صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير القرطبي ]
الكتاب : الجامع لأحكام القرآن
المؤلف : محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله
عدد الأجزاء : 20

اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟ فقال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة وذلك أن النفوس مستشرقة إلى رؤية ما أخبرت به ولهذا قال عليه السلام :
[ ليس الخبر كالمعاينة ] رواه ابن عباس لم يروه غيره قاله أبو عمر قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب وإنما اراد رؤية العين وقال الحسن و قتادة و سعيد بن جبير و الربيع : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه قال ابن عطية : وترجم الطبري في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربه لأنه شك في قدرة الله تعالى وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها وذكر عن عطاء بن ابي رباح أنه قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
[ نحن أحق بالشك من إبراهيم ] الحديث ثم رجح الطبري هذا القول
قلت : حديث أبي هريرة خرجه البخاري و مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
[ نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ] قال ابن عطية : وما ترجم به الطبري عندي مردود وما أدخل تحت الترجمة متأول فأما قول ابن عباس : هي أرجى آية فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك ويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله أولم تؤمن أي إن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث وأما قول عطاء : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدم وأما قول النبي صلى الله عليه و سلم : [ نحن أحق بالشك من إبراهيم ] فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أجق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ ذلك محض الإيمان ] إنما هو في الخواطر التي لا تثبت وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به يدلك على ذلك قوله { ربي الذي يحيي ويميت } فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤاله عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول ونحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا ومتى قلت : كيف ثوبك ؟ وكيف زيد ؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله وقد تكون كيف خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف نحو قولك كيف شئت فكن ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي و كيف في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء والإحياء متقرر ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب له : أرني كيف ترفعه ! فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدلي كأنه يقول : افرض أنك ترفعه فأرني كيف ترفعه ! فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له : { أولم تؤمن قال بلى } فكمل الأمر وتخلص من كل شك ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة
قلت : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } وقال اللعين : إلا عبادك منهم المخلصين وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين فقوله : أرني كيف طلب مشاهدة الكيفية وقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب وهذا فاسد مردود بما تعقبه من البيان ذكره الماوردي وليست الألف في قوله : أولم تؤمن ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير :
( ألستم خير من ركب المطايا )
والواو واو الحال و تؤمن معناه إيمانا مطلقا دخل فيه فضل إحياء الموتى
{ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا
والطمأنينة : اعتدال وسكون فطمأنينة الأعضاء معروفة كما قال عليه السلام :
[ ثم اركع حتى تطمئن راكعا ] الحديث وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد والفكر في صورة الإحياء غير محظور كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة الإحياء وقال الطبري : معنى ليطمئن قلبي ليوقن وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وحكي عنه ليزداد يقينا وقاله إبراهيم و قتادة وقال بعضهم : لأزداد إيمانا مع إيماني قال ابن عطية : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين لا يتبعض وقال السدي و ابن جبير ايضا : أولم تؤمن بأنك خليلي ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي بالخلة وقيل : دعا أن يريه كيف يحيي الموتى ليعلم هل تستجاب دعوته فال الله له : أولم تؤمن أجيب دعاءك قال : بلى ولكن ليطئمن قلبي أنك تجيب دعائي
واختلف في المحرك له على ذلك فقيل : إن الله وعده أن يتخذه خليلا فأراد آية على ذلك قاله السائب بن يزيد وقيل : قول النمروذ : أنا أحيي وأميت وقال الحسن : رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها في البحر توزعها دواب البحر فلما رأى تفرقها أحب أن يرى انضمامها فسأله ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق فقيل له : { خذ أربعة من الطير } قيل : هي الديك والطاووس والحمام والغراب ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وقاله مجاهد و ابن جريج و عطاء بن يسار واين زيد وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي وعنه أيضا مكان الحمام النسر فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا صغارا وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده ثم قال : تعالين بإذن الله فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس ثم كرر النداء فجاءته سعيا أي عدوا على أرجلهن ولا يقال للطائر : سعى إذا طار إلا على التمثيل قاله النحاس وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه وطارت بإذن الله وقال الزجاج : المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد جزءا وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر جزؤا على فعل وعن أبي جعفر أيضا جزا مشددة الزاي الباقون مهموز مخفف وهي لغات ومعناه النصيب { سعيا واعلم } نصب على الحال و صرهن معناه قطعهن قاله ابن عباس و مجاهد و أبو عبيدة و ابن الأنباري يقال : صار الشيء يصوره أي قطعة وقاله ابن إسحاق وعن ابي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع قال توبة بن الحمير يصفه :
( فلما جذبت الحبل أطت نسوعه ... بأطراف عيدان شديد سيورها )
( فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها ... بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها )
أي يقطعها والصور : القطع وقال الضحاك و عكرمة وابن عباس في بعض ما روي عنه : إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن وقيل : المعنى أملهن إليك أي اضممهن واجمعهن إليك يقال : رجل أصور إذا كان مائل العنق وتقول : إني إليكم لأصور يعني مشتاقا مائلا وامرأة صوراء والجمع صور مثل اسود وسود قال الشاعر :
( الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور )
فقوله { إليك } على تأويل التقطيع متعلق بـ خذ ولا حاجة إلى مضمر وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق بـ صرهن وفي الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن وفيها خمس قراءات : ثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء وقرأ قوم فصرهن بضم الصاد وشد الراء المفتوحة كأنه يقول فشدهن ومنه صرة الدنانير وقرأ قوم فصرهن بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ومعناه صيحهن ومن قولك : صر الباب والقلم إذا صوت حكاه النقاش قال ابن جني : هي قراءة غريبة وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل وإنما بابه يفعل بضم العين كشد يشد ونحوه لكن قد جاء منه نم الحديث ينمه وينمه وهر الحرب يهرها ويهرها ومنه بيت الأعشى
( ليعتورنك القول حتى تهره )
إلى غير ذلك في حروف قليلة قال ابن جني : وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الرأء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد
القراءة الخامسة صرهن بفتح الصاد وشد الراء مكسورة حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة بمعنى فاحبسهن من قولهم : صرى يصري إذا حبس ومنه الشاة المصراة وهنا اعتراض ذكره الماوردي وهو يقال : فكيف أجيب ابراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله : { رب أرني أنظر إليك } ؟ فعنه جوابان : أحدهما أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف وما سأله إبرايهم خاص يصح معه بقاء التكليف الثاني أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن وقال ابن عباس : أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف والله أعلم

(3/282)


فيه خمس مسائل :
الأولى : لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين حث على الجهاد وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال :
[ لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : رب زد أمتي فنزلت { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : رب زد أمتي ] فنزلت { يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها وضمنها التحريض على ذلك وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة وطريق آخر : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع رزع في الأرض حبة فأنبتت الجبة سبع سنابل يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة ثم قال تعالى : { والله يضاعف لمن يشاء } يعني على سبعمائة فيكون مثل المتصدق مثل الزارع إن كان حاذقا في عمله ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر خلافا لمن قال : ليس في الآية تضعيف على سبعمائة على ما نبينه إن شاء الله
الثانية : روي أن هذه الاية نزلت في شان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما :
[ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتها لربي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ] وقال عثمان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له فنزلت هذه الآية فيهما وقيل نزلت في نفقة التطوع وقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة ولا حاجة إلى دعوى النسخ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا
الثالثة : قوله تعالى : { كمثل حبة } الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب ومنه قول المتلمس :
( آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس )
وحبة القلب : سويداؤه ويقال ثمرته وهو ذاك والحبة ( بكسر الحاء ) : بذور البقول مما ليس بقوت وفي حديث الشفاعة :
[ فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ] والجمع حبب والحبة ( بضم الحاء ) الحي يقال : نعم وحبة وكرامة والحب المحبة وكذلك الحب ( بالكسر ) والحب أيضا الحبيب مثل خدن وخدين وسنبلة فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه والجمع سنابل ثم قيل : المراد سنبل الدخن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد
قلت : هذا ليس بشيء فإن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر على ما شاهدناه قال ابن عطية : وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر وقال الطبري في هذه الآية إن قوله : { في كل سنبلة مائة حبة } معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن يفرضه ثم نقل عن الضحاك أنه قال : { في كل سنبلة مائة حبة } معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة قال ابن عطية : فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال وذلك غير لازم من قول الضحاك وقال أبو عمرو الداني : وقرأ بعضهم مائة بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة
قلت : وقال يعقوب الحضرمي : وقرأ بعضهم في كل سنبلة مائة حبة على : أنبتت مائة حبة وكذلك قرأ بعضهم { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم } على : { وأعتدنا لهم عذاب السعير } وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم وقرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي أنبتت سبع سنابل بإدغام التاء في السين لأنهما مهموستان ألا ترى أنهما يتعاقبان وأنشد أبو عمرو :
( يا لعن الله بني السعلاة ... عمرو بن ميمون لئام النات )
أراد الناس فحول السين تاء الباقون بالإظهار على الأصل لأنهما كلمتان
الرابعة : ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف واختلف العلماء في معنى قوله { والله يضاعف لمن يشاء } فقالت طائفة : هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف
قلت : وهذا القول أصح لحديث ابن عمر المذكور أول الآية وروي ابن ماجة حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا ابن ابي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسن بن علي بن ابي طالب وأبي الدرداء وعبد الله بن عمر و أبي أماما الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ـ ثم تلا هذه الآية ـ والله يضاعف لمن يشاء الله ] وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي لمن شاء الله إلى ألفي ألف قال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه
الخامسة : في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال ولذلك ضرب الله به المثل فقال : { مثل الذين ينفقون أموالهم } الآية وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم :
[ ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة ] وروى هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ التمسوا الرزق في خبايا الأرض ] يعني الزرع أخرجه الترمذي
وقال صلى الله عليه و سلم في النخل : [ هي الراسخات في الوحل المطعمات في المحل ]
وهذا خرج مخرج المدح والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار ولقي عبد الله بن عبد الملك بن شهاب الزهري فقال : دلني على مال أعالجه فأنشأ ابن شهاب يقول :
( أقول لعبد الله يوم لقيته ... وقد شد أحلاس المطي مشرقا )
( تتبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يوما أن تجاب فترزقا )
( فيؤتيك مالا واسعا ذا مثابة ... إذا ما مياه الأرض غارت تدفقا )
وحكي عن المعتضد أنه قال : رأيت علي بن ابي طالب رضي الله عنه في المنام يناولني مسحاة وقال : خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض

(3/287)


فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } قيل : أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه قال عبد الرحمن بن سمرة :
[ جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسل فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول : ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان ] وقال ابو سعيد الخدري :
[ رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم رافعا يديه يدعو لعثمان يقول : يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه ] فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت : { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } الآية
الثانية : لما تقدم في الآية اليت قبل ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منا ولا أذى لأن المن والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه قال الله تعالى : { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله فهذا إذا أخلف ظنه فيه من بإنفاقه وآذى وكذلك من أنفق مضطرا دافع غرم إما لمانة للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله كالذي حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا فأتاه فقال :
( يا عمر الخير جزيت الجنة ... أكس بنياتي وأمهنه )
( وكن لنا من الزمان جنه ... أقسم بالله لتفعلنه )
قال عمر : إن لم أفعل يكون ماذا ؟ قال :
( إذا أبا حفص لأذهبنه )
قال : إذا ذهبت يكون ماذا ؟ قال :
( تكون عن حالي لتسألنه ... يوم تكون الأعطيات هنه )
( وموقف المسؤول بينهنه ... إما إلى نار وإما جنه )
فبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال : يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره والله لا أملك غيره قال الماوردي : وإذا كان العطاء على هذا الوجه خاليا من طلب جزاء وشكر وعريا عن امتنان ونشر كان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للقابل فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء وطلب به الشكر والثناء كان صاحب سمعة ورياء وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء وإن طلب الجزاء كان تاجرا مربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا وقد قال ابن عباس في قوله تعالى : { ولا تمنن تستكثر } أي لا تعطي عطية تلتمس بها أفضل منها وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود وأن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم قال : ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين قال ابن عطية : وفي هذا القول نظر لأن التحكم فيه باد
الثالثة : قوله تعالى : { منا ولا أذى } المن : ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها مثل أن يقول : قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه وقال بعضهم : المن : التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه والمن من الكبائر ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وروى النسائي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى ] وفي بعض طرق مسلم :
[ المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة ] والأذى : السب والتشكي وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه وقال ابن زيد : لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه وقالت له امرأة يا ابا اسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه فإن عندي أسهما وجعبة فقال : لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فمن أنفق في سبيل الله ولم يتبعه منا ولا أذى كقوله : ما أشد إلحاحك وخلصنا الله منك وأمثال هذا فقد تضمن الله له بالأجر والأجر الجنة ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل والحزن على ما سلف من دنياه لأنه يغتبط بآخرته فقال : { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وكفى بهذا فضلا وشرفا للنفقة في سبيل الله تعالى وفيها دلالة لمن فضل الغني على الفقير حسب ما يأتي بيان إن شاء الله تعالى

(3/291)


قوله تعالى : { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم } :
فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { قول معروف } ابتداء والخبر محذوف أي قول معروف أولى وأمثل ذكره النحاس و المهدوي قال النحاس : ويجوز أن يكون { قول معروف } خبر ابتداء محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها قال صلى الله عليه و سلم :
[ الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ] أخرجه مسلم فيتلقى السائل بالبشر والترحيب ويقابله بالطلاقة والتقريب ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذر وحكى ابن لنكك أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال :
( لا تدخلنك ضجرة من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسؤولا )
( لا تجبهن بالرد وجه مؤمل ... فبقاء عزك أن ترى مأمولا )
( تلقى الكريم فتستدل ببشره ... وترى العبوس على اللئيم دليلا )
( واعلم بأنك عن قليل صائر ... خبرا فكن خبرا يروق جميلا )
وروى من حديث عمر رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه و سلم :
[ إذا سال السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى ]
قلت : دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى خرجه مسلم وغيره وذلك أن ملكا تصور في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا للمسؤول وقال بشر بن الحارث : رايت عليا في المنام فقلت : يا أمير المؤمنين قل لي شيئا ينفعني الله به قال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله فقلت : يا أمير المؤمن زدني فولى وهو يقول :
( قد كنت ميتا فصرت حيا ... وعن قليل تصير ميتا )
( فاخرب بدار الفناء بيتا ... وابن بدار البقاء بيتا )
الثانية : قوله تعالى : { ومغفرة } المغفرة هنا : الستر للخلة وسوء حالة المحتاج ومن هذا قول الأعرابي ـ وقد سأل قوما بكلام فصيح فقل له قائل : ممن الرجل ؟ فقال له : اللهم غفرا سوء الاكتساب يمنع من الانتساب وقيل : المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق عليه مع المن والأذى قال معناه النقاش وقال النحاس : هذا مشكل يبينه الإعراب مغفرة رفع بالابتداء والخبر { خير من صدقة } والمعنى والله أعلم وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وتقديره في العربية وفعل مغفرة ويجوز أن يكون مثل قولك : تفضل الله عليك أكبر من الصدقة التي تمن بها أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التيي تمنون بها
الثالثة : قوله تعالى : { والله غني حليم } أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد وإنما أمر بها ليثيبهم وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من من وأذى بصدقته

(3/294)


فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { بالمن والأذى } قد تقدم معناه وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال والمراد الصدقة التي يمن ويؤذي لا غيرها والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها
قال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل وقيل : بل جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها وهذا حسن والعرب تقول لما يمن به يد سوداء ولما يعطى عن غير مسألة : يد بيضاء ولما يعطى عن مسألة : يد خضراء وقال بعض البلغاء : من من بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره وقال بعض الشعراء :
( وصاحب سلفت منه إلي يد ... أبطأ عليه مكافاتي فعاداني )
( لما تيقن أن الدهر حاربني ... أبدى الندامة فيما كان أولاني )
وقال آخر :
( أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنان )
وقال أبو بكر الوراق فأحسن :
( أحسن من كل حسن ... في كل وقت وزمن )
( صنيعة مربوبة ... خالية من المنن )
وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت فقال له : اسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ـ ثم تلا ـ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ]
الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : كره مالك لهذه الاية أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى واستحب أن يعطيها الأجانب واستحب أيضا أن يولى غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى وهذا بخلاف صدقة التطوع السر لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل
الثالثة : قوله تعالى : { كالذي ينفق ماله رئاء الناس } الكاف في موضع نصب أي إبطال كالذي فهي نعت للمصدر المحذوف ويجوز أن تكون موضع الحال مثل الله تعالى الذب يمن ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء ثم مثل هذا المنفق ايضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا فكذلك هذا المرائي فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان وهو الحجر الكبير الأملس وقيل : المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه ـ وإن كرر عطاءه ـ وأبطل فضله وقد قيل : إنما يبطل من ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف فإذا من وآذى انقطع التضعيف لأن الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها والقول الأول أظهر والله أعلم والصفوان جمع واحده صفوانه قاله الأخفش قال وقال بعضهم : صفوان واحد مثل حجر وقال الكسائي : صفوان واحد مثل حجر وقال الكسائي : صفوان واحد وجمعه صفوان وصفي وصفي وأنكره المبرد وقال : إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي ومن هذا المعنى الصفواء والصفا وقد تقدم وقرأ سعيد بن المسيب و الزهري صفوان بتحريك الفاء وهي لغة وحكى قطرب صفوان قال النحاس : صفوان وصفوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا إلا أن الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز و جل { عليه تراب فأصابه وابل } وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر ولكن صفوان جمع صفا وصفا بمعنى صفوان ونظيره ورل وورلان وأخ وإخوان وكرا وكروان كما قال الشاعر :
( لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نظير )
والضعيف في العربية كروان جمع كروان وصفي وصفي جمع صفا مثل عصا والوابل : المطر الشديد وقد وبلت السماء تبل والأرض موبولة قال الأخفش : ومنه قوله تعالى : { فأخذناه أخذا وبيلا } أي شديدا وضرب وبيل وعذاب وبيل أي شديد والصلد الأملس من الحجارة قال الكسائي : صلد يصلد صلدا بتحريك اللام هو صلد بالإسكان وهو كل ما لا ينبت شيئا ومنه جبين أصلد وانشد الأصمعي لرؤبة :
( براق اصلاد الجبين الأجلة )
قال النقاش : الأصلد الأجرد لغة هذيل ومعنى { لا يقدرون } يعني المرائي والكافر والمان { على شيء } أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه إذ كان لغير الله فعبر عن النفقة بالكسب لأنهم قصدوا بها الكسب وقيل : ضرب هذا مثلا للمرائي في إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله ذكره الماوردي

(3/295)


قوله تعالى : { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم } ابتغاء مفعول من أجله { وتثبيتا من أنفسهم } عطف عليه وقال مكي في المشكل : كلاهما مفعول من أجله قال ابن عطية : وهو مردود ولا يصح في تثبيتا أنه مفعول من أجله لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت و ابتغاء نصب على المصدر في موضع الحال وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو تثبيتا عليه ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكوا صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه و ابتغاء معناه طلب و مرضات مصدر من رضي يرضى وتثبيتا معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم قاله مجاهد و الحسن قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك وقيل : معناه تصديقا ويقينا قاله ابن عباس وقال ابن عباس أيضا و قتادة : معناه واحتسابا من أنفسهم وقال الشعبي و السدي و قتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح وغيرهم : وتثبيتا معناه وتيقنا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا وهذه الأقوال الثلاثة أصوب من قول الحسن و مجاهد لأن المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته وتثبيتا مصدر على غير المصدر قال ابن عطية : وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم كقوله تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتا } { وتبتل إليه تبتيلا } وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول : أحمله على معنى كذا وكذا لفعل لم يتقدم له ذكر قال ابن عطية : هذا مهيع كلام العرب فيما علمته وقال النحاس : لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبتا من تثبت كتكرمت تكرما وقول قتادة : احتسابا لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة وهذا بعيد وقول الشعبي حسن أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز و جل يقال : تثبت فلانا في هذا الأمر أي صححت عزمه وقويت قيه رأيه أثبته تثبيتا أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك وقيل : { وتثبيتا من أنفسهم } أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها أي وتثبيتا من أنفسهم لثوابها بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب
قوله تعالى : { كمثل جنة بربوة } الجنة : البستان وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم وقد تقدم والربوة : المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا معه في الأغلب كثافة تراب وما كان كذلك فنباته أحسن ولذلك خص الربوة بالذكر قال ابن عطية : ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق ونجد يقال لها حزن وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل ولذلك قالت الأعرابية : زوجي كليل تهامة وقال السدي : بربوة أي برباوة وهو ما انخفض من الأرض قال ابن عطية : وهذه عبارة قلقة ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد
قلت : عبارة السدي ليست بشيء لأن بناء رب و معناه الزيادة في كلام العرب ومنه الربو للنفس العالي ربا يربو إذا أخذه الربو وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو أو فزع وقال الفراء في قوله تعالى : { فأخذهم أخذة رابية } أي زائدة كقولك : أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت وربوت في بني فلان وربيت أي نشأت فيهم وقال الخليل : الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه وقال ابن عباس : الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار فيها ماء حار ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر وفيها خمس لغات ربوة بضم الراء وبها قرأ ابن كثير وحمزة و الكسائي ونافع وأبو عمرو و ربوة بفتح الراء وبها قرأ عاصم وابن عامر و الحسن وربوة بكسر الراء وبها قرأ ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي و رباوة بالفتح وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن وقال الشاعر :
( من منزلي في روضة برباوة ... بين النخيل إلى بقيع الغرقد ؟ )
و رباوة بالكسر وبها قرأ الأشهب العقيلي قال الفراء : ويقال برباوة وبرباوة وكله من الرابية وفعله ربا يربو
قوله تعالى : { أصابها } يعني الربوة { وابل } أي مطر شديد قال الشاعر :
( ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها وابل هطل )
{ فأتت } أي أعطت { أكلها } بضم الهمزة : الثمر الذي يؤكل ومنه قوله تعالى : { تؤتي أكلها كل حين } والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل والأكلة : اللقمة ومنه الحديث :
[ فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين ] يعني لقمة أو لقمتين خرجه مسلم وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الفرس وباب الدار وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة وقرأ نافع و أبن كثير و أبو عمرو أكلها بضم الهمزة وسكون الكاف وكذلك كل مضاف إلى مؤنث وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى شيء مثل { أكل خمط } فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه وقرأ عاصم و ابن عامر و حمزة و الكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل ويقال : أكل وأكل بمعنى { ضعفين } أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين وقال بعض أهل العلم : جملت مرتين في السنة والأول أكثر أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين
قوله تعالى : { فإن لم يصبها وابل فطل } تأكيد منه تعالى لمدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل
يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين وذلك لكرم الأرض وطيبها قال المبرد وغيره : تقديره فطل يكفيها وقال الزجاج : فالذي يصيبها طل والطل : المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف قاله ابن عباس وغيره وهو مشهور اللغة وقال قوم منهم مجاهد : الطل : الندى قال ابن عطية : وهو تجوز وتشبيه قال النحاس : وحكى أهل اللغة وبلت وأوبلت وطلت وأطلت وفي الصحاح : الطل : أضعف المطر والجمع الطلال تقول منه طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة قاله الماوردي : وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعا وفيه ـ وإن قل ـ تماسك ونفع قال بعضم : في الآية تقديم وتأخير ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها وابل فطل فأتت أكلها ضعفين يعني اخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين
قلت : التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم :
[ لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمنيه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم ] خرجه الموطأ ايضا
قوله تعالى : { والله بما تعملون بصير } وعد ووعيد وقرأ الزهري يعملون بالياء كأنه يريد به الناس أجمع أو يريد المنفقين فقط فهو وعد محض

