صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال : 32 ] . وكقول آخرين { ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } [ العنكبوت : 29 ] .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» : قوله : { واستفتحوا } معطوف على قوله : { فأوحى إِلَيْهِمْ } وقرىء واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله : { لَنُهْلِكَنَّ } أي أوحى إليهم ربهم ، وقال لهم : { لَنُهْلِكَنَّ } وقال لهم { استفتحوا } .
ثم قال تعالى : { واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إن قلنا : المستفتحون هم الرسل ، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وهم قومهم؛ وإن قلنا : المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى : أن الكفار استفتحوا على الرسل ظناً منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل .
المسألة الثانية : الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته . ومنه قوله تعالى : { وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } [ مريم : 14 ] قال أبو عبيدة عن الأحمر : يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج : الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء . قال الواحدي : فهي ثمان لغات في مصدر الجبار ، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أمراً فأبت عليه فقال : " دعوها فإنها جبارة " أي مستكبرة ، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه ، قال النضر بن شميل : العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره : أصله من العند وهو الناحية يقال : فلان يمشي عنداً ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضاً ، وعاند فلان فلاناً إذا جانبه وكان منه على ناحية .
إذا عرفت هذا فنقول : كونه جباراً متكبراً إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيداً إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانباً عن الحق منحرفاً عنه ، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائباً عن كل الخيرات خاسراً عن جميع أقسام السعادات .
واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جباراً عنيداً ، وصف كيفية عذابه بأمور : الأول : قوله : { مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } وفيه إشكال وهو أن المراد : أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام؟
وأجابوا عنه من وجوه : الأول : أن لفظ «وراء» اسم لما يوارى عنك ، وقدام وخلف متوار عنك ، فصح إطلاق لفظ «وراء» على كل واحد منهما . قال الشاعر :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
ويقال أيضاً : الموت وراء كل أحد . الثاني : قال أبو عبيدة وابن السكيت : الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفاً فإنه يجوز أن ينقلب قداماً وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام ، ومنه قوله تعالى :

(9/228)


{ وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ } [ الكهف : 79 ] أي أمامهم ، ويقال : الموت من وراء الإنسان . الثاني : قال ابن الأنباري «وراء» بمعنى بعد . قال الشاعر :
وليس وراء الله للمرء مذهب ... أي وليس بعد الله مذهب .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله : { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } .
ثم قال : { وَمِن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ } أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم .
النوع الثاني : مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله : { ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } وفيه سؤالات :
السؤال الأول : علام عطف { ويسقى } .
الجواب : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد .
السؤال الثاني : عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة بالذكر؟
الجواب : يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله : { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } .
السؤال الثالث : ما وجه قوله : { مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ } .
الجواب : أنه عطف بيان والتقدير : أنه لما قال : { ويسقى مِن مَّاءٍ } فكأنه قيل : وما ذلك الماء فقال : { صَدِيدٍ } والصديد ما يسيل جلود أهل النار . وقيل : التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضاً يكون في نفسه صديداً ، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله : { وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } [ محمد : 15 ] . { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل يَشْوِى الوجوه بِئْسَ الشراب } [ الكهف : 29 ] .
السؤال الرابع : ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه .
الجواب : التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، ويقال : ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً وأساغه إساغة . واعلم أن ( يكاد ) فيه قولان :
القول الأول : أن نفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فقوله : { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول : ما كدت أقوم ، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } [ البقرة : 71 ] يعني فعلوا بعد إبطاء ، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى : { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود } [ الحج : 20 ] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة ، وأيضاً فإن قوله : { يَتَجَرَّعُهُ } يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة .
والقول الثاني : أن كاد للمقاربة فقول : { لاَ يَكَادُ } لنفي المقاربة يعني : ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور : 40 ] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها .
فإن قيل : فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة ، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه .

(9/229)


قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن المعنى : لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض وما ساغ الجميع . الثاني : أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف الكافر ، إلا أن ذلك ليس بإساغة ، لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه ، أي لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة ، والله أعلم .
النوع الثالث : مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله : { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } [ إبراهيم : 17 ] والمعنى : أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ، ومع ذلك فإنه لا يموت وقيل من كل جزء من أجزاء جسده .
النوع الرابع : قوله : { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } وفيه وجهان : الأول : أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائماً غير منقطع . الثاني : أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشد مما قبله . قال المفضل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد ، والله أعلم .

(9/230)


مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً ، وذلك هو الخسران الشديد . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في ارتفاع قوله : { مَثَلُ الذين } وجوه : الأول : قال سيبويه : التقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم ، وقوله : { كَرَمَادٍ } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول : كيف مثلهم فقيل : أعمالهم كرماد . الثاني : قال الفراء : التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله : { أعمالهم } ومثله قوله تعالى : { الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } [ السجدة : 7 ] أي خلق كل شيء ، وكذا قوله : { وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } [ الزمر : 60 ] المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة . الثالث : أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول . الرابع : أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله : { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ } والتقدير : مثل أعمالهم وقوله : { كَرَمَادٍ } هو الخبر . الخامس : أن يكون المثل صلة وتقديره : الذين كفروا أعمالهم .
المسألة الثانية : اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال ، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر ، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر ، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه :
الوجه الأول : أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع ، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم ، ولولا كفرهم لانتفعوا بها .
والوجه الثاني : أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيماناً وطريقاً إلى الخلاص ، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم .
والوجه الثالث : أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين ، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت ، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضاً وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى : { ذلك هُوَ الضلال البعيد } .
المسألة الثالثة : قرىء الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم ، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور لريحها قال الفراء : وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف ، وإن شئت قلت : في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكوراً قبل ذلك ، وقرىء في يوم عاصف بالإضافة .

(9/231)


المسألة الرابعة : قوله : { لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَىْء } أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد ، وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسباً لأفعاله .
واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض بالحق } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة ، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء ، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب .
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { خالق السموات والأرض } على اسم الفاعل على أنه خبر أن والسموات والأرض على الإضافة كقوله : { فَاطِرَ السموات والأرض } [ إبراهيم : 10 ] . { فَالِقُ الإصباح } [ الأنعام : 95 ] . و { جَعَلَ اليل سَكَناً } [ الأنعام : 96 ] والباقون خلق على فعل الماضي : { السموات والأرض } بالنصب لأنه مفعول .
المسألة الثالثة : قوله : { بالحق } نظير لقوله في سورة يونس : { وَمَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق } [ يونس : 5 ] ولقوله في آل عمران : { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران : 191 ] ولقوله في ص : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } [ ص : 27 ] أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، وأما المعتزلة فيقولون : إلا بالحق ، أي لم يخلق ذلك عبثاً بل لغرض صحيح .
ثم قال تعالى : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } والمعنى : أن من كان قادراً على خلق السموات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى ، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادراً على الأسهل الأضعف أولى . قال ابن عباس : هذا الخطاب مع كفار مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم .
ثم قال : { وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى ، والله أعلم .

(9/232)


وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)

اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم . وهذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة والخجالة ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء . ومنه يقال للمكان الواسع : البراز لظهوره ، وقيل في قوله : { وَتَرَى الأرض بَارِزَةً } [ الكهف : 47 ] أي ظاهرة لا يسترها شيء ، وامرأة برزة إذا كانت تظهر للناس . ويقال : برز فلان على أقرانه إذا فاقهم وسبقهم ، وأصله في الخيل إذا سبق أحدها . قيل : برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر .
إذا عرفت هذا فنقول : ههنا أبحاث :
البحث الأول : قوله : { وَبَرَزُواْ } ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال ، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } [ الأعراف : 50 ] .
البحث الثاني : قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه : الأول : أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية . الثاني : أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه . الثالث : وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله .
البحث الثالث : قال أبو بكر الأصم قوله : { وَبَرَزُواْ للَّهِ } هو المراد من قوله في الآية السابقة : { وَمِن وَرآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } [ إبراهيم : 17 ] .
واعلم أن قوله : { وَبَرَزُواْ للَّهِ } قريب من قوله : { يَوْمَ تبلى السرائر * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ } [ الطارق : 9 ، 10 ] وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم والأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية ، وأحوالهم العلوية ، ووجوههم المشرقة ، وأرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال؛ ويعظم فيها إشراق عالم القدس ، فما أجل تلك الأحوال وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة ، ومنازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة ، ومذلة الفضيحة ، وموقف المهانة والفزع ، نعوذ بالله منها . ثم حكى الله تعالى أن الضعفاء يقولون للرؤساء : هل تقدرون على دفع عذاب الله عنا؟ والمعنى : أنه إنما اتبعناكم لهذا اليوم ، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزي والعجز والذل . قالوا : { سَوآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } ومن المعلوم أن اعتراف الرؤساء والسادة والمتبوعين بمثل هذا العجز والخزي والنكال يوجب الخجالة العظيمة والخزي الكامل التام ، فكان المقصود من ذكر هذه الآية : استيلاء عذاب الفضيحة والخجالة والخزي عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع العذاب والعقاب نعوذ بالله منها ، والله أعلم .

