صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
فإن قيل : فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين . (9/320)
قلنا : إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقوله : فلا تكن من القانطين . لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال : { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } وفيه جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل أيضاً : إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله : { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 260 ] وقيل أيضاً : استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟
المسألة الثانية : قرأ نافع : { تُبَشّرُونَ } بكسر النون خفيفة في كل القرآن ، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها . والباقون بفتح النون خفيفة ، أما الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة ، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالاً لاجتماع المثلين وطلباً للتخفيف قال أبو حاتم : حذف نافع الياء مع النون . قال : وإسقاط الحرفين لا يجوز ، وأجيب عنه : بأنه أسقط حرفاً واحداً وهي النون التي هي علامة للرفع . وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع : { وَلاَ تَكُ } وفي موضع : { وَلاَ تَكُن } فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة الرفع وهي مفتوحة أبداً ، وقوله : { بشرناك بالحق } قال ابن عباس : يريد بما قضاه الله تعالى والمعنى : أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق عليه السلام . ويخرج من صلب إسحق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحق أكثر الأنبياء فقوله : { بالحق } إشارة إلى هذا المعنى وقوله : { فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين } نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط وقد ذكرنا كثيراً أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهى فاعلاً للمنهى عنه كما في قوله :
{ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } [ الأحزاب : 1 ] ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } وفيه مسألتان : (9/321)
المسألة الأولى : هذا الكلام حق ، لأن القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور : أحدها : أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه . وثانيها؛ أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه . وثالثها : أن يجهل كونه تعالى منزهاً عن البخل والحاجة والجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال ، فلهذا المعنى قال : { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } .
المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو والكسائي : ( يقنط ) بكسر النون ولا تقنطوا كذلك ، والباقون بفتح النون وهما لغتان : قنط يقنط ، نحو ضرب يضرب ، وقنط يقنط نحو علم يعلم ، وحكى أبو عبيدة : قنط يقنط بضم النون ، قال أبو علي الفارسي : قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله : { مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } [ الشورى : 28 ] وحكاية أبي عبيدة تدل أيضاً على أن قنط بفتح النون أكثر ، لأن المضارع من فعل يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ويفسق ولا يجيء مضارع فعل على يفعل ، والله أعلم .
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)
في الآية مسائل : (9/322)
المسألة الأولى : قوله : { فَمَا خَطْبُكُمْ } سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى ، والخطب والشأن والأمر سواء : إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال .
فإن قيل : إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك : { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } .
قلنا : فيه وجوه : الأول : قال الأصم : معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى . الثاني : قال القاضي : إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافياً ، فلما رأى جمعاً من الملائكة علم أن لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال : { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } . الثالث : يمكن أن يقال إنهم قالوا : إنا نبشرك بغلام عليم . في معرض إزالة الخوف والوجل ، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف قالوا له : { لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } [ الحجر : 53 ] ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة ، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال : { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } .
ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضاً فقولهم : { إِلا ءالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم .
أما قوله تعالى : { إِلا ءالَ لُوطٍ } فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه .
فإن قيل : قوله : { إِلا ءالَ لُوطٍ } هل هو استثناء منقطع أو متصل؟
قلنا : قال صاحب «الكشاف» : إن كان هذا الاستثناء استثناء من ( قوم ) كان منقطعاً ، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين ، فاختلف الجنسان ، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً . وإن كان استثناء من الضمير في ( مجرمين ) كان متصلاً كأنه قيل : إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال : { فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين } [ الذاريات : 36 ] ثم قال صاحب «الكشاف» : ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين ، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلاً ، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء ، وأما قوله : { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي { منجوهم } خفيفة ، والباقون مشددة وهما لغتان .
أما قوله تعالى : { إِلاَّ امرأته } قال صاحب «الكشاف» : هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله : { لَمُنَجُّوهُمْ } وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الإستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه ، كما لو قيل : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته ، وكما لو قال : المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة ، وكما إذا قال : المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً ، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان ، لأن قوله : { إِلا ءالَ لُوطٍ } متعلق بقوله : { أَرْسَلْنَا } أو بقوله { مُّجْرِمِينَ } وقوله : { إِلاَّ امرأته } قد تعلق بقوله : { منجوهم } فكيف يكون هذا استثناء من استثناء . (9/323)
وأما قوله : { قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار غيره . يقال : قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره ، وقدر الله تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية ، ثم يفسر التقدير بالقضاء ، فقال : قضى الله عليه كذا ، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر ، وقيل في معنى : { قَدَّرْنَآ } كتبنا . قال الزجاج : دبرنا . وقيل : قضينا ، والكل متقارب .
المسألة الثانية : قرأ أبو بكر عن عاصم { قَدَّرْنَآ } بتخفيف الدال ههنا وفي النمل . وقرى الباقون فيهما بالتشديد . قال الواحدي يقال : قدرت الشيء وقدرته ، ومنه قراءة ابن كثير : { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت } [ الواقعة : 60 ] خفيفاً ، وقراءة الكسائي : { والذى قَدَّرَ فهدى } ثم قال : والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً لقوله تعالى؛ { وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها } [ فصلت : 10 ] وقوله : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } [ الفرقان : 2 ] .
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى ، ولم لم يقولوا : قدر الله تعالى؟
والجواب : إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم ، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك ، فكذا ههنا . والله أعلم .
المسألة الرابعة : قوله؛ { إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون . ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم .
فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64)
اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وإلى آله ، وأن لوطاً وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله ، فلهذا قال لهم : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } وفي تأويله وجوه : الأول : أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم ، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه ، فقال هذه الكلمة . والثاني : أنهم كانوا شباباً مرداً حسان الوجوه ، فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة . والثالث : أن النكرة ضد المعرفة فقوله : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي لا أعرفكم ، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام ، ولأي غرض دخلتم علي ، فعند هذه الكلمة قالت الملائكة ، بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ، أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله ، ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم : { وأتيناك بالحق } قال الكلبي : بالعذاب ، وقيل باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم؛ { وِإِنَّا لصادقون } . (9/324)
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)
قرىء { فَأَسْرِ } بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى . وروى صاحب الكشاف عن صاحب الإقليد فسر { مِنْ } السير والقطع آخر الليل . قال الشاعر : (9/325)
افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم
وقوله : { واتبع أدبارهم } معناه : اتبع آثار بناتك وأهلك . وقوله : { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } الفائدة فيه أشياء : أحدها : لئلا يتخلف منكم أحد فينا له العذاب . وثانيها : لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء . وثالثها : معناه الإسراع وترك الاهتمام لما خلف وراءه كما تقول : امض لشأنك ولا تعرج على شيء . ورابعها : لو بقي منه متاع في ذلك الموضع ، فلا يرجعن بسببه ألبتة . وقوله : { وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } قال ابن عباس : يعني الشام . قال المفضل : حيث يقول لكم جبريل . وذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط . وقوله : { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ } عدى قضينا بإلى ، لأنه ضمن معنى أوحينا ، كأنه قيل : وأوحيناه إليه مقضياً مبتوتاً ، ونظيره قوله تعالى : { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل } [ الإسراء : 4 ] وقوله؛ { ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ } [ يونس : 71 ] ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت بقوله : { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآء مَقْطُوعٌ } وفي إبهامه أولاً ، وتفسيره ثانياً تفخيم للأمر وتعظيم له . وقرأ الأعمش { إِن } بالكسر على الاستئناف كان قائلاً قال أخبرنا عن ذلك الأمر ، فقال : إن دابر هؤلاء ، وفي قراءة ابن مسعود . وقلنا : { إِنَّ دَابِرَ هَؤُلآء } ودابرهم آخرهم ، يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله : { مُّصْبِحِينَ } أي حال ظهور الصبح .
وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77)
اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط ، وليس في الآية دليل على المكان الذي جاؤه إلا أن القصة تدل على أنهم جاؤوا دار لوط . قيل : إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط . وقيل : امرأة لوط أخبرتهم بذلك ، وبالجملة فالقوم قالوا : نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجهاً ولا أحسن شكلاً منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبها منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين : (9/326)
الكلام الأول : قال : { إِنَّ هَؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ } يقال فضحه يفضحه فضحاً وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار ، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي ، ثم أكد ذلك بقوله : { واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ } فأجابوه بقولهم : { أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين } والمعنى : ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة .
والكلام الثاني : مما قاله لوط قوله : { هؤلاءآء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فاعلين } قيل : المراد بناته من صلبه ، وقيل : المراد نساء قومه ، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] وفي قراءة أبي وهو أب لهم ، والكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام .
أما قوله : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } فيه مسائل :
المسألة الأولى : العمر والعمر واحد وسمي الرجل عمراً تفاؤلاً أن يبقى ومنه قول ابن أحمر :
ذهب الشباب وأخلق العمر ... وعمر الرجل يعمر عمراً وعمرا ، فإذا أقسموا به قالوا : لعمرك وعمرك فتحوا العين لا غير . قال الزجاج : لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك فالتزموا الأخف .
المسألة الثانية : في قوله : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } قولان : الأول : أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام : { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي في غوايتهم يعمهون ، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ، ويلتفتون إلى نصيحتك . والثاني : أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد ، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى قال النحويون : ارتفع قوله : { لَعَمْرُكَ } بالابتداء والخبر محذوف ، والمعنى : لعمرك قسمي وحذف الخبر ، لأن في الكلام دليلاً عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو : بالله لأفعلن ، والمعنى : أحلف بالله فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف .
ثم قال تعالى : { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني : ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به ، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله : { مُشْرِقِينَ } يقال شرق الشارق يشرق شروقاً لكل ما طلع من جانب الشرق ، ومنه قولهم ما ذر شارق أي طلع طالع فقوله : { مُشْرِقِينَ } أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق ، وهو بزوغ الشمس .
واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب : أحدها : الصيحة الهائلة المنكرة . وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها . وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل ، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود . (9/327)
ثم قال تعالى : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسّمِينَ } يقال توسمت في فلان خيراً أي رأيت فيه أثراً منه وتفرسته فيه ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل : المتفرسين ، وقيل : الناظرين ، وقيل : المتفكرين ، وقيل : المعتبرين ، وقيل : المتبصرين . قال الزجاج : حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته ، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول : توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه .
ثم قال : { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } الضمير في قوله : { وَإِنَّهَا } عائد إلى مدينة قوم لوط ، وقد سبق ذكرها في قوله؛ { وَجَآء أَهْلُ المدينة } وقوله : { لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف ، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها .
ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال ، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه ، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية ، والله أعلم .
وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79)
اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة . فأولها : قصة آدم وإبليس . وثانيها : قصة إبراهيم ولوط . وثالثها : هذه القصة ، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام ، كانوا أصحاب غياض فكذبوا شعيباً فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة ، وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء ، والأيكة الشجر الملتف . يقال : أيكة وأيك كشجرة وشجر . قال ابن عباس : الأيك هو شجر المقل ، وقال الكلبي : الأيكة الغيضة ، وقال الزجاج : هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر . قال الواحدي : ومعنى إن واللام للتوكيد وإن ههنا هي المخففة من الثقيلة ، وقوله : { فانتقمنا مِنْهُمْ } قال المفسرون : اشتد الحر فيهم أياماً ، ثم اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا عن آخرهم وقوله : { وَإِنَّهُمَا } فيه قولان : (9/328)
القول الأول : المراد قرى قوم لوط عليه السلام والأيكة .
والقول الثاني : الضمير للأيكة ومدين لأن شعيباً عليه السلام كان مبعوثاً إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما وقوله : { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } أي بطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به . قال الفراء والزجاج : إنما جعل الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع . قال ابن قتيبة : لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقوله : { مُّبِينٍ } يحتمل أنه مبين في نفسه ويحتمل أنه مبين لغيره ، لأن الطريق يهدي إلى المقصد .
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84)
هذه هي القصة الرابعة ، وهي قصة صالح . قال المفسرون : الحجر اسم وادٍ كان يسكنه ثمود وقوله : { المرسلين } المراد منه صالح وحده ، ولعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل وقوله : { وءاتيناهم ءاياتنا } يريد الناقة ، وكان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم خلقها وظهور نتاجها عند خروجها ، وكثرة لبنها وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح لأنها آيات رسولهم ، وقوله : { فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يدل على أن النظر والاستدلال واجب وأن التقليد مذموم وقوله : { وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال } قد ذكرنا كيفية ذلك النحت في سورة الأعراف وقوله : { ءَامِنِينَ } يريد من عذاب الله ، وقال الفراء : { ءَامِنِينَ } أن يقع سقفهم عليهم وقوله : { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي ما دفع عنهم الضر والبلاء ما كانوا يعملون من نحت تلك الجبال ومن جمع تلك الأموال ، والله أعلم . (9/329)
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86)
اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار فكأنه قيل : الإهلاك والتعذيب كيف يليق بالرحيم الكريم . فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير وجه الأرض منهم ، وهذا النظم حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة ، قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا حقاً وبكون الحق لا يكون الباطل ، لأن كل ما فعل باطلاً وأريد بفعله كون الباطل لا يكون حقاً ولا يكون مخلوقاً بالحق ، وفيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلقه الله تعالى بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل . (9/330)
واعلم أن أصحابنا قالوا : هذه الآية تدل على أنه سبحانه هو الخالق لجميع أعمال العباد ، لأنها تدل على أنه سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ولكل ما بينهما . ولا شك أن أفعال العباد بينهما فوجب أن يكون خالقها هو الله سبحانه ، وفي الآية وجه آخر في النظم وهو أن المقصود من ذكر هذه القصص تصبير الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام على سفاهة قومه فإنه إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله تعالى بمثل هذه المعاملات الفاسدة سهل تحمل تلك السفاهات على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه تعالى لما بين أنه أنزل العذاب على الأمم السالفة فعند هذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ } وإن الله لينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم ، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك ، ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم فقال : { فاصفح الصفح الجميل } أي فأعرض عنهم ، واحتمل ما تلقى منهم إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء ، وقيل : هو منسوخ بآية السيف وهو بعيد ، لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح ، فكيف يصير منسوخاً .
ثم قال : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم } ومعناه أنه خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم كذلك ، وإذا كان كذلك فإنما خلقهم مع هذا التفاوت ، ومع العلم بذلك التفاوت . أما على قول أهل السنة فلمحض المشيئة والإرادة . وأما على قول المعتزلة فلأجل المصلحة والحكمة ، والله أعلم .
وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
اعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بها ، لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز ، وفي الآية مسائل : (9/331)
المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { آتيناك سَبْعًا } يحتمل أن يكون سبعاً من الآيات وأن يكون سبعاً من السور وأن يكون سبعاً من الفوائد . وليس في اللفظ ما يدل على التعيين . وأما المثاني : فهو صيغة جمع . واحده مثناة ، والمثناة كل شيء يثنى ، أي يجعل اثنين من قولك : ثنيت الشيء إذا عطفته أو ضممت إليه آخر ، ومنه يقال : لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني ، لأنها تثنى بالفخذ والعضد ، ومثاني الوادي معاطفه .
إذا عرفت هذا فنقول : سبعاً من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى ولا شك أن هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل وللناس فيه أقوال : الأول : وهو قول أكثر المفسرين : إنه فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال : هي السبع المثاني رواه أبو هريرة ، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة أنها سبع آيات ، وأما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه : الأول : أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة . والثاني : قال الزجاج : سميت مثاني لأنها يثنى بعدها ما يقرأ معها . الثالث : سميت آيات الفاتحة مثاني ، لأنها قسمت قسمين اثنين ، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » والحديث مشهور . الرابع : سميت مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء ، وأيضاً النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء ، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء . الخامس : سميت الفاتحة بالمثاني ، لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة . السادس : سميت بالمثاني ، لأن كلماتها مثناة مثل : { الرحمن الرحيم } [ الفاتحة : 3 ] { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدنا الصراط المستقيم * صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } [ الفاتحة : 5-7 ] وفي قراءة عمر : ( غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) . السابع : قال الزجاج : سميت الفاتحة بالمثاني لاشتمالها على الثناء على الله تعالى وهو حمد الله وتوحيده وملكه .
واعلم أنا إذا حملنا قوله : { سَبْعًا مّنَ المثاني } على سورة الفاتحة فههنا أحكام : الحكم الأول : نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال : كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن . وأقول : لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة . ثم إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن ، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى :
{ وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } [ الأحزاب : 7 ] وكذلك قوله : { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } [ البقرة : 98 ] وللخصم أن يجيب : بأنه لا يبعد أن يذكر الكل ، ثم يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه لكونه أشرف الأقسام ، أما إذا ذكر شيء ثم عطف عليه شيء آخر كان المذكور أولاً مغايراً للمذكور ثانياً ، وههنا ذكر السبع المثاني ، ثم عطف عليه القرآن العظيم ، فوجب حصول المغايرة . والجواب الصحيح : أن بعض الشيء مغاير لمجموعه ، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف ، والله أعلم . الحكم الثاني : أنه لما كان المراد بقوله : { سبعاً من المثاني } هو الفاتحة ، دل على أن هذه السورة أفضل سور القرآن من وجهين : أحدهما : أن إفرادها بالذكر مع كونها جزءاً من أجزاء القرآن ، لا بد وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف والفضيلة . والثاني : أنه تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك على زيادة فضلها وشرفها . وإذا ثبت هذا فنقول : لما رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واظب على قراءتها في جميع الصلوات طول عمره ، وما أقام سورة أخرى مقامها في شيء من الصلوات دل ذلك على أنه يجب على المكللف أن يقرأها في صلاته وأن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها وأن يحترز عن هذا الإبدال فإن فيه خطراً عظيماً والله أعلم . (9/332)
القول الثاني : في تفسير قوله : { سبعاً من المثاني } إنها السبع الطوال وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة معاً . قالوا : وسميت هذه السور مثاني ، لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنيت فيها وأنكر الربيع هذا القول . وقال هذه الآية مكية وأكثر هذه السور السبعة مدنية . وما نزل شيء منها شيء منها في مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها .
وأجاب قوم عن هذا الإشكال : بأن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا . ثم أنزله على نبيه منها نجوماً ، فلما أنزله إلى السماء الدنيا ، وحكم بإنزاله عليه ، فهو من جملة ما آتاه ، وإن لم ينزل عليه بعد .
ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { ولقد آتيناك سبعاً من المثاني } وهذا الكلام إنما يصدق إذا وصل ذلك الشيء إلى محمد صلى الله عليه وسلم . فأما الذي أنزله إلى السماء الدنيا وهو لم يصل بعد إلى محمد عليه السلام ، فهذا الكلام لا يصدق فيه . وأما قوله بأنه لما حكم الله تعالى بإنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك جارياً مجرى ما نزل عليه فهذا أيضاً ضعيف ، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر .
والقول الثالث : في تفسير السبع المثاني إنها هي السور التي هي دون الطوال والمئين وفوق المفصل ، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني المثاني مكان الزبور ، وفضلني ربي بالمفصل » قال الواحدي : والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني . وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل ، لأنا بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور ، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها ، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور . (9/333)
والقول الرابع : أن السبع المثاني هوالقرآن كله ، وهو منقول عن ابن عباس في بعض الروايات ، وقول طاوس قالوا : ودليل هذا القول قوله تعالى : { كتاباً متشابهاً مثاني } [ الزمر 23 ] فوصف كل القرآن بكون مثاني ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع ، وما المراد بالمثاني؟ أما السبع فذكر فيه وجوهاً : أحدها : أن القرآن سبعة أسباع . وثانيها : أن القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم . التوحيد ، والنبوة والمعاد ، والقضاء ، والقدر ، وأحوال العالم ، والقصص ، والتكاليف . وثالثها : أنه مشتمل على الأمر والنهي ، والخبر والاستخبار ، والنداء ، والقسم ، والأمثال . وأما وصف كل القرآن بالمثاني ، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف ، وهذا القول ضعيف أيضاً ، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن ، لكان قوله : { والقرآن العظيم } عطفاً على نفسه ، وذلك غير جائز
وأجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر :
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
وأعلم أن هذا وإن كان جائزاً لأجل وروده في هذا البيت ، إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه .
والقول الخامس : يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة ، لأنه سبع آيات ، ويكون المراد بالمثاني كل القرآن ويكون التقدير : ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة وهي من جملة المثاني الذى هو القرآن وهذا القول عين الأول والتفاوت ليس إلا بقليل والله أعلم .
المسألة الثانية : لفظة « من » في قوله : { سبعاً من المثاني } قال الزجاج فيها وجهان : أحدهما : أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم قال ويجوز أن تكون من صلة ، والمعنى : آتيناك سبعاً هي المثاني كما قال : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } [ الحج : 30 ] المعنى : اجتنبوا الأوثان ، لا أن بعضها رجس والله أعلم .
أما قوله تعالى : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم } فاعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين ، وهو أنه آتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها وفي مد العين أقوال :
القول الأول : كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك بالإلتفات إلى الدنيا ومنه الحديث : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » وقال أبو بكر : من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً ، وقيل : وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير ، فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله تعالى فقال الله تعالى لهم : لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع . (9/334)
القول الثاني : قال ابن عباس : { لا تمدن عينيك } أي لا تتمن ما فضلنا به أحداً من متاع الدنيا ، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال : إنما يكون ماداً عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر ونحوه ، وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه ، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ، وروي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق ، وقد عبست في أبوالها وأبعارها فتقنع في ثوبه وقرأ هذه الآية وقوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون .
والقول الثالث : قال بعضهم : { ولا تمدن عينيك } أي لا تحسدن أحداً على ما أوتي من الدنيا قال القاضي : هذا بعيد ، لأن الحسد من كل أحد قبيح ، لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه ، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه ، وذلك من كل أحد قبيح ، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم به؟
أما قوله تعالى : { أزواجاً منهم } قال ابن قتيبة أي أصنافاً من الكفار ، والزوج في اللغة الصنف ثم قال : { ولا تحزن عليهم } إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون . والحاصل أن قوله : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم } نهي له عن الالتفات إلى أموالهم وقوله : { ولا تحزن عليهم } نهي له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن .
ثم قال : { واخفض جناحك للمؤمنين } الخفض : معناه في اللغة نقيض الرفع ، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة : { خافضة رافعة } [ الواقعة : 3 ] أى أنها تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل الطاعات ، فالخفض معناه الوضع ، وجناح الإنسان يده . قال الليث : يدا الإنسان جناحاه ، ومنه قوله : { واضمم إليك جناحك من الرهب } [ القصص : 32 ] وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع ، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ، ونظيره قوله تعالى : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة : 54 ] وقال في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } [ الفتح : 29 ] .
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91)
اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، أمره بأن يقول للقوم : { إِنّى أَنَا النذير المبين } فيدخل تحت كونه نذيراً ، كونه مبلغاً لجميع التكاليف ، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلاً تحت لفظ النذير ، ويدخل تحته أيضاً كونه شارحاً لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار ، ثم أردفه بكونه مبيناً ، ومعناه كونه آتياً في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية ، ثم قال بعده : { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } وفيه بحثان : (9/335)
البحث الأول : اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟ وفيه أقوال :
القول الأول : قال ابن عباس : هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن سليمان : كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزياً فماتوا شر ميتة ، والمعنى : أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين .
والقول الثاني : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقال عكرمة : لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال مقاتل بن حبان : اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر . وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم كذب ، وقال بعضهم : أساطير الأولين .
والقول الثالث : في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد : هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا والاقتسام من القسم لا من القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة .
البحث الثالث : أن قوله : { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء؟
والجواب عنه من وجهين :
الوجه الأول : التقدير : ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل .
فإن قيل : فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله : { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } [ الحجر : 88 ] إلى آخره؟
قلنا : لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم ، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم .
والوجه الثاني : أن يتعلق هذا الكلام بقوله : { وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين } . (9/336)
واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين : إما التزام إضمار أو التزام حذف ، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلناه على المقتسمين ، وعلى هذا الوجه ، المفعول محذوف وهو المشبه ، ودل عليه المشبه به ، وهذا كما تقول : رأيت كالقمر في الحسن ، أي رأيت إنساناً كالقمر في الحسن ، وأما الحذف فهو أن يقال : الكاف زائدة محذوفة ، والتقدير : إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين ، وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] والتقدير : ليس مثله شيء ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى الإضمار والحذف ، والتقدير : إني أنا النذير أي أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين وقوله : { الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } فيه بحثان :
البحث الأول : في هذا اللفظ قولان : الأول : أنه صفة للمقتسمين . والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره هو قوله : { لَنَسْئَلَنَّهُمْ } [ الحجر : 92 ] وهو قول ابن زيد .
البحث الثاني : ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين :
القول الأول : أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة ، وأصلها عضوة من عضيت الشيء إذا فرقته ، وكل قطعة عضة ، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل ، والتعضية التجزئة والتفريق ، يقال : عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء وقسمتها ، وفي الحديث : « لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة » أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف . فقوله : { جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } يريد جزؤه أجزاء ، فقالوا : سحر وشعر وأساطير الأولين ومفترى .
والقول الثاني؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة ، فاستثقلوا الجمع بين هاءين ، فقالوا : عضة كما قالوا شفة ، والأصل شفهة بدليل قولهم : شافهت مشافهة ، وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال ، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب ، ومنه الحديث : « إياكم والعضة » وقال ابن السكيت : العضة بأن يعضه الإنسان ويقول فيه ما ليس فيه . وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه ، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى : { جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } أي جعلوه مفترى . وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف ، فجعل الجمع بالواو والنون عوضاً مما لحقها من الحذف .
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)
في الآية مسائل : (9/337)
المسألة الأولى : قوله : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يحتمل أن يكون راجعاً إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي ، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله : { وَقُلْ إِنِّى أَنَا النذير المبين } [ الحجر : 89 ] أي لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين ، فيعود قوله : { فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } على الكل ، ولا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان ، بل السؤال واقع عنهما وعن جميع الأعمال ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل .
فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : { لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وبين قوله : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسئلون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا؟
ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف ، لأنه لو كان المراد من قوله : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل الأوقات .
والوجه الثاني : في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات ، والإثبات إلى وقت آخر ، لأن يوم القيامة يوم طويل .
ولقائل أن يقول : قوله؛ { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } [ الرحمن : 39 ] هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم ، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض .
والوجه الثالث : أن نقول : قوله : { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } يفيد عموم النفي وقوله : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } عائد إلى المقتسمين وهذا خاص ولا شك أن الخاص مقدم على العام . أما قوله : { فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق والفصل ، وأنشد ابن السكيت لجرير :
هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم ... بالحق يصدع ما في قوله حيف
فقال يصدع يفصل ، وتصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } [ الروم : 43 ] قال الفراء : يتفرقون . والصدع في الزجاجة الإبانة ، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمي صداعاً لأن قحف الرأس عند ذلك الألم كأنه ينشق . قال الأزهري : وسمي الصبح صديعاً كما يسمى فلقاً . وقد انصدع وانفلق الفجر وانفطر الصبح .
إذا عرفت هذا فقول : { فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } أي فرق بين الحق والباطل ، وقال الزجاج : فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً كقولك صرح بها ، وهذا في الحقيقة يرجع أيضاً إلى الشق والتفريق ، أما قوله : { بِمَا تُؤْمَرُ } ففيه قولان : الأول : أن يكون «ما» بمعنى الذي أي بما تؤمر به من الشرائع ، فحذف الجار كقوله :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... الثاني : أن تكون «ما» مصدرية أي فاصدع بأمرك وشأنك . قالوا : وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية . (9/338)
ثم قال تعالى : { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية القتال وهو ضعيف ، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخاً .
ثم قال : { إِنَّا كفيناك المستهزءين } قيل : كانوا خمسة نفر من المشركين : الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى عقب الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لأخذه فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات ، وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال : لدغت لدغت وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ومات ، وأشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي ، وأشار إلى أنف عدي بن قيس ، فامتخط قيحاً فمات وأشار إلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات .
واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين وفي أسمائهم وفي كيفية طريق استهزائهم ، ولا حاجة إلى شيء منها ، والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في علو قدره وعظم منصبه ، ودل القرآن على أن الله تعالى أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم ، والله أعلم .
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)
اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون وأولئك المستهزؤون قال له : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال له : { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة واختلف الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن؟ فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية ، ومتى حصل ذلك الإنكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة ، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها ، وعند ذلك يزول الحزن والغم . وقالت المعتزلة : من اعتقد تنزيه الله تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق ، فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض ولا فائدة فحينئذ يطيب قلبه ، وقال أهل السنة : إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات كأنه يقول : تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات ، وقوله : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد الموت وسمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن . (9/339)
فإن قيل : فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟
قلنا : المراد منه : { واعبد رَبَّكَ } في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة ، والله أعلم .
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)
سورة النحل (9/340)
مكية غير ثلاث آيات في أخرها
وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية ، وقال آخرون : من أولها إلى قوله : { كُنْ فَيَكُونُ } مدني وما سواه فمكي ، وعن قتادة بالعكس .
واعلم أن هذه السورة تسمى سورة النعم وهي مائة وعشرون وثمان آيات مكية .
بسم الله الرحمن الرحيم
{ أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إله إِلآ أَنَاْ فاتقون } .
فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة :
فالسؤال الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر ، وتارة بعذاب يوم القيامة ، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة ، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به . وروي أنه لما نزل قوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } [ القمر : 1 ] قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئاً مما تخوفنا به ، فنزل قوله : { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } [ الأنبياء : 1 ] فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزل قوله : { أتى أَمْرُ الله } فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب .
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وفي تقرير هذا الجواب وجهان :
الوجه الأول : أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها : قد جاءك الغوث فلا تجزع .
والوجه الثاني : وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع ، فأما المحكوم به فإنما لم يقع ، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل : أمر الله وحكمه بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله ، إلا أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل ، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت .
السؤال الثاني : قالت الكفار : هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة ، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام . (9/341)
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد ، والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و { مَا } في قوله : { عَمَّا يُشْرِكُونَ } يجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : سبحانه وتعالى عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي ، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله ، لأنها جمادات خسيسة ، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلاً عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسموات .
السؤال الثالث : هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين بالضراء ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ، وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } وتقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد والعبادة وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة ، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة ، فبهذا الطريق صار مخصوصاً بهذه المعارف من دون سائر الخلق ، وظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه والله أعلم . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي : ( ينزل ) بالياء وكسر الزاي وتشديدها ، والملائكة بالنصب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُنَزّل } بضم الياء وكسر الزاي وتخفيفها ، والأول من التفعيل ، والثاني من الأفعال ، وهما لغتان :
المسألة الثانية : روي عن عطاء عن ابن عباس قال : يريد بالملائكة جبريل وحده . قال الواحدي : وتسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيساً مقدماً جائز كقوله تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ } [ نوح : 1 ] { وَإِنَا أنزلناه } [ يوسف : 2 ] . { وإِنَا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر : 9 ] وفي حق الناس كقوله : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } [ آل عمران : 173 ] وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك وقوله : { بالروح مِنْ أَمْرِهِ } فيه قولان :
القول الأول : أن المراد من الروح الوحي وهو كلام الله ونظيره قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] وقوله : { يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ }
[ غافر : 15 ] قال أهل التحقيق : الجسد موات كثيف مظلم ، فإذا اتصل به الروح صار حياً لطيفاً نورانياً . فظهرت آثار النور في الحواس الخمس ، ثم الروح أيضاً ظلمانية جاهلة ، فإذا اتصل العقل بها صارت مشرقة نورانية ، كما قال تعالى؛ { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } [ النحل : 78 ] ثم العقل أيضاً ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد ، وعالم الدنيا والآخرة ، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن . (9/342)
إذا عرفت هذا فنقول : القرآن والوحي به تكمل المعارف الإلهية ، والمكاشفات الربانية وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل ، والعقل به يكمل جوهر الروح ، والروح به يكمل حال الجسد ، وعند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن ، لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة ، ونوم الغفلة ، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة ، ومما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله : { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193 ، 194 ] وعلى عيسى عليه السلام في قوله : { رَّوْحِ الله } [ يوسف : 87 ] وإنما حسن هذا الإطلاق ، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف ، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى ، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى .
والقول الثاني : في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح ههنا جبريل عليه السلام ، والباء في قوله : { بالروح } بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه ، أي مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه ، فيكون المعنى : ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل ، والأول أقرب ، وتقرير هذا الوجه : أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل وحده ، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجاً من الملائكة ، ألا ترى أن في يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة ، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال . وتارة ملك البحار . وتارة رضوان . وتارة غيرهم . وقوله : { مِنْ أَمْرِهِ } يعني أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } [ مريم : 64 ] وقوله : { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء : 27 ] وقوله : { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [ الأنبياء : 28 ] وقوله : { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل : 50 ] وقوله : { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه ، وقوله : { على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } يريد الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته ، وقوله : { أَنْ أَنْذِرُواْ } قال الزجاج : { أن } بدل من الروح والمعنى : ينزل الملائكة بأن أنذروا ، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا ، والإنذار هو الإعلام مع التخويف .
المسألة الثانية : في الآية فوائد : الفائدة الأولى : أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة ، ومما يقوى ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة : { والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } [ البقرة : 285 ] فبدأ بذكر الله سبحانه ثم أتبعه بذكر الملائكة ، لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة ، وذلك الوحي هو الكتب ، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو الابتداء بذكر الله تعالى ، ثم بذكر الملائكة ، ثم بذكر الكتب وفي الدرجة الرابعة بذكر الرسل . (9/343)
إذا عرفت هذا فنقول : إذا أوحى الله تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك بأن ذلك الوحي وحي الله علم ضروري أو استدلالي . وبتقدير أن يكون استدلالياً فكيف الطريق إليه؟ وأيضاً الملك إذا بلغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول بكونه ملكاً صادقاً لا شيطاناً رجيماً ضروري أو استدلالي فإن كان استدلالياً فكيف الطريق إليه؟ فهذه مقامات ضيقة ، وتمام العلم بها لا يحصل إلا بالبحث عن حقيقة الملك وكيفية وحي الله إليه ، وكيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى الرسول . فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام وزال النظام ، وذلك لأن آيات القرآن ناطقة بأن هذا الوحي والتنزيل إنما حصل من الملائكة أو نقول : هب أن آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون الأمر كذلك قائم في بديهة العقل .
وإذا عرفت هذا فنقول : لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقاً معصوماً عن الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية ، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله تعالى ، لا من قبل شيطان خبيث ، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس وعن أفعال الشيطان ، وحينئذ يلزم الدور ، فهذا مقام صعب . أما إذا عرفنا حقيقة النبوة وعرفنا حقيقة الوحي زالت هذه الشبهة بالكلية ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله : { يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ } ليس إلا لمجرد قوله : { لآ إله إلآ أَنَاْ فاتقون } وهذا كلام حق ، لأن مراتب السعادات البشرية أربعة : أولها : النفسانية ، وثانيها : البدنية ، وفي المرتبة الثالثة : الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم ، وفي المرتبة الرابعة : الأمور المنفصلة عن البدن .
أما المرتبة الأولى : وهي الكمالات النفسانية ، فاعلم أن النفس لها قوتان : إحداهما : استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب ، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة النظرية ، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف . وأشرف المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو ، وإليه الإشارة بقوله : { أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إله إِلآ أَنَاْ } والقوة الثانية للنفس : استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم ، وهذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية ، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة ، وأشرف الأعمال الصالحة هو عبودية الله تعالى ، وإليه الإشارة بقوله : { فاتقون } ولما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات القوة النظرية ، وهي قوله : { لآ إله إِلآ أَنَاْ } على كمالات القوة العملية وهي قوله : { فاتقون } . (9/344)
وأما المرتبة الثانية : وهي السعادات البدنية فهي أيضاً قسمان : الصحة الجسدانية ، وكمالات القوى الحيوانية ، أعني القوى السبع عشرة البدنية .
وأما المرتبة الثالثة : وهي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية ، فهي أيضاً قسمان : سعادة الأصول والفروع ، أعني كمال حال الآباء . وكمال حال الأولاد .
وأما المرتبة الرابعة : وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور المنفصلة وهي المال والجاه ، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية ، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية ، فلهذا السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين القوتين فقال : { أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لآ إله إِلآ أَنَاْ فاتقون } .
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)
اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته ، وهي المراد من قوله : { أَنَّهُ لآ إله إلآ أَنَاْ } ومعرفة الخير لأجل العمل به وهي المراد من قوله : { فاتقون } [ النحل : 2 ] روح الأرواح ، ومطلع السعادات ، ومنبع الخيرات والكرامات ، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الإله تعالى وكمال قدرته وحكمته . (9/345)
واعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات ، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات أو في الصفات . أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الإمكان والحدوث في الذوات أو الصفات ، فهذه طرق ستة ، والطريق المذكور في كتب الله تعالى المنزلة ، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال . ثم هذا الطريق يقع على وجهين : أحدهما : أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى ، وهذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة ، فإنه تعالى قال : { اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ } فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد دليلاً على احتياجه إلى الخالق . ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء والأمهات ، وإليه الإشارة بقوله : { والذين مِن قَبْلِكُمْ } [ البقرة : 21 ] ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض ، وهي قوله : { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } لأن الأرض أقرب إلينا من السماء ، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله : { والسماء بِنَاء } ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض ، فقال : { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } [ البقرة : 22 ] .
الثاني من الدلائل القرآنية؛ أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون ، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة ، وذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية ، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان ، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان ، ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات ، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة ، وهذا الترتيب في غاية الحسن .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول :
النوع الأول : من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السموات والأرض فقال : { خُلِقَ * السموات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والأرض } [ الأنعام : 1 ] إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم ، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول : الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص ، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه : الأول : أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه ، وكل ما كان متناهياً في الحجم والقدر ، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امراً جائزاً ، وكل جائز فلا بد له من مقدر ومخصص ، وكل ما كان مفتقراً إلى الغير فهو محدث . الثاني : وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة ، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال .
إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال أن الأجرام والأجسام كانت معدومة في الأزل ، ثم حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت . وعلى التقديرين فلحركتها أول ، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق وتقدير ، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ومخصص له . الثالث : أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك وبعضها في سطحه ، والذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح وبالعكس ، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمراً جائزاً فيفتقر إلى المخصص والمقدر ، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام . (9/346)
واعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السموات والأرض قال بعده : { تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمراد أن القائلين بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكاً في كونه قديماً أزلياً فنزه نفسه عن ذلك ، وبين أنه لا قديم إلا هو ، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ يونس : 18 ] في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر هذه الكلمة ههنا ، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول : إن الأصنام تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم ، والمقصود ههنا إبطال قول من يقول : الأجسام قديمة ، والسموات والأرض أزلية ، فنزه الله سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية والقدم ، والله أعلم .
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)
اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان ، فلما ذكر الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك ، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان . (9/347)
واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس ، فقوله تعالى : { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ } اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم ، وقوله : { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم .
أما الطريق الأول : فتقريره أن نقول : لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة ، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة ، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان . وفي العروق هضم ثالث . وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع . ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة ، وكذا القول في اللحم والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء ، وذلك هو النطفة ، وعلى هذا التقدير تكون النطفة جسماً مختلف الأجزاء والطبائع .
إذا عرفت هذا فنقول : النطفة في نفسها إما أن تكون جسماً متشابه الأجزاء في الطبيعة والماهية ، أو مختلف الأجزاء فيها ، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ودم الطمث ، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار . والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة ، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة ، لوجب أن يكون شكلها الكرة . وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة ، بل فاعل مختار ، وهو يخلق بالحكمة والتدبير والاختيار .
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة والماهية فنقول : بتقدير أن يكون الأمر كذلك ، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه :
الوجه الأول : أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة ، وإذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة ، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل ، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمراً دائماً ولا أكثرياً ، وحيث كان الأمر كذلك ، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبيرالفاعل المختار الحكيم .
والوجه الثاني : أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع ، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسماً بسيطاً ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك ، لأن تلك التأثيرات متشابهة ، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم ، وهو المطلوب ، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار . وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ } وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله : { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } وفيه مسائل : (9/348)
المسألة الأولى : في بيان وجه الاستدلال وتقريره : أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهماً وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات ، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم ، لا يميز ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالاً وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار ، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } .
وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة :
المسألة الثانية : أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ * ثُمَّ جعلناه نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } [ المؤمنون : 12 ، 13 ] إلا أنه تعالى اختصر ههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات ، وقوله؛ { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فيه بحثان :
البحث الأول : قال الواحدي : الخصيم بمعنى المخاصم ، قال أهل اللغة : خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب ، والعشير بمعنى المعاشر ، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلاً من خصم يخصم بمعنى اختصم ، ومنه قراءة حمزة :
{ تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } [ يس : 49 ] . (9/349)
البحث الثاني : لقوله : { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } وجهان : أحدهما : فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه ، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة ، وجماداً لا حس له ولا حركة ، والمقصود منه : أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم . والثاني : فإذا هو خصيم لربه ، منكر على خالقه ، قائل : { مَن يُحييِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس : 78 ] والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل ، والتمادي في كفران النعمة ، والوجه الأول أوفق ، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران .
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)
وفيه مسائل : (9/350)
المسألة الأولى : اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة . وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، والشهوة والغضب ، ثم هذه الحيوانات قسمان : منها ما ينتفع الإنسان بها ، ومنها ما لا يكون كذلك ، والقسم الأول : أشرف من الثاني ، لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان به أكمل . وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره ، ثم نقول : والحيوان الذي ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أو لا يكون كذلك ، وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها ، والقسم الأول أشرف من الثاني ، وهذا القسم هو الأنعام ، فلهذا السبب بدأ الله بذكره في هذه الآية ، فقال : { والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ } .
واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي : الضأن ، والمعز . والإبل . والبقر ، وقد يقال أيضاً : الأنعام ثلاثة : الإبل . والبقر . والغنم . قال صاحب «الكشاف» : وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل . وقوله : { والأنعام } منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى : { والقمر قدرناه مَنَازِلَ } [ يس : 39 ] ويجوز أن يعطف على الإنسان . أي خلق الإنسان والأنعام ، قال الواحدي : تم الكلام عند قوله : { والأنعام خَلَقَهَا } ثم ابتدأ وقال : { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } ويجوز أيضاً أن يكون تمام الكلام عند قوله : { لَكُمْ } ثم ابتدأ وقال : { فِيهَا دِفْء } قال صاحب «النظم» : أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله : { خَلَقَهَا } والدليل عليه أنه عطف عليه قوله : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال .
المسألة الثانية : أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ، والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية .
فالمنفعة الأولى : قوله : { لَكُمْ فِيهَا دِفْء } وقد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال : { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } [ النحل : 80 ] والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال الأصمعي : ويكون الدفء السخونة . يقال : أقعد في دفء هذا الحائط ، أي في كنه . وقرىء : { دف } بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء .
والمنفعة الثانية : قوله : { ومنافع } قالوا : المراد نسلها ودرها ، وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم ، لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل .
والمنفعة الثالثة : قوله : { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } .
فإن قيل : قوله : { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإنه قد يؤكل من غيرها ، وأيضاً منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس ، فلم أخر منفعته في الذكر؟
قلنا : الجواب عن الأول : إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم ، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر ، فيشبه غير المعتاد . وكالجاري مجرى التفكه ، ويحتمل أيضاً أن غالب أطعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر والحب والثمار التي تأكلونها منها ، وأيضاً تكتسبون باكراء الإبل وتنتفعون بألبانها ونتاجها وجلودها ، وتشترون بها جميع أطعمتكم . (9/351)
والجواب عن السؤال الثاني : أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم ، فلهذا قدمه عليه في الذكر .
واعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام . وأما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور :
المنفعة الأولى : قوله تعالى : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلاً ، ويقال : سرح القوم إبلهم سرحاً إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى . قال أهل اللغة : هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث وكثر الكلأ وخرجت العرب للنجعة ، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت .
واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية ، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، وفرحت أربابها وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها .
فإن قيل : لم قدمت الإراحة على التسريح؟
قلنا : لأن الجمال في الإراحة أكثر . لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ، ثم اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح ، فإنها عند خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ثم تأخذ في التفرق والإنتشار ، فظهر أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح .
والمنفعة الثانية : قوله : { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : الأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس . قال ابن عباس : يريد من مكة إلى المدينة . أو إلى اليمن . أو إلى الشام . أو إلى مصر . قال الواحدي : هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل لشق عليكم وخص ابن عباس هذه البلاد ، لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد ، وقرىء : { بِشِقِّ الأنفس } بكسر الشين وفتحها ، وأكثر القراء على كسر الشين . والشق المشقة والشق نصف الشيء ، وحمل اللفظ ههنا على كلا المعنيين جائز ، فإن حملناه على المشقة كان المعنى : لم تكونوا بالغيه إلا بالمشقة ، وإن حملناه على نصف الشيء كان المعنى : لم تكونوا بالغيه إلا عند ذهاب النصف من قوتكم أو من بدنكم ويرجع عند التحقيق إلى المشقة . ومن الناس من قال : المراد من قوله : { والأنعام خَلَقَهَا } الإبل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه } وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل .
قلنا : المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصلة في الكل وبعضها مختص بالبعض ، والدليل عليه : أن قوله : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } حاصل في البقر والغنم مثل حصوله في الإبل ، والله أعلم . (9/352)
المسألة الثانية : احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا : هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس؛ وحمل الأثقال على الجمال ومثبتو الكرامات يقولون : إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة ، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلاً ، ولما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور ، لأنه لا قائل بالفرق .
وجوابه : أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات . والله أعلم .
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)
اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في المنافع الضرورية والحاجات الأصلية ، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في المنافع التي ليست بضرورية ، فقال : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } وفي الآية مسائل : (9/353)
المسألة الأولى : قوله : { والخيل والبغال والحمير } عطف على الأنعام ، أي وخلق الأنعام لكذا وكذا ، وخلق هذه الأشياء للركوب . وقوله : { وَزِينَةً } أي وخلقها زينة ، ونظيره قوله تعالى : { زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وَحِفْظاً } [ فصلت : 12 ] المعنى : وحفظناها حفظاً . قال الزجاج : نصب قوله : { وَزِينَةً } على أنه مفعول له . والمعنى : وخالقها للزينة .
المسألة الثانية : احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية . فقالوا منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب ، فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر ، وحيث لم يذكره الله تعالى علمنا أنه يحرم أكله ، ويمكن أيضاً أن يقوي هذا الاستدلال من وجه آخر . فيقال : إنه تعالى قال في صفة الأنعام : { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } [ النحل : 5 ] وهذه الكلمة تفيد الحصر ، فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام ، فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل بمقتضى هذا الحصر ، ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغال والحمير وذكر أنها مخلوقة للركوب ، فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام وغير حاصلة في هذه الأشياء ، ويمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث وهو أن قوله : { لِتَرْكَبُوهَا } يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة ، ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب ، بل كان حل أكلها أيضاً مقصوداً ، وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود ، بل يصير بعض المقصود .
وأجاب الواحدي بجواب في غاية الحسن فقال : لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوماً في مكة لأجل أن هذه السورة مكية ، ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلاً ، لأن التحريم لما كان حاصلاً قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه الشبهة فائدة ، وهذا جواب حسن متين .
المسألة الثالثة : القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكم ، احتجوا بظاهر هذه الآية فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية ، ونظيره قوله : { كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } [ إبراهيم : 1 ] وقوله : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] والكلام فيه معلوم .
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل والبغال والحمير لتركبوها وليجعلها زينة لكم فلم ترك هذه العبارة؟
وجوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة لصار المعنى أن التزين بها أحد الأمور المعتبرة في المقصود ، وذلك غير جائز ، لأن التزين بالشيء يورث العجب والتيه والتكبر ، وهذه أخلاق مذمومة والله تعالى نهى عنها وزجر عنها فكيف يقول إني خلقت هذه الحيوانات لتحصيل هذه المعاني بل قال : خلقها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة ، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ، ولكنه غير مقصود بالذات ، فهذا هو الفائدة في اختيار هذه العبارة . (9/354)
أو اعلم أنه تعالى لما ذكر أولاً : أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعاً ضرورياً وثانياً : أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعاً غير ضروري بقي القسم الثالث من الحيوانات وهي الأشياء التي لا ينتفع الإنسان بها في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبة المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحس الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية ، وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال : إن على يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع ، والبحار السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله ، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفاً البيت المعمور ، وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً ، ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة .
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)
اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال : { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } أي إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة . ويحيى من حي عن بينة وفي الآية مسائل : (9/355)
المسألة الأولى : قال الواحدي : القصد استقامة الطريق يقال : طريق قصد وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك ، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف ، والتقدير : وعلى الله بيان قصد السبيل ، ثم قال : { وَمِنْهَا جَائِرٌ } أي عادل مائل ومعنى الجور في اللغة الميل عن الحق والكناية في قوله : { وَمِنْهَا جَائِرٌ } تعود على السبيل ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز يعني ومن السبيل ما هو جائر غير قاصد للحق وهو أنواع الكفر والضلال ، والله أعلم .
المسألة الثانية؛ قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار ، لأنه تعالى قال : { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } وكلمة «على» للوجوب قال تعالى : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران : 97 ] ودلت الآية أيضاً على أنه تعالى لا يضل أحداً ولا يغويه ولا يصده عنه ، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلاً للضلال لقال : { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } وعليه جائرها أو قال : وعليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه ، ولم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال { وَمِنْهَا جَائِرٌ } دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحداً .
أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار ، وما أراد منهم الإيمان ، لأن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله؛ { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ } معناه : لو شاء هدايتكم لهداكم ، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم ، وذلك يدل على المقصود .
وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم ، وهذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل .
وأجاب الجبائي بأن المعنى : ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه ، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان ، لأنه مقدور جميع المكلفين .
وأجاب بعضهم فقال المراد : ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل ، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين ، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب ، والله أعلم .
واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مراراً وأطواراً مع الجواب فلا فائدة في الإعادة .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)
اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات ، فلما قرر الله تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات ، أتبعه في هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات . (9/356)
واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر ، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مراراً ، والحاصل : أن ماء المطر قسمان : أحدهما : هو الذي جعله الله تعالى شراباً لنا ولكل حي ، وهو المراد بقوله : { لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْء حيّ } [ الأنبياء : 30 ] .
فإن قيل : أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر ، أو تقولون قد يكون منه وقد يكون من غيره ، وهو الماء الموجود في قعر الأرض؟
أجاب القاضي : بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره .
ولقائل أن يقول : ظاهر الآية يدل على الحصر ، لأن قوله : { لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ } يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره .
إذا ثبت هذا فنقول : لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأرض } [ المؤمنون : 18 ] ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر ، والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله : { وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ } إلى آخر الآية ، وفيه مباحث :
البحث الأول : ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة ، وهذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب ، وههنا قولان :
القول الأول : قال الزجاج : كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد :
يطعمها اللحم إذا عز الشجر ... يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض ، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ .
ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن : 6 ] والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ، ومن الشجر ما له ساق ، هكذا قال المفسرون ، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضاً فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط ، يقال : تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى : { حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [ النساء : 65 ] ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه .
القول الثاني : أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول . (9/357)
البحث الثاني : قوله : { فِيهِ تُسِيمُونَ } أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال : أسمت الماشية إذا خليتها ترعى ، وسامت هي تسوم سوماً إذا رعت حيث شاءت فهي سوام وسائمة قال الزجاج : أخذ ذلك من السومة وهي العلامة . وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات ، وقال غيره : لأنها تعلم للإرسال في المرعى ، وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى : { والخيل المسومة } [ آل عمران : 14 ] .
أما قوله تعالى : { يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب } ففيه مباحث :
البحث الأول : هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان : أحدهما : معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات ، وهو المراد من قوله : { فِيهِ تُسِيمُونَ } . والثاني : ما كان مخلوقاً لأكل الإنسان وهو المراد من قوله : { يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون } .
فإن قيل : إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات ، وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان ، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان ، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال : { كُلُواْ وارعوا أنعامكم } [ طه : 54 ] فما الفائدة فيه؟
قلنا : أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه ، وأما الترتيب المذكور في الآية الأخرى ، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله عليه السلام : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول »
البحث الثاني : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { ننبت } بالنون على التفخيم والباقون بالياء ، قال الواحدي : والياء أشبه بما تقدم .
البحث الثالث : اعلم أن الإنسان خلق محتاجاً إلى الغذاء ، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من النبات . والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي ، لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي ، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الأسامة ، وأما الغذاء النباتي فقسمان : حبوب . وفواكه ، أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون . والنخيل . والأعناب ، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج ، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه ، فظاهر معلوم ، وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل ، ثم قال في صفة البقية : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
[ النحل : 8 ] فكذلك ههنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات ، قال في صفة البقية : { وَمِن كُلّ الثمرات } تنبيهاً على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات ، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل . (9/358)
ثم قال : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وههنا بحثان :
البحث الأول : في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى فنقول : إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها ، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء . ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة ، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى ، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب ، فإن قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان ، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان .
إذا عرفت هذا فنقول : نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة . ومع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة والصفة ، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة .
البحث الثاني : أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه : { أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً . . . يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب } .
ولقائل أن يقول : لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال : إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب؟ وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاماً وافياً بإفادة هذا المطلوب ، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقياً ، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله : { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)
في الآية مسائل : (9/359)
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال الذي ذكرناه من وجهين : الأول : أن نقول : إن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية والتشكلات الكوكبية إلا أنه لا بد لحركاتها واتصالاتها من أسباب ، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها ، والأول باطل لوجهين : الأول : أن الأجسام متماثلة ، فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة وهو محال ، والثاني : أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات ، ولو كان كذلك ، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلاً ، وذلك يوجب كونه ساكناً ، ويمنع من كونه متحركاً ، فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكناً لذاته وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلاً ، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركاً لكونه جسماً ، فبقي أن يكون متحركاً لغيره ، وذلك الغير إما أن يكون سارياً فيه أو مبايناً عنه ، والأول باطل ، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك القوة بعينها دون سائر الأجسام ، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور مباينة عنها ، وذلك المباين إن كان جسماً أو جسمانياً عاد التقسم الأول فيه ، وإن لم يكن جسماً ولا جسمانياً فإما أن يكون موجباً بالذات أو فاعلاً مختاراً والأول باطل ، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية ، فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض ، ولما بطل هذا ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه جسماً وجسمانياً ، وذلك هو الله تعالى ، فالحاصل أنا ولو حكمنا بإسناد حوادث العالم السفلي إلى الحركات الفلكية والكوكبية فهذه الحركات الكوكبية والفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو محال ، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله تعالى ، وإذا كانت الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية ، وثبت أن الحركات الفلكية حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه ، فكان هذا اعترافاً بأن الكل من الله تعالى وبإحداثه وتخليقه ، وهذا هو المراد من قوله : { وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر } يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب الليل والنهار وحركات الشمس والقمر ، فهذه الأشياء لا بد وأن يكون حدوثها بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعاً للتسلسل ، ولما تم هذا الدليل في هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله : { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يعني أن كل من كان عاقلاً علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين .
والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول : نحن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم ، وذلك لأن تأثير الطبائع والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة إلى الكل واحد ، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع ، بل نقول : إنا نرى في الورد ما يكون أحد وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة ، والوجه الثاني من تلك الورقة في غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة ، ونعلم بالضرورة أن نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة ، نسبة واحدة ، والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلاً واحداً ، ألا ترى أنهم قالوا : شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن يكون متشابهاً ، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة ، وأيضاً إذا وضعنا الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب ، وجب أن يحصل مثل هذا الأثر في جميع الجوانب ، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها إلى كل الجوانب . (9/360)
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع إلى وجهي تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة ، وثبت أن الطبيعة المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابهاً وثبت أن الأثر غير متشابه ، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة ، والوجه الثاني في غاية الحمرة فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والألوان والأحوال ليس هو الطبيعة ، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وهذا هو المراد من قوله : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الأرض مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } .
واعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة ، فلما دل الحس في هذه الأجسام النباتية على اختلاف صفاتها وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجباً بالذات بل فاعلاً مختاراً فهذا تمام تقرير هذه الدلائل وثبت أن ختم الآية الأولى بقوله : { لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } والآية الثانية بقوله : { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } والآية الثالثة بقوله : { لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } هو الذي نبه على هذه الفوائد النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد لله على ألطافه في الدين والدنيا .
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : { والشمس والقمر والنجوم } كلها بالرفع على الابتداء والخبر هو قوله : { مسخرات } وقرأ حفص عن عاصم : { والنجوم } بالرفع على أن يكون قوله : { والنجوم } ابتداء وإنما حملها على هذا لئلا يتكرر لفظ التسخير ، إذ العرب لا تقول سخرت هذا الشيء مسخراً فجوابه أن المعنى أنه تعالى سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة تحت قدرته وإرادته ، وهذا هو الكلام الصحيح ، والتقدير : أنه تعالى سخر للناس هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحها حال كونها مسخرة تحت قدرة الله تعالى وأمره وإذنه ، وعلى هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم والله أعلم . بقي في الآية سؤالات :
السؤال الأول : التسخير عبارة عن القهر والقسر ، ولا يليق ذلك إلا بمن هو قادر يجوز أن يقهر ، فكيف يصح ذلك في الليل والنهار وفي الجمادات والشمس والقمر؟ (9/361)
والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة واحدة مطابقة لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع ، فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير . وعن الوجه الثاني في الجواب : وهو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب علم الهيئة ، وذلك لأنهم يقولون : الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق والله تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب ، فكانت هذه الحركة قسرية ، فلهذا السبب ورد فيها اللفظ التسخير .
السؤال الثاني : إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات الشمس كان ذكر النهار والليل مغنياً عن ذكر الشمس .
والجواب : أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس ، بل حدوثهما بسبب حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه ، وأما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم .
السؤال الثالث : ما معنى قوله : { مسخرات بِأَمْرِهِ } والمؤثر في التسخير هو القدرة لا الأمر .
والجواب : أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا ، وأكثر المسلمين على أنها جمادات ، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق والتقدير ، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير قال تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] ومن الناس من يقول إنها ليست جمادات فههنا يحمل الأمر على الأذن والتكليف ، والله أعلم .
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)
اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات ، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه ، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات ، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء . (9/362)
واعلم أن علماء الهيئة قالوا : ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء وذاك هو البحر المحيط وهو كلية عنصر الماء وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده : { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } [ لقمان : 27 ] والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار ، ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص .
واعلم أن منافع البحار كثيرة والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع :
المنفعة الأولى : قوله تعالى : { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز ، وقد طرو يطرو طراوة ، وقال الفراء : طرا يطرا طراء ممدوداً وطراوة كما يقال شقى يشقى شقاء وشقاوة .
واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة ، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحاً ، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة ، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد .
المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رحمه الله : لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث قالوا : لأن لحم السمك ليس بلحم ، وقال آخرون : إنه يحنث لأنه تعالى نص على كونه لحماً في هذه الآية وليس فوق بيان الله بيان . روي أن أبا حنيفة رحمه الله لما قال بهذا القول وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ذلك ، واحتج عليه بهذه الآية بعث إليه رجلاً وسأله عن رجل حلف لا يصلي على البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا؟ قال سفيان : لا يحنث فقال السائل : أليس أن الله تعالى قال : { والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً } [ نوح : 19 ] قال فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة .
ولقائل أن يقول : هذا الكلام ليس بقوي ، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا العمل بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك العمل بظاهر القرآن في آية أخرى والفرق بين الصورتين من وجهين : الأول : أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن نمنعه من الصلاة ، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة بالبساط لزمه الحنث لا محالة ، ولو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضاً على تقدير أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط ، فهذا يقتضي منعه من الصلاة ، وذلك مما لا سبيل إليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم ، لأنه ليس في منعه من أكل اللحم على الإطلاق محذور فظهر الفرق . الثاني : أنا نعلم بالضرورة من عرف أهل اللغة أن وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز أما وقوع اسم اللحم على لحم السمك فلم يعرف أنه مجاز ، فظهر الفرق ، والله أعلم .
وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن : مبنى الأيمان على العادة ، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بالسمك كان حقيقاً بالإنكار . (9/363)
والجواب : أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ وتارة تعتبرون العرف ، وما رأيناكم ذكرتم ضابطاً بين القسمين والدليل عليه أنه إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحماً فجاء بلحم العصفور كان حقيقاً بالإنكار عليه ، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور ، فثبت أن العرف مضطرب ، والرجوع إلى نص القرآن متعين ، والله أعلم .
المنفعة الثانية : من منافع البحر قوله تعالى : { وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن : 22 ] والمراد : بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من جملتهم ، ولأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم ، ورأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي المباح بحديث عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا زكاة في الحلي » فقلت هذا الحديث ضعيف الرواية وبتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ الحلي لفظ مفرد محلى بالألف واللام ، وقد بينا في أصول الفقه أن هذا اللفظ يجب حمله على المعهود السابق ، والحلي الذي هو المعهود السابق هو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في هذه الآية وهو قوله : { وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } فصار بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللآلىء ، وحينئذ يسقط الاستدلال به ، والله أعلم .
المنفعة الثالثة : قوله تعالى : { وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } قال أهل اللغة : مخر السفينة شقها الماء بصدرها ، وعن الفراء : أنه صوت جري الفلك بالرياح .
إذا عرفت هذا فقول ابن عباس : { مَوَاخِرَ } أي جواري ، إنما حسن التفسير به ، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية . وقوله تعالى : { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره ، والله أعلم .
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)
اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في الأرض . (9/364)
فالنعمة الأولى : قوله : { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } يعني لئلا تميد بكم على قول الكوفيين وكراهة أن تميد بكم على قول البصريين ، وذكرنا هذا عند قوله تعالى : { يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [ النساء : 176 ] والميد الحركة والاضطراب يميناً وشمالاً يقال : ماد يميد ميداً .
المسألة الثانية : المشهور عن الجمهور في تفسير هذه الآية أن قالوا : إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء ، فإنها تميد من جانب إلى جانب ، وتضطرب ، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء فاستوت . قالوا فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت ، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل هذه الجبال .
ولقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه : الأول : أن هذا التعليل إما أن يذكر مع تسليم كون الأرض والماء ثقيلة بالطبع أو مع المنع من هذا الأصل ومع القول بأن حركات هذه الأجسام بطباعها أو ليست بطباعها بل هي واقعة بتخليق الفاعل المختار ، أما على التقدير الأول فهذا التعليل مشكل ، لأن على هذا الأصل لا شك أن الأرض أثقل من الماء ، والأثقل من الماء يغوص في الماء ولا يبقى طافياً عليه وإذا لم يبق طافياً عليه امتنع أن يقال : إنها تميد وتميل وتضطرب ، وهذا بخلاف السفينة لأنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات مملوءة من الهواء ، فلهذا السبب تبقى الخشبة طافية على الماء فحينئذ تضطرب وتميد وتميل على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق ، وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال : ليس للأرض ولا للماء طبائع توجب الثقل والرسوب والأرض إنما تنزل ، لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك وإنما صار الماء محيطاً بالأرض لمجرد إجراء العادة ، وليس ههنا طبيعة للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة فنقول : فعلى هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هي أن الله تعالى يخلق فيها الحركة وعلى هذا التقدير فإنه يفسد القول بأن الأرض كانت مائلة فخلق الله الجبال وأرساها عليها لتبقى ساكنة ، لأن هذا إنما يصح إذا كان طبيعة الأرض توجب الميدان وطبيعة الجبال توجب الإرساء والثبات ، ونحن إنما نتكلم الآن على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال ، فثبت أن هذا التعليل مشكل على كل التقديرات .
السؤال الثاني : هو أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب ، وهذا إنما يعقل إذا كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفاً فنقول : فما المقتضى لسكون ذلك الماء ووقوفه في حيزه المخصوص ، فإن قلت : المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص هو أن طبيعته المخصوصة توجب وقوفه في ذلك المعين ، فلم لا تقول : مثله في الأرض وهو أن الطبيعة المخصوصة التي للأرض توجب وقوفها في ذلك الحيز المعين وذلك يفيد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى أرساها بالجبال . فإن قلت : المقتضى لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله تعالى سكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص ، فلم لا تقول مثله في سكون الأرض ، وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضاً .
السؤال الثالث : أن مجموع الأرض جسم عظيم ، فبتقدير أن تميد كليته وتضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس . (9/365)
فإن قيل : أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل ، وتظهر تلك الحركات للناس فبم تنكرون على من يقول : إنه لولا الجبال لتحركت الأرض ، إلا أنه تعالى لما أرساها بالجبال الثقال لم تقو الرياح على تحريكها .
قلنا : تلك البخارات إنما احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض ، فلما حصلت الحركة في تلك القطعة الصغيرة ظهرت تلك الحركة . قال القائلون بهذا القول : إن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج يحصل في عضو معين من بدن الإنسان أما لو حركت كلية الأرض لم تظهر تلك الحركة ، ألا ترى أن الساكن في السفينة لا يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت واقعة على أسرع الوجوه وأقواها فكذا ههنا ، فهذا ما في هذا الموضع من المباحث الدقيقة العميقة والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن يقال ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة ، وثبت أن هذه الجبال على سطح هذه الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة .
إذا ثبت هذا فنقول : لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت الأرض كرة حقيقية خالية عن الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرك بالاستدارة بأدنى سبب لأن الجرم البسيط المستدير إما أن يجب كونه متحركاً بالاستدارة على نفسه وإن لم يجب ذلك عقلاً إلا أنه بأدنى سبب يتحرك على هذا الوجه ، أما لما حصل على ظاهر سطح كرة الأرض هذه الجبال وكانت كالخشونات الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه نحو مركز العالم وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون جارياً مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة ، فكان تخليق هذه الجبال على وجه الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة المستديرة ، فكانت مانعة للأرض من الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت الأرض من الحركة المستديرة ، فهذا ما وصل إليه بحثي في هذا الباب . والله أعلم بمراده .
النعمة الثانية : من النعم التي أظهرها الله تعالى على وجه الأرض هي أنه تعالى أجرى الأنهار على وجه الأرض واعلم أنه حصل ههنا بحثان : (9/366)
البحث الأول : أن قوله : { وَأَنْهَاراً } معطوف على قوله : { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } والتقدير وألقى رواسي وأنهاراً . وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى بالإلقاء فيقال : ألقى الله في الأرض أنهاراً كما قال : { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } [ قَ : 7 ] والإلقاء معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى : { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا } [ فصلت : 10 ] والإلقاء يقارب الإنزال ، لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من هذا الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } [ طه : 39 ] .
البحث الثاني : أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر منابعها في الجبال ، فلهذا السبب لما ذكر الله تعالى الجبال أتبع ذكرها بتفجير العيون والأنهار .
النعمة الثالثة : قوله : { وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } وهي أيضاً على قوله : { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } والتقدير : وألقى في الأرض سبلاً ومعناه : أنه تعالى أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية أخرى : { وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } [ طه : 53 ] وقوله : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } أي لكي تهتدوا .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلاً معينة ذكر أنه أظهر فيها علامات مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده فقال : { وعلامات } وهي أيضاً معطوفة على قوله : { فِى الأرض رَوَاسِىَ } والتقدير : وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهاراً وسبلاً وألقى فيها علامات والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدي ، وهذه العلامات هي الجبال والرياح ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرق . قال الأخفش تم الكلام عند قوله : { وعلامات } وقوله : { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك : كثر الدرهم في أيدي الناس . وعن السدي هو الثريا ، والفرقدان ، وبنات نعش ، والجدي ، وقرأ الحسن : { وبالنجم } بضمتين وبضمة فسكون ، وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل : حذف الواو من النجم تخفيفاً .
فإن قيل : قوله : { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } خطاب الحاضرين وقوله : { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } خطاب للغائبين فما السبب فيه؟
قلنا : إن قريشاً كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان علمه بالمنافع الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله : { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه ، والله أعلم .
واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله : { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } مختص بالبحر ، لأنه تعالى لما ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه يهتدون بالنجم ، ومنهم من قال : بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر وهذا القول أولى ، لأنه أعم في كونه نعمة ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في الوقتين معاً ، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلاً على أن المسافر إذا عميت عليه القبلة فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في الأرض ، وهي الجبال والرياح ، وذلك صحيح ، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في معرفة الطرق والمسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة .
واعلم أن اشتباه القبلة إما أن يكون بعلامات لائحة أو لا يكون ، فإن كانت لائحة وجب أن يجب الاجتهاد ويتوجه إلى حيث غلب على الظن أنه هو القبلة ، فإن تبين الخطأ وجب الإعادة ، لأنه كان مقصراً فيما وجب عليه ، وإن لم تظهر العلامات فههنا طريقان : (9/367)
الطريق الأول : أن يكون مخيراً في الصلاة إلى أي جهة شاء لأن الجهات لما تساوت وامتنع الترجيح لم يبق إلا التخيير .
والطريق الثاني : أن يصلي إلى جميع الجهات فحينئذ يعلم بيقين أنه خرج عن العهدة وهذا كما يقوله الفقهاء : فيمن نسي صلاة لا يعرفها بعينها أن الواجب عليه في القضاء أن يأتي بالصلوات الخمس ليكون على يقين من قضاء ما لزمه ، ومنهم من يقول : الواجب منها واحدة فقط وهذا غلط لأنه لما لزمه أن يفعل الكل كان الكل واجباً وإن كان سبب وجوب كل هذه الصلوات فوت الصلاة الواحدة ، والله أعلم .