صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

المرتبة الثانية : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : { وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ } .
والمرتبة الثالثة : قوله : { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه :
الوجه الأول : أن معنى قوله : { وَأَنِ استغفروا } اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم ، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة ، فقال : { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المذنب معرض عن طريق الحق ، والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه إلى المقصود بالذات ، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالإعراض عما يضاده ، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات ، وأن التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب ، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة .
الوجه الثاني : في فائدة هذا الترتيب أن المراد : استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف .
الوجه الثالث : وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ، ثم توبوا من الأعمال الباطلة .
الوجه الرابع : الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي ، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء يجب أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله ، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمة على الاستعانة بسعي النفس .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يترتب عليها من الآثار النافعة والنتائج المطلوبة ، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في نوعين ، لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة ، أما المنافع الدنيوية : فهي المراد من قوله : { يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } وهذا يدل على أن المقبل على عبادة الله والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال مرفه البال ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » وقال أيضاً : « خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء تم الأمثل فالأمثل » وقال تعالى : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } [ الزخرف : 33 ] فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية . ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟

(8/365)


الجواب : من وجوه . الأول : المراد أنه تعالى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا . الثاني : أنه تعالى يوصل إليهم الرزق كيف كان ، وإليه الإشارة بقوله : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } [ طه : 132 ] الثالث : وهو الأقوى عندي أن يقال إن المشتغل بعبادة الله وبمحبة الله مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه ، فكل من كان إمعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه عن الخلق أتم وأكمل ، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر ، كان الابتهاج والسرور أتم ، لأنه أمن من تغير مطلوبه ، وأمن من زوال محبوبه ، فأما من كان مشتغلاً بحب غير الله ، كان أبداً في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله ، فكان عيشه منغصاً وقلبه مضطرباً ، ولذلك قال الله تعالى في صفة المشتغلين بخدمته { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } [ النحل : 97 ] .
السؤال الثاني : هل يدل قوله : { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } على أن للعبد أجلين ، وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير؟
والجواب : لا . ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني ، ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر ، لكنه تعالى عالم بأنه لو اشتغل بالعبادة أم لا فإن أجله ليس إلا في ذلك الوقت المعين ، فثبت أن لكل إنسان أجلاً واحداً فقط .
السؤال الثالث : لم سمى منافع الدنيا بالمتاع؟
الجواب : لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها ، ونبه على كونها منقضية بقوله تعالى : { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية ، ثم لما بين تعالى ذلك قال : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } والمراد منه السعادات الأخروية ، وفيها لطائف وفوائد .
الفائدة الأولى : أن قوله : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } معناه ويؤت كل ذي فضل موجب فضله ومعلوله والأمر كذلك وذلك لأن الإنسان إذا كان في نهاية البعد عن الاشتغال بغير الله وكان في غاية الرغبة في تحصيل أسباب معرفة الله تعالى فحينئذ يصير قلبه فصاً لنقش الملكوت ومرآة يتجلى بها قدس اللاهوت ، إلا أن العلائق الجسدانية الظلمانية تكدر تلك الأنوار الروحانية ، فإذا زالت هذه العلائق أشرقت تلك الأنوار وتلألأت تلك الأضواء وتوالت موجبات السعادات ، فهذا هو المراد من قوله : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } .
الفائدة الثانية : أن هذا تنبيه على أن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة وذلك لأنها مقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا ، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية ، فكذلك مراتب السعادات الأخروية غير متناهية ، فلهذا السبب قال : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } .
الفائدة الثالثة : أنه تعالى قال في منافع الدنيا : { يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } وقال في سعادات الآخرة { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } وذلك يدل على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطاءه وجوده . وكان الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، فأكثر الناس عقولهم ضعيفة واشتغال عقولهم بهذه الوسائط الفانية يعميها عن مشاهدة أن الكل منه ، فأما الذين توغلوا في المعارف الإلهية وخاضوا في بحار أنوار الحقيقة علموا أن ما سواه ممكن لذاته موجود بإيجاده ، فانقطع نظرهم عما سواه وعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الضار والنافع والمعطي والمانع .

(8/366)


ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحوال قال : { وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } والأمر كذلك ، لأن من اشتغل بعبادة غير الله صار في الدنيا أعمى ، { مَن كَانَ فِى هذه أعمى فَهُوَ فِى الأخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } [ الإسراء : 72 ] والذي يبين ذلك أن من أقبل على طلب الدنيا ولذاتها وطيباتها قوي حبه لها ومال طبعه إليها وعظمت رغبته فيها ، فإذا مات بقي معه ذلك الحب الشديد والميل التام وصار عاجزاً عن الوصول إلى محبوبه ، فحينئذ يعظم البلاء ويتكامل الشقاء ، فهذا القدر المعلوم عندنا من عذاب ذلك اليوم ، وأما تفاصيل تلك الأحوال فهي غائبة عنا ما دمنا في هذه الحياة الدنيوية . ثم بين أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله : { إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ على شَىْء قَدِيرٌ } .
واعلم أن قوله : { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } فيه دقيقة ، وهي : أن هذا اللفظ يفيد الحصر ، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره ، فيدل هذا على أن لا مدبر ولا متصرف هناك إلا هو والأمر كذلك أيضاً في هذه الحياة الدنيوية ، إلا أن أقواماً اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب ، فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء ، وأما في دار الآخرة ، فهذا الحال الفاسد زائل أيضاً ، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله : { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } .
ثم قال : { وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه وبشارة عظيمة من سائر الوجوه . أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى : { إلى الله مَرْجِعُكُمْ } يدل على أنه ليس مرجعنا إلا إليه ، وقوله : { وَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب العظيمة مشكل وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد ، والملك القاهر العالي الغالب إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك ، ومنه المثل المشهور : ملكت فاسجح .
يقول مصنف هذا الكتاب : قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور والكريم إذا قدر غفر ، وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل والتجاوز والجود والكرم .

(8/367)


أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)

اعلم أنه تعالى لما قال : { وَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني عن عبادته وطاعته { فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } [ هود : 3 ] بين بعده أن التولي عن ذلك باطناً كالتولي عنه ظاهراً فقال : { أَلاَ إِنَّهُمْ } يعني الكفار من قوم محمد صلى الله عليه وسلم يثنون صدورهم ليستخفوا منه .
واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين : الأول : أنهم يثنون صدورهم يقال : ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته ، وفي الآية وجهان :
الوجه الأول : روي أن طائفة من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا وأرسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فكيف يعلم بنا؟ وعلى هذا التقدير : كان قوله : { يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } كناية عن النفاق ، فكأنه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى ، ثم نبه بقوله : { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ثيابهم .
الوجه الثاني : روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه ، والتقدير كأنه قيل : إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم ، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن ، وليقولوا في أنفسهم ما يشتهون من الطعن . وقوله : { ألا } للتنبيه ، فنبه أولاً على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة { ألا } للتنبيه على ذكر الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم ، وهو حين يستغشون ثيابهم ، كأنه قيل : ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله ، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ثيابهم . ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله : { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } .

(8/368)


وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } أردفه بما يدل على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، فثبت أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى ، فلو لم يكن عالماً بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الزجاج : الدابة اسم لكل حيوان ، لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبيب ، وبنيت هذه اللفظة على هاء التأنيث ، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكراً كان أو أنثى ، إلا أنه بحسب عرف العرب اختص بالفرس ، والمراد بهذا اللفظ في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي فيدخل فيه جميع الحيوانات ، وهذا متفق عليه بين المفسرين ، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة ، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال ، والله يحصيها دون غيره ، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها وسمومها ومساكنها ، وما يوافقها وما يخالفها ، فالإله المدبر لإطباق السموات والأرضين؛ وطبائع الحيوان والنبات ، كيف لا يكون عالماً بأحوالها؟ روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال أهله ، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية؛ ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة ، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع الحجاب عن سمع موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول : سبحان من يراني ، ويسمع كلامي ، ويعرف مكاني ، ويذكرني ولا ينساني .
المسألة الثانية : تعلق بعضهم بأنه يجب على الله تعالى بعض الأشياء بهذه الآية وقال : إن كلمة ( على ) للوجوب ، وهذا يدل على أن إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله .
وجوابه : أنه واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان .
المسألة الثالثة : تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون حراماً ، قالوا لأنه ثبت أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد وبحسب الاستحقاق ، والله تعالى لا يحل بالواجب ، ثم قد نرى إنساناً لا يأكل من الحلال طول عمره ، فلو لم يكن الحرام رزقاً لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه ، فيكون تعالى قد أخل بالواجب وذلك محال ، فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقاً ، وأما قوله : { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } فالمستقر هو مكانه من الأرض والمستودع حيث كان مودعاً قبل الاستقرار في صلب أو رحم أو بيضة ، وقال الفراء : مستقرها حيث تأوي إليه ليلاً أو نهاراً ، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه ، وقد مضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام ، ثم قال : { كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } قال الزجاج : المعنى أن ذلك ثابت في علم الله تعالى ، ومنهم من قال : في اللوح المحفوظ ، وقد ذكرنا ذلك في قوله : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } [ الأنعام : 59 ] .

(8/369)


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالماً بالمعلومات ، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادراً على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته .
واعلم أن قوله تعالى : { وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء . بقي ههنا أن نذكر { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء ، قال أبو بكر الأصم : معنى قوله : { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } كقولهم : السماء على الأرض . وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض ، وقالت المعتزلة : في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما ، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرض والماء ، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث ، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة ، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال لكونه متعالياً عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حياً ، لأن غير الحي لا ينتفع . وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة ، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله : { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } أي بناؤه السموات كان على الماء ، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس ، وبين أنه تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب ، فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت ، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء؟ وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض؟
والجواب : فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : الأول : أن العرش كونه مع أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك ، والثاني : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية ، وذلك يدل على ما ذكرناه . والثالث : أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، وذلك يدل أيضاً على ما ذكرنا .
السؤال الثاني : هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض؟ فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء .

(8/370)


والجواب : أن هذه الرواية ضعيفة ، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم كان الله وما كان معه شيء ، ثم كان عرشه على الماء .
السؤال الثالث : اللام في قوله : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } يقتضي أنه تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه؟ والجواب ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين ، وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء ، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه الذي قال به الآخرون ، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب . والذين قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا : لام التعليل وردت على ظاهر الأمر ، ومعناه أنه تعالى فعل فعلاً لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض .
السؤال الرابع : الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه تعالى محال ، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه؟
والجواب : أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى في أول سورة البقرة : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 21 ] .
واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر ، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة ، فعند هذا خاطب محمداً عليه الصلاة والسلام وقال : { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول بالبعث .
فإن قيل : الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلاً مخصوصاً ، وكيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : قال القفال : معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازاً لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم . الثاني : أن معنى قوله : { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } هو أن السحر أمر باطل ، قال تعالى حاكياً عن موسى عليه السلام { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } [ يونس : 81 ] فقوله : { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي باطل مبين . الثالث : أن القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في القرآن بكونه سحراً لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع . الرابع : قرأ حمزة والكسائي { إِنْ هذا إِلاَّ ساحر } يريدون النبي صلى الله عليه وسلم والساحر كاذب .

(8/371)


وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8)

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم : { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } فحكى عنهم في هذه الآية نوعاً آخر من أباطيلهم وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به أخذوا في الاستهزاء ويقولون : ما السبب الذي حبسه عنا؟
فأجاب الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب الذي كانوا يستهزؤن به لم ينصرف ذلك العذاب عنهم وأحاط بهم ذلك العذاب . بقي ههنا سؤالات :
السؤال الأول : المراد من هذا العذاب هو عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة؟
الجواب : للمفسرين فيه وجوه : الأول : قال الحسن : معنى حكم الله في هذه الآية أنه لا يعذب أحداً منهم بعذاب الاستئصال وأخر ذلك إلى يوم القيامة ، فلما أخر الله عنهم ذلك العذاب قالوا على سبيل الاستهزاء ما الذي حبسه عنا؟ والثاني : أن المراد الأمر بالجهاد وما نزل بهم يوم بدر ، وعلى هذا الوجه تأولوا قوله : { وَحَاقَ بِهِم } أي نزل بهم هذا العذاب يوم بدر .
السؤال الثاني : ما المراد بقوله : { إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } .
الجواب من وجهين : الأول : أن الأصل في الأمة هم الناس والفرقة فإذا قلت : جاءني أمة من الناس ، فالمراد طائفة مجتمعة قال تعالى : { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ الناس يَسْقُونَ } [ القصص : 23 ] وقوله : { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } [ يوسف : 45 ] أي بعد انقضاء أمة وفنائها فكذا ههنا قوله : { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } أي إلى حين تنقضي أمة من الناس انقرضت بعد هذا الوعيد بالقول ، لقالوا ماذا يحبسه عنا وقد انقرض من الناس الذين كانوا متوعدين بهذا الوعيد؟ وتسمية الشيء باسم ما يحصل فيه كقولك : كنت عند فلان صلاة العصر ، أي في ذلك الحين . الثاني : أن اشتقاق الأمة من الأَم ، وهو القصد ، كأنه يعني الوقت المقصود بإيقاع هذا الموعود فيه .
السؤال الثالث : لم قال : { وَحَاقَ } على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع؟
والجواب : قد مر في هذا الكتاب آيات كثيرة من هذا الجنس ، والضابط فيها أنه تعالى أخبر عن أحوال القيامة بلفظ الماضي مبالغة في التأكيد والتقرير .

(8/372)


وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)

اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد وأن يحيق بهم ، ذكر بعده ما يدل على كفرهم ، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب . فقال : { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظ { الإنسان } في هذه الآية فيه قولان :
القول الأول : أن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى استثنى منه قوله : { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل فيه المؤمن والكافر ، وذلك يدل على ما قلناه . الثاني : أن هذه الآية موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى : { والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العصر : 1 3 ] وموافقة أيضاً لقوله تعالى : { إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً } [ المعارج : 19 21 ] الثالث : أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف والعجز . قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من الله فأنت كفور ، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط .
والقول الثاني : أن المراد منه الكافر ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا المانع ، وههنا لا مانع فوجب حمله عليه والمعهود السابق هو الكافر المذكور في الآية المتقدمة . الثاني : أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤساً ، وذلك من صفات الكافر لقوله تعالى : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القووم الكافرون } [ يوسف : 87 ] ووصفه أيضاً بكونه كفوراً ، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضاً بأنه عند وجدان الراحة يقول : { ذهب السيئات عني } [ هود : 10 ] وذلك جراءة على الله تعالى ، ووصفه أيضاً بكونه فرحاً { والله لاَ يُحِبُّ الفرحين } [ القصص : 76 ] ووصفه أيضاً بكونه فخوراً ، وذلك ليس من صفات أهل الدين . ثم قال الناظرون لهذا القول : وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع حتى لا تلزمنا هذه المحذورات .
المسألة الثانية : لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم ، فكان المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد والطغيان ، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط والكفران فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل ، والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة من قليل ، ومع ذلك فإن الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها . وأما النعماء فقال الواحدي : إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء .

(8/373)


المسألة الثالثة : اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية ، بل هي أبداً في التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك ، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات .
أما القسم الأول : فهو المراد من قوله : { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا الإنسان بأنه يؤس كفور . وتقريره أن يقال : أنه حال زوال تلك النعمة يصير يؤساً ، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي ، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس . وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس ، بل يقول لعله تعالى يردها إلى بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت ، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه يكون كفوراً لأنه لما اعتقد أن حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة . فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوساً وعند حصولها يكون كفوراً .
وأما القسم الثاني : وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحنة إلى النعمة ، فههنا الكافر يكون فرحاً فخوراً . أما قوة الفرح فلأن منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر للسعادات الأخروية الروحانية ، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها ، وأما كونه فخوراً فلأنه لما كان الفوز بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به ، فحاصل الكلام أنه تعالى بين أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين . ثم لما قرر ذلك قال : { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } والمراد منه ضد ما تقدم فقوله : { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } المراد منه أن يكون عند البلاء من الصابرين ، وقوله : { وَعَمِلُواْ الصالحات } المراد منه أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين . ثم بين حالهم فقال : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } فجمع لهم بين هذين المطلوبين . أحدهما : زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله : { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } والثاني : الفوز بالثواب وهو المراد من قوله : { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضاً معجز بحسب معانيه .

(8/374)


فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)

اعلم أن هذا نوع آخر من كلمات الكفار ، والله تعالى بين أن قلب الرسول ضاق بسببه ، ثم إنه تعالى قواه وأيده بالإكرام والتأييد ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا : يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهباً إن كنت رسولاً ، وقال آخرون : ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك . فقال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية . واختلفوا في المراد بقوله : { تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : «ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك ، وقال الحسن اطلبوا منه لا يقول : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } [ طه : 15 ] وقال بعضهم : المراد نسبتهم إلى الجهل والتقليد والإصرار على الباطل .
المسألة الثانية : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه ، لأن تجويزه يؤدي إلى الشك في كل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة وأيضاً فالمقصود من الرسالة تبليغ تكاليف الله تعالى وأحكامه فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } شيئاً آخر سوى أنه عليه السلام فعل ذلك وللناس فيه وجوه : الأول : لا يمتنع أن يكون في معلوم الله تعالى أنه إنما ترك التقصير في أداء الوحي والتنزيل لسبب يرد عليه من الله تعالى أمثال هذه التهديدات البليغة الثاني : أنهم كانوا لا يعتقدون بالقرآن ويتهاونون به ، فكان يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فهيجه الله تعالى لأداء الرسالة وطرح المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم ، والغرض منه التنبيه على أنه إن أدى ذلك الوحي وقع في سخريتهم وسفاهتهم وإن لم يؤد ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي الله تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه ، فإذا لا بد من تحمل أحد الضررين وتحمل سفاهتهم أسهل من تحمل إيقاع الخيانة في وحي الله تعالى ، والغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة ، لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك يشتمل على ضرر عظيم ، ثم علم أن الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف ، فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه .
فإن قيل : قوله : { فَلَعَلَّكَ } كلمة شك فما الفائدة فيها؟
قلنا : المراد منه الزجر ، والعرب تقول للرجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنه لا شك فيه ، ويقول لولده لو أمره لعلك تقصر فيما أمرتك به ويريد توكيد الأمر فمعناه لا تترك .

(8/375)


وأما قوله : { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } فالضائق بمعنى الضيق ، قال الواحدي : الفرق بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض غير لازم ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدراً ، ومثله قولك : زيد سيد جواد تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين ، فإذا أردت الحدوث قلت : سائد وجائد ، والمعنى : ضائق صدرك لأجل أن يقولوا : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ } .
فإن قيل : الكنز كيف ينزل؟
قلنا : المراد ما يكنز وجرت العادة على أنه يسمي المال الكثير بهذا الاسم ، فكأن القوم قالوا : إن كنت صادقاً في أنك رسول الإله الذي تصفه بالقدرة على كل شيء وإنك عزيز عنده فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من الكد والعناء وتستعين به على مهماتك وتعين أنصارك وإن كنت صادقاً فهلا أنزل الله معك ملكاً يشهد لك على صدق قولك ويعينك على تحصيل مقصودك فتزول الشبهة في أمرك ، فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير صادق ، فبين تعالى أنه رسول منذر بالعقاب ومبشر بالثواب ولا قدرة له على إيجاد هذه الأشياء . والذي أرسله هو القادر على ذلك فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه في فعله وفي حكمه . ومعنى { وَكِيلٌ } حفيظ أي يحفظ عليهم أعمالهم ، أي يجازيهم بها ونظير هذه الآية ، قوله تعالى : { تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } [ الفرقان : 10 ] وقوله : { قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } [ الإسراء : 90 ] إلى قوله : { قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 93 ] .

(8/376)


أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)

اعلم أن القول لما طلبوا منه المعجز قال معجزي هذا القرآن ولما حصل المعجز الواحد كان طلب الزيادة بغياً وجهلاً ، ثم قرر كونه معجزاً بأن تحداهم بالمعارضة ، وتقرير هذا الكلام بالاستقصاء قد تقدم في البقرة وفي سورة يونس وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : الضمير في قوله : { افتراه } عائد إلى ما سبق من قوله : { يوحى إِلَيْكَ } أي إن قالوا إن هذا الذي يوحى إليك مفترى فقل لهم حتى يأتوا بعشر سور مثله مفتريات وقوله مثله بمعنى أمثاله حملا على كل واحد من تلك السور ولا يبعد أيضاً أن يكون المراد هو المجموع ، لأن مجموع السور العشرة شيء واحد .
المسألة الثانية : قال ابن عباس : هذه السورة التي وقع بها هذا التحدي معينة ، وهي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود عليهما السلام ، وقوله : { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } إشارة إلى السور المتقدمة على هذه السورة ، وهذا فيه إشكال ، لأن هذه السورة مكية ، وبعض السور المتقدمة على هذه السورة مدنية ، فكيف يمكن أن يكون المراد من هذه العشر سور التي ما نزلت عند هذا الكلام ، فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور التي يظهر فيها قوة تركيب الكلام وتأليفه .
واعلم أن التحدي بعشر سور لا بد وأن يكون سابقاً على التحدي بسورة واحدة ، وهو مثل أن يقول الرجل لغيره أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب ، فإذا ظهر عجزه عنه قال : قد اقتصرت منها على سطر واحد مثله .
إذا عرفت هذا فنقول : التحدي بالسورة الواحدة ورد في سورة البقرة ، وفي سورة يونس كما تقدم ، أما تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر ، لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية ، وأما في سورة يونس فالإشكال زائل أيضاً ، لأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية ، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون سورة هود متقدمة في النزول على سورة يونس حتى يستقيم الكلام الذي ذكرناه .
المسألة الثالثة : اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزاً ، فقال بعضهم : هو الفصاحة ، وقال بعضهم : هو الأسلوب ، وقال ثالث : هو عدم التناقض ، وقال رابع : هو اشتماله على العلوم الكثيرة ، وقال خامس : هو الصرف ، وقال سادس : هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب ، والمختار عندي وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الأخبار عن الغيوب أو عدم التناقض لم يكن لقوله : { مُفْتَرَيَاتٍ } معنى أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام ، سواء كان الكلام صدقاً أو كذباً ، وأيضاً لو كان الوجه في كونه معجزاً هو الصرف لكان دلالة الكلام الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة الكلام العالي في الفصاحة ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي قال : { وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين } والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قال : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } .

(8/377)


واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لا بد في إثبات الدين من تقرير الدلائل والبراهين ، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه السلام هذا الدليل وهذه الحجة ، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره فائدة .

(8/378)


فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)

اعلم أن الآية المتقدمة اشتملت على خطابين : أحدهما : خطاب الرسول ، وهو قوله : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } والثاني : خطاب الكفار وهو قوله : { وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله } [ هود : 13 ] فلما أتبعه بقوله : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا في المعارضة لتعذرها عليهم ، واحتمل أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا ، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين : فبعضهم قال : هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان بالمعارضة ، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله . والمعنى : فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً وثبات قدم على أنه منزل من عند الله ، ومعنى قوله : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي فهل أنتم مