيقول التابعون ، عندما يتبين لهم أنهم كانوا مخدوعين ، ليت لنا رجعة الى الدنيا حتى نتبع سبيل الحق ، ونتبرأ من هؤلاء الضالين المضلين كما تبرأوامنا . عند ذلك تبدو لهم أعمالهم السيئة فتكون حسراتٍ عليهم وندامة ، ما هم بخارجين من النار .
القراءات :
قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب « ولو ترى الذين ظلموا » بالتاء ، خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم . ولو ترى ذلك لرأيت امرا عظيماً . وقرأ ابن عامر « اذ يُرون العذاب » على البناء للمفعول . وقرأ يعقوب « ان القوة لله » بكسر همزة ان .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)
خطوات الشيطان : آثاره وطرقه . السوء . الاثم . ما يسوء وقوعه أو عاقبته . الفحشاء : كل ما يَفحُش قبحه في أعين الناس . الفينا : وجدنا . (1/90)
هذا نداء للناس جميعاً يدعوهم الله فيه فيقول : كلوا مما أحللتُ من الاطعمة على لسان رسولي اليكم ، وهوكل طعام ما لم يكن ميتة أو دماً مسفوحا أو لحم خنزير او ما أُهلّ به لغير الله . ما عدا هذا فهو حلال لكم . دعُوا طرائق الشيطان ومسالكه فانه عدو لكم ، فهو منشأ الخواطر الرديئة ، والمحرض على ارتكاب الجرائم والآثام .
ثم بين كيفية عداوته وفنون شره وافساده : { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسواء والفحشآء } فهو يزين لكم ماهو سيء في ذاته ، وتسلط عليكم كأنه آمر مطاع يدفعكم لأن تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم ويخرب عليكم آخرتكم . وهو يأمركم ان تقولوا على الله في دينه ما للا تعلمون ، فتحرّمون ما أباح الله ، وتحللون ما حرّم . وفي ذلك كله اعتداء على حق الربوبية بالتشريع ، وهذا اقبح ما يأمر به الشيطان .
واذا قيل لهؤلاء الذين اتبعوا خطوات الشيطان وتمسكوا بما توارثوا عن آبائهم في العقيدة والعمل : يا هؤلاء ، اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي الصادق ، وما فيه من هدى ونور مبين ، قالوا : لا نعدل عما وجدنا عليه آباءنا . وهكذا تجدهم قد أبطلوا فضل ما خصّ الله به الانسان من الفكر . ذلك ان الله ميز الانسان بالعقل ليعرف الحق من الباطل في الاعتقاد ، والصدق من الكذب في الأقوال ، والجميل من القبيح في الأفعال . فلما حيث الناسَ على تناول الحلال الطيب ونهاكم عن متابعة الشيطان ، وجانبَ الكفار الرشاد باتباعهم الآباء والأجداد قال : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } وهذا منتهى الذم والتوبيخ ، فكيف يتبعون ما أَلْفوا عليه آباءهم وهم لا يعقلون!!
القراءات :
قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر « خطوات » بتسكين الطاء .
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)
المثل : الصفة والحال . نعق : صاح . (1/91)
بعد نعى سبحانه وتعالى على الكفار سوءَ حالهم وتقليدَهم لآبائهم وساداتهم من الرؤساء دون استنادهم الى برهان يعتمدون عليه اعقب ذلك برسم صورة زرية لهذا الجمود ، فصّور البيهمة السارحة التي تسمع صياح راعيها ولكنها لا تفهم ما يريد . وهذا مثلُ الكافرين في تقليدهم ، وعدم تأملهم فيما يلقى اليهم . هؤلاء الكفار أضل من هذه البهائم ، فهم عن الحق صم الآذان ، عمي البصائر ، خرس الألسنة ، لا ينطقون بخير ، ولا يصدون عن عقل .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
الاهلال : رفع الصوت . وما أُهل به لغير الله : ما ذبح لصنم أومعبود غير الله . (1/92)
يتجه الخطاب هنا الى المؤمنين خاصة ، وليبيّن الله لهم ما حرم عليهم بع أن طلب اليهم أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم . وكان الناس قبل الاسلام فِرقا ، فمنهم من حرم معلى نفسه أشياء معينة من الحيوان . وبعض أهل الاديان السابقة يتقربون الى الله بتعذيب أنفسهم وتحريم بعض المأكولات ، واحتقار الجسد ، وغير ذلك من ألوان التحريم الذي كان من عند أنفسهم ، ومن وضع رؤسائهم .
وقد جعل الله تعالى هذه الأمة وسطاً تعطي الجسد حقه ، والروح حقها . فأباح ان نتمتع بما طاب كسبه من الحلال ولا نتمنع عنه تديُّناً ولا تعذيباً للنفس ، ولا نحرم بعضا ونحلل بعضا ، تقليداً للرؤساء والحاكمين فقال : يا أيها الذين آمنوا أبيحَ لكم أن تأكلوا من الطعام الطيَب فاشكروا الله على ما أولاكم من نعمة التمكين من الطيبات ، ومن نعمة الطاعة والامتثال لأمره انت كنتم تعبدونه حقا . وسأبيّن لكم المحرم عليكم فلا تسمعوا للمشركين وما حرّموا ، ولا لما زعمه اليهود وغيرهم . ان المحرم عليكم هو ما مات من الحيوان ولم يذبح ، فالميتة مؤذية للجسم . ونحن نعرف ان ما يموت بشيخوخة أو مرض يكون موته بسبب مواد سامة ضارة عجز جسمه عن دفع أذاها . اما في حال الاختناق أو الحرق والغرق فان الدم تتكون فيه مواد ضارة كثيرة .
والدم حرام عليكم أيضا : وكان العرب يأكلونه ويقدمونه لضيوفهم . كانوا يقصدون الحيوان ويحشون ما يسيلمن عِرقِه في مصران يشوونه ثم يأكلونه ، وربما شربوا الدم طلباً للقوّة ، فحرمه الله .
ولحم الخنزير : لأنه ضار وناقل للكثير من الأمراَ الخطيرة ، ولا سيما في البلاد الحارة .
وما أُهل به لغير الله : كان العرب يذبحون القرابين لأصنامهم وآلهتهم ويرفعون أصواتهم باسم آلهتهم . وهذاشرك وكفر .
ثم يضع قاعدة جليلة هي اباحة هذه الممنوعات عند الضرورة ، فالضرورات تبيح المحظورات . ولذلك قال تعالى : { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلاا إِثْمَ عَلَيْهِ } فمن أُلجىء الى أكل شيء مما حرم الله بأن لم يجد غيره وخاف على نفسه الهلاك جوعاً ، ولم يكن راغباً فيه لذاته ، ولم يتجاوز قدر الحاجة فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)
الضلالة : ضد الهدى . الباطل : الهلاك . الهدى : الرشاد . الشرائع التي أنزلها الله على لسان انبيائه . الشقاق : العداء . التنازع . (1/93)
يعود الحديث هنا في الحملة على الذين يخفون الحقائق ، وقد جادل اليهودُ كثيراً في ما أحلّ الله للمؤمنين ، كما كتموا ما تورده كتبهم من أمر النبي ونبوّته . . كل ذلك لقاء عَرَض من أعراض الدنيا ، فما جزاؤهم؟ انهم لا يأكلون من ذلك العرض الا سبباً لدخول النار ، فهي التي تملأ بطونهم يوم القيامة ، وسوف يُعرِض الله عنهم يوم القيامة ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة ، ولهم عذاب شديد موجع . ذلك بأنهم تركوا الهدى الواضح الذي لا خلاف فيه ، واتبعوا الضلال ، واشتروا العذاب بالمغفرة . بذلك كانوا هم الجناة على أنفسهم ، فما أصبرهم على حر جهنم! لقد جاء الكتاب بالحق لكنهم انكروه ، ومن غالب الحق غلبه الحق ، وبقي هو في نزاع كبير فلا يهتدي الى الحق ابدا .
وكتمان الحق يتناول كل انسان من أية ملة كان ، يهوديا أو نصرانيا أو مسلما ، فهو حكمٌ عام مستمر في كل مكان وكل زمان .
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
البر : الصلة ، يقال بَرَّ رحمه اذا وصلها . والخير ، والاتساع في الاحسان ، والطاعة والصدق ، وهو جماع الخير ، والاخلاق الحسنة وما ينشأ عنها من أعمامل صالحة يتقرب بها العبد الى ربه ، أما بالنسبة الى الله فهو الثواب والرضا والمحبة الآلهية . (1/94)
المساكين : مفرده مسكين وهو الذي لا يستطيع العمل ، ولا يفطن أحد له لانه لا يسأل الناس . ابن السبيل : هو المسافر إذا انقطع فلا يجد ما يوصله الى بلده . السائلين : الذين ألجأتهم الحاجة الى السؤال ، فاضطروا الى التكفف . في الرقاب : تحرير العبيد واعانتهم على فك رقابهم . البأساء : الشدة . الضراء : كل ما يضر الانسان من مرض أو فقد حبيب من أهنل أو مال . حسن البأس : وقت الحرب .
وهذه أجمع الآيات في تحديد معنى البر من النواحي الواقعية . فهي ترشد الى ان البر لا يرتبط بشيء من المظاهر والصور والأشكال ، واما بالحقائق ولب الأمور وروح التكاليف . كما ترشد الى ان البر أنواع ثلاثة جامعة لكل خير : برٌّ في العقيدة ، وبر في العمل ، وبر في الخُلق .
يعلمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ان الخير ليس في الجدل في أمور لا تجدي ، ولا هو متعلق بالتوجه الى المشرق أو المغرب في صلاة مظهرية جوفاء ، كلا ، وانما هو أولاً الإيمان بالله في ربوبيته ووحدانيته؛ والايمان باليوم الآخر ، حيث تتم المحاسبة على ما جنته الجوارح وما في القلوب والضمائر . بيد ان الايمان بالله واليوم الآخر لا يمكن للعقل البشري ان يصل اليه مستقلاًّ بل لا بد من واسطة تدلنا عليه . وهي من ثلاثة عناصر : الملائكة الذين يتلقون عن الله مباشرة ، والأنبياء الذين يتلقُّون عن الملائكة ، والكتاب الذي يتلقونه ويبلّغون ما فيه من أحكام وتشريعات . وقد عبر الله عنها بالكتاب اشارة الى وحدة الدين عد الله . هذه الأمور الخمسة هي البر في العقيدة : الايمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .
أما البر في العمل فله شُعب كثير ترجع كلها مهما تنوعت الى بذل النفس والمال ابتغاء مرضاة الله ، وادخال السرور على خلق الله . والعمل هو مَدَدُ العقيدة وفي نفس الوقت ثمرتها ، يحفظها وينمّيها ، ويدل عليها . وقد ذكرت الآية بذل النفس في أعظم مظهر له ، ذلك هو اقامة الصلاة . فالصلاة هي عماد الدين ، والفارق بين المؤمن وغيره . انها مناجاة العبد لربه ، والناهية عن الفحشاء والمنكر ، والعاصمة من الهلع والجزع . هذه هي الصلاة اذا اقامها المرء على حقيقتها ، فوقف بين يدي ربه وقد خلع نفسه من كل شيء في دنياه ، وسلّم لله أموره ونسي ما عداه . بذلك يكون قد بذل نفسه لله ، ووضعها بين يديه ، فجاءت صلاته عهداً حقيقياً بينه وبين ربه .
ثم بين الله تعالى في الآية بذل المال في وصرتين ، أحدهما قوله تعالى : { وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وَفِي الرقاب } والثانية قوله تعالى : { الزكاة } ويجب ان يفهم هنا بمقتضى هذا الوضع القرآني الكريم ان الزكاة المفروضة شيء ، وان ايتاء المال لهؤلاء الأصناف المذكورة شيء آخر لا يندرج في الزكاة ولا تغني عنه الزكاة .
وقد قدّم الله تعالى الكلام في بذل المال لسد حاجة المحتاجين ، ودفع ضرورة المضطرين ، وقيام بمصالح المسلمين وحث عليه وأكده لأنه هو البر الحقيقي . اما الزكاة فهي فرض من الفروض الواجبة على المسلم يؤديها طبقا لشروطها . فاذا لم يقم الاغنياء والقادرون ببذل المال على هذا الوجه واكتفوا بدفع الزكاة فقط فإنهم ليسوا على البر الذي أراده الله من عباده . وهذا أصل عظيم في تنظيم الحياة الاجتماعية يباح به لمن يولِّيه المسلمون أمرهم ان يشرّع الوانا من الضرائب اذا لم تفِ الزكاة بحاجة الأفراد والمجتمع . (1/95)
{ وَآتَى المال على حُبِّهِ } اي بذَلَه رغم فطرة حب المال عند الانسان ، وبذلك يبرز معنى الايثار { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] و { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر : 9 ] . وقد قال صلى الله عليه وسلم « أفضل الصدقة ان تصَّدق وأنت صيح شحيح ت خشى الفقر وتأمل المغنى » أخرجه البخاري عن أبي هريرة .
ذوي القربى : الأقرباء المحتاجين ، وهم أحق الناس بالبر . وقد ورد في الحديث « ان الصدقة على المسكين صدقة . وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة ، وصلة » .
واليتامى : وهم الصغار فقدوا آباءهم وليس لهم عائل يرعاهم . وقد عني الاسلام بأمر اليتيم والحث على تربيته والمحافظة على نفسه وماله اذا كان له مال . وقد ظهرت عناية القرآن الكريم بشأن اليتيم منذ ان نزل الى ان انقطع الوحي ، وستمر بنا آيات كثيرة في ذلك . ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « خير بيتٍ في المسلمين بيت فيه يتيم يحسَن اليه ، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء اليه » .
والمساكين : هم الذين لا يستطيعون العمل ، ولا يفطن الناس اليهم لأنهم لا يسألون . وابن السبيل : هو المسافر الذي انقطعت به الطريق فلا يوصله الى اهله . والسائلين : الذين الجأتهم الحاجة الى السؤال ، فاضطروا الى التكفف . وفي الرقاب : اي لتحرير الأرقاء . والاسلام أول دين شرّع « العتق » . لقد حث على تحرير العبيد ولم يشرع الرق ، لأن هذا كان موجودا منذ أقدم العصور . لذا جعل من مصارف الزكاة انفاقها في الرقاب ، أي فكاك الاسرى ، وعتق الرقيق . ولقد حث الرسول الكريم في كثير من وصاياه وأحاديثه على الرفق بالرقيق والعمل على تحريرهم .
والبر في الخُلق هو المبدأ الثالث في هذه الآية العظيمة : وهو يشمل مبدأ القيام بالواجب ، وقد جاء التعبير عنه قوله تعالى : { والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ } ، ومبدأ مقاومة الطوارىء والتغلب على عقبات الحياة كما جاء في قوله تعالى : { والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس } والعهد لفظٌ شامل يجمع ألوانا من ارتباطات والتزامات لا غنى للناس عنها ، ولا استقامة للحياة بدونها .
