صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
واعلم أن جماعة ممن يعبدون الأصنام قالوا نحن لا نقول : إن هذه الأصنام آلهة للعالم بمعنى أنها هي التي خلقت العالم إلا أنا نطلق عليها اسم الإله ونعبدها ونعظمها لاعتقادنا أن الله أمرنا بذلك ، فأجاب الله تعالى عنه ، فقال أما تسميتها بالآلهة فما أمر الله تعالى بذلك وما أنزل في حصول هذه التسمية حجة ولا برهاناً ولا دليلاً ولا سلطاناً ، وليس لغير الله حكم واجب القبول ولا أمر واجب الالتزام بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلا له ، ثم إنه أمر أن ألا تعبدوا إلا أياه ، وذلك لأن العبادة نهاية التعظيم والإجلال فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية الإنعام وهو الإله تعالى لأن منه الخلق والإحياء والعقل والرزق والهداية ، ونعم الله كثيرة وجهات إحسانه إلى الخلق غير متناهية ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء ، قال { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وتفسيره أن أكثر الخلق يسندون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث لا بد له من سبب فإذا رأوا أن تغير أحوال هذا العالم في الحر والبرد والفصول الأربعة ، إنما يحصل عند تغير أحوال الشمس في أرباع الفلك ربطوا الفصول الأربعة بحركة الشمس ، ثم لما شاهدوا أن أحوال النبات والحيوان مختلفة بحسب اختلاف الفصول الأربعة ربطوا حدوث النبات وتغير أحوال الحيوان باختلاف الفصول الأربعة ، فبهذا الطريق غلب على طباع أكثر الخلق أن المدبر لحدوث الحوادث في هذا العالم هو الشمس والقمر وسائر الكواكب ، ثم إنه تعالى إذا وفق إنساناً حتى ترقى من هذه الدرجة وعرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى موجد ومبدع قاهر قادر عليم حكيم ، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة ، فلهذا قال : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } . (9/46)
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)
اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن السؤال الذي ذكراه ، والمعنى ظاهر ، وذلك لأن الساقي لما قص رؤياه على يوسف ، وقد ذكرنا كيف قص عليه قال له يوسف : ما أحسن ما رأيت أما حسن العنبة فهو حسن حالك ، وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن ، وقال للخباز : لما قص عليه بئسما رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك ، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئاً فقال : { قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئاً فقيل إنهما وضعا هذا الكلام ليختبرا علمه بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئاً وقيل : إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا شيئاً . (9/47)
فإن قيل : هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من قبل الله تعالى أو بناء على علم التعبير ، والأول باطل لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نقل أنه إنما ذكره على سبيل التعبير ، وأيضاً قال تعالى : { وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } [ يوسف : 42 ] ولو كان ذلك التعبير مبنياً على الوحي لكان الحاصل منه القطع واليقين لا الظن والتخمين ، والثاني : أيضاً باطل لأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان .
الجواب : لا يبعد أن يقال : إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو كذبا فإن الله تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه المخصوص ، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره على سبيل التعبير ، ولا يبعد أيضاً أن يقال : إنه بنى ذلك الجواب على علم التعبير ، وقوله : { قُضِىَ الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } ما عنى به أن الذي ذكره واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره .
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)
فيه مسائل : (9/48)
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ناجياً ، وعلى هذا القول وجهان : الأول : أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين ، وهذا إذا قلنا بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي . قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن . قال تعالى : { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ رَّبُّهُمْ } [ البقرة : 46 ] وقال : { إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } [ الحاقة : 20 ] والثاني : أن تحمل هذا الظن على حقيقة الظن ، وهذا إذا قلنا إنه عليه السلام ذكر ذلك التعبير لا بناء على الوحي ، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم ، وهي لا تفيد إلا الظن والحسبان .
والقول الثاني : أن هذا الظن صفة الناجي ، فإن الرجلين السائلين ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته ، ولكنهما كانا حسني الاعتقاد فيه ، فكان قوله لا يفيد في حقهما إلا مجرد الظن .
المسألة الثانية : قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل الذي حكم بأنه يخرج من الحبس ويرجع إلى خدمة الملك { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } أي عند الملك . والمعنى : اذكر عنده أنه مظلوم من جهة إخوته لما أخرجوه وباعوه ، ثم إنه مظلوم في هذه الواقعة التي لأجلها حبس ، فهذا هو المراد من الذكر .
ثم قال تعالى : { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبّهِ } وفيه قولان : الأول : أنه راجع إلى يوسف ، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه ، وعلى هذا القول ففيه وجهان : أحدهما : أن تمسكه بغير الله كان مستدركاً عليه ، وتقريره من وجوه : الأول : أن مصلحته كانت في أن لا يرجع في تلك الواقعة إلى أحد من المخلوقين وأن لا يعرض حاجته على أحد سوى الله ، وأن يقتدي بجده إبراهيم عليه السلام ، فإنه حين وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار جاءه جبريل عليه السلام وقال : هل من حاجة ، فقال أما إليك فلا ، فلما رجع يوسف إلى المخلوق لا جرم وصف الله ذلك بأن الشيطان أنساه ذلك التفويض ، وذلك التوحيد ، ودعاه إلى عرض الحاجة إلى المخلوقين ، ثم لما وصفه بذلك ذكر أنه بقي لذلك السبب في السجن بضع سنين ، والمعنى أنه لما عدل عن الانقطاع إلى ربه إلى هذا المخلوق عوقب بأن لبث في السجن بضع سنين ، وحاصل الأمر أن رجوع يوسف إلى المخلوق صار سبباً لأمرين : أحدهما : أنه صار سبباً لاستيلاء الشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه ، الثاني : أنه صار سبباً لبقاء المحنة عليه مدة طويلة .
الوجه الثاني : أن يوسف عليه السلام قال في إبطال عبادة الأوثان { أَأرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار }
[ يوسف : 39 ] ثم إنه ههنا أثبت رباً غيره حيث قال : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } ومعاذ الله أن يقال إنه حكم عليه بكونه رباً بمعنى كونه إلهاً ، بل حكم عليه بالربوبية كما يقال : رب الدار ، ورب الثوب على أن إطلاق لفظ الرب عليه بحسب الظاهر يناقض نفي الأرباب . (9/49)
الوجه الثالث : أنه قال في تلك الآية ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، وذلك نفي للشرك على الإطلاق ، وتفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى ، فههنا الرجوع إلى غير الله تعالى كالمناقض لذلك التوحيد .
واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فهذا وإن كان جائزاً لعامة الخلق إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب .
الوجه الثاني : في تأويل الآية أن يقال : هب أنه تمسك بغير الله وطلب من ذلك الساقي أن يشرح حاله عند ذلك الملك ، إلا أنه كان من الواجب عليه أن لا يخلي ذلك الكلام من ذكر الله مثل أن يقول إن شاء الله أو قدر الله فلما أخلاه عن هذا الذكر وقع هذا الاستدراك .
القول الثاني : أن يقال إن قوله : { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبّهِ } راجع إلى الناجي والمعنى : أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال الأمر { فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } بهذا السبب ، ومن الناس من قال القول الأول أولى لما روي عنه عليه السلام قال : « رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن » وعن قتادة أن يوسف عليه السلام عوقب بسبب رجوعه إلى غير الله ، وعن إبراهيم التيمي أنه لما انتهى إلى باب السجن قال له صاحبه : ما حاجتك قال : أن تذكرني عند رب سوى الرب الذي قال يوسف ، وعن مالك لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل : يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال : طول البلاء أنساني ذكر المولى فقلت هذه الكلمة فويل لإخوتي .
قال مصنف الكتاب فخر الدين الرازي رحمه الله ، والذي جربته من أول عمري إلى آخره أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سبباً إلى البلاء والمحنة ، والشدة والرزية ، وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق ذلك المطلوب على أحسن الوجوه فهذه التجربة قد استمرت لي من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين ، فعند هذا استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه ومن الناس من رجح القول الثاني لأن صرف وسوسة الشيطان إلى ذلك الرجل أولى من صرفها إلى يوسف الصديق ، ولأن الاستعانة بالعباد في التخلص من الظلم جائزة .
واعلم أن الحق هو القول الأول وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر الشريعة وما قرره القائل الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم الشريعة ، ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن الأمر كما ذكرناه ، وأيضاً ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا القول ضعيف ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه . (9/50)
المسألة الثالثة : الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة لا إنكار عليه إلا أنه لما كان ذلك مستدركاً من المحققين المتوغلين في بحار العبودية لا جرم صار يوسف عليه السلام مؤاخذاً به ، وعند هذا نقول : الذي يصير مؤاخذاً بهذا القدر لأن يصير مؤاخذاً بالإقدام على طلب الزنا ومكافأة الإحسان بالإساءة كان أولى فلما رأينا الله تعالى آخذه بهذا القدر ، ولم يؤاخذه في تلك القضية ألبتة ، وما عابه بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء علمنا أنه عليه السلام كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه .
المسألة الرابعة : الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة ، وأما النسيان فلا ، لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب ، والشيطان لا قدرة له عليه ، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم .
وجوابه : أنه يمكنه من حيث إنه بوسوسته يدعو إلى سائر الأعمال واشتغال الإنسان بسائر الأعمال يمنعه عن استحضار ذلك العلم وتلك المعرفة .
المسألة الخامسة : قوله : { فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } فيه بحثان :
البحث الأول : بحسب اللغة قال الزجاج : اشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت ومعناه القطعة من العدد قال الفراء : ولا يذكر البضع إلا مع عشرة أو عشرين إلى التسعين وذلك يقتضي أن يكون مخصوصاً بما بين الثلاثة إلى التسعة ، وقال هكذا رأيت العرب يقولون وما رأيتهم يقولون بضع ومائة ، وروى الشعبي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه : « كم البضع » قالوا الله ورسوله أعلم قال : « ما دون العشرة » واتفق الأكثرون على أن المراد ههنا ببضع سنين ، سبع سنين قالوا : إن يوسف عليه السلام حين قال لذلك الرجل : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } كان قد بقي في السجن خمس سنين ثم بقي بعد ذلك سبع سنين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما تضرع يوسف عليه السلام إلى ذلك الرجل كان قد اقترب وقت خروجه فلما ذكر ذلك لبث في السجن بعده سبع سنين ، وروي أن الحسن روى قوله صلوات الله عليه وسلامه : « رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن هذه المدة الطويلة » ثم بكى الحسن وقال : نحن إذا نزل بنا أمر تضرعنا إلى الناس .
