صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير القرطبي ]
الكتاب : الجامع لأحكام القرآن
المؤلف : محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله
عدد الأجزاء : 20

قوله تعالى : { ولما جاءهم } يعني اليهود { كتاب } يعني القرآن { من عند الله مصدق } نعت لكتاب ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال وذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي { لما معهم } يعني التوارة والإنجيل يخبرهم بما فيهما { وكانوا من قبل يستفتحون } أي يستنصرون والاستفتاح الاستنصار استفتحت : استنصرت وفي الحديث :
[ كان النبي صلى الله عليه و سلم يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم ] ومنه { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } والنصر : فتح شيء مغلق فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب وروى النسائي عن سعيد بن ابي وقاص أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ]
وروى النسائي أيضا عند أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
[ أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ] قال ابن عباس : كانت يهود خيبر يقاتل غظفان فلما التقوا هزمت يهود فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غظفان لما بعث النبي صلى الله عليه و سلم كفروا فأنزل الله تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } أي بك يا محمد إلى قوله : { فلعنة الله على الكافرين }
قوله تعالى : { ولما جاءهم } جواب لما الفاء وما بعدها في قوله : { فلما جاءهم ما عرفوا } في قول الفراء وجواب لما الثانية كفروا وقال الأخفش سعيد : جواب : لما محذوف لعلم السامع وقاله الزجاج وقال المبرد : جواب لما في قوله : كفروا وأعيدت لما الثانية لطول الكلام ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له

(2/29)


قوله تعالى : { بئسما اشتروا } بئس في كلام العرب مستوفية للذم كما أن نعم مستوفية للمدح وفي كل واحد منها أربع لغات : بئس بئس بئس بئس نعم نعم نعم نعم ومذهب سيبويه أن ما فاعلة بئس ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات وكذا نعم فتقول نعم الرجل زيد ونعم رجلا زيد فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا فإذا كان فيه ألف ولا فهو رفع أبدا ونصب رجل على التمييز وفي نعم مضمر على شريطة التفسير وزيد مرفوع على وجهين : على خبر ابتداء محذوف كأنه قيل من الممدوح ؟ قلت هو زيد والآخر على الابتداء وما قبله خبره وأجاز أبو علي أن تليها ما موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه والتقدير عند سيبويه : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا فـ أن يكفروا في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما قبله قولك : بئس الرجل زيد و ما على هذا القول موصولة وقال الأخفش : ما في موضع نصب على التمييز كقولك : بئس رجلا زيد فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا فـ اشتروا به أنفسهم على هذا القول صفة ما وقال الفراء : بئسما بجملته شيء واحد رب كحبذا وفي هذا القول اعتراض لأنه يبقى فعل بلا فاعل وقال الكسائي : ما و اشتروا بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا وهذا مردود فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير قال النحاس : وأبين هذه الأقوال قول الأخفش و سيبويه قال الفراء و الكسائي : أن يكفروا إن شئت كانت أن في موضع خفض ردا على الهاء في به قال الفراء : أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع والمعنى : بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق والكفر بالإيمان
قوله تعالى : { بغيا } معناه حسدا قاله قتادة و السدي وهو مفعول من أجله وهو على الحقيقة مصدر الأصمعي : وهو مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح إذا فسد وقيل : أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغيا { أن ينزل الله } في موضع نصب أي لأن ينزل أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه و سلم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن أن ينزل مخففا وكذلك سائر ما في القرآن إلا { وما ننزله } في الحجر وفي الأنعام { على أن ينزل آية }
قوله تعالى : { فباءوا } أي رجعوا وأكثر ما يقال في الشر وقد تقدم { بغضب على غضب } تقدم معنى غضب الله عليهم وهو عقابه فقيل : الغضب الأول لعبادتهم العجل والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه و سلم قاله ابن عباس وقال عكرمة : لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد يعني اليهود وروى سعيد عن قتادة : الأول لكفرهم بالإنجيل والثاني لكفرهم بالقرآن وقال قوم : التأييد وشدة الحال عليهم لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين و { مهين } مأخوذ من الهوان وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير كرجم الزاني وقطع يد السارق عى ما يأتي بيانه في سورة النساء من حديث ابي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى

(2/30)


قوله تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين }
قوله تعالى : { وإذا قيل لهم آمنوا } أي صدقوا { بما أنزل الله } يعني القرآن { قالوا نؤمن } أي نصدق { بما أنزل علينا } يعني التوارة { ويكفرون بما وراءه } أي بما سواه عن الفراء و قتادة : بما بعده وهو قول أبي عبيدة والمعنى واحد قال الجوهري : وراء بمعنى خلف وقد تكون بمعنى قدام وهي من الأضداد قال الله تعالى : { وكان وراءهم ملك } أي أمامهم وتصغيرها وريئة ( بالهاء ) وهي شاذة وانتصب { وراءه } على الظرف قال الأخفش : يقال لقيته من وراء فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن كقولك : من قبل ومن بعد وأنشد :
( إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء )
قلت : ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة :
[ إنما كنت خليلا من وراء وراء ] والوارء : ولد الولد أيضا
قوله تعالى : { وهو الحق } ابتداء وخبر { مصدقا } حال مؤكدة عند سيبويه { لما معهم } ما في موضع خفض باللام و معهم صلتها و معهم نصب بالاستقرار ومن أسن جعله حرفا
قوله تعالى { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم وتكذيب منه لهم وتوبيخ المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه و سلم والمراد أسلافهم وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ولأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا كما قال : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم وجاء تقتلون بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله : من قبل وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل والمستقبل بمعنى الماضي قال الحطيئة :
( شهد الحطئية يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر )
شهد بمعنى يشهد { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء وقيل إن بمعنى ما وأصل لم لما حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ولا ينبغي أن يوقف عليه لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد

(2/31)


قوله تعالى : { ولقد جاءكم موسى بالبينات } اللام لام القسم والبينات قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } وهي العصا والسنون واليد والدم والطوفان والجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقيل : البينات التوارة وما فيها من الدلالات
قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل } توبيخ و ثم أبلغ من الواو في التقريع أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتخذتم وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات وذلك أعظم لجرمهم

(2/32)


قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا } تقدم الكلام في هذا ومعنى اسمعوا أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب قال :
( دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول )
أي يقبل وقال الراجز :
( والسمع والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني تميم )
{ قالوا سمعنا } اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا كما قال :
( امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني )
وهذا احتجاج عليهم في قولهم : { نؤمن بما أنزل علينا }
قوله تعالى : { وأشربوا في قلوبهم العجل } أي حب العجل والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم وفي الحديث :
[ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء ] الحديث خرجه مسلم يقال أشرب قلبه حب كذا قا زهير :
( فصحوت عنها بعد حب داخل ... والحب تشربه فؤادك داء )
وإنما عبر حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها والطعام مجاوز لها غير متغلغل فيها وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها :
( تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير )
( تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور )
( أكاد إذا ذكرت العهد منها ... أطير لو أن إنسانا يطير )
وقال السدي و ابن جريج : إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء وقال لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه وروي أنه ما شربه أحد إلا جن حكاه القشيري
قلت : أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى : { ثم لننسفنه في اليم نسفا } وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاء فيرده قوله تعالى : { وأشربوا في قلوبهم العجل } والله تعالى أعلم
قوله تعالى : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نؤمن بما أنزل علينا وقيل : إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم أمر أن يوبخهم أي قل لهم يا محمد بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم وقد مضى الكلام في بئسما والحمد لله وحده

(2/33)


قوله تعالى : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين }

(2/34)


لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز و جل عنهم في كتابه كقوله تعالى : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وقوله : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وقالوا : { نحن أبناء الله وأحباؤه } أكذبهم الله عز و جل وألزمهم الحجة فقال : قل لهم يا محمد : { إن كانت لكم الدار الآخرة } يعني الجنة { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } في أقوالكم لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا لما يصير إليه من نعيم الجنة ويزول عنه من أذى الدنيا فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله لقبح اعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم : { نحن أبناء الله وأحباؤه } وحرصهم على الدنيا ولهذا قال تعالى مخبرا بقوله الحق : { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين } تحقيقا لكذبهم وايضا لو تمنوا الموت لماتو ا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلن أنه قال :
[ لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار ] وقيل : إن الله صرفهم عن إظهار التمني وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه و سلم فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني وحكى عكرمة عن ابن عباس في قوله : { فتمنوا الموت } أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم فما دعوا لعلمهم بكذبهم
فإن قيل : فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى فمن أين علم أنهم لم يتمنوه بقلوبهم ؟ قيل له : نطق القرآن بذلك بقوله : { ولن يتمنوه أبدا } ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه و سلم وإبطالا لحجته وهذا بين
قوله تعالى : { خالصة } نصب على خبر كان وإن شئت كان حالا ويكون عند الله في موضع الخبر { أبدا } ظرف زمان يقع على القليل والكثير كالحين والوقت وهو هنا من أول العمر إلى الموت و ما في قوله بما بمعنى الذي والعائد محذوف والتقدير قدمته وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد و أيديهم في موضع رفع حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة وإن كانت في موضع نصب حركتها لأن النصب خفيف ويجوز إسكانها في الشعر { والله عليم بالظالمين } ابتداء وخبر

(2/34)


قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } يعني اليهود { ومن الذين أشركوا } قيل : المعنى وأحرص فحذف { ومن الذين أشركوا } لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة ألا ترى قول شاعرهم :
( تمتع من الدنيا فإنك فان ... من النشوات والنساء الحسان )
والضمير في أحدهم يعود في هذا القول على اليهود وقيل : إن الكلام تم في حياة ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين قيل : هم المجوس وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه ـ عش ألف سنة ـ وخص الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب وذهب الحسن إلى أن { الذين أشركوا } مشركو العرب خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يتمنون طول العمر وأصل سنة سنهة وقيل : سنوة وقيل : في الكلام تقديم وتأخير والمعنى والتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة
قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } أصل يود يودد أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين وقلبت حركة الدال على الواو ليدل ذلك على أنه يفعل وحكى الكسائي : وددت فيجوز على هذا يود بكسر الواو ومعنى يود : يتمنى
قوله تعالى : { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } اختلف النحاة في هو فقيل : هو ضمير الأحد المتقدم التقدير ما أحدهم بمزحزحة وخبر الابتداء في المجرور أن يعمر فاعل بمزحزح وقالت فرقة : هو ضمير التعمير والتقدير وما التعمير بمزحزحة والخبر في المجرور أن يعمر بدل من التعمير على هذا القول وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : هو عماد
قلت : وفيه بعد فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين مث قوله { إن كان هذا هو الحق } وقوله : { ولكن كانوا هم الظالمين } ونحو ذلك وقيل : ما عاملة حجازية و هو اسمها والخبر في بمزحزحه وقالت طائفة : هو ضمير الأمر والشأن ابن عطية : وفيه بعد فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر وقوله : { بمزحزحه } الزحزحة : الإبعاد والتنحية يقال : زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد يكون لآزما ومتعديا قال الشاعر في المعتدي :
( يا قابض الروح من نفس إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار )
وأنشد ذو الرمة :
( يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا ... وغافر الذنب زحزحني عن النار )
وقال آخر في اللازم :
( خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح )
وروى النسائي عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا ]
قوله تعالى : { والله بصير بما يعملون } أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمر ألف سنة ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده : قل لهم يا محمد : الله بصير بما تعملون وقال العلماء : وصف الله عز و جل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور والبصير في كلام العرب : العالم بالشيء الخبير به ومنه قولهم : فلان بصير بالطب وبصير بالفقه وبصير بملاقاة الرجال قال :
( فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب )
قال الخطابي : البصير العالم والبصير المبصر وقيل : وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة فالله بصير بعباده أي جاعل عباده مبصرين

(2/35)


قوله تعالى : { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين }
سبب نزولها [ أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي فمن صاحبك حتى نتابعك ؟ قال : جبريل قالوا ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذاك عدونا ! لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك فأنزل الله الآية إلى قوله : للكافرين ] أخرجه الترمذي وقوله تعالى : { فإنه نزله على قلبك } الضمير في إنه يحتمل معنيين الأول فإن الله نزل جبريل على قلبك الثاني : فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف ودلت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذم معادية وقوله تعالى : { بإذن الله } أي بإرادته وعلمه { مصدقا لما بين يديه } يعني التوارة { هدى وبشرى للمؤمنين } تقدم معناه والحمد لله

(2/37)


قوله تعالى : { من كان عدوا لله } شرط وجوابه { فإن الله عدو للكافرين } وهذا وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام وإعلان أن عدواة البعض تقتضي عدواة الله لهم وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته ومعاداة أوليائه وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه
فإن قيل : لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما ؟ قيل له : خصهما بالذكر تشريفا لهما كما قال : { فيهما فاكهة ونخل ورمان } وقيل : خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود : إنه لم نعاد الله وجميع ملائكته فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات فأما التي في جبريل فعشر :
الأولى : جبريل وهي لغة أهل الحجاز قال حسان بن ثابت :
( وجبريل رسول الله فينا )
الثانية : جبريل ( بفتح الجيم ) وهي قراءة الحسن و ابن كثير وروي عن ابن كثير أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم وهو يقرأ : جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك
الثالثة : جبرئيل ( بياء بعد الهمزة مثال جبرعيل ) كما قرأ أهل الكوفة وأنشدوا :
( شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة ... مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها )
وهي لغة تميم وقيس
الرابعة : جبرئل ( على وزن جبرعل ) مقصور وهي قراءة أبي بكر عن عاصم
الخامسة مثلها وهي قراءة يحيى بن يعمر إلا أنه شدد اللام
السادسة : جبرائل ( بألف بعد الراء ثم همزة ) وبها قرأ عكرمة
السادسة : مثلها إلا أن بعد الهمزة ياء
الثامنة جبرييل ( بياءين بغير همزة ) وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا
التاسعة : جبرئين ( بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون )
العاشرة : جبرين ( بكسر الجيم وتسكين الياء بنون من غير همزة ) وهي لغة بني أسد قال الطبري : ولم يقرأ بها قال النحاس ـ وذكر قراءة ابن كثير : ـ لا يعرف في كلام العرب فعليل وفيه فعليل نحو دهليز وقطمير وبرطيل وليس ينكر أن يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب وليس ينكر أن يكثر تغيره كما قالوا : إبراهيم وإبرهم وإبراهم وإبراهام قال غيره : جبريل اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف
قلت : : قد تقدم في أول الكتاب أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان عربي مبين قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل
وأما اللغات التي في ميكائيل فست :
الأولى : ميكاييل قراءة نافع وميكائيل ( بياء بعد الهمزة ) قراءة حمزة ميكال لغة أهل الحجاز وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم وروي عن ابن كثير الثلاثة أوجه قال كعب بن مالك :
( ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر ميكال وجبريل )
وقال آخر :
( عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا )
الرابعة : ميكئيل مثل ميكعيل وهي قراءة ابن محيصن
الخامسة : ميكاييل ( بيائين ) وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه
السادسة ميكاءل ما يقال ( إسراءل بهمزة مفتوحة ) وهو اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وذكر ابن عباس أن جبر وميكا وإسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى : عبد ومملوك وإيل : اسم الله تعالى ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إل وفي التنزيل { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } في أحد التأويلين وسيأتي قال الماوردي : إن جبريل وميكائيل اسمان أحدهما عبدالله والآخر عبيد الله لأن إيل هو الله تعالى وجبر هو عبد وميكا هو عبيد فكأن جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله هذا قول ابن عباس وليس له في المفسرين مخالف
قلت : وزاد بعض المفسرين : وإسرافيل عبد الرحمن قال النحاس : ومن تأول الحديث جبر عبد و إل لله وجب عليه أن يقول هذا جبرئل ورأيت جبرئل ومررت بجبرئل وهذا لا يقال فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمى بهذا قال غيره : ولو كان كما قالوا لكان مصروفا فترك الصرف يدل على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف وروى عبد الغني الحافظ من حديث أفلت بن خليفة ـ وهو فليت العامري وهو أبو حسان ـ عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ اللهم رب جبريل وميكايل وإسرافيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر ]

(2/38)


قوله تعالى : { ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون }
قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها ؟ فأنزل الله هذه الآية ذكره الطبري

(2/40)


قوله تعالى : { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه } الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء قوله : { أفحكم الجاهلية } { أفأنت تسمع الصم } { أفتتخذونه وذريته } وعلى ثم كقوله : { أثم إذا ما وقع } هذا قول سيبويه وقال الأخفش : الواو زائدة ومذهب الكسائي أنها أو حركت الواو منها تسهيلا وقرأها قوم أو ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل كما يقول القائل : لأضربنك فيقول المجيب : أو يكفي الله قال ابن عطية : وهذا كله متكلف والصحيح قول سيبويه كلما نصب على الظرف والمعنى في الآية مالك بن الصيف ويقال فيه ابن الضيف كان قد قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق فنزلت الآية وقيل إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه و سلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير دليله قوله تعالى : { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون }
قوله تعالى : { نبذه فريق منهم } النبذ : الطرح والإلقاء ومنه النبيذ والمنبوذ قال أبو الأسود :
( وخبرني من نت أرسلت إنما ... أخذت كتابي معرضا بشمالكا )
( نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا )
أخر :
( إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... نبذوا كتابك واستحلوا المحرما )
وهذا مثل يضرب لمن استحف بالشيء فلا يعمل به تقول العرب : أجعل هذا خلف ظهرك ودبرا منك وتحت قدمك أي أتركه وأعرض عنه قال الله تعالى : { واتخذتموه وراءكم ظهريا } وأنشد الفراء :
( تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها )
{ بل أكثرهم } ابتداء { لا يؤمنون } فعل مستقبل في موضع الخبر

(2/40)


قوله تعالى { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم } نعت لرسول ويجوز نصبه على الحال { نبذ فريق } جواب لما { من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله } نصب بـ نبذ والمراد التوارة لأن كفرهم بالنبي عليه السلام وتكذيبهم له نبذ لها قال السدي : نبذوا التوارة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت وقيل : يجوز أن يعني به القرآن قال الشعبي : هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به وقال سفيان بن عيينة : ادرجوا في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه فذلك النبذ وقد تقدم بيانه مستوفى { كأنهم لا يعلمون } تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم

(2/41)


فيه أربع وعشرون مسألة :
الأولى : قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم اتبعوا السحر أيضا وهم اليهود وقال السدي : عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه و سلم بالتوارة فاتفقت التوارة والقرآن فنبذوا التوارة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت وماروت وقال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن ابن داود كان نبيا ! والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله عز و جل : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات على لسان آصف كاتب سليمان ودفنوه تحت مصلاه جين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان ! وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فأنزل الله عز و جل على نبيه عذر سليمان وأظهروا براءته مما رمي به فقال : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } قال عطاء : تتلوا تقرأ من التلاوة وقال ابن عباس : تتلو تتبع كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا وقال الطبري : اتبعوا فضلوا
قلت : لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره ومعنى تتلو يعني تلت فهو بمعنى المضي قال الشاعر :
( وإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح )
( وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح )
أي : فلقد كان و كا مفعول بـ اتبعوا أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته وقيل : ما نفي وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته قاله ابن العربي { على ملك سليمان } أي على شرعه ونبوته قال الزجاج : المعنى على عهد ملك سليمان وقيل : : المعنى في ملك سليمان يعني في قصصه وصفاته وأخباره قال الفراء تصلح على وفي في مثل هذا الموضع وقال على ولم يقل بعد لقوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } أي في تلاوته وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته والشياطين هنا قيل : هم شياطين الجن وهو المفهوم من هذا الاسم وقيل : المراد شياطين الإنس المتمردون في الضلال كقول جرير :
( أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا )
الثانية : قوله تعالى : { وما كفر سليمان } تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر ولكن اليهود نسبته إلى السحر ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ثم قال { ولكن الشياطين كفروا } فأثبت كفرهم بتعليم السحر و يعلمون في موضع نصب على الحال ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ثان وقرأ الكوفيون سوى عاصم ولكن الشياطين بتخفيف لكن ورفع النون من الشياطين وذلك في الأنفال : { ولكن الله رمى } ووافقهم ابن عامر الباقون بالتشديد والنصب و لكن كلمة لها معنيان : نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل وهي مبنية من ثلاث كلمات : لا ك إن لا نفي و الكاف خطاب و إن إثبات وتحقيق فذهبت الهمزة استثقالا وهي تثقل وتخفف فإذا ثقلت نصبت كإن الثقيلة وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة
الثالثة : السحر قيل : السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه وقيل هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته وكذلك إذا عللته والتسحير مثله قال لبيد :
( فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر )
آخر :
( أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب )
( عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب )
وقوله تعالى : { إنما أنت من المسحرين } يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر ويقال من المعللين أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب وقيل : أصله الخفاء فإن السحر يفعله في خفية وقي أصله الصرف يقال : ما سحرك عن كذا أي ما صرفك عنه فالسحر مصروف عن جهته وقيل : أصله الاستمالة وكل من استمالك فقد سحرك وقيل : في قوله تعالى : { بل نحن قوم مسحورون } أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا وقال الجوهري : السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر وقد سحره يسحره سحرا والساحر : العالم وسحره أيضا بمعنى خدعه وقد ذكرناه وقال ابن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضة والعضة عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب قال الشاعر :
( أعوذ بربي من النافثا ... ت في عضه العاضه المعضه )
الرابعة : واختلف هل له حقيقة أم لا فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له وعند الشافعي وسوسة وأمراض قال : وعندنا أصله طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب كتأثير الشمس في زئبق عصي فرعون أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر
قلت : وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء على ما يأتي ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي : البريد لخفة سيره قال ابن فارس في المجمل : الشعودة ليست من كلام أهل البادية وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك
الخامسة : سمى رسول الله صلى الله عليه و سلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا فقال :
[ إن من البيان لسحرا ] أخرجه مالك وغيره وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق فعلى هذا يكون قوله عليه السلام : [ إن من البيان لسحرا ] خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة إذ شبهها بالسحر وقيل خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان قاله جماعة من أهل العلم والأول أصح والدليل عليه قوله عليه السلام :
[ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ] وقوله :
[ إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ] الثرثرة : كثرة الكلام وترديده يقال : ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار والمتفيهق نحوه قال ابن دريد فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع قال : وأصله الفهق وهو الامتلاء كأنه ملأ به فمه
قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه و سلم : [ إن من البيان لسحرا ] فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب وتصوير الباطل في صورة الحق وهذا بين والحمد لله
السادسة : من السحر ما يكون كفرا من فاعله مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة وقطع مسافة شهر في ليلة والطيران في الهواء فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه قاله أبو نصر عبد الرحيم القشيري قال أبو عمرو : من زعم ان الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة فيجعل الإنسان حمارا او نحوه ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر إلا أن يقتل بفعله أحدا فيقتل به
السابعة : ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإسترابادي من أصحاب الشافعي إلى ان السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به وأنه ضرب من الخفة والشعوذة كما قال تعالى : { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } ولم يقل تسعى على الحقيقة ولكن قال يخيل إليه وقال أيضا : { سحروا أعين الناس } وهذا لا حجة فيه لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس فدل على أن له حقيقة وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون { وجاؤوا بسحر عظيم } وسورة الفلق مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم وهو مما خرجه البخاري و مسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت :
[ سحر رسول الله صلى الله عليه و سلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ] الحديث وفيه : [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لما حل السحر : إن الله شفاني ] والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض فدل على أن له حقا وحقيقة فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله وروى سفيان عن ابي الأعور عن عرمة عن ابن عباس قال : علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها : الفرما فمن كذب به فهو كافر مكذب لله ورسوله منكر لما علم مشاهدة وعيانا
الثامنة : قال علماؤنا : لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد قالوا : ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات و الانتصاب على رأي قصبة والجري على خيط مستدق والطيران في الهواء والمشيء على الماء وركوب كلب وغير ذلك ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا ولا يكون الساحر مستقلا به وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر كما يخلق الشبع عند الأكل والري عند شرب الماء روى سفيان عن عمار الدهني أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب ـ هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي ـ وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه و سلم :
[ يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل ] فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر قال علي بن المديني : روى عنه حارثة بن مضرب
التاسعة : أجمع المسلمون على أنه في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه
العاشرة : في الفرق بين السحر والمعجزة قال علماؤنا : السحر يوجد من الساحر وغيره وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها كما تقدم في مقدمة الكتاب
الحادية عشرة : واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني ولأن الله تعالى سمى السحر كفرا بقوله :
{ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } وهو قول أحمد بن حنبل و أبي ثور و اسحق و الشافعي و أبي حنيفة وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وابي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين وروي عن النبي صلى الله عليه و سلم :
[ حد الساحر ضربه بالسيف ] خرجه الترمذي وليس بالقوي انفرد به اسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم رواه ابن عيينة عن اسماعيل بن مسلم عن الحسن مرسلا ومنهم من جعله عن الحسن عن جندب قال ابن المنذر : وقد روينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب قال ابن المنذر : وإذا أقر الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله إن لم يتب وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ووصفت البينة كلاما يكون كفرا وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك قال ابن المنذر : وإذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسألة وجب اتباع أشبههم بالكتاب والسنة وقد يجوز أن يكون السحر الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا فإن احتج محتج بحديث جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم : [ حد الساحر ضربه بالسيف ] فلو صح لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا فيكون ذلك موافقا للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال :
[ لا يحل دم امرىء إلا بإحدى ثلاث ]
قلت : وهذا صحيح ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف والله تعالى أعلم وقال بعض العلماء : إن قال أهل الصناعة : إن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا دال على الكفر على هذا التقدير والله تعالى أعلم وروي عن الشافعي : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل وإن قال لم أتعمده لم يقتل وكانت فيه الدية كقتل الخطأ وإن أضر به أدب على قدر الضرر قال ابن العربي : وهذا باطل من وجهين أحدهما : أنه لم يعلم السحر وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات الثاني : أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال : { وما كفر سليمان } بقول السحر { ولكن الشياطين كفروا } به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان { إنما نحن فتنة فلا تكفر } وهذا تأكيد للبيان
احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توتبه لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توتبه كالزنديق وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا قال مالك : فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما والحجة لذلك قوله تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب فكذلك هذان
الثانية عشرة : وأما ساحر الذمة فقيل يقتل وقال مالك : لا يقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه وقال ابن خويز منداد : فأما إذا كان ذميا فقد اختلفت الرواية عن مالك فقال مرة : يستتاب وتوبته الإسلام وقال مرة : يقتل وإن أسلم وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب وكذلك قال مالك في ذمي سب النبي صلى الله عليه و سلم : يستتاب وتوبته الإسلام وقال مرة : يقتل ولا يستتاب كالمسلم وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر : يعاقب إلا أن يكون قتل بسحره أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره وقال غيره : يقتل لأنه قد نقض العهد ولا يرث الساحر ورثته لأنه كافر إلا أن يكون سحره لا يسمى كفرا وقا ل مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل
الثالثة عشرة : واختلفوا هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري وإليه مال المزني وكرهه الحسن البصري وقال الشعبي : لا بأس بالنشرة قال ابن بطال : وفي كتاب وهب بن منبه : أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسوا منه ثلاث حسوات ويغتسل له فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله
الرابعة عشرة : : أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن ودل إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم وليس في إثباتهم مستحيل عقلي وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم وحق على البيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجواره ونص الشرع على ثبوته قال الله تعالى : { ولكن الشياطين كفروا } وقال : { ومن الشياطين من يغوصون له } إلى غير ذلك من الآي وسورة الجن تقضي بذلك وقال عليه السلام :
[ إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ] وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس وأحالوا روحين في جسد والعقل لا يحيل سلوكهم في الإنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء
الخامسة عشرة : قوله تعالى : { وما أنزل على الملكين } ما نفي والواو للعطف على قوله : { وما كفر سليمان } وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك وفي الكلام تقديم وتأخير التقدير : وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله : { ولكن الشياطين كفروا } هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهن قال الله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } وقال الشاعر :
( أعوذ بربي من النافثا ... ت )
السادسة عشرة : إن قال قائل : كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه فالجواب من وجوه ثلاثة الأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع كما قال تعالى { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا اثنان من الإخوة فصاعدا على ما يأتي بيانه في النساء الثاني أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون اتباعهما كما قال تعالى { عليها تسعة عشر } الثالث : إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما كما قال تعالى : { فيهما فاكهة ونخل ورمان } وقوله : { وجبريل وميكال } وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله كقوله تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي } وقوله : { وجبريل وميكال } وإما لطيبه كقوله : { فاكهة ونخل ورمان } وإما لأكثريته كقوله صلى الله عليه و سلم :
[ جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا ] وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية والله تعالى أعلم وقد قيل : إ ن ما عطف على السحر وهي مفعولة فعلى هذا يكون ما بمعنى الذي ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا ولله أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت ولهذا يقول الملكان : إنما نحن فتنة أي محنة من الله نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار و السدي و الكلبي ما معناه : أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام ـ وذلك في زمن إدريس عليه السلام ـ عيرتهم الملائكة فقال الله تعالى : أما إنكم لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم فقالوا : سبحانك ! ما كان ينبغي لنا ذلك قال : فاختاروا ملكين من خياركم فاختاروا هاروت وماروت فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية بيدخت وبالفارسية ناهيل وبالعربية الزهرة اختصمت إليهما وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله فأجاباها وشربا الخمر وألما بها فرآهما رجل فقتلاه وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها فتكلمت به فعرجت فمسخت كوكبا وقال سالم عن ابيه عن عبد الله : فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما وفي غير هذا الحديث : فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض قيل : بابل العراق وقيل : بابل نهاوند وكان ابن عمر فيما يروى عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما يقول : إن سهيلا كان عشارا باليمن يطلم الناس وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت
قلنا : هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذي هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } { بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ويخلق فيهم الشهوات إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر :
أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر وهذا معنى قول الله تعالى : { وكل في فلك يسبحون } فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ثم إن قول الملائكة : : { ما كان ينبغي لنا } عورة : لا تقدر على فتنتنا وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون سبحان ربك رب العزة عما يصفون
السابعة عشرة : قرأ ابن عباس وابن أبزى والضحاك و الحسن الملكين بكسر اللام قال ابن أبزى : هما داود وسليمان فـ ما على هذا القول أيضا نافية وضعف هذا القول ابن العربي وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين فـ ما على هذا القول مفعولة غير نافية
الثامنة عشرة : قوله تعالى : { ببابل } بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعجمة وهي قطر من الأرض قيل : العراق وما والاه وقال ابن مسعود لأهل الكوفة : أنتم بين الحيرة وبابل وقال قتادة : هي من نصيبين إلى رأس العين وقال قوم هي بالمغرب قال ابن عطية : وهذا ضعيف وقال قوم : هو جبل نهاوند فالله تعالى أعلم
واختلف في تسميته ببابل فقيل : سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ وقيل : سمي به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الآفاق إلى بابل فبلب الله ألستنهم بها ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد والبلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس : أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودي ابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألستنهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي وكان لا يفهم بعضهم عن بعض
التاسعة عشرة : روى عبد الله بن بسر المازني قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده أنها لأسحر من هاروت وماروت ] قال علماؤنا : إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحر بخدعها وتكتمك فتنتها فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله تعالى وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته فالدنيا أسحر منهما تأخذ بقلبك عن الله وعن القيام بحقوقه وعن وعده ووعيده وسحر الدنيا : محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ حبك الشيء يعمي ويصم ]
الموفية عشرين : قوله تعالى : { هاروت وماروت } لا ينصرف هاروت لأنه أعجمي معرفة وكذا ماروت ويجمع هواريت ومواريت مثل طواغيت ويقال : هوارته وهوار وموارتة وموار ومثله جالوت وطالوت فاعلم وقد تقدم هل هما ملكان أو غيرهما ؟ خلاف قال الزجاج : وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : أي والذي أنزل على الملكين وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه قال الزجاج : وهذا القول الذي عليه أكثر اهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي فيقولان لهم : لاتفعلوا كذا ولا تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه والذي أنزل عليهما هو النهي كأنه قولا للناس : لا تعملوا كذا فـ يعلمان بمعنى يعلمان كما قال { ولقد كرمنا بني آدم } أي أكرمنا
الحادية والعشرون : قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد } من زائدة للتوكيد والتقدير : وما يعلمان أحدا { حتى يقولا } حتى يقولا نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون ولغة هذيل وثقيف عتى بالعين غير المعجمة والضمير في يعلمان لهاروت وماروت وفي يعلمان قولان أحدهما : أنه على بابه من التعليم الثاني : أنه من الإعلام لا من التعليم فـ يعلمان بمعنى يعلمان وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم ذكره ابن الأعرابي و ابن الأنباري قال كعب بن مالك :
( تعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد )
وقال القطامي :
( تعلم أن بعد الغي رشدا ... وأن لذلك الغي انقشاعا )
وقال زهير :
( تعلمن ها لعمر الله ذا قسما ... وأقدر بذرعك وانظر أين تنسلك )
وقال آخر :
( تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور )
{ إنما نحن فتنة } لما أنبأ بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها { فلا تكفر } قالت فرقة بتعليم السحر وقالت فرقة باستعماله وحكى المهدوي أنه استهزاء لأنهما يقولانه لمن قد تحققنا ضلاله
الثانية والعشرون : قوله تعالى : { فيتعلمون منهما } قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون قاله مثله { كن فيكون } وقيل هو معطوف على موضع ما يعلمان لأن قوله : { وما يعلمان } وإن دخلت عليه ما النافية فمضمته الإيجاب في التعليم وقال الفراء : هي مردودة على قوله : { يعلمون الناس السحر } فيتعلمون ويكون فيتعلمون متصلة بقوله : : { إنما نحن فتنة } فيأتون فيتعلمون قال السدي : كانا يقولان لمن جاءهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن أبى أن يرجع قالا له : أئت هذا الرماد فبل فيه فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو الإيمان ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره وقالت طائفة : ذلك خرج على الأغلب ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ويحول بين المرء وقلبه وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة وقد تقدم هذا والحمد لله
الثالثة والعشرون : قوله تعالى : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } ما هم إشارة إلى السحرة وقيل إلى اليهود وقيل إلى الشياطين { بضارين به } أي بالسحر { من أحد } أي أحدا ومن زائدة { إلا بإذن الله } أي بإرادته وقضائه لا بأمره لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها وقال الزجاج : { إلا بإذن الله } إلا بعلم الله قال النحاس : وقول أبي اسحق { إلا بإذن الله } إلا بعلم الله غلط لأنه إنما يقال في العلم : أذن وقد أذنت أذنا ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأن أباحه مجازا
الرابعة والعشرون : قوله تعالى : { ويتعلمون ما يضرهم } يريد في الآخرة وإن أخذوا بها قليلا في الدنيا وقيل : يضرهم في الدنيا لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه لأنه يؤدب ويزجر ويلحقه شؤم السحر وباقي الآي بين لتقدم معانيها واللام في { ولقد علموا } لام توكيد { لمن اشتراه } لام يمين وهي للتوكيد أيضا وموضع من رفع بالابتداء لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها و من بمعنى الذي وقال الفراء : هي للمجازاة وقال الزجاج : ليس هذا بموضع شرط و من بمعنى الذي كما تقول : لقد علمت لمن جاءك ما له عقل { من خلاق } من زائدة والتقدير ما له في الآخرة خلاق ولا تزاد في الواجب هذا قول البصريين وقال الكوفيون : تكون زائدة في الواجب واستدلوا بقوله تعالى : { يغفر لكم من ذنوبكم } والخلاق : النصيب قال مجاهد قال الزجاج : وكذلك هو عند أهل اللغة إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير وسئل عن قوله تعالى : { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق } فأخبر أنهم قد علموا ثم قال : { ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } فأخبر أنهم لا يعلمون فالجواب وهو قول قطرب و الأخفش : أن يكون الذين يعلمون الشياطين والذين شروا أنفسهم ـ أي باعوها ـ هم الإنس الذين لا يعلمون قال الزجاج وقال علي بن سليمان : الأجود عندي أن يكون { ولقد علموا } للملكين لأنهما أولى بأن يعلموا وقال : علموا كما يقال : الزيدان قاموا وقال الزجاج : الذين علموا علماء اليهود ولكن قيل : { لو كانوا يعلمون } أي فدخلوا في محل من يقال له : لست بعالم لأنهم تركوا العمل بعملهم واسترشدوا من الذين عملوا بالسحر

(2/41)


قوله تعالى : { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون }
قوله تعالى : { ولو أنهم آمنوا واتقوا } أي اتقوا السحر { لمثوبة } المثوبة : الثواب وهي جواب { ولو أنهم آمنوا } عند قوم وقال الأخفش سعيد : ليس لـ لو هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى والمعنى لأثيبوا وموضع أن من قوله : { ولو أنهم } موضع رفع أي لو وقع إيمانهم لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد له من جواب و أن يليه فعل قال محمد بن يزيد : وإنما لم يجاز بـ لو لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل فلما يكن هذا في لو لم يجز أن يجازى بها

(2/55)


قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم }
فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهي المسلمين عن مثل ذلك وحقيقة راعنا في اللغة أرعنا ولنرعك لأن المفاعلة من اثنين فتكون من رعاك الله أي أحفظنا ولنحفظك وأرقبنا ولنرقبك ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك أي فرغ سمعك لكلامنا وفي المخاطبة بهذا خفاء فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها قال ابن عباس كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه و سلم أرعنا على جهة الطلب والرغبة ـ من المراعاة ـ أي التفت إلينا وكان هذا بلسان اليهود سبا أي اسمع لا سمعت فاغتنموها وقالوا : كنا نسبه سرا فالآن نسبه جهرا فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه و سلم ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم فقال لليهود : عليكم لعنة الله ! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله عليه و سلم لأضربن عنقه فقالوا : أولستم تقولونها ؟ فنزلت الآية ونهوا عنها تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه
الثانية : في هذه الآية دليلان : أحدهما ـ على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للنقيض والغض ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لـ أبي حنيفة و الشافعي وأصحابهما حين قالوا : التعريض محتمل للقذف وغيره والحد مما يسقط بالشبهة وسيأتي في النور بيان هذا إن شاء الله تعالى
الدليل الثاني : التمسك بسد الذارئع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه و أحمد بن حنبل في رواية عنه وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع أما الكتاب فهذه الآية ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب وقوله تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك وقوله تعالى : { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } الآية فحرم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا أي ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد وكان السد ذريعة للاضطياد فمسخهم الله قردة وخنازير وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك وقوله تعالى لآدم وحواء : { ولا تقربا هذه الشجرة } وقد تقدم وأما النسة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة منها حديث عائشة رضي الله عنها [ أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة يها تصاوير فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه ذلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله ] أخرجه البخاري و مسلم قال علماؤنا : ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز و جل عند قبورهم فمضت لهم بذلك أزمان ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها فحذر النبي صلى الله عليه و سلم عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال :
[ اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ] وقال : [ اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ] وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
[ الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ] الحديث فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سدا للذريعة وقال صلى الله عليه و سلم
[ لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس ] وقال صلى الله عليه و سلم
[ إن من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال : نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ] فجعل التعرض لسب الآباء سب الآباء وقال صلى الله عليه و سلم :
[ إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم ] وقال أبو عبيد الهروي العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة وهي أهون من الأولى وهو جائز عند بعضهم وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العين وذلك لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره وروى ابن وهب عن مالك أن أم ولد لزيد بن الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من زيد عبدا بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعه منه بستمائة نقدا فقالت عائشة : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ! أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لم يتب ومثل هذا لا يقال بالرأي لأن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي فثبت أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعوا الربا والريبة ونهى ابن عباس رضي الله عنهما عن دراهم بدارهم بينهما حريزة
قلت : فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها وليس عند الشافعية كتاب الآجال لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة قالوا : وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون والمالكية جعلوا السلعة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها وهذا هو الربا بعينه فاعلمه
الثالثة : قوله تعالى { لا تقولوا راعنا } نهي يقتضي التحريم على ما تقدم وقرأ الحسن راعنا منونة وقال : أي هجرا من القول وهو مصدر ونصبه بالقول أي لا تقولوا رعونة وقرأ زر بن حبيش والأعمش راعونا يقال لما نتأ من الجبل : رعن والجبل أرعن وجيش أرعن أي متفرق وكذا رجل أرعن أي متفرق الحجج وليس عقله مجتمعا عن النحاس وقال ابن فارس : رعن الرجل يرعن رعنا فهو أرعن أي اهوج والمرأة رعناء وسميت البصرة رعناء لأنها تشبه برعن الجبل قال ابن دريد ذلك وأنشد للفرزدق :
( لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له ... ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا )
الرابعة : قوله تعالى : { وقولوا انظرنا } أمروا أن يخاطبوه صلى الله عليه و سلم بالإجلال والمعنى أقبل علينا وأنظر إلينا فحذف حرف التعدية كما قال :
( ظاهرت الجمال والحسن ينظر ... ن كما ينظر الأراك الظباء )
أي إلى الأراك وقال مجاهد : المعنى فهمنا وبين لنا وقيل : المعنى انتظرنا وتأن بنا قال :
( فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر ينفعني لدى أم جندب )
والظاهر استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال وهذا هو معنى راعنا فبدلت اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود وقرأ الأعمش وغيره أنظرنا بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك قال الشاعر :
( ابا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبر اليقينا )
الخامسة : قوله تعالى : { واسمعوا } لما نهى وأمر جل وعز حض على السمع الذي في ضمنه الطاعة وأعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما

(2/56)


قوله تعالى : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم }
قوله تعالى : { ما يود } أي ما يتمنى وقد تقدم { الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين } معطوف على أهل ويجوز : ولا المشركون تعطفه على الذين قاله النحاس { أن ينزل عليكم من خير } من زائدة خير اسم ما لم يسم فاعله و أن في موضع نصب أي بأن ينزل { والله يختص برحمته من يشاء } قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه { يختص برحمته } أي بنبوته خص بها محمدا صلى الله عليه و سلم وقال قوم : الرحمة القرآن وقيل : الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا يقال : رحم يرحم إذا رق والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى قاله ابن فارس ورحمة الله لعباده : إنعامه عليهم وعفوه لهم { والله ذو الفضل العظيم } ذو بمعنى صاحب

(2/60)


فيه خمس مسألة :
الأولى : قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها } ننسها عطف على نسخ وحذفت الياء للجزم ومن قرأ ننسأها حذف الضمة من الهمزة للجزم وسيأتي معناه { نأت } جواب الشرط وهذه آية عظمى في الأحكام وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه فما كان هذ القرآن إلا من جهته ولهذا يناقض بعضه بعضا فأنزل الله : { وإذا بدلنا آية مكان آية } وأنزل { ما ننسخ من آية }
الثانية : معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغنياء لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال في الحرام روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا قال : هلكت وأهلكت ! ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما
الثالثة : النسخ في كلام العرب على وجهين :
أحدهما : النقل كنقل كتاب من آخر وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا وهذا لا مدخل له في هذه الآية ومنه قوله تعالى : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } أي نأمر بنسخه وإثباته
الثاني : : الإبطال والإزالة وهو المقصود هنا وهو منقسم في اللغة على ضربين :
أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وهو معنى قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } وفي صحيح مسلم
لم تكن نبوة قط إلا تناسخت أي تحولت من حال إلى حال يعني أمر الأمة قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بأحاديث غيره كالآية تنزل بأمر ثم يسنخ بأخرى وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه يقال : انتسخت الشمس الظل والشيب الشباب وتناسخ الورثة : أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون
الثاني : إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه كقولهم نسخت الريح الأثر ومن هذا المعنى قوله تعالى : { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه و سلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب
قلت : ومنه ما وري عن ابي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول على ما يأتي مبينا هناك إن شاء الله تعالى ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا ابو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب :
[ أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها وقام آخر فلم يقدر على شيء منها وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أحدهم : قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنها مما نسخ الله البارحة ] وفي إحدى الروايات : و سعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ينكره
الرابعة : أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة وأنكرته أيضا طوائف من اليهود وهم محجوجون بما جاء في توارتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد حعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم وبأ نبوته غير متعبد بها قبل بعثه ثم تعبد بها بعد ذلك إلى غير ذلك وليس هذا من باب البدء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة وحكم إلى حكم لضرب من المصلحة إظهارا لحكمته وكمال مملكته ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمال الأمور وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح كالطبيب المراعي أحوال العليل فراعى ذلك في خليفته بمشيئته وإرادته لا إله إلا هو فخطابه يتبدل وعلمه وإرادته لا تتغير فإن ذلك محال في جهة الله تعالى
وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا ولذلك لم يجوزه فضلوا قال النحاس : والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالا فيحرم أو كان حراما فيحلل وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه كقولك : امض إلى فلان اليوم ثم تقول لا تمض إليه فيبدو لك العدول عن القول الأول وهذا يلحق البشر لنقصانهم وكذلك إن قلت : ازرع كذا في هذه السنة ثم قلت : لا تفعل فهو البداء
الخامسة : اعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى : ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا إذ به يقع النسخ كما قد يتجوز فيسمى المحوم فيه ناسخا فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء فالمنسوخ هو المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف
السادسة : اختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر وزادا : لولاه لكان السابق ثابتا فحافظا على معنى النسخ اللغوي إذ هو بمعنى الرفع والإزالة وتحرزا من الحكم العقلي وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره وليخرج القياس والإجماع إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما وقيدا بالتراخي لأنه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا أو يكون آخر الكلام يرفع أوله كقولك قم لا تقم
السابعة : المنسوخ عند أئتمنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة وأن الحسن صفة نفسية للحسن ومراد الله حسن وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم
الثامنة : اختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه كقوله تعالى : { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا } وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى
التاسعة : التخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ولو ثبت تناول العموم لشيء ـ ما ـ ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا
العاشرة : اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق كقوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر كقوله : { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك بل هو من باب الإطلاق والتقييد وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى
الحادية عشرة : قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان على ما يأتي بيانه في آية الصيام وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى وينسخ القرآن بالقرآن والسنة بالعبارة وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد
وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة وذلك موجود في قوله عليه السلام :
[ لا وصية لوارث ] وهو ظاهر مسائل مالك وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي والأول أصح بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء وأيضا فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه و سلم وهذا بين
والحذاق ايضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى وفي قوله تعالى : { فلا ترجعوهن إلى الكفار } فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه و سلم لقريش
والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا واختلفوا هل وقع شرعا فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء على ما يأتي بيانه وأبى ذلك قوم ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس ألا يخالف نصا
وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه و سلم وأمابعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى كما آية عدة السنة في القرآن تتلى فتأمل هذا فإنه نفيس ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ومثله صدقة النجوى وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ومنه قول الصديق رضي الله عنه كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر ومثله كثير
والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول كما يأتي بيانه في تحويل القبلة
والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله وهو موجود في قصة الذبيح وفي فرض خمسين قبل فعلها بخمس على ما يأتي بيانه في الإسراء و الصافات إن شاء الله تعالى
الثانية عشرة : لمعرفة الناسخ طرق منها : أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه السلام :
[ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ] ونحوه ومنها ـ أن يذكر الرواي التاريخ مثل أن يقول : سمعت عام الخندق وكان المنسوخ معلوما قبله أو يقول نسخ حكم كذا بكذا ومنها ـ أن تجمع الأمة على حكم أنه منسوخ وأن ناسخه متقدم وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية والله الموفق للهداية
الثالثة عشرة قرأ الجمهور ما ننسخ بفتح النون من نسخ وهو الظاهر المستعمل على معنى : ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها كما تقدم ويحتمل أن يكون المعنى : ما نرفع من حكم آية وتلاوتها على ما ذكرناه وقرأ ابن عامر ننسخ بضم النون من أنسخت الكتاب على معنى وجدته منسوخا قال أبو حاتم : هو غلط وقال الفارسي أبو علي : ليست لغة لأنه لا يقال : نسخ وأنسخ بمعنى إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محمودا وبخيلا قال أبو علي : وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ وقيل : ما ننسخ ما نجعل لك نسخة يقال : نسخت الكتاب إذا كتبته وأنتسخته غيري إذا جعلت نسخه له قال مكي : ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي لأن المعنى يتغير ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد وإنساخه إياها إنزالها عليه فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها فيصير القرآن كله منسوخا وهذا لا يمكن لأنه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن فلما امتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي لفساد المعنى لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلا
الرابعة عشرة : قوله تعالى : { أو ننسها } قرأ أبو عمرو و ابن كثير بفتح النون والسين والهمز وبه قرأ عمر وابن عباس و عطاء و مجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير و النخعي وابن محيصن من التأخير أي نؤخر نسخ لفظها أي نتره في آخر أم الكتاب فلا يكون وهذا قول عطاء وقال غير عطاء : معنى أو ننسأها : نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم من قولهم : نسأت هذا الأمر إذا أخرته ومن ذلك قولهم : بعته نسأ إذا أخرته قال ابن فارس : ويقولون : نسأ الله في أجلك وأنسأ الله أجلك وقد أنتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ونسأتهم أنا أخرتهم فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا وقيل : نذهبها عنم حتى لا تقرأ ولا تذكر وقرأ الباقون ننسها بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها قاله ابن عباس و السدي ومنه قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قال أبو عبيد : سمعت أبا نعيم القارىء يقول : قرأت على النبي صلى الله عليه و سلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يعير علي إلا حرفين قال : قرأت عليه أرنا فقال : أرنا فقال أبو عبيد : واحسب الحرف الآخر أو ننسأها فقال أو ننسها وحكى الأزهري ننسها نأمر بتركها يقال : أنسيته الشيء أي أمرت بتركه ونسيته تركته قال الشاعر :
( إن علي عقبة أقضيها ... لست بناسيها ولا منسيها )
أي ولا آمر بتركها وقال الزجاج : إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك لا يقال : أنسى بمعنى ترك وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أو ننسها قال نتركها لا نبدلها فلا يصح ولعل ابن عباس قال : نتركها فلم يضبط والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها من نسى إذا ترك ثم تعذبه وقال أبو علي وغيره ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها وقيل : من النسيان على بابه الذي عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين وهما النبي والهاء لكن اسم النبي محذوف
الخامسة عشرة : قوله تعالى : { نأت بخير منها } لفظة بخير هنا صفة تفضيل والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف وفي آجل إن كانت أثقل وبمثلها إن كانت مستوية وقال مالك : محكمة منسوخة وقيل : ليس المراد بأخير التفضيل لأن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله : { من جاء بالحسنة فله خير منها } أي فله منها خير أي نفع وأجر لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ويدل على القول الأول قوله : { أو مثلها }

(2/61)


قوله تعالى : { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير }
قوله تعالى : { ألم تعلم } جزم بلم وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل وفتحت { أن } لأنها في موضع نصب { له ملك السماوات والأرض } أي يالإيجاد والاختراع والملك والسلطان ونفوذ الأمر والإرادة وارتفع ملك بالابتداء والخبر له والجملة خبر أن والخطاب للنبي صلى الله عليه و سلم والمراد أمته لقوله : { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } وقيل المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي من وليت أمر فلان أي قمت به ومنه ولي العهد أي القيم بما عهد إليه من أمر المسلمين ومعنى { من دون الله } سوى الله وبعد الله كما قال أمية بن أبي الصلت
( يا نفس ما لك دون الله من واق ... وما على حدثان الدهر من باق )
وقراءة الجماعة { ولا نصير } بالخفض عطفا على ولي ويجوز ولا نصير بالرفع عطفا على الموضع لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير

(2/68)


قوله تعالى : { أم تريدون } هذه أم المنقطعة التي بمعنى بل أي بل تريدون ومعنى الكلام التوبيخ { أن تسألوا } في موضع نصب بـ تريدون { كما سئل } الكاف في موض عنصب نعت لمصدر أي سؤالا كما و موسى في موضع رفع على ما لم يسم فاعله من قبل : سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة وسألوا محمدا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا عن ابن عباس و مجاهد : سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا وقرأ الحسن كما سيل وهذا على لغة من قال : سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها قال النحاس : بدل الهمزة بعيد والسواء من كل شيء : الوسط قاله ابو عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله : { في سواء الجحيم } وحكى عيسى بن عمر قال : ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي وأنشد قول حسان يرثي رسول الله صلى الله عليه و سلم :
( يا ويح أصحاب النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد )
وقيل : السواء القصد عن الفراء أي ذهب عن قصد الطريق وسمته أي طريق طاعة الله عز و جل وعن ابن عباس أيضا : أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خزيمة ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه و سلم : ائتنا بكتاب من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك

(2/68)


قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } فيه مسألتان :
الأولى : { ود } تمنى وقد تقدم { كفارا } مفعول ثان بـ يردونكم { من عند أنفسكم } قيل هو متعلق بـ ود وقيل بـ حسدا فالوقف على قوله : كفارا و حسدا مفعول له أي ودوا ذلك للحسد أو مصدر دل ما قبله على الفعل ومعنى { من عند أنفسهم } أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به ولفظة الحسد تعطي هذا أي من عند انفسهم تأكيدا وإلزاما كما قال تعالى : { يقولون بأفواههم } { يكتبون الكتاب بأيديهم } { ولا طائر يطير بجناحيه } والآية في اليهود
الثانية : الحسد نوعان : مذموم ومحمود فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود اليك أو لا وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله } وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه وأنه أنعم على من لا يستحق وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام :
[ لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله ما لا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ] هذا الحسد معناه الغبطة وكذلك ترجم عليه البخاري باب الاغتباط في العلم والحكمة وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره وقد يجوز ان يسمى هذا منافسة ومنه قوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون } { من بعد ما تبين لهم الحق } أي من بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه و سلم والقرآن الذي جاء به
قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : { فاعفوا } والأصل اعفووا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب والصفح : إزالة أثره من النفس صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته ومنه قوله تعالى : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا }
الثانية : هذه الآية منسوخة بقوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون } إلى قوله { صاغرون } عن ابن عباس وقيل : الناسخ لها { فاقتلوا المشركين } قال ابو عبيدة : كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال قال ابن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة
قلت : وهو الصحيح روى البخاري و مسلم [ عن أسامة بن زيد : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج قبل وقعة بدر فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول ـ وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي ـ فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا ! فسلم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول : أيها المرء لا أحسن ما تقول إن كان حقا ! فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رجلك فمن جاء فاقصص عليه قال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب ـ يريد عبد الله بن ابي ـ قال كذا وكذا فقال : أي رسول الله بأبي أنت وأمي ! اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك فذلك فعل ما رأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ]
وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى ويصبرون على الأذى قال الله عز و جل : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } وقال : { ود كثير من أهل الكتاب } فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه و سلم بدرا فقتل الله به من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش فقفل رسول الله صلى الله عليه و سلم واصحابه غانمين منصورين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش قال عبد الله بن ابي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم على الإسلام فأسلموا
قوله تعالى : { حتى يأتي الله بأمره } يعني بني قريظة وجلاء بني النضير { إن الله على كل شيء قدير * وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تقدم والحمد لله تعالى

(2/69)


قوله تعالى : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } جاء في الحديث
[ إن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم ] وخرج البخاري و النسائي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
[ أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت ] لفظ النسائي ولفظ البخاري : قال عبد الله قال النبي صلى الله عليه و سلم :
[ أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا : يا رسول الله ما منا إلا ماله أحب إليه قال : فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر ] وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال : السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فأجابه هاتف : يا ابن الخطاب : أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه وما أنفقنا فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد أحسن القائل :
( قدم لنفس قبل موتك صالحا ... واعمل فليس إلى الخلود سبيل )
وقال آخر :
( قد لنفسك توبة مرجوة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن )
وقال آخر :
( ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... والقوم حولك يضحكون سرورا )
( فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا ... على الذي موتك ضاحكا مسرورا )
وقال آخر :
( سابق إلى الخير وبادر به ... فإنما خلفك ما تعلم )
( وقدم الخير فكل امرىء ... على الذي قدمه يقدم )
وأحسن من هذا كله قول ابي العتاهية :
( أسعد بمالك في حياتك إنما ... يبقى وراءك مصلح أو مفسد )
( وإذا تركت لمفسد لم يبقه ... وأخو الصلاح قليله يتزيد )
( وإن استطعت فكن لنفسك وارثا ... إن الموت نفسه لمسدد )
{ إن الله بما تعملون بصير } تقدم

(2/71)


قوله تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }

(2/73)


قوله تعالى : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }
قوله تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } المعنى : وقالت اليهود لم يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا وأجاز الفراء أن يكون { هودا } بمعنى يهوديا حذف منه الزائد وأن يكون جمع هائد وقال الأخفش سعيد : { إلا من كان } جعل كان واحدا على لفظ من ثم قال هودا فجمع لأن معنى من جمع ويجوز { تلك أمانيهم } وتقدم الكلام في هذا والحمد لله
قوله تعالى { قل هاتوا برهانكم } أصل هاتوا هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر : هات مثل رام وفي المؤنث : هاتي مثل رامي والبرهان : الدليل الذي يوقع اليقين وجمعه براهين مثل قربان وقرابين وسلطان وسلاطين قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد عى من ينفيه { إن كنتم صادقين } يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة أي بينوا ما قلتم ببرهان ثم قال تعالى { بلى } ردا عليهم وتكذبيا لهم أي ليس كما تقولون وقيل : إن بلى محمولة على المعنى أنه قيل أما يدخل الجنة أحد ؟ فقيل : { بلى من أسلم وجهه لله } ومعنى أسلم استستلم وخضع وقيل أخلص عمله وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ولأنه موضع الحواس وفيه يظهر العز والذل والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد { وهو محسن } جملة في موضع الحال وعاد الضمير في وجهه و له على لفظ من وذلك أجره وعاد في عليهم على المعنى وكذلك في يحزنزن وقد تقدم

(2/73)


قوله تعالى : { وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }
معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء وأنه أحق برحمة الله منه
{ وهم يتلون الكتاب } يعني التوارة والإنجيل والجملة في موضع الحال والمراد بـ { الذين لا يعلمون } في قول الجمهور : كفار العرب لأنهم لا كتاب لهم وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى الربيع بن أنس : المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى ابن عباس
قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه و سلم فأتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه و سلم وقالت كل فرقة منهم للأخرى : لستم على شيء فنزلت الآية

(2/74)


فيه سبع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } من رفع بالابتداء و { أظلم } خبره والمعنى لا أحد أظلم و أن في موضع نصب على البدل من { مساجد } ويجوز أن يكون التقدير : كراهية أن يذكر ثم حذف ويجوز أن يكون التقدير : من أن يذكر فيها وحرف الخفض يحذف مع أن لطول الكلام وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه وقيل الكعبة وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم وقيل : المراد سائر المساجد والواحد مسجد ( بكسر الجيم ) ومن العرب من يقول : مسجد ( بفتحها ) قال الفراء : كل ما كان على فعل يفعل مثل دخل يدخل فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا ولايقع فيه الفرق مثل دخل يدخل مدخلا وهذا مدخله إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين من ذلك : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق ( من رفق يرفق ) والمنبت والمنسك ( من نسك ينسك ) فجعلوا الكسر علامة للإسم وربما فتحه بعض لعرب في الإسم والمسجد ( بالفتح ) : جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود والآراب السبعة قاله الجوهري
الثانية : واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر لأنه أخرب بيت المقدس وقال ابن عباس وغيره : نزلت في النصارى والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة ! وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه ومعنى الآية على هذا : التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود روى سعيد عن قتادة قال : أولئك أعداء الله النصارى حملهم إبغاض اليهود على أن أعانو بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس وروى أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه وقيل : نزلت في المشركين إذا منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه و سلم وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية وقيل : المراد من منع من كان مسجد إلى يوم القيامة وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف والله أعلم
الثالثة : خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت القدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم ـ قيل : أسمه نطوس بن إسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي ـ فقتلوا وسبوا وحرقوا التوراة وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه
ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المسجد الحرام وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها
الرابعة : قال علماؤنا : ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ضرورة سواء كان لها محرم أو لم يكن ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم :
[ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ] ولذلك قلنا : لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف بأن يبنوا مسجدا إلى جنب أو قربه يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابة واختلاف الكلمة فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ولذلك قلنا : لا يجوز أن يكون في المصر جامعان ولا لمسجد واحد إمامان ولا يصلى في مسجد جماعتان وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة براءة إن شاء الله تعالى وفي النور حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما
الخامسة : كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا قال صلى الله عليه و سلم :
[ جعلت لي الأرض مسجد وطهورا ] أخرجه الأئمة وأجمعت الأمة على أن البقعة وما بعده إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حم سائر المساجد العامة وخرج عن اختصاص الأملاك
السادسة : قوله تعالى : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } أولئك مبتدأ وما بعده خبره خائفين حال يعنى إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها فإن دخلوها فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم وتأديبهم على دخولها وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال على ما يأتي في براءة إن شاء الله تعالى ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم ومن جعلها في قريش قال : كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه و سلم :
[ ألا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ] وقيل : هو خير ومقصوده الأمر أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا كقوله : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } فإنه نهي ورد لفظ الخبر
السابعة : قوله تعالى : { لهم في الدنيا خزي } قيل القتل للحربي والجزية للذمي عن قتادة السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي وفتح عمورية ورمية وقسطنطينية وغير ذلك من مدنهم على ما ذكرناه في كتاب التذكرة ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا

(2/74)


فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب } المشرق موضع الشروق والمغرب موضع الغروب أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع ما تقدم وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفا نحو : بيت الله وناقة الله ولأن سبب الآية اقتضى ذلك على ما يأتي
الثانية : قوله تعالى : { فأينما تولوا } شرط ولذلك حذفت النون و أين العاملة و ما زائدة والجواب { فثم وجه الله } وقرأ الحسن تولوا بفتح التاءؤ واللام والأصل تتولوا و ثم في موضع نصب على الظرف ومعناها البعد إلا أنها مبنية على الفتح غير معربة لأنها مبهمة تكون بمنزلة هناك للبعد فإن أردت القرب قلت هنا
الثالثة : اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه { فأينما تولوا } على خمسة أقوال : فقال عبدالله بن عامر بن ربيعة : نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة أخرجه الترمذي عنه عن ابيه قال :
[ كنا مع النبي صلى الله عليه و سلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلم أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فنزلت : { فأينما تولوا فثم وجه الله } ]
قال أبو عيسى هذا حديث ليس إسناده بذاك لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان وأشعث بن سعيد أبو الربيع يضعف في الحديث وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا قالوا : إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة وبه يقول سفيان و ابن المبارك و أحمد و إسحاق
قلت : وهو قول أبي حنيفة و مالك غير أن مالكا قال : تستحب له الإعادة في الوقت وليس ذلك بواجب عليه لأنه قد أدى فرضه على ما أمر والكمال يستدرك في الوقت استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرق أو غرب جدا مجتهدا وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره وقال المغيرة و الشافعي : لا يجزيه لأن القبلة شرط من شروط الصلاة وما قاله مالك أصح لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر وقال ابن عمر : نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته خرجه مسلم عنه قال :
[ كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ] قال : وفيه نزلت { فأينما تولوا فثم وجه الله } ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله ولا يجوز لأحد أن يدع القبلة عامدا بوجه من الوجوه إلا في شدة الخوف على ما يأتي
واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله فمرة قال : لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه قال سحنون : فإن فعل أعاد حكاه الباجي ومرة قال : إن كان ممن لايصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل القبلة وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد خاصة على ما يأتي بيانه
واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة فقال مالك وأصحابه و الثوري : لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة قالوا : لأن الأسفار التي حكي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يتطوع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة وقال الشافعي و أبو حنيفة وأصحابهما و الحسن بن حي و الليث بن سعد و داود بن علي : يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا لأن الأثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر فكل سفر جائز ذلك فيه إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له وقال أبو يوسف يصلي في المصر على الدابة بالإيماء لحديث يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومىء إيماء وقال الطبري يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن ينتفل على دابته وراحلته وعلى رجليه بالإيماء وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في الحضر والسفر وقال الأثرم : قيل لـ أحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر فقال : أما في السفر فقد سمعت وما سمعت في الحضر قال ابن القاسم : من تنفل في محمله تنفل جالسا قيامه تربع يركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه وقال قتادة : نزلت في النجاشي وذلك كأنه :
لما مات دعا النبي صلى الله عليه و سلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة فقالوا كيف نصلي على رجل مات ؟ وهو يصلي لغير قلبتنا وكان النجاشي ملك الحبشة ـ واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية ـ يصلي إلى بيت المقدس حتى مات وقد صرفت القبلة إلى الكعبة فنزلت الآية ونزل فيه : { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله } فكان هذا عذرا للنجاشي وكانت صلاة النبي صلى الله عليه و سلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة وقد استدل بهذا من اجاز الصلاة على الغائب وهو الشافعي قال ابن العربي : ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي : يصلى على الغائب وقد كنت ببغداد في مجلس الإمام فخر الإسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له : كيف حال فلان ؟ فيقول له : مات فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ! ثم يقول لنا : قوموا فلأصل بكم فيقوم فيصلي عليه بنا وذلك بعد ستة أشهر من المدة وبينه وبين بلده سنة أشهر
والأصل عندهم في ذلك صلاة النبي صلى الله عليه و سلم على النجاشي وقال علماؤنا رحمة الله عليهم : النبي صلى الله عليه و سلم بذلك مخصوص لثلاثة أوجه :
أحدها : أن الأرض دحيت له جنوبا وشمالا حتى رأى نعش النجاشي كما دحيت له شمالا وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى وقال المخالف : وأي فائدة في رؤيته وإنما الفائدة في لحوق بركته
الثاني : أن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه وقال المخالف : هذا محال عادة ! ملك على دين لا يكون له اتباع والتأويل بالمحال محال
الثالث : أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيا وميتا قال المخالف : بركة الدعاء من النبي صلى الله عليه و سلم ومن سواه تلحق الميت باتفاق قال ابن العربي : والذي عندي في صلاة النبي صلى الله عليه و سلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومن آمن معه ليس عندهم من سنة الصلاة على الميت أثر فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة عليه
قلت : والتأويل الأول أحسن لأنه إذا رآه فما صلى على غائب وإنما صلى على مرئي حاضر والغائب ما لا يرى والله تعالى أعلم
القول الرابع : قال ابن زيد : كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه و سلم إلى بيت المقدس وقالوا : ما اهتدى إلا بنا فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فنزلت : { ولله المشرق والمغرب } فوجه النظم على هذا القول : أن اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى أن له أن يتعبد عباده بما شاء فإن شاء أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس وإن شاء أمرهم بالتوجه إلى الكعبة فعل لا حجة عليه ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون
القول الخامس : أن الآية منسوخة بقوله : { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ذكره ابن عباس فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلي المرء كيف شاء ثم نسخ ذلك وقال قتادة : الناسخ قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي تلقاءه حكاه أبو عيسى الترمذي
وقول سادس : روي عن مجاهد والضحاك أنها محكمة المعنى : أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة وعن مجاهد أيضا وابن جبير لما أنزلت : { ادعوني أستجب لكم } قالوا : إلى اين ؟ فنزلت { فأينما تولوا فثم وجه الله } وعن ابن عمر و النخعي : أينما تولوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فثم وجه الله وقيل : هي متصلة بقوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } الآية فالمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من أرضه وقيل : نزلت حين صد النبي صلى الله عليه و سلم عن البيت عام الحديبية فاغتم المسلمون لذلك فهذه عشرة أقوال
ومن جعلها منسوخة فلا اعتراض عليه من جهة كونها خبرا لأنها محتملة لمعنى الأمر يحتمل ان يكون معنى { فأينما تولوا فثم وجه الله } : ولوا وجوهكم نحو وجه الله وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جبير رحمه الله لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض
الرابعة : اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة فقال الحذاق : ذلك راجع إلى الوجود والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام إذا كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا وقال ابن فورك : قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا كما يقول القائل : رأيت علم فلان اليوم ونظرت إلى علمه إنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم كذلك إذا ذكر الوجه هنا والمراد من له الوجه أي الوجوه وعلى هذا يتأول قول تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله } لأن المراد به : لله الذي له الوجه وكذلك قوله : { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } أي الذي له الوجه قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه عز و جل كما قال : { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } وقال بعض الأئمة : تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى قال ابن عطية : وضعف أبو المعالي هذا القول وهو كذلك ضعيف وإنما المراد وجوده وقيل : المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة وقيل : الوجه القصد كما قال الشاعر :
( استغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل )
وقيل : المعنى فثم رضا الله وثوابه كما قال : { إنما نطعمكم لوجه الله } أي لرضائه وطب ثوابه ومنه قوله صلى الله عليه و سلم :
[ من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة ] وقوله : [ يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز و جل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي ] أي خالصا لي خرجه الدار قطني وقيل : المراد فثم الله والوجه صلة وهو كقوله : { وهو معكم } قاله الكلبي و القتبي ونحوه قول المعتزلة
الخامسة : قوله تعالى : { إن الله واسع عليم } أي يوسع على عباده في دينهم ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم وقيل : واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال : { وسع كل شيء علما } وقال الفراء : الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء دليله قوله تعالى : { ورحمتي وسعت كل شيء } وقيل : : واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب وقيل : متفضل على العباد وغني عن أعمالهم يقال : فلان يسع ما يسئل أي لا يبخل قال الله تعالى : { لينفق ذو سعة من سعته } أي لينفق الغني مما أعطاه الله وقد أتينا عليه في الكتاب الأسنى والحمد لله

(2/77)


قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون }
فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا } هذا إخبار عن النصارى في قولهم المسيح ابن الله وقيل عن اليهود في قولهم : غزير ابن الله وقيل عن كفرة العرب في قولهم : الملائكة بنات الله وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في مريم و الأنبياء
الثانية : قوله : { سبحانه بل له } الآية خرج البخاري [ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن اتخذ صاحبة أو ولدا ]
الثالثة : سبحان منصوب على المصدر ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة من قولهم : اتخذ الله ولدا بل هو الله تعالى واحد في ذاته أحد في صفاته لم يلد فيحتاج إلى صاحبة { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء } ولم يلد فيكون مسبوقا جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ! { بل له ما في السماوات والأرض } ما رفع بالابتداء والخبر في المجرور أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السموات والأرض وقد تقدم أن معنى سبحان الله : براءة الله من السوء
الرابعة : لا يكون الولد إلا من جنس الوالد فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو لا يشبهه شيء وقد قال : { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } كما قال هنا : { بل له ما في السماوات والأرض } فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يلد ولم يكن له كفوا أحد ثم إن البنوة تنافي الرق والعبودية ـ على ما يأتي بيانه في سورة مريم إن شاء الله تعالى ـ فكيف يكون ولد عبدا ! هذا محال وما أدى إلى المحال محال
الخامسة : قوله تعالى : { كل له قانتون } ابتداء وخبر والتقدير لهم ثم حذف الهاء والميم قانتون أي مطيعون وخاضعون فالمخلوقات كلها تقنت لله أي تخضع وتطيع والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم فالقنوت الطاعة والقنوت السكوت ومنه قول زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت : { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام والقنوت : الصلاة قال الشاعر :
( قانتا لله يتلو كتبه ... وعلى عمد من الناس اعتزل )
وقال السدي وغيره في قوله : { كل له قانتون } أي يوم القيامة الحسن : كل قائم بالشهادة أنه عبد والقنوت في اللغة أصله القيام ومنه الحديث :
[ افضل الصلاة طول القنوت ] قاله الزجاج فالخلق قانتون أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما إن يكونوا على خلاف ذلك فأثر الصنعة بين عليهم وقيل : اصله الطاعة ومنه قوله تعالى : { والقانتين والقانتات } وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين }

(2/82)