(9/233)


المسألة الثانية : كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف ، والسبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ، ونظيره علماء بني إسرائيل .
المسألة الثالثة : الضعفاء الأتباع والعوام ، والذين استكبروا هم السادة والكبراء . قال ابن عباس : المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله تعالى : { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أي في الدنيا . قال الفراء وأكثر أهل اللغة : التبع تابع مثل خادم وخدم وباقر وبقر وحارس وحرس وراصد ورصد قال الزجاج : وجائز أن يكون مصدراً سمي به ، أي كنا ذوي تبع .
واعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال : المراد منها التبعية في الكفر ، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَىْءٍ } أي هل يمكنكم دفع عذاب الله عنا .
فإن قيل : فما الفرق بين من في قوله : { مّنْ عَذَابِ الله } وبينه في قوله : { مِن شَىْء } .
قلنا : كلاهما للتبعيض بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو عذاب الله أي بعض عذاب الله وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا : { لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ } وفيه وجوه الأول : قال ابن عباس : معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم ، قال الواحدي : معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال ، لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب «الكشاف» : لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } [ المجادلة : 18 ] .
واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخه فلا يقبل منه ، الثاني : قال صاحب «الكشاف» : يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان . وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال : لا يجوز حمل هذا على اللطف ، لأن ذلك قد فعله الله تعالى . والثالث : أن يكون المعنى لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم ، والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى .
ثم قال : { سَوَآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنآ أَمْ صَبَرْنَا } أي مستو علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية ونظيره : { اصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ } [ الطور : 16 ] ثم قالوا : ما لنا من محيص ، أي منجي ومهرب ، والمحيص قد يكون مصدراً كالمغيب والمشيب ، ومكاناً كالمبيت والمضيق ، ويقال حاص عنه وحاض بمعنى واحد ، والله أعلم .

(9/234)


وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)

اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس ، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس فقال تعالى : { وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر } وفي المراد بقوله : { لَمَّا قُضِىَ الأمر } وجوه :
القول الأول : قال المفسرون : إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم في النار فيما بينهم خطيباً ويقول ما أخبر الله عنه بقوله : { وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر } .
القول الثاني : أن المراد من قوله : { قُضِىَ الأمر } لما انقضت المحاسبة ، والقول الأول أولى ، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة واستقرار الكافرين في النار ، ثم يدوم الأمر بعد ذلك .
والقول الثالث : وهو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار ويدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله : { لَمَّا قُضِىَ الأمر } ذلك الوقت ، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة ، ولا يحصل بعده إلا دوام ما حصل قبل ذلك ، وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ مفرد فيتناول الواحد وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، فحمل اللفظ عليه أولى ، لا سيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول »
أما قوله : { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } ففيه مباحث :
البحث الأول : المراد أن الله تعالى وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم ، وتقرير الكلام أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال : { والأخرة خَيْرٌ وأبقى } [ الأعلى : 17 ] .
البحث الثاني : قوله : { وَعْدَ الحق } من باب إضافة الشيء إلى نفسه كقوله : { حبَّ الحصيد } [ ق : 9 ] ومسجد الجامع على قول الكوفيين ، والمعنى : وعدكم الوعد الحق ، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق . ثم ذكر المصدر تأكيداً .
البحث الثالث : في الآية إضمار من وجهين : الأول : أن التقدير إن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد ، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى . الثاني : أن في قوله : { وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } الوعد يقتضي مفعولاً ثانياً وحذف ههنا للعلم به ، والتقدير : ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب .

(9/235)


أما قوله : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر فاقهركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها ، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني قال النحويون : ليس الدعاء من جنس السلطان فقوله : { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب ، وقال الواحدي : إنه استثناء منقطع ، أي لكن دعوتكم وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة «إلا» ههنا استثناء حقيقي ، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة يكون بالقهر والقسر ، وتارة يكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه ، فهذا نوع من أنواع التسلط ، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وجوارحه ، وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوام والحشوية ، ثم قال : { فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة ، وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب . وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء : الأول : أنه لو كان الكفر والمعصية من الله لوجب أن يقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه . الثاني : ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما تقول الحشوية والعوام . الثالث : أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير ، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم .
أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به .
وأجاب الخصم عنه : بأنه لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره ، وأيضاً فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد . ألا ترى أن قوله : { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } كلام حق وقوله : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } قول حق بدليل قوله تعالى : { إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } [ الحجر : 42 ] .
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس ، وذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة ، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتة ، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس .

(9/236)


فإن قال قائل : بينوا لنا حقيقة الوسوسة .
قلنا : الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيباً لازماً طبيعياً وبيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك ، والإقدام والإحجام ، فما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل ، وذلك الميل هو الإرادة الجازمة ، والقصد الجازم . ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا إلى الترك ، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشيء ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له أو بكونه منافراً له أو بكونه غير ملائم ولا منافر ، فإن حصل الشعور بكونه ملائماً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل وإن حصل الشعور بكونه منافراً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك ، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده ، بل بقي الإنسان كما كان ، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل .
إذا عرفت هذا فنقول : صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيراً أو تصور كونه شراً أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيراً أو تصوراً كونه شراً عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه ، فلم يبق للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئاً بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام ، وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تَلُومُونِى } يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر ألبتة . بقي في هذا المقام سؤالان :
السؤال الأول : كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه .
والجواب : للناس في الملائكة والشياطين قولان :
القول الأول : أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة : المتحيز ، والحال في المتحيز ، والذي لا يكون متحيزاً ولا حالاً فيه ، وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به ، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة وإن كانت خبيثة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين .

(9/237)


إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسماً يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر ، والنفس الإنسانية أيضاً كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شيء من تلك الأرواح أنواعاً من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية ، وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالاً ثانياً ، وهو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع ، فهي طوائف ، وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها ، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر ، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية ، وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة ، وعدم المبالاة بأمر من الأمور ، وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة ، وكالفروع المتفرعة عليها ، وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها ، وهو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم واليقظة . والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعباً كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضاً على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها ، ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام . وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين وكانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة ، وذكر بعض العلماء أيضاً فيه احتمالاً ثالثاً ، وهو أن النفوس البشرية والأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدناً لتلك النفس المفارقة ، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ، ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبركات كان ذلك إلهاماً وإن كان في باب الشر كان وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعاً على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية والتحيز ، والقول بالأرواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وأما القول الثاني : وهو أن الملائكة والشياطين لا بد وأن تكون أجساماً فنقول : إن على هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة ، بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة والله سبحانه ركبها تركيباً عجيباً وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد ألا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف ، ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن ، أليس أن جرم النار يسري في جرم الفحم ، وماء الورد يسري في ورق الورد ، ودهن السمسم يجري في جسم السمسم فكذا ههنا ، فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن والشياطين أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل ، وأن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة ، ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول : الأحق والأولى أن يقال : الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور ، والشياطين مخلوقون من الدخان واللهب ، كما قال الله تعالى :

(9/238)


{ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم } [ الحجر : 27 ] وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة ، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم .
السؤال الثاني : لم قال الشيطان : { فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } وهو أيضاً ملوم بسبب اقدامه على تلك الوسوسة الباطلة .
والجواب : أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم ولوموا أنفسكم عليه ، لأنكم عدلتم عما توجبه هداية الله تعالى لكم . ثم قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال : { مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : بمغيثكم ولا منقذكم ، قال ابن الأعرابي : الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث . يقال : صرخ فلان إذا استغاث وقال : واغوثاه وأصرحته أغثته .
المسألة الثانية : قرأ حمزة : بمصرخي بكسر الياء . قال الواحدي : وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب . قال الفراء : ولعلها من وهم القراء فإنه قل من سلم منهم عن الوهم ولعله ظن أن الباء في قوله { بِمُصْرِخِىَّ } خافضة لجملة هذه الكلمة وهذا خطأ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك قال ، ومما نرى أنهم وهموا فيه قوله : { نُوَلّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } [ النساء : 115 ] بجزم الهاء ظنوا والله أعلم أن الجزم في الهاء وهو خطأ ، لأن الهاء في موضع نصب وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه ، ومن النحويين من تكلف في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن ، والله أعلم .
ثم قال تعالى حكاية عنه : { إِنِّى كَفَرْتُ بِمآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : «ما» في قوله : { إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } فيه قولان : الأول : إنها مصدرية والمعنى : كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة ، والمعنى : أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون إبليس شريكاً لله تعالى في تدبير هذا العالم وكفر به ، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون الله في أعمال الخير وهذا هو المراد بالإشراك . والثاني : وهو قول الفراء أن المعنى أن إبليس قال : إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم ، والمعنى : أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله : ( ما ) في هذا الموضع «من» والقول هو الأول ، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول ، ويمكن أن يقال أيضاً الكلام منتظم على التفسير الثاني ، والتقدير كأنه يقول : لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة ، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام .

(9/239)


أما قوله : { إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فالأظهر أنه كلام الله عز وجل وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام ، ولا يبعد أيضاً أن يكون ذلك من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة والإغاثة ، والله أعلم .

(9/240)


وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)

وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة ، شرح أحوال السعداء ، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى : { وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } وكونها دائمة أشير إليه بقوله : { خالدين فِيهَا } والتعظيم حصل من وجهين : أحدهما : أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره . والثاني : قوله : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } لأن بعضهم يحيي بعضاً بهذه الكلمة ، والملائكة يحيونهم بها كما قال : { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد : 23 ، 24 ] والرب الرحيم يحييهم أيضاً بهذه الكلمة كما قال : { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس : 58 ] .
واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا وحسراتها أو فنون آلامها وأسقامها ، وأنواع غمومها وهمومها ، وما أصدق ما قالوا ، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم ، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية والسعادة الملكية .
المسألة الثانية : قرأ الحسن : { وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ } على معنى وأدخلهم أنا ، وعلى هذه القراءة فقوله : { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلق بما بعده ، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم . يعني : أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم .

(9/241)


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ، ذكر مثالاً يبين الحال في حكم هذين القسمين ، وهو هذا المثل . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها .
فالصفة الأولى : لتلك الشجرة كونها طيبة ، وذلك يحتمل أموراً . أحدها : كونها طيبة المنظر والصورة والشكل . وثانيها : كونها طيبة الرائحة . وثالثها : كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة . ورابعها : كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها ، ويجب حمل قوله : شجرة طيبة ، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب .
والصفة الثانية : قوله : { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } أي راسخ باق آمن الانقلاع والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض والانقضاء ، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف من زواله وانقضائه ، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به .
والصفة الثالثة : قوله : { وَفَرْعُهَا فِى السمآء } وهذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين : الأول : أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق . والثاني : أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب .
والصفة الرابعة : قوله : { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } والمراد : أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة ، وهي أن ثمرتها لا بد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات ، ولا تكون مثل الأشجار التي يكون ثمارها حاضراً في بعض الأوقات دون بعض ، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة ، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فإنه لايجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها .
إذا عرفت هذا فنقول : معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته وطاعته ، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع .
أما الصفة الأولى : وهي كونها طيبة فهي حاصلة ، بل نقول : لا طيب ولا لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت ، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن ، فلأجل حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة وههنا الملائم لجوهر النفس النطقية والروح القدسية ، ليس إلا معرفة الله تعالى ومحبته والاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جداً ، بل نقول : اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالاً من اللذة الحاصلة بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة الله وبيان هذا التفاوت من وجوه :

(9/242)


الوجه الأول : أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقي سطح المحسوس فقط ، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك ، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما ههنا فمعرفة الله تعالى وذلك النور وذلك الإشراق صار سارياً في جوهر النفس متحداً به وكأن النفس عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا فرق عظيم بين البابين .
والوجه الثاني : في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة الذائقة ، والمحسوس هو الطعم المخصوص وههنا المدرك هو جوهر النفس القدسية ، والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله ، وصفات جلاله وإكرامه ، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر .
الوجه الثالث : في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت زالت في الحال ، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير ، أما كمال الحق وجلاله فإنه ممتنع التغير والتبدل واستعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضاً ممتنع التغير ، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه .
واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيهاً للعقل السليم على سائرها . وأما الصفة الثانية وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل ، فهذه الصفة في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكمل ، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية ، وهذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء ، وأيضاً مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال الله تعالى ، وهذا التجلي من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور ، وذلك مما يمتنع عقلاً زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود في جميع صفاته والتغير والفناء والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه ، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة .
الصفة الثالثة : لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء .
واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني .
وأما النوع الأول : فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام : « التعظيم لأمر الله » ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم الأرواح ، وفي عالم الأجسام ، وفي أحوال عالم الأفلاك والكواكب ، وفي أحوال العالم السفلي ، ويدخل فيه محبة الله تعالى والشوق إلى الله تعالى والمواظبة على ذكر الله تعالى والاعتماد بالكلية على الله تعالى ، والانقطاع بالكلية عما سوى الله تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية .

(9/243)


وأما النوع الثاني : فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام : « والشفقة على خلق الله » ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن الذنوب ، والسعي في إيصال الخير إليهم ، ودفع الشر عنهم ، ومقابلة الإساءة بالإحسان . وهذه الأقسام أيضاً غير متناهية وهي فروع ثابتة من شجرة معرفة الله تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلاً في معرفة الله تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل .
وأما الصفة الرابعة : فهي قوله تعالى : { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية ، لأن شجرة المعرفة موجبة لهذه الأحوال ومؤثرة في حصولها والسبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظره بالعبرة كما قال : { فاعتبروا ياأولي الأبصار } [ الحشر : 2 ] وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال : { الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [ الزمر : 18 ] ونطقه بالصدق والصواب كما قال : { كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } [ النساء : 135 ] وقال عليه السلام : « قولوا الحق ولو على أنفسكم » وهذا الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأكمل ، كان ظهور هذه الآثار عنده أكثر ، وربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لاحظ شيئاً لاحظ الحق فيه ، وربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى شيئاً إلا وقد كان قد رأى الله تعالى قبله . فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } وأيضاً فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية والملكات الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح ، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة ولمحة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل ، كثمرة هذه الشجرة .
وأما قوله : { بِإِذْنِ رَبِّهَا } ففيه دقيقة عجيبة ، وذلك لأن عند حصول هذه الأحوال السنية ، والدرجات العالية ، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي ، وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث هي هي ، وإنما يفرح بها من حيث إنها من المولى ، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال ، ولذلك قال بعض المحققين : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني ، ومن آثر العرفان لا للعرفان ، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول ، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره الله تعالى في هذا الكتاب مثال هادٍ إلى عالم القدس ، وحضرة الجلال ، وسرادقات الكبرياء ، فنسأل الله تعالى مزيد الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب ، وذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاماً لا بأس به ، فقال : إنما مثل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالشجرة ، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة ، إلا بثلاثة أشياء : عرق راسخ ، وأصل قائم ، وأغصان عالية . كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء : معرفة في القلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأبدان ، والله أعلم .