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44)
اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئاً هيأ له أسباباً ، ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها ، وسبعاً أخر يابسات ، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكمنة وذكرها لهم وهو المراد من قوله : { يابسات يأَيُّهَا الملا أَفْتُونِى فِى رؤياى } فقال القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا تقدر على تأويلها وتعبيرها ، فهذا ظاهر الكلام وفيه مسائل : (9/51)
المسألة الأولى : قال الليث : العجف ذهاب السمن والفعل عجف يعجف والذكر أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والإناث . وليس في كلام العرب أفعل وفعلاء جمعاً على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا : سمان وعجاف لأنهما نقيضان ومن دأبهم حمل النظير على النظير ، والنقيض على النقيض ، واللام في قوله : { لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } على قول البعض زائدة لتقدم المفعول على الفعل ، وقال صاحب «الكشاف» : يجوز أن تكون الرؤيا خبر كان كما تقول : كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبراً آخر أو حالاً ، ويقال عبرت الرؤيا أعبرها وعبرتها تعبيراً إذا فسرتها ، وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر ، وهو جانب النهر ومعنى عبرت النهر ، والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر ، لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى الآخر ، والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى : { وَخُذْ بِيَدِكَ } [ ص : 44 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث .
المسألة الثانية : أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سبباً لخلاص يوسف عليه السلام من السجن ، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه ، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر ، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوماً من وجه وبقي مجهولاً من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة ، وكان ذلك الشيء دالاً على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا ، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سبباً لخلاص يوسف من تلك المحنة .
واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير ، بل قالوا : إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي إليها ، فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحراً في هذا العلم .
وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)
اعلم أن الملك لما سأل الملأ عن الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب قال الشرابي إن في الحبس رجلاً فاضلاً صالحاً كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل وما أخطأ في حرف فإن أذنت مضيت إليه وجئتك بالجواب . فهذا هو قوله : { بعالمين وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا } . (9/52)
وأما قوله : { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } فنقول : سيجيء اذكر في تفسير قوله تعالى : { مِن مُّدَّكِرٍ } [ القمر : 51 ] في سورة القمر قال صاحب «الكشاف» { وادكر } بالدال هو الفصيح عن الحسن { واذكر } بالذال أي تذكر ، وأما الأمة ففيه وجوه : الأول : { بَعْدَ أُمَّةٍ } أي بعد حين ، وذلك لأن الحين إنما يحصل عند اجتماع الأيام الكثيرة كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم فالحين كان أمة من الأيام والساعات والثاني : قرأ الأشهب العقيلي { بَعْدَ أُمَّةٍ } بكسر الهمزة والإمة النعمة قال عدي :
ثم بعد الفلاح والملك والإمة وارتهم هناك القبور ... والمعنى : بعدما أنعم عليه بالنجاة . الثالث : قرىء { بَعْدَ أُمُّهُ } أي بعد نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي والصحيح أنها بفتح الميم وذكره أبو عبيدة بسكون الميم ، وحاصل الكلام أنه إما أن يكون المراد وادكر بعد مضي الأوقات الكثيرة من الوقت الذي أوصاه يوسف عليه السلام بذكره عند الملك ، والمراد وادكر بعد وجدان النعمة عند ذلك الملك أو المراد وادكر بعد النسيان .
فإن قيل : قوله : { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } يدل على أن الناسي هو الشرابي وأنتم تقولون الناسي هو يوسف عليه السلام .
قلنا : قال ابن الأنباري : اذكر بمعنى ذكر وأخبر وهذا لا يدل على سبق النسيان فلعل الساقي إنما لم يذكره للملك خوفاً من أن يكون ذلك اذكاراً لذنبه الذي من أجله حبسه فيزداد الشر ويحتمل أيضاً أن يقال : حصل النسيان ليوسف عليه السلام وحصل أيضاً لذلك الشرابي . وأما قوله : { فَأَرْسِلُونِ } خطاب إما للملك والجمع أو للملك وحده على سبيل التعظيم ، أما قوله : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } ففيه محذوف ، والتقدير : فأرسل وأتاه وقال أيها الصديق ، والصديق هو البالغ في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه لم يجرب عليه كذباً وقيل : لأنه صدق في تعبير رؤياه وهذا يدل على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئاً فإنه يجب عليه أن يعظمه ، وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال ثم إنه أعاد السؤال بعين اللفظ الذي ذكره الملك ونعم ما فعل ، فإن تعبير الرؤيا قد يختلف بسبب اختلاف اللفظ كما هو مذكور في ذلك العلم .
أما قوله تعالى : { لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فالمراد لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لعلهم يعلمون فضلك وعلمك وإنما قال لعلي أرجع إلى الناس بفتواك لأنه رأى عجز سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز هو أيضاً عنها ، فلهذا السبب قال : { لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس } .
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)
اعلم أنه عليه السلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال : { تَزْرَعُونَ } وهو خبر بمعنى الأمر ، كقوله : { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ } [ البقرة : 228 ] { والوالدات يُرْضِعْنَ } [ البقرة : 233 ] وإنما يخرج الخبر بمعنى الأمر ، ويخرج الأمر في صورة الخير للمبالغة في الإيجاب ، فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه والدليل على كونه في معنى الأمر قوله : { فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } وقوله : { دَأَبًا } قال أهل اللغة : الدأب استمرار الشيء على حالة واحدة وهو دائب بفعل كذا إذا استمر في فعله ، وقد دأب يدأب دأباً ودأباً أي زراعة متوالية في هذه السنين . قال أبو علي الفارسي : الأكثرون في دأب الإسكان ولعل الفتحة لغة ، فيكون كشمع وشمع ، ونهر ونهر . قال الزجاج : وانتصب دأباً على معنى تدأبون دأباً . وقيل : إنه مصدر وضع في موضع الحال ، وتقديره تزرعون دائبين فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون كل ما أردتم أكله فدوسوه ودعوا الباقي في سنبله حتى لا يفسد ولا يقع السوس فيه ، لأن إبقاء الحبة في سنبله يوجب بقاءها على الصلاح { ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ } أي سبع سنين مجدبات ، والشداد الصعاب التي تشتد على الناس ، وقوله : { يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } هذا مجاز ، فإن السنة لا تأكل فيجعل أكل أهل تلك السنين مسنداً إلى السنين . وقوله : { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } الإحصان الإحراز ، وهو إلقاء الشيء في الحصن يقال أحصنه إحصاناً إذا جعله في حرز ، والمراد إلا قليلاً مما تحرزون أي تدخرون وكلها ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما ، وقوله : { ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس } قال المفسرون السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم والسبعة الثانية سنو القحط والقلة وهي معلومة من الرؤيا ، وأما حال هذه السنة فما حصل في ذلك المنام شيء يدل عليه بل حصل ذلك من الوحي فكأنه عليه السلام ذكر أنه يحصل بعد السبعة المخصبة والسبعة المجدبة سنة مباركة كثيرة الخير والنعم ، وعن قتادة زاده الله علم سنة . (9/53)
فإن قيل : لما كانت العجاف سبعاً دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد على هذا العدد ، ومن المعلوم أن الحاصل بعد انقضاء القحط هو الخصب وكان هذا أيضاً من مدلولات المنام ، فلم قلتم إنه حصل بالوحي والإلهام؟
قلنا : هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم من المنام ، أما تفصيل الحال فيه ، وهو قوله : { فِيهِ يُغَاثُ الناس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } لا يعلم إلا بالوحي ، قال ابن السكيت يقال : غاث الله البلاد يغيثها غيثاً إذا أنزل فيها الغيث وقد غيثت الأرض تغاث ، وقوله : { يُغَاثُ الناس } معناه يمطرون ، ويجوز أن يكون من قولهم : أغاثه الله إذا أنقذه من كرب أو غم ، ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب ، وقوله : { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي يعصرون السمسم دهناً والعنب خمراً والزيتون زيتاً ، وهذا يدل على ذهاب الجدب وحصول الخصب والخير ، وقيل : يحلبون الضروع ، وقرىء { يَعْصِرُونَ } من عصره إذا نجاه ، وقيل : معناه يمطرون من أعصرت السحابة إذا عصرت بالمطر ، ومنه قوله : { وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَاء ثَجَّاجاً } [ النبأ : 14 ] .
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)
اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال : ائتوني به ، وهذا يدل على فضيلة العلم ، فإنه سبحانه جعل علمه سبباً لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سبباً للخلاص من المحن الأخروية ، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك ، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : { ارجع إلى رَبّكَ } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب؛ ولما ابتغيت العذر أنه كان حليماً ذا أناة » (9/54)
واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها ، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه . الثاني : أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج ، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات ، وذلك يصير سبباً لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم ، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذباً وبهتاناً . الثالث : أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضاً على شدة طهارته إذ لو كان ملوثاً بوجه ما ، لكان خائفاً أن يذكر ما سبق . الرابع : أنه حين قال للشرابي : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزناً ، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة ، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله ، وكان هذا العمل جارياً مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } ليظهر أيضاً هذا المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معاً .
أما قوله : { وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي { فسله } بغير همز والباقون { رَبّكَ فَاسْأَلْهُ } بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه { النسوة } بضم النون والباقون بكسر النون ، وهما لغتان .
المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف : أولها : أن معنى الآية : فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها : أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة . وثالثها : أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله : { مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل . ثم قال يوسف بعد ذلك : { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } وفي المراد من قوله : { إِنَّ رَبّى } وجهان : الأول : أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور . والثاني : أن المراد الملك وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالماً بكيدهن ومكرهن . (9/55)
واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوهاً : أحدها : أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه ، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح . وثانيها : لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله : { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة . وثالثها : أنه استخرج منهن وجوهاً من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك ، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك ، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن : { مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } وفيه وجهان : الأول : أن قوله : { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } وإن كانت صيغة الجمع ، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } [ آل عمران : 173 ] والثاني : أن المراد منه خطاب الجماعة . ثم ههنا وجهان : الأول : أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها . والثاني : أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، وعند هذا السؤال { قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن : { مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } .
واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة ، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهراً عن جميع العيوب ، وههنا دقيقة ، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال : { مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عليها ، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل ، ورأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر ، فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة ، فقال الزوج : لا حاجة إلى ذلك ، فإني مقر بصدقها في دعواها ، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك . (9/56)
المسألة الثانية : قال أهل اللغة : { حَصْحَصَ الحق } معناه : وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم : حصحص البعير في بروكه ، إذا تمكن واستقر في الأرض . قال الزجاج : اشتقاقه في اللغة من الحصة ، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } كلام من؟ وفيه أقوال :
القول الأول : وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام . قال الفراء : ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى : { إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } [ النمل : 34 ] وهذا كلام بلقيس . ثم إنه تعالى قال : { وكذلك يَفْعَلُونَ } وأيضاً قوله تعالى : { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } [ آل عمران : 9 ] كلام الداعي .
ثم قال : { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } بقي على هذا القول سؤالات :
السؤال الأول : قوله : { ذلك } إشارة إلى الغائب ، والمراد ههنا : الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة .
والجواب : أجبنا عنه في قوله : { ذلك الكتاب } [ البقرة : 2 ] وقيل : ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان ، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب .
السؤال الثاني : متى قال يوسف عليه السلام هذا القول؟
الجواب : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيماً للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب .
السؤال الثالث : هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } . (9/57)
والجواب : قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة ، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه ، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله : { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى يُحِبُّ الخائنين } ولعل المراد منه أني لو كنت خائناً لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة ، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه .
والقول الثاني : أن قوله : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } كلام امرأة العزيز والمعنى : أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته ، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق . ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول ، وقالت : { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئاً عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه . قال صاحب هذا القول : والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها : { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } ففي تلك الحالة يقول يوسف : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية ، ثم إن يوسف يقول ابتداء { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة .
المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة : الأول : أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهماً بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة ، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعياً منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك ، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلاً ، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه . والثاني : أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن : { حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }
[ يوسف : 31 ] وفي المرة الثانية حيث قلن : { حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } والثالث : أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت : { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم } [ يوسف : 32 ] وفي المرة الثانية في هذه الآية . (9/58)
واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه : أولها : قول المرأة : { أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } وثانيها : قولها : { وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } [ يوسف : 26 ] وثالثها : قول يوسف عليه السلام : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام ، ولا حين هممت ، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريف ظاهر القرآن . ورابعها : قوله : { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } يعني أن صاحب الخيانة لا بد وأن يفتضح ، فلو كنت خائناً لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة ، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين ، وههنا وجه آخر وهو أقوى من الكل ، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة ، وتلك المحنة صارت منتهية ، فإقدامه على قوله : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة ، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما ، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء ، وقدوة الأصفياء؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقوله الجهال والحشوية .
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
وفي الآية مسائل : (9/59)
المسألة الأولى : اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها لأنا إن قلنا إن قوله : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف : 52 ] كلام يوسف كان هذا أيضاً من كلام يوسف ، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضاً كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين ، أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا : إنه عليه السلام لما قال : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء } أي بالزنا { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } أي عصم ربي { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ } للهم الذي هممت به { رَّحِيمٌ } أي لو فعلته لتاب علي .
واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان :
الوجه الأول : أنه عليه السلام لما قال : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } كان ذلك جارياً مجرى مدح النفس وتزكيتها ، وقال تعالى : { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } [ النجم : 32 ] فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } والمعنى : وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية .
والوجه الثاني : في الجواب أن الآية لا تدل ألبتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال : { أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة ، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة ، بل لقيام الخوف من الله تعالى . أما إذا قلنا : إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان : الأول : وما أبرىء نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } الثاني : أنها لما قالت : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف : 52 ] قالت وما أبرىء نفسي عن الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت : { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ يوسف : 25 ] وأودعته السجن كأنها أرادت الاعتذار مما كان .
فإن قيل جعل هذا الكلام كلاماً ليوسف أولى أم جعله كلاماً للمرأة؟
قلنا : جعله كلاماً ليوسف مشكل ، لأن قوله : { قَالَتِ امرأت العزيز الئن حَصْحَصَ الحق } [ يوسف : 51 ] كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره ، فالقول بأن بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين وبين المجلسين بعيد ، وأيضاً جعله كلاماً للمرأة مشكل أيضاً ، لأن قوله : { وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ النفس لامَّارَةٌ بالسوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي ، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس ، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية .
المسألة الثانية : قالوا : { مَا } في قوله : { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } بمعنى «من» والتقدير : إلا من رحم ربي ، وما ومن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر كقوله تعالى : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] وقال : { وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ } [ النور : 45 ] وقوله : { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } استثناء متصل أو منقطع ، فيه وجهان : الأول : أنه متصل ، وفي تقريره وجهان : الأول : أن يكون قوله : { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } أي إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة . الثاني : إلا ما رحم ربي أي إلا وقت رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة . (9/60)
والقول الثاني : أنه استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة كقوله : { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } [ البقرة : 48 ] { إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا } [ يس : 44 ] .
المسألة الثالثة : اختلف الحكماء في أن النفس الإمارة بالسوء ما هي؟ والمحققون قالوا إن النفس الإنسانية شيء واحد ، ولها صفات كثيرة فإذا مالت إلى العالم الإلهي كانت نفساً مطمئنة ، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت أمارة بالسوء ، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة والسبب فيه أن النفس من أول حدوثها قد ألفت المحسوسات والتذت بها وعشقتها ، فأما شعورها بعالم المجردات وميلها إليه ، فذلك لا يحصل إلا نادراً في حق الواحد ، فالواحد وذلك الواحد فإنما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات النادرة فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى الصعود إلى العالم الأعلى نادراً لا جرم حكم عليها بكونها أمارة بالسوء ، ومن الناس من زعم أن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية ، وأما النفس الشهوانية والغضبية فهما مغايرتان للنفس العقلية ، والكلام في تحقيق الحق في هذا الباب مذكور في المعقولات .
المسألة الرابعة : تمسك أصحابنا في أن الطاعة والإيمان لا يحصلان إلا من الله بقوله : { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } قالوا دلت الآية على أن انصراف النفس من الشر لا يكون إلا برحمته؛ ولفظ الآية مشعر بأنه متى حصلت تلك الرحمة حصل ذلك الانصراف . فنقول : لا يمكن تفسير هذه الرحمة بإعطاء العقل والقدرة والألطاف كما قاله القاضي لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن فوجب تفسيرها بشيء آخر ، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية المعصية وقد أثبتنا ذلك أيضاً بالبرهان القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب .
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)
في الآية مسائل : (9/61)
المسألة الأولى : اختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال : هو العزيز ، ومنهم من قال : بل هو الريان الذي هو الملك الأكبر ، وهذا هو الأظهر لوجهين : الأول : أن قول يوسف : { اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض } يدل عليه . الثاني : أن قوله : { أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصاً له ، وقد كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصاً للعزيز ، فدل هذا على أن هذا الملك هو الملك الأكبر .
المسألة الثانية : ذكروا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام وهو في الحبس وقال : «قل اللهم اجعل لي من عندك فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث لا أحتسب» فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن ، وتقرير الكلام : أن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه : أحدها : أنه عظم اعتقاده في علمه ، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه ، وثانيها : أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته ، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في الخروج ما أسرع إلى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولاً ما يدل على براءة حاله عن جميع لتهم ، وثالثها : أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه ، وذلك لأنه اقتصر على قوله : { مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [ يوسف : 50 ] وإن كان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها ، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء وهذا من الأدب العجيب . ورابعها : براءة حاله عن جميع أنواع التهم فإن الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة والبراءة عن الجرم . وخامسها : أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين كانوافي السجن . وسادسها : أنه بقي في السجن بضع سنين ، وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في الإنسان ، فكيف مجموعها ، فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئاً جمع أسبابه وقواها .
إذا عرفت هذا فنقول : لما ظهر للملك هذه الأحوال من يوسف عليه السلام رغب أن يتخذه لنفسه فقال : { ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } روي أن الرسول قال ليوسف عليه السلام ثم إلى الملك متنظفاً من درن السجن بالثياب النظيفة والهيئة الحسنة فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء ، ولما دخل عليه قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم دخل عليه وسلم ودعا له بالعبرانية والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك وهذا الملك طلب أن يكون يوسف له وحده وأنه لا يشاركه فيه غيره لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة الرفيعة فلما علم الملك أنه وحيد زمانه وفريد أقرانه أراد أن ينفرد به .