وهي على كثرتها ترجع الى واحد من ثلاثة : عهد بين العبد وربه ، وعهد بين الانسان وأخيه ، وعهد بين دولة ودولة . اما مبدأ المقاومة فقد عبر عنه تعالى بقوله : { والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس } ، الصبر كما قدمنا الكلام عنه في شرح { استعينوا بالصبر والصلاة } هو عدة النجاح في الحياة ، والسبيل الوحيد للتغلب على جميع الصعاب . وقد ذكر سبحانه هنا ثلاث حالات هي ابرز ما يظهر في الهلع : البأساء ، والضراء وحين البأس . وقد تقدم تفسيرها . (1/96)
هذه عناصر البر في العقيدة والعمل والخلق ، تحدثت عنها هذه الآية الكريمة ، وختمت حديثها بحصر الصدق والتقوى فيمن اتصف بهذه المبادىء من المؤمنين ، { أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون } ، فالذين يجمعون هذه العقائد والأعمال الخيرة هم الذين صدقوا في ايمانهم .
وهذه الآية دستور شامل عظيم .
القراءات :
قرأ حمزة وحفص « ليس البر » بالنصب والباقون « ليس البر » بالرفع . وقرأ نافع وابن عامر « ولكن البر » بتخفيف لكن ورفع البر .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
كتب : فرض . القصاص : ان يُقتل القاتل . الألباب : جمع لب وهو العقل . (1/97)
{ ياأيها الذين آمَنُواْ } هذا نهج الآيات المدنية فانها تصدر بهذا النداء ، والحكم لجميع الناس . فُرض عليكم القصاص في القتلى . . . وهو قتْل من قَتل نفسا عامداً متعمداً ، ففي ذلك العدل والمساواة .
لقد كان القصاص في الجاهلية خاضعاً لقوة القبائل وضفعها ، فبعضهم كان لا يكتفي بقتل القاتل الفرد بل يطلبون قتل رئيس القبيلة ، وبعضهم كان يطلب قتل عدد من الأشخاص بدل المقتول . وهذا ظلم كبير . فجاء الاسلام بالعدل والمساوة وفرض قتل القاتل فقط . ثم خصّصت الآية فنصّت على بعض الجزيئات { الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } تأكيداً لإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من فرض عدم التساوي في الدماء . اما الحكم في الاسلام فهو ان يُقتَل القاتل سواء كان حراً قتل عبدا أو بالعكس . وذلك لأن هذا جاء واضحاً في قوله تعالى : { النفس بالنفس } كما جاء في سورة المائدة .
ولكن ، إذا قتل رجل ولده ، اختلف العلماء في ذلك : فمنهم من رأى يُقتل الولد كالإمام مالك ، وذلك في حالة ما اذا أضجعه وذبحه بالسكين . ومنهم من قال لا يُقتل به ، وهم الأغلب .
وكذلك اذا قتل جماعة رجلاً واحداً . . فجمهور العلماء انهم يقتلون به . كذلك فعل عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما .
واختلفوا في قتل المسلم ذميا ، فبعضهم قال لا يقتل به وهم الاغلب ، وقال البعض يقتل به .
وبعد ان بين سبحانه وتعالى وجوب القصاص ، وهو أساس العدل ، ذكر تشريع العفو ليوجّه النفوس اليه ، ويثير في سبيله عاطفة الاخوة الانسانية فقال تعالى ما معناه :
فمن عفى لهم من اخيه شيء فأتباع بالمعروف وأداء اليه باحسان . وذلك ان القاتل اذا حصل له تجاوز عن جنايته من ولي الدم ، فيجب ان يكون تعاملهما بما يشرح الصدور ، ويذهب بالأحقاد : على أخيه ان يُتْبع عفوه بالمعروف فلا يثقل عليه في البذل ، ولا يحرجه في الطلب . اما القاتل المعفوّ له عن جنايته فعليه ان يقدر ذلك العفو ، فلا يبخص صاحبه حقه ، ولا يمطله في الأداء . وهنا تظهر عظمة الاسلام في القصاص ، فقد نظر الى أمرٍ لم ينظر اليه القانونيون ، وهو ان جعل القصاص هو رفع الاعتداء في القتل بقتل القاتل ، فان سمت نفوس اهل الدم فآثروا العفو وجب لهم دية قتيلهم . وعلى أولياء الدم إتباع هذا الحكم بالتسامح ، وعلى القاتل أداء الدية دون مماطلة أو بخس .
ذلك هو الحكم الذي شرعناه لكم من العفو عن القاتل والاكتفاء بقدر من المال وهو تخفيف ورخصة من ربكم ورحمة لكم . فمن اعتدى وانتقم من القاتل بعد العفو والرضى بالدية فله عذاب أليم من ربه يوم القيامة .
{ وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب } من عظمة القرآن في تشريعه « المدني والجنائي » انه يلهب النفوس الى الامتثال ببيان ما في التشريع من حِكم وفوائد تعود عليها بخيري الدنيا والآخرة ، وهنا جاءت هذه الآية الكريمة تشير الى ما في القصاص ، تشريعاً وتنفيذا ، من نفع للحياة ذاتها ، فهو يحفظ الأرواح وإليه تطمئن النفوس . (1/98)
ولا ريب ان من علم انه اذا قتَلَ قُتِل ، وان القصاص له بالمرصاد كفّ نفسه عن قتل صاحبه ، فسلم ذاك من القتل وهذا من القصاص . وكذلك في تنفيذ القصاص على الوجه الذي شرع الله ، وهو قتل القاتل وحده دون اسراف بقتل غيره . وفي قوله تعالى : { ياأولي الألباب } اشارة لطيفة الى أن القصاص بجانبيه ، من شأن أولي العقول الذين يقدّرون وسائل الحياة الصحيحة . وما اهمال الأمة في تشريع القصاص وإسرافها في الأخذ بالثأر الا نقيض للعقل والايمان . ثم اشار سبحانه بعد ذلك الى أن هذا التشريع من شأنه ان يعد النفوس للصلاح بدل الفساد ، وللتقوى بدل العصيان ، فقال : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فليتدبر أولو العقول مزية القصاص هذه .
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
كتب : فرض . خيرا : الخير كل ما يحقق نفعا أو سعادة ، ويطلق على المال الكثير الطيب ، وهو المقصود هنا . الوصية : ما يكتبه الرج ليُعمل به ومن بعده . (1/99)
المعروف : الخير المتعارف به بين الناس . الجنف : الجور ، والميل عن الصواب .
كان الكلام في الآية السابقة عن القصاص في القتل ، وفي هذه الآيات جاء تشريع آخر هو الوصية عند الموت ، والمناسبة بين هذه الآيات واضحة والخطاب موجه الى الناس كلهم بأن يوصوا بشيء من الخير . فيقول سبحانه : فرض عليكم أذا حضرت أسبابُ الموت وعلله أحداً من الناس وكان عنده مال كثير يوصي من هذا المال للوالدين وذوي القربى بشيء منه ، على ان لا تزيد الوصية على ثلث مال الموصي . فأما اذا كان ماله قليلاً وله ورثة فلا تجب عليه الوصية . لأن الله تعالى يقول : { إِن تَرَكَ خَيْراً } والخير : هو المال الكثير .
ونص الآية ان الوصية تجب للوالدين ، والأقربين وهناك آية الميراث في سورة النساء التي تورّث الوالدين . وهناك حديث صحيح : « لا وصية لوارث » ، رواه أصحاب السنن . ولذلك قال معظم العلماء : ان الوصية لا يتجوز للوارث بما وفي ذلك الأب والأم؟ وقال بعضهم يجوز أن يوصي لبعض الورثة عملاً بهذه الآية . اما الأقربون الذي لا يرثون فالوصية لهم جائزة بنص هذه الآية وحكمها باق .
وحكمة الوصية للأقارب عظيمة ، فهي لون من الوان التكافل الاجتماعي . ولذلك قال تعالى { حَقّاً عَلَى المتقين } اي أوجب ذلك حقا على المتقين .
واذا صدرت الوصية عن الموصي كانت حقاً واجبا لا يجوز تغييره ولا تبديله ، فمن بدّل هذا الحق بعد هذا الحكم ، فقد ارتكب ذنبا عظيماً . ان الله سميع لأقوال المبدّلين والموصين ويعلم نياتهم ويجازيهم على أفعالهم .
وحكم الوصية عند جمهور العلماء انها مندوبة . وقال بعض العلماء انها واجبة .
{ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ . . . } الآية فاذا خرج الموصي في وصيته عن نهج الشرع فتنازع الموصى لهم في المال ، أو مع الورثة ، فتوسط بينهم من يعلم بذلك وأصلح فلا اثم عليه في هذا التبديل ، لأنه تبديل باطلٍ بحق ، وازالة مفسدة بمصلحة ، ان الله غفور رحيم .
القراءات :
قرأ حمزة ويعقوب والكسائي وأبو بكر « موصّ » بتشديد الصاد من وصّى .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
الصيام : الامساك عن الطعام والشراب والنشاط الجنسي من طلوع الفرج الى غروب الشمس ايماناً واحتساباً لله تعالى . (1/100)
والصيام عبادة قديمة جاءت بها الاديان السابقة ، سماوية وغيرها . فقد كان قدماء المصريين يصومون ، ومثلهم اليويان والرومان . وكان صيام في الديانة اليهودية ، وورد في الأناجيل . ولا يزال الوثنيون من الهنود يصومون . ولذلك قال تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام . . . } ومعناه فُرض عليكم الصيام كما فرض على أهل المِلل قبلكم ، وذلك كيما يعدّكم الله للتقوى بترك الشهوات المباحة . بذلك تتربّى عندكم العزيمة والارادة على ضبط النفس وترك الشهوات المحرمة . فالصوم من اجلّ العبادات التي تهذب النفوس ، وتعوّدها ضبط النفس ، وخشية الله في السر والعلن ، لأن الصائم لا رقيب عليه سوى ضميره . هذا كما يتعود الانسان الشفقة والرحمة الداعيتين الى البذل والصدقة . أما الفوائد الصحية فإنها كثيرة جدا ، منها ان الصوم المعتدل يذهِب السمنة وهي من أشد الأخطار على الصحة في العصر الحاضر ويطهر الأمعاء من السموم ، وفوائد أخرى جليلة تُطلب في الكتب الطبية .
{ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ . . } اي أياماً معيَّنة ، وهي رمضان . فمن كان مريضاً أو مسافرا فان الله تعالى أباح له الافطار ، ثم يقضي صيام ما أفطر في وقت آخر . وعلى الذين يطيقون الصيام ، لكن بشدة افتداء إفطارهم باطعام مسكين . وذلك مثل الشيوخ الضعفاء والمرضى الذين لا يرجى برء امراضهم ، والعمال الذين معاشهم الدائم بالعمل الشاق ، والحبلى والمرضع اذا خافتا على ولديهما . فكل هؤلاء يفطرون ، ويطعمون مسكينا عن كل يوم ، ومن أوسط ما يطعمون أهليهم ، بقدر كفايته ، أكلة واحدة مشبعة . وخلاصة ما تقدم ان المسلمين امام الصوم أقساط ثلاثة :
1 ) المقيم الصحيح القادر على الصيام بلا ضرر ولا مشقة ، فالصوم عليه واجب ، واذا أفطر أخلّ بأحد أركان الاسلام .
2 ) المريض والمسافر ، ويباح لهما الافطار مع وجوب القضاء ، ولو كان السفر في البحر أو البر أو الطائرة . والمرض غير محدّد بل هو متروك للشخص يقدره . فقد روى طريف بن تمام العطاردي قال : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل ، فلما فرغ قال : وجعتْ اصبعي هذه . ومحمد بن سيرين من كبار العلماء المشهورين .
وقال البخاري : اعتللت بنيسابور علة خفيفة ، في رمضان ، فعادني اسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي : افطرت يا أبا عبدالله؟ قلت : نعم . فقال : خشيت ان تضعُف عن قبول الرخصة .
وكما رخّص الله تعالى في المرض رخص في السفر . روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال : « خرج رسول الله في سفر في رمضان والناس مختلفون فصائم ومفطر ، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فشرب نهاراً ليراه الناس » .
وعن محمد بن كعب قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رحلتْ راحلته ولبس ثياب السفر ، فدعا بطعام فأكل ، فقلت له : سُنّة؟ فقال : سنة ، ثم ركب . رواه الترمذي . (1/101)
وهذا من تمام نعمة الله على عباده وسيره بهم في طريق اليسر والسهولة ، فلا ينبغي لمؤمن ان يضيق صدره برخَص الله ، فان الله يحب ان تؤتى رخصه ، انه بعباده رؤوف رحيم .
3 ) الشيخ الكبير ومن يماثله ممن يشق عليهم الصوم لسبب من الأسباب التي لا يرجى زوالها . وهؤلاء أباح اله لهم ان يفطروا ، وكلّفهم بالاطعام بدلاً عن الصوم . ومن تطوع فزاد في الفدية فذلك من عنده وهو خير له .
وفي حكم ما ذكرنا من الشيخوخة والمرض ما يزاوله بعض العمال والصناع من أعمال كاد تكون مستمرة طوال العام ، ويشق عليهم الصوم معها مشقة عظيمة . فاذا تعينت هذه الأعمال سبيلاً لعيشهم بأن لم يجدوا سواها ، أو لم يحسنوا غيرها فلهم ان يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينا . { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ . . . } . { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر . . . } .
ثم بين الله تعالى الايام المعدودات بأنها أيام شهر رمضان الجليل القدر عنده ، والذي أُنزل فيه القرآن ليهدي جميع الناس الى الرشد ببياناته الواضحة الموصلة الى الخير . فمن أدرك هذا الشهر سليماً معافى مقيماً غير مسافر فيجب عليه صومه . ومن كانت مريضاً أو مسافرا فله ان يفطر . وقد بين لكم الله شهر الصوم لتكملوا عدة الأيام التي تصومونها ، ولتكبّروا الله على ما هداكم اليه من الأحكام التي فيها سعادتكم في الدنيا والآخرة ، ولعلكم تشكرون له نعمة كلها .
القراءات :
قرأ عاصم برواية أبي بكر « ولتكمّلوا العدة » بالتشديد . وقرأ ابن عامر براوية ذكوان ونافع « فدية طعام مسكين » باضافة فدية الى طعام ومساكين بالجمع . وقرأ عامر برواية هشام « فدية طعام مساكين . . . » بدون اضافة .
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
الرفث : الجماع لباس لكم : الملابسة والمخالطة . المباشرة : الجماع . الاعتكاف : البقاء في المسجد للتعبد مدة . تختانون أنفسكم : تخونون . (1/102)
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي . . . } جاءت هذه الآية في وسط آيات الصيام كأنها استراحة لطيفة ، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين للناس ان الذين يطيعونه ويؤدون فرائضه ، هم قريبون منه وهو قريب منهم . انهن يستجيب دعائهم في كل مكان ، وفي كل زمان . فهو يسمع أقوالهم ، ويرى أعمالهم وليس بينه وبينهم حجاب ، فكيف اذا كان هذا الداعي صائما! ففي مسند الامام أحمد الترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « ثلاثة لا ترد دعوتهم : الامام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول : بعزّتي لأنصرنك ولو بعد حين » وفي حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله يقول : « للصائم عند افطاره دعوة مستجابة » وكان عبد الله بن عمر اذا أفطر دعا أهله وولده ودعا . من ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام .
فاذا كنت قريبا مجيباً دعوة من دعاني ، فليستجيبوا لي بالايمان بي وتوجيه العبادات إليّ حتى أجيب دعاءهم ، لعلهم يهتدون .
بعد ان بين لنا سبحانه كيفية الصيام ، والاعذار المبميحة له ، أردف في هذه الآية بقية أحكام الصوم ، فقال : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ } اي إتيان نسائكم . { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وهذا تعبير لطيف فيه كل معاني التستر حيث يعبر عن المخالطة والمعاشرة باللباس وفيه ستر ووِقاء . كذلك يجب أن تكون الصلة بين الزوجين عشرة حسنة ، وستراً من كل منهما على صاحبة . مع ان الله علم أنكم كنتم تخونن أنفسكم ، اي تنقصونها حظها من تمتعكم بنسائكم في ليالي رمضان فقد تاب عليكم ، وعفا عنكم . فالآن لا تتحرجوا من الحلال وكلوا واشربوا في ليل رمضان حتى يظهر لكم الفجر متميزاً من ضلام الليل ، ثم أتموا الصيام الى الليل .
{ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد } هذا حكم عام لا يختص برمضان . . فكلّ من صلاة وذكر وقراءة قرآن وغيرها . واقله يوم وليلة ، ولا حدّ لأكثره . والافضل ان يكون في العشر الأواخر من رمضان ، لأن آخر اعتكاف للنبي كان كذلك . وله ثلاثة شروط : النية ، والصيام ، وترك مباشرة النساء . وعند الشافعي لا يشترط الصيام . ولا يجوز للمعتكف ان يخرج من المسجد الا لقضاء الحاجة .
{ تِلْكَ حُدُودُ الله } اي أحكامه المشتملة على الايجاب والتحريم والاباحة . فلا تقربوها ، اي تتعدوها . وعلى هذا الطريق السوي من بيان أحكام الصيام جميعها يبين الله لكم آياته لتتقوها وتتجنبوا تبعاتها .
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
الأكل : الأخذ والاستيلا ء . والادلاء : الالقاء ، يقال : ادلى دلوه في البئر أرسلها . وأدلى اليه بمالٍ دفعه اليه . وأدلى بحجته أحضرها واحتج بها . فريقا : طائفة أو قسما . (1/103)
يقصد الله تعالى ان لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل ، فجعل تعالى اكْل المرء مالَ أخيه بالباطل كأكل مال نفسه بالباطل ، وكثيرا ما يرد في القرآن هذا التعبير حتى يشعرنا الله بأن الناس كلهم اخوان . وذلك كقوله : { وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ } . لقد جعل الله المؤمنين إخوة ، وعلى الاخوة ان يحفظوا مال بعضهم . وهو بذلك يؤدبنا بأرفع الآداب ، ويحضنا على ان نكون امناء فيما بيننا ، فلا يعتدي بعضنا على بعض ، ولا يظلم أحد منا غيره .
{ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام } : تلقوا بأموالكم الى الحكام ليُحكَم لكم بما حرام وتنتزعوا مال اخوانكم بشهادة باطلة أو بينة كاذبة ، أو رشوة خبيثة ، وأنتم تعلمون ان هذا ليس بمالكم ، وأنكم انما ترتكبون معصية بشعة .
ويدخل تحت قوله تعالى « بالباطل » كل كسب حرام .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)
استقر المؤمنون في المدينة ، وبدأ الناس يسألون عن أمور شتى تهمّهم في دينهم ودنياهم ، وهذا سؤال من هذا الأسئلة ، يرد في مجتمع جديد متطلع الى المعرفة . وكان من جملة السائلين معاذ بن جبل وثعلبة بن غنيم ، وكان سؤالهم : ما بال الهلال يبدوا دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ويعظم ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدِق حتى يعود كما بدأ؟ فأجابهم الله تعالى اجابة مختصرة مفيدة لهم في حياتهم وتعاملهم : ان الأهلة أمارات وتوقيت يعرف بها الناس الشهور والسنين ، ويعلمون أوقات زراعتهم وتجارتهم وعبادتهم كالحج ، والصيام . لقد اكتفى بهذا الجواب المختصر لأنه أقرب الى فهمهمه وهم اذ ذاك أمة أمية لا دراية لها بعلم الفلك ولا الفضاء . (1/104)
ثم أردف ذلك بقوله تعالى : { وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا } .
وهذه اشارة الى أن الأنصار كانوا إذا حجّوا فجاؤوا لم يدخلوا بيوتهم من قبل ابوابها بل من ظهورها . فجاء رجل منهم وخالف العادة فعُيِّر بذلك . فأبطل الله هذه العادة ، وأمرهم ان يدخلوا البيوت من أبوابها دائما وفي كل الأحوال . ثم بين لهم ان البر الحقيقي هو الابتعاد عن المعاصي والتحلي بالفضائل واتّباع الحق وعمل الخير .
القراءات :
قرأ ابو عمرو وورش وحفص « ليس البر » بضم الباء ، وقرأ الباقون « البر » بكسر الباء ، وقرأ نافع وابن عامر « ولكن البر » بتخفيف لكن ورفع البر .
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)
سبيل الله : دينه . ثقفه : طفِر به . الفتنة : الابتلاء والشرك . (1/105)
هذا أول أمر نزل للمؤمنين بالقتال ، وهو كما نراه واضح محدد ، هفو ان يقاتلوا الذين يعتدون عليهم ، ولذلك قال : ولا تعتدوا بمبادأتهم ، أو بقتل من لا يقاتل ولا رأي له في القتال ، ان الله لا يحب المعتدين .
واذا نشب التقال ، فاقتلوا أولئك لذين بدأوكم بالقتال حيث وجدتموهم ، وأخرجوهم من مكة ، وطنكم التي أخرجوكم منها . ولا تتحرجوا من ذلك فقط فعلوا ما هو أشد من القتل في المسجد الحرام ، لقد فتنوا المؤمنين في مكة عن دينهم ، بالتعذيب ، حتى فروا من وطنهم . ولكن ، ان المسجد الحرام حرمته فلا تنتهكوها الا اذا انتهكوها هم ، فان قاتلوكم فيه فاقتلوهم وأنتم الغالبون باذن الله .
فان انتهوا ورجعوا عن الكفر بأن انقادوا الى الاسلام ، فان الله يقبل منهم ويغفر لهم ما سلف من كفرهم .
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)
الشهر الحرام : هنا : ذو القعدة . وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة . الحرمات : كل ما يجب احترامه والمحافظة عليه . القصاص : المقاصة والمقابلة بالمثل . (1/106)
الأشهر الحرم : رجب . ذو القعدة . ذو الحجة . والمحرم . وكانت العرب تحرّم القتال فيه هذه الأشهر ، ثم جاء الاسلام فأقر ذلك . وفي عام ست من الهجرة أعلن النبي للمؤمنين وللناس جميعا أنه يريد العمرة ودعا الناس للخروج معه . وأحرم بالعمرة وساق معه سبعين بدنة هَدْياً الى الله . وخرج معه ألف وأربعمائة من أصحابه . فلما بلغوا الحديبية ، وهو مكان قرب مكة ، خرجت قريش متأهبة للقتال ومنعته من دخول مكة . ثم جرت مفاوضات انتهت بالصلح على ان يرجع رسول الله من مكانه في ذلك العام ، ويعود في العام المقبل ليؤدي العمرة . فنحر الهديَ في ذلك المكان ، وحلق ، وأمر أصحابه ان يفعلوا ذلك وعاد الى المدينة . فلما كان العام المقبل خرج معتمرا ومعه أصحابه ، ودخلوا مكة وأتموا العمرة ومناسكها ومكثوا فيها ثلاثة أيام ثم رجعوا الى المدينة . وهذا معنى قوله : الشهر الحرام بالشهر الحرام . . يعني أن ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه الى رحمه وبيته ، على كراهة مشركي قريش ، حيث قضيتم مناسككم لهو بالشهر الحرام الذي صدكم فيه مشركوا قريش قبل عام . وهكذا فقد أقصّكم الله منهم أيها المؤمنون . فاذا اعتدوا عليكم في الشهر الحرام وقاتلوكم فيه ، فقابلوا ذلك بالدفاع عن أنفسكم فيه . انه حرام عليهم كما هو حرام عليكم . وفي الحرمات والمقدسات شُرع القصاص والمعاملة بالمثل ، فمن اعتدى عليكم في مقدساتكم فادفعوا عدوانه بالمثل ، واتقوا الله فلا تسرفوا في القصاص ، واعلموا ان الله مع المتقين بعينهم وينصرهم .
وكان صلح الحديبية أول نصر سياسي كبير واعظم توفيق من الله لنبيه الكريم ، وذلك باعتراف قريش به وبالمفاوضة معه وتوقيع الصلح .
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)
التهلكة : الهلاك والمراد به هنا التقصير في بذلك المال استعداداً للجهاد . (1/107)
لم يكن في بدء الاسلام جنود يأخذون رواتب ، بل تطوُّع بالنفس وتطوع بالمال . وكان كثير من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد يأتون الى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه ان يزودهم بدابة تنقلهم ، فاذا لم يجد ما يحملهم عليه { تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع . . . } حزنا ، حيث لم يجدوا ما ينفقون . فالله سبحانه وتعالى يعلّمنا في هذه الآية الكريمة درسا عظيماً . حيث يقول : وانفقوا الأموال في الإعداد للقتال في سبيل الله ، ولا تقعدوا عنه ، فانكم ان تقاعدتم وبخلتم رَكبَكُم العدو وأذلّكم ، فكأنما ألقيتم بأيديكم الى الهلاك . وهذا ما قاله الصحابي الجليل أبو أيوب الانصاري كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه قال : « انما نزلت هذه الآية فينا معشر الانصار لمّا اعز الله الاسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سراً : ان أموالنا قد ضاعت وان الله قد أعزّ الاسلام ، وكثر ناصروه ، فلو قمنا فأصلحنا ما ضاع منها . فانزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة . . . } فما زال ابو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى مات في القسطنيطينية ودُفن بها ، وقبره عليه مسجد معروف فيها الى اليوم .
فالجهاد بالمال أمر مهم ، بل هو أساس كبير في دعم الجهاد والمحافظة على كيان الأمة .
في الآيات التي مرتب معنا تحددت النقاط التالية : ( 1 ) شُرع القتال لدفع الأعداء ، لذاته ، ولا لحمل الناس على الاسلام . ( 2 ) النهي عن الاعتداء فلا يُقتل من لا يحمل سلاحا ولا من استسلم ، و لا تخرَّب الدور على أهلها ، ولا تهدّم المدن . ( 3 ) ملاحظة الفضيلة التي دل عليها الامر بالتقوى ، فلا تُنتهك الاعراض ، ولا يمثّل بقتيل . ( 4 ) ان القتال ينتهي اذا انتهى المشركون عن فتنة المؤمنين في دينهم . ( 5 ) لا قتال في الأشهر الحرم ، فاذا اعتدى المشركون وقاتلوا وجب قتالهم . ( 6 ) ان ترك الأعداء يقتلون بعضنا من غير ان نقاتلهم لهو هلاكٌ لنا . وهذا ما هو جار الآن بيننا وبين اليهود : يعتدون ويقاتلون ونحن واقفون ننظر ويلوم بعضنا بعضا .
فاذا دققنا النظر في هذه المباىء نجد ان حرب الاسلام فاضلة في بواعثها ، وعادلة في سيرها ومراميها .
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
الحصر والاحصار : الحبس والمنع . والهَدي : هو ما يهديه الحاج الى البيت الحرام من الأنعام . المحل : مكان الحلول . (1/108)
تقدمت الاشارة الى الحج في الآية : 189 . ثم الى الأشهر الحرم والقتال فيها . وفي هذه الآية والآيات التي تليها يفصّل الله تعالى مناسك الحج . فيقول : وأدوا الحج والعمرة على وجه التمام قاصدين بهما وجه الله . والحج معروف ، وقته في التاسع من ذي الحجة والأيام الثلاثة التي تليه . ويشتمل الحج على الطواف بالبيت أول ما يصل الحاج الى الحرم . ثم الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة . ثم النزول بالمشعَر الحرام . ثم الذهاب الى مِنى ورمي الجمار والنحر ، وبعد ذلك الذهاب الى الحرم ليطوف طواف الافاضة ثم يسعى بين الصفا والمروة ، وبعد ذلك يحلق الحج رأسه أو يقصّر من شعره . بذلك يتم الحج . وهو فرض مرةً واحدة على المستطيع .
وأما العمرة فانا سنّة ، ولا وقت معين لها ، وهي تشتمل على الاحرام ، ثم الطواف ثم السعي ، وبعد ذلك يحلق المعتمر شعره أو يقصّر وينحر اذا كان عليه دم ، هذه مناسك العمرة .
{ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } مُنعتم وأنتم محرمون من اتمام الحج ، وبسبب عدوّ أو مرض أو نحوهما ، وأردتم ان تتحلّلوا فعليكم ان تذبحوا ما تيسّر لكم من الهدي ، بقرة أو شاة أو بدنة . . ثم تتحللون . ويجب ذبح الهدي في المكان الذي حصل فيه المنع . ولا تحلقوا رؤوسكم قبل أن تقوموا بهذا النسك .
ومن كان محرماًوآذاه شعر رأسه لمرض أو هوامٍ في رأسه فلا بأس ان يحلق ، شريطة ان يصوم ثلاثة أيام ، او يتصدق على ستة من الفقراء بقوت يومٍ لكل واحد ، او ان يذبح شاة ، ويتصدق بها .
واذا قصدتم الحج والعمرة ، وبدأتم بالعمرة واتممتم مناسكها وتحللتم ثم احرمتم للحج من مكة فعليكم عند ذلك ذبح شاة ، أو غيرها من الهدي . فمن لمن يجد شاة ، فانعليه ان يصوم عشرة ايام : ثلاثة في الحج ، وسبعة في وطنه عندما يرجع . . هذا اذا لم يكن من سكان الحرم . واتقوا الله ايها المؤمنون وحافظوا على امتثال أوامره ، واعلموا انه شديد العقاب لمن انتهك حرماته .
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)
الرفث : مباشرة النساء ، وقد سبق . الفسوق . الخروط عن الآداب التي حددها الشرع من جدل وسباب وخصام . (1/109)
هنا بين لنا تعالى ان الحج يقع في أشهر معلومات ، هي شوال وذو القعدة وذو الحجة . وهذه الأشهر معروفة من أيام ابراهيم عليه السلام . فمن فرض الحج على نفسه في هذه الأشهر وأحرم فيه فعليه ان يراعي آدابه . ومن آداب الحج ان يبتعد عن النساء ، وعن المعاصي من السباب والخصام والمراء مع رفقته في الحج ، ويجتنب كل ما يجر الى الشحناء والخصام .
{ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله . . . } فاجتهدوا في فعل الخير وطلب الأجر منه فإنَّه مجازيكم . وتزوّدوا لآخرتكم بالتقوى فانها أحسن زاد ، واستشعروا خشية الله فيما تأتون وما تذرون يا أهل العقول السليمة ، فهو خير لكم .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)
الجناح : الحرج والاثم . الافاضة ، من المكان : الدفع منه ، والانطلاق . عرفات : هو المكان المعروف الذي يتم فيه أكبر أركان الحج . الذكر : الدعاء والتلبية ، والتكبير والتحميد : المشعر الحرام : موضع بالمزدلفة فيه مسجد ، وقال مجاهد : مزدلفة كلها هي المشعر الحرام . (1/110)
كان بعض الناس يتأثممون من كل عمل دنيوي في ايام الحج ، فقال تعالى { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } فلا إثم في مزاولة التجارة وابتغاء الرزق أيام الحج ، أما التجرد للعبادة فانه افضل .
واذا افضتم من عرفات بعد الوقوف بها ووصلتم المزدلفة ليلة عيد النحر فاذكروا الله عند المشعر الحرام . وقد جاء النبي الى المشعر الحرام بعد افاضته من عرفات ، فصلى المغرب ثم العشاء وبات في المزدلفة ثم صلى الصبح . وبعد ذلك تابع سيره الى مكة . . فمن فعل ذلك فقد تم حجه . واكثر الفقهاء يقولون ان المبيت بالمزدلفة سنة لا فرض .
{ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } كانت قريش ومن تبعهم من كنانة وفيس وجديلة لا يقفون مع الناس بعرفات في الجاهلية بل بمزدلفة ، ترفعاً عن الوقوف مع غيرهم فأمر الله نبيه ان يأتي عرفات ثم يقف فيها ثم يُفيض منه ليبطِل ما كانت عليه قريش ، وحتى تتحقق المساواة ، ولا يكون هناك امتياز لأحد على احد .
واستغفِروا الله ما أحدثتم من تغيير المناسك ، وادخال الشرك في عبادتكم ايها العرب ان الله واسع المغفرة قال للتوبة .
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)
الخلاق : النصب والحظ . والمناسك : العبادات ، وغلبت على مناسك الحج . (1/111)
في هذه الآيات يعلمنا سبحانه ان نترك عمل أهل الجاهلية ، حيث كانوا اذا فرغوا من الحج ذهبوا الى أسواق تقام في أماكن مختلفة ، وشغلوا أنفسهم بالتفاخر بذكر الآباء ومآثرهم . هناك كانوا يتناشدون الاشعار والخطب ويعاقرون الخمر ، وربما قامت من جراء ذلك منازعات تجر الى الحروب والخصام . وهنا يرشدنا الله فيقول : فاذا فرغتم من أعمال الحج فدعوا ما كنتم عليه وما كان عليه آباؤكم في الجاهلية واشغلوا أنفسكم بذكر الله كما كنتم تذكرون آباءكم ، بل اذكروه أكثر من ذكركم لهم : ، لأن الله أَولى بالذكر منهم . ثم يعرض علينا صورتين من أخلاق البشر احداهما ذميمة والأخرى خيرة . فيقول : ان بعض الناس همّه الدنيا فقط فهو يقصُر دعاءه على عرض الدنيا وخيراتها الزائلة ، هؤلاء لا حظ لهم في الآخرة ولا نصيب .
ومنهم من وفقه الله فاتجه بقلبه الى طلب الخير في الدنيا والآخرة ، هؤلاء يطلبون سعادة الدارين ، فلهم نصيب كبير مما كسبوا ، والله يعطيهم ما طلبوا . وهو يرغّبنا ان ننهج منهجهم ونسير على سيرهم .
{ واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ } هي ايام مِنى الثلاثة وتسمى ايام التشريق . وفي هذه الأيام ترمى الجمار ، والجمار حصيّات ترمى في أماكن معينة في منى ، فيجوز للحاج ان يمكث يومين ثم يذهب الى الحرم لينهي حجه ، ويجوز له ان يمكث ثلاثة ايام كما قال الله تعالى .
واتقوا الله تعالى حين أدائكم الحج ، واعلموا انكم ستحشرون اليه يوم القيامة ، والعاقبة يومئذ للمتقين .
بهذه الآيات تم الكلام على الحج ومناسكه وآدابه وبعض الآداب العامة .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
يشهد الله : يحلف بالله . ألد الخصام : أشد الخصام . تولى : انصرف وأدبر ، وبعضهم فسرها بانه تولى الحكم والسلطان فكان فساده أعظم . الحرث والنسل : الزرع والولد . أخذته العزة بالاثم : حملته الانفة والحمية . المهاد : الفراش . يشري نفسه : يبيعها . ابتغاء مرضاة الله : من اجل رضاء الله . (1/112)
في هذه الآية الكريمة يعرض علينا تعالى نموذجين من صور البشر ، الاول : ذلك المنافق الشرير صاحب المظهر الحسن واللسان الذلق اللطيف ، الذي يعجب به الناس . اما فعلُه فهو سيء قبيح . انه يُشهد الله على أنه مؤمن صادق ، لكنه كذاب آثم خدّاع ، شديد الخصومة . فاذا انصرف من المجلس سعى في الفساد فاحرق الزرع وأهلك النسل والحيوانات . ان الله تعالى لا يحب المفسدين ، بل يمد لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر . واذا دُعي ذاك الرجل الى الصلاح والتقوى لم يرجع الى الحق ، بل تكبّر وشمخ بأنفه وأخذته حمية الجاهلية .
ان هذا الصنف من الناس مصيره الى جهنم وبئس القرار .
قال الطبري : نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ، فقد جاء الى النبي بالمسجد وأظهر الاسلام ، وكان حسن المنظر فصيحا . لما خرج وتولى صادف في طريقه زرعاً للمسليمن فأحرقه ، وبعضَ الحيوانات فقتلها .
وعلى اي حال فإن العبرة بعموم اللفظ ، والآية تنطبق على كل خداع منافق غشاش .
والثاني : ذلك الذي يؤمن بالله إيماناً حقيقيا ، ويبذل نفسه في سبيل إعلاء دينه ، فلا يطلب عرض الدنيا وزخرفها . وأمثال هذا رضي الله عنهم ، وأعد لهم يوم القيامة جنات عدن يدخلونها ، ورحمة من الله واسعة . ويقال إنها نزلت في صهيب الرومي ، وقيل فيه وفي غيره . والعبرة كما قدمنا بعموم اللفظ ، فهي عامة في كل من يبذل نفسه وماله في سبيل الله .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)
السلم : اسلام ، والصلح ، والانقياد . خطوات : جمع خطوة بضم الخاء ، وهي المسافة مابين قدمي الماشي ، والمعنى هنا آثار الشيطان واتباعه . الزلل : عثرة القدم ، وهنا معناه الانحراف عن الحق . البينات : الحجج . (1/113)
بعد ان بين الله في الآيات السابقة ان الناس فريقان : فريق يسعى في الارض بالفساد ، وفريق يبغي بعمله رضوان الله وطاعته دعا الناس كافة في هذه الآية الدخةل في الاسلام وهو دين الاسلام . فان الاسلام اساسه السلام ، وشعاره « السلام عليكم » . فالله سبحانه يأمر الذين آمنوا بالعمل بشرائع الاسلام كلها . . . خذوا الاسلام بجملته واعلموا به تكونوا قد دخلتم في السلام ، واعتصتم بحبل الله . يومذاك تدخلون في عالم كله سلام . سلام مع النفس والضمير ، ومع العقل والمنطق ، سلام مع الناس ومع الوجود كله ، سلام في الارض وسلام في السماء .
ومعنى « كافة » أي في جميع أحكام السلام والاسلام ، لا في بعضها فقط ، وكان بعض مؤمني أهل الكتاب يعظّمون السبت ويحرمون الابل وألبانها ، وغير ذلك مما كانوا يفعلون ، فأمره الله تعالى ان يتركوا كل ما كان سابقا ويدخلوا في الاسلام ويعملوا بجيع شرائعه .
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان } أي لا تسيروا في طريق الشيطان الذي يدفعكم الى الشقاق والنزاع .
{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } . هذه الآية نص واضح في دعوة المؤمنين الى السلام ، فالحرب والخصام سيرٌ وراء الشيطان . والآية تدعو المؤمنين الى ان يكونوا مسالمين مع أنفسهم . . .
ويدلّ هذا النص على ان الأصل في العلاقة بين الدولة الاسلامية وغيرها هي السلم ، ففي الوقت الذي كان يه قانون الغاب يجدد العلاقات بين الدول جاء الاسلام بهذا المبدأ السامي . فالحرب التي شرعها الاسلام انما هي لتثبيت دعائم السلم ، وتحقيق العدل لا للعدوان على الآخرين .
فان انحرفتم أيها المؤمنون عن الطريق ، وأخطأتم الحق ، من بعد ما جاءتكم حججي ، وبينات هداي ، فاعلموا ان الله ذو عزة ، لا يمنعه الانتقامَ منكم مانع ، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم له دافع .
القراءات :
قرأ ابن كثير ونافع والكسائي « السلم » بفتح السين والباقون « السلم » بكسرها ، وخطوات بضم الطاء وسكونها قراءتان سبعيتان ، تقدم ذلك في الآية 168 .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)
هل ينتظر هؤلاء المعرضون عن الاسلام ، المكذّبون برسوله وما جاء به ، ان يريوا الله جهرة في غمامٍ سائر مع الملائكة ، حتى يقتنعوا! لقد قضي الأمر بأن يكون هناك يوم قيامة ، فلا مفر منهن . وحينئد يثاب الطائع ويعاقب العاصي . (1/114)
{ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } فجميعها في قبضته يصّرفها حيث شاء فيضع كل شيء موضعه الذي قضاه ، فإلى متى يتخلف المتخلفون عن الدخول في السلام وهذا الفزع الأكبر ينتظرهم!!
القراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم « ترجع الأمور » بالبناء للمجهول وقرأ الباقون « ترجع الأمور » بفتح التاء .
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)
بعدما تقدم لنا من ارشادات شافية ، وبيانات عن طريق الهدى والصراط المستقيم يعود السياق هنا الى بني اسرائيل . وذلك للتحذير مواقفهم العديدة ضد الاسلام ، واشعالهم الفتنَ قديماً وحديثاً . (1/115)
أوجّه انتباه القارىء هنا الى أن اليهود دائما هم أصحاب الفتن ومثيرو القلاقل في العالم من قديم الزمان . هذه طبيعتهم . أليسوا الآن هم الذي أقلقوا العالم كله بفتنهم وتنكرهم لكل قيم! لذلك يعود القرآن هنا الى التحذير منهم فيقول : سل يا محمد بني اسرائيل : كم سقنان اليهم الأدلة القاطعة على صدق ما جئتَ به من عند الله ، وفي ذلك نعمة هدايتهم الى الله ، فكفروا بهذه الأدلة وعمدوا الىى تبديلها . فبعد ان وضُعت الأدلة للهادية أصبحت بالنسبة لكفر هؤلاء بها سبباً في زيادة ضلالهم وإثمهم . . ومن يبدل نعمة الله بهذه الصورة يحق عليه العذاب . ان الله شديد العقاب . وفي هذا عبرة لنا حيث بدلنا نعمة الله وهي الاعتصام بجله . فحلّ بنا ما حل من تمزق وتشتت وتخاذل .
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)
بعد التحذير من التلكؤ في الاستجابة للدعوة ، والتبديل بعد النعمة يذكُر لنا الله تعالى حال الذين كفروا وحال الذين آمنوا . فيقول : ان السبب في الانحراف و الكفر هو وحب الدنيا ، فقد زُين للذين كفروا هذه الدنيا فتهالكوا عليها ، وتهافتوا عليها فمضوا يسخرون من المؤمنين مثل عبدالله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيب ، كما يسخرون من أغنياء المؤمنين بأنهم لا يتلذذون في الحياة . وقد رد تعالى على اولئك الساخرين بتفضيل أهل اليقين فقال { والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } أي أن المتقين المؤمنين سيكونون أعلى منهم في تلك الحياة الأبدية مقاما ، وأرفع منزلة ، فليمضوا في طريقهم لا يحلفون بشيء . (1/116)
وستظل الحياة تعرف هذين الصنفين من الناس : المؤمنين الذي يتلقَّون قيمهم وفاهيمهم من الله فيرفعهم ذلك عن سفساف الحياة واعراض الارض ، والكافرين الذين زُينت لهم الحياة الدنيا واستبعدتهم أعراضُها فتبعوا مطامعهم وهبطوا الى الحضيض .
{ والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . . . }
يعطي كثيرا لا تضييق ولا تقتير لمن يشاء ، فهو قد يعطي الكافرين زينة الحياة الدنيا لحكمة منه ، ويعطي المختارين من عباده ما يشاء في الدنيا والآخرة . فالعطاء كله من عنده . لذلك ترك كثيرا من الأبرار ومن الفجار متمتيعني بسعة الرزق ، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين . ولكن المتقين يكون أكثر احتمالا ، فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر ، اذ هو بالتقوى يجد المخلّص من كل ضيق .
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
الأمة : الجماعة من الناس . والأزمة : الملة والعقيدة ، والأمة الزمن ، ( وادَّكَر بعد أمُة ) والأمة : الامام ، ( ان ابراهيم كان أمة ) ، والمقصود هنا الجماعة من الناس . (1/117)
يبين الله في هذه الآية سبب الاختلاف بين الناس في العقائد والمذاهب والأخلاق بعد ان كانوا أُمة واحدة في مبدأ خلقهم ، يوم كانوا أُمة و احدة على الفطرة . وفلما كثروا وانتشروا في الارض وتطوت معايشهم اختلفوا وتعددت وجهات النظر فيمابينهم ، فبعث الله الأنبياء والرسل ، مبشرين ومنذرين ، لينبهوا أقوامهم الى ما غلفوا عنه ويحذرهم من شر الأعمال . وأنزل معهم الكتب لبيان أحكامه وشرائعه . واذا كان للكتاب المنزل من عند الله هو الحكم فإن التنازع ينقطع وينحسم كثير من الشر في هذا العالم .
ثم تبع بعض الناس أهوائهم فاخلتفوا بعدها بين لهم الرسل طريق الحق والصراط المستقيم . وذلك بفعل الحكام والرؤساء والعلماء ، لأنهم هم أهل النظر ، القائمون على الدين بعد الرسل وهم الذين أُتوا لكتاب اليقرِّروا ما فيه ، ويراقبوا سير العامة عليه .
وقوله تعالى : « بغياً بينهم » اي حسداً وظلما .
ثم أرشد إلى الايمان الصحيح يهدي الناس الى الحق في قوله { فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ . . . } فالمؤمنون يهتدون الى ما اختلف الناس فيه من الحق . والله هو الذي يوفقهم اذا اخلصوا .