(9/244)


المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : في نصب قوله : { كَلِمَةً طَيّبَةً } وجهان : الأول : أنه منصوب بمضمر والتقدير : جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله : { ضَرَبَ الله مَثَلاً } . الثاني : قال ويجوز أن ينتصب مثلاً . وكلمة بضرب ، أي ضرب كلمة طيبة مثلاً بمعنى جعلها مثلاً ، وقوله : { كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هي كشجرة طيبة . الثالث : قال صاحب «حل العقد» أظن أن الأوجه أن يجعل قوله : { كَلِمَةَ } عطف بيان ، والكاف في قوله : { كَشَجَرَةٍ } في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة .
المسألة الثالثة : قال ابن عباس : الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله ، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين . وقال صاحب «الكشاف» : إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان ، وأراد بشجرة طيبة الثمرة ، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها ، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت ، وفرعها أي أعلاها في السماء ، والمراد الهواء لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء { تُؤْتِى } أي هذه الشجرة { أُكُلُهَا } أي ثمرها وما يؤكل منها كل حين ، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر ، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر ، جاء رجل إلى ابن عباس فقال : نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين ، فقال : الحين ستة أشهر ، وتلا قوله تعالى : { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } وقال مجاهد وابن زيد : سنة ، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة . وقال سعيد بن المسيب : شهران ، لأن مدة إطعام النخلة شهران . وقال الزجاج : جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت ، والمراد من قوله : { تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلاً أو نهاراً أو شتاء أو صيفاً . قالوا : والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة . وأقول : هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية ، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود ، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة بالصفات المذكورة ، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها ، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه ، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن ، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ، واختلافهم في تفسير الحين أيضاً من هذا الباب ، والله أعلم بالأمور .
ثم قال : { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } والمعنى : أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني ، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم ، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب .

(9/245)


وأما قوله تعالى : { وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } .
فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله ، فإنه أول الآفات وعنوان المخافات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة :
الصفة الأولى : أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم ، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ، وقيل : إنها الكراث . وقيل : إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل : إنها شجرة الشوك .
واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه ، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد تكون بحسب الطعم ، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر وقد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة ، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعاً في المطلوب .
والصفة الثانية : قوله : { اجتثت مِن فَوْقِ الأرض } وهذه الصفة في مقابلة قوله : { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الإجتثاث أخذ الجثة كلها ، وقوله : { مِن فَوْقِ الأرض } معناه : ليس لها أصل ولا عرق ، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة .
والصفة الثالثة : قوله ما لها من قرار ، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية ، والمعنى أنه ليس لها استقرار . يقال : قر الشيء قراراً كقولك : ثبت ثباتاً ، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت .
واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال ، وذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة ، وخالية عن كل المنافع أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله : { خَبِيثَةٍ } وأما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله : { اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مالَهَا مِن قَرَارٍ } والله أعلم .

(9/246)


يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)

اعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتاً ، وصفة الكلمة الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت بل تكون منقطعة ولا يكون لها قرار ذكر أن ذلك القول الثابت الصادر عنهم في الحياة الدنيا يوجب ثبات كرامة الله لهم ، وثبات ثوابه عليهم ، والمقصود : بيان أن الثبات في المعرفة والطاعة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من الله تعالى فقوله : { يُثَبّتُ الله } أي على الثواب والكرامة ، وقوله : { بالقول الثابت فِى الحياة الدنيا وَفِى الأخرة } أي بالقول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا .
ثم قال : { وَيُضِلُّ الله الظالمين } يعني كما أن الكلمة الخبيثة ما كان لها أصل ثابت ولا فرع باسق فكذلك أصحاب الكلمة الخبيثة وهم الظالمون يضلهم الله عن كراماته ويمنعهم عن الفوز بثوابه وفي الآية قول آخر وهو القول المشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر ، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله : { يُثَبِّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت فِى الحياة الدنيا وَفِى الأخرة } قال : « حين يقال له في القبر من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم » والمراد في الباء في قوله : { بالقول الثابت } هو أن الله تعالى إنما ثبتهم في القبر بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول ، ولهذا الكلام تقرير عقلي وهو أنه كلما كانت المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك الحالة في العقل والقلب أقوى ، فكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا الله وعلى التأمل في حقائقها ودقائقها أكمل وأتم كان رسوخ هذه المعرفة في عقله وقلبه بعد الموت أقوى وأكمل . قال ابن عباس : من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها وإنما فسر الآخرة ههنا بالقبر ، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام الآخرة وقوله : { وَيُضِلُّ الله الظالمين } يعني أن الكفار إذا سئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري وإنما قال ذلك لأن الله أضله وقوله : { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ } يعني إن شاء هدى وإن شاء أضل ولا اعتراض عليه في فعله ألبتة .

(9/247)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)

اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا } نزل في أهل مكة حيث أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن وجعل عيشهم في السعة وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنواعاً من الأعمال القبيحة .
النوع الأول : قوله : { بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا } وفيه وجوه : الأول : يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة الله كفراً ، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك النعمة أتوا بالكفر ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلاً . والثاني : أنهم بدلوا نفس نعمة الله كفراً لأنهم لما كفروا سلب الله تلك النعمة عنهم فبقي الكفر معهم بدلاً من النعمة . الثالث : أنه تعالى أنعم عليهم بالرسول والقرآن فاختاروا الكفر على الإيمان .
والنوع الثاني : ما حكى الله تعالى عنهم قوله : { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار } وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور ، ومنه قوله تعالى : { وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } [ الفتح : 12 ] وأراد بدار البوار جهنم بدليل أنه فسرها بجهنم فقال : { جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار } أي المقر وهو مصدر سمي به .
النوع الثالث : من أعمالهم القبيحة قوله : { وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً ذكر أنهم بعد أن كفروا بالله جعلوا له أنداداً ، والمراد من هذا الجعل الحكم والاعتقاد والقول ، والمراد في الأنداد الأشباه والشركاء ، وهذا الشريك يحتمل وجوهاً : أحدها : أنهم جعلوا للأصنام حظاً فيما أنعم الله به عليهم نحو قولهم هذا لله وهذا لشركائنا . وثانيها : أنهم شركوا بين الأصنام وبين خالق العالم في العبودية . وثالثها : أنهم كانوا يصرحون بإثبات الشركاء لله وهو قولهم في الحج لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لِيُضِلُّواْ } بفتح الياء من ضل يضل والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل .
المسألة الثالثة : اللام في قوله : { لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي ، أي الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرىء بالضم فإنه يحتمل الوجهين ، وإذا قرىء بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم . وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل . وكل ما حصل في العاقبة كان شبيهاً بالأمر المقصود في هذا المعنى ، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز ، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال : { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت ، فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم ، فلهذا المعنى قال : { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } وأيضاً إن هذا الخطاب مع الذين حكى الله عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفراً ، فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى : { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } وهذا الأمر يسمى أمر التهديد ونظيره قوله تعالى :

(9/248)


{ اعملوا مَا شِئْتُمْ } [ فصلت : 40 ] وكقوله : { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار } [ الزمر : 8 ] .

(9/249)


قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)

اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { لِّعِبَادِىَ } بسكون الياء ، والباقون : بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب .
المسألة الثانية : في قوله : { يُقِيمُواْ } وجهان : الأول : يجوز أن يكون جواباً لأمر محذوف هو المقول تقديره : قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . الثاني : يجوز أن يكون هو أمراً مقولاً محذوفاً منه لام الأمر ، أي ليقيموا كقولك : قل لزيد ليضرب عمراً وإنما جاز حذف اللام ، لأن قوله : { قُلْ } عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز .
المسألة الثالثة : أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة وأما المال فيجب صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى . فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى : { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ البقرة : 3 ] .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراماً ، لأن الآية دلت على أن الانفاق من الرزق ممدوح ، ولا شيء من الانفاق من الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام . وقد مر تقرير هذا الكلام مراراً .
المسألة الخامسة : في انتصاب قوله : { سِرّاً وَعَلاَنِيَةً } وجوه : أحدها : أن يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين . وثانيها : على الظرف أي وقت سر وعلانية . وثالثها : على المصدر أي انفاق سر وانفاق علانية والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب .
واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال : { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال } قال أبو عبيدة : البيع ههنا الفداء والخلال المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالاً ومخالة ، وهي المصادقة . قال مقاتل : إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة ، فكأنه تعالى يقول : أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة : { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } [ البقرة : 254 ] .
فإن قيل : كيف نفى المخالة في هاتين الآيتين ، مع أنه تعالى أثبتها في قوله : { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] .
قلنا : الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس ، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى ، والله أعلم .