(3/298)


له تعالى : { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } الآية حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء ورجح هو هذا القول
قلت : وروي عن ابن عباس أيضا قال : هذا مثل ضربة الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبر واصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها وحكي عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } الآية قال : ثم ضرب في ذلك مثلا فقال : { أيود أحدكم } الآية قال ابن عطية : وهذا ابين من الذي رجح الطبري وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء هذا هو مقتضى سياق الكلام وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا
قلت : قد روي عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه خلاف هذا خرج البخاري عن عبيد بن عمير قال :
قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم : فيم ترون هذه الآية نزلت : { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم ! فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل : قال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عز و جل له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله في رواية : فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء فرضي ذلك عمر وروى ابن ابي مليكة أن عمر تلا هذه الآية وقال : هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء قال ابن عطية : فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها وبنحو ذلك قال مجاهد و قتادة و الربيع وغيرهم وخص النخيل والأعناب الذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر وقرأ الحسن جنات بالجمع { تجري من تحتها الأنهار } تقدم ذكره { له فيها من كل الثمرات } يريد ليس شيء من الثمار إلا وهو فيها نابت
قوله تعالى : { وأصابه الكبر } عطف ماضيا على مستقبل وهو تكون وقيل : يود فقيل : التقدير وقد اصابه الكبر وقيل إنه محمول على المعنى لأن المعنى أيود أحدكم أن لو كانت له جنة وقيل : الواو واو الحال وكذا في قوله تعالى وله
قوله تعالى : { فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت } قال الحسن : { إعصار فيه نار } ريح فيها برد شديد الزجاج : الإعصار في اللغة الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود وهي التي يقال لها : الزوبعة قال الجوهري : الزوبعة رئيس من رؤساء الجن ومنه سمي الإعصار زوبعة ويقال : أم زوبعة وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود وقيل : الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق المهدوي : قيل لها إعصار لأنها تلفت كالثوب إذا عصر ابن عطية : وهذا ضعيف
قلت : بل هو صحيح : لأنه المشاهد المحسوس فإنه يصعد عمودا ملتفا وقيل : إنما قيل للريح إعصار لأنه يعصر السحاب والسحاب معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر من النساء وإما لأنها تنعصر بالرياح وحكى ابن سيده : أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب ابن زيد : الإعصار ريح عاصف وسموم شديدة وكذلك قال السدي الإعصار الريح والنار السموم ابن عباس : ريح فيها سموم شديدة قال ابن عطية : ويكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها كما تضمن قول النبي صلى الله عليه و سلم :
[ إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ] و :
[ إن النار اشتكت إلى ربها ] الحديث وروي عن ابن عباس وغيره : أن هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين كهيئة رجل غرس بستانا فأكثر فيه من الثمر فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء ـ يريد صبيانا بنات وغلمانا ـ فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار فأحرقته ولم يكن عنده فوة فيغرسه ثانية ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرة يبعث فيرد ثانية كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية ولم يكن عند من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنى عنه
قوله تعالى { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } يريد كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء وقال ابن عباس أيضا : تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها

(3/301)


فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا } هذا خطاب لجميع أمة محمد صلى الله عليه و سلم واختلف العلماء في المعنى المراد بالانفاق هنا فقال علي بن ابي طالب وعبيدة السلماني و ابن سيرين : هي الزكاة المفروضة نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد قال ابن عطية : والظاهر من قول البراء بن عازب و الحسن و قتادة أن الآية في التطوع ندبوا إلى ألا يتطوعوا ألا بمختار جيد والآية تعم الوجهين لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر ودرهم خير من تمرة تمسك أصحاب الندب بأن لفظة أفعل صالح للندب صلاحيته للفرض والرديء منهي عنه في النفل كما هو منهي عنه في الفرض والله أحق من أختير له وروى البراء :
[ أن رجلا علق قنو حشف فراه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : بئسما علق ] فنزلت الآية خرجه الترمذي وسيأتي بكماله والأمر على هذا القول على الندب وندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار وجمهور المتأولين قالوا : معنى { من طيبات } من جيد ومختار { ما كسبتم } وقال ابن زيد : من خلال { ما كسبتم }
الثانية : الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتي حكمها أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتي بيانه والميراث داخل في هذا لأن غير الوارث قد كسبه قال سهل بن عبد الله : وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن قال : إن كان معه قوام من العيش بمقدار ما يكف نفسه عن الناس فترك هذا افضل لأنه إذا طلب حلالا وأنفق في حلال سئل عنه وعن كسبه وعن إنفاقه وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال
الثالثة : قال ابن خويز منداد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده وذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ اولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئا ]
الرابعة : قوله تعالى : { ومما أخرجنا لكم من الأرض } يعني النبات والمعادن والركاز وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية أما النبات فروى الدار قطني عن عائشة رضي الله عنها قالت :
[ جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه و سلم : ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة ] والوسق ستون صاعا فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر والزبيب وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة وقد احتج قوم لـ أبي حنيفة بقول الله تعالى : { ومما أخرجنا لكم من الأرض } وإن ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف ورأوا ظاهر الأمر الوجوب وسيأتي بيان هذا في الأنعام مستوفى وأما المعدن فروى الأئمة عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ]
قال علماؤنا : لما قال صلى الله عليه و سلم : [ وفي الركاز الخمس ] دل على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز لأنه صلى الله عليه و سلم قد فصل بين المعادن والركاز بالواو الفاصلة ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس فلما قال : [ وفي الركاز الخمس ] علم أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه والله أعلم
والركاز أصله في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر وهو عند سائر الفقهاء كذلك لأنهم يقولون في الندرة التي توجد في المعدن مرتكزة بالأرض لا تنال بعمل ولا بسعي ولا نصب فيها الخمس لأنها ركاز وقد روي عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يتكلف فيه العمل مما يستخرج من المعدن في الركاز والأول تحصيل مذهبه وعليه فتوى جهور الفقهاء وروى عبد الله بن سعيد بن ابي سعيد المقبري عن ابيه عن جده عن ابي هريرة قال :
سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الركاز قال : [ الذهب الذي خلق الله في الأرض يوم خلق السموات والأرض ] عبد الله بن سعيد هذا متروك الحديث ذكر ذلك ابن ابي حاتم وقد روي من طريق أخرى عن ابي هريرة ولا يصح ذكره الدار قطني ودفن الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضا لا يختلفون فيه إذا كان دفنه قبل الإسلام من الأموال العادية وأما ما كان من ضرب الإسلام فحكمه عندهم حكم اللقطة
الخامسة : واختلفوا في حكم الركاز إذا وجد فقال مالك : ما وجد من دفن الجاهلية في أرض العرب أو في فيافي الأرض التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو لواجده وفيه الخمس وأما ما كان في أرض الإسلام فهو كاللقظة قال : وما وجد من ذلك في أرض العنوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دون واجده وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنه لأهل تلك البلاد دون الناس ولا شيء للواجد فيه إلا أن يكون من أهل الدار فهو له دونهم وقيل : بل هو لجملة أهل الصلح قال إسماعيل : وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة لأنه مال كافر وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله وأخذ ماله فكان له اربعة أخماسه وقال ابن القاسم : كان مالك يقول في العروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه يوجد ركازا : إن فيه الخمس ثم رجع فقال : لا أرى فيه شيئا ثم آخر ما فارقناه أن قال : فيه الخمس وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء وقال أبو حنيفة و محمد في الركاز يوجد في الدار : إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه الخمس وخالفه أبو يوسف فقال : إنه للواجد دون صاحب الدار وهو قول الثوري وإن وجد في الفلاة فهو للواجد في قولهم جميعا وفيه الخمس ولا فرق عندهم بين أرض الصلح وارض العنوة وسواء عندهم أرض العرب وغيرها وجائز عندهم لواجده أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجا وله أن يعطيه للمساكين ومن أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يفرق بين شيء من ذلك وقالوا : سواء وجد الركاز في أرض العنوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا لم يكن ملكا لأحد ولم يدعه أحد فهو لواجده وفيه الخمس على عموم ظاهر الحديث وهو قول الليث وعبد الله بن نافع و الشافعي وأكثر أهل العلم
السادسة : وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه : فقال مالك وأصحابه : لا شيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين مثقالا ذهبا أو خمس أواق فضة فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما الزكاة وما زاد فبحساب ذلك ما دم في المعدن نيل فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه الزكاة مكانه والركاز عندهم بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا ينتظر به حولا قال سحنون في رجل له معادن : إنه لا يضم ما في واحد منها إلى غيرها ولا يزكي إلا عن مائتي درهم أو عشرين دينارا في كل واحد وقال محمد بن مسلمة : يضم بعضها إلى بعض ويزكي الجميع كالزرع وقال أبو حنيفة وأصحابه : المعدن كالركاز فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد منهما فمن حصل بيده ما تجب فيه الزكاة زكاة لتمام الحول إن أتى عليه حول وهو نصاب عنده هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت الزكاة فإن كان عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكاة وكذلك عندهم كل فائدة تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكى لحول الأصل وهو قول الثوري وذكر المزني عن الشافعي قال : وأما الذي أنا واقف فيه مما يخرج من المعادن قال المزني : الأولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة يزكى بحوله بعد إخراجه وقال الليث بن سعد : ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولا وهو قول الشافعي فيما حصله المزني من مذهبه وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحول عند مالك صحيح الملك لقوله صلى الله عليه و سلم :
[ من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول ] أخرجه الترمذي و الدار قطني واحتجوا ايضا بما رواه عبد الرحمن بن أنعم بن ابي سعد الخدري :
[ أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطى قوما من المؤلفة قلوبهم ذهيبة في تربتها ] بعثها علي رضي الله عنه من اليمن قال الشافعي : والمؤلفة قلوبهم حقهم في الزكاة فتبين بذلك أن المعادن سنتها سنة الزكاة وحجه مالك حديث عن ربيعة بن ابي عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه و سلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة وهذا حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث ولكنه عمل يعمل به عندهم في المدينة ورواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال المزني عن ابيه ذكره البزار ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن ابيه عن جده عن النبي صلى الله عليه و سلم :
[ أنه أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم ] ذكره البزار أيضا وكثير مجمع على ضعفه هذا حكم ما أخرجته الأرض وسيأتي في سورة النحل حكم ما أخرجه البحر إذ هو قسيم الأرض ويأتي في الأنبياء معنى قوله عليه السلام : [ العجماء جرحها جبار ] كل في موضعه إن شاء الله تعالى
السابعة : قوله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } تيمموا معناه تقصدوا وستأتي الشواهد من أشعار العرب في ان التيمم القدص في النساء إن شاء الله تعالى ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث وروى النسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال : هو الجعرور ولون حبيق فنهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يؤخذا في الصدقة وروى الدار قطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال :
[ أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بصدقته فجاء رجل من هذا السحل بكبائس ـ قال سفيان : يعني الشيص ـ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من جاء بهذا ؟ ! وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به فنزلت : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال : ونهى النبي صلى الله عليه و سلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة ] ـ قال الزهري : لونين من تمر المدينة ـ وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه وسيأتي وحكى الطبري و النحاس أن في قراءة عبد الله ولا تأمموا وهما لغتان وقرأ مسلم بن جندب ولا تيمموا بضم التاء وكسر الميم وقرأ ابن كثير تيمموا بتشديد التاء وفي اللفظة لغات منها أممت الشيء مخففة الميم الأولى و أممته بشدها و يممته وتيممته وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ ولا تؤمموا بهمزة بعد التاء المضمومة
الثامنة : قوله تعالى : { منه تنفقون } قال الجرجاني في كتاب نظم القرآن : قال فريق من الناس : إن الكلام تم في قوله تعالى : الخبيث ثم ابتدأ خبرا في وصف الخبيث فقال : { منه تنفقون } وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي تساهلتم كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع والضمير في منه عائد على الخبيث وهو الدون والرديء قال الجرجاني : وقال فريق آخر : الكلام متصل إلى قوله منه فالضمير في منه عائد على ما كسبتم ويجيء تنفقون كأنه في موضع نصب على الحال وهو كقولك : أنا أخرج أجاهد في سبيل الله
التاسعة : قوله تعالى : { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } أي لستم بأخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلا أن تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم وتكرهونه ولا ترضونه أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم : قال معناه البراء بن عازب وابن عابس والضحاك وقال الحسن : معنى الآية : ولستم بآخذيه ولو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه وروي نحوه عن علي رضي الله عنه قال ابن عطية : وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة قال ابن العربي : لو كانت في الفرض لما قال : ولستم بآخذيه لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في النفل وقال البراء بن عاوب أيضا معناه : ولستم بآخذيه لو أهدي لكم إلا أن تغمضوا فيه أي تستحي من المهدي فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا قدر له في نفسه قال ابن عطية : وهذا يشبه كون الآية في التطوع وقال ابن زيد : ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه
العاشرة : قوله تعالى : { إلا أن تغمضوا فيه } كذا قراءة الجمهور من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز ومن ذلك قول الطرماح :
( لم يفتنا بالوتر قوم وللد ... ل أناس يرضون بالإغماض )
وهذا كالإغضاء عند المكروه وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكي ـ وإما من قول العرب : أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر كما تقول : أعمن أي أتى عمان وأعرق أي أتى العراق وأنجد وأغور أي أتى نجدا والغور الذي هو تهامة أي فهو يطلب التأويل على أخذه وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا وعنه أيضا تغمضوا بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدها فالأولى على معنى تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم والثانية وهي قراءة قتادة فيما ذكر النحاس أي تأخذوا بنقصان وقال أبو عمرو الداني : معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان وحكى مكي عن الحسن إلا أن تغمضوا مشددة الميم مفتوحة وقرأ قتادة أيضا تغمضوا بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا قال أبو عمرو الداني : معناه إلا أن يغمض لكم وحكاه النحاس عن قتادة نفسه وقال ابن جني : معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس وهذا كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا إلى غير ذلك من الأمثلة قال ابن عطية : وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك إما لكونه حراما على قول ابن زيد وإما لكونه مهدى أو مأخذوا في دين على قول غيره وقال المهدوي : ومن قرأ تغمضوا فالمعنى تغمضون أعين بصائركم عن أخذه قال الجوهري : وغمضت عن فلان إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء وأغمضت وقال تعالى : { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } يقال : أغمض لي فيما بعتني كأنك تريد الزيادة منه لرداءته والحط من ثمنه و أن في موضع نصب والتقدير إلا بأن
الحادية عشرة : قوله تعالى : { واعلموا أن الله غني حميد } نبه سبحانه وتعالى على صفة الغنى أي لا حاجة به إلى صدقاتكم فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر وبال فإنما يقدم لنفسه و حميد معناه محمود في كل حال وقد أتينا على معاني هذين الاسمين في الكتاب الأسنى والحمد لله قال الزجاج في قوله واعلموا أن الله غني حميد : أي لم يأمركم أن تصدقوا من عوز ولكنه بلا أخباركم فهو حميد على ذلك على جميع نعمه

(3/304)


قوله تعالى : { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم }
فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { الشيطان } تقدم في معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته و يعدكم يخوفكم الفقر أي بالفقر لئلا تنفقوا فهذه الآية متصلة بما قبل وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها وقيل : أي بأن لا تتصدقوا فتعصوا وتتقاطعوا وقرىء الفقر بضم الفاء وهي لغة قال الجوهري : والفقر لغة في الفقر مثل الضعف والضعف
الثانية : قوله تعالى : { والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } الوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقدر بالخير وبالشر كالبشارة فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعا قال ابن عباس : في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان : فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ـ ثم قرأ ـ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ] قال : هذا حديث حسن صحيح ويجوز في غير القرآن ويأمركم الفحشاء بحذف الباء وأنشد سيبويه :
( أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب )
والمغفرة هي الستر على عباده في الدينا والآخرة والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة والنعيم في الآخرة وبكل قد وعد الله تعالى
الثالثة : ذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير وهو بتخويفه الفقر يبعد منه قال ابن عطية : وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قوية وروي أن في التوارة عبدي أنفق من رزقي ابسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة وفي القرآن مصداقه وهو قوله : { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } ذكره ابن عباس : { والله واسع عليم } تقدم معناه والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يعطي من سعة ويعلم حيث يضع ذلك ويعلم الغيب والشهادة وهما اسمان من أسمائه ذكرناهما في جملة الأسماء في الكتاب الأسنى والحمد لله

(3/311)


قوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء } أي يعطيها لمن يشاء من عباده واختلف العلماء في الحكمة هنا فقال السدي : هي النبوة ابن عباس : هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره وقال قتادة و مجاهد : الحكمة هي الفقه في القرآن وقال مجاهد : الإصابة في القول والفعل وقال ابن زيد : الحكمة العقل في الدين وقال مالك بن أنس : الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له وروى عنه ابن القاسم أنه قال : الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له وقال أيضا : الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به وقال الربيع بن أنس الحكمة الخشية وقال إبراهيم النحعي : الحكمة الفهم في القرآن وقاله زيد بن أسلم وقال الحسن : الحكمة الورع
قلت : وهذه الأقوال كلها ما عدا قول السدي و الربيع و الحسن قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس فكتاب الله حكمة وسنة نبيه حكمة وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه فقيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح وكذا القرآن وكذا القرآن والعقل والفهم وفي البخاري :
[ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ] وقال هنا : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها اعتناء بها وتنبيها على شرفها وفضلها حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى : { فبدل الذين ظلموا قولا } وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده : حدثنا مروان بن محمد حدثنا رفدة الغساني قال أخبرنا ثابت بن عجلان الأنصاري قال : كان يقال : إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم قال مروان : يعني بالحكمة القرآن
قوله تعالى : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب } يقال : إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها لأنه قال لأولئك : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وسمى هذا خيرا كثيرا لأن هذا هو جوامع الكلم وقال بعض الحكماء : من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال : { قل متاع الدنيا قليل } وسمى العلم والقرآن { خيرا كثيرا } وقرأ الجمهور { ومن يؤت } على بناء الفعل للمفعول وقرأ الزهري ويعقوب : ومن يؤت بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة فالفاعل اسم الله عز و جل و من مفعول أول مقدم والحكمة مفعول ثان والألباب : العقول واحدها لب وقد تقدم

(3/313)


قوله تعالى : { وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار }
شرط وجوابه وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها فذكر الله تعالى التوعين ما يفعله المرء متبرعا وما يفعله بعد إلزامه لنفسه وفي الآية معنى الوعد والوعيد أي من كان خالص النية فهو مثاب ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه ومعنى يعلمه يحصيه قاله مجاهد ووحد الضمير وقد ذكر شيئين فقال النحاس : التقدير { وما أنفقتم من نفقة } فإن الله يعلمها { أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه } ثم حذف ويجوز أن يكون التقدير : وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على ما كما أنشد سيبويه لامرىء القيس :
( فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال )
ويكون { أو نذرتم من نذر } معطوفا عليه قال ابن عطية : ووحد الضمير في يعلمه وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص
قلت : وهذا حسن : فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول : هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه تقول : نذر الرجل كذا إذا التزم فعله ينذر ( بصم الذال ) وينذر ( بكسرها ) وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى

(3/314)


ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها وليس كذلك الواجبات قال الحسن : إظهار الزكاة أحسن وإخفاء التطوع أفضل لأنه أدل على أنه يراد عز و جل به وحده قال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء لها
قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ] وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
[ إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة ] وفي الحديث :
[ صدقة السر تطفىء غضب الرب ]
قال ابن العربي : وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل في الجهر بيد أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها والمعطي إياها والناس الشاهدين لها أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة
قلت : هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أضل
وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ولهم يها تحريك القلوب إلى الصدقة لكن هذا اليوم قليل
وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى فكان يأمر بقسم الزكاة في السر قال ابن عطية : وهذا مردود لا سيما عند السلف الصالح قد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواحب أفضل
قلت : ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه على ما هو أحد قولي الشافعي وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات ها هنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فرادى أفضل والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة وقال المهدوي : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه و سلم ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك فاستحسن العلماء إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع قال ابن عطية : وهذا القول مخال للآثار ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض فقد كثر المانه لها وصار إخراجها عرضة للرياء وقال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع لأنه ذكر الإخفاء ومدحه والأظهار ومدحه فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا وقال النقاش : إن هذه لآية نسخها قوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } الآية
قوله تعالى : { فنعما هي } ثناء على إبداء الصدقة ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك ولذلك قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره وإذا اصطنع إليك فانشره قال دعبل الخزاعي :
( إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام )
وقال سهل بن هارون :
( خل إذا جئته يوما لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا )
( يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا )
وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيله وتصغيره وستره فإذا أعجلته هنيته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته أتممته وقال بعض الشعراء فأحسن :
( زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير )
( تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور خطير )
اختلف القراء في قوله { فنعما هي } فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص و ابن كثير فنعما هي بكسر النون والعين وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل فنعما بكسر النون وسكون العين وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة و الكسائي فنعما بفتح النون وكسر العين وكلهم سكن الميم ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي قال النحاس : ولكنه في السواد متصل فلزم الإدغام وحكى النحويون في نعم اربع لغات : نعم الرجل زيد هذا الأصل ونعم الرجل بكسر النون العين ونعم الرجل بفتح النون وسكون العين والأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة ونعم الرجل وهذا أفصح اللغات والأصل فيها نعم وهي تقع في كل مدح فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين فمن قرأ فنعما هي فله تقديران : أحدهما أن يكون جاء به على لغة من يقول نعم والتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيدة فيكون الأصل نعم ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين قال النحاس : فأما الذي حكي عن ابي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به وإنما يروم الجميع بين ساكنين ويحرك ولا يأبه وقال أبو علي : من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد إذ المد يصيرعوضا من الحركة وهذا نحو دابة وضوال ونحوه ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في بارئكم ـ و ـ يأمركم فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع وخفائه قال أبو علي : وأما من قرأ نعما بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر :
( ما أقلت قدماي إنهم ... نعم السعون في الأمر المبر )
قال أبو علي : و ما من قوله تعالى : نعما في موضع نصب وقوله هي تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر والتقدير نعم شيئا إبداؤها والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ويدلك على هذا قوله { فهو خير لكم } أي الإخفاء خير فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله { وإن تخفوها } شرط فلذلك حذفت النون { وتؤتوها } عطف عليه والجواب { فهو خير لكم } { ويكفر } اختلف القراء في قراءته فقرأ أبو عمرة و أبن كثير وعاصم في رواية أبي بكر و قتادة و ابن اسحاق ونكفر بالنون ورفع الراء وقرأ نافع وحمزة و الكسائي بالنون والجزم في الراء وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش يكفر بنصب الراء وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء ورواه حفص عن عاصم وكذلك روي عن الحسن وروي عنه بالياء والجزم وقرأ ابن عباس وتكفر بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء وقرأ عكرمة وتكفر بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء وحكى المهدوي عن ابي هرمز أنه قرأ وتكفر بالتاء ورفع الراء وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرأ بتاء ونصب الراء فهذه تسع قراءات أبينها ونكفر بالنون والرفع هذا قول الخليل و سيبويه قال النحاس قال سيبويه : والرفع ها هنا الوجه وهو الجيد لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء وأجاز الجزم بحمله على المعنى لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم وقال أبو حاتم : وقرأ الأعمش يكفر بالياء دون واو قبلها قال النحاس : والذي حكاه أو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء والذي روي عن عاصم ويكفر بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله هذا قول أبي عبيد وقال أبو حاتم : معناه يكفر الإعطاء وقرأ ابن عباس وتكفر يكون معناه وتكفر الصدقات وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر والإعطاء في خفاء مكفر أيضا كما ذكرنا وحكاه مكي وأما رفع الراء فهو على وجهين : أحدهما أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر أعني الصدقة أو والله يكفر والثاني القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم فأما نصب ونكفر فضعيف وهو على إضمار أن وجاز وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم فأما نصب ونكفر فضعيف وهو على إضمار أن وجاز على بعد قال المهدوي : وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام والجزم في الراء أفصح هذه القراءات لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى
قلت : هذا خلاف ما اختاره الخليل و سيبويه و من في قوله : { من سيئاتكم } للتبعيض المحض وحكى الطبري عن فرقة أنها ازائدة قال ابن عطية : وذلك منهم خطأ { والله بما تعملون خبير } وعد ووعيد

(3/314)


قوله تعالى : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { ليس عليك هداهم } هذا الكلام متصل بذكر الصدقات فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه و سلم في سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم ] فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام وذكر النقاش :
[ أن النبي صلى الله عليه و سلم أتي بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ليس لك من صدقة المسلمين شيء فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت : { ليس عليك هداهم } فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأعطاه ] ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات وروى ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية بسبب أولئك وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا قحافة ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك وحكى الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه و سلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين فقال الله تعالى : { ليس عليك هداهم } وقيل : { ليس عليك هداهم } ليس متصلا بما قبل فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام
الثانية : قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع وأما المفروضة فلا يجزىء دفعها لكافر لقوله عليه السلام :
[ أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ] قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا وقال المهدوي : رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية قال ابن عطية وهذا مردود بالإجماع والله أعلم وقال أبو حنيفة : تصرف إليهم زكاة الفطر ابن العربي : وهذا ضعيف لا أصل له ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم :
[ أغنوهم عن سؤال هذا اليوم ] يعني يوم الفطر
قلت : وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة وهو أحد القولين عندنا وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات قال ابن عطية وهذا الحكم متصور للمسلمين مع أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين
قلت : وفي التنزيل : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا وقال تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم } فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة إلا أن النبي صلى الله عليه و سلم خص منها الزكاة المفروضة [ لقوله عليه السلام لمعاذ : خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم ] واتفق العلماء على ذلك ما تقدم فيدفع اليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا والله أعلم قال ابن العربي : فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين وفي صحيح مسلم :
[ أن رجلا تصدق على غني وسارق وزانية وتقبلت صدقته ] على ما يأتي بيانه في آية الصدقات
الثالثة : قوله تعالى : { ولكن الله يهدي من يشاء } أي يرشد من يشاء وفي هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة كما تقدم
قوله تعالى : { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } شرط وجوابه والخير في هذه الآية المال لأته قد اقترن بذكر الإنفاق فهذه القرينة تدل على أنه المال متى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال نحو قوله تعالى : { خير مستقرا } وقوله : { مثقال ذرة خيرا يره } إلى غير ذلك وهذا تحرز من قول عكرمة : كل خير في كتاب الله تعالى فهو المال وحكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا فقيل له في ذلك فيقول : إنما فعلت مع نفسي ويتلو { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } ثم بين تعالى أن النفقة المعتد بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه و ابتغاء هو على المفعول له وقيل : إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجهه فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم وعلى التأويل الأول هو اشتراط عليهم ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لسعد بن ابي وقاص :
[ إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك ]
قوله تعالى : { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } { يوف إليكم } تأكيد وبيان لقوله : { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } وإن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم

(3/319)