روي أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما من شيء إلا وأحب أن تشركني فيه إلا في أهلي وفي أن لا تأكل معي فقال يوسف عليه السلام ، أما ترى أن آكل معك ، وأنا يوسف بن يعقوب بن إسحق الذبيح بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، ثم قال : { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } وفيه قولان : أحدهما : أن المراد فلما كلم الملك يوسف عليه السلام قالوا لأن في مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبتدىء بالكلام وإنما الذي يبتدىء به هو الملك ، والثاني : أن المراد : فلما كلم يوسف الملك قيل : لما صار يوسف إلى الملك وكان ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة ، فلما رآه الملك حدثاً شاباً قال للشرابي : هذا هو الذي علم تأويل رؤياي مع أن السحرة والكهنة ماعلموها قال نعم ، فأقبل على يوسف وقال : إني أحب أن أسمع تأويل الرؤيا منك شفاهاً ، فأجاب بذلك الجواب شفاهاً وشهد قلبه بصحته ، فعند ذلك قال له : { إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } يقال : فلان مكين عند فلان بين المكانة أي المنزلة ، وهي حالة يتمكن بها صاحبها مما يريد . وقوله : { أَمِينٌ } أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما نسبت إليه . (9/62)
واعلم أن قوله : { مِكِينٌ أَمِينٌ } كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب ، وذلك لأنه لا بد في كونه مكيناً من القدرة والعلم . أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة . وأما العلم فلأن كونه متمكناً من أفعال الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالماً بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي بالفعل ، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك ، فثبت أن كونه مكيناً لا يحصل إلا بالقدرة والعلم . أما كونه أميناً فهو عبارة عن كونه حكيماً لا يفعل الفعل لداعي الشهوة بل إنما يفعله لداعي الحكمة ، فثبت أن كونه مكيناً أميناً يدل على كونه قادراً ، وعلى كونه عالماً بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد ، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة ، وكل من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة إثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا إنه تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى عالم بقبح القبيح عالم بكونه غنياً عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح قالوا : وإنما يكون غنياً عن القبيح إذا كان قادراً ، وإذا كان منزهاً عن داعية السفه فثبت أن وصفه بكونه مكيناً أميناً نهاية ما يمكن ذكره في هذا الباب ثم حكى تعالى أن يوسف عليه السلام قال في هذا المقام { اجعلنى على خَزَائِنِ الارض إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال المفسرون : لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال له الملك : فما ترى أيها الصديق قال : أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعاً كثيراً وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي بهذا الشغل فقال يوسف : { اجعلنى على خَزَائِنِ الارض } أي على خزائن أرض مصر وأدخل الألف واللام على الأرض ، والمراد منه المعهود السابق . روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال : " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه لما قال ذلك أخره عنه سنة " وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية إلى الله تعالى أولى . (9/63)
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم طلب يوسف الإمارة والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة : «لا تسأل الإمارة» وأيضاً فكيف طلب الإمارة من سلطان كافر ، وأيضاً لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب الأمارة في الحالة ، وأيضاً لم طلب أمر الخزائن في أول الأمر ، مع أن هذا يورث نوع تهمة وأيضاً كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله : { إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } مع أنه تعالى يقول : { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } [ النجم : 32 ] وأيضاً فما الفائدة في قوله : { إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } وأيضاً لم ترك الاستثناء في هذا فإن الأحسن أن يقول : إني حفيظ عليم إن شاء الله بدليل قوله تعالى : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الكهف : 23 ، 24 ] فهذه أسئلة سبعة لا بد من جوابها فنقول : الأصل في جواب هذه المسائل أن التصرف في أمور الخلق كان واجباً عليه ، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان ، إنما قلنا : إن ذلك التصرف كان واجباً عليه لوجوه : الأول : أنه كان رسولاً حقاً من الله تعالى إلى الخلق ، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان ، والثاني : وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم ، فلعله تعالى أمره بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق ، والثالث : أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان مكلفاً برعاية مصالح الخلق من هذه الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ، فكان هذا الطريق واجباً عليه ولما كان واجباً سقطت الأسئلة بالكلية ، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي : كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة ، وأقول : لعل السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء ، وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه من وجوه : الأول : لا نسلم أنه مدح نفسه لكنه بين كونه موصوفاً بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا المطلوب ، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالماً بأنه يفي بهذا الأمر ، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذموماً إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل ، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى :
{ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } [ النجم : 32 ] المراد منه تزكية النفس حال مايعلم كونها غير متزكية ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } أما إذا كان الإنسان عالماً بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم . (9/64)
قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم؟
قلنا : إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل الدخل والمال ، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها ، ويقال : حفيظ بجميع مصالح الناس ، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال : حفيظ لوجوه أياديك وكرمك ، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده .
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)
فيه مسائل : (9/65)
المسألة الأولى : اعلم أن يوسف عليه السلام لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لم يحك الله عن الملك أنه قال : قد فعلت ، بل الله سبحانه قال : { وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض } فههنا المفسرون قالوا في الكلام محذوف وتقديره : قال الملك قد فعلت ، إلا أن تمكين الله له في الأرض يدل على أن الملك الملك قد أجابه إلى ما سأل . وأقول : ما قالوه حسن ، إلا أن ههنا ما هو أحسن منه وهو أن إجابة الملك له سبب في عالم الظاهر وأما المؤثر الحقيقي : فليس إلا أنه تعالى مكنه في الأرض ، وذلك لأن ذلك الملك كان متمكناً من القبول ومن الرد ، فنسبة قدرته إلى القبول وإلى الرد على التساوي ، وما دام يبقى هذ التساوي امتنع حصول القبول ، فلا بد وأن يترجح القبول على الرد في خاطر ذلك الملك ، وذلك الترجح لا يكون إلا بمرجح يخلقه الله تعالى ، إذا خلق الله تعالى ذلك المرجح حصل القبول لا محالة ، فالتمكن ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله تعالى في قلب ذلك الملك بمجموع القدرة والداعية الجازمة اللتين عند حصولهما يجب الأثر ، فلهذا السبب ترك الله تعالى ذكر إجابة الملك واقتصر على ذكر التمكين الإلهي ، لأن المؤثر الحقيقي ليس إلا هو .
المسألة الثانية : روي أن الملك توجه وأخرج خاتم الملك وجعله في أصبعه وقلد بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت ، فقال يوسف عليه السلام : أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي ، وجلس على السرير ودانت له القوم ، وعزل الملك قطفير زوج المرأة المعلومة ومات بعد ذلك وزوجه الملك امرأته ، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيراً مما طلبت ، فوجدها عذراء فولدت له ولدين أفرايم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدراهم والدنانير في السنة الأولى ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم سنين فقالوا والله ما رأينا ملكاً أعظم شأناً من هذا الملك حتى صار كل الخلق عبيداً له فلما سمع ذلك قال إني أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم ، وكان لا يبيع لأحد ممن يطلب الطعام أكثر من حمل البعير لئلا يضيق الطعام على الباقين هكذا رواه صاحب «الكشاف» والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { وكذلك } الكاف منصوبة بالتمكين ، وذلك إشارة إلى ما تقدم يعني به ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس ، وقوله : { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأرض } أي أقدرناه على ما يريد برفع الموانع وقوله : { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } يتبوأ في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوأ وقرأ ابن كثير : { نَشَاء } بالنون مضافاً إلى الله تعالى والباقون بالياء مضافاً إلى يوسف .
واعلم أن قوله : { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } يدل على أنه صار في الملك بحيث لا يدافعه أحد ، ولا ينازعه منازع بل صار مستقلاً بكل ما شاء وأراد ثم بين تعالى ما يؤكد أن ذلك من قبله فقال : { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } . (9/66)
واعلم أنه تعالى ذكر أولاً أن ذلك التمكين كان من الله لا من أحد سواه وهو قوله : { كذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض } ثم أكد ذلك ثانياً بقوله : { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } وفيه فائدتان :
الفائدة الأولى : أن هذا يدل على أن الكل من الله تعالى . قال القاضي : تلك المملكة لما لم تتم إلا بالأمور فعلها الله تعالى صارت كأنها حصلت من قبله تعالى .
وجوابه : أنا ندعي أن نفس تلك المملكة إنما حصلت من قبل الله تعالى ، لأن لفظ القرآن يدل على قولنا ، والبرهان القاطع الذي ذكرناه يقوي قولنا ، فصرف هذا اللفظ إلى المجاز لا سبيل إليه .
الفائدة الثانية : أنه أتاه ذلك بمحض المشيئة الإلهية والقدرة النافذة . قال القاضي : هذه الآية تدل على أنه تعالى يجري أمر نعمه على ما يقتضيه الصلاح .
قلنا : الآية تدل على أن الأمور معلقة بالمشيئة الإلهية والقدرة المحضة فأمارعاية قيد الصلاح ، فأمر اعتبرته أنت من نفسك مع أن اللفظ لا يدل عليه .
ثم قال تعالى : { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } وذلك لأن إضاعة الأجر إما أن يكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى ، فكانت الإضاعة ممتنعة .
واعلم أن هذا شهادة من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان من المحسنين ولو صدق القول بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال : إنه كان من المحسنين ، فههنا لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف بأنه كان من المحسنين وهو عين الكفر أو لزم تكذيب الحشوي فيما رواه وهو عين الإيمان والحق .
ثم قال تعالى : { وَلاَجْرُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } وفيه مسائل :
المسألة الأول : في تفسير هذه الآية قولان :
القول الأول : المراد منه أن يوسف عليه السلام وإن كان قد وصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا إلا أن الثواب الذي أعده الله له في الآخرة خير وأفضل وأكمل وجهات الترجيح قد ذكرناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً ، وحاصل تلك الوجوه أن الخير المطلق هو الذي يكون نفعاً خالصاً دائماً مقروناً بالتعظيم ، وكل هذه القيود الأربعة حاصلة في خيرات الآخرة ومفقودة في خيرات الدنيا .
القول الثاني : أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر كما يقال : الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيراً من غير أن يكون المراد منه بيان التفضيل كما يقال : الثريد خير من الله يعني الثريد خير من الخيرات حصل بإحسان من الله . (9/67)
إذا ثبت هذا فقوله : { وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ } إن حملناه على الوجه الأول لزم أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضاً ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني لزم أن لا يقال إن منافع الدنيا أيضاً خيرات بل لعله يفيد أن خير الآخرة هو الخير ، وأما ما سواه فعبث .
المسألة الثانية : لا شك أن المراد من قوله : { وَلاَجْرُ الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون ، وهذا تنصيص من الله عز وجل . على أنه كان في الزمان السابق من المتقين ، وليس ههنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } [ يوسف : 24 ] فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان في ذلك الوقت من المتقين ، وأيضاً قوله : { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين ، وقوله : { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } شهادة من الله تعالى على أنه من المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليه السلام كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين ، والجاهل الحشوي يقول : إنه كان من الأخسرين المذنبين ، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات كان من الأخسرين .
المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى : { وَلاَجْرُ الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } يدل على بطلان قول المرجئة : الذين يزعمون أن الثواب يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر .
قلنا : هذا ضعيف ، لأنا إن حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلاً ، وإن حملناه على أصل معنى الخيرية ، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير .
وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)
اعلم أنه لما عم القحط في البلاد ، ووصل أيضاً إلى البلدة التي كان يسكنها يعقوب عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه إن بمصر رجلاً صالحاً يمير الناس فاذهبوا إليه بدراهمكم وخذوا الطعام فخرجوا إليه وهم عشرة ودخلوا على يوسف عليه السلام وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع إخوته وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف عليه السلام حال ما ألقوه في الجب { لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ يوسف : 15 ] وأخبر تعالى أن يوسف عرفهم وهم ما عرفوه ألبتة ، أما أنه عرفهم فلأنه تعالى كان قد أخبره في قوله : { لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ } بأنهم يصلون إليه ويدخلون عليه ، وأيضاً الرؤيا التي رآها كانت دليلاً على أنهم يصلون إليه ، فلهذا السبب كان يوسف عليه السلام مترصداً لذلك الأمر ، وكان كل من وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحص عنهم ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء الواصلين هل هم إخوته أم لا فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم تفحصاً ظهر له أنهم إخوته ، وأما أنهم ما عرفوه فلوجوه : الأول : أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بالواسطة ومتى كان الأمر كذلك لا جرم أنهم لم يعرفوه لا سيما مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف ، وكل ذلك مما يمنع من التأمل التام الذي عنده يحصل العرفان . والثاني : هو أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيراً . ثم إنهم رأوه بعد وفور اللحية ، وتغير الزي والهيئة فإنهم رأوه جالساً على سريره ، وعليه ثياب الحرير ، وفي عنقه طوق من ذهب ، وعلى رأسه تاج من ذهب ، والقوم أيضاً نسوا واقعة يوسف عليه السلام لطول المدة . فيقال : إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت كان قد مضى أربعون سنة ، وكل واحد من هذه الأسباب يمنع من حصول المعرفة ، لا سيما عند اجتماعها ، والثالث : أن حصول العرفان والتذكير بخلق الله تعالى ، فلعله تعالى ما خلق ذلك العرفان والتذكير في قلوبهم تحقيقاً لما أخبره عنه بقوله : { لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وكان ذلك من معجزات يوسف عليه السلام . (9/68)
ثم قال تعالى : { وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } قال الليث : جهزت القوم تجهيزاً إذا تكلفت لهم جهازهم للسفر ، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما يحتاج إليه في وجهه . قال : وسمعت أهل البصرة يقولون : الجهاز بالكسر . قال الأزهري : القراء كلهم على فتح الجيم ، والكسر لغة ليست بجيدة ، قال المفسرون : حمل لكل رجل منهم بعيراً وأكرمهم أيضاً بالنزول وأعطاهم ما احتاجوا إليه في السفر ، فذلك قوله : { جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } ثم بين تعالى أنه لما جهزهم بجهازهم قال : { ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } .
واعلم أنه لا بد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سبباً لسؤال يوسف عن حال أخيهم ، وذكروا فيه وجوهاً : (9/69)
الوجه الأول : وهو أحسنها إن عادة يوسف عليه السلام مع الكل أن يعطيه حمل بعير لا أزيد عليه ولا أنقص ، وإخوة يوسف الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة ، فأعطاهم عشرة أحمال ، فقالوا : إن لنا أباً شيخاً كبيراً وأخاً آخر بقي معه ، وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر ، وأن أخاهم بقي في خدمة أبيه ولا بد لهما أيضاً من شيء من الطعام فجهز لهما أيضاً بعيرين آخرين من الطعام فلما ذكروا ذلك قال يوسف فهذا يدل على أن أحب أبيكم له أزيد من حبه لكم ، وهذا شيء عجيب لأنكم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا على أن ذلك أعجوبة في العقل ، وفي الفضل والأدب فجيئوني به حتى أراه فهذا السبب محتمل مناسب .
والوجه الثاني : أنهم لما دخلوا عليه ، عليه السلام وأعطاهم الطعام قال لهم : من أنتم؟ قالوا : نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال : لعلكم جئتم عيوناً فقالوا معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد شيخ صديق نبي اسمه يعقوب قال : كم أنتم قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك ، ونحن عشرة وقد جئناك قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ليبلغ إلي رسالة أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده .
والوجه الثالث : لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف : فلم تركتموه وحيداً فريداً؟ قالوا : ما تركناه وحيداً ، بل بقي عنده واحد . فقال لهم : لم استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده؟ فقالوا : لا . بل لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة ، ثم إنه خصه بمزيد المحبة وجب أن يكون زائداً عليكم في الفضل ، وصفات الكمال مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فائتوني به ، والسبب الثاني : ذكره المفسرون ، والأول والثالث محتمل والله أعلم .
ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال : { أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل } أي أتمه ولا أبخسه ، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم ، وأنا خير المنزلين ، أي خير المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم . وأقول : هذا الكلام يضعف الوجه الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين ، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم : { أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون ، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة ، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق .
ثم قال : { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } . (9/70)
واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب . أما الترغيب : فهو قوله : { أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } وأما الترهيب : فهو قوله : { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام ، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده ، فإذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية الترهيب والتخويف ، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا : { سنراود عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لفاعلون } أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده ، وإنا لفاعلون هذه المراودة ، والغرض من التكرير التأكيد ، ويحتمل أن يكون { وَإِنَّا لفاعلون } أن نجيئك به ، ويحتمل { وَإِنَّا لفاعلون } كل ما في وسعنا من هذا الباب .
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)
في الآية مسائل : (9/71)
المسائل الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه بالألف والنون والباقون { لفتيته } بالتاء من غير ألف ، وهما لغتان كالصبيان والصبية ، والإخوان والإخوة قال أبو علي الفارسي الفتية جمع فتى في العدد القليل والفتيان للكثير ، فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكونون قليلين لأن هذا من باب الأسرار فوجب صونه إلا عن العدد القليل ووجه الجمع الكثير أنه قال : { لِفِتْيَانِهِ اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ } والرحال تفيد العدد الكثير فوجب أن يكون الذين يباشرون ذلك العمل كثيرين .
المسألة الثانية : اتفق الأكثرون على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل البضاعة في رحالهم ومنهم من قال إنهم كانوا عارفين به ، وهو ضعيف لأن قوله : { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } يبطل ذلك ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجوه : الأول : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه ، علموا أن ذلك كان كرماً من يوسف وسخاء محضاً فيبعثهم ذلك على العود إليه والحرص على معاملته . الثاني : خاف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى الثالث : أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان القحط . الرابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع شدة حاجتهم إلى الطعام لؤم . الخامس : قال الفراء : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد الأنبياء فرجعوا ليعرفوا السبب فيه ، أو رجعوا ليردوا المال إلى مالكه . السادس : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم به عيب ولا منة . السابع : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا لطلب زيادة في الثمن . الثامن : أراد أن يعرف أبوه أنه أكرمهم وطلبه له لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه . التاسع : أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان ، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم . العاشر : أراد أن يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان إليهم .
ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما رجعوا إلى أبيهم قالوا : { قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكيل } وفيه قولان : الأول : أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عنده منعوا منه ، فقولهم : { منع منا الكيل } إشارة إليه . والثاني : أنه منع الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف : { فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } [ يوسف : 60 ] والدليل على أن المراد ذلك قولهم : { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ } قرأ حمزة والكسائي : { يكتل } بالياء ، والباقون بالنون ، والقراءة الأولى تقوى القول الأول ، والقراءة الثانية تقوي القول الثاني .
ثم قالوا : { وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لحافظون } ضمنوا كونهم حافظين له ، فلما قالوا ذلك قال يعقوب عليه السلام : { هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ } والمعنى أنكم ذكرتم قبل هذا الكلام في يوسف وضمنتم لي حفظه حيث قلتم : { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ يوسف : 12 ] ثم ههنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه فهل يكون ههنا أماني إلا ما كان هناك يعني لما لم يحصل الأمان هناك فكذلك لا يحصل ههنا . (9/72)
ثم قال : { فالله خَيْرٌ حافظا وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } قرأ حمزة والكسائي { حافظا } بالألف على التمييز والتفسير على تقدير هو خير لكم حافظاً كقولهم : هو خيرهم رجلاً ولله دره فارساً ، وقيل : على الحال والباقون : { حافظا } بغير ألف على المصدر يعني خيركم حفظاً يعني حفظ الله لبنيامين خير من حفظكم ، وقرأ الأعمش { فالله خَيْرٌ حافظا } وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه { خَيْرٌ حافظا وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } وقيل : معناه وثقت بكم في حفظ يوسف عليه السلام فكان ما كان فالآن أتوكل على الله في حفظ بنيامين .
فإن قيل : لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد .
قلنا : لوجوه : أحدها : أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، وثانيها : أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليه السلام ، وثالثها : أن ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك ، ورابعها : لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه .
فإن قيل : هل يدل قوله : { فالله خَيْرٌ حافظا } على أنه أذن في ذهاب ابنه بنيامين في ذلك الوقت .
قلنا : الأكثرون قالوا : يدل عليه . وقال آخرون : لا يدل عليه ، وفيه وجهان : الأول : التقدير أنه لو أذن في خروجه معهم لكان في حفظ الله لا في حفظهم . الثاني : أنه لما ذكر يوسف قال : { فالله خَيْرٌ حافظا } أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي .
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)
اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء ، ويجوز أن يراد به ههنا الطعام الذي حملوه ، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام . (9/73)
ثم قال : { وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } واختلف القراء في { رُدَّتْ } فالأكثرون بضم الراء ، وقرأ علقمة بكسر الراء . قال صاحب «الكشاف» : كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع . وحكى قطرب أنهم قالوا في قولنا : ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد . وأما قوله : { مَا نَبْغِى } ففي كلمة { مَا } قولان :
القول الأول : أنها للنفي ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : الأول : أنهم كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا : إنا قدمنا على رجل في غاية الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من آل يعقوب لمافعل ذلك ، فقولهم : { مَا نَبْغِى } أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذباً ولا ذكر شيء لم يكن . الثاني : أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر ، فإنه بعد أن بالغ في إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا . الثالث : المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا ، فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى ، فإن هذه التي معنا كافية لنا .
والقول الثاني : أن كلمة «ما» ههنا للاستفهام ، والمعنى : لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا : ما نبغي بعد هذا ، أي أعطانا الطعام ، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه ، فأي شيء نبغي وراء ذلك؟
واعلم أنا إذا حملنا «ما» على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا . قال الأصمعي : يقال ماره يميره ميراً إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال : ما عنده خير ولا مير وقوله : { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } معناه : أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فإذا حضر أخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل ، وأما إذا حملنا كلمة «ما» على النفي كان المعنى لا نبغي شيئاً آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني ، ثم نفعل كذا وكذا .
وأما قوله : { ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ } ففيه وجوه : الأول : قال مقاتل : ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج . والثاني : ذلك كيل يسير ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير . والثالث : أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة .
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)
اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه : العهد الذي يوثق به فهو مصدر بمعنى المفعول يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهداً موثوقاً به وقوله : { مِنَ الله } أي عهداً موثوقاً به بسبب تأكده بإشهاد الله وبسبب القسم بالله عليه ، وقوله : { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } دخلت اللام ههنا لأجل أنا بينا أن المراد بالموثق من الله اليمين فتقديره : حتى تحلفوا بالله لتأتنني به . وقوله : { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } فيه بحثان : (9/74)
البحث الأول : قال صاحب «الكشاف» : هذا الاستثناء متصل . فقوله : { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } مفعوله له ، والكلام المثبت الذي هو قوله : { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } في تأويل المنفي ، فكان المعنى : لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة .
البحث الثاني : قال الواحدي للمفسرين فيه قولان :
القول الأول : أن قوله : { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } معناه الهلاك قال مجاهد : إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذراً عندي ، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [ الكهف : 42 ] أي أصابه ما أهلكه . وقال تعالى : { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [ يونس : 22 ] وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه ، فقيل : لكل من هلك قد أحيط به .
والقول الثاني : ما ذكره قتادة { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين ، فلا تقدرون على الرجوع .
ثم قال تعالى : { فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } يريد شهيد ، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات .
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)
اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر . وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم : { لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } وفيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا ههنا مقامان . (9/75)
المقام الأول : إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه : الأول : إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك . والثاني : ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول : " أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " ويقول هكذا كان يعوذ إبراهيم إسمعيل وإسحق صلوات الله عليهم . والثالث : ما روى عبادة بن الصامت قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم عدت إليه آخر النهار فرأيته معافى فقال : " إن جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن كل عين وحاسد الله يشفيك " قال فأفقت ، والرابع : روي أن بني جعفر ابن أبي طالب كانوا غلمناً بيضاً فقالت أسماء : يا رسول الله إن العين إليهم سريعة أفأسترقي لهم من العين فقال لها نعم . والخامس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا : يا رسول الله أصابته العين فقال أفلا تسترقون له من العين . والسادس : قوله عليه السلام : «العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر» والسابع : قالت عائشة رضي الله عنها : كن يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين الذي أصيب بالعين .
المقام الثاني : في الكشف عن ماهيته فنقول : إن أبا علي الجبائي أنكر هذا المعنى إنكاراً بليغاً ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلاً عن حجة ، وأما الذين اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوهاً : الأول : قال الحافظ : إنه يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه وتسري فيه كتأثير اللسع والسم والنار ، وإن كان مخالفاً في جهة التأثير لهذه الأشياء قال القاضي : وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال ، لوجب أن يؤثر في الشخص الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف وذلك لأنه إذا استحسن شيئاً فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد نفسه وبستان نفسه ، وقد يكره بقاءه أيضاً كما إذا أحس الحاسد بشيء حصل لعدوه ، فإن كان الأول فإنه يحصل له عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله والخوف الشديد يوجب انحصار الروح في داخل القلب فحينئذ يسخن القلب والروح جداً ، ويحصل في الروح الباصرة كيفية قوية مسخنة وإن كان الثاني : فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه . والحزن أيضاً يوجب انحصار الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة ، فثبت أن عند الاستحسان القوي تسخن الروح جداً فيسخن شعاع العين بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه السخونة فظهر الفرق بين الصورتين ، ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصابته العين بالاغتسال .
الوجه الثاني : قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون العين حقاً ، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحساناً كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقاً به ، فهذا المعنى غير ممتنع ، ثم لا يبعد أيضاً أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه تقية ذلك ، فعنده تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق . (9/76)
الوجه الثالث : وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة وهي أنه ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً ، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعاً على الأرض ، قدر الإنسان على المشي عليه ولو كان موضوعاً فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه ، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة ، وأيضاً أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذياً له حصل في قلبه غضب ، ويسخن مزاجه جداً فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني ، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية ، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان . فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان وأيضاً جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه ، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك .
وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده .
القول الثاني : وهو قول أبي علي الجبائي : أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم . فقال : { لاَ تَدْخُلُواْ } تلك المدينة { مِن بَابٍ وَاحِدٍ } على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال : لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم ، واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه ، ونقل عن الحسن أنه قال : خاف عليهم العين ، فقال : { لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ } ثم رجع إلى علمه وقال : { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول : ليس في قوله : { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره .
القول الثالث : أنه عليه السلام كان عالماً بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال : { لا * تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة ، وهذا قول إبراهيم النخعي ، فأما قوله : { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } فاعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضاً بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر ، فإن الإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة ، والأغذية الضارة ، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازماً بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام : { لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } فهو إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، وقوله : { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى التوحيد المحض والبراءة عن كل شيء سوء الله تعالى وقول القائل : كيف السبيل إلى الجمع بين هذين القولين ، فهذا السؤال غير مختص به ، وذلك لأنه لا نزاع في أنه لا بد من إقامة الطاعات ، والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من سعد في بطن أمه ، وأن الشقي من شقي في بطن أمه فكذا ههنا نأكل ونشرب ونحترز عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله تعالى ، فكذا ههنا ، فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام ، بل هو بحث عن سر مسألة الجبر والقدر ، بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ، وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فإنه يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فلا بد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحكمته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى ، فقال : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } . (9/77)
واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم ، لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكماً لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول ، فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى ، وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم ، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله ، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب «إحياء علوم الدين» فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب . (9/78)
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)
قال المفسرون : لما قال يعقوب : { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } [ يوسف : 67 ] صدقه الله في ذلك فقال : وما كان ذلك التفرق يغني من الله من شيء وفيه بحثان : (9/79)
البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ولا أمراً قدره الله . وقال الزجاج : إن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون . وقال ابن الأنباري : لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم ، وهذه الكلمات متقاربة ، وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر .
البحث الثاني : قوله : { مِن شَىْء } يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية .
أما الأول : فهو كقوله : ما رأيت من أحد ، والتقدير : ما رأيت أحداً ، فكذا ههنا تقدير الآية : أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء الله شيئاً ، أي ذلك التفرق ما كان يخرج شيئاً من تحت قضاء الله تعالى .
وأما الثاني : فكقولك : ما جاءني من أحد ، وتقديره ما جاءني أحد فكذا ههنا التقدير : ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه .
أما قوله : { إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } فقال الزجاج : إنه استثناء منقطع ، والمعنى : لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها ، يعني أن الدخول على صفة التفرق قضاء حاجة في نفس يعقوب قضاها ، ثم ذكروا في تفسير تلك الحاجة وجوهاً : أحدها : خوفه عليهم من إصابة العين ، وثانيها : خوفه عليهم من حسد أهل مصر ، وثالثها : خوفه عليهم من أن يقصدهم ملك مصر بشر ، ورابعها : خوفه عليهم من أن لا يرجعوا إليه ، وكل هذه الوجوه متقاربة .
وأما قوله : { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } فقال الواحدي : يحتمل أن يكون { مَا } مصدرية والهاء عائدة إلى يعقوب ، والتقدير : وإنه لذو علم من أجل تعليمنا إياه ، ويمكن أن تكون { مَا } بمعنى الذي والهاء عائدة إليها ، والتأويل وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه ، يعني أنا لما علمناه شيئاً حصل له العلم بذلك الشيء وفي الآية قولان آخران : الأول : أن المراد بالعلم الحفظ ، أي أنه لذو حفظ لما علمناه ومراقبة له والثاني : لذو علم لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وهو إشارة إلى كونه عاملاً بما علمه ، ثم قال : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وفيه وجهان : الأول : ولكن أكثر الناس لا يعلمون مثل ما علم يعقوب . والثاني : لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم ، والمراد بأكثر الناس المشركون ، فإنهم لا يعلمون بأن الله كيف أرشد أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة .
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)
اعلم أنهم لما أتوه بأخيه بنيامين أكرمهم وأضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حياً لأجلسني معه فقال يوسف بقي أخوكم وحيداً فأجلسه معه على مائدة ثم أمر أن ينزل منهم كل اثنين بيتاً وقال : هذا لا ثاني له فاتركوه معي فآواه إليه ، ولما رأى يوسف تأسفه على أخ له هلك قال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال : من يجد أخاً مثلك ولكنك لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه السلام وقام إليه وعانقه وقال : إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون . (9/80)
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } أي أنزله في الموضع الذي كان يأوي إليه . وقوله : { إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } فيه قولان : قال وهب : لم يرد أنه أخوه من النسب ، ولكن أراد به إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس لئلا تستوحش بالتفرد . والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد تعريف النسب ، لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس ، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة ، فلا وجه لصرفه عنها إلى المجاز من غير ضرورة .
وأما قوله : { فَلاَ تَبْتَئِسْ } فقال أهل اللغة : تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضرر والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس . وقوله : { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فيه وجوه : الأول : المراد بما كانوا يعملون من إقامتهم على حسدنا والحرص على انصراف وجه أبينا عنا ، الثاني : أن يوسف عليه السلام ما بقي في قلبه شيء من العداوة وصار صافياً مع إخوته ، فأراد أن يجعل قلب أخيه صافياً معه أيضاً ، فقال : { فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لا تلتفت إلى ما صنعوه فيما تقدم ، ولا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي أقدموا عليها . الثالث : أنهم إنما فعلوا بيوسف ما فعلوه ، لأنهم حسدوه على إقبال الأب عليه وتخصيصه بمزيد الإكرام ، فخاف بنيامين أن يحسدوه بسبب أن الملك خصه بمزيد الإكرام ، فأمنه منه وقال : لا تلتفت إلى ذلك فإن الله قد جمع بيني وبينك . الرابع : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا يعيرون يوسف وأخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام ، وأن أم يوسف امرأت يوسف فسرق جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها . فقال له : { فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي من التعيير لنا بما كان عليه جدنا . والله أعلم .
ثم قال تعالى : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِى رَحْلِ أَخِيهِ } وقد مضى الكلام في الجهاز والرحل ، أما السقاية فقال صاحب «الكشاف» : مشربة يسقي بها وهو الصواع قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعاً يكال به ، وهو بعيد لأن الإناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعاً ، وقيل : كانت الدواب تسقى بها ويكال بها أيضاً وهذا أقرب ، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل : كانت من ذهب ، وقيل : كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضاً بعيد لأن الآنية التي يسقى الدواب فيها لا تكون كذلك ، والأولى أن يقال : كان ذلك الإناء شيئاً له قيمة ، أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا .
ثم قال تعالى : { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } يقال : أذنه أي أعلمه وفي الفرق بين أذن وبين أذن وجهان : قال ابن الأنباري : أذن معناه أعلم إعلاماً بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون إعلاماً واحداً من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع ، وقال سيبويه : أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما ، والتأذين معناه : النداء والتصويت بالإعلام . (9/81)
وأما قوله تعالى : { أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قال أبو الهيثم : كل ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل خاصة باطل ، وقيل : العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف .
إذا عرفت هذا فنقول : { أَيَّتُهَا العير } المراد أصحاب العير كقوله : يا خيل الله اركبي وقرأ ابن مسعود : { وَجَعَلَ السقاية } على حذف جواب لما كأنه قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } .
فإن قيل : هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره؟ فإن كان بأمره فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواماً وينسبهم إلى السرقة كذباً وبهتاناً ، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءتهم عن تلك التهمة .
قلنا : العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوهاً : الأول : أنه عليه السلام لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له : إني أريد أن أحبسك ههنا ، ولا سبيل إليه إلا بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنباً . والثاني : أن المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض لا تكون إلا كذلك . والثالث : أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام ، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذباً . الرابع : ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها ثم إن إخوة يوسف { قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي { تَفْقِدُونَ } من أفقدته إذا وجدته فقيداً قالوا تفقد صواع الملك . قال صاحب «الكشاف» : قرىء صواع وصاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها ، والعين معجمة وغير معجمة . قال بعضهم جمع صواع صيعان ، كغراب وغربان ، وجمع صاع أصواع ، كباب وأبواب . وقال آخرون : لا فرق بين الصاع والصواع ، والدليل عليه قراءة أبي هريرة : { قَالُواْ نَفْقِدُ صاعَ الملك } وقال بعضهم : الصواع اسم ، والسقاية وصف ، كقولهم : كوز وسقاء ، فالكوز اسم والسقاء وصف .
ثم قال : { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } أي من الطعام { أَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } قال مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي أذن . وتفسير زعيم كفيل . قال الكلبي : الزعيم الكفيل بلسان أهل اليمن . وروى أبو عبيدة عن الكسائي : زعمت به تزعم زعماً وزعامة . أي كفلت به ، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : « الزعيم غارم » (9/82)
فإن قيل : هذه كفالة بشيء مجهول؟
قلنا : حمل بعير من الطعام كان معلوماً عندهم ، فصحت الكفالة به إلا أن هذه الكفالة مال لرد سرقة ، وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد السرقة ، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم .
قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
قال البصريون : الواو في { والله } بدل من التاء والتاء بدل من الواو فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل . قال المفسرون : حلفوا على أمرين : أحدهما : على أنهم ما جاؤا لأجل الفساد في الأرض لأنه ظهر من أحواله امتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس ، حتى روي أنهم كانوا قد سدوا أفواه دوابهم لئلا تعبث في زرع ، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ، ومن كانت هذه صفته فالفساد في الأرض لا يليق به . والثاني : أنهم ما كانوا سارقين ، وقد حصل لهم فيه شاهداً قاطع ، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها ، والسارق لا يفعل ذلك ألبتة ثم لما بينوا براءتهم عن تلك التهمة قال أصحاب يوسف عليه السلام : { فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كاذبين } فأجابوا و { قَالُواْ جَزؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ، والمعنى جزاء هذا الجرم من وجد المسروق في رحله ، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم ، والمعنى : أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم ، قال الزجاج : وفيه وجهان : أحدهما : أن يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره . والمعنى : جزاء السرقة هو الإنسان الذي وجد في رحله السرقة ، ويكون قوله : { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } زيادة في البيان كما تقول جزاء السارق القطع فهو جزاؤه . الثاني : أن يقال : { جَزَاؤُهُ } مبتدأ وقوله : { مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } جملة وهي في موضع خبر المبتدأ . والتقدير : كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، إلا أنه أقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان وأنشد النحويون : (9/83)
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت الغني والفقيرا
وأما قوله : { كذلك نَجْزِى الظالمين } أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين يريد إذا سرق استرق ثم قيل : هذا من بقية كلام أخوة يوسف . وقيل : إنهم لما قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، فقال أصحاب يوسف : { كذلك نَجْزِى الظالمين } .
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
اعلم أن إخوة يوسف لما أقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق قال لهم المؤذن : إنه لا بد من تفتيش أمتعتكم ، فانصرف بهم إلى يوسف { فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ } لإزالة التهمة والأوعية جمع الوعاء وهو كل ما إذا وضع فيه شيء أحاط به استخرجها من وعاء أخيه ، وقرأ الحسن { وِعَاء أَخِيهِ } بضم الواو وهي لغة ، وقرأ سعيد بن جبير { مِنْ أَخِيهِ } فقلب الواو همزة . (9/84)
فإن قيل : لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه؟
قلنا : قالوا رجع ضمير المؤنث إلى السقاية وضمير المذكر إلى الصواع أو يقال : الصواع يؤنث ويذكر ، فكان كل واحد منهما جائزاً أو يقال : لعل يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعاً فقد وقع فيما يتصل به من الكلام سقاية وفيما يتصل بهم صواعاً ، عن قتادة أنه قال : كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تائباً مما قذفهم به ، حتى إنه لما لم يبق إلا أخوه قال ما أرى هذا قد أخذ شيئاً ، فقالوا : لا نذهب حتى تتفحص عن حاله أيضاً ، فلما نظروا في متاعه استخرجوا الصواع من وعائه والقوم كانوا قد حكموا بأن من سرق يسترق ، فأخذوا برقبته وجروا به إلى دار يوسف .
ثم قال تعالى : { كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك } وفيه بحثان : الأول : المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف ، وذلك إشارة إلى الحكم باسترقاق السارق ، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف . الثاني : لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة ، وذلك في حق الله تعالى محال إلا أنا ذكرنا قانوناً معتبراً في هذا الباب ، وهو أن أمثال هذه الألفاظ تحمل على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض ، وقررنا هذا الأصل في تفسير قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ } [ البقرة : 26 ] فالكيد السعي في الحيلة والخديعة ، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا سبيل له إلى دفعه ، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى . ثم اختلفوا في المراد بالكيد ههنا فقال بعضهم : المراد أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف ، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره . وقال آخرون : المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو أن يسترق ، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق ، وصار ذلك سبباً لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه .
ثم قال تعالى : { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك } والمعنى : أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق ، فما كان يوسف قادراً على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه ، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق فقد بينا أن هذا الكلام توسل به إلى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه وهو معنى قوله : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } ثم قال : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم والكسائي { درجات } بالتنوين غير مضاف ، والباقون بالإضافة . (9/85)
المسألة الثانية : المراد من قوله : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } هو أنه تعالى يريه وجوه الصواب في بلوغ المراد ، ويخصه بأنواع العلوم ، وأقسام الفضائل ، والمراد ههنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على إخوته في كل شيء .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ، لأنه تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } وأيضاً وصف إبراهيم عليه السلام بقوله : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } [ الأنعام : 83 ] عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضاً بقوله : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت .
ثم قال تعالى : { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء ، إلا أن يوسف كان زائداً عليهم في العلم .
واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا : لو كان عالماً بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك ، لحصل فوقه عليم تمسكاً بعموم هذه الآية وهذا باطل .
واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 34 ] { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [ النساء : 166 ] { ولاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } [ البقرة : 255 ] { مَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } [ فاطر : 11 ] وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم ، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم ، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد ، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا .
قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)
اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا : هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين ، ثم قالوا : يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم ، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة ، ثم تقولون لي هذا الكلام ، قالوا له : فكيف خرج الصواع من رحلك ، فقال : وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم . (9/86)
واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك : إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضاً سارقاً ، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته ، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى ، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال : الأول : قال سعيد بن جبير : كان جده أبو أمه كافراً يعبد الأوثان فأمرته أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة الأوثان ففعل ذلك ، فهذا هو السرقة ، والثاني : أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء ، وقيل سرق عناقاً من أبيه ودفعه إلى المسكين وقيل دجاجة . والثالث : أن عمته كانت تحبه حباً شديداً فأرادت أن تمسكه عند نفسها ، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق ، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها . والرابع : أنهم كذبوا عليه وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع ، وبعد انقضاء تلك المدة الطويلة ، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل ألبتة .
ثم قال تعالى : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ } إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج : فأسرها إضمار على شريطة التفسير ، تفسيره أنتم شر مكاناً وإنما أنث لأن قوله : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه قال : فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } وفي قراءة ابن مسعود { فَأَسْرِ } بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين :
الوجه الأول : قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين : أحدهما : أن يفسر بمفرد كقولنا : نعم رجلاً زيد ففي نعم ضمير فاعلها ، ورجلاً تفسير لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله : { فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ } [ الأنبياء : 97 ] { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الصمد : 1 ] والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد .
ثم إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضاً نحو إن كقوله : { إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } [ طه : 74 ] { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار } [ الحج : 46 ] . (9/87)
إذا عرفت هذا فنقول : نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل بالجملة التي حصل منها الإضمار ، ولا يكون خارجاً عن تلك الجملة ولا مبايناً لها . وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا يحسن . والثاني : أنه تعالى قال : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } وذلك يدل على أنه ذكر هذا الكلام ، ولو قلنا : إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه قال ذلك كذباً . واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه :
أما الأول : فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث .
وأما الثاني : فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال .
والوجه الثاني : وهو أن الضمير في قوله : { فَأَسَرَّهَا } عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا : { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضاً أن يكون إضماراً للمقالة . والمعنى : أسر يوسف مقالتهم ، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة ، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها ، عوقب بالحبس وبقوله : { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } [ يوسف : 42 ] عوقب بالحبس الطويل وبقوله : { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } [ يوسف : 7 ] عوقب بقولهم : { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب ، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون ، ثم بعتموه بعشرين درهماً ، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة .
ثم قال تعالى : { والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله ، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه ، والمعنى : والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا .
قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)
اعلم أنه تعالى بين أنهم بعد الذي ذكروه من قولهم : { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } [ يوسف : 77 ] أحبوا موافقته والعدول إلى طريقة الشفاعة فإنهم وإن كانوا قد اعترفوا أن حكم الله تعالى في السارق أن يستعبد ، إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضاً جائزا ، فقالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً أي في السن ، ويجوز أن يكون في القدر والدين ، وإنما ذكروا ذلك لأن كونه ابناً لرجل كبير القدر / يوجب العفو والصفح . ثم قالوا : { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } يحتمل أن يكون المراد على طريق الاستبعاد ويحتمل أن يكون المراد على طريق الرهن حتى نوصل الفداء إليك . ثم قالوا : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } وفيه وجوه : أحدها : إنا نراك من المحسنين لو فعلت ذلك . وثانيها : إنا نراك من المحسنين إلينا حيث أكرمتنا وأعطيتنا البذل الكثير وحصلت لنا مطلوبنا على أحسن الوجوه ووردت إلينا ثمن الطعام . وثالثها : نقل أنه عليه السلام لما اشتد القحط على القوم ولم يجدوا شيئاً يشترون به الطعام ، وكانوا يبيعون أنفسهم منه فصار ذلك سبباً لصيرورة أكثر أهل مصر عبيداً له ثم إنه أعتق الكل ، فلعلهم قالوا : { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إلى عامة الناس بالإعتاق فكن محسناً أيضاً إلى هذا الإنسان بإعتاقه من هذه المحنة ، فقال يوسف : { مَعَاذَ الله } أي أعود بالله معاذاً أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ، أي أعوذ بالله أن آخذ بريئاً بمذنب قال الزجاج : موضع «أن» نصب والمعنى : أعوذ بالله من أخذ أحد بغيره فلما سقطت كلمة «من» انتصب الفعل عليه وقوله : { إِنَّا إِذًا لظالمون } أي لقد تعديت وظلمت إن آذيت إنساناً بجرم صدر عن غيره . (9/88)
فإن قيل : هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب ، فكيف يجوز من يوسف عليه السلام مع رسالته الإقدام على هذا التزوير والترويج وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه ، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا الحد .
والجواب : لعله تعالى أمره بذلك تشديداً للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر .
فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)
في الآية مسائل : (9/89)
المسألة الأولى : اعلم أنهم لما قالوا : { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } [ يوسف : 78 ] وهو نهاية ما يمكنهم بذله فقال يوسف في جوابه : { مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } [ يوسف : 79 ] فانقطع طمعهم من يوسف عليه السلام في رده ، فعند هذا قال تعالى : { فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا } وهو مبالغة في يأسهم من رده { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } أي تفردوا عن سائر الناس يتناجون ولا شبهة أن المراد يتشاورون ويتحيلون الرأي فيما وقعوا فيه ، لأنهم إنما أخذوا بنيامين من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة وبعد أن كانوا متهمين في حق يوسف فلو لم يعيدوه إلى أبيهم لحصلت محن كثيرة : أحدها : أنه لو لم يعودوا إلى أبيهم وكان شيخاً كبيراً فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده محنة عظيمة . وثانيها : أن أهل بيتهم كانوا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة . وثالثها : أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده هلكوا بالكلية وذلك غم شديد ولو عادوا إلى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم فإن ظاهر الأمر يوهم أنهم خانوه في هذا الابن كما أنهم خانوه في الابن الأول ، ولكان يوهم أيضاً أنهم ما أقاموا لتلك المواثيق المؤكدة وزنا ولا شك أن هذا الموضع موضع فكرة وحيرة ، وذلك يوجب التفاوض والتشاور طلباً للأصلح الأصوب فهذا هو المراد من قوله : { فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا } .
المسألة الثانية : قال الواحدي روي عن ابن كثير استياسوا { حتى إِذَا استيئس الرسل } [ يوسف : 110 ] بغير همز وفي ييئس لغتان يئس وييأس مثل حسب ويحسب ومن قال استيأس قلب العين إلى موضع الفاء فصار استعفل وأصله استيأس ثم خففت الهمزة . قال صاحب «الكشاف» : استيأسوا يئسوا ، وزيادة السين والتاء للمبالغة كما في قوله : { استعصم } [ يوسف : 32 ] وقوله : { مِنْهُ خَلَصُواْ } قال الواحدي : يقال خلص الشيء يخلص خلوصاً إذا ذهب عنه الشائب من غيره ، ثم فيه وجهان : الأول : قال الزجاج خلصوا أي انفردوا ، وليس معهم أخوهم ، والثاني : قال الباقون تميزوا عن الأجانب ، وهذا هو الأظهر . وأما قوله : { نَجِيّاً } فقال صاحب «الكشاف» : النجي على معنيين يكون بمعنى المناجي كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر . ومنه قوله تعالى : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } [ مريم : 52 ] وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل : النجوى بمعنى المتناجين ، فعلى هذا معنى { خَلَصُواْ نَجِيّا } اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم { نَجِيّاً } أي مناجياً . روي { نجوى } أي فوجاً { نَجِيّاً } أي مناجياً لمناجاة بعضهم بعضاً ، وأحسن الوجوه أن يقال : إنهم تمحضوا تناجياً ، لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه صار غير ذلك الشيء ، فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد صاروا كأنهم في أنفسهم ، صاروا نفس التناجي حقيقة .
أما قوله تعالى : { قَالَ كَبِيرُهُمْ } فقيل المراد كبيرهم في السن وهو روبيل ، وقيل كبيرهم في العقل وهو يهودا ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف ، ثم حكى تعالى عن هذا الكبير أنه قال : { أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } وفيه مسألتان : (9/90)
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما قال يوسف عليه السلام : { مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } [ يوسف : 79 ] غضب يهودا ، وكان إذا غضب وصاح فلا تسمع صوته حامل إلا وضعت ويقوم شعره على جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فقال لبعض إخوته اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف عليه السلام لابن صغير له مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف عليه السلام رجله على الأرض وأخذ بملابسه وجذبه فسقط فعنده قال يا أيها العزيز ، فلما أيسوا من قبول الشفاعة تذاكروا وقالوا : إن أبانا قد أخذ علينا موثقاً عظيماً من الله . وأيضاً نحن متهمون بواقعة يوسف فكيف المخلص من هذه الورطة .
المسألة الثانية : لفظ ما في قوله : { مَا فَرَّطتُمْ } فيها وجوه : الأول : أن يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السلام ، ولم تحفظوا عهد أبيكم . الثاني : أن تكون مصدرية ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف ، وهو من قبل . ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف ، الثالث : النصب عطفاً على مفعول { أَلَمْ تَعْلَمُواْ } والتقدير : ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من قبل في يوسف . الرابع : أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة ، ومحله الرفع والنصب على الوجهين المذكورين ، ثم قال : { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي في الانصراف إليه أو يحكم الله لي بالخروج منها أو بالانتصاف ممن أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب وهو خير الحاكمين ، لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق ، وبالجملة فالمراد ظهور عذر يزول معه حياؤه وخجله من أبيه أو غيره قاله انقطاعاً إلى الله تعالى في إظهار عذره بوجه من الوجوه .
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)
واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع ، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت ، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال : { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى } قيل إنه روبيل ، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب . (9/91)
فإن قيل : كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة ، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي ، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم .
والجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول : أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعاً في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم ، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع ، وأما قوله : وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر ، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصواع فإن أحداً لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق ، فشهدوا بناء على هذا الظن ، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم : { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين } .
والوجه الثاني : في الجواب أن تقدير الكلام { إِنَّ ابنك سَرَقَ } في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى : { إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد } [ هود : 87 ] أي عند نفسك ، وقال تعالى : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا .
الوجه الثالث : في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] .
الوجه الرابع : أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال : إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئاً يوهم ذلك .
الوجه الخامس : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ { إِنَّ ابنك سَرَقَ } بالتشديد ، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة ، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراآت لا تدفع السؤال ، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقياً سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة أما قوله : { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى : { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال : إذا علمت مثل الشمس فاشهد ، وذلك أيضاً يقتضي ما ذكرنا وليست الشهادة أيضاً عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة .