صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ تفسير الطبري ]
الكتاب : جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف : محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر
عدد الأجزاء : 12

القول في تأويل قوله تعالى : { وكلا ضربنا له الأمثال و كلا تبرنا تتبيرا }

(9/389)


يقول تعالى ذكره : و لقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجورا على القرية التي أمطرها الله مطر السوء و هي سدوم قرية قوم لوط و مطر السوء : هو الحجارة التي أمطرها الله عليهم فأهلكهم بها
كما حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } قال : حجارة و هي قرية قومم لوط و اسمها سدوم قال ابن عباس : خمس قريات فأهلك الله أربعة و بقيت الخامسة و اسمها صعوة لم تهلك صعوة كان أهلها لا يعملون ذلك العمل و كانت سدوم أعظمها و هي التي نزل بها لوط و منها بعث و كان إبراهيم صلى الله عليه و سلم ينادي نصيحة لهم : يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تعرضوا لعقوبة الله زعموا أن لوطا ابن أخي إيراهيم صلوات الله عليهما
و قوله { أفلم يكونوا يرونها } يقول جل ثناؤه : أو لم يكن هؤلاء المشركون الذين قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء يرون تلك القرية و ما نزل بها من عذاب الله تبكذيب أهلها رسلهم فيعتبروا و يتذكروا فيراجعوا التوبة من كفرهم و تكذيبهم محمدا صلى الله عليه و سلم { بل كانوا لا يرجون نشورا } يقول تعالى ذكره : ما كذبوا محمدا فيما جاءهم به من عند الله لأنهم لم يكونوا رأوا ما حل بالقرية التي وصفت ولكنهم كذبون من أجل أنهم قوم لا يخافون نشورا بعد الممات يعني أنهم لا يوقنون بالعقاب و الثواب ولا يؤمنون يقيام الساعة نفيردعهم ذلك عما يأتون من معاصي الله
وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأيول
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج { أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا } : بعثا

(9/392)


يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم : وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك { إن يتخذونك إلا هزوا } يقول : ما يتخذونك إلا سخرية يسخرون منك يقولون : { أهذا الذي بعث الله } إلينا { رسولا } من بين خلقه

(9/392)


يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء المشركين الذين كانوا يهزءون برسول الله صلى الله عليه و سلم أنهم يقولون إذا رأوه : قد كاد هذا يضلنا عن آلهتنا التي نعبدها فيصدنا عن عبادتها لولا صبرنا عليها و ثبوتنا على عبادتها { وسوف يعلمون حين يرون العذاب } يقول جل ثناؤه : سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حل بهم على عبادتهم الآلهة { من أضل سبيلا } يقول : من الراكب غير طريق الهدي و السالك سبيل الردى أنت أو هم
و بنحو ما قلنا في تأويل قوله { لولا أن صبرنا عليها } قال أهل التأيول
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثنا حجاج عن ابن جريج { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } قال : ثبتنا عليها

(9/393)


يعني تعالى ذكره : { أرأيت } يا محمد { من اتخذ إلهه } شهوته التي يهواها و ذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به و أخذ الآخر يعبده فكان معبوده و إلهه ما يتخيره لنفسه فلذلك قال جل ثناؤه { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } يقول تعالى ذكره أفأنت تكون يا محمد على هذا حفيظا في أفعاله من عظيم جهله ؟ { أم تحسب } يا محمد أن أكثر هؤلاء المشركين { يسمعون } ما يتلى عليهم فيعون { أو يعقلون } ما يعاينون من حجج الله فيفهمون { إن هم إلا كالأنعام } يقول : ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها ولا تفقه بل هم من البهائم أضل سبيلا لأن البهائم تهتدي لمراعيها و تنقاد لأربابها و هؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم بل يكفرونها و يعصون من خلقنم و برأهم

(9/393)


القول في تأويل قوله تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا }

(9/393)


يقول تعالى ذكره : { ألم تر } يا محمد { كيف مد } ربك { الظل } وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
و بنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا عبد الله قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } يقول : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : مده ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس
حدثنا ابن حميد قال : ثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا } قال : الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيع قال : ثنا أبو محصن عن حصين عن أبي مالك قال { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : ما يين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى و حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { كيف مد الظل } قال : ظل الغداة قبل أن تطلع الشمس
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : الظل : ظل الغداة
قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : مده من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } يعني من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس
وقوله { ولو شاء لجعله ساكنا } يقول : و لو شاء لجعله دائما لا يزول ممدودا لا تذهبه الشمس ولا تنقصه
و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { ولو شاء لجعله ساكنا } يقول : دائما
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى و حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { ولو شاء لجعله ساكنا } قال : لا تصيبه الشمس ولا يزول
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد { ولو شاء لجعله ساكنا } قال : لا يزول
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { ولو شاء لجعله ساكنا } قال : دائما لا يزول
وقوله { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } يقول جل ثناؤه : ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه أنه من خلق ربكم يوجده إذا شاء ويفنيه إذا أراد و الهاء في قوله { عليه } من ذكر الظل
ومعناه : ثم جعلنا الشمس على الظل دليلا قيل : معنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس التي تنسخه لم يعلم أنه شيء إذا كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها بظير الحلو الذي إنما يعرف بالحامض و البارد بالحار وما أشبه ذلك
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } يقول : طلوع الشمس
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا روقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } قال تحويه
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } قال : أخرجت ذلك الظل فذهبت به

(9/393)


وقوله { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } يقول تعالى ذكره : ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضا خفيا سريعا بالفيء الذي نأتي به بالعشي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثني عيسى و حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } قال : حوى الشمس الظل وقيل إن الهاء التي في قوله { ثم قبضناه إلينا } عائدة على الظل وإن معنى الكلام : ثم قبضنا لاظل إلينا بعد غروب الشمس و ذلك أن الشمس إذا غربت غاب الظل الممدود قالوا : وذلك وقت قبضه
واختلف أهل التأويل في معنى قوله { يسيرا } فقال بعضهم : معناه : سريعا
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } يقول سريعا
وقال آخرون : بل معناه : قبضا خفيا
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع عن مجاهد { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } قال : خفيا
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج قال : قال ابن جريج { قبضا يسيرا } قال خفيا قال : إن ما بين الشمس والظل مثل الخيط و اليسير الفعيل من اليسر وهو السهل الهين في كلام العرب فمعنى الكلام إذ كان ذلك كذلك يتوجه لما روي عن ابن عباس و مجاهد لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء وقيل : إنما قيل { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة ولا يقبل الظلام كله جملة وإنما يقبض ذلك الظل قبضا خفيا شيئا بعد شيء و يعقب كل جزء منه يقبضه جزء من الظلام

(9/393)


يقول تعالى ذكره : الذي مد الظل ثم جعل الشمس عليه دليلا هو الذي جعل لكم أيها الناس الليل لباسا وإنما قال جل ثناؤه { جعل لكم الليل لباسا } لأنه جعله لخلقه جنة يجتنون فيها و يسكنون فصار لهم سترا يستترون به كما يستترون بالثياب التي يكسونها وقوله { والنوم سباتا } يقول : وجعل لكم النوم راحة تستريح به أبدانكم و تهدأ به جوارحكم وقوله { وجعل النهار نشورا } يقول تعالى ذكره النهار يقظة وحياة من قولهم : نشر الميت كما قال الأعشى :
( حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر )
و منه قول الله { لا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا } الفرقان : 3
وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { وجعل النهار نشورا } قال : ينشر فيه
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
و إنما اخترنا القول الذي امترنا في تأويل ذلك لأنه عقيب قوله { والنوم سباتا } في الليل فإذ كان ذلك كذلك فوصف النهار بأن فيه اليقظة و النشور من النوم أشبه إذا كان النوم أخا الموت و الذي قاله مجاهد غير بعيد من الصواب لأن الله أخبر أنه جعل النهار معاشا و فيه الانتشار للمعاش و لكن النشور مصدر من قول القائل : نشر فهو بالنشر من الموت و النوم أشبه كما صحت الرواية عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يقول إذا اصبح وقام من نومه : الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور

(9/396)


يقول تعالى ذكره : والله الذي أرسل الرياح المفلحة { بشرا } : حياة أو من الحيا و الغيث الذي هو منزله على عباده { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } يقول : وأنزلنا من السحاب الذي أنشأناه بالرياح من فوقكم أيها الناس ماء طهورا { لنحيي به بلدة ميتا } يعني أرضا قحطة عذية لا تنبت وقال { بلدة ميتا } ولم يقل ميتة لأنه أريد بذلك لنحيي به موضعا ومكانا ميتا { ونسقيه } من خلقنا { أنعاما } من البهائم { و أناسي كثيرا } يعني بالأناسي : جمع إنسان و جمع أناسي فجعل الياء عوضا من النون التي في إنسان و قد يجمع إنسان إناسين كما يجمع النشيان : نشايين فإن قيل : أناسي جمع واحده إنسي فهو مذهب أيضا محكي وقد يجمع أناسي مخففة الياء وكأن من جمع ذلك كذلك أسقط الياء التي بين عين الفعل ولامه كما يجمع القرقور : قراقيروقراقر ومما يصحح جمعهم إياه بالتخفيف قول العرب : أناسية كثيرة

(9/397)


القول في تأويل قوله تعالى : { لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا }

(9/397)


يقول تعالى ذكره : ولقد قسمنا هذا الماء الذي أنزلناه من السماء طهورا لنحييي به الميت من الأرض بين عبادي ليتذكروا نعمي عليهم و يشكروا أيادي عندهم وإحاسني إليهم { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } يقول : إلا جحودا لنعمي عليهم و أيادي عليهم
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه قال : سمعت الحسن بن مسلم يحدث طاوسا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه بين خلقه قال : ثم قرأ { ولقد صرفناه بينهم }
حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية عن سليمان التيمي قال : ثنا الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : ما عام بأكثر مطرا من عام ولكنه يصرفه في الآضين ثم تلا { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا }
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثنا ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قوله { ولقد صرفناه بينهم } قال : المطر ينزله في الأرض ولا ينزله في الأرض الأخرى قال : فقال عكرمة : صرفناه بينهم ليذكروا
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } قال : المطر مرة ههنا مرة ههنا
حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال : ثنا سفيان بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد أنه سمع أبا جحيفة يقول : سمعت عبد الله بن مسعود يقول : ليس عام بأمطر من عام ولكنه يصرفه ثم قال عبد الله { ولقد صرفناه بينهم }
و أما قوله { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } فإن :
القاسم حدثنا : قال قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن عكرمة { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } قال : قولهم في الأنواء

(9/397)


يقول تعالى ذكره : ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كل مصر و مدينة نذيرا ينذرهم بأسنا على كفرهم بنا فيخف عنك كثير من أعباء ما حملناك منه ويسقط عنك بذلك مؤنة عظيمة ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى لتستوجب يصبرك عليه إن صبرت ما أعد الله لك من الكرامة عنده و المنازل الرفيعة قبله فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من أن تعبد آلهتهم فنذيقك ضعف الحياة و ضعف الممات ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا كبيرا حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله و يدينوا به و يذعنوا للعمل يجميعه طوعا وكرها
وبنحو الذي قلنا في قوله { وجاهدهم به } قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : قال ابن عباس قوله { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به } قال : بالقرآن
وقال آخرون : في ذلك بما :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { وجاهدهم به جهادا كبيرا } قال : الإسلام وقرأ { واغلظ عليهم } التوبة : 73 - التحريم : 9 وقرأ { وليجدوا فيكم غلظة } التوبة : 123 وقال : هذا الجهاد الكبير

(9/398)


القول في تأويل قوله تعالى : { فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا }

(9/398)