فيه ست مسائل :
الأولى : قوله تعالى : { بديع السماوات } فعيل للمبالغة وارتفع على خبر ابتداء محذوف واسم الفاعل مبدع كبصير من مبصر أبدعت الشيء لا عن مثال فالله عز و جل بديع السماوات والأرض أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع ومنه اصحاب البدع وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام وفي البخاري ونعمت البدعة هذه يعني قيام رمضان
الثانية : كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أن يكون لها أصل في الشرع أو لا فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وحض رسوله عيه فهي في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهذا فعله من الأفعال المحمودة وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح وهي وإن كان النبي صلى الله عليه و سلم قد صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس عليها فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها وجمع الناس لها وندبهم إليها بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهي في حيز الذم والإنكار قال معناه الخطابي وغيره
قلت : وهو معنى قوله صلى الله عليه و سلم في خطبته :
[ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ] يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة أو عمل الصحابة رضي الله عنهم وقد بين هذا بقوله :
[ من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ] وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن وهو أصل هذا الباب وبالله العصمة والتوفيق لا رب غيره
الثالثة : قوله تعالى : { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا أراد إحكامه وإتقانه ـ كما سبق في علمه ـ قال له كن قال ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ومنه سمي القاضي لأنه إذا حكم فقد فرغ مما بين الخصمين وقال الأزهري : قضى في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه قال أبو ذؤيب :
( وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع )
وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
( قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق )
قال علماؤنا : قضى لفظ مشترك يكون بمعنى الخلق قال الله تعال : { فقضاهن سبع سماوات في يومين } أي خلقهن ويكون بمعنى الإعلام قال الله تعالى : { وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب } أي أعلمنا ويكون بمعنى الأمر كقوله تعالى : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه } ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام ومنه سمي الحاكم قاضيا ويكون بمعنى توفية الحق قال الله تعالى : { فلما قضى موسى الأجل } ويكون بمعنى الإرادة كقوله تعالى : { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } أي إذا أراد خلق شيء قال ابن عطية : قضى معناه قدر وقد يجيء بمعنى أمضى ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد
الرابعة : قوله تعالى : { أمرا } الأمر واحد الأمور وليس بمصدر أمر يأمر قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها
الأول : الدين قال الله تعالى : { حتى جاء الحق وظهر أمر الله } يعني دين الله الإسلام
الثاني : القول ومنه قوله تعالى : { فإذا جاء أمرنا } يعني قولنا وقوله : { فتنازعوا أمرهم بينهم } يعني قولهم
الثالث : العذاب ومنه قوله تعالى : { لما قضي الأمر } يعني لما وجب العذاب بأهل النار
الرابع : عيسى عليه السلام قال الله تعالى : { إذا قضى أمرا } يعني عيسى وكان في علمه أن يكون من غير أب
الخامس : القتل ببدر قال الله تعالى : { فإذا جاء أمر الله } يعني القتل ببدر وقوله تعالى : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } يعني قتل كفار مكة
السادس : فتح مكة قال الله تعالى : { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } يعني فتح مكة
السابع : قتل قريظة وجلاء بني النضير قال الله تعالى : { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره }
الثامن : القيامة قال الله تعالى : { أتى أمر الله }
التاسع : القضاء قال الله تعالى : { يدبر الأمر } يعني القضاء
العاشر : الوحي قال الله تعالى : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض }
يقول : ينزل الوحي من السماء إلى الأرض وقوله : { يتنزل الأمر بينهن } يعني الوحي
الحادي عشر : أمر الخلق قال الله تعالى : { ألا إلى الله تصير الأمور } يعني أمور الخلائق
الثاني عشر : النصر قال الله تعالى : { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } يعنون النصر { قل إن الأمر كله لله } يعني النصر
الثالث عشر : الذنب قال الله تعالى : { فذاقت وبال أمرها } يعني جزاء ذنبها
الرابع عشر : الشأن والفعل قال الله تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } أي فعله وشأنه وقال : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أي فعله
الخامسة : قوله تعالى : { كن } قيل : الكاف من كينونه والنون من نوره وهي المراد بقوله عليه السلام :
[ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ] ويروى : [ بكلمة الله التامة ] على الإفراد فالجميع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها فإذا قال لكل أمر كن ولكل شيء كن فهن كلمات يدل على هذا ما روي عن ابي ذر عن النبي صلى الله عليه و سلم فيما يحكى عن الله تعالى :
[ عطائي كلام وعذابي كلام ] خرجه الترمذي في حديث فيه طول والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات أيضا لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة وإنما قيل تامة لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف : حرف مبتدأ وحرف تحشى به الكلمة وحرف يسكت عليه وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص كيد ودم وفم وإنما نقص لعلة فهي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات ومن ربنا تبارك وتعالى تامة لأنها بغير الأدوات تعالى عن شبه المخلوقين
السادسة : قوله تعالى : { فيكون } قرىء برفع النون على الاستئناف قال سيبويه : فهو يكون أو فإنه يكون وقال غيره : وهو معطوف على يقول فعلى الأول كائنا بعد الأمر وإن كان معدوما فإنه بمنزلة الموجود إذ هو عنده معلوم على ما يأتي بيانه وعلى الثاني كائنا مع الأمر واختاره الطبري وقال : أمره للشيء بـ لكن لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود على ما يأتي بيانه قال : ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه كما قال : { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } وضعف ابن عطية هذا القول وقال : هو خطأ من جهة المعنى لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود
وتلخيص المعتقد في هذه الآية : أن الله عز و جل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها قادرا مع تأخر المقدورات عالما مع تأخر المعلومات فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم لم يزل والمعنى الذي تقتضيه عبارة كن هو قديم قائم بالذات
وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل : ففي أي حال يقول له كن فيكون ؟ أفي حال عدمه أم في حال وجوده ؟ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث لأنه موجود حادث ؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة :
أحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات
الثاني : أن الله عز و جل عالم بما هو كائن قبل كونه فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة فجاز أن يقول لها : كوني ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود لتصور جميعها له ولعلمه لها في حال العدم
الثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله وإنما هو قضاء يريده فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا كقول أبي النجم :
قد قالت الأنساع للبطن الحق
ولا قول هناك وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن وكقول عمرو بن جمعة الدوسي :
( فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطيارا يقل له قع )
وكما قال الآخر :
( قالت جناحاه لساقيه ألحقا ... ونجيا لحمكما أن يمزقا )

(2/84)


قوله تعالى : { وقال الذين لا يعلمون } قال ابن عباس : هم اليهود : مجاهد : النصارى ورجحه الطبري لأنهم المذكورون في الآية أولا وقال الربيع و السدي و قتادة : مشركوا العرب و لولا بمعنى هلا تحضيض كما قال الأشهب بن رميلة :
( تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا )
وليست هذه لولا التي تعطي منع الشيء لوجود غيره والفرق بينهما عند علماء اللسان أن لولا بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا والتي للامتناع يليها الابتداء وجرت العادة بحذف الخبر ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم فتعلم أنه نبي فنؤمن به أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته والآية : الدلالة والعلامة وقد تقدم و { الذين من قبلهم } اليهود والنصارى في قول من جعل { الذين لا يعلمون } اليهود و النصارى أو اليهود في قول من جعل { الذين لا يعلمون } النصارى { تشابهت قلوبهم } قيل : في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان وقال الفراء : تشابهت قلوبهم في اتفاقهم على الكفر { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } تقدم

(2/89)


قوله تعالى { إنا أرسلناك بالحق بشيرا } بشيرا نصب على الحال ونذيرا عطف عليه وقد تقدم معناهما { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } قال مقاتل : إن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
[ لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا ] فأنزل الله تعالى : { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } برفع تسأل وهي قراءة الجمهور ويكون في موضع الحال بعطفه على { بشيرا ونذيرا } والمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول وقال سعيد الأخفش : ولا يسأل ( بفتح التاء وضم اللام ) ويكون في موضع الحال عطفا على { بشيرا ونذيرا } والمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم هذا معنى غير سائل ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفرهم من كفر بعد التبشير والإنذار وقال ابن عباس ومحمد بن كعب : [ إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ذات يوم : ليت شعري ما فعل أبواي ] فنزلت هذه الآية وهذا على قراءة من قرأ ولا تسأل جزما على النهي وهي قراءة نافه وحده وفيه وجهان :
أحدهما : أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان وعن المعصية إلى الطاعة
والثاني : وهو الأظهر أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه وهذا كما يقال : لا تسأل عمن فلان أي قد بلغ فوق ما تحسب وقرأ ابن مسعود ولن تسأل وقرأ أبي وما تسأل ومعناهما موافق لقراءة الجمهور نفى أن يكون مسؤولا عنهم وقيل : إنما سأل أي أبويه أحدث موتا فنزلت وقد ذكرنا في كتاب التذكرة أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به وذكرنا قوله عليه السلام للرجل :
[ إن أبي وأبيك في النار ] وبينا ذلك والحمد لله

(2/89)


قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } المعنى : ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم يقال : رضي يرضى رضا ورضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة وهو من ذوات الواو ويقال في التثنية : رضوان وحكى الكسائي : رضيان وحكي رضاء ممدود وكأنه مصدر راضى يراضي مراضاة ورضاء و تتبع منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى قاله الخليل وذلك أن حتى خافضة للإسم كقوله : { حتى مطلع الفجر } وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل البتة وما يخفض اسما لا ينصب شيئا وقال النحاس : تتبع منصوب بحتى و حتى بدل من أن والملة : اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله فكانت الملة والشريعة سواء فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشرعية فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله والدين ما فعله العباد عن أمره
الثانية : تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة و الشافعي و داود و أحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة لقوله تعالى : { ملتهم } فوحد الملة وبقوله تعالى : { لكم دينكم ولي دين } وبقوله عليه السلام :
[ لا يتوارث أهل ملتين ] على أن المراد به الإسلام والكفر بدليل قوله عليه السلام :
[ لا يرث المسلم الكافر ] وذهب مالك و أحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل فلا يرث اليهودي النصراني ولا يرثان المجوسي أخذا بظاهر قوله عليه السلام :
[ لا يتوارث أهل ملتين ] وأما قوله تعالى : ملتهم فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة كما تقول : أخذت عن علماء أهل المدينة ـ مثلا ـ علمهم وسمعت عليهم حديثهم يعني علومهم وأحاديثهم
قوله تعالى : { قل إن هدى الله هو الهدى } المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء
قوله تعالى : { ولئن اتبعت أهواءهم } الأهواءؤ جمع هوى كما تقول : جمل وأجمال ولما كانت مختلفة جمعت ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم وفي هذا الخطاب وجهان : أحدهمات : أنه للرسول لتوجه الخطاب إليه والثاني : أنه للرسول والمراد به أمته وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته إذ منزلتهم دون منزلته وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدنة ويعدون النبي صلى الله عليه و سلم بالإسلام فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وأمره بجهادهم
قوله تعالى : { من العلم } سئل أحمد بن حنبل عمن يقول : القرآن مخلوق فقال : كافر قيل : بم كفرته ؟ فقال : بآيات من كتاب الله تعالى : { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم } والقرآن من علم الله فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر

(2/91)