(9/250)


اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)

اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، وكان العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وبصفاته ، وفي حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة ، لا جرم ختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته ، وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل . أولها : خلق السموات . وثانيها : خلق الأرض ، وإليهما الإشارة بقوله تعالى : { الله الذى خَلَقَ السموات والأرض } . وثالثها : { وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } . ورابعها : قوله : { وَسَخَّرَ لَّكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِى البحر بِأَمْرِهِ } وخامسها : قوله : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار } . وسادسها وسابعها : قوله : { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دآئِبَينِ } . وثامنها وتاسعها : قوله : { وَسَخَّر لَكُمُ الليل والنهار } . وعاشرها : قوله : { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } وهذه الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مراراً وأطواراً ولا بأس بأن نذكر ههنا بعض الفوائد . فاعلم أن قوله تعالى : { الله } مبتدأ ، وقوله : { الذى خَلَقَ } خبره . ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات والأرض ، وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن السماء والأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع الحكيم ، وإنما بدأ بذكرهما ههنا لأنهما هما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك فإنه قال بعده : { وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } وفيه مباحث :
البحث الأول : لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه ، فظهر أنه لا بد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا المطلوب .
البحث الثاني : قوله : { وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً } وفيه قولان : الأول : أن الماء نزل من السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقاً من السمو ، وهو الارتفاع . والثاني : أنه تعالى أنزله من نفس السماء وهذا بعيد ، لأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطراً عليهم وإذا كان هذا أمراً مشاهداً بالبصر كان النزاع فيه باطلاً .
البحث الثالث : قال قوم : إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة ، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين ، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب ، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها ، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلباً لهذه الخيرات الحقيرة ، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى . ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب ولا نصب ، هذا قول المتكلمين . وقال قوم آخرون : إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء ، والمسألة كلامية محضة ، وقد ذكرناه في سورة البقرة .

(9/251)


البحث الرابع : قال أبو مسلم : لفظ { الثمرات } يقع في الأغلب على ما يحصل على الأشجار ، ويقع أيضاً على الزروع والنبات ، كقوله تعالى : { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } [ الأنعام : 141 ] .
البحث الخامس : قال تعالى : { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } والمراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقاً لنا ، والمقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير والمنفعة إلى المكلفين ، لأن الإحسان لا يكون إحساناً إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن إليه .
البحث السادس : قال صاحب «الكشاف» : قوله : { مِنَ الثمرات } بيان للرزق ، أي أخرج به رزقاً هو ثمرات ، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقاً حال من المفعول أو نصباً على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق ، والتقدير : ورزق من الثمرات رزقاً لكم .
فأما الحجة الرابعة : وهي قوله : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِى البحر بِأَمْرِهِ } ونظيره قوله تعالى : { وَمِنْ ءاياته الجوار فِى البحر كالأعلام } [ الشورى : 32 ] ففيها مباحث :
البحث الأول : أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر ، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض وبالعكس كثر الربح في التجارات ، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه الآية . فإن قيل : ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟
قلنا؛ أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال ، وأما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال : لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه للحديد وسائر الآلات ولولا تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة ، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها ولولا أنه وسع الأنهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال ، وهو المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافة السفن إليه .
البحث الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيماً لشأنه ، ومنهم من حمله على ظاهر قوله : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

(9/252)


[ النحل : 40 ] وتحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه .
البحث الثالث : الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز ، والمعنى أنه لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له .
الحجة الخامسة : قوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار } واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات ، وأيضاً ماء البحر لا يصلح للشرب ، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار .
الحجة السادسة والسابعة : قوله : { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينِ } .
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم ، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله : { وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } [ نوح : 16 ] ومنها قوله : { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] ومنها قوله : { وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً } [ الفرقان : 61 ] ومنها قوله : { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ] وقوله : { دَآئِبَينِ } معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأباً ودؤباً وقد ذكرنا هذا في قوله : { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } [ يوسف : 47 ] قال المفسرون : قوله : { دآئِبَينِ } معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة ، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب .
الحجة الثامنة والتاسعة : قوله : { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر } .
واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } [ النبأ : 10 ، 11 ] وقوله : { وهو الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً } [ يونس : 67 ] قال المتكلمون : تسخير الليل والنهار مجاز لأنهما عرضان ، والأعراض لا تسخر .
والحجة العاشرة : قوله : { وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها ، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال : { وَآتَاكُم مّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } والمفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئاً ، وقرىء : { مِن كُلِّ } بالتنوين و { مَا سَأَلْتُمُوهُ } نفي ومحله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ويجوز أن تكون «ما» موصولة والتقدير : آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به ، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ } قال الواحدي : النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر يقال : أنعم الله عليه ، ينعم إنعاماً ونعمة أقيم الاسم مقام الإنعام كقوله : أنفقت عليه إنفاقاً ونفقة بمعنى واحد ، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر ، ومعنى قوله : { لاَ تُحْصُوهَآ } أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها .

(9/253)


واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع ، فعليه أن يتأمل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه عنه ونحن نذكر منه مثالين .
المثال الأول : أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان ، منها دماغية ومنها نخاعية . أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة ، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحد من تلك الشعب أيضاً إلى شعب دقيقة أدق من الشعر ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء ولو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية ، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جداً ، ولكل واحدة منها حكمة مخصوصة ، فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن الله تعالى بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه وعرف قطعاً أنه لا سبيل له إلى الوقوق عليها والاطلاع على أحوالها وعند هذا يقطع بصحة قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَآ } وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة ، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والإنفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحراً لا ساحل له ، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وروحه ، فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والحيوان وعند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلاً واحداً ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل ، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين .
المثال الثاني : أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها أما الأمور التي قبلها : فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب ، لأن الحنطة لا بد منها ، وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة ، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار ، ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك ، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات ، وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز ، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ، ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات ، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة ، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق . فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة . وأما النظر فيما بعد حصولها : فتأمل في تركيب بدن الحيوان ، وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة ، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار ، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية ، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور ، والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث ، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ } ثم إنه تعالى قال : { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } قيل : يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها . وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع ، والمراد من الإنسان ههنا : الجنس ، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه ، وههنا بحثان :

(9/254)


البحث الأول : أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة ، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها ، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة ، وأيضاً أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي .
البحث الثاني : أنه تعالى قال في هذا الموضع : { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } وقال في سورة النحل : { إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ النحل : 18 ] ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول : إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : وهما كونك ظلوماً كفاراً ، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً ، والمقصود كأنه يقول : إن كنت ظلوماً فأنا غفور ، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء ، ونسأل الله حسن العاقبة والرحمة .

(9/255)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)

اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى ألبتة حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان .
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أشياء : أحدها : قوله : { رَبِّ اجعل هذا البلد آمِنًا } والمراد : مكة آمناً ذا أمن .
فإن قيل : أي فرق بين قوله : { اجعل هذا بلداً آمناً } [ البقرة : 126 ] وبين قوله : { اجعل هذا البلد آمِنًا } .
قلنا : سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون ، وفي الثاني : أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها ، وهي الخوف ، ويحصل لها ضد تلك الصفة وهو الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة . وثانيها : قوله : { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء { واجنبنى } وفيه ثلاث لغات جنبه واجنبه وجنبه . قال الفراء : أهل الحجاز يقول جنبني يجنبني بالتخفيف . وأهل نجد يقولون جنبني شره وأجنبني شره ، وأصله جعل الشيء عن غيره على جانب وناحية .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الإشكال على هذه الآية من وجوه : أحدها : أن إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يجعل مكة آمناً ، وما قبل الله دعاءه ، لأن جماعة خربوا الكعبة وأغاروا على مكة . وثانيها : أن الأنبياء عليهم السلام لا يعبدون الوثن ألبتة ، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله أجنبني عن عبادة الأصنام . وثالثها : أنه طلب من الله تعالى أن لا يجعل أبناءه من عبدة الأصنام والله تعالى لم يقبل دعاءه ، ولأن كفار قريش كانوا من أولاده ، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام .
فإن قالوا : إنهم ما كانوا أبناء إبراهيم وإنما كانوا أبناء أبنائه ، والدعاء مخصوص بالأبناء ، فنقول : فإذا كان المراد من أولئك الأبناء أبناءه من صلبه ، وهم ما كانوا إلا إسماعيل وإسحاق ، وهما كانا من أكابر الأنبياء وقد علم أن الأنبياء لا يعبدون الصنم ، فقد عاد السؤال في أنه ما الفائدة في ذلك الدعاء .
والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أنه نقل أنه عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة ذكر هذا الدعاء ، والمراد منه : جعل تلك البلدة آمنة من الخراب . والثاني : أن المراد جعل أهلها آمنين ، كقوله : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية ، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين ، وعلى هذا التقدير فالجواب من وجهين :
الوجه الأول : ما اختصت به مكة من حصول مزيد من الأمن ، وهو أن الخائف كان إذا التجأ إلى مكة أمن ، وكان الناس مع شدة العداوة بينهم يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً ، ومن ذلك أمن الوحش فإنهم يقربون من الناس إذا كانوا بمكة ، ويكونون مستوحشين عن الناس خارج مكة ، فهذا النوع من الأمن حاصل في مكة فوجب حمل الدعاء عليه .

(9/256)


والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله : { اجعل هذا البلد آمِنًا } أي بالأمر والحكم بجعله آمناً وذلك الأمر والحكم حاصل لا محالة .
والجواب : عن السؤال الثاني قال الزجاج : معناه ثبتني على اجتناب عبادتها كما قال : { واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } [ البقرة : 128 ] أي ثبتنا على الإسلام .
ولقائل أن يقول السؤال باق لأنه لما كان من المعلوم أنه تعالى يثبت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب من عبادة الأصنام فما الفائدة في هذا السؤال والصحيح عندي في الجواب وجهان : الأول : أنه عليه السلام وإن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضماً للنفس وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب . والثاني : أن الصوفية يقولون : إن الشرك نوعان : شرك جلي وهو الذي يقول به المشركون ، وشرك خفي وهو تعليق القلب بالوسايط وبالأسباب الظاهرة والتوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسايط ولا يرى متصرفاً سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن يكون قوله : { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } المراد منه أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي والله أعلم بمراده .
والجواب عن السؤال الثالث من وجوه : الأول : قال صاحب «الكشاف» : قوله { وبني } أراد بنيه من صلبه والفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التي ذكرناها في قوله : { واجنبنى } . والثاني : قال بعضهم أراد من أولاده وأولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال الدعاء ولا شبهة أن دعوته مجابة فيهم . الثالث : قال مجاهد : لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنماً ، والصنم هو التمثال المصور ما ليس بمصور فهو وثن . وكفار قريش ما عبدوا التمثال وإنما كانوا يعبدون أحجاراً مخصوصة وأشجاراً مخصوصة ، وهذا الجواب ليس بقوي ، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله تعالى والحجر كالصنم في ذلك . الرابع : أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية : { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّي } وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ، ونظيره قوله تعالى لنوح : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } [ هود : 46 ] . والخامس : لعله وإن كان عمم في الدعاء إلا أن الله تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض ، وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السلام ، ونظيره قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام : { قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] .
المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بقوله : { واجنبنى وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } على أن الكفر والإيمان من الله تعالى ، وتقرير الدليل أن إبراهيم عليه السلام طلب من الله أن يجنبه ويجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى ، وقول المعتزلة إنه محمول على الألطاف فاسد ، لأنه عدول عن الظاهر ، ولأنا قد ذكرنا وجوهاً كثيرة في إفساد هذا التأويل .

(9/257)


ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس } واتفق كل الفرق على أن قوله : { أَضْلَلْنَ } مجاز لأنها جمادات ، والجماد لا يفعل شيئاً ألبتة ، إلا أنه لما حصل الإضلال عند عبادتها أضيف إليها كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم ، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها .
ثم قال : { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يعني من تبعني في ديني واعتقادي فإنه مني ، أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني ومن عصاني في غير الدين فإنك غفور رحيم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن إبراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام والغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته ، والدليل عليه أن قوله : { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } صريح في طلب المغفرة والرحمة لأولئك العصاة فنقول : أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا كذلك ، والأول باطل من وجهين : الأول : أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه الآية أنه مبرأ عن الكفار وهو قوله : { واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } وأيضاً قوله : { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته . والثاني : أن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة ، ولما بطل هذا ثبت أن قوله : { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } شفاعة في العصاة الذين لا يكونون من الكفار .
وإذا ثبت هذا فنقول : تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة ، والأول والثاني باطلان لأن قوله : { وَمَنْ عَصَانِي } اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر ، وأيضاً فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه ، فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة ، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه السلام ثبت حصولها في حق محمد صلى الله عليه وسلم لوجوه : الأول : أنه لا قائل بالفرق . والثاني : وهو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك نقصاناً في حق محمد عليه السلام . والثالث : أن محمداً صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام لقوله تعالى :

(9/258)


{ أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] وقوله : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } فهذا وجه قريب في إثبات الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر ، والله أعلم .
إذا عرفت هذا فلنذكر أقوال المفسرين : قال السدي معناه : ومن عصاني ثم تاب ، وقيل : إن هذا الدعاء إنما كان قبل أن يعلم أن الله تعالى لا يغفر الشرك ، وقيل من عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم ، يعني أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام ، وقيل المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم حتى يتوبوا أو يكون المراد أن لا تعجل اخترامهم فتفوتهم التوبة . واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة .
أما الأول : وهو حمل هذه الشفاعة على المعصية بشرط التوبة فقد أبطلناه .
وأما الثاني : وهو قوله إن هذه الشفاعة إنما كانت قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك فنقول : هذا أيضاً بعيد ، لأنا بينا أن مقدمة هذه الآية تدل على أنه لا يجوز أن يكون مراد إبراهيم عليه السلام من هذا الدعاء هو الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر .
وأما الثالث : وهو قوله المراد من كونه : { غَفُوراً رَّحِيماً } أن ينقله من الكفر إلى الإيمان فهو أيضاً بعيد ، لأن المغفرة والرحمة مشعرة بإسقاط العقاب ولا إشعار فيهما بالنقل من صفة الكفر إلى صفة الإيمان ، والله أعلم .
وأما الرابع : وهو أن تحمل المغفرة والرحمة على تعجيل العقاب أو ترك تعجيل الإمانة فنقول هذا باطل ، لأن كفار زماننا هذا أكثر منهم ولم يعاجلهم الله تعالى بالعقاب ولا بالموت مع أن أهل الإسلام متفقون على أنهم ليسوا مغفورين ولا مرحومين فبطل تفسير المغفرة والرحمة على ترك تعجيل العقاب بهذا الوجه وظهر بما ذكرنا صحة ما قررناه من الدليل ، والله أعلم .

(9/259)


رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)

اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أموراً سبعة .
المطلوب الأول : طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله : { رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا } [ البقرة : 126 ] والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به ، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال : الأمن أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد .
والمطلوب الثاني : أن يرزقه الله التوحيد ، ويصونه عن الشرك ، وهو قوله : { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } [ إبراهيم : 35 ] .
والمطلوب الثالث : قوله : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } فقوله : { مِن ذُرّيَّتِي } أي بعض ذريتي وهو إسمعيل ومن ولد منه { بِوَادٍ } هو وادي مكة { غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } أي ليس فيه شيء من زرع ، كقوله : { قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } [ الزمر : 28 ] بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم ، وذكروا في تسميته المحرم وجوها : الأول : أن الله حرم التعرض له والتهاون به ، وجعل ما حوله حرماً لمكانه . الثاني : أنه كان لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب . الثالث : سمي محرماً لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه . الرابع : أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه . الخامس : أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل . السادس : حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة ، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم ، فرفع إلى السماء السابعة . السابع : حرم على عباده أن يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها : روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام ، فقالت سارة : كنت أرجو أن يهب الله لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي ، وقالت لإبراهيم : أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع ، ثم رجع فقالت هاجر : إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله . ثم دعا الله تعالى بقوله : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ } إلى آخر الآية ثم إنها عطشت وعطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عيناً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(9/260)


« رحم الله أم إسمعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً » ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسماعيل واشتغل هو مع إسماعيل برفع قواعد البيت . قال القاضي : أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا : إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام ، وأقول : أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصاً لإسماعيل عليه السلام ، لأن ذلك عندنا جائز خلافاً للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام .
ثم قال : { رَّبَّنَا لِيُقيمُواْ الصَّلاةَ } واللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوماً من ذريتي ، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة .
ثم قال : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ } وفيه مباحث :
البحث الأول : قال الأصمعي هوى يهوي هوياً بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل . وقيل : { تَهْوِي إِلَيْهِمْ } تريدهم ، وقيل : تسرع إليهم . وقيل : تنحط إليهم وتنحدر إليهم وتنزل ، يقال : هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر وانصب ، وهوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل .
البحث الثاني : أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا . أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى . وأما الدنيا : فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات ، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم ، ويكثر طعامهم ولباسهم .
البحث الثالث : كلمة { مِنْ } في قوله : { فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تفيد التبعيض ، والمعنى : فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم . قال مجاهد : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند . وقال سعيد بن جبير : لو قال أفئدة الناس ، لحجت اليهود والنصارى المجوس ، ولكنه قال : { أَفْئِدَةً مّنَ الناس } فهم المسلمون .
ثم قال : { وارزقهم مّنَ الثمرات } وفيه بحثان :
البحث الأول : أنه لم يقل : وارزقهم الثمرات ، بل قال : { وارزقهم مّنَ الثمرات } وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم .
البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد : عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها .
ثم قال : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات ، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات .
المطلوب الرابع : قوله : { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } .
واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل ، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها ، فقال : { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل ، وما نعلن من البكاء ، وقيل : ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله أكلكم ، قالت آلله أمرك بهذا؟ قال نعم : قالت إذن لا نخشى .

(9/261)


ثم قال : { وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْء فَى الأرض وَلاَ فِى السماء } وفيه قولان : أحدهما : أنه كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام كقوله : { وكذلك يَفْعَلُونَ } [ النحل : 34 ] والثاني : أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان ، ولفظ «من» يفيد الاستغراق كأنه قيل : وما يخفى عليه شيء ما .
ثم قال : { الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق } وفيه مباحث :
البحث الأول : اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسمعيل وإسحق على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعاً وتسعين سنة ، ولما ولد إسحق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل ولد له إسمعيل لأربع وستين سنة وولد إسحق لتسعين سنة ، وعن سعيد بن جبير : لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ذكر قوله : { عَلَى الكبر } لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم .
فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسمعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحق فكيف يمكنه أن يقول : { الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق } .
قلنا قال القاضي : هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء . ويمكن أيضاً أن يقال : إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسمعيل وظهور إسحق وإن كان ظاهر الروايات بخلافه .
البحث الثاني : على في قوله : { عَلَى الكبر } بمعنى مع كقول الشاعر :
إني على ما ترين من كبري ... أعلم من حيث يؤكل الكتف
وهو في موضع الحال ومعناه : وهب لي في حال الكبر .

(9/262)


البحث الثالث : في المناسبة بين قوله : { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْءٍ فَى الأرض وَلاَ فِى السمآء } وبين قوله : { الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق } وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب ، بل قال : { رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } أي إنك تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا ، ثم قال : { الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر إسماعيل وإسحاق } وذلك يدل ظاهراً على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء قال عليه السلام حاكياً عن ربه أنه قال : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " ثم قال : { إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعآء } .
واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح والتصريح قال : { إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ الدعاء } أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح وقوله : سميع الدعاء . من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه سمع الله لمن حمده .
المطلوب الخامس : قوله : { رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِى } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله وقوله : { رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرّيَتِى } يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله ، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصراً على أن الكل من الله .
المسألة الثانية : تقدير الآية : رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي . أي واجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة «من» في قوله : { وَمِن ذُرّيَتِى } للتبعيض ، وإنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم باعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار وذلك قوله : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } .
المطلوب السادس : أنه عليه السلام لما دعا الله في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال : { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ } وقال ابن عباس : يريد عبادتي بدليل قوله تعالى : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ مريم : 48 ] .
المطلوب السابع : قوله : { رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب فهذا يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه وإن كان قاطعاً بأن الله يغفر له فكيف طلب تحصيل ما كان قاطعاً بحصوله؟

(9/263)


والجواب : المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته .
المسألة الثانية : إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟
فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعاً فظن كونه حائزاً . الثاني : أراد بوالديه آدم وحواء . الثالث : كان ذلك بشرط الإسلام .
ولقائل أن يقول : لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلاً ولو لم يكن لبطل قوله تعالى : { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة : 4 ] وقال بعضهم : كانت أمه مؤمنة ، ولهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى : { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } [ التوبة : 114 ] ، والله أعلم وفي قوله : { يَوْمَ يَقُومُ الحساب } قولان : الأول : يقوم أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل ، والدليل عليه قولهم : قامت الحرب على ساقها ، ونظيره قوله ترجلت الشمس ، أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل . الثاني : أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله : { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] أي أهلها ، والله أعلم .

(9/264)


وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)

اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة ، وما يدل على صفة يوم القيامة ، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم ، لزم أن يكون إما غافلاً عن ذلك الظالم أو عاجزاً عن الإنتقام ، أو كان راضياً بذلك الظلم ، ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالاً على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم .
فإن قيل : كيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة؟
والجواب من وجوه : الأول : المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً ، كقوله : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 14 ] . { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ } [ القصص : 88 ] وكقوله : { يا أيها الذين آمنوا } . والثاني : أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الإنتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم ، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالاً . والثالث : أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير . الرابع : أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمة ، وعن سفيان بن عيينة : أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات .
الصفة الأولى : أنه تشخص فيه الأبصار . يقال : شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها ، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة .
والصفة الثانية : قوله : { مُهْطِعِينَ } وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة :
القول الأول : قال أبو عبيدة هو الإسراع . يقال : أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه ، فالمعنى : أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً ، فبين الله تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد ، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين ، أي مسرعين نحو ذلك البلاء .
القول الثاني : في الإهطاع قال أحمد بن يحيى : المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع .
والقول الثالث : المهطع الساكت .
والقول الرابع : قال الليث : يقال للرجل إذا قر وذل أهطع .
الصفة الثالثة : قوله : { مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } والإقناع رفع الرأس والنظر في ذل وخشوع ، فقوله : { مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } أي رافعي رؤوسهم والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه ، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون رؤوسهم .

(9/265)


الصفة الرابعة : قوله : { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } والمراد من هذه الصفة دوام ذلك الشخوص ، فقوله : { تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } لا يفيد كون هذا الشخوص دائماً وقوله : { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } يفيد دوام هذا الشخوص ، وذلك يدل على دوام تلك الحيرة والدهشة في قلوبهم .
الصفة الخامسة : قوله : { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ثم جعل وصفاً فقيل : قلب فلان هواء إذا كان خالياً لا قوة فيه ، والمراد بيان أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار لعظم ما ينالهم من الحيرة ومن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العقاب ومن كل سرور ، لكثرة ما فيه من الحزن ، إذا عرفت هذه الصفات الخمسة فقد اختلفوا في وقت حصولها فقيل : إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقيب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب ، وقيل : إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق ، والسعداء يذهبون إلى الجنة ، والأشقياء إلى النار . وقيل : بل يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور ، والأول أولى للدليل الذي ذكرناه ، والله أعلم .

(9/266)


وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)

اعلم أن قوله : { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } فيه أبحاث :
البحث الأول : قال صاحب «الكشاف» : { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } مفعول ثان لقوله : { وَأَنذِرِ } وهو يوم القيامة .
البحث الثاني : الألف واللام في لفظ { العذاب } للمعهود السابق ، يعني : وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره وهو شخوص أبصارهم ، وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم .
البحث الثالث : الإنذار هو التخويف بذكر المضار ، والمفسرون مجمعون على أن قوله : { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } هو يوم القيامة ، وحمله أبو مسلم على أنه حال المعاينة ، والظاهر يشهد بخلافه ، لأنه تعالى وصف اليوم بأن عذابهم يأتي فيه وأنهم يسألون الرجعة ، ويقال لهم : { أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة . وحجة أبي مسلم : أن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى : { وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } [ المنافقون : 10 ] ثم حكى الله سبحانه ما يقول الكفار في ذلك اليوم ، فقال : { فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل } واختلفوا في المراد بقوله : { أَخِّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } فقال بعضهم : طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه ، وقال : بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم : نجب دعوتك ونتبع الرسل ، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيباً لهم : { أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ } ومعناه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهو قوله تعالى : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } [ النحل : 38 ] إلى غير ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم الله تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى ، ومعنى : ما لكم من زوال ، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة ، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى هرم أو عن فقر إلى غنى ، ثم إنه تعالى زادهم تقريعاً آخر بقوله : { وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم ، وهم قوم نوح وعاد وثمود ، وظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية ، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر ، فإذا لم يعتبر كان مستوجباً للذم والتقريع .
ثم قال : { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال .
فإن قيل : ولماذا قيل : { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } ولم يكن القوم يقرون بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم؟

(9/267)


قلنا : إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا وانقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا فائدة في طلب الدنيا ، والواجب الجد والاجتهاد في طلب الدين ، والواجب على من عرف هذا أن يكون خائفاً وجلاً فيكون ذلك زجراً له هذا إذا قرىء بالتاء أما إذا قرىء بالنون فلا شبهة فيه لأن التقدير كأنه تعالى قال : أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم ، وليس كل ما بين لهم تبينوه .
أما قوله : { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال } فالمراد ما أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الإبتداء وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل ، وذلك في كتاب الله كثير ، والله أعلم .

(9/268)


وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)

اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال : { وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { وَقَدْ مَكَرُواْ } إلى ماذا يعود؟ على وجوه : الأول : أن يكون الضمير عائداً إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وهذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . والثاني : أن يكون المراد به قوم محمد صلى الله عليه وسلم والدليل عليه قوله : { وَأَنذِرِ الناس } [ إبراهيم : 45 ] يا محمد وقد مكر قومك مكرهم وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } [ الأنفال : 30 ] وقوله : { مَكْرَهُمْ } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم . الثالث : أن المراد من هذا المكر ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور ، وكان قد جوعها ورفع فوق الجوانب الأربعة من التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه في ذلك التابوت فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الدنيا عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها فنكس تلك العصي التي علق عليها اللحم فسفلت النسور وهبطت إلى الأرض ، فهذا هو المراد من مكرهم . قال القاضي : وهذا بعيد جداً لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه وما جاء فيه خبر صحيح معتمد ولا حجة في تأويل الآية ألبتة .
المسألة الثانية : قوله : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } فيه وجهان : الأول : أن يكون المكر مضافاً إلى الفاعل كالأول . والمعنى : ومكتوب عند الله مكرهم فهو يجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه . والثاني : أن يكون المكر مضافاً إلى المفعول ، والمعنى : وعند الله مكرهم الذي يمكر بهم وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون .
أما قوله تعالى : { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } فاعلم أنه قرأ الكسائي وحده { لِتَزُولَ } بفتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى منه ، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية .
أما القراءة الأولى : فمعناها أن مكرهم كان معداً لأن تزول منه الجبال ، وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه ، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله : { تَكَادُ السموات يتفطرن الكتاب مِنْهُ } [ مريم : 90 ] .
وأما القراءة الثانية : فالمعنى : أن لفظ «إن» في قوله؛ { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } بمعنى «ما» واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل . والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب } [ آل عمران : 179 ] . { مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين } [ آل عمران : 179 ] والجبال ههنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأمر دين الإسلام وإعلامه ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان . ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية : { فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } [ إبراهيم : 47 ] أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم . والمعنى : وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ودلائل شريعته ، وقرأ علي وعمرو : { إِن كَانَ مَكْرِهِمْ } .

(9/269)


فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } [ إبراهيم : 42 ] وقال في هذه الآية : { فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين ، لزم إما كونه غافلاً وإما كونه مخلفاً في الوعد ، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلاً وقوله : { مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } يعني قوله : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 51 ] وقوله : { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة : 21 ] .
فإن قيل : هلا قيل مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني على الأول؟
قلنا : ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً ، إن الله لا يخلف الميعاد ، ثم قال : { رُسُلَهُ } ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ، وقرىء : { مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بجر الرسل ونصب الوعد ، والتقدير : مخلف رسله وعده ، وهذه القراءة في الضعف ، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم ثم قال : { إِنَّ الله عَزِيزاً } أي غالب لا يماكر ذو انتقام لأوليائه .

(9/270)


يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)

اعلم أن الله تعالى لما قال : { عَزِيزٌ ذُو انتقام } بين وقت انتقامه فقال : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } وعظم من حال ذلك اليوم ، لأنه لا أمر أعظم من العقول والنفوس من تغيير السموات والأرض وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين ، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله : { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } .
المسألة الثانية : اعلم أن التبديل يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الذات باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى . والثاني : أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى ، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز ، أنه يقال بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل ، ومنه قوله تعالى : { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان : 70 ] ويقال : بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى ، ويقال : تبدل زيد إذا تغيرت أحواله ، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه قوله : { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } [ النساء : 56 ] وقوله : { بدلناهم بِجَنَّتَيْهمْ جَنَّتَيْنِ } [ سبأ : 16 ] إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان :
القول الأول : أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها ، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى ، فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً » وقوله : { والسموات } أي تبدل السموات غير السموات ، وهو كقوله عليه السلام : « لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده » والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر ، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها ، وتكوير شمسها ، وخسوف قمرها ، وكونها أبواباً ، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان .
والقول الثاني : أن المراد تبديل الذات . قال ابن مسعود : تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، فهذا شرح هذين القولين ، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض } المراد هذه الأرض ، والتبدل صفة مضافة إليها ، وعند حصول الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجوداً ، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل ، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل ، وإلا لامتنع حصول التبدل ، فوجب أن يكون الباقي هو الذات . فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية ، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون : إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام ، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها .

(9/271)


واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم ، ويجعل السموات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين : 18 ] وقوله : { كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ } [ المطففين : 7 ] ، والله أعلم .
أما قوله تعالى : { وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى : { وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } وإنما ذكر الواحد القهار ههنا ، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة ، ونظيره قوله : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ] ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم ، فقال : { وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ } .
واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أموراً :
فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد .
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { مُّقرِّنِينَ } ثلاثة أوجه : أحدها : قال الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء : هو معنى قوله : { وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } [ التكوير : 70 ] أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية ، والسعادة بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد ، بسبب الميل إلى عالم الجسم ، وهذا هو المراد بقوله : { وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون مقروناً في الأصفاد .
والقول الثاني : في تفسير قوله : { مُّقَرَّنِينَ فِى الأصفاد } هو قرن بعض الكفار ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى ، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات هي المراد بقوله : { مُّقَرَّنِينَ فِى الأصفاد } .
والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء ، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . وأما قوله : { فِى الأصفاد } ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقاً بمقرنين ، والمعنى : يقربون بالأصفاد . والثاني : أن لا يكون متعلقاً به ، والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه .

(9/272)


الصفة الثانية : قوله تعالى : { سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } السرابيل جمع سربال وهو القميص ، والقطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطرن ، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل ، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ، لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح ، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جارٍ مجرى السربال والقميص له ، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فإنما يحصل بسبب هذا البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ، وقرأ بعضهم { مّن قَطِرآن } والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن الأنباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم .
الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } ونظيره قوله تعالى : { أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة } [ الزمر : 24 ] وقوله : { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر : 48 ] .
واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب : { نَارُ الله الموقدة * التى تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة } [ الهمزة : 6 ، 7 ] وقال في الوجه : { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } بمعنى تتغشى ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال : { لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } قال الواحدي : المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية ، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضاً أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى .

(9/273)