صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فالمعنى الأول : يشير إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور إلا ويكون في وقت الشروع فيه ذاكراً لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى يكون ببركة ذلك الذكر سبباً لتمام ذلك المقصود .
والمعنى الثاني : يدل على أنه لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ليست سبباً لحصول النجاة بل الواجب ربط الهمة وتعليق القلب بفضل الله تعالى ، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة ، فإياكم أن تعولوا على السفينة ، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله فإنه هو المجري والمرسي لها ، فعلى التقدير الأول كان نوح عليه السلام وقت ركوب السفينة في مقام الذكر ، وعلى التقدير الثاني كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوة وقطع النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب .
واعلم أن الإنسان إذا تفكر في طلب معرفة الله تعالى بالدليل والحجة فكأنه جلس في سفينة التفكر والتدبر ، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال وارتفعت إلى مصاعد القلال ، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب أن يكون هناك اعتماده على الله تعالى وتضرعه إلى الله تعالى وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل . يقول : بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات .
وأما قوله : { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر؟
وجوابه : لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم ، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات ، وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه ، وأن يكون رحيماً لعقوبته غفوراً لذنوبه .

(8/411)


وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

واعلم أن قوله : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كالجبال } مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ } متعلق بمحذوف ، والتقدير : وقال اركبوا فيها ، فركبوا فيها يقولون : بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال .
المسألة الثانية : الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة ، والمقصود منه : بيان شدة الهول والفزع .
المسألة الثالثة : الجريان في الموج ، هو أن تجري السفينة داخل الموج ، وذلك يوجب الغرق ، فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب ، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج .
ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أنه كان ابناً له ، وفيه أقوال :
القول الأول : أنه ابنه في الحقيقة ، والدليل عليه : أنه تعالى نص عليه فقال : { ونادى نُوحٌ ابنه } ونوح أيضاً نص عليه فقال : { يا بَنِى } وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه ، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافراً ، وهذا بعيد ، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كافراً ، ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافراً بنص القرآن ، فكذلك ههنا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] فكيف ناداه مع كفره؟
فأجابوا عنه من وجوه : الأول : أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته . والثاني : أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر ، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله : { يابنى اركب مَّعَنَا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله : { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } أي تابعهم في الكفر واركب معنا . والثالث : أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء ، والذي تقدم من قوله : { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلاً فيه .
القول الثاني : أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن علياً رضي الله عنه قرأ { ونادى نُوحٌ ابنه } والضمير لامرأته . وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير { ابنه } بفتح الهاء يريد أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف ، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال : والله ما كان ابنه فقلت : إن الله حكى عنه أنه قال :

(8/412)


{ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } [ هود : 45 ] وأنت تقول : ما كان ابناً له ، فقال : لم يقل : إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي .
القول الثالث : أنه ولد على فراشه لغير رشدة ، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن . أما قوله تعالى { فَخَانَتَاهُمَا } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه . قيل لابن عباس رضي الله عنهما : ما كانت تلك الخيانة ، فقال : كانت امرأة نوح تقول : زوجي مجنون ، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به . ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى : { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون للخبيثات والطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات } [ النور : 26 ] وأيضاً قوله تعالى : { الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلك عَلَى المؤمنين } [ النور : 3 ] وبالجملة فقد دللنا على أن الحق هو مقول الأول .
وأما قوله : { وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } فاعلم أن المعزل في اللغة معناه : موضع منقطع عن غيره ، وأصله من العزل ، وهو التنحية والإبعاد . تقول : كنت بمعزل عن كذا ، أي بموضع قد عزل منه .
واعلم أن قوله : { وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } لا يدل على أنه في معزل من أي شيء فلهذا السبب ذكروا وجوهاً : الأول : أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان يظن أن الجبل يمنعه من الغرق : الثاني : أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته وقومه : الثالث : أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم .
أما قوله : { يابنى اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } فنقول : قرأ حفص عن عاصم { يا بَنِى } بفتح الياء في جميع القرآن والباقون بالكسر . قال أبو علي : الوجه الكسر وذلك أن اللام من ابن ياء أو واو فإذا صغرت ألحقت ياء التحقير ، فلزم أن ترد اللام المحذوفة وإلا لزم أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب لكنها لا تحرك لأنها لو حركت لزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف المد واللين إذا كانت حروف إعراب ، نحو عصا وقفا ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير ثم أضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث آيات . الأولى : منها للتحقير . والثانية : لام الفعل . والثالثة : التي للإضافة تقول : هذا بني فإذا ناديته صار فيه وجهان : إثبات الياء وحذفها والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو يا غلام ومن قرأ { يا بَنِى } بفتح الياء فإنه أراد الإضافة أيضاً كما أرادها من قرأ بالكسر لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف تخفيفا فصار يا بنيا كما قال :

(8/413)


يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ... ثم حذف الألف للتخفيف .
واعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعاه إلى أن يركب السفينة حكى عن ابنه أنه قال : { سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } وهذا يدل على أن الابن كان متمادياً في الكفر مصراً عليه مكذباً لأبيه فيما أخبر عنه فعند هذا قال نوح عليه السلام : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } وفيه سؤال ، وهو أن الذي رحمه الله معصوم ، فكيف يحسن استثناء المعصوم من العاصم وهو قوله : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } وذكروا في الجواب طرقاً كثيرة .
الوجه الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْريهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ هود : 41 ] فبين أنه تعالى رحيم وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق .
إذا عرفت هذا فنقول : إن ابن نوح عليه السلام لما قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } والمعنى : إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق فصار تقدير الآية : لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره : لا فرار من الله إلا إلى الله ، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه : " وأعوذ بك منك " وهذا تأويل في غاية الحسن .
الوجه الثاني : في التأويل وهو الذي ذكره صاحب «حل العقد» أن هذا الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه ، والتقدير : لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب اليوم إلا زيداً ، فإن تقديره لا تضرب أحداً إلا زيداً إلا أنه ترك التصريح به لدلالة اللفظ عليه فكذا ههنا .
الوجه الثالث : في التأويل أن قوله : { لاَ عَاصِمَ } أي لا ذا عصمة كما قالوا : رامح ولابن ومعناه ذو رمح ، وذو لبن وقال تعالى : { مِن مَّاء دَافِقٍ } [ الطارق : 6 ] و { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة : 21 ] ومعناه ما ذكرنا فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير : العاصم هو ذو العصمة ، فيدخل فيه المعصوم ، وحينئذ يصح استثناء قوله : { إِلاَّ مَن رَّحِمَ } منه .
الوجه الرابع : قوله : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } عنى بقوله إلا من رحم نفسه ، لأن نوحاً وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته ، والمراد : لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله ، كما أضيف الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله : { وأحيي الموتى } [ آل عمران : 49 ] لأجل أن الإحياء حصل بدعائه .
الوجه الخامس : أن قوله : { إِلاَّ مَن رَّحِمَ } استثناء منقطع ، والمعنى لكن من رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } [ النساء : 157 ] ثم إنه تعالى بين بقوله : { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج } أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح { فَكَانَ مِنَ المغرقين } .

(8/414)


وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)

اعلم أن المقصود من هذا الكلام وصف آخر لواقعة الطوفان ، فكان التقدير أنه لما انتهى أمر الطوفان قيل كذا وكذا { ياأرض ابلعى مَاءكِ } يقال بلع الماء يبلعه بلعاً إذا شربه وابتلع الطعام ابتلاعاً إذا لم يمضغه ، وقال أهل اللغة : الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها { وياسماء أَقْلِعِى } يقال أقلع الرجل عن عمله إذا كف عنه ، وأقلعت السماء بعدما مطرت إذا أمسكت { وَغِيضَ الماء } يقال غاض الماء يغيض غيضاً ومغاضاً إذا نقص وغضته أنا وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا ومثله جبر العظم وجبرته وفغر الفم وفغرته ، ودلع اللسان ودلعته ، ونقص الشيء ونقصته ، فقوله : { وَغِيضَ الماء } أي نقص وما بقي منه شيء .
واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ كثيرة كل واحد منها دال على عظمة الله تعالى وعلو كبريائه : فأولها : قوله : { وَقِيلَ } وذلك لأن هذا يدل على أنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة ، بحيث أنه متى قيل قيل لم ينصرف العقل إلا إليه ولم يتوجه الفكر إلا إلى أن ذلك القائل هو هو وهذا تنبيه من هذا الوجه ، على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في العالم العلوي والعالم السفلي إلا هو . وثانيها : قوله : { ياأرض ابلعى مَاءكِ وياسماء أَقْلِعِى } فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام وشدتها وقوتها فإذا شعر العقل بوجود موجود قاهر لهذه الأجسام مستول عليها متصرف فيها كيف شاء وأراد ، صار ذلك سبباً لوقوف القوة العقلية على كمال جلال الله تعالى وعلو قهره ، وكمال قدرته ومشيئته . وثالثها : أن السماء والأرض من الجمادات فقوله : { يا أرض - ويا سماء } مشعر بحسب الظاهر ، على أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات فعند هذا يحكم الوهم بأنه لما كان الأمر كذلك فلأن يكون أمره نافذاً على العقلاء كان أولى وليس مرادي منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم نوع عظمته وجلاله تقريراً كاملاً .
وأما قوله : { وَقُضِىَ الأمر } فالمراد أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء جزماً حتماً فقد وقع تنبيهاً على أن كل ما قضى الله تعالى فهو واقع في وقته وأنه لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه .
فإن قيل : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يغرق الأطفال بسبب جرم الكفار؟
قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن كثيراً من المفسرين يقولون إن الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ سنه إلى الأربعين .

(8/415)


ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ما ذكرتم ، لكان ذلك آية عجيبة قاهرة . ويبعد مع ظهورها استمرارهم على الكفر ، وأيضاً فهب أنكم ذكرتم ما ذكرتم فما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها ألبتة .
والجواب الثاني : وهو الحق أنه لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] وأما المعتزلة فهم يقولون إنه تعالى أغرق الأطفال والحيوانات ، وذلك يجري مجرى إذنه تعالى في ذبح هذه البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة الشديدة .
وأما قوله تعالى : { واستوت عَلَى الجودى } فالمعنى واستوت السفينة على جبل بالجزيرة يقال له الجودي ، وكان ذلك الجبل جبلاً منخفضاً ، فكان استواء السفينة عليه دليلاً على انقطاع مادة ذلك الماء وكان ذلك الاستواء يوم عاشوراء .
وأما قوله تعالى : { وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين } ففيه وجهان : الأول : أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد . والثاني : أن يكون ذلك من كلام نوح عليه السلام وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام ولأنه جار مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق .

(8/416)


وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)

وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابناً له أم لا فلا نعيده ، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال : { يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابناً له وجب حمل قوله : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك . والثاني : المراد أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان .
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } .
ثم قال تعالى : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } قرأ الكسائي : عمل على صيغة الفعل الماضي ، وغير بالنصب ، والمعنى : إن ابنك عمل عملاً غير صالح يعني أشرك وكذب ، وكلمة { غَيْرِ } نصب ، لأنها نعت لمصدر محذوف ، وقرأ الباقون : عمل بالرفع والتنوين ، وفيه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله : { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } غير صالح ، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم ، الجزم بأنه لا ينجي أحداً منهم سؤال باطل . الثاني : أن يكون هذا الضمير عائداً إلى الابن ، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملاً غير صالح وجوه : الأول : أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له : إنه علم وكرم وجود ، فكذا ههنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل . الثاني : أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . الثالث : قال بعضهم معنى قوله : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعاً .
ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام : { فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه :
الوجه الأول : أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة ، وهذا يقتضي عود الضمير في قوله : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } إما إلى ابن نوح وإما إلى ذلك السؤال ، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار وهو خلاف الظاهر . ولا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا ، لأنا إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير ، فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال ، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل غير صالح ، أي قولك : إن ابني من أهلي لطلب نجاته عمل غير صالح ، وذلك يدل على أن هذا السؤال كان ذنباً ومعصية .

(8/417)


الوجه الثاني : أن قوله : { فَلاَ تَسْأَلْنى } نهي له عن السؤال ، والمذكور السابق هو قوله { إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك السؤال فكان ذلك السؤال ذنباً ومعصية .
الوجه الثالث : أن قوله : { فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } يدل على أن ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم ، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى : { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 169 ] .
الوجه الرابع : أن قوله تعالى : { إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } يدل على أن ذلك السؤال كان محض الجهل . وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر ، وأيضاً جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن . قال تعالى : { يَعْمَلُونَ السوء بجهالة } [ النساء : 17 ] وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : { أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة : 67 ] .
الوجه الخامس : أن نوحاً عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في هذا المقام فإنه قال : { إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنباً .
الوجه السادس : في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحاً نادى ربه لطلب تخليص ولده من الغرق ، والآية المتقدمة وهي قوله : { ونادى نُوحٌ ابنه } وقال : { يابنى اركب مَّعَنَا } تدل على أنه عليه السلام طلب من ابنه الموافقة . فنقول : إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقاً على طلبه من الولد أو كان بالعكس ، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا المعنى من الله تعالى سابقاً على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق ، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب ، وبعد هذا كيف قال له : { يابنى اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } وأما إن قلنا : إن هذا الطلب من الابن كان متقدماً فكان قد سمع من الابن قوله : { سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } وظهر بذلك كفره ، فكيف طلب من الله تخليصه ، وأيضاً أنه تعالى أخبر أن نوحاً لما طلب ذلك منه وامتنع هو صار من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين ، فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام .
واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل والأكمل ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا السبب حصل هذا العتاب والأمر بالاستغفار ، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال :

(8/418)


{ إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح * وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِى دِينِ الله أفواجا * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره } [ النصر : 1 3 ] ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى : { واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } [ محمد : 19 ] وليس جميعهم مذنبين ، فدل ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك لأفضل .
المسألة الثانية : قرأ نافع برواية ورش وإسمعيل بتشديد النون وإثبات الياء { تَسْأَلْنى } وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من غير إثبات الياء ، وقرأ أبو عمرو بتخفيف النون وكسرها وحذف الياء { تسألن } أما التشديد فللتأكيد وأما إثبات الياء فعلى الأصل ، وأما ترك التشديد والحذف فللتخيف من غير إخلال .
واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال : { رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } والمعنى أنه تعالى لما قال له : { فَلاَ تَسْأَلْنى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } فقال عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف ، ولا أعود إليه إلا أني لا أقدر على الاحتراز منه إلا بإعانتك وهدايتك ، فلهذا بدأ أولاً بقوله : { إِنّى أَعُوذُ بِكَ } .
واعلم أن قوله : { إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } إخبار عما في المستقبل ، أي لا أعود إلى هذا العمل ، ثم أشتغل بالاعتذار عما مضى ، فقال : { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } وحقيقة التوبة تقتضي أمرين : أحدهما : في المستقبل ، وهو العزم على الترك وإليه الإشارة بقوله : { إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } والثاني : في الماضي وهو الندم على ما مضى وإليه الإشارة بقوله : { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } ونختم هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام . فنقول : إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره ومؤمن يعلم إيمانه وجمع من المنافقين ، وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة وحكم الكافرين هو الغرق ، وكان ذلك معلوماً ، وأما أهل النفاق فبقي حكمهم مخفياً وكان ابن نوح منهم وكان يجوز فيه كونه مؤمناً ، وكانت الشفقة المفرطة التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه كافراً ، بل على الوجوه الصحيحة ، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل السفينة فقال : { سَاوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } وذلك لا يدل على كفره لجواز أن يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في أنه يصونه عن الغرق ، وقول نوح : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } لا يدل إلا على أنه عليه السلام كان يقرر عند ابنه أنه لا ينفعه إلا الإيمان والعمل الصالح ، وهذا أيضاً لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافراً فعند هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن ، فطلب من الله تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في السفينة ، وإما أن يحفظه على قلة جبل ، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه منافق وأنه ليس من أهل دينه ، فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره ، بل اجتهد في ذلك وكان يظن أنه مؤمن ، مع أنه أخطأ في ذلك الاجتهاد ، لأنه كان كافراً فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذا الاجتهاد ، كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد ، فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد ، والله أعلم .

(8/419)


قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي ، فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله : { اهبط } يحتمل أن يكون أمراً بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل وأن يكون أمراً بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية .
المسألة الثانية : أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولاً ، ثم بالبركة ثانياً ، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحاً عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله : { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُن مّنَ الخاسرين } [ هود : 47 ] وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف : 23 ] فكان نوح عليه السلام محتاجاً إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له : { يانوح اهبط بسلام مّنَّا } حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين . والثاني أن ذلك الغرق لما كان عاماً في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب ، فلما قال الله تعالى : { اهبط بسلام مّنَّا } زال عنه ذلك الخوف ، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق ، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء ، والثبات ، ونيل الأمل ، ومنه بروك الإبل ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، ومنه تبارك وتعالى ، أي ثبت تعظيمه ، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء .
فالقول الأول : أنه تعالى صير نوحاً أبا البشر ، لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا قال هذا القائل : إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من ذريته ، فالخلق كلهم من نسله وذريته ، وقال آخرون : لم يكن في سفينة نوح عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته ، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده ، والدليل عليه قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } [ الصافات : 77 ] فثبت أن نوحاً عليه السلام كان آدم الأصغر ، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها .
والقول الثاني : أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات ، وعده بأن موجبات السلامة ، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار ، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال : { وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال : منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه وجعلهم أمماً وجماعات ، لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم ، فلهذا السبب جعلهم أمماً ، ومنهم من قال : بل المراد ممن معك نسلاً وتولداً قالوا : ودليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في قوله تعالى :

(8/420)


{ وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } [ هود : 40 ] ومنهم من قال : المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك ، والمختار هو القول الثاني : ومن في قوله : { مّمَّن مَّعَكَ } لابتداء الغاية ، والمعنى : وعلى أمم ناشئة من الذين معك .
واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين : أحدهما : الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم وهم أهل الإيمان . والثاني : أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم عذاب أليم ، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه السلام لا بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر . قال المفسرون : دخل في تلك السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة إلى يوم القيامة ، ودخل في ذلك المتاع وفي ذلك العذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة ، ثم قال أهل التحقيق : إنه تعالى إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة والبركات منه إليه ، لأنه قال : { بسلام مّنَّا } وهدا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة ولكنهم إنما يفرحون بالنعمة من حيث إنها من الحق ، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق وطلبهم للحق وتوجههم إلى الحق ، وهذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص الله تعالى ، فإن الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة غير ، والفرح بالسلامة والبركة من حيث إنهما من الحق غير ، والأول : نصيب عامة الخلق ، والثاني : نصيب المقربين ، ولهذا السبب قال بعضهم : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني ، ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول ، وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيباً من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر ألبتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا . ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا ، وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية .

(8/421)


تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال : { تِلْكَ } أي تلك الآيات التي ذكرناها ، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب ، أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق فقوله : { تِلْكَ } في محل الرفع على الابتداء ، و { مِنْ أَنبَاء الغيب } الخبر و { نُوحِيهَا إِلَيْكَ } خبر ثان وما بعده أيضاً خبر ثالث .
ثم قال تعالى : { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ } والمعنى : أنك ما كنت تعرف هذه القصة ، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضاً ، ونظيره أن تقول لإنسان لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك .
فإن قيل : أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم؟
قلنا : تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة ، أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة .
ثم قال : { فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ } والمعنى : يا محمد اصبر أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار ، وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ولقومه .
فإن قال قائل : إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم إنه أعادها ههنا مرة أخرى ، فما الفائدة في هذا التكرير؟
قلنا : إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه : ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب ، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار كانوا يبالغون في الإيحاش ، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلاً في زمان نوح ، إلا أنه عليه السلام لما صبر نال الفتح والظفر ، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود ، ولما كان وجه الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خالياً عن الفائدة .

(8/422)


وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)

اعلم أن هذا هو القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، واعلم أن هذا معطوف على قوله : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا } [ الحديد : 26 ] والتقدير : ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً وقوله : { هُودًا } عطف بيان .
واعلم أنه تعالى وصف هوداً بأنه أخوهم ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين ، وإنما كانت في النسب ، لأن هوداً كان رجلاً من قبيلة عاد ، وهذه القبيلة كانت قبيلة من العرب وكانوا بناحية اليمن ، ونظيره ما يقال للرجل يا أخا تميم ويا أخا سليم ، والمراد رجل منهم .
فإن قيل : إنه تعالى ، قال في ابن نوح { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [ هود : 46 ] فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين ، فما الفرق بينهما؟
قلنا : المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن قومه كانوا يستبعدون في محمد ، مع أنه واحد من قبيلتهم ، أن يكون رسولاً إليهم من عند الله ، فذكر الله تعالى أن هوداً كان واحداً من عاد ، وأن صالحاً كان واحداً من ثمود؛ لإزالة هذا الاستبعاد .
واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام ، أنه دعا قومه إلى أنواع من التكاليف .
فالنوع الأول : أنه دعاهم إلى التوحيد ، فقال : { ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } وفيه سؤال وهو أنه كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل أن أقام الدلالة على ثبوت الإله تعالى؟
قلنا : دلائل وجود الله تعالى ظاهرة ، وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى ، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } .
قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله وختم له بالحسن ، دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله ، وأكثر بلاد الترك أيضاً كذلك ، وإنما الشأن في عبادة الأوثان ، فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض وهكذا الأمر كان في الزمان القديم ، أعني زمان نوح وهود وصالح عليهم السلام ، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام ، فكان قوله : { اعبدوا الله } معناه لا تعبدوا غير الله والدليل عليه أنه قال عقيبه : { مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام .
وأما قوله : { مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } فقرىء { غَيْرُهُ } بالرفع صفة على محل الجار والمجرور ، وقرىء بالجر صفة على اللفظ .
ثم قال : { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن عبادتها ، أو في قولكم إنها تستحق العبادة ، وكيف لا يكون هذا كذباً وافتراء وهي جمادات لاحس لها ولا إدراك ، والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيماً لها ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما أرشدهم إلى التوحيد ومنعهم عن عبادة الأوثان قال : و { ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الذى فَطَرَنِى } وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام ، وذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع ، قوي تأثيرها في القلب .

(8/423)


ثم قال { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام ، وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع ، كأنه مركوز في بدائه العقول .

(8/424)


وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام لقومه ، وذلك لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد ، وفي هذا المقام دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة ، والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة . قال أبو بكر الأصم : استغفروا ، أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعدوا إلى مثله؛ ثم إنه عليه السلام قال : « إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم » وهذا غاية ما يراد من السعادات ، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة ، إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضاً ، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها ، فههنا تحصل غاية السعادة والبهجة فقوله تعالى : { يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } إشارة إلى تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة ، وقوله : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة ، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات وأن الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل ، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية ، وأما المفسرون فإنهم قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال : أحدهما : أن بساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطيب والبهجة ، والدليل عليه قوله : { إِرَمَ ذَاتِ العماد التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد } [ الفجر : 7 ، 8 ] والثاني : أنهم كانوا في غاية القوة والبطش ولذلك قالوا : { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } [ فصلت : 15 ] ، ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين وعدهم هود عليه السلام ، أنهم لو تركوا عبادة الأصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة فإن الله تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيها درجات كثيرة ، ونقل أيضاً أن الله تعالى لما بعث هوداً عليه السلام إليهم وكذبوه وحبس الله عنهم المطر سنين وأعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود : إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد ، فذلك قوله : { يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } والمدرار الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة وقوله : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } ففسروا هذه القوة بالمال والولد ، والشدة في الأعضاء ، لأن كل ذلكم ما يتقوى به الإنسان .
فإن قيل : حاصل الكلام هو أن هوداً عليه السلام قال : لو اشتغلتم بعبادة الله تعالى لانفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية ، وليس الأمر كذلك ، لأنه عليه الصلاة والسلام قال : « خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » فكيف الجمع بينهما ، وأيضاً فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية والأخروية عليها ، فأما الترغيب في الطاعات ، لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها ، فذلك لا يليق بالقرآن بل هو طريق مذكور في التوراة .
الجواب : أنه لما أكثر الترغيب في السعادات الأخروية لم يبعد الترغيب أيضاً في خير الدنيا بقدر الكفاية .
وأما قوله : { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } فمعناه : لا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه وأرغبكم فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم .

(8/425)


قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)

اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم ، حكى أيضاً ما ذكره القوم له وهو أشياء : أولها : قولهم : { مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } أي بحجة ، والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل ، ومن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها ، وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات . وثانيها : قولهم : { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } وهذا أيضاً ركيك ، لأنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس . وثالثها : قوله : { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } وهذا يدل على الإصرار والتقليد والجحود . ورابعها : قولهم : { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } يقال : اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه . والمعنى : أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنوناً وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام : { إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ } وهو ظاهر .
ثم قال : { فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه : { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } [ يونس : 71 ] إلى قوله : { وَلاَ تُنظِرُونَ } [ يونس : 71 ] .
واعلم أن هذا معجزة قاهرة ، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال لهم : بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون؛ فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقاً من عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد الأعداء .
ثم قال : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } قال الأزهري : الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته .
واعلم أن العرب إذا وصفوا إنساناً بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، أي أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته ، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ، ومنقاد لقضائه وقدره .
ثم قال : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } وفيه وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } أي أنه وإن كان قادراً عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب ، قالت المعتزلة قوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } يدل على التوحيد وقوله : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يدل على العدل ، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل . والثاني : أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله : { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } يعني أنه لا يخفى عليه مستتر ، ولا يفوته هارب ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه ، كما قال :

(8/426)


{ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] الثالث : أن يكون المراد { إِنَّ رَبّى } يدل على الصراط المستقيم ، أي يحث ، أو يحملكم بالدعاء إليه .

(8/427)


فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)

اعلم أن قوله : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني فإن تتولوا ثم فيه وجهان : الأول تقدير الكلام فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ وكنتم محجوبين كأنه يقول : أنتم الذين أصررتم على التكذيب . الثاني : { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } .
ثم قال : { وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ } يعني يخلق بعدكم من هو أطوع لله منكم ، وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال ولا تضرونه شيئاً ، يعني أن إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئاً .
ثم قال : { إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ } وفيه ثلاثة أوجه : الأول : حفيظ لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها . الثاني : يحفظني من شركم ومكركم . الثالث : حفيظ على كل شيء يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء .

(8/428)


وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

اعلم أن قوله : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من الريح العقيم عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام ، تدخل في مناخرهم وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية .
فإن قيل : فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم؟
قلنا : يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشده قوتها ، فتخطف الحيوان من الأرض ، ثم تضربه على الأرض ، فكل ذلك محمل .
وأما قوله : { نَجَّيْنَا هُودًا } فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى الكافر معاً ، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذاباً على الكافر ، فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة الله تعالى أن ينجي المؤمن منه ، ولولا ذلك لما عرف كونه عذاباً على كفرهم ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } .
وأما قوله : { بِرَحْمَةٍ مّنَّا } ففيه وجوه : الأول : أراد أنه لا ينجو أحد وإن اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله ، والثاني : المراد من الرحمة : ما هداهم إليه من الإيمان بالله والعمل الصالح . الثالث : أنه رحمهم في ذلك الوقت ، وميزهم عن الكافرين في العقاب .
وأما قوله : { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } فالمراد من النجاة الأولى هي النجاة من عذاب الدنيا ، والنجاة الثانية من عذاب القيامة ، وإنما وصفه بكونه غليظاً تنبيهاً على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى العذاب الذي وقعوا فيه كان عذاباً غليظاً ، والمراد من قوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُمْ } أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه .
واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : { عَادٌ جَحَدُواْ } فهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم ، كأنه تعالى قال : سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا . ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة ، فأما أوصافهم فهي ثلاثة .
الصفة الأولى : قوله : { جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ } والمراد : جحدوا دلالة المعجزات على الصدق ، أو الجحد ، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم ، إن ثبت أنهم كانوا زنادقة .
الصفة الثانية : قوله : { وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولاً واحداً ، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى : { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } [ البقرة : 285 ] وقيل : لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام .
الصفة الثالثة : قوله : { واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } والمعنى أن السفلة كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم : { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } [ المؤمنون : 24 ] والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود والمعاند ، وهو المنازع المعارض .

(8/429)


واعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال : { وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } أي جعل اللعن رديفاً لهم ، ومتابعاً ومصاحباً في الدنيا وفي الآخرة ، ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير .
ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال : { أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } قيل : أراد كفروا بربهم فحذف الباء ، وقيل : الكفر هو الجحد فالتقدير : ألا إن عاداً جحدوا ربهم . وقيل : هو من باب حذف المضاف ، أي كفروا نعمة ربهم .
ثم قال : { أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : اللعن هو البعد ، فلما قال : { وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } فما الفائدة في قوله : { أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ } .
والجواب : التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد .
السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : { لّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } .
الجواب : كان عاد عادين ، فالأولى : القديمة هم قوم هود ، والثانية : هم إرم ذات العماد ، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه . والثاني : أن المبالغة في التنصيص تدل على مزيد التأكيد .

(8/430)


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة وهي قصة صالح مع ثمود ، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود ، إلا أن ههنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين :
الدليل الأول : قوله : { هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض } وفيه وجهان :
الوجه الأول : أن الكل مخلوقون من صلب آدم ، وهو كان مخلوقاً من الأرض . وأقول : هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه ، وذلك لأن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني إنما تولد من الدم ، فالإنسان مخلوق من الدم ، والدم إنما تولد من الأغذية ، وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحيوانات حالها كحال الإنسان ، فوجب انتهاء الكل إلى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض ، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض .
والوجه الثاني : أن تكون كلمة { مِنْ } معناها في التقدير : أنشأكم في الأرض ، وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه ، وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مراراً كثيرة .
الدليل الثاني : قوله : { واستعمركم فِيهَا } وفيه ثلاثة أوجه : الأول : جعلكم عمارها ، قالوا : كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار ، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ، ما سبب تلك الأعمار؟ فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي ، وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه ، فقال : ما حملني عليه إلا قول القائل :
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا يكون له في الأرض آثار
الثاني : أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق { واستعمركم } من العمر مثل استبقاكم من البقاء . والثالث : أنه مأخوذ من العمرى ، أي جعلها لكم طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم .
واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان ، وكون الإنسان قادراً عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع ، ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله تعالى في آية أخرى وهي قوله : { والذى قَدَّرَ فهدى } [ الأعلى : 3 ] وذلك لأن حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضاً على وجود الصانع الحكيم .
أما قوله : { فاستغفروه ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } فقد تقدم تفسيره .
وأما قوله : { إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ } يعني أنه قريب بالعلم والسمع { مُّجِيبٌ } دعاء المحتاجين بفضله ورحمته ، ثم بين تعالى أن صالحاً عليه السلام لما قرر هذه الدلائل { قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } وفيه وجوه : الأول : أنه لما كان رجلاً قوي العقل قوي الخاطر وكان من قبيلتهم قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم ويقوي مذهبهم ويقرر طريقتهم لأنه متى حدث رجل فاضل في قوم طمعوا فيه من هذا الوجه . الثاني : قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف على فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار والأحباب ، فكيف أظهرت العداوة والبغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التعجب الشديد من قوله : { فقالوا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف ، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا :

(8/431)


{ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ } [ ص : 5 ] ثم قالوا : { وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفاً بين النفي والإثبات والمريب هو الذي يظن به السوء فقوله : { وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ } يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله : { مُرِيبٍ } يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه .

(8/432)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)

اعلم أن قوله : { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } ورد بحرف الشك وكان على يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول ، فكأنه قال : قدروا أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة ، وانظروا أني إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من عذاب الله فما تزيدونني على هذاالتقدير غير تخسير ، وفي تفسير هذه الكلمة وجهان : الأول : أن على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها . الثاني : أن يكون التقدير فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران ، وأقول لكم إنكم خاسرون ، والقول الأول أقرب لأن قوله : { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ } [ هود : 63 ] كالدلالة على أنه أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسراناً في الدين فأصير من الهالكين الخاسرين .

(8/433)


وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدىء بالدعوة إلى عبادة الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لا بد وأن يطلبوا منه المعجزة ، وأمر صالح عليه السلام هكذا كان ، يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة ، فدعا صالح ربه ، فخرجت الناقة كما سألوا .
واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه ، الأول : أنه تعالى خلقها من الصخرة وثانيها : أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل . وثالثها : أنه تعالى خلقها حاملاً من غير ذكر . ورابعها : أنه خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة ، وخامسها : ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل القوم شرب يوم آخر ، وسادسها : أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم ، وكل من هذه الوجوه معجز قوي وليس في القرآن ، إلا أن تلك الناقة كانت آية ومعجزة ، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه .
ثم قال : { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } والمراد أنه عليه السلام رفع عن القوم مؤنتها ، فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم ولا تضرهم ، لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها على ما روي أنه عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من إصرارهم على الكفر ، فإن الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه ، بل يسعى في إخفاءها وإبطالها بأقصى الإمكان ، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على قتلها ، فلهذا احتاط وقال : { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } وتوعدهم إن مسوها بسوء بعذاب قريب ، وذلك تحذير شديد لهم من الإقدام على قتلها ، ثم بين الله تعالى أنهم مع ذلك عقروها وذبحوها ، ويحتمل أنهم عقروها لإبطال تلك الحجة ، وأن يكون لأنها ضيقت الشرب على القوم ، وأن يكون لأنهم رغبوا في شحمها ولحمها ، وقوله : { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } يريد اليوم الثالث ، وهو قوله : { تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ } ثم بين تعالى أن القوم عقروها ، فعند ذلك قال لهم صالح عليه السلام : { تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ } ومعنى التمتع : التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس ، ولما كان التمتع لا يحصل إلا للحي عبر به عن الحياة ، وقوله : { فِى دَارِكُمْ } فيه وجهان : الأول : أن المراد من الدار البلد ، وتسمى البلاد بالديار ، لأنه يدار فيها أي يتصرف يقال : ديار بكر أي بلادهم . الثاني : أن المراد بالديار الدنيا . وقوله : { ذلك وَعْدٌ مَكْذُوبٍ } أي غير مكذب والمصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود والمعقول وبأيكم المفتون ، وقيل غير مكذوب فيه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان ، وذلك لأنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب ، فقالوا وما علامة ذلك؟ فقال : تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة ، وفي الثاني محمرة ، وفي الثالث مسودة ، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع ، فلما رأوا وجوههم قد اسودت أيقنوا بالعذاب فاحتاطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع وهي الصيحة والصاعقة والعذاب .

(8/434)


فإن قيل : كيف يعقل أن تظهر فيهم هذه العلامات مطابقة لقول صالح عليه السلام ، ثم يبقون مصرين على الكفر .
قلنا : ما دامت الأمارات غير بالغة إلى حد الجزم واليقين لم يمتنع بقاؤهم على الكفر وإذا صارت يقينية قطعية ، فقد انتهى الأمر إلى حد الإلجاء والإيمان في ذلك الوقت غير مقبول .

(8/435)


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)

اعلم أن مثل هذه الآية قد مضى في قصة عاد ، وقوله : { وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الواو في قوله : { وَمِنْ خِزْىِ } واو العطف وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم وبقي العار فيه مأثوراً عنهم ومنسوباً إليهم ، لأن معنى الخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحيا من مثله فحذف ما حذف اعتماداً على دلالة ما بقي عليه . الثاني : أن يكون التقدير : نجينا صالحاً برحمة منا ونجيناهم من خزي يومئذ .
المسألة الثانية : قرأ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون وإحدى الروايات عن الأعشى { يَوْمَئِذٍ } بفتح الميم ، وفي المعارج { عَذَابِ يَوْمِئِذٍ } [ المعارج : 11 ] والباقون بكسرالميم فيهما فمن قرأ بالفتح فعلى أن يوم مضاف إلى إذ وأن إذ مبني ، والمضاف إلى المبني يجوز جعله مبنياً ألا ترى أن المضاف يكتسب من المضاف إليه التعريف والتنكير فكذا ههنا ، وأما الكسر في إذ فالسبب أنه يضاف إلى الجملة من المبتدأ والخبر تقول : جئتك إذ الشمس طالعة ، فلما قطع عن المضاف إليه نون ليدل التنوين على ذلك ثم كسرت الذال لسكونها وسكون التنوين ، وأما القراءة بالكسر فعلى إضافة الخزي إلى اليوم ولم يلزم من إضافته إلى المبني أن يكون مبنياً لأن هذه الإضافة غير لازمة .
المسألة الثالثة : الخزي الذل العظيم حتى يبلغ حد الفضيحة ولذلك قال تعالى في المحاربين { ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا } [ المائدة : 33 ] وإنما سمى الله تعالى ذلك العذاب خزياً لأنه فضيحة باقية يعتبر بها أمثالهم ثم قال : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوى العزيز } وإنما حسن ذلك ، لأنه تعالى بين أنه أوصل ذلك العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه ، وهذا التمييز لا يصح إلا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشيء الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاء وعذاباً وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحاناً ثم إنه تعالى بين ذلك الأمر فقال : { وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما قال : { أَخَذَ } ولم يقل أخذت لأن الصيحة محمولة على الصياح ، وأيضاً فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل ، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث ، وقد سبق لها نظائر .
المسألة الثانية : ذكروا في الصيحة وجهين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد الصاعقة الثاني : الصيحة صيحة عظيمة هائلة سمعوها فماتوا أجمع منها فأصبحوا وهم موتى جاثمين في دورهم ومساكنهم ، وجثومهم سقوطهم على وجوههم ، يقال إنه تعالى أمر جبريل عليه السلام أن يصيح بهم تلك الصيحة التي ماتوا بها ، ويجوز أن يكون الله تعالى خلقها ، والصياح لا يكون إلا الصوت الحادث في حلق وفم وكذلك الصراخ ، فإن كان من فعل الله تعالى فقد خلقه في حلق حيوان وإن كان فعل جبريل عليه السلام فقد حصل في فمه وحلقه ، والدليل عليه أن صوت الرعد أعظم من كل صيحة ولا يسمى بذلك ولا بأنه صراخ .

(8/436)


فإن قيل : فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت؟
قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب تموج الهواء وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الإنسان فيمزق غشاء الدماغ فيورث الموت . والثاني : أنها شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند حدوثها والأعراض النفسانية إذا قويت أوجبت الموت الثالث : أن الصيحة العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن يصحبها برق شديد محرق ، وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما .
ثم قال تعالى : { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } والجثوم هو السكون يقال للطير إذا باتت في أوكارها أنها جثمت ، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموت فوصف الله تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند الهلاك ، حتى كأنهم ما كانوا أحياء وقوله : { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } أي كأنهم لم يوجدوا ، والمغنى المقام الذي يقيم الحي به يقال : غني الرجل بمكان كذا إذا أقام به .
ثم قال تعالى : { أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } قرأ حمزة وحفص عن عاصم { أَلا إِنَّ ثَمُودَ } غير منون في كل القرآن ، وقرأ الباقون { ثموداً } بالتنوين ولثمود كلاهما بالصرف ، والصرف للذهاب إلى الحي ، أو إلى الأب الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة .

(8/437)


وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)

اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال النحويون : دخلت كلمة «قد» ههنا لأن السامع لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة ، وقد للتوقع ، ودخت اللام في «لقد» لتأكيد الخبر ، ولفظ { رُسُلُنَا } جمع وأقله ثلاثة فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة ، وأما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر ، وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام ، ثم اختلفت الروايات فقيل : أتاه جبريل عليه السلام ومعه اثنا عشر ملكاً على صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن وقال الضحاك كانوا تسعة . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام ، وهم الذين ذكرهم الله في سورة والذاريات في قوله : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم } [ الذاريات : 24 ] وفي الحجر { وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } [ الحجر : 51 ] .
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين : الأول : أن المراد ما بشره الله بعد ذلك بقوله : { فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ } الثاني : أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط وبإهلاك قومه .
وأما قوله : { قَالُواْ سلاما قَالَ سلام } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكساني { قَالُواْ سلام قَالَ سلام } بكسر السين وسكون اللام بغير ألف ، وفي والذاريات مثله . قال الفراء : لا فرق بين القراءتين كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير أنهم لما جاؤا سلموا عليه . قال أبو علي الفارسي : ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام العدو ، وهذا الوجه عندي بعيد ، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام ، إلا أن القرآن يدل على أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال : { قَالُواْ سلاما قَالَ سلام فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [ هود : 69 ] والفاء للتعقيب ، فدل ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام .
المسألة الثانية : قالوا سلاماً تقديره : سلمنا عليك سلاماً قال سلام تقديره : أمري سلام ، أي لست مريداً غير السلامة والصلح . قال الواحدي : ويحتمل أن يكون المراد : سلام عليكم ، فجاء به مرفوعاً حكاية لقوله كما قال : وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } [ يوسف : 18 ] وإنما يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوماً بعد الحذف ، وههنا المقصود معلوم فلا جرم حسن الحذف ، ونظيره قوله تعالى :

(8/438)


{ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام } [ الزخرف : 89 ] على حذف الخبر .
واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض ، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى : { لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } .
المسألة الثالثة : أكثر ما يستعمل { سلام عَلَيْكُمُ } بغير ألف ولام ، وذلك لأنه في معنى الدعاء ، فهو مثل قولهم : خير بين يديك .
فإن قيل : كيف جاز جعل النكرة مبتدأ؟
قلنا : النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ ، فإذا قلت سلام عليكم : فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال ، فكأنه قيل : سلام كامل تام عليكم ، ونظيره قولنا : سلام عليك ، وقوله تعالى : { قَالَ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } [ مريم : 47 ] وقوله : { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ ياس : 58 ] { سلام على نُوحٍ فِى العالمين } [ الصافات : 79 ] { الملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد : 23 ، 24 ] فأما قوله تعالى : { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } [ طه : 47 ] فهذا أيضاً جائز ، والمراد منه الماهية والحقيقة . وأقول : قوله : { سلام عَلَيْكُمُ } أكمل من قوله : السلام عليكم ، لأن التنكير في قوله : { سلام عَلَيْكُمُ } يفيد الكمال والمبالغة والتمام . وأما لفظ السلام : فإنه لا يفيد إلا الماهية . قال الأخفش : من العرب من يقول : سلام عليكم فيعرى قوله : سلام عن الألف واللام والتنوين ، والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف ، والله أعلم .
ثم قال تعالى : { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } قالوا : مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك ، ثم جاءه الملائكة فرأى أضيافاً لم ير مثلهم ، فعجل وجاء بعجل حنيذ ، فقوله : { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } معناه : فما لبت في المجيء به بل عجل فيه ، أو التقدير : فما لبث مجيئه والعجل ولد البقرة . أما الحنيذ : فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية معروف ، وهو محنوذ في الأصل كما قيل : طبيخ ومطبوخ ، وقيل : الحنيذ الذي يقطر دسمه . يقال : حنذت الفرس إذا ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقاً .
ثم قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } أي إلى العجل ، وقال الفراء : إلى الطعام ، وهو ذلك العجل { نَكِرَهُمْ } أي أنكرهم . يقال : نكره وأنكره واستنكره .
واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا يأكلون ولا يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها ، وهو كان مشغوفاً بالضيافة . وأما إبراهيم عليه السلام . فنقول : إما أن يقال : إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة ، بل كان يعتقد فيهم أنهم من البشر ، أو يقال : إنه كان عالماً بأنهم من الملائكة . أما على الاحتمال الأول فسبب خوفه أمران : أحدهما : أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروهاً ، وثانيها : أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف . وأما الاحتمال الثاني : وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى ، فسبب خوفه على هذا التقدير أيضاً أمران : أحدها : أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه : والثاني : أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه .

(8/439)


فإن قيل : فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر؟
قلنا : أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج بأمور : أحدها : أنه تسارع إلى إحضار الطعام ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك . وثانيها : أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم ، ولو عرف كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر ، وثالثها : أنه رآهم في أول الأمر في صورة البشر ، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة . وأما الذي يقول : إنه عرف ذلك احتج بقوله : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا ، ثم بين تعالى أن الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } ومعناه : أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط ، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في سورة أخرى ، وهو قوله : { إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً } [ الذاريات : 32 ، 33 ] .
ثم قال تعالى : { وامرأته قَائِمَةٌ } يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم إبراهيم عليه السلام ، وقوله : { قَائِمَةً } قيل : كانت قائمة من وراء الستر تستمع إلى الرسل ، لأنها ربما خافت أيضاً . وقيل : كانت قائمة تخدم الأضياف وإبراهيم عليه السلام جالس معهم ، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود { وامرأته قَائِمَةٌ } وهو قاعد .
ثم قال تعالى : { فَضَحِكَتْ فبشرناها بإسحاق } واختلفوا في الضحك على قولين : منهم من حمله على نفس الضحك ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى الضحك . أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت ، وذكروا وجوهاً : الأول : قال القاضي إن ذلك السبب لا بد وأن يكون سبباً جرى ذكره في هذه الآية ، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت الملائكة : { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } وعظم سرورها بسبب سروره بزوال خوفه ، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان ، وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام { لاَ تَخَفْ } فكان كالبشارة ، فقيل لها : نجعل هذه البشارة بشارتين ، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف ، فقد حصلت البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت وهذا تأويل في غاية الحسن . الثاني : يحتمل أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث ، فلما أظهروا أنهم جاؤا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت . الثالث : قال السدي قال إبراهيم عليه السلام لهم : { أَلا تَأْكُلُونَ } قالوا : لا نأكل طعاماً إلا بالثمن ، فقال : ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره ، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام : «حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلاً» فضحكت امرأته فرحاً منها بهذا الكلام . الرابع : أن سارة قالت لإبراهيم عليه السلام أرسل إلى ابن أخيك وضمه إلى نفسك ، فإن الله تعالى لا يترك قومه حتى يعذبهم ، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم عليه السلام ، فلما أخبروه بأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط صار قولهم موافقاً لقولها ، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام الملائكة . الخامس : أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من الملائكة لا من البشر وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط طلب إبراهيم عليه السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعاً فيه إلى مرعاه ، وكانت امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد طفر من موضعه . السادس : أنها ضحكت تعجباً من أن قوماً أتاهم العذاب وهم في غفلة . السابع : لا يبعد أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت ، إما على سبيل التعجب فإنه يقال إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة ، وإما على سبيل السرور . ثم لما ضحكت بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحق ومن وراء إسحق يعقوب . الثامن : أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث أنفس حال ما كان معه حشمه وخدمه . التاسع : أن هذا على التقديم والتأخير والتقدير : وامرأته قائمة فبشرناها بإسحق فضحكت سروراً بسبب تلك البشارة فقدم الضحك ، ومعناه التأخير . الثاني : هو أن يكون معنى فضحكت حاضت وهو منقول عن مجاهد وعكرمة قالا : ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف ، فلما ظهر حيضها بشرت بحصول الولد ، وأنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت ، قال أبو بكر الأنباري هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم ، حكى الليث في هذه الآية { فَضَحِكَتْ } طمثت ، وحكى الأزهري عن بعضهم أن أصله من ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت .

(8/440)


واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد . وإنما الوجه الصحيح هو الأول .
ثم قال تعالى : { وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب والباقون بالرفع أما وجه النصب ، فهو أن يكون التقدير : بشرناها بإسحق ومن وراء إسحق وهبنا لها يعقوب ، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير : ومن وراء إسحق يعقوب مولود أو موجود .
المسألة الثانية : في لفظ وراء قولان : الأول : وهو قول الأكثرين أن معناه بعد أي بعد إسحق يعقوب وهذا هو الوجه الظاهر . والثاني : أن الوراء ولد الولد ، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك ، فقال نعم من الوراء ، وكان ولد ولده ، وهذا الوجه عندي شديد التعسف ، واللفظ كأنه ينبو عنه .

(8/441)


قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء أصل الويل وي ، وهو الخزي ، ويقال : وي لفلان أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك ، وقال سيبويه : ويح زجر لمن أشرف على الهلاك ، وويل لمن وقع فيه . قال الخليل : ولم أسمع على بنائه إلا ويح ، وويس ، وويك ، وويه ، وهذه الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله : { يا ويلتا } فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال صاحب «الكشاف» : الألف في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في { يا ويلتي } وكذلك في يا لهفا ويا عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة الألف والفتحة ، لأن الفتح والألف أخف من الياء والكسرة .
أما قوله : { ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِى شَيْخًا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة ، والباقون بهمزتين بلا مد .
المسألة الثانية : لقائل أن يقول إنها تعجبت من قدرة الله تعالى والتعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر ، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه : أولها : قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب { ءألد وَأَنَاْ عَجُوزٌ } وثانيها : قوله : { إِنَّ هذا لَشَىْء عَجِيبٌ } وثالثها : قول الملائكة لها { أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } وأما بيان أن التعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر ، فلأن هذا التعجب يدل على جهلها بقدرة الله تعالى ، وذلك يوجب الكفر .
والجواب : أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فإن الرجل المسلم لو أخبره مخبر صادق بأن الله تعالى يقلب هذا الجبل ذهباً إبريزاً فلا شك أنه يتعجب نظراً إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة الله تعالى على ذلك .
المسألة الثالثة : قوله : { وهذا بَعْلِى شَيْخًا } فاعلم أن شيخاً منصوب على الحال ، قال الواحدي رحمه الله : وهذا من لطائف النحو وغامضه فإن كلمة هذا للإشارة ، فكان قوله : { وهذا بَعْلِى شَيْخًا } قائم مقام أن يقال أشير إلى بعلي حال كونه شيخاً ، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة .
المسألة الرابعة : قرأ بعضهم { وهذا بَعْلِى شَيْخًا } على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا بعلي وهو شيخ ، أو بعلي بدل من المبتدأ وشيخ خبر أو يكونان معاً خبرين ، ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا : { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } والمعنى : أنهم تعجبوا من تعجبها ، ثم قالوا : { قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ } والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره : إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة ، وهي النبوة والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات ، فكيف يليق به التعجب .
وأما قوله : { أَهْلَ البيت } فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص ، ثم أكدوا ذلك بقولهم : { إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله ، والمجيد الماجد ، وهو ذو الشرف والكرم ، ومن محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه ، ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه ، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل وأنه حميد مجيد ، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب .

(8/442)


فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)

اعلم أن هذا هو القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام ، واعلم أن الروع هو الخوف وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه والمعنى : أنه لما زال الخوف وحصل السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد ، أخذ يجادلنا في قوم لوط وجواب لما هو قوله : { أَخَذَ } إلا أنه حذف في اللفظ لدلالة الكلام عليه ، وقيل تقديره : لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا .
واعلم أن قوله : { يجادلنا } أي يجادل رسلنا .
فإن قيل : هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله ، والجراءة على الله تعالى من أعظم الذنوب ، ولأن المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضياً بقضاء الله تعالى وأنه كفر وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضاً عجيبة ، لأن المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط ، فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم . وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر الله جاؤا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى وهذا منكر .
والجواب : من وجهين :
الوجه الأول : وهو الجواب الإجمالي أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال : { إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } ولو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم .
والوجه الثاني : وهو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم وتقريره من وجوه :
الوجه الأول : أن الملائكة قالوا : { إِنَاْ مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية } فقال إبراهيم : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا : لا . قال : فأربعون قالوا : لا . قال : فثلاثون قالوا لا . حتى بلغ العشرة قالوا : لا . قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا : لا . فعند ذلك قال : إن فيها لوطاً وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت فقال : { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين } [ العنكبوت : 31 ، 32 ] .
ثم قال : { وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك } فبان بهذا أن مجادلة إبراهيم عليه السلام ، إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم .
الوجه الثاني : يحتمل أن يقال إنه عليه السلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة الله بتأخير العذاب عنهم رجاء أنهم أقدموا على الإيمان والتوبة عن المعاصي ، وربما وقعت تلك المجادلات بسبب أن إبراهيم كان يقول إن أمر الله ورد بإيصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي فاصبروا مدة أخرى ، والملائكة كانوا يقولون إن مطلق الأمر يقبل الفور ، وقد حصلت هناك قرائن دالة على الفور ، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب ، وهذا الوجه عندي هو المعتمد .

(8/443)


الوجه الثالث : في الجواب لعل إبراهيم عليه السلام سأل عن لفظ ذلك الأمر وكان ذلك الأمر مشروطاً بشرط فاختلفوا في أن ذلك الشرط هل حصل في ذلك القوم أم لا فحصلت المجادلة بسببه ، وبالجملة نرى العلماء في زماننا يجادل بعضهم بعضاً عند التمسك بالنصوص ، وذلك لا يوجب القدح في واحد منها فكذا ههنا .
ثم قال تعالى : { إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } وهذا مدح عظيم من الله تعالى لإبراهيم ، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره ، بل يتأنى فيه فيؤخر ويعفو ومن هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة ، وهذا كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم وتأخير العقاب ، ثم ضم إلى ذلك ماله تعلق بالحلم وهو قوله : { أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } لأن من يستعمل الحلم في غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير فلما رأى مجيء الملائكة لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله تعالى بهذه الصفة ، ووصفه أيضاً بأنه مُنيب ، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب عنهم ، أو يقال : إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها كان أولى ، ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله إلا بالتوبة والإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيباً .

(8/444)


يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

اعلم أن قوله : { يإبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هذا } معناه : أن الملائكة قالوا له : اترك هذه المجادلة لأنه قد جاء أمر ربك بإيصال هذا العذاب إليهم وإذا لاح وجه دلالة النص على هذا الحكم فلا سبيل إلى دفعه فلذلك أمروه بترك المجادلة ، ولما ذكروا { إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } ولم يكن في هذا اللفظ دلالة على أن هذا الأمر بماذا جاء لا جرم بين الله تعالى أنهم آتيهم عذاب غير مردود ، أي عذاب لا سبيل إلى دفعه ورده .
ثم قال : { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } وهؤلاء الرسل هم الرسل الذين بشروا إبراهيم بالولد عليهم السلام . قال ابن عباس رضي الله عنهما : انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربع فراسخ ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم وكانوا في غاية الحسن ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله وذكروا فيه ستة أوجه : الأول : أنه ظن أنهم من الإنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجزوا عن مقاومتهم . الثاني : ساءه مجيئهم لأنه ما كان يجد ما ينفقه عليهم وما كان قادراً على القيام بحق ضيافتهم . والثالث : ساءه ذلك لأن قومه منعوه من إدخال الضيف داره . الرابع : ساءه مجيئهم ، لأنه عرف بالحذر أنهم ملائكة وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قومه ، والوجه الأول هو الأصح لدلالة قوله تعالى : { وَجَاء قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } [ هود : 78 ] وبقي في الآية ألفاظ ثلاثة لا بد من تفسيرها :
اللفظ الأول : قوله : { سِيء بِهِمْ } ومعناه ساء مجيئهم وساء يسوء فعل لازم مجاوز يقال سؤته فسيء مثل شغلته فشغل وسررته فسر . قال الزجاج : أصله سوىء بهم إلا أن الواو سكنت ونقلت كسرتها إلى السين .
واللفظ الثاني : قوله : { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قال الأزهري : الذرع يوضع موضع الطاقة والأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعاً على قدر سعة خطوته ، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه ، فجعل ضيق الذرع عبارة عن قدر الوسع والطاقة . فيقال : مالي به ذرع ولا ذراع أي مالي به طاقة ، والدليل على صحة ما قلناه أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعاً .
واللفظ الثالث : قوله : { هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ } أي يوم شديد ، وإنما قيل للشديد عصيب؛ لأنه يعصب الإنسان بالشر .

(8/445)


وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه لما دخلت الملائكة دار لوط عليه السلام مضت امرأته عجوز السوء فقالت لقومه دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوهاً ولا أنظف ثياباً ولا أطيب رائحة منهم { فجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } أي يسرعون ، وبين تعالى أن إسراعهم ربما كان لطلب العمل الخبيث بقوله : { وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } نقل أن القوم دخلوا دار لوط وأرادوا أن يدخلوا البيت الذي كان فيه جبريل عليه السلام ، فوضع جبريل عليه السلام يده على الباب ، فلم يطيقوا فتحه حتى كسروه ، فمسح أعينهم بيده فعموا ، فقالوا : يا لوط قد أدخلت علينا السحرة وأظهرت الفتنة . ولأهل اللغة في { يُهْرَعُونَ } قولان :
القول الأول : أن هذا من باب ما جاءت صيغة الفاعل فيه على لفظ المفعول ولا يعرف له فاعل نحو : أولع فلان في الأمر ، وأرعد زيد ، وزهى عمرو من الزهو .
والقول الثاني : أنه لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول ، وهذه الأفعال حذف فاعلوها فتأويل أولع زيد أنه أولعه طبعه وأرعد الرجل أرعده غضبه وزهى عمرو معناه جعله ماله زاهياً وأهرع معناه أهرعه خوفه أو حرصه ، واختلفوا أيضاً فقال بعضهم : الإهراع هو الإسراع مع الرعدة . وقال آخرون : هو العدو الشديد .
أما قوله تعالى : { قَالَ يَا قَوْمٌ هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } ففيه قولان : قال قتادة : المراد بناته لصلبه . وقال مجاهد وسعيد بن جبير : المراد نساء أمته؛ لأنهن في أنفسهن بنات ولهن إضافة إليه بالمتابعة وقبول الدعوة . قال أهل النحو : يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، لأنه كان نبياً لهم فكان كالأب لهم . قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] وهو أب لهم وهذا القول عندي هو المختار ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجار أمر متبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بأكابر الأنبياء؟ الثاني : وهو أنه قال : { هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } فبناته اللواتي من صلبه لا تكفي للجمع العظيم . أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل . الثالث : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان ، وهما : زنتا ، وزعوراً ، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة ، فأما القائلون بالقول الأول فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما دعا القوم إلى الزنا بالنسوان بل المراد أنه دعاهم إلى التزوج بهن ، وفيه قولان : أحدهما : أنه دعاهم إلى التزوج بهن بشرط أن يقدموا الإيمان . والثاني : أنه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شريعته ، وهكذا كان في أول الإسلام بدليل أنه عليه السلام زوج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع وكان مشركاً وزوج ابنته من عتبة بن أبي لهب ثم نسخ ذلك بقوله :

(8/446)


{ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] وبقوله : { وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ } [ البقرة : 221 ] واختلفوا أيضاً ، فقال الأكثرون : كان له بنتان ، وعلى هذا التقدير ذكر الاثنتين بلفظ الجمع ، كما في قوله : { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } [ النساء : 11 ] { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [ التحريم : 4 ] وقيل : إنهن كن أكثر من اثنتين .
أما قوله تعالى : { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : ظاهر قوله : { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهراً ومعلوم أنه فاسد ولأنه لا طهارة في نكاح الرجل ، بل هذا جار مجرى قولنا : الله أكبر ، والمراد أنه كبير ولقوله تعالى : { أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } [ الصافات : 62 ] ولاخير فيها ولما قال أبو سفيان : اعل أحداً واعل هبل قال النبي : " الله أعلى وأجل " ولامقاربة بين الله وبين الصنم .
المسألة الثانية : روي عن عبد الملك بن مروان والحسن وعيسى بن عمر أنهم قرؤا { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله تعالى : { وهذا بَعْلِى شَيْخًا } [ هود : 72 ] إلا أن أكثر النحويين اتفقوا على أنه خطأ قالوا لو قرىء { هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ } كان هذا نظير قوله : { وهذا بَعْلِى شَيْخًا } إلا أن كلمة «هن» قد وقعت في البين وذلك يمنع من جعل أطهر حالاً وطولوا فيه ، ثم قال : { فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ونافع ولا تخزوني بإثبات الياء على الأصل ، والباقون بحذفها للتخفيف ودلالة الكسر عليه .
المسألة الثانية : في لفظ { لا تخزوني } وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تفضحوني في أضيافي ، يريد أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة . والثاني : لا تخزوني في ضيفي أي لا تخجلوني فيهم ، لأن مضيف الضيف يلزمه الخجالة من كل فعل قبيح يوصل إلى الضيف يقال : خزي الرجل إذا استحيا .
المسألة الثالثة : الضيف ههنا قائم مقام الأضياف ، كما قام الطفل مقام الأطفال . في قوله تعالى : { أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ } [ النور : 31 ] ويجوز أن يكون الضيف مصدراً فيستغنى عن جمعه كما يقال : رجال صوم . ثم قال : { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } وفيه قولان : الأول : { رَّشِيدٌ } بمعنى مرشد أي يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي . والثاني : رشيد بمعنى مرشد ، والمعنى : أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح . وأسعده بالسداد والرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح ، والأول أولى .
ثم قال تعالى : { قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } وفيه وجوه : الأول : مالنا في بناتك من حاجة ولا شهوة ، والتقدير أن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة . الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا حق لنا فيهن ألبتة . ولا يميل أيضاً طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل الذي نريده وهو إشارة إلى العمل الخبيث . الثالث : { مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن حق . ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال : { لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } وفيه مسألتان :

(8/447)


المسألة الأولى : جواب «لو» محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير : لمنعتكم ولبالغت في دفعكم ونظيره قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قرآنا سُيّرَتْ بِهِ الجبال } [ الرعد : 31 ] وقوله : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار } [ الأنعام : 27 ] قال الواحدي وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع .
المسألة الثانية : { لَوْ أَنَّ بِكُمْ قُوَّةً } أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم وتسمية موجب القوة بالقوة جائز قال الله تعالى : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ الخيل } [ الأنفال : 60 ] والمراد السلاح ، وقال آخرون القدرة على دفعهم ، وقوله : { أَوْ آوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } المراد منه الموضع الحصين المنيع تشبيهاً له بالركن الشديد من الجبل .
فإن قيل : ما الوجه ههنا في عطف الفعل على الاسم؟
قلنا : قال صاحب «الكشاف» : قرىء { أَوْ آوِى } بالنصب بإضمار أن ، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آوياً .
واعلم أن قوله : { لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } لا بد من حمل كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة ، وفيه وجوه : الأول : المراد بقوله : { لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } كونه بنفسه قادراً على الدفع وكونه متمكناً إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم ، والمراد بقوله : { أَوْ آوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته . الثالث : أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع ، ثم استدرك على نفسه وقال : بلى الأولى أن آوى إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فقوله : { أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له به ، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم ، ولذلك قال النبي عليه السلام : " رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد " .

(8/448)


قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

اعلم أن قوله تعالى مخبراً عن لوط عليه السلام أنه قال : { لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } [ هود : 80 ] يدل على أنه كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حق أضيافه ، فلما رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات : أحدها : أنهم رسل الله . وثانيها : أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به . وثالثها : أنه تعالى يهلكهم . ورابعها : أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب . وخامسها : إن ركنك شديد وإن ناصرك هو الله تعالى فحصل له هذه البشارات ، وروي أن جبريل عليه السلام قال له إن قومك لن يصلوا إليك فافتح الباب فدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم ، وذلك قوله تعالى : { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } [ القمر : 37 ] ومعنى قوله : { لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } أي بسوء ومكروه فإنا نحول بينهم وبين ذلك . ثم قال : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } قرأ نافع وابن كثير { فَأَسْرِ } موصولة والباقون بقطع الألف وهما لغتان ، يقال سريت بالليل وأسريت وأنشد حسان :
أسرت إليك ولم تكن تسري ... فجاء باللغتين فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله سبحانه وتعالى : { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ } [ الإسراء : 1 ] ومن وصل فحجته قوله : { واليل إِذَا يَسْرِ } [ الفجر : 4 ] والسرى السير في الليل . يقال : سرى يسري إذا سار بالليل وأسرى بفلان إذا سير به بالليل ، والقطع من الليل بعضه وهو مثل القطعة ، يريد اخرجوا ليلاً لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح . قال نافع بن الأزرق لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما : أخبرني عن قول الله { بِقِطْعٍ مّنَ اليل } قال هو آخر الليل سحر ، وقال قتادة : بعد طائفة من الليل ، وقال آخرون هو نصف الليل فإنه في ذلك الوقت قطع بنصفين .
ثم قال : { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } نهى من معه عن الالتفات والالتفات نظر الإنسان إلى ما وراءه ، والظاهر أن المراد أنه كان لهم في البلدة أموال وأقمشة وأصدقاء ، فالملائكة أمروهم بأن يخرجوا ويتركوا تلك الأشياء ولا يلتفتوا إليها ألبتة ، وكان المراد منه قطع القلب عن تلك الأشياء وقد يراد منه الانصراف أيضاً . كقوله تعالى : { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } [ يونس : 78 ] أي لتصرفنا ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله : { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } النهي عن التخلف .
ثم قال : { إِلاَّ امرأتك } قرأ ابن كثير وأبو عمر { إِلاَّ امرأتك } بالرفع والباقون بالنصب . قال الواحدي : من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في قراءة عبدالله { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلاَّ امرأتك } فأسقط قوله : { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } من هذا الموضع ، وأما الذين رفعوا فالتقدير { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امرأتك } .

(8/449)


فإن قيل : فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمراً لزيد بالقيام .
وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال : معنى { إِلا } ههنا الاستثناء المنقطع على معنى ، لا يلتفت منكم أحد ، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم ، وإذا أن هذا الاستثناء منقطعاً كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روي عن قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها .
واعلم أن القراءة بالرفع أقوى ، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطاً بأن يخرج بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين وأما القراءة بالنصب فإنها أقوى من وجه آخر ، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلاً ومع القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعاً . ثم بين الله تعالى أنهم قالوا : إنه مصيبها ما أصابهم . والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم . ثم قالوا : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } روي أنهم لما قالوا : للوط عليه السلام : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } قال أريد أعجل من ذلك بل الساعة فقالوا : { أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ } قال المفسرون : إن لوطاً - عليه السلام - لما سمع هذا الكلام خرج بأهله في الليل .

(8/450)


فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الأمر وجهان : الأول : أن المراد من هذا الأمر ما هو ضد النهي ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ الأمر حقيقة في هذا المعنى مجاز في غيره دفعاً للاشتراك . الثاني : أن الأمر لا يمكن حمله ههنا على العذاب ، وذلك لأنه تعالى قال : { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } وهذا الجعل هو العذاب ، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط والعذاب جزاء ، والشرط غير الجزاء ، فهذا الأمر غير العذاب ، وكل من قال بذلك قال إنه هو الأمر الذي هو ضد النهي . والثالث : أنه تعالى قال : قبل هذه الآية { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } [ هود : 70 ] فدل هذا على أنهم كانوا مأمورين من عند الله تعالى بالذهاب إلى قوم لوط وبإيصال هذا العذاب إليهم .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر جمعاً من الملائكة بأن يخربوا تلك المدائن في وقت معين ، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العمل ، فكان قوله : { فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } إشارة إلى ذلك التكليف .
فإن قيل : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن يقال : فلما جاء أمرنا جعلوا عاليها سافلها ، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور .
قلنا : هذا لا يلزم على مذهبنا ، لأن فعل العبد فعل الله تعالى عندنا . وأيضاً أن الذي وقع منهم إنما وقع بأمر الله تعالى وبقدرته ، فلم يبعد إضافته إلى الله عز وجل ، لأن الفعل كما تحسن إضافته إلى المباشر ، فقد تحسن أيضاً إضافته إلى السبب .
القول الثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا قوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] وقد تقدم تفسير ذلك الأمر .
القول الثالث : أن يكون المراد من الأمر العذاب وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الإضمار ، والمعنى : ولما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها .
المسألة الثانية : اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه الله تعالى في هذه الآية بنوعين من الوصف فالأول : قوله : { جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } روي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك ، ولم تنكفىء لهم جرة ولم ينكب لهم إناء ، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض .
واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين : أحدهما : أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادات . والثاني : أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها ألبتة ، ولم تصل الآفة إلى لوط عليه السلام وأهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضاً . الثاني : قوله : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } واختلفوا في السجيل على وجوه : الأول : أنه فارسي معرب وأصله سنككل وأنه شيء مركب من الحجر والطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة ، قال الأزهري : لماعربته العرب صار عربياً وقد عربت حروفاً كثيرة كالديباج والديوان والاستبرق . والثاني : سجيل ، أي مثل السجل وهو الدلو العظيم . والثالث : سجيل ، أي شديد من الحجارة . الرابع : مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته وهو فعيل منه . الخامس : من أسجلته ، أي أعطيته تقديره مثل العطية في الإدرار ، وقيل : كان كتب عليها أسامي المعذبين . السادس : وهو من السجل وهو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي كتب الله أن يعذبهم بها ، والسجيل أخذ من السجل وهو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاماً كثيرة ، وقيل : مأخوذ من المساجلة وهي المفاخرة . والسابع : من سجيل أي من جهنم أبدلت النون لاماً ، والثامن : من السماء الدنيا ، وتسمى سجيلاً عن أبي زيد ، والتاسع : السجيل الطين ، لقوله تعالى :

(8/451)


{ حِجَارَةً مّن طِينٍ } [ الذاريات : 33 ] وهو قول عكرمة وقتادة . قال الحسن كان أصل الحجر هو من الطين ، إلا أنه صلب بمرور الزمان ، والعاشر : سجيل موضع الحجارة ، وهي جبال مخصوصة ، ومنه قوله تعالى : { مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } [ النور : 43 ] .
واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات :
فالصفة الأولى : كونها من سجيل ، وقد سبق ذكره .
الصفة الثانية : قوله تعالى : { مَّنْضُودٍ } قال الواحدي : هو مفعول من النضد ، وهو موضع الشيء بعضه على بعض ، وفيه وجوه : الأول : أن تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول فأتى به على سبيل المبالغة . والثاني : أن كل حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض ، وملتصق بعضها ببعض . والثالث : أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها ونضد بعضها فوق بعض ، وأعدها لإهلاك الظلمة .
واعلم أن قوله : { مَّنْضُودٍ } صفة للسجيل .
الصفة الثالثة : مسومة ، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة ، وقد مضى الكلام فيه في تفسير قوله : { والخيل المسومة } [ آل عمران : 14 ] واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه : الأول : قال الحسن والسدي : كان عليها أمثال الخواتيم . الثاني : قال ابن صالح : رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع . الثالث : قال ابن جريج : كان عليها سيما لا تشارك حجارة الأرض ، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب . الرابع : قال الربيع : مكتوب على كل حجر اسم من رمى به .
ثم قال تعالى : { عِندَ رَبّكَ } أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو .
ثم قال : { وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ } يعني به كفار مكة ، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها . عن أنس أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن هذا فقال : يعني عن ظالمي أمتك ، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة . وقيل : الضمير في قوله : { وَمَا هِىَ } للقرى . أي وما تلك القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيد ، وذلك لأن القرى كانت في الشأم ، وهي قريب من مكة .

(8/452)


وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)

اعلم أن هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة . واعلم أن مدين اسم ابن لإبراهيم عليه السلام ، ثم صار اسماً للقبيلة ، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن مدين اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام والمعنى على هذا التقدير : وأرسلنا إلى أهل مدين فحذف الأهل .
واعلم أنا بينا أن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد ، فلهذا قال شعيب عليه السلام : { مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } ثم إنهم بعد الدعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم ثم الأهم ، ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في المكيال والميزان ، دعاهم إلى ترك هذه العادة فقال : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } والنقص فيه على وجهين : أحدهما : أن يكون الإيفاء من قبلهم فينقصون من قدره . والآخر : أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من الواجب وذلك يوجب نقصان حق الغير ، وفي القسمين حصل النقصان في حق الغير . ثم قال : { إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } وفيه وجهان : الأول : أنه حذرهم من غلاء السعر وزوال النعمة إن لم يتوبوا فكأنه قال : اتركوا هذا التطفيف وإلا أزال الله عنكم ما حصل عندكم من الخير والراحة . والثاني : أن يكون التقدير أنه تعالى أتاكم بالخير الكثير والمال والرخص والسعة فلا حاجة بكم إلى هذا التطفيف . ثم قال : { وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } وفيه أبحاث :
البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أخاف أي أعلم حصول عذاب يوم محيط وقال آخرون : بل المراد هو الخوف ، لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل خشية أن يحصل لهم العذاب ولما كان هذا التخويف قائماً فالحاصل هو الظن لا العلم .
البحث الثاني : أنه تعالى توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منه أحد ، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر ، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز مشهور كقوله : { هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ } [ هود : 77 ] .
البحث الثالث : اختلفوا في المراد بهذا العذاب فقال بعضهم : هو عذاب يوم القيامة ، لأنه اليوم الذي نصب لإحاطة العذاب بالمعذبين ، وقال بعضهم : بل يدخل فيه عذاب الدنيا والآخرة وقال بعضهم : بل المراد منه عذاب الاستئصال في الدنيا كما في حق سائر الأنبياء والأقرب دخول كل عذاب فيه وإحاطة العذاب بهم كإحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم من كل وجه وذلك مبالغة في الوعد كقوله : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } [ الكهف : 42 ] ثم قال : { وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط } .
فإن قيل : وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولاً { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } ثم قال : { أَوْفُواْ المكيال والميزان } وهذا عين الأول . ثم قال : { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } وهذا عين ما تقدم فما الفائدة في هذا التكرير؟

(8/453)


قلنا : إن فيه وجوهاً :
الوجه الأول : أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه إلى المبالغة والتأكيد ، والتكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام .
والوجه الثاني : أن قوله : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } نهي عن التنقيص وقوله : { أَوْفُواْ المكيال والميزان } أمر بإيفاء العدل ، والنهي عن ضد الشيء مغاير للأمر به ، وليس لقائل أن يقول : النهي عن ضد الشيء أمر به ، فكان التكرير لازماً من هذا الوجه ، لأنا نقول : الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى جمع بين الأمر والشيء ، وبين النهي عن ضده للمبالغة ، كما تقول : صل قرابتك ولا تقطعهم ، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد . الثاني : أن نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضاً عن أصل المعاملة ، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحق ، ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات ولم ينه عن المبايعات ، وإنما منع من التطفيف ، وذلك لأن طائفة من الناس يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف ومنع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية ، فلأجل إبطال هذا الخيال ، منع تعالى في الآية الأولى من التطفيف وفي الآية الأخرى أمر بالإيفاء ، وأما قوله ثالثاً : { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } فليس بتكرير لأنه تعالى خص المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان . ثم إنه تعالى عم الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة ، بل في كل واحد منها فائدة زائدة .
والوجه الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } وفي الثانية قال : { أَوْفُواْ المكيال والميزان } والإيفاء عبارة عن الإتيان به على سبيل الكمال والتمام ، لا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدراً زائداً على الحق ، ولهذا المعنى قال الفقهاء : إنه تعالى أمر بغسل الوجه وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس . فالحاصل : أنه تعالى في الآية الأولى نهى عن النقصان ، وفي الآية الثانية أمر بإعطاء قدر من الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب إلا عند أداء ذلك القدر من الزيادة فكأنه تعالى نهى أولاً عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصاً لتحصل له تلك الزيادة ، وفي الثاني أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه ليخرج باليقين عن العهدة وقوله : { بالقسط } يعني بالعدل ومعناه الأمر بإيفاء الحق بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة فالأمر بإيتاء الزيادة على ذلك غير حاصل . ثم قال : { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } والبخس هو النقص في كل الأشياء ، وقد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على المنع من النقص في المكيال والميزان ، وهذه الآية دلت على المنع من النقص في كل الاْشياء . ثم قال : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } .

(8/454)


فإن قيل : العثو الفساد التام فقوله : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } جار مجرى أن يقال : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين .
قلنا : فيه وجوه : الأول : أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } معناه ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم . والثاني : أن يكون المراد من قوله : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } مصالح دنياكم وآخرتكم . والثالث : ولا تعثوا في الأرض مفسدين مصالح الأديان . ثم قال : { بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ } قرىء تقية الله وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي . ثم نقول المعنى : ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف يعني المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس والتطفيف وقال الحسن : بقية الله أي طاعة الله خير لكم من ذلك القدر القليل ، لأن ثواب الطاعة يبقى أبداً ، وقال قتادة : حظكم من ربكم خير لكم ، وأقول المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا ، وإما ثواب الله ، وأما كونه تعالى راضياً عنه والكل خير من قدر التطفيف ، أما المال الباقي فلأن الناس إذا عرفوا إنساناً بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة اعتمدوا عليه ورجعوا في كل المعاملات إليه فيفتح عليه باب الرزق ، وإذا عرفوه بالخيانة والمكر انصرفوا عنه ولم يخالطوه ألبتة فتضيق أبواب الرزق عليه ، وأما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر ، لأن كل الدنيا تفنى وتنقرض وثواب الله باق ، وأما إن حملناه على حصول رضا الله تعالى فالأمر فيه ظاهر ، فثبت بهذا البرهان أن بقية الله خير . ثم قال : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وإنما شرط الإيمان في كونه خيراً لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب وفي الحذر من العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل .
واعلم أن المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذه الآية تدل بظاهرها على أن من لم يحترز عن هذا التطفيف فإنه لا يكون مؤمناً .
ثم قال تعالى : { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وفيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى : إني نصحتكم وأرشدتكم إلى الخير { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أي لا قدرة لي على منعكم عن هذا العمل القبيح . الثاني : أنه قد أشار فيما تقدم إلى أن الاشتغال بالبخس والتطفيف يوجب زوال نعمة الله تعالى فقال : { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } يعني لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت نعم الله عنكم وأنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة .

(8/455)


قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { أصلاتك } بغير واو . والباقون { أصلواتك } على الجمع .
المسألة الثانية : اعلم أن شعيباً عليه السلام أمرهم بشيئين ، بالتوحيد وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة ، فقوله : { أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد وقوله : { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس . أما الأول : فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد ، لأنهم استبعدوا منه أن يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني الطريقة التي أخذناها من آبائنا وأسلافنا كيف نتركها ، وذلك تمسك بمحض التقليد .
المسألة الثالثة : في لفظ الصلاة وههنا قولان : الأول : المراد منه الدين والإيمان ، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين ، أو نقول : الصلاة أصلها من الإتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق وهما ناحيتا الفخذين والمراد : دينك يأمرك بذلك . والثاني : أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة ، روي أن شعيباً كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم : أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ ، وكما أنك إذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم يذكر كلاماً فاسداً فيقال له : هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ والسخرية فكذا ههنا .
فإن قيل : تقدير الآية : أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء وهم إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار ، وهم ما كانوا ينكرون كونهم فاعلين في أموالهم ما يشاؤن ، فكيف وجه التأويل .
قلنا : فيه وجهان : الأول : التقدير : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نترك فعل ما نشاء ، وعلى هذا فقوله : { أَوْ أَن نَّفْعَلَ } معطوف على ما في قوله : { مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } والثاني : أن تجعل الصلاة آمرة وناهية والتقدير : أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان وتنهاك أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، وقرأ ابن أبي عبلة { أَوْ أَن تَفْعَلْ فِى أَمْوَالِنَا مَا تَشَاء } بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس والاقتناع بالحلال القليل وأنه خير من الحرام الكثير .
ثم قال تعالى حكاية عنهم : { إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد } وفيه وجوه :
الوجه الأول : أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية به ، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد لك .
والوجه الثاني : أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم والرشد .
والوجه الثالث : أنه عليه السلام كان مشهوراً عندهم بأنه حليم رشيد ، فلما أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له : إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف الطريقة في هذا الباب ، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا ، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفاً بالحلم والرشد ، وهذا الوجه أصوب الوجوه .

(8/456)