يقول تعالى ذكره : والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر و أفاضه فيه وأصل المرج الخلط ثم يقال للتخلية مرج لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره فكأنه قد مرجه و منه الخير عن النبي صلى الله عليه و سلم و قوله لعبد الله بن عمرو : كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم و صاروا هكذا ؟ وشبك بين أصابعه يعني بقوله : قد مرجت اختلطت و منه قول الله { في أمر مريج } ق : 5 أي مختلط و إنما قيل للمرج مرج من ذلك لأنه يكون فيه أخلاط من الدواب و يقال : مرجت دابتك : أي خليتها تذهب حيث شاءت ومنه قول الراجز :
( رعى بها مرج ربيع ممرجا )
وبنحو ما قلنا في تأويل قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { وهو الذي مرج البحرين } يعني أنه خلع أحدهما على الآخر
حدثنا محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { مرج البحرين } أفاض أحدهما على الآخر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله { وهو الذي مرج البحرين } يقول : خلع أحدهما على الآخر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثنا أبو تميلة عن أبي حمزة عن جابر عن مجاهد { مرج } أفاض أحدهما على الآخر
وقوله { هذا عذب فرات } الفرات : شديد العذوبة يقال : هذا ماء فرات : أي شديد العذوبة
وقوله { وهذا ملح أجاج } يقول : وهذا ملح مر يعني بالعذب الفرات : مياه الأنهار والأمطار وبالملح الأجاج : مياه البحار
وإنما عنى بذلك أنه من نعمته على خلقه وعظيم سلطانه يخلط ماء البحر العذب بماء البحر الملح الأجاج ثم يمنع الملح من تغيير العذب عن عذوبته و إفساده إياه بقضائه وقدرته لئلا يضر إفساده إياه بركبان الملح منهما فلا يجدوا ماء يشربونه عند حاجتهم إلى الماء فقال جل ثناؤه { وجعل بينهما برزخا } يعني حاجزا يمنع كل واحد منهما من إفساد الآخر { وحجرا محجورا } يقول : وجعل كل واحد منهما حراما محرما على صاحبه أن يغيره ويفسده
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } يعني أنه خلع أحدهما على الآخر فليس يفسد العذب المالح وليس يفسد المالح العذب وقوله { وجعل بينهما برزخا } قال : البرزخ : الأرض بينهما { وحجرا محجورا } يعني : حجر أحدهما على الأخر بأمره وقضائه وهو مثل قوله { وجعل بين البحرين حاجزا }
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن نجيح عن مجاهد { وجعل بينهما برزخا } قال : محبسا قوله { وحجرا محجورا } قال : لا يختلط البحر بالعذب
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد { وجعل بينهما برزخا } قال : حاجزا لا يراه أحد لا يختلط العذب في البحر قال ابن جريج : فلم أجد بحرا عذبا إلا الأنهار العذاب فإن دجلة تقع في البحر فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر و النيل يصب في البحر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني أبو تميلة عن أبي حمزة عن جابر عن مجاهد { وجعل بينهما برزخا } قال : البرزخ أنهما يلتقيان فلا يختلطان وقوله { حجرا محجورا } : أي لا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا لا يبغي أحدهما على الآخر
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية عن رجاء عن الحسن في قوله { وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا } قال : هذا اليبس
حدثنا الحسن قال : ثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا } قال : جعل هذا ملحا أجاجا قال : والأجاج : المر
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول { مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } يقول : خلع أحدهما على الآخر فلا يغير أحدهما طعم الآخر { وجعل بينهما برزخا } هو الأجل ما بين الدنيا والآخرة { وحجرا محجورا } جعل الله بين البحرين حجرا يقول : حاجزا حجز أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا } وجعل بينهما سترا لا يلتقيان قال : والعرب إذا كلم أحدهم الآخر بما يكره قال حجرا قال : سترا دون الذي تقول
قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله { وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا } دون القول الذي قاله من قال معناه : إنه جعل بينهما حاجزا من الآرض أو من اليبس لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين و المرج : هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين و الملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه فإما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه فليس هناك مرج ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس و يذكرون به وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبا وفيه أعظم العبر و المواعظ و الحجج البوالغ

(9/398)


يقول تعالى ذكره : والله الذي خلق من المطف بشرا إنسانا فجعله نسبا و ذلك سبعة و صهرا وهو خمسة
كما حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله { فجعله نسبا وصهرا } النسب : سبع قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } النساء : 23 إلى قوله { وبنات الأخت } النساء : 23 والصهر خمس قوله { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } النساء : 23 إلى قوله { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } النساء : 23
وقوله { وكان ربك قديرا } يقول : وربك يا محمد ذو قدرة على خلق ما يشاء من الخلق و تصريفهم فيما شاء وأراد

(9/401)


يقول تعالى ذكره : و يعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهة لا تنغعهم فتجلب إليهم نفعا إذا هم عبدوها ولا تضرهم إن تركوا عبادتها ويتركون عبادة من أنعم عليهم هذه النعم التي لا كفاء لأدناها وهي ما عدد علينا جل جلاله في هذه الآيات من قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } إلى قوله { قديرا } و من قدرته القدرة التي لا يمتنع عليه معها شيء أراده ولا يتعذر عليه فعل شيء أراد فعله و من إذا أراد عقاب بعض من عصاه من عباده أحل به ما أحل بالذين وصف صفتهم من قوم فرعون وعاد و ثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا فلم يكن لمن غضب عليه منه ناصر ولا له عنه دافع { وكان الكافر على ربه ظهيرا } يقول تعالى ذكره : وكان الكافر معينا للشيطان على ربه مظاهر له على معصيته
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام عن عنبسة عن ليث عن مجاهد { وكان الكافر على ربه ظهيرا } قال : يظاهر الشيطان على معصية الله بعينه
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { على ربه ظهيرا } قال : معينا
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله قال ابن جريج : أبو جهل معينا ظاهر الشيطان على ربه
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الحسن في قوله { وكان الكافر على ربه ظهيرا } قال : عونا للشيطان على ربه على المعاصي
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { وكان الكافر على ربه ظهيرا } قال : على ربه عوينا والظهير : العوين و قرأ قول الله { فلا تكونن ظهيرا للكافرين } القصص : 86 قال : لا تكونن لهم عوينا و قرا أيضا قول الله { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم } الأحزاب : 26 قال : ظاهروهم : أعانوهم
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { وكان الكافر على ربه ظهيرا } يعني : أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه و سلم : أبا جهل بن هشام
و قد كان بعضهم يوجه معنى قوله { وكان الكافر على ربه ظهيرا } أي وكان الكافر على ربه هينا من قول العرب : ظهرت به فلم ألتفت إليه إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه و كأن الظهير كان عنده فعيل صرف من مفعول إليه من مظهور به كأنه قيل : وكان الكافر مظهورا به و القول الذي قلناه هو وجه الكلام و المعنى الصحيح لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمة إياهم و ذم فعلهم دون الخبر عن هوانهم على ربهم ولما يجر لاستكبارهم عليه ذكر فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه

(9/401)


يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه و سلم { وما أرسلناك } يا محمد إلى من أرسلناك إليه { إلا مبشرا } بالثواب الجزيل من آمن بك وصدقك و آمن بالذي جئتهم به من عندي و عملوا به { ونذيرا } من كذبك وكذب ما جئتهم به من عندي فلم يصدقوا به ولم يعملوا { قل ما أسألكم عليه من أجر } يقول له : قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم ما أسلألكم يا قوم على ما جئتكم به من عند ربي أجرا فتقولون : إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه فيه ولا نعطيه من أموالنا شيئا { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } يقول : لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلا طريقا بإنفاقه من ماله في سبيله و فيما يقربه إليه من الصدقة و النفقة في جهاد عدوه و غير ذلك من سبيل الخير

(9/402)


القول في تأويل قوله تعالى : { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا }

(9/402)


يقول تعالى ذكره : و توكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها فثق به في أمر ربك وفوض إليه و استسلم له و اصبر على ما نابك فيه قوله { وسبح بحمده } يقول : و اعبده شكرا منك له على ما أنعم به عليك قوله { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } يقول : وحسبك بالحي الذي لا يموت خابرا بذنوب خلقه فإنه لا يخفى عليه شيء منها و هو محص جميعها عليهم حتى يجازيهم بها يوم القيامة

(9/402)


يقول تعالى ذكره : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } { الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } فقال : { وما بينهما } وقد ذكر السماوات والأرض والسماوات جماع لأنه وجه ذلك إلى الصنفين و الشيئين كما قال القطامي :
( ألم يحزنك أن حبال قيس ... و تغلب قد تباينتا انقطاعا )
يريد : و حبال تغلب فثنى و الحبال جمع لأنه أراد الشيئين و النوعين
وقوله { في ستة أيام } قيل : كان ابتداء ذلك يوم الأحد و الفراغ يوم الجمعة { ثم استوى على العرش الرحمن } يقول : ثم استوى على العرش الرحمن و علا عليه و ذلك يوم السبت فيما قيل وقوله { فاسأل به خبيرا } يقول : فاسأل يا محمد خبيرا بالرحمن خبيرا بخلقه فإنه خالق كل شيء ولا يخفى عليه ما خلق
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قوله { فاسأل به خبيرا } قال : يقول لمحمد صلى الله عليه و سلم : إذا أخبرتك شيئا فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير والخبير في قوله { فاسأل به خبيرا } منصوب على الحال من الهاء التي في قول به

(9/403)


يقول تعالى ذكره : وإذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم : { اسجدوا للرحمن } : أي أجعلوا سجودهم لله خالصا دون الآلهة والأوثان قالوا : { أنسجد لما تأمرنا }
واختلف القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء المدينة و البصرة { لما تأمرنا } بمعنى : أنسجد نحن يا محمد لما تأمرنا أنت أن نسجد له وقرأته عامة قراء الكوفة لما يأمرنا بالياء بمعنى : أنسجد لما يأمر الرحمن وذكر بعضهم أن مسيلمة كان يدعى الرحمن فلما قال لهم النبي صلى الله عليه و سلم : اسجدوا للرحمن قالوا : أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة ؟ يعنون مسيلمة بالسجود له
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منها علماء من القراء فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب
وقوله { وزادهم نفورا } يقول : وزاد هؤلاء المشركين قول القائل لهم : اسجدوا للرحمن من إخلاص السجود لله وإفراد الله بالعبادة بعدا مما دعوا إليه من ذلك فرارا

(9/403)


يقول تعالى ذكره : تقدس الرب الذي جعل في السماء بروجا و يعني بالبروج : القصور في قول بعضهم
ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن العلاء و محمد بن المثنى و سلم بن جنادة قالوا : ثنا عبد الله بن إدريس قال : سمعت أبي عن عطية بن سعد في قوله { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } قال : قصورا في السماء فيها الحرس
حدثنا محمد بن المثنى قال : ثني أبو معاوية قال : ثني إسماعيل عن يحيى بن رافع في قوله { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } قال : قصورا في السماء
حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام عن عمرو عن منصور عن إبراهيم { جعل في السماء بروجا } قال : قصورا في السماء
حدثني إسماعيل بن سيف قال : ثني علي بن مسهر عن إسماعيل عن أبي صالح في قوله { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } قال : قصورا في السماء فيها الحرس
وقال آخرون : هي النجوم الكبار
ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن المثنى قال : ثنا يعلى بن عبيد قال : ثنا إسماعيل عن أبي صالح { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } قال : النجوم الكبار
قال : ثنا الضحاك عن مخلد عن عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : الكواكب
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { بروجا } قال : البروج : النجوم
قال أبو جعفر : و أولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : هي قصور في السماء لأن ذلك في كلام العرب { ولو كنتم في بروج مشيدة } النساء : 78 وقول الأخطل :
( كأنها برج رومي يشيده ... بان بجص وآجر وأحجار )
يعني بالبرج : القصر
قوله { وجعل فيها سراجا } اختلف القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء المدينة وا لبصرة { وجعل فيها سراجا } على التوحيد ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس و هي السراج التي عنى عندهم بقوله { وجعل فيها سراجا }
كما حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } قال : السراج : الشمس
وقرأته عامة قراء الكوفيين وجعل فيه اسرجا على الجماع كأنهم وجهوا تأويله : وجعل فيها نجوما { وقمرا منيرا } وجعلوا النجو سرجا إذ كان يهتدى بها
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار لكل واحدة منهما وجه مفهوم فبأيتهم قرأ القارئ فمصيب
وقوله { وقمرا منيرا } يعني بالمنير : المضيء

(9/404)