فيه عشر مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { للفقراء } اللام متعلقة بقوله { وما تنفقوا من خير } وقيل : بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء قال السدي و مجاهد وغيرهما : المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ثم تتناول الآية وكل من دخل تحت صفة الفقراء غابر الدهر وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه و سلم وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقيل لهم : أهل الصفة قال أبو ذر :
[ كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه و سلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى النبي صلى الله عليه و سلم بعشائه ونتعشى معه فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ناموا في المسجد ] وخرج الترمذي عن البراء بن عازب :
{ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } قال : نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل قال : فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد فأنزل الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال : ولو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض وحياء قال : فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده قال : هذا حديث حسن غريب صحيح قال علماؤنا وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة وأكلوا من الصدقة ضرورة فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى : { الذين أحصروا في سبيل الله } والمعنى حبسوا ومنعوا وقال قتادة واين زيد : { أحصروا في سبيل الله } حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم خوف العدو ولهذا قال تعالى : { لا يستطيعون ضربا في الأرض } لكون البلاد كلها كفر مطبقا وهذا في صدر الإسلام فعلتهم تمنع من الإكتساب بالجهاد وإنكار الكفارعليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء وقيل : معنى : { لا يستطيعون ضربا في الأرض } أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد والأول أظهر والله أعلم
الثانية : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه وقدر أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه و سلم غير مرضى ولا عميان والتعفف تفعل وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره وفتح السين وكسرها في يحسبهم لغتان قال أبو علي : والفتح أقيس لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة والقراءة بالكسر حسنة لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس و من في قوله : { من التعفف } لابتداء الغاية وقيل لبيان الجنس
الثالثة : قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم } فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين وتقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ومنه قوله تعالى : { ولتعرفنهم في لحن القول } فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي في التجمل واتفق العلماء على ذلك وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فـ أبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة و الشافعي اعتبر قوت سنة و مالك اعتبر اربعين درهما و الشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب
والسيما ( مقصورة ) : العلامة وقد تمد فيقال السيماء وقد اختلف العلماء في تعيينها هنا فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع السدي : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة ابن زيد : رثاثة ثيابهم وقال قوم وحكاه مكي : أثر السجود ابن عطية : وهذا حسن وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة فكان أثر السجود عليهم
قلت : وهذه السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر الفتح بقوله : { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } فلا فرق بينهم وبين غيرهم فلم يبق إلا أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة أو يكون أثر السجود أكثر فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار والله أعلم وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغني والفقير فلم يبق إلا ما اخترناه والموفق الإله
الرابعة : قوله تعالى : { لا يسألون الناس إلحافا } مصدر في موضع الحال أي محلفين يقال : ألحف وأحفى ألح في المسألة سواء ويقال :
( وليس للمحلف مثل الرد )
واشتقاق الإلحاف من اللحاف سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك ومنه قول ابن أحمر :
( فظل يحفهن بقفقفيه ... ويلحفهن هفهافا ثخينا )
يصف ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه وروى النسائي و مسلم عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
[ ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرؤوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحاف ]
الخامسة : واختلف العلماء في معنى قوله : { لا يسألون الناس إلحافا } على قولين فقال قوم منهم الطبري و الزجاج : إن المعنى لا يسألون البتة وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى هذا جمهور المفسرين ويكون التعفف صفة ثابتة لهم أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح وقال قوم : إن المراد نفي الإلحاف أي إنهم يسألون غير إلحاف وهذا هو السابق للفهم أي يسألون غير ملحفين وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا روى الأئمة واللفظ لـ مسلم عن معاوية بن ابي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته ] وفي الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال :
[ نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فاسأله لنا شيئا نأكله وجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لا أجد ما أعطيك فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول : لعمري إنك لتعطي من شئت ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنه يغضب علي إلا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا ] قال الأسدي : فقلت للقحة لنا خير من أوقية ـ قال مالك : والأوقية أربعون درهما ـ قال : فرجعت ولم أسأله فقدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه أغنانا الله فقال ابن عبد البر : هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره وهو حديث صحيح وليس حكم الصحابي إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء لارتفاع الجرحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم وهذا حديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة وهذا مما لا أعلم فيه خلافا فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات إن شاء الله تعالى
السادسة : قال ابن عبد البر : من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وفد سئل عن المسألة متى تحل قال : إذا لم يكن عنده ما يغديه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية قيل لأبي عبد الله : فإن اضطر إلى المسألة ؟ قال : هي مباحة له إذا اضطر قيل له : فإن تعفف ؟ قال : ذلك خير له ثم قال : ما أظن أحدا يموت من الجوع ! الله يأتيه برزقه ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري :
[ من استعف أعفه الله ] وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال له :
[ تعفف ] قال أبو بكر : سمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة ؟ فقال : أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله هذا شنيع قال : وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره ؟ قال لا ولكن يعرض كما :
[ قال النبي صلى الله عليه و سلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار فقال : تصدقوا ] ولم يقل أعطوهم قال أبو عمر : قد قال النبي صلى الله عليه و سلم :
[ أشفعوا تؤجروا ] وفيه إطلاق السؤال لغيره والله أعلم وقال :
[ ألا رجل يتصدق على هذا ؟ ] قال أبو بكر : قيل له ـ يعني أحمد بن جنبل ـ فالرجل يذكر الرجل فيقول : إنه محتاج ؟ فقال : هذا تعرض وليس به بأس إنما المسألة أن يقول أعطه ثم قال : لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره ؟ والتعريض هنا أحب إلي
قلت : قد روى أبو داود و النسائي وغيرهما :
[ أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم اسأل يا رسول الله ؟ قال : لا وإن كنت سائلا لا بد فأسأل الصالحين ] فأباح صلى الله عليه و سلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك وإن أوقع حاجته بالله فهو أعلى قال إبراهيم بن أدهم : سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى فأنول حاجتك بمن يملك الضر والنفع وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا
السابعة : فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده إذ هو رزق رزقه الله روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار :
[ ان رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده فقال له رسول الله : لم رددته ؟ فقال : يا رسول الله أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله ] فقال عمر بن الخطاب : والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشيء من غير مسألة أخذته وهذا نص وخرج مسلم في صحيحه و النسائي في سننه وغيرهما عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول :
[ كان النبي صلى الله عليه و سلم يعطيني العطاء فأقول : أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا فقلت : أعطه أفقر إليه مني قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك ] زاد النسائي ـ بعد قوله : [ خذه ـ فتموله أو تصدق به ] وروى مسلم من حديث عبد الله بن السعدي المالكي :
عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق ] وهذا صحيح لك حديث مالك مرسل قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبي صلى الله عليه و سلم :
[ ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف ] أي الإشراف أراد ؟ فقال : إن تستشرفه وتقول : لعله يبعث إلي بقلبك قيل له : وإن لم يتعرض قال نعم إنما هو بالقلب قيل له : هذا شديد ! قال : وإن كان شديدا فهو هكذا قيل له : فإن كان الرجل لم يعودني أن يرسل إلي شيئا إلا أنه قد عرض بقلبي فقلت : عسى أن يبعث إلي قال : هذا إشراف فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف قال أبو عمر : الإشراف في اللغو رفع الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه وأن يهش الإنسان ويتعرض وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد لأن الله عز و جل تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جاحة وأما ما اعتقده القلب من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع
الثامنة : الإلحاح في المسألة والإلحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحل قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر ] رواه أبو هريرة خرجه مسلم وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم ] رواه مسلم أيضا
التاسعة : السائل إذا كان محتاجا فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا والأفضل تركه فإن كان المسؤول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء وإن كان جاهلا به فيعطيه مخافة ان يكون صادقا في سؤاله فلا يفلح في رده
العاشرة : فإن كان محتاجا إلى ما يقيم به سنة كالتجمل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربي سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلا يقول : هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابا أخر فقيل لي : كساه إياها أبو الطاهر البرسني أخذ الثناء

(3/322)


قوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
فيه مسألة واحدة :
روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وابي الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقي و الأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله وذكر ابن سعد في الطبقات قال : أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن ابيه عن جده عريب :
[ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن قوله تعالى : { الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } قال : هم أصحاب الخيل ] وبهذا الإسناد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك ] وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في علي بن ابي طالب رضي الله عنه كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم جهرا ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن ابيه عن ابن عباس ابن جريج : نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم عليا ولا غيره وقال قتادة : هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير ومعنى { بالليل والنهار } في الليل والنهار ودخلت الفاء في قوله تعالى : فلهم لأن في الكلام معنى الجزاء وقد تقدم ولا يجوز زيد فمنطلق

(3/329)


قوله تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }

(3/330)


قوله تعالى : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم }

(3/330)


قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }

(3/330)


قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين }

(3/330)


قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون }
الآيات الثلاث تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات والوعيد لمن استحل الربا وأصر على فعله وفي ذلك ثمان وثلاثون مسألة :
الأولى : قوله تعالى : { الذين يأكلون الربا } يأكلون يأخذون فعبر عن الأخذ بالأكل لأن الأخذ إنما يراد للأكل والربا في اللغة الزيادة مطلقا يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ومنه الحديث :
[ فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها ] يعني الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه و سلم بالبركة خرج الحديث مسلم رحمه الله وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوله وقد كتبوه في القرآن بالواو ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده فمرة أطلقه على كسب الحرام كما قال الله تعالى في اليهود : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام كما قال تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } يعني به المال الحرام من الرشا وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا : { ليس علينا في الأميين سبيل } وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان : تحريم النساء والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبينه وغالبه ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم : أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه وهذا كله محرم باتفاق الأمة
الثانية : أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة فإن قيل لفاعلها آكل الربا فتجوز وتشبيه
الثالثة : روى الأئمة واللفظ لـ مسلم عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سوءا ] وفي حديث عبادة بن الصامت :
[ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ] وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
[ الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدي بمدي والشعير بالشعير مدي بمدي والتمر بالتمر مدي بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن زاد أو ازداد فقد أربى ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد وأما نسيئه فلا ] وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السنة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البر والشعير فإن مالكا جعلها صنفا واحدا فلا يجوز منهما اثنان بواحد وهو قول الليث و الأوزاعي و معظم علماء المدينة والشام وأضاف مالك إليهما السلت وقال الليث : السلت والدخن والذرة صنف واحد وقاله ابن وهب
قلت : وإذا ثبتت السنة فلا قول معها وقال عليه السلام :
[ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ] وقوله : [ البر بالبر والشعير بالشعير ] دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشعر بل فصل وبين وهذا مذهب الشافعي و أبي حنيفة و الثوري وأصحاب الحديث
الرابعة : كان معاوية بن ابي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبي صلى الله عليه و سلم في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر من الذهب والفضة بالمضروب ولا في المصوغ بالمضروب وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة حتى وقع له مع عبادة ما خرجه مسلم وغيره قال :
غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت ذلك فقام فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زاد أو ازداد فقد أربى فرد الناس ما أخذوا فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ! فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال : لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه و سلم وإن كره معاوية ـ أو قال وإن رغم ـ ما أبالي ألا أصحبه في جنده في ليلة سوداء قال حماد هذا أو نحوه قال ابن عبد البر : وقد روي أن هذه القصة إنما كانت لأبي الدرداء مع معاوية ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه ولكن الحديث في العرف محفوظ لعبادة وهو الأصل الذي عول عليه العلماء في باب الربا ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز وغير نكير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم وقد خفي على ابي بكر وعمر ما وجد عند غيرهم ممن هو دونهم فمعاوية أحرى ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس فقد كان وهو بحر في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر قال قبيصة بن ذؤيب : إن عبادة أنكر شيئا على معاوية فقال : لا أساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة فقال له عمر : ما أقدمك ؟ فأخبره فقال : ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك ! وكتب إلى معاوية لا إمارة لك عليه
الخامسة : روى الأئمة واللفظ لـ لدار قطني عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء ] قال العلماء فقوله عليه السلام : [ الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ] إشارة إلى جنس الأصل المضروب بدليل قوله : [ الفضة بالفضة والذهب بالذهب ] الحديث والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل سواء بسواء على كل حال على هذا جماعة أهل العلم على ما بينا واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمنا للأشياء ومنع من إلحاقها مرة من حيث أنها ليست ثمنا في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد
السادسة : لا اعتبار بما قد روي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضراب خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إلي دنانير مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه وأن ذلك جائز للضروة وأنه قد عمل به بعض الناس وحكاه ابن العربي في قبسه عن مالك في غير التاجر وأن مالكا خفف في ذلك فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له : اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأجرة فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرتها فالذي فعل مالك اولا هو الذي يكون آخرا و مالك إنما ينظر إلى المال فركب عليه حكم الحال واباه سائر الفقهاء قال ابن العربي : والحجة فيه لـ مالك بينة قال أبو عمر رحمه الله وهذا هو عين الربا الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله : [ من زاد أو ازداد فقد أربى ] وقد رد ابن وهب هذ المسألة على مالك وأنكرها وزعم الأبهري أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق وليس الربا إلا على من أراد أن يربي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه ونسي الأبهري أصله في قطع الذرائع وقوله فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق يباع : إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه ومثله كثير ولو لم يكن الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء وقد قال عمر : لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا وهذا بين لمن رزق الإنصاف وألهم رشده
قلت : وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهم كالمتحقق فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم سدا للذريعة وحسما للتوهمات إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنوي وذلك أن منع دينارا من الذهب العالي ودينارا من الذهب الدون في مقابلة العالي وألغى الدون وهذا من دقيق نظره رحمه الله فدل أن تلك الرواية عنه منكرة ولا تصح والله أعلم
السابعة : قال الخطابي : التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم أو دنانير واحدتها تبرة والعين : المضروب من الدراهم أو الدنانير [ وقد حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء من تبر غير مضروب وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها وذلك معنى قوله : تبرها وعينها سواء ]
الثامنة : أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مثلا بمثل واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين والحبة الواحدة من القمح بحبتين فمنعه الشافعي و أحمد و إسحاق و الثوري وهو قياس قول مالك وهو الصحيح لأن ما جرى الربا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياسا ونظرا احتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة قال : لأنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل
التاسعة : اعلم رحمك الله ان مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في علة الربا فقال أبو حنيفة : علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئا لا يجوز فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا لأنه يدخله الكيل وأجاز الخبز قرصا بقرصين لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه وقال الشافعي : العلة كونه مطعوما جنسا هذا قوله في الجديد فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلا ولا نسيئا وسواء أكان الخبز خميرا أو فطيرا ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين ولا رمانة برمانتين ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة لأن ذلك كله طعام مأكول وقال في القديم : كونه مكيلا أو موزونا واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك وأحسن ما في ذلك كونه مدخرا للعيش غالبا جنسا كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها وما في معناه كالأرز والذرة والدخن والسمسم والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحمص وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت والثمار كالعنب والزبيب والزيتون واختلف في التين ويلحق بها العسل والسكر فهذا كله يدخله الربا من جهة النساء وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام : [ إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ] ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضروات قال مالك : لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا لأنه مما يدخر ويجوز عنده مثلا بمثل وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : جائز بيضة ببيضتين وأكثر لأنه مما لا يدخر وهو قول الأوزاعي
العاشرة : اختلف النحاة في لفظ الربا فقال البصريون : هو من ذوات الواو لأنك تقول في تثنيته : ربوان قاله سيبويه وقال الكوفيون : يكتب بالياء وتثنيته بالياء لأجل الكسرة التي في أوله قال الزجاج : ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع ! لا يكفيهم الخطأ في الخط حتى يخطئوا في التثنية وهم يقرءون { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس } قال محمد بن يزيد : كتب الربا في المصحف بالواو فرقا بينه وبين الزنا وكان الربا أولى منه بالواو لأنه من ربا يربو
الحادية عشرة : قوله تعالى : { لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } الجملة خبر الابتداء وهو الذين والمعنى من قبورهم قاله ابن عباس و مجاهد و ابن جبير و قتادة و الربيع و الضحاك و السدي وابن زيد وقال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنقه وقالوا كلهم : يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر ويقوي هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة ابن مسعود لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم قال ابن عطية : وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره : قد جن هذا ! وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله :
( وتصبح غب السرى وكأنما ... ألم بها من طائف الجن أولق )
وقال آخر :
( لعمرك بي من حب أسماء أولق )
لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل و يتخطبه يتفعله من خبط يخبط كما تقول : تملكه وتعبده فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون ويقال : إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحبالى وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم وقال بعض العلماء : إنما ذلك شعار لهم يعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك كما أن الغال يجيء بما غل يوم القيامة بشهرة يشهر بها ثم العذاب من وراء ذلك وقال تعالى يأكلون والمراد يكسبون الربا ويفعلونه وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص يقال : رجل جشع بين الجشع وقوم جشعون قاله في المجمل فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل في قوله : { الذين يأكلون }
الثانية عشرة : في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان لا يسل في الإنسان ولا يكون منه مس وقد مضى الرد عليهم فيما تقدم من هذا الكتاب وقد روى النسائي عن ابي اليسر قال :
كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو فيقول : [ اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحرق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا ] وروي من حديث محمد بن المثنى حدثنا أبو داود حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول :
[ اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيء الأسقام ] والمس : الجنون يقال : مس الرجل وألس فهو ممسوس ومألوس إذا كان مجنونا وذلك علامة الربا في الآخرة وروى في حديث الإسراء :
[ فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيا فيقبلون مثل الإبل المهيومة يتخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون براحا حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة أبدا فإن الله تعالى يقول : { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } ـ قتل ـ يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ] والمس الجنون وكذلك الأولق والألس والرود
الثالثة عشرة : قوله تعالى : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } معناه عند جميع المتأولين في الكفار ولهم قيل : { فله ما سلف } ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاعلا فلذلك قال صلى الله عليه و سلم :
[ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ] لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية
الرابعة عشرة : قوله تعالى : { إنما البيع مثل الربا } أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك فكانت إذا حل دينها قالت للغريم : إما أن تقضي وإما ان تربي أي تزيد في الدين فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق : { وأحل الله البيع وحرم الربا } وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه و سلم بقوله يوم عرفة لما قال :
[ ألا إن كل ربا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ] فبدأ صلى الله عليه و سلم بعمه وأخص الناس به وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس
الخامسة عشرة : قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا } هذا من عموم القرآن والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه كما قال تعالى : { والعصر * إن الإنسان لفي خسر } ثم استثنى { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وإذا ثبت ان البيع عام فهو مخصص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نهي عنه ومنع العقد عليه كالخمر والميتة وحبل الحبلة وغير ذلك مما هو ثابت في السنة وإجماع الأمة النهي عنه ونظيره { فاقتلوا المشركين } وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص وهذا مذهب أكثر الفقهاء وقال بعضهم : هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة الرسول صلى الله عليه و سلم وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل وهذا فرق ما بين العموم والمجمل فالعموم يدل على إباحة البيوع في الجملة والتفصيل ما لم يخص بدليل والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان والأول أصح والله أعلم
السادسة عشرة : البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا أي دفع عوضا وأخذ معوضا وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته ومبتاعا وهو الذي يبذل الثمن ومبيعا وهو المثمون وهو الذي يبذل في مقابلته الثمن وعلى هذا فأركان البيع أربعة : البائع والمبتاع والثمن والمثمن ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه فإن كان احد المعوضين في مقابلة الرقبة سمي بيعا إن كان في مقابةل منفعة رقبة فإن كانت منفعة بضع سمي نكاحا وإن كانت منفعة غيرها سمي إجارة وإن كان عينا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف وإن كان بدين مؤجل فهو السلم وسيأتي بيانه في آية الدين وقد مضى حكم الصرف ويأتي حكم الإجارة في القصص وحكم المهر في النكاح في النساء كل في موضعه إن شاء الله تعالى
السابعة عشرة : البيع قبول وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية ويقع بالصريح والكناية المفهوم منها نقل الملك فسواء قال : بعتك هذه السلعة بعشرة فقال : اشتريتها أو قال المشتري : اشتريتها وقال البائع : بتعكها او قال البائع : أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري : انا أشتري أو قد اشتريت وكذلك لو قال : خذها بعشرة أو أعطيتكها او دونكها او بورك لك فيها بعشرة او سلمتها إليك ـ وهما يريدان البيع ـ فذلك كله بيع لازم ولو قال البائع : بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال : ليس له ان يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو رده لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها وقد قال ذلك له لأن العقد لم يتم عليه ولو قال البائع : كنت لاعبا فقد اختلفت الرواية عنه فقال مرة : يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله وقال مرة : ينظر إلى قيمة السلعة
فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم وإن كان متفاوتا كعبد بدرهم ودار بدينار علم أنه لم يرد به البيع وإنما كان هازلا فلم يلزمه

(3/330)