اختلف أهل التأويل في تأويل قوله { جعل الليل والنهار خلفة } فقال بعضهم : معناه : أن الله جعل كل واحد منهما خلفا من الآخر في أن ما فات أحدهما من عمل يعمل فيه لله أدرك قضاؤه في الآخر
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد قال : ثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : فاتتني الصلاة الليلة فقال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { جعل الليل والنهار خلفة } قال : جعل أحدهما خلفا للآخر إن فات رجلا من النهار شيء أدركه من الليل و إن فاته من الليل أدركه من النهار
وقال آخرون : بل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا صاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { الليل والنهار خلفة } قال : أسود و أبيض
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
حدثنا أبو هاشم الرفاعي قال : ثنا يحيى بن اليمان قال : ثنا سفيان عن عمر بن قيس بن أبي مسلم الماصر عن مجاهد { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } قال : أسود و أبيض
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن كل واحد منهما يحلف صاحبه إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب هذا
ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا أبو أحمد الزبيري قال : ثنا قيس عن عمر بن قيس الماصر عن مجاهد قوله { جعل الليل والنهار خلفة } قال : هذا يخلف هذا وهذا يخلف هذا
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } قال : لو لم يجعلها خلفة لم يدر كيف يعمل لو كان الدهر ليلا كله كيف يدري أحد كيف يصوم أو كان الدهر نهارا كله كيف يدري أحد كيف يصلى قال : والخلفة : مختلفان يذهب هذا و يأتي هذا جعلهما الله خلفة للعباد و قرأ { لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } و الخلفة : مصدر فذلك وحدث وهي خبر عن الليل و النهار و العرب تقول : خلف هذا من كذا خلفة و ذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله كما قال الشاعر :
( ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا )
( خلفة حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جلق بيعا )
وكما قال زهير :
( بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم )
يعني بقوله : يمشين خلفة : تذهب منها طائفة و تخلف مكانها طائفة أخرى و قد يحتمل أن زهيرا أراد بقوله : خلفة : مختلفات الألوان و أنها ضروب في ألوانها وهيئاتها و يحتمل أن يكون أراد أنها تذهب في مشيها كذا و تجيء كذا
وقوله { لمن أراد أن يذكر } يقول تعالى ذكره : جعل الليل والنهار و خلوف كل واحد منهما الآخر حجة وآية لمن أراد أن يذكر أمر الله فينيب إلى الحق { أو أراد شكورا } أو أراد شكر نعمة الله التي أنعمها عليه في اختلاف الليل والنهار
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا روقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { أو أراد شكورا } قال : شكر نعمة ربه عليه فيهما
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قوله { لمن أراد أن يذكر } ذاك آية له { أو أراد شكورا } قال : شكر نعمة ربه عليه فيهما
واختلف القراء في قراءة قوله { يذكر } فقرأ ذلك عامة قراء المدينة و البصرة و بعض الكوفيين : { يذكر } مشددة بمعنى يتذكر و قرأه عامة قراء عامة قراء الكوفيين يذكر مخففة و قد يكون التشديد والتخفيف في مثل هذا بمعنى واحد يقال : ذكرت حاجة فلان و تذكرتها
والقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيهما

(9/405)


يقول تعالى ذكره { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } بالحلم و السكينة و الوقار غير مستكبرين ولا متجبرين ولا ساعين فيها بالفساد و معاصي الله
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل غير أنهم اختلفوا فقال بعضهم : عني بقوله { يمشون على الأرض هونا } أنهم يمشون عليها بالسكينة والوقار
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { الذين يمشون على الأرض هونا } قال : بالوقار و السكينة
قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا محمد بن أبي الوضاح عن عبد الكريم عن مجاهد { يمشون على الأرض هونا } قال : بالحلم و الوقار
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { يمشون على الأرض هونا } قال : بالوقار والسكينة
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
حدثنا الحسن قال : قال : أخبرنا عبد الرزاق عن الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { يمشون على الأرض هونا } بالوقار والسكينة
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال : ثنا شريك عن سالم عن سعيد و عبد الرحمن { الذين يمشون على الأرض هونا } قالا : بالسكينة والوقار
حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان عن شريك عن جابر عن عمار عن عكرمة في قوله { يمشون على الأرض هونا } قال : بالوقار والسكينة
قال : ثنا ابن يمان عن سفيان عن منصور عن مجاهد مثله
حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام عن أيوب عن عمرو الملائي { يمشون على الأرض هونا } قال : بالوقار والسكينة
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم يمشون عليها بالطاعة و التواضع
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا عبد الله ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { الذين يمشون على الأرض هونا } بالطاعة والعفاف والتواضع
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } قال : يمشون على الأرض بالطاعة
حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال : ثني عمي عبد الله بن وهب قال : كتب إلي إبراهيم بن سويد قال : سمعت زيد بن أسلم يقول : التمست تفسير هذه الآية { الذين يمشون على الأرض هونا } فلم أجدها عند أحد فأتيت في النوم فقيل لي : هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض
حدثنا أبو كريل قال : ثنا ابن يمان عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لا يفسدون في الأرض
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } قال : لا يتكبرون على الناس ولا يتجبرون ولا يفسدون وقرأ قول الله : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } القصص : 83
و قال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم يمشون عليها بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم
ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان عن أبي الأشهب عن الحسن في : { يمشون على الأرض هونا } قال : حلماء وإن جهل عليهم لم يجهلوا
حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا الحسين عن يزيد عن عكرمة { يمشون على الأرض هونا } قال : حلماء
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الحسن في قوله { يمشون على الأرض هونا } قال : علماء حلماء لا يجهلون
وقوله : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } يقول : وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول أجابوهم بالمعروف من القول و السداد من الخطاب
و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا أبو الأشهب عن الحسن { و إذا خاطبهم } الآية قال : حلماء و إن جهل عليهم لم يجهلوا
حدثنا ابن حميد قال : ثنا ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن في قوله : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } قال : إن المؤمنين قوم ذلل ذلك منهم والله الأسماع والأبصار و الجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم لأصحاء القلوب ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم و منعهم من الدنيا علمهم بالآخرة فقالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن والله ما حزنهم حزن الدنيا ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة أبكاهم الخنف من النار و إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات و من لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم و مشرب فقد قل علمه و حضر عذابه
حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } قال : سدادا
حدثنا ابن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال : ثنا محمد بن أبي الوضاح عن عبد الكريم عن مجاهد { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } قال : سدادا من القول
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } حلماء
قال : ثنا الحسين قال : ثنا يحيى بن يمان عن أبي الأشهب عن الحسن قال : حلماء لا يجهلون و إن جهل عليهم حلموا ولم يسفهوا هذا نهارهم فكيف ليلهم ؟ خير ليل صفوا أقدامهم و أجروا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله جل ثناؤه في فكاك رقابهم
قال : ثنا الحسين قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا عبادة عن الحسن قال : حلماء لا يجهلون وإن جهل عليهم حلموا

(9/407)


يقول تعالى ذكره : والذين يبيتون لربهم يصلون لله يراوحون بين سجود في صلاتهم و قيام و قوله { وقياما } جمع قائم كما الصيام جمع صائم

(9/409)


{ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم } يقول تعالى ذكره : والذين يدعون الله أن يصرف عنهم عقابه و عذابه حذرا منه ووجلا و قوله { إن عذابها كان غراما } يقول : إن عذاب جهنم كان غراما ملحا دائما لازما غير مفارق من عذب به من الكفار ومهلكا له ومنه قولهم : رجل مغرم من الغرم والدين ومنه قيل للغريم غريم لطلبه حقه و إلحاحه على صاحبه فيه ومنه قيل للرجل المولع للنساء : إنه لمغرم بالنساء وفلان مغرم بفلان : إذا لم يصبر عنه ومنه قول الأعشى :
( إن يعاقب يكن غراما و إن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي )
يقول : إن يعاقب يكن عقابه عقابا لازما لا يفارق صاحبه مهلكا له وقول بشر بن أبي خازم :
( يوم النسار ويوم الجفا ... ر كان عقابا وكان غراما )
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي بن الحسن اللاني قال : أخبرنا المعافى بن عمران الموصلي عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب في قوله { إن عذابها كان غراما } قال : إن الله سأل الكفار عن نعمه فلم يردوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار
قال : ثنا المعافى عن أبي الأشهب عن الحسن في قوله { إن عذابها كان غراما } قال : قد علموا أن كل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { إن عذابها كان غراما } قال : الغرام : الشر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج في قوله { إن عذابها كان غراما } قال : لا يفارقه

(9/409)


وقوله { إنها ساءت مستقرا ومقاما } يقول : إن جهنم ساءت مستقرا ومقاما يعني بالمستقر : القرار وبالمقام : الإقامة كأن معنى الكلام : ساءت جهنما منزلا ومقاما وإذا ضمت الميم من المقام فهو من الإقامة وإذا فتحت فهو من قمت و يقال : المقام إذا فتحت الميم أيضا هو المجلس ومن المقام بضم الميم بمعنى الإقامة قول سلامة بن جندل :
( يومان : يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويبا )
ومن المقام الذي بمعنى المجلس قول عباس بم مرداس :
( فأتي ما وأيك كان شرا ... فقيد إلى المقامة لا يراها )
يعني المجلس

(9/409)


يقول تعالى ذكره : والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها
ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي عناها الله في هذا الموضع وما الإسراف فيها والإقتار فقال تعضهم : الإسراف : ما كان من نفقة في معصية الله وإن قتب قال وإياها عنى الله و سماها إسرافا قالوا : والإقتار : المنع من حق الله
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا وكان بين ذلك قواما } قال : هم المؤمنون لا يسرفون فينفقون في معصية الله ولا يقترون فيمنعون حقوق الله تعالى
حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال : لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ما كان مسرفا ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان سرفا
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال قوله { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قال : في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهما واحدا ولم يقتروا ولم يقصروا عن النفقة في الحق
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } قال : لم يسرفوا فينفقوا في معاصي الله كل ما أنفق في معصية الله و إن قل فهو إسراف ولم يقتروا فيمسكوا عن طاعة الله قال : و ما أمسك عن طاعة الله و إن كثر فهو أقتار
قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني إبراهيم بن نشيط عن عمر مولى غفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو ؟ قال : كل شيء أنفقه في غير طاعة الله سرف
وقال آخرون : السرف : المجاوزة في النفقة الحد والإقتار : التقصير عن الذي لا بد منه
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثنا عبد السلام بن حرب عن مغيرة عن إبراهيم قوله { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قال : لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف
حدثني سليمان بن عبد الجبار قال : ثنا محمد بن يزيد بن خنيس أبو عبد الله المخزومي المكي قال : سمعت وهيب بن الورد أبي الورد مولى بن مخزوم قال : لقي عالم عالما هو فوقه في العلم فقال : يرحمك الله أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه ما هو ؟ قال : هو ما سترك من الشمس و أكنك من المطر قال : يرحمك الله فأخبرني عن هذا الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه ما هو ؟ قال : ما سد الجوع ودون الشبع قال : يرحمك الله فأخبرني عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ما هو ؟ قال : ما سترك عورتك وأدفأك من البرد
حدثني يونس قال : أخبرني ابن وهب قال : أخبرني عبد الرحمن بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية { والذين إذا أنفقوا } الآية قال : كانوا لا يلبسون ثوبا للجمال ولا يأكلون طعاما للذة ولكن كانوا يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم و يكتنون به من الحر والقر ويريدون من الطعام ما سد عنهم الجوع وقواهم على عبادة ربهم
حدثنا ابن بشار قال : ثنا مسلم بن إبراهيم قال : ثنا كعب بن فروخ قال : ثنا قتادة عن مطرف بن عبد الله قال : خير هذه الأمور و أوسطها و الحسنة بين السيئتين فقلت لقتادة : ما الحسنة بين السيئتين ؟ فقال { الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } الآية
وقال آخرون : الإسراف : هو أن تأكل مال غيرك بغير حق
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا سالم بن سعيد عن أبي معدان قال : كنت عند عون بن عبد الله بن عتبة فقال : ليس المسرف من يأكل ماله إنما المسرف من يأكل مال غيره
قال : أبو جعفر والصواب من القول في ذلك قول من قال : الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع : ما جاوز الحد الذي أباحة الله لعباده إلى ما فوقه و الإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم
فإن قال قائل : فهل لذلك من حد معروف تبينه لنا ؟ قيل : نعم ذلك مفهوم في كل شيء من المطاعم والمشارب و الملابس و الصدقة و أعمال البر و غير ذلك نكره تطويل الكتاب بذكر كل نوع من ذلك مفصلا غير أن جملة ذلك هة ما بينا و ذلك نحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه و ينهك قواه و يشغله عن طاعة ربه و أداء فرائضه فذلك من السرف و أن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه و ينهك قواه و يضعفه عن أداء فرائض ربه فذلك من الإقتار و بين ذلك القوام على هذا النحو كل ما جانس ما ذكرنا فأما اتخاذ الثوب للجمال يلبسه عند اجتماعه من الناس و حضوره المحافل و الجمع و الأعياد دون ثوب مهنته أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه مما ارتفع عما قد يسد الجوع مما هو دونه من الأغذية غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته فذلك خارج عن معنى الإسراف بل ذلك من القوام لأن النبي صلى الله عليه و سلم قد أمر ببعض ذلك و حض على بعضه كقوله ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين : ثوبا لمهنته وثوبا لجمعته و عيده و كقوله إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن يرى أثره عليه و ما أشبه ذلك من الأخبار التي قد بيناها في مواضعها
و أما قوله { وكان بين ذلك قواما } فإنه النفقة بالعدل والمعروف على ما قد بينا
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار ثنا أبو عاصم قال : ثنا سفيان عن أبي سليمان عن وهب بن منبه في قوله { وكان بين ذلك قواما } قال : الشطر من أموالهم
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قوله { وكان بين ذلك قواما } النفقة بالحق
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { وكان بين ذلك قواما } قال : القوام : أن ينفقوا في طاعة الله و يمسكوا عن محارم الله
قال : أخبرني إبراهيم بن نشيط عن عمر مولى غفرة قال : قلت له : ما القوام ؟ قال : القوام : أن لا ينفق في غير حق ولا تمسك عن حق هو عليك والقوام في كلام العرب بفتح القاف و هو الشيء بين الشيئين تقول للمرأة المعتدلة الخلق : إنها لحسنة القوام في اعتدالها كما قال الحطيئة :
( طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنة من قوام ما ومنتقبا )
فأما إذا كسرت القاف فقلت : إنه قوام أهله فإنه يعني به : أن به يقوم أمرهم و شأنهم وفيه لغات أخر يقال منه : هو قيام أهله و قيمهم في معنى قوامهم فمعنى قوامهم فمعنى الكلام : وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلا ولا مجاوزة عن حد الله ولا تقصيرا عما فرضه الله ولكن عدلا بين ذلك على ما أباحة جل ثناؤه وأذن فيه و رخص
و اختلف القراء في قراءة قوله { ولم يقتروا } فقرأته عامة قراء المدينة ولم يقتروا بضم الياء و كسر التاء من أقتر يقتر و قرأته عامة قراء الكوفيين { ولم يقتروا } بفتح الياء وضم التاء من قتر يقتر و قرأته عامة قراء البصرة ولم يقتروا بفتح الياء وكسر التاء من قتر يقتر
والصواب من القول في ذلك أن كل هذه القراءات على اختلاف ألفاظها لغات مشهورات في العرب و قراءات مستفيضات في قراء الأمصار بمعنى واحد فبأيتها قرأ القارئ فمصيب
وقد بينا معنى الإسراف و الإقتار بشواهدهما فيما مضى في كتابنا في كلام العرب فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع و في نصب القوام وجهان : أحدهما ما ذكرت هو أن يجعل في كان اسم الإنفاق بمعنى : و كان إنفاقهم ما أنفقوا بين ذلك قواما : أي عدلا و الآخر أن يجعل بين هو الاسم فتكون و إن كانت في اللفظة نصبا في معنى رفع كما دون هذا لك كافيا يعني به : أقل من هذا كان لك كافيا فكذلك يكون في قوله { وكان بين ذلك قواما } لأن معناه : و كان الوسط من ذلك قواما

(9/410)


يقول تعالى ذكره : والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر فيشركون في عبادتهم إياه و لكنهم يخلصون له العبادة و يفردونه بالطاعة { ولا يقتلون النفس التي حرم الله } قتلها { إلا بالحق } إما بكفر بالله بعد إسلامها أو زنا بعد إحصانها أو قتل نفس فتقتل بها { ولا يزنون } فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانهم من الفروج { ومن يفعل ذلك } يقول : و من يأت هذه الأفعال فدعا مع الله إلها آخر و قتل النفس التي حرم الله بغير الحق وزنى { يلق أثاما } يقول : يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا كما وصفه ربنا جل ثناؤه وهو أنه { يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا } و من الأثام قول بلعاء بن قيس الكناني :
( جزى الله ابن غروة حيث أمسى ... عقوقا و العقوق له أثام )
يعني بالأثام : العقاب
و قد ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم من أجل قوم من المشركين أرادوا الدخول في الإسلام ممن كان منه في شركه هذه الذنوب فخافوا أن لا ينفعهم مع ما سلف منهم من ذلك إسلام فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك فأنزل الله تبارك و تعالى هذه الآية يعلمهم أن اله قابل توبه من تاب منهم
ذكر الرواية بذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : ثني يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه و سلم فقالوا : إن الذي تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ونزلت { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } الزمر : 53 إلى قوله { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } الزمر : 55 قال ابن جريج : وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء
حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي قال : ثنا سفيان عن أبي معاوية عن أبي عمرو الشيباني [ عن عبد الله قال : سألت النبي صلى الله عليه و سلم : ما الكبائر ؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك و أن تزني بحليلة جارك و قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم من كتاب الله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ]
حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو عامر قال : ثنا سفيان عن الأعمش و منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل [ عن عبد الله قال : قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت : ثم أي ؟ قال : ثم أن تزاني حليلة جارك فأنزل تصديق قول النبي صلى الله عليه و سلم { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ] الآية
حدثنا سليمان بن عبد الجبار قال : ثنا علي بن قادم قال : ثنا أسباط بن نصر الهمداني عن منصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال : ثني عمي يحيى بن عيسى عن الأعمش عن سفيان عن عبد الله قال : [ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله أي الذنب أكبر ؟ ] ثم ذكر نحوه
حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : ثنا عامر بن مدرك قال : ثنا السري يعني ابن إسماعيل قال : ثنا الشعبي عن مسروق قال : [ قال عبد الله : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم فاتبعته فجلس على نشز من الأرض و قعدت أسفل منه ووجهي حيال ركبتيه فاغتنمت خلوته و قلت : بأبي و أمي يا رسول الله أي الذنوب أكبر ؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك قلت : ثم مه ؟ قال : - أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك قلت : ثم مه ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك ثم تلا هذه الآية { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ] إلى آخر الآية
حدثنا أبو كريب قال : ثنا طلق بن غنام عن زائدة عن منصور قال : ثني سعيد بن جبير أو حدثت عن سعيد بن جبير أن عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } النساء : 93 قال ابن عباس : إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه و أمره ثم قتل مؤمنا متعمدا فلا توبة له والتي في الفرقان لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق فما ينفعنا الإسلام ؟ فنزلت { إلا من تاب } قال : فمن تاب منهم قبل منه
حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير عن منصور قال : ثني سعيد بن جبير أو قال : حدثني الحكم عن سعيد بن جبير قال : أمرني ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما عن الآية التي في الفرقان { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله } الآية و التي في النساء { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } النساء : 93 فسألت ابن عباس عن ذلك فقال : لما أنزل اله التي في الفرقان قال مشركو أهل مكة : قد قتلنا النفس التي حرم الله و دعونا مع الله إلها آخر فقال { إلا من تاب وآمن و عمل عملا صالحا } الآية فهذه لأولئك وأما التي في النساء { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } النساء : 93 الآية فإن الرجل إذا عرف الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم فلا توبة له فذكرته لمجاهد فقال : إلا من ندم
حدثنا محمد بن عوف الطائي قال : ثنا أحمد بن خالد الدهني قال : ثنا شيبان عن منصور بن المعتمر قال : ثني سعيد بن جبير قال لي سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى : سل ابن عباس عن هاتين الآيتين عن قول الله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } إلى { من تاب } و عن قوله { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } النساء : 93 إلى آخر الآية قال : فسألت عنها ابن عباس فقال : أنزلت هذه الآية في الفرقان بمكة إلى قوله { ويخلد فيه مهانا } فقال المشركون : فما يغني عنا الإسلام و قد عدلنا بالله و قتلنا النفس التي حرم الله و أتينا ابلفواحش قال : فأنزل الله { إلا من تاب و آمن و عمل عملا صالحا } إلى آخر الآية قال : وأما من دخل في الإسلام و عقله ثم قتل فلا توبة له
حدثنا ابن بشار قال : ثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : هذه الآية { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } الآية قال : نزلت في أهل الشرك
حدثنا ابن المثني قال : ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة عن منصور عن سعيد بن جبير قال : أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هذه الآية { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } فذكر نحوه
حدثني عبد الكريم بن عمير قال : ثنا إبراهيم بن المنذر قال : ثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان مولى لبني الديل من أهل المدينة عن فليح الشماس عن عبيد بن أبي عبيد [ عن أبي هريرة قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم العتمة ثم انصرفت فإذا امرأة عند بابي ثم سلمت ففتحت ودخلت فبينا أنا في مسجدي أصلي إذا نقرت الباب فأذنت لها فدخلت فقالت : إني جئتك أسألك عن عمل عملت هل لي من توبة ؟ فقالت : إني زينت وولدت فقتلته فقلت : لا ولا نعمت العين ولا كرامة فقامت وهي وتدعو بالحسرة تقول : يا حسرتاه أخلق هذا الحسن للنار ؟ قال : ثم صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ما لك يا أبا هريرة ألك حاجة ؟ فقلت له : يا رسول الله صليت معك البارحة ثم انصرفت و قصصت عليه ما قالت المرأة فقال النبي صلى الله عليه و سلم : بئس ما قلت أما كنا تقرأ هذه الآية { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } الآية { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } فقال أبو هريرة : فخرجت فلم أترك بالمدينة حصانا ولا دارا إلا وقفت عليها فقلت : إن تكن فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة الليلة فلتأتي و لتبشر فلما صليت مع النبي صلى الله عليه و سلم العشاء فإذا هي عند بابي فقلت : أبشري فإني دخلت على النبي فذكرت له ما قلت لي وما قلت لك فقال : بئس ما قلت لها أما كنت تقرأ هذه الآية ؟ فقرأتها عليها فخرت ساجدة فقالت : الحمد لله الذي جعل مخرجا وتوبة مما عملت إن هذه الجارية وابنها حران لوجه الله و إني قد تبت مما عملت ]
حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال : اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من القرآن إلا سألته عنه ورسولي يختلف إلى عائشة فما سمعته ولا سمعت أحدا من العلماء يقول إن الله يقول لذنب لا أغفره
وقال آخرون : هذه الآية منسوخة بالتي في النساء
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني المغيرة بن عبد الرحمن الحراني عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد أنه دخل على أبيه وعنده من أهل العراق وهو يسأله عن هذه الآية التي في تبارك الفرقان والتي في النساء { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } النساء : 93 فقال زيد بن ثابت : قد عرفت اغلناسخة من المنسوخة نسختها التي في النساء بعدها بستة أشهر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : قال الضحاك بن مزاحم : هذه السورة بينها وبين النساء { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } النساء : 93 ثمان حج
وقال ابن جريج : وأخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير : هل لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟ فقال : لا فقرأ عليه هذه الآية كلها فقال سعيد بن جبير : قرأتها على ابن عباس كما قرأتها علي فقال : هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء وقد أتينا على البيان عن الصواب في من القول في هذه الآية التي في سورة النساء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع
وبنحو الذي قلنا في الأثام من القول قال أهل التأويل إلا أنهم قالوا : ذلك عقاب يعاقب الله به من أتى هذه الكبائر بواد في جهنم يدعى أثاما
ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن المقدام قال : ثنا المعتمر بن سليمان قال : سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي أيوب الأزهري عن عبد الله بن عمرو قال : الأثام : واد في جهنم
حدثنا محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله { يلق أثاما } قال : واديا في جهنم
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا الحسين عن يزيد عن عكرمة في قوله { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } قال : واديا في جهنم فيه الزناة
حدثني العباس بن أبي طالب قال : ثنا محمد بن زياد قال : ثنا شرقي بن قطامي [ عن لقمان بن عامر الخزاعي قال : جئت أبا أمامة صدي بن عدلان الباهلي فقلت : حدثني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : فدعا لي بطعام ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لو أن صخرة زنة عشر عشراوات قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا ثم تنتهي إلى غي وأثام قلت : وما غي وأثام ؟ قال : بئان في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار وهما اللذان ذكر الله في كتابه { أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } ] مريم : 59 وقوله في الفرقان ( ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما )
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { يلق أثاما } قال : الأثام الشر وقال : سيكفيك ما وراء ذلك : { يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا }
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { يلق أثاما } قال : نكالا وقال : إنه واد في جهنم
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن هشيم قال : أخبرنا زكريا بن أبي مريم قال : سمعت أبا أمامة الباهلي يقول : إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا بحجر يهوي فيها أو بصخرة تهوي عظمها كعشر عشراوات سمان فقال له رجل : فهل تحت ذلك من شيء ؟ قال : نعم غي وأثام
وقوله { يضاعف له العذاب يوم القيامة } اختلفت القراء في قراءته فقرأته عامة الأمصار سوى عاصم { يضاعف } جزما { ويخلد } جزما وقرأه عاصم : يضاعف رفعا ويخلد رفعا كلاهما على الابتداء وأن الكلام عنده قد تناهى عند { يلق أثاما } ثم ابتدأ قوله يضاعف له العذاب
والصواب من القراءة عندنا فيه : جزم الحرفين كليهما : يضاعف ويخلد وذلك أنه تفسير للأثام لا فعل له ولو كان فعلا له كان الوجه فيه الرفع كما قال الشاعر :
( متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد )
فرفع تعشو لأنه فعل لقوله تأته معناه : متى تأته عاشيا
وقوله { يخلد فيه مهانا } ويبقى فيه إلى ما لا نهاية في هوان وقوله { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } يقول تعالى ذكره : ومن يفعل هذه الأفعال التي ذكرها جل ثناؤه يلق أثاما { إلا من تاب } يقول : إلا من راجع طاعة الله تبارك وتعالى بتركه ذلك وإنابته إلى ما يرضاه الله { وآمن } يقول : وصدق بما جاء به محمد نبي الله { وعمل عملا صالحا } يقول : وعلم بما أمره الله من الأعمال وانتهى عما نهاه الله عنه
قوله { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } اختلف أهل التأويل في تاويل ذلك فقال بعضهم : معناه : فأولئك يبد الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيمانا ويقبل أهل الشرك بالله قبل أهل الإيمان به وبالزنا عفة وإحصانا
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قول { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : هم المؤمنون كانةا قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات وأبدلهم مكان السيئات حسنات
حدثنا محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا } قال : هم الذين يتوبون فيعملون بالطاعة فيبدل الله سيئاتهم حسنات حين يتوبون
حدثنا ابن حميد قال : ثنا يعقوب عن سعيد قال : نزلت { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } في وحشي وأصحابه قال : كيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين ونكحنا المشركات ؟ فأنزل الله فيهم { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله وأبدلهم بقتالهم مع المشركين قتالا مع المسلمين للمشركين وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج قال : قال ابن جريج قال ابن عباس في قوله { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : بالشرك إيمانا وبالقتل إمساكا وبالزنا إحصانا
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } وهذه الآية مكية نزلت بمكة { ومن يفعل ذلك } يعني : الشرك والقتل والزنا جميعا لما أنزل الله هذه الآية قال المشركون من أهل مكة : يزعم محمد أن من أشرك وقتل وزنى فله النار وليس له عند اله خير فأنزل الله { إلا من تاب } من المشركين من أهل مكة { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } يقول : يبدل الله مكان الشرك والقتل والزنا : الإيمان بالله والدخول في الإسلام وهو التبديل في الدنيا وأنزل الله في ذلك { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } الزمر : 53 يعنيهم بذلك { لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } الزمر : 53 يعني ما كان في الشرك يقول الله لهم : أنيبوا إلى ربكم وأسلموا له يدعوهم إلى الإسلام فهاتان الآيتان مكيتان والتي في النساء ( و من يقتل مؤمنا متعمدا ) النساء : 93 الآية هذه مدنية نزلت بالمدينة و بينها وبين التي نزلت في الفرقان ثمان سنين وهي مبهمة ليس منها مخرج
حدثنا ابن حميد قال : ثنا أبو تميلة قال : ثنا أبو حمزة عن جابر عن مجاهد قال : سئل ابن عباس عن قول الله جل ثناؤه { يبدل الله سيئاتهم حسنات } فقال :
( بدلن بعد حره خريفا ... وبعد طول النفس الوجيفا )
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } إلى قوله { يخلد فيه مهانا } فقال المشركون : ولا والله ما كان هؤلاء الذين مع محمد إلا معنا قال : فأنزل الله { إلا من تاب وآمن } قال : تاب من الشرك قال : وآمن بعقاب الله ورسوله { وعمل عملا صالحا } قال : صدق { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : يبدل الله أعمالهم السيئة التي كانت في الشرك بالأعمال الصالحة حين دخلوا في الإيمان
وقال آخرون : بل معنى ذلك فأولئك يبدل الله سيئاتهم في الدنيا حسنات لهم يوم القيامة
ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن عمرو البصري قال : ثنا قريش بن أنس أبو أنس قال : ثني صالح بن رستم عن عطاء الخرساني عن سعيد بن المسيب { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : تصير سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة
حدثنا الحسن بن عرفة قال : ثنا محمد بن حازم أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد [ عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار وآخر أهل النار دخولا الجنة قال : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال : نحوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها قال : فيقال له : عملت كذا وكذا و عملت كذا وكذا قال : فيقول : يا رب لقد عملت أشياء ما أراها ها هنا قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى بدت نواجذه قال : فيقال له : لك مكان كل سيئة حسنة ]
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأيول من تأوله : فأولئك يبدل الله سيئاتهم أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال إلى ما يرضى
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح و غير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه إلا بتغييلاها عما كانت عليه من صفتها في حال أخرى فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام و معاصيه كلها بأعيانها طاعة و ذلك مالا يقوله حجا
وقوله { وكان الله غفورا رحيما } يقول تعالى ذكره : وكان الله ذا عفو عن ذنوب من تاب من عباده وراجع طاعته و ذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها قوله { و من تاب } يقول : و من تاب من المشركين فآمن بالله ورسوله { و عمل صالحا } يقول : وعمل بما أمره الله فأطاعه فإن الله فاعل به من إبداله سيء أعماله في الشرك بحسنها في الإسلام مثل الذي فعل من ذلك بمن تاب وآمن وعمل صالحا قبل نزول هذه الآية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم
و بنحو الذي قلنا في تأويل قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } قال : هذا للمشركين الذين قالوا لما أنزلت { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } إلى قوله { وكان الله غفورا رحيما } لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما كان هؤلاء إلا معنا قال { ومن تاب وعمل صالحا } فإن لهم مثل ما لهؤلاء { فإنه يتوب إلى الله متابا } لم تحظر التوبة عليكم

(9/414)


القول في تأويل قوله تعالى : { يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا }

(9/413)


القول في تأويل قوله تعالى : { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما }

(9/414)


القول في تأويل قوله تعالى : { و من تاب و عمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا }

(9/414)


اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه فقال بعضهم : معناه الشرك بالله
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو عامر قال : ثنا سفيان عن جويبر عن الضحاك في قوله : { لا يشهدون الزور } قال : الشرك
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { والذين لا يشهدون الزور } قال : هؤلاء المهاجرون قال : والزور قولهم لآلهتهم وتعظيمهم إياها
وقال آخرون : بل عني به الغناء
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي بن عبد الأعلى المحربي قال : ثنا محمد بن مروان عن ليث عن مجاهد في قوله { والذين لا يشهدون الزور } قال : لا يسمعون الغناء
وقال آخرون : هو قول الكذب
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قوله : { والذين لا يشهدون الزور } قال : الكذب
قال أبو جعفر : وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه او يراه أنه خلاف ما هو به والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله حتى قد ظنوا أنه حق وهو باطل ويدخل فيه الغناء لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه حتى يظن صاحبه أنه حق فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور
فإذا كان ذلك كذلك فأولى الأقوال بالصواب في تأويله : أن يقال : والذين لا يشهدون شيئا من الباطل لا شركا ولا غناء ولا كذبا ولا غيره وكل ما لزمه اسم الزور لأن الله عم في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل
وقوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } اختلف أهل التأويل في معنى اللغو بالذي ذكر في هذا الموضع فقال بعضهم : معناه : ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين ويكلمونهم به من الأذى ومرورهم به كراما : إعراضهم عنهم وصفحهم
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : صفحوا
حدثنا القاسم قال : 4نا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : إذا أوذوا مروا كراما قال : صفحوا
وقال آخرون : بل معناه : وإذا مروا بذكر النكاح كفوا عنه
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا العوام بن حوشب عن مجاهد { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : إذا ذكروا النكاح كفوا عنه
حدثني الحارث قال : ثنا الأشيب قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا العوام بن حوشب عن مجاهد { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : كانوا إذا أتو على ذكر النكاح كفوا عنه
حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا المعتمر عن أبي مخزوم عن سيار { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : إذا مروا بالرفت كفوا
وقال آخرون : إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : هؤلاء المهاجرون واللغو ما كانوا فيه من الباطل يعني المشركين وقرأ { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } الحج : 30
وقال آخرون : عني باللغو ههنا : المعاصي كلها
ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن الحسن في قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : اللغو كله : المعاصي
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إن الله أخبر عن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم بأنهم إذا مروا باللغو مروا كراما واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل أو ما يستقبح فسب الإنسان الإنسان بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو وذكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن فهو من اللغو وكذلك تعظيم المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين فكل ذلك يدخل في معنى اللغو فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو أن يقال : : عني به بعض ذلك دون بعض إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خير أو عقل فإذا كان ذلك فتأويل الكلام : وإذا مروا بالباطل فسمعوه أو رأوه مروا كراما مرورهم كراما في بعض ذلك بأن لا يسمعوه وذلك كالغناء وفي بعض ذلك : بأن يعرضوا عنه ويصفحوا وذلك إذا أوذوا بإسماع القبيح من القول وفي بعضه : بأن ينهوا عن ذلك وذلك بأن يروا من المنكر ما يغير بالقول فيغيروه بالقول وفي بعضه بأن يضاربوا عليه بالسيوف وذلك بأن يروا قوما يقطعون الطريق على قوم فيستصرخهم المراد ذلك منهم فيصرخونهم وكل ذلك مرورهم كراما
وقد حدثني ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال : [ مر ابن مسعود بلهو مسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أصبح ابن مسعود لكريما ]
وقيل : إن هذه الآية مكية
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان قال : سمعت السدي يقول : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } قال : هي مكية وإنما عنى السدي بقوله هذا إن شاء الله أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين بقتال المشركين بقوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } التوبة : 5 وأمرهم إذا مروا باللغو الذي هو شرك أن يقاتلوا أمراءه وإذا مروا باللغو الذي هو معصية لله أن يغيروه ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة وهذا القول نظير تاويلنا الذي تأولناه في ذلك

(9/420)


يقول تعالى ذكره : والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج الله لم يكونوا صما لا يسمعون وعميا لا يبصرونها ولكنهم يقاظ القلوب فهماء العقول يفهمون عن الله ما يذكرهم به ويفهمون عنه ما ينبههم عليه فيوعون مواعظه آذانا سمعته وقلوبا وعته
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذكل :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله { لم يخروا عليها صما وعميانا } فلا يسمعون ولا يبصرون ولا يفقهون حقا
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قوله : { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } قال : لا يفقهون ولا يسمعون ولا يبصرون
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية عن ابن عون قال : قلت للشعبي : رأيت قوما قد سجدوا ولم أعلم ما سجدوا منه أسجد قال : { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا }
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } قال : هذا مثل ضربه الله لهم لم يدعوها إلى غيرها وقرأ قول الله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } الأنفال : 2
فإن قال قائل : وما معنى قوله : { لم يخروا عليها صما وعميانا } أو يخر الكافرون صما وعميانا إذا ذكروا بىيات الله فينفي عن هؤلاء ما هو صفة للكفار ؟ قيل : نعم الكافر إذا تليت عليه آيات الله خر عليها أصم وأعمى وخره عليها كذلك إقامته على الكفر وذلك نظير قول العرب : سببت فلانا فقام يبكي بمعنى فظل يبكي ولا قيام هنالك ولعله أن يكون بكى قاعدا وكما يقال : نهيت فلانا عن كذا فقعد يشتمني ومعنى ذلك : فجعل يشتمني وظل يشتمني ولا قعود هنالك ولكن ذلك قد جرى على ألسن العرب حتى قد فهموا معناه وذكر الفراء أنه سمع العرب تقول : قعد يشتمني كقولك : قام يشتمني وأقبل يشتمني قال : وأنشد بعض بني عامر :
( لا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب )
( من دون أن تلتقي الأركاب ... ويقعد الأير له لعاب )
بمعنى : يصير فكذلك قوله : { لم يخروا عليها صما وعميانا } إنما معناه : لم يصموا عنها ولا عموا عنها ولم يصيروا على باب ربهم صما وعميانا كما قال الراجز :
ويقعد الهن له لعاب
بمعنى : ويصير

(9/422)


يقول تعالى ذكره : والذين يرغبون إلى الله في دعائهم ومسألتهم بأن يقولوا : { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا } ما تقر به أعيننا من أن تريناهم يعملون بطاعتك
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله { هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } يعنون : من يعمل لك بالطاعة فتقر بهم أعيننا في الدنيا والآخرة
حدثني أحمد بن المقدام قال : ثنا حزم قال : سمعت كثيرا سأل الحسن قال : يا أبا سعيد قول الله : { هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } في الدنيا والآخرة ؟ قال : لا بل في الدنيا قال : وما ذاك ؟ قال : المؤمن يرى زوجته وولده يطيعون الله
حدثنا الفضل بن إسحاق قال : ثنا سالم بن قتيبة قال : ثنا حزم قال : سمعت الحسن فذكر نحوه
حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : قرأ حضرمي { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : وإنما قرة أعينهم أن يروهم يعملون بطاعة الله
حدثنا ابن حميد قال : ثنا ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرأنا عليه في قوله : { هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : يعبدونك فيحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج قال : قال ابن جريج قوله : { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : يعبدونك يحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام
حدثنا محمد بن عون قال : ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش قال : ثني أبي عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال : جلسنا إلى المقداد بن الأسود فقال : لقد بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم على أشد حالة بعث عليها نبي من الأنبياء في فترة الجاهلية ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده حتى إن كان الرجل ليرى ولده ووالده وأخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه بالإسلام فيعلم أنه إن مات دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار وإنها للتي قال الله : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين }
حدثني ابن عون قال : ثني علي بن الحسن العسقلاني عن عبدالله بن المبارك عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن المقداد نحوه
وقيل : هب لنا قرة أعين وقد ذكر الأزواج والذريات وهم جمع وقوله : { قرة أعين } واحدة لأن قوله : قرة أعين : مصدر من قول القائل : قرت عينك قرت عينك قرة والمصدر لا تكاد العرب تجمعه
وقوله : { واجعلنا للمتقين إماما } اختلف أهل التأويل في تأويله فقال بعضهم : معناه : اجعلنا أئمة يقتدي بنا من بعدنا
ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل قال : ثني عون بن سلام قال : أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله : { واجعلنا للمتقين إماما } يقول : أئمة يقتدى بنا
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : { واجعلنا للمتقين إماما } أئمة التقوى ولأهله يقتدى بنا قال ابن زيد : كما قال لإبراهيم { إني جاعلك للناس إماما } البقرة : 124
وقال آخرون : بل معناه : واجعلنا للمتقين إماما : نأتم بهم ويأتم بنا من بعدنا
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار قال : ثنا مؤمل قال : ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : { واجعلنا للمتقين إماما } قال : أئمة نقتدي بمن قبلنا ونكون أئمة لمن بعدنا
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { واجعلنا للمتقين إماما } قال : اجعلنا مؤتمين بهم مقتدين بهم
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : واجعلنا للمتقين الذين يتقون معاصيك ويخافون عقابك إماما يأتمون بنا في الخيرات لأنهم إنما سألوا ربهم أن يجعلهم للمتقين أئمة ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إماما وقال : { واجعلنا للمتقين إماما } ولم يقل أئمة وقد قالوا : واجعلنا وهم جماعة لأن الإمام مصدر من قول القائل : أم فلان فلانا إماما كما يقال : قام فلان قياما وصام يوم كذا صياما ومن جمع الإمام أئمة جعل الإمام اسما كما يقال : أصحاب محمد إمام وأئمة للناس فمن وحد قال : يأتم بهم الناس وهذا القول الذي قلناه في ذلك قول بعض نحويي أهل الكوفة وقال بعض أهل البصرة من أهل العربية : الإمام في قوله : { للمتقين إماما } جماعة كما تقول : كلهم عدول قال : ويكون على الحكاية كما يقول القائل إذا قيل له من أميركم : هؤلاء أميرنا واستشهد لذلك بقول الشاعر :
( يا عاذلاني لا تردن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير )

(9/424)


يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي وذلك من ابتداء قوله : { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا } إلى قوله : { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا } الآية { يجزون } يقول : يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا { الغرفة } وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة { بما صبروا } يقول : بصبرهم على هذه الأفعال ومقاساة شدتها وقوله : { ويلقون فيها تحية وسلاما } اختلفت القراء في قراءته عامة قراء أهل المدينة والبصرة { ويلقون } مضمومة الياء مشددة القاف بمعنى : وتتلقاهم الملائكة فيه بالتحية وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة : ويلقون بفتح الياء وتخفيف القاف
والصواب في من القول في ذلك : أن يقال إنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار بمعنى واحد فبأيتهما قرا القارئ فمصيب غير أن أعدب القراءتين إلي أن أقرأ بها ويلقون فيها بفتح الياء وتخفيف القاف لأن العرب إذا قالت ذلك بالتشديد قالت فلان يتلقى بالسلام وبالخير ونحن نتلقاهم بالسلام قرنته بالياء وقلما تقول : فلان يلقى السلام فكان وجه الكلام لو كان بالتشديد أن يقال : ويتلقون فيها بالتحية والسلام
وإنما اخترنا القراءة بذلك كما نجيز : أخذت بالخطام وأخذت الخطام
وقد بينا معنى التحية والسلام فيما مضى قبل فأغنى عن إعادته في هذا الموضع

(9/426)


يقول تعالى ذكره : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا خالدين في الغرفة يعني أنهم ماكثون فيها لابثون إلى غير أمد حسنت تلك الغرفة قرارا لهم ومقاما يقول : وإقامة وقوله : { قل ما يعبأ بكم ربي } يقول جل ثناؤه لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم : أي شيء يعدكم وأي شيء يصنع بكم ربي يقال منه : عبأت به أعبأ عبئا وعبأت الطيب أعبؤه : إذا هيأته كما قال الشاعر :
( كأن بنحره وبمنكبيه ... عبيرا بات يعبؤه عروس )
يقول : يهيئه ويعمله يعبؤه عبا وعبوءا ومنه قولهم : عبأت الجيش بالتشديد والتخفيف فأنا أعبئه : أهيئه والعبء : الثقل
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { قل ما يعبأ بكم ربي } يصنع لولا دعاؤكم
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { قل ما يعبأ بكم ربي } قال : يعبأ : يفعل
وقوله : { لولا دعاؤكم } يقول : لولا عبادة من بعبده منكم وطاعة من يطيعه منكم
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله : { ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } يقول : لولا إيمانكم وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين
وحدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله : { لولا دعاؤكم } قال : لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه
وقوله : { فقد كذبتم } يقول تعالى ذكره لمشركي قريش قوم رسول الله صلى الله عليه و سلم : فقد كذبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به لو تمسكتم به كان يعبأ بكم ربي فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم وخلافكم أمر بارئكم عذابا لكم ملازما قتلا بالسيوف وهلاكا لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا كما قال ابو ذؤيب الهذلي :
( ففاجأه بعادية لزام ... كما يتفجر الحوض اللقيف )
يعين باللزام : الكبير الذي يتبع بعضه بعضا وبالقيف : المتساقط الحجارة المتهدم ففعل الله ذلك بهم وصدقوهم وعده وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه وألحق بعضهم ببعض فكان ذلك العذاب اللزام
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة قال : أخبرني مولى لشقيق بن ثور أنه سمع سلمان أبا عبد الله قال : صليت مع ابن الزبير فسمعته يقرأ : فقد كذب الكافرون
حدثنا ابن المثنى قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : ثنا سعيد بن أدهم السدوسي قال : ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة عن عبد المجيد قال : سمعت مسلم بن عمار قال : سمعت ابن عباس يقرأ هذا الحرف : فقد كذب الكافرون { فسوف يكون لزاما }
حدثنا محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } يقول : كذب الكافرون أعداء الله
حدثنا ابن المثنى قال : ثنا عبد الأعلى قال : ثنا دواد عن عامر عن ابن مسعود قال : فسوف يلقون لزاما يوم بدر
حدثني أبو السائب قال : ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال : قال عبد الرحمن : خمس قد مضين : الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة قوله : { فسوف يكون لزاما } قال أبي بن كعب : هو القتل يوم بدر
حدثنا ابن حميد قال : ثما سلمة عن عمرو عن مغيرة عن إبراهيم قال : اللزام : يوم بدر
حدثني يعقوب بن إبراهيم قال : ثنا ابن علية عن ليث عن مجاهد : { فسوف يكون لزاما } قال : هو يوم بدر
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : { فسوف يكون لزاما } قال : يوم بدر
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
قال : ثنا الحسين قال : ثنا أبو سفيان عن معمر عن منصور عن سفيان عن ابن مسعود قال : اللزام : القتل يوم بدر
حدثت عن الحسين سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } الكار كذبوا رسول الله صلى الله عليه و سلم وبما جاء به من عند الله فسوف يكون لزاما وهو يوم بدر
حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن عبدالله قال : قد مضى اللزام كان اللزام يوم بدر أسروا سبعين وقتلوا سبعين
وقال آخرون : معنى اللزام : القتال
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { فسوف يكون لزاما } قال : فسوف يكون قتالا اللزام : القتال
وقال آخرون : اللزام : الموت
ذكر من قال ذلك
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس { فسوف يكون لزاما } قال : موتا
وقال بعض أهل العلم بكلام العرب : معنى ذلك : فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما علم من خير أو شر
وقد بينا الصواب من القول في ذلك وللنصب في اللزام وجه آخر غير الذي قلناه وهو أن يكون في قوله : { يكون } مجهول ثم ينصب اللزام على الخبر كما قيل :
( إذا كان طعنا بينهم وقتالا )
وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم يقول في تأويل ذلك : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد وهذا قول لا معنى للتشاغل به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل

(9/426)


القول في تأويل قوله تعالى : { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما }

(9/426)


قال أبو جعفر وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيما في ابتداء فواتح سور القرآن من حروف الهجاء وما انتزع به كل قائل منهم لقوله ومذهبه من العلة وقد بينا الذي هو اولى بالصواب من القول فيه فيما مضى من كتابنا هذا بما اغنى عن اعادته وقد ذكر عنهم من الاختلاف في قوله : طسم وطس نظير الذي ذكر عنهم في : الم والمر والمص
وقد حدثني علي بن داود قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله { طسم } قال : فإنه قسم أقسمه الله وهو من أسماء الله
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر قتادة قي قوله : { طسم } قال : اسم من أسماء القرآن
فتأويل الكلام على قول ابن عباس والجميع : إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد صلى الله عليه و سلم في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنزله إليه من قبلها الذي بين لمن تدبره بفهم و فكر فيه بعقل أنه من عند الله جل جلاله لم يتخرصه محمد صلى الله عليه و سلم ولم يتقوله من عنده بل أوحاه إليه ربه
وقوله { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } يقول تعالى ذكره : لعلك يا محمد قاتل نفسك و ملكها إن لم يؤمن قومك بك و يصدقوك على ما جئتم به و البخع : هو القتل و الإهلاك في كلام العرب و منه قول ذي الرمة :
( ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر )
و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : { باخع نفسك }
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } قال : لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك قال : ذلك البخع
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله { لعلك باخع نفسك } عليهم حرصا و أن من قوله { أن لا يكونوا مؤمنين } في موضع نصب بباخع كما يقال : زرت عبد الله أن زارني و هو جزاء ولو كان الفعل الذي بعد أن مستقبلا لكان وجه الكلام في أن الكسر كما يقال : أزور عبد الله إن يزورني

(9/430)


القول في تأويل قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب المبين }

(9/430)


القول في تأويل قوله تعالى : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين }

(9/430)


اختلف أهل التأويل في تأويل قوله { فظلت أعناقهم } الآية فقال بعضهم : معناه : فظل القوم الذين أنزل عليهم من السماء آية خاضعة أعناقهم لها من الذلة
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله { فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : فظلوا خاضعة أعناقهم لها
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : اخبرنا معمر عن قتادة في قوله { خاضعين } قال : لو شاء الله لنزل عليه آية يذلون بها فلا يلوي أحد عنقه إلى معصية الله
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج { أن لا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية } قال : لو شاء الله لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بعده بمعصية
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله { فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : ملقين أعناقهم
حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : الخاضع : الذليل
و قال آخرون : بل معنى ذلك : فظلت سادتهم و كبراؤهم للآية خاضعين و يقول : الأعناق : هم الكبراء من الناس
واختلف أهل العربية في وجه تذكير خاضعين و هو خبر عن الأعناق فقال بعض نحويي البصرة يزعمون أن قوله { أعناقهم } على الجماعات نحو : هذا عنق من الناس كثير أو ذكر كما يذكر بعض المؤنث كما قال الشاعر :
( تمززتها و الديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا )
فجماعات هذا أعناق أو يكون ذكره لإضافته إلى المذكر كما يؤنث لإضافته إلى المؤنث كما قال الأعشي :
( ونشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم )
و قال العجاج :
( لما رأى متن السماء أبعدت )
و قال الفرزدق :
( إذا القنبضات السود طوفن بالضحى ... رقدن عليهن الحجال المسجف )
و قال الأعشى :
( وإن أمرا أهدى إليك ودونه ... من الأرض يهماء وبيداء خيفق )
( لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعان الموفق )
قال ك ويقولون : بنات نعش و بنو نعش و يقال : بنات عرس وبنو عرس و قالت امرأة : أنا امرؤ لا أخبر السر قال : و ذكر لرؤبة رجل فقال : هو كان أحد بنات مساجد الله يعني الحصى وكان بعض نحوييي الكوفة يقول : هذا بمنزلة قول الشاعر :
( ترى أرماحهم متقلديها ... إذا صدئ الحديد على الكماة )
فمعناه عنده : فظلت أعناقهم خاضعيها هم كما يقال : يدك باسطها بمعنى : يدك باسطها أنت فاكتفي بما ابتدأ به من الأسم أن يكون فصار الفعل كأنه للأول هو للثاني و كذلك قوله : لمحقوقة أن تستجيبي لصوته إنما هو لمحقوقة أنت و المحقوقة : الناقة إلا أنه عطفه على المرء لما عاد بالذكر و كان آخر منهم يقول : الأعناق : الطوائف كما يقال : رأيت الناس إلى فلان عنقا واحدة فيجعل الأعناق الطوائف و العصب و يقول : يحتمل أيضا أ ن تكون الأعناق هم السادة و الرجال الكبراء فيكون كأنه قيل : فظلت رءوس القوم و كبراؤهم لها خاضعين : و قال أحب إلي من هذين الوجهين في العربية أن يقال : إن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون فجعلت الفعل أولا للأعناق ثم جعلت خاضعين للرجال كما قال الشاعر :
( على قبضة مرجوة ظهر كفه ... فلا المرء مستحي ولا هو طاعم )
فأنث فعل الظهر لأ نالكف تجمع الظهر و تكفي منه كما أنك تكتفي بأن تقول : خضعت لك من أن تقول : خضعت لك رقبتي و قال ألا ترى أن العرب تقول : كل ذي عين ناظر و ناظرة إليك لأن قولك : نظرت إليك عيني و نظرت إليك بمعنى واحد بترك كل وله الفعل وبرده إلى العين فلو قلت : فظلت أعناقهم لها خاضعة كان صوابع
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب و أشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال و أن يكون معنى الكلام : فظلت أعناقهم ذليلة الآية التي ينزلها الله عليهم من السماء أو يكون قوله خاضعين مذكرا لأنه خبر عن الهاء و الميم في الأعناق فيكون ذلك نظير قول جرير :
( أرى من السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال )
وذلك أن قوله مر لو أسعط من الكلام لأدى ما بعي من الكلام عنه ولم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه و كذلك لو أسقطت الأعناق من قوله : فظلت أعناقهم لأدى مت بقي من الكلام عنها وذلك أن الرجال إذا ذلوا فقد ذلت رقابهم و إذا ذلت رقابهم فقد ذلوا
فإن قيل في الكلام : فظلوا لها خاضعين كان الكلام غير فاسد لسقوط الأعناق ولا متغير معناه عما كان عليه قبل سقوطها فصرف الخبر بالخضوع إلى أصحاب الأعناق و إن كان قد ابتدأ بذكر الأعناق لما قد جرى به استعمال العرب في كلامهم إذا كان الاسم المبتدأ به و ما أضيف إليه يؤدي الخبر كل واحد منهما عن الآخر

(9/431)


يقول تعالى ذكره : و ما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذبونك و يجحدون ما أتيتهم به يا محمد من عند ربك من تذكير و تنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك و حقيقة ما تدعوهم إليه مما يحدثه الله إليك و يوحيه إليك لتذكرهم به إلا أعرضوا عن استماعه وبركوا إعمال الفكر فيه و تدبيره

(9/433)


يقول تعالى ذكره : فقد كذب يا محمد هؤلاء المشركون بالذكر الذي أتاهم من عند الله و أعرضوا عنه { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } يقول : فسيأتيهم أخبار الأمر الذي كانوا يسخرون و ذلك وعيد من الله لهم أنه محل بهم عقابه على تماديهم في كفرهم و تمردهم على ربهم

(9/433)


يقول تعالى ذكره : أو لم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث و النشر إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها { من كل زوج كريم } يعني بالكريم : الحسن كما يقال للنخلة الطيبة الحمل : كريمة و كما يقال للشاة أو الناقة إذا غزرتا فكثرت ألبانهما : ناقة كريمة و شاة كريمة
و بنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثني أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله { أنبتنا فيها من كل زوج كريم } قال : من نبات الأرض مما تأكل الناس والأنعام
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { من كل زوج كريم } قال : حسن

(9/433)


يقول تعالى ذكره : إن في إنباتنا في الأرض من كل زوج كريم لآية : يقول : لدلالة لؤلاء المشركين المكذبين بالبعث على حقيقه و أن القدرة التي بها أنبت الله في الأرض ذلك النبات بعد جدوبها لن يعجزه أن بنشر بها الأموات بعد مماتهم أحياءمنقبورهم وقوله { وما كان أكثرهم مؤمنين } يقول وما كان أكثر هؤلاء المكذبين بالبعث الجاحدين نبوتك يا محمد بمصدقيك على ما تأتيهم به من عند الله من الذكر يقول جل ثناؤه : وقد سبق في علمي أنهم لا يؤمنون فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علمي فيهم

(9/434)


وقوله { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } يقول : و إن ربك يا محمد لهو العزيز في نقمته لا يمتنع عليه أحد أراد الانتقام منه يقول تعالى ذكره : وإني إن أحللت بهؤلاء المكذبين بك يا محمد المعرضين عما يأتيهم من ذكر من عندي عقوبتي بتكذيبهم إياك فلن يمنعهم مني مانع لأني أنا العزيز الرحيم يعني أنه ذو الرحمة بمن تاب من خلقه من كفره و معصيته أن يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته
وكان ابن جريج يقول في معنى ذلك ما :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني الحجاج عن ابن جريج قال : كل شيء في الشعراء من قوله { العزيز الرحيم } فهو ما أهلك ممن مضى من الأممم يقول : عزيز حين انتقم من أعدائه رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم مما أهلك به أعدائه
قال أبو جعفر و إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك في هذا الموضع لأن قوله { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } عقيب وعيد الله قوما من أهل الشرك والتكذيب بالبعث لم يكونوا أهلكوا فيوجه إلى أنه خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه ولعل ابن جريج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك عقيب خبر الله من إهلاكه من أهلك من الأمم وذلك إن شاء الله إذا كان عقيب خبرهم كذلك

(9/434)


يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد إذ نادى موسى بن عمران { أن ائت القوم الظالمين } يعنى الكافرين قوم فرعون و نصب القوم الثاني ترجمة عن القوم الأول و قوله { ألا يتقون } يقول : ألا يتقون عقاب الله على كفرهم به و معنى الكلام : قوم فرعون فقل لهم ألا يتقون و ترك إظهار فقل لهم لدلالة الكلام عليه و إنما قيل : ألا يتقون بالياء و لم يقل ألا تتقون بالتاء لأن التنزيل كان قبل الخطاب ولو جاءت القراءة فيها بالتاء كان صوابا كما قيل : { قل للذين كفروا ستغلبون } آل عمران : 12 و ( ستغلبون )

(9/434)


القول في تأويل قوله تعالى : { قوم فرعون ألا يتقون }

(9/434)


يقول تعالى ذكره { قال } موسى لربه { رب إني أخاف } من قوم فرعون الذين أمرتني أن آتيهم { أن يكذبون } بقيلى لهم : إنك أرسلتني إليهم { و يضيق صدري } من تكذيبهم إياي إن كذبوني ورفع قوله { و يضيق صدري } عطفا به على أخاف و بالرفع فيه قرأته عامة قراء الأمصار و معناه : وإني يضيق صدري و قوله { ولا ينطلق لساني } يقول : ولا ينطلق بالعبارة عما ترسلني به إليهم للعلة التي كانت بلسانه و قوله { ولا ينطلق لساني } كلام معطوف به على يضيق و قوله { فأرسل إلى هارون } يعني هارون أخاه و لم يقل : فأرسل لي هارون ليؤازرني و ليعينني إذ كان مفهوما معنى الكلام و ذلك كقول القائل : لو نزلت بنا نازلة لفزعنا إليك بمعنى لفزعنا إليك لتعيننا وقوله { ولهم علي ذنب } يقول : ولقوم فرعون علي دعوى أذنبت إليهم وذلك قتله النفس التي قتلها منهم
و بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثني عيسى و حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون } قال : قتل النفس التي قتل منهم
حدثنا القاسم قال : ثني الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : قتل موسى النفس
قال : ثنا الحسين قال : ثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة قوله { ولهم علي ذنب } قال : قتل النفس و قوله { فأخاف أن يقتلون } يقول : فأخاف أن يقتلوني قودا بالنفس التي قتلت منهم

(9/435)


القول في تأويل قوله تعالى : { و يضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون }

(9/435)


القول في تأويل قوله تعالى : { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون }

(9/435)


يقول تعالى ذكره { كلا } : أي لم يقتلك قوم فرعون { فاذهبا بآياتنا } يقول : فاذهب أنت و أخوك بآياتنا يعني باعلامنا و حججنا التي أعطيناك عليهم وقوله { إنا معكم مستمعون } من قوم فرعون ما يقولون لكم و يجيبونكم به وقوله { فأتيا فرعون فقولا } الآية يقول : فأت أنت يا موسى و أخوك هاورن فرعون { فقولا إنا رسول رب العالمين } إليك ب { أن أرسل معنا بني إسرائيل } و قال رسول رب العالمين وهو يخاطب اثنين بقوله فقولا لأنه أراد به المصدر من أرسلت يقول : أرسلت رسالة ورسولا كما قال الشاعر :
( لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسوء ولا أرسلتهم برسول )
يعني برسالة و قال الآخر :
( ألا من مبلغ عني خفافا ... رسولا بيت أهلك منتهاها )
يعني بقوله رسولا : رسالة فأنث لذلك الهاء

(9/435)


القول في تأويل قوله تعالى : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين }

(9/435)


القول في تأويل قوله تعالى : { أن أرسل معنا بني إسرائيل }

(9/435)


وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه وهو : فأتيا فرعون فأبلغاه رسالة ربهما إليه فقال فرعون : ألم نربك فينا يا موسى وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وذلك مكثه عنده قبل قتله القتيل الذي قتله من القبط وفعلت فعلتك التي فعلت : يعني قتله النفس التي قتل من القبط
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } قال فعلتها إذا وأنا من الضالين قال : قتل النفس
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله
وإنما قيل { وفعلت فعلتك } لأنها مرة واحدة ولا يجوز كسر الفاء إذا أريد بها هذا لمعنى وذكر عن الشعبي أنه قرأ ذلك وفعلت فعلتك بكسر الفاء وهي قراءة لقراءة القراء من أهل الأمصار مخالفة
وقوله { وأنت من الكافرين } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم : معنى ذلك : وأنت من الكافرين بالله على ديننا
ذكر من قال ذلك :
حدثني موس بن هارون قال : ثنا عمرو قال : ثنا أسباط عن السدي { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } يعني على ديننا هذا الذي تعيب وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأنت من الكافرين نعمتنا عليك
ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } قال : ربيناك فينا وليدا فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفسا وكفرت نعمتنا
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس { وأنت من الكافرين } يقول : كافرا للنعمة أن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر
قال أبو جعفر : وهذا القول الذي قاله ابن زيد أشبه بتأويل الآية لأن فرعون لم يكن مقرا لله بالربوبية وإنما كان يزعم أنه هو الرب فغير جائز أن يقول لموسى إن كان موسى كان عنده على دينه يوم قتل القتيل على ماقاله السدي : فعلت الفعلة وأنت من الكافرين الإيمان عنده : هو دينه الذي كان عليه موسى عنده إلا أن يقول قائل : إنما أراد : وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى على قولك اليوم فيكون ذلك وجها يتوجه فتأويل الكلام إذن : وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا عليك وإحساننا إليك في قتلك إياه وقد قيل : معنى ذلك : وأنت الآن من الكافرين لنعمتي عليك وتربيتي إياك

(9/436)


القول في تأويل قوله تعالى : { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين }

(9/436)


يقول تعالى ذكره : قال موسى لفرعون : فعلت تلك الفعلة التي فعلت : أي قتلت تلك النفس التي قتلت إذن وأنا من الضالين : يقول : وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله عليى والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال فتقول : قد جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى واحد
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { وأنا من الضالين } قال : من الجاهلين
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله قال ابن جريج : وفي قراءة ابن مسعود وأنا من الجاهلين
قال : ثنا الحسين قال : ثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة { وأنا من الضالين } قال : من الجاهلين
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله { وأنت من الكافرين } فقال موسى : لم أكفر ولكن فعلتها وأنا من الضالين وفي حرف ابن مسعود فعلتها إذا وأنا من الجاهلين
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله { قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } قبل أن يأتيني من الله شيء كان قتلي إياه ضلالة خطأ قال : والضلالة ههنا الخطأ لم يقل ضلالة فيما بينه وبين الله
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس { قال فعلتها إذا وأنا من الضالين } يقول : وأنا من الجاهلين

(9/437)


وقوله { ففررت منكم لما خفتكم } يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل موسى لفرعون : { ففررت منكم } معشر الملأ من قولم فرعون { لما خفتكم } أن تقتلوني بقتلي القتيل منكم { فوهب لي ربي حكما } يقول : فوهب لي ربي نبوة وهي الحكم
كما حدثنا موسى بن هارون قال : ثنا عمرو قال : ثنا أسباط عن السدي { فوهب لي ربي حكما } والحكم : النبوة
وقوله { وجعلني من المرسلين } يقول : وألحقني بعداد من أرسله إلى خلقه مبلغا عنه رسالته إليهم بإرساله إياي إليك يا فرعون

(9/437)


يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى صلى الله عليه و سلم لفرعون { وتلك نعمة تمنها علي } يعني بقوله : وتلك تربية فرعون إياه يقول : وتربيتك إياي وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها علي بحق وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر عليه عنه وهو : وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني فلم تستعبدني فترك ذكر وتركتني لدلالة قوله أن عبدت بني إسرائيل عليه العرب تفعل ذلك اختصارا للكلام ونظير ذلك في الكلام أن يستحق رجلان من ذي سلطان عقوبة فيعاقب أحدهما ويعفو عن الآخر فيقول المعفو عنه هذه نعمة علي من الأمير أن عاقب فلانا وتركني ثم حذف وتركني لدلالة الكلام عليه ولـ أن في قوله { أن عبدت بني إسرائيل } وجهين : أحدهما النصب لتعلق تمنها بها وإذا كا نت نصبا كان معنى الكلام : وتلك نعمة تمنها علي تعبيدك بني إسرائيل ويعني بقوله { أن عبدت بني إسرائيل } : أن اتخذتهم عبيدا لك يقال منه : عبدت العبيد وأعبدتهم كما قال الشاعر :
( علام يعبدني قومي وقد كثرت ... فيها أباعر ما شاءوا وعبدان )
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد { تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } قال : قهرتهم واستعملتهم
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج قال : تمن علي أن عبدت بني إسرائيل قال : قهرت وغلبت واستعملت بني إسرائيل
حدثنا موسى بن هارون قال : ثنا عمرو قال : ثنا أسباط عن السدي { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } وربيتني قبل وليدا
وقال آخرون : هذا استفهام كان من موسى لفرعون كأنه قال : أتمن علي أن اتخذت بني إسرائيل عبيدا
ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله { وتلك نعمة تمنها علي } قال : يقول موسى لفرعون : أتمن علي أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدا
واختلف أهل العربية في ذلك فقال بعض نحويي البصرة : وتلك نعمة تمنها علي فيقال : هذا استفهام كأنه قال : أتمنها علي ؟ ثم فسر فقال : { أن عبدت بني إسرائيل } وجعله بدلا من النعمة وكان بعض أهل العربية ينكر هذاالقول ويقول : هو غلط من قائله لا يجوز أن يكون همز يلقى وهو يطلب فيكون الاستفهام كالخبر قال : وقد استقبح ومعه أم وهي دليل على الاستفهام واستقبحوا :
( تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا يضرك لو تنتظر )
قال : وقال بعضهم : هو أتروح من الحي وحذف الاستفهام أولا اكتفاء بأم وقال أكثرهم : بل الأول خبر والثاني استفهام وكأن أم إذا جاءت بعد الكلام فهي الألف فأما وليس معه أم فلم يقله إنسان وقال بعض نحويي الكوفة في ذلك ما قلنا وقال : معنى الكلام : وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين لنعمتي : أي لنعمة تربيتي لك فأجابه فقال : : نعم هي نعمة علي أن عبدت الناس ولم تستعبدني وقوله : { قال فرعون وما رب العالمين } يقول : واي شيء رب العالمين ؟ { قال } موسى هو { رب السماوات والأرض } ومالكهن { وما بينهما } يقول : ومالك ما بين السماوات والأرض من شيء { إن كنتم موقنين } يقول : إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما

(9/438)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال فرعون وما رب العالمين }

(9/438)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين }

(9/438)


يعني تعالى ذكره بقوله { قال لمن حوله ألا تستمعون } قال فرعون لمن حوله من قومه : ألا تستمعون لما يقول موسى ؟ فأخبر موسى عليه السلام القوم بالجواب عن مسئلة فرعون إياه قيله له { وما رب العالمين } ؟ ليفهم بذلك قوم فرعون مقالته لفرعون وجوابه إياه عما سأله إذ قال لهم فرعون { ألا تستمعون } إلى قول موسى فقال لهم الذي دعوته إليه وإلى عبادته { ربكم } الذي خلقكم { ورب آبائكم الأولين } فقال فرعون لما قال لهم موسى ذلك أخبرهم عما يدعوا إليه فرعون وقومه { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } يقول : إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إليكم لمغلوب على عقله لأنه يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه إنما قال ذلك ونسب موسى عدو الله إلى الجنة لأنه كان عنده وعند قومه أنه لا رب غيره يعبد وأن الذي يدعوه إليه موسى باطل ليست له حقيقة فقال موسى عند ذلك محتجا عليهم ومعرفهم ربهم بصفته وأدلته إذ كان عند قوم فرعون أن الذي يعرفونه ربا لهم في ذلك الوقت هو فرعون وأن الذي يعرفونه لآبائهم أربابا ملوك أخر كانوا قبل فرعون قد مضوا فلم يكن عندهم أن موسى أخبرهم بشيء له معنى يفهمونه ولا يعقلونه ولذلك قال لهم فرعون : إنه لمجنون لأن كلامه كان عندهم كلاما لا يعقلون معناه : الذي أدعوكم وفرعون إلى عبادته رب المشرق والمغرب وما بينهما يعني ملك مشرق الشمس ومغربها وما بينهما من شيء لا إلى عبادة ملوك مصر الذي كانوا ملوكها قبل فرعون لآبائكم فمضوا ولا إلى عبادة فرعون الذي هو ملكها { إن كنتم تعقلون } يقول : إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم وتفهمون بها ما تسمعون مما يعين لكم فلما أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عريش مصر وتبين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادته هو الملك الذي يملك الملوك قال فرعون حينئذ استكبارا عن الحق وتماديا في الغي لموسى { لئن اتخذت إلها غيري } يقول : لئن أقررت بمعبود سواي { لأجعلنك من المسجونين } يقول : لأسجننك مع من في السجن من أهله

(9/439)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال ربكم ورب آبائكم الأولين }

(9/439)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }

(9/439)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون }

(9/439)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين }

(9/439)


يقول تعالى ذكره : قال موسى لفرعون لما عرفه ربه وأنه رب المشرق والمغرب ودعاه إلى عبادته إخلاص الألوهة له وأجابه فرعون بقوله { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين } : أتجعلني من المسجونين { قال أو لو جئتك بشيء مبين } يبين لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه وإنما قال ذلك له لأن من أخلاق الناس السكون للإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فلما قال موسى له ما قال من ذلك قال له فرعون : فأت بالشيء المبين حقيقة ما تقول فإنا لن نسجنك حينئذ إن اتخذت إلها غيري إن كنت من الصادقين يقول : إن كنت محقا فيما تقول وصادقا فيما تصف وتخبر { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } يقول جل ثناؤه : فالقى موسى عصاه فتحولت ثعبانا هي الحية الذكر كما قد بينت فيما مضى قبل من صفته وقوله { مبين } يقول : يبين لفرعون والملأ من قومه أنه ثعبان
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن أبي بكر بن عبدالله عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قوله { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } يقول : مبين له خلق حية
وقوله { ونزع يده فإذا هي بيضاء } يقول : وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع { للناظرين } لمن ينظر إليها ويراها
حدثنا أبو كريب قال : ثنا عثام بن علي قال : ثنا الأعمش عن المنهال قال : ارتفعت الحية في السماء قدر ميل ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول : يا موسى مرني بما شئت فجعل فرعون يقول : يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال : فأخذه بطنه

(9/440)


القول في تأويل قوله تعالى : { قال فأت به إن كنت من الصادقين }

(9/440)


القول في تأويل قوله تعالى : { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين }

(9/440)


القول في تأويل قوله تعالى : { ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين }

(9/440)


يقول تعالى ذكره : قال فرعون لما أراه موسى من عظيم قدرة الله وسلطانه حجة عليه لموسى بحقيقة ما دعاه إليه وصدق ما أتاه به من عند ربه { للملإ حوله } يعني لأشراف قومه الذين كانوا حوله { إن هذا لساحر عليم } يقول : إن موسى سحر عصاه حتى أراكموها ثعبانا { عليم } يقول : ذو علم بالسحر و بصر به { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } يقول : يريد أن يخرج بنيإسرائيل من أرضكم إلى الشأم بقهره إياكم بالسحر و إنما قال : يريد أن يخرجكم فجعل الخطاب للملأ حوله من القبط والمعني به بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل واتخذوهم خدما لأنفسهم ومهانا فذلك قال لهم { يريد أن يخرجكم } و هو يريد أن يخرج خدمكم و عبيدكم من أرض مصر إلى الشأم
وإنما قلت معنى ذلك كذلك لأن الله إنما أرسل موسى إلى فرعون يأمره بارسال بني إسرائيل معه فقال له ولأخيه { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني إسرائيل } الشعراء : 16 - 17
وقوله { فماذا تأمرون } يقول : فأي شيء تأمرون في أمر موسى وما به تشيرون من الرأي فيه { قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين } يقول تعالى ذكره : فأجاب فرعون الملأ حوله بأن قالوا له : أخر موسى وأخاه وأنظره و ابعث في بلادك و أمصار مصر حاشرين يحشرون إليك كل سحار عليم بالسحر

(9/441)