الثامنة عشرة : قوله تعالى : { وحرم الربا } الألف واللام هنا للعهد وهو ما كانت العرب تفعله كما بيناه ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه و سلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهي عنها
التاسعة عشرة : عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال لما رواه الأئمة واللفظ لـ مسلم عن ابي سعيد الخدري قال :
[ جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : من أين هذا ؟ فقال بلال : من تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك : أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت ان تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به ] وفي رواية : [ هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ] قال علماؤنا : فقوله : [ أوه عين الربا ] أي هو الربا المحرم نفسه لا ما لا يشبهه وقوله : [ فردوه ] يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه وهو قول الجمهور خلافا لـ أبي حنيفة حيث يقول : إن بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ممنوع بوصفه من حيث هو ربا فيسقط الربا ويصح البيع ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه و سلم هذه الصفقة ولأمره برد الزيادة على الصاع ولصحح الصفقة في مقابلة الصاع
الموفية عشرين : كل ما كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها
فإن تلفت بيده رد القيمة فيما له القيمة وذلك كالعقار والعروض والحيوان والمثل فيما له مثل من موزون او مكيل من طعام أو عرض قال مالك : يرد الحرام البين فات أو لم يفت وما كان مما كره الناس رد إلا أن يفوت فيترك
الحادية والعشرون : قوله تعالى : { فمن جاءه موعظة من ربه } قال جعفر بن محمد الصادق رحمهما الله : حرم الله الربا ليتقارض الناس وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ قرض مرتين يعدل صدقة مرة ] أهرجه البزار وقد تقدم هذا المعنى مستوفى وقال بعض الناس : حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى : فمن جاءه لأن تأنيث الموعظة غير حقيقي وهو بمعنى وعظ وقرأ الحسن فمن جاءته بإثبات العلامة
هذه الآية تلتها عائشة لما أخبرت بفعل زيد بن أرقم روى الدار قطني عن العالية بنت أنفع قالت :
خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها فقالت لنا : ممن أنتن ؟ قلنا من أهل الكوفة قالت : فكأنها أعرضت عنا فقالت لها أم محبة : يا أم المؤمنين ! كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدا قالت : فأقبلت علينا فقالت : بئسما شريت وما اشتريت ! فأبلغني زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يتوب فقالت لها : أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي ؟ قالت : { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف } العالية هي زوج إبي إسحاق الهمداني الكوفي السبيعي أم يونس بن أبي إسحاق وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال فإن كان منها ما يؤدي إلى الوقوع في المحزور منع منه وإن كان ظاهره بيعا جائزا وخالف مالكا في هذا الأصل جمهور الفقهاء وقالوا : الأحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون ودليلنا القول بسد الذرائع فإن سلم وإلا استدللنا على صحته وقد تقدم وهذا الحديث نص ولا تقول عائشة أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب إلا بتوقيف إذ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما تقدم وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
[ إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محاربه ] وجه دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سد للذريعة وقال صلى الله عليه و سلم :
[ إن من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا : وكيف يشتم الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ] فجعل التعريض لسب الآباء كسب الآباء ولعن صلى الله عليه و سلم اليهود إذ أكلوا ثمن ما نهوا عن أكله وقال أبو بكر في كتابه : لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يسكر وعلى تحريم الخلوة بالأجنبية وإن كان عنينا وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابة إلى غير ذلك مما يكثر ويعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع لأنها ذرائع المحرمات والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت طرائقه ومن أباح هذه الأسباب فليبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات وذلك لا يقوله أحد وأيضا فقد اتفقنا على منع من باع بالعينة إذا عرف بذلك وكانت عادته وهي في معنى هذا الباب والله الموفق للصواب
الثانية والعشرون : روى أبو داود عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
[ إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ] في إسناده أبو عبد الرحمن الخراساني ليس بمشهور وفسر أبو عبيد الهروي العينة فقال : هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى اجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن اكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة وهي أهون من الأولى وهو جائز عند بعضهم وسميت عينة لحضور النقد لصاحب العينة وذلك أن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره
الثالثة والعشرون : قال علماؤنا : فمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد أو إلى أجل دون الأجل الذي باعها إليه أو إلى أبعد منه بمثل الثمن أو بأقل منه أو بأكثر فهذه ثلاث مسائل : وأما الأولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو وهذا هو الربا بعينه وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه ولا يجوز بأكثر فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة ومدارها على ما ذكرناه فاعلم
الرابعة والعشرون : قوله تعالى : { فله ما سلف } أي من أمر الربا لا تباعة عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة قاله السدي وغيره وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هنالك وسلف : معناه تقدم في الزمن وانقضى
الخامسة والعشرون : قوله تعالى : { وأمره إلى الله } فيه أربع تأويلات : أحدها أن الضمير عائد إلى الربا بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك والآخر أن يكون الضمير عائدا على ما سلف أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه والثالث أن يكون الضمير عائدا على ذي الربا بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية في الربا واختار هذا القول النحاس قال : وهذا قول حسن بين أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على التحريم وإن شاء أباحه والرابع أن يعود الضمير على المنتهى ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير كما تقول : وأمره إلى طاعة وخير وكما تقول : وأمره في نمو وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته
السادسة والعشرون : قولع تعالى : { ومن عاد } يعني إلى فعل الربا حتى يموت قاله سفيان وقال غيره : من عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر قال ابن عطية : إن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة كما تقول العرب : ملك خالد عبارة عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي
السابعة والعشرون : قوله تعالى : { يمحق الله الربا } يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيرا روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل ] وقيل : { يمحق الله الربا } يعني في الآخرة وعن ابن عباس في قوله تعالى : { يمحق الله الربا } قال : لا يقبل منه صدقة ولا حجا ولا جهادا ولا صلة والمحق : النقص والذهاب ومنه محاق القمر وهو انتقاصه { ويربي الصدقات } أي ينميها في الدنيا بالبركة ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة وفي صحيح مسلم :
[ إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد ] وقرأ ابن الزبير يمحق بضم الياء وكسر الحاء مشددة يربي بفتح الراء وتشديد الباء ورويت عن النبي صلى الله عليه و سلم كذلك
الثامنة والعشرون : قوله تعالى : { والله لا يحب كل كفار أثيم } ووصف كفار بأثيم مبالغة من حيث اختلف اللفظان وقيل : لإزالة الاشتراك في كفار إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض : قاله ابن فورك
وقد تقدم القول في قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل الصالحات تشريفا وتنبيها على قدرهما إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن والزكاة في أعمال المال
التاسعة والعشرون : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزوله آية التحريم ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا وقد قيل :
إن الآية نزلت بسبب ثقيف وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه و سلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف وكانت على بني المغيرة المخزوميين فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد فكيف به إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى عتاب فعلمت بها ثقيف فكفت هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق و أبن جريج و السدي وغيرهم والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه
الموفية ثلاثين : قوله تعالى : { إن كنتم مؤمنين } شرط محض في ثقيف على بابه لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام وإذا قدرنا الآية فمن قد تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة كما تقول لمن تريد إقامة نفسه : إن كنت رجلا فافعل كذا وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن إن في هذه الآية بمعنى إذا قال ابن عطية : وهذا مردود لا يعرف في اللغة وقال ابن فورك : يحتمل أن يريد { يا أيها الذين آمنوا } بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء { ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } بمحمد صلى الله عليه و سلم ! إذ لا ينفع الأول إلا بهذا وهذا مردود بما روي في سبب الآية
الحادية والثلاثون : قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } هذا وعيد إن لم يذروا الربا والحرب داعية القتل وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب وقال ابن عباس ايضا : من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستثيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا وقيل : المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله أي اعداء وقال ابن خويز منداد : ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا مرتدين والحكم فيه كالحكم في أهل الردة وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا جاز للإمام محاربتهم ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال : { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } وقرأ أبو بكر عن عاصم فأذنوا على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم
الثانية والثلاثون : ذكر ابن بكير قال : جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم اشر من الخمر فقال ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : امرأتك طالق إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب
الثالثة والثلاثون : دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ولا خلاف في ذلك على ما نبينه وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غبارة ] وروى الدار قطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ لدرهم ربا اشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة ] وروي عنه عليه السلام أنه قال :
[ الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه ] يعني الزنا بأمه وقال ابن مسعود :
آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه و سلم وروى البخاري عن أبي جحيفة قال :
[ نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور ] وفي صحيح مسلم عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :
[ اجتنبوا السبع الموبقات وفيها ـ وآكل الربا ] وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قا ل : [ لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ]
الرابعة والثلاثون : وقوله تعالى : { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } الآية روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن ابيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول في حجة الوداع :
[ ألا أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ] وذكر الحديث فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم : لا تظلمون في أخذ الربا ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل لأن مطل الغني ظلم فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا وهكذا سنة الصلح وهذا أشبه شيء بالصلح الأ ترى :
[ أن النبي صلى الله عليه و سلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دين ابن ابي حدرد بوضع الشطر فقال كعب : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم للآخر : قم فاقضه ] فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات وسيأتي في النساء بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز إن شاء الله تعالى
الخامسة والثلاثون قوله تعالى : { وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم } تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم احرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد كما ابطل الله تعالى ما لم يقبض لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض ولو كان مقبوضا لم يؤثر هذا مذهب أبي حنيفة وهو قول لأصحاب الشافعي ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف ويروى هذا الخلاف عن أحمد وهذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا وإنما بطل بالإسلام الطارىء قبل القبض وأما من منع انعقاد الربا في الصل لم يكن هذا الكلام صحيحا وذلك أن الربا كان محرما في الأديان والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغضب والسلب فلا يتعرض له فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى كما حكى عن اليهود في قوله تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه قالوا { أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به نعم يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد
السادسة والثلاثون : ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدرا الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام قال ابن العربي : وهذا غلو في الدين فإن كان ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه كما أن الإهلاك إتلاف لعينه والمثل قائم مقام الذاهب وهذا بين حسا بين معنى والله أعلم
قلت : قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه ويطلبه إن لم يكن حاضرا فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه فإن التبس عليه الأمر ولم يدر كم الحرام من الخلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه فإن أيس من وجوده تصدق به عنه فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين حتى لا يبقى في يده أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه وقوت يومه لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه وفارق ها هنا المفلس في قول أكثر العلماء لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذي صيروها إليه فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه و أبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا حتى يعلم وهو من يعلم حاله أنه أدى ما عليه
السابعة والثلاثون : هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم مثله في المخابرة وروى أبو داود وقال : أخبرنا يحيى بن معين قل أخبرنا ابن رجاء قال ابن خيثم حدثني عن ابي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
[ من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ] وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ويسمى المزارعة وأجمع أصحاب مالك كلهم و الشافعي و أبو حنيفة وأتباعهم و داود على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثلث والربع ولا على جزء مما تخرج : لأنه مجهول إلا أن الشافعي وأصحابه و أبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوما لقوله عليه السلام :
[ فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به ] خرجه مسلم وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ومنعه مالك وأصحابه لما رواه مسلم أيضا عن رافع بن خديح قال :
كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أمر كان نافعا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمى وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها وكره كراءها وما سوى ذلك قالوا : فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئا وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولا ولا مشروبا سوى الخشب والقصب والحطب لأنه عندهم في معنى المزابنة هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني أنه قال : لا بأس بإكراء الأرض بطعام لا يخرج منها وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز كقول سائر أصحاب مالك وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول : لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيها نبت ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها وبه قال يحيى بن يحيى وقال : إنه من قول مالك قال : وكان ابن نافع يقول : لا بأس أن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أو لم يخرج ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة المنهي عنها وقال مالك في الموطأ : فأما الذي يعطى أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغرر لأن الزرع يقل مرة ويكثر أخرى وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم ثم قال الذي استأجر للأجير : هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري هذا إجارة لك فهذا لا يحل ولا ينبغي قال مالك : ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابته إلا بشيء معلوم لا يزول وبه يقول الشافعي و أبو حنيفة واصحابهما وقال أحمد بن حنبل و الليث و الثوري و الأوزاعي و الحسن بن حي أبو يوسف و محمد : لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع وهو قول ابن عمر و طاوس واحتجوا بقصة خيبر :
وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم قال أحمد : حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء المزارع مضطرب الألفاظ ولا يصح والقول بقصة خيبر أولى وهو حديث صحيح وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطي الرجل سفينته ودابته كما يعطي أرضه بجزء مما يرزقه الله في العلاج بها وجعلوا أصلهم في ذلك القراض المجمع عليه على ما يأتي بيانه في المزمل إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } وقال الشافعي في قول ابن عمر :
كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول صلى الله نهى عنها أي كنا نكري الأرض ببعض ما يخرج منها قال : وفي ذلك نسخ لسنة خيبر
قلت : ومما يصحح قول الشافعي في النسخ ما رواه الأئمة واللفظ لـ لدار قطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم :
[ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وعن الثنيا إلا أن تعلم صحيح ] وروى ابو داود عن زيد بن ثابت قال :
[ نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المخابرة قلت : وما المخابرة ؟ قال : أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ]
الثامنة والثلاثون : في القراءات قرأ الجمهور ما بقي : بتحريك الياء وسكنها الحسن ومثله قول جرير :
( هو الخليفة فارضوا ما رضي لكم ... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف )
وقال عمر بن ابي ربيعة :
( كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه النسا كل الناس بالقمر )
( إني لأجذل أن أمسي مقابله ... حبا لرؤية من أشبهت في الصور )
أصله ما رضي و أن أمسي فأسكنها وهو في الشعر كثير ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف فكذلك لا تصل هنا إلى الياء ومن هذه اللغة أحب أن أدعوك واشتهي أن أقضيك بإسكان الواو والياء وقرأ الحسن ما بقى بالألف وهي لغة طي يقولون للجارية : جاراة وللناصية : ناصاة وقال الشاعر :
( لعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى ... على الأرض قيسي يسوق الأباعرا )
وقرأ أبو السمال من بين جميع القراء من الربو بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو وقال أبو الفتح عثمان بن جني : شذ هذا الحرف من أمرين أحدهما الخروج من الكسر إلى الضم والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم وقال المهدوي : وجهها أنه فخم الألف فانتحى بها نحو الواو التي الألف منها ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه إذ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة وأمال الكسائي وحمزة : الربا : لمكان الكسرة في الراء الباقون بالتفخيم لفتحة الباء وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة فأذنوا على معنى فآذنوا غيركم فحذف المفعول وقرأ الباقون فأذنوا أي كونوا على إذن من قولك : إني على علم حكاه ابو عبيد عن الأصمعي وحكى أهل اللغة أنه يقال : أذنت به إذنا أي علمت به وقال ابن عباس وغيره من المفسرين : معنى فأذنوا فاستيقنوا الحرب من الله تعالى وهو بمعنى الإذن ورجح أبو علي وغيره قراءة المد قال : لأنهم إذا أمروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علموا هم لا محالة قال : ففي إعلامهم علمهم وليس في عملهم إعلامهم ورجح الطبري قراءة القصر لأنها تختص بهم وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم وقرأ جميع القراء لا تظلمون بفتح التاء ولا تظلمون بضمها وروى المفضل عن عاصم لا تظلمون ولا تظلموم بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية على العكس وقال أبو علي : تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله : وإن تبتم في إسناد الفعلين إلى الفاعل فيجيء تظلمون بفتح التاء أشكل بما قبله

(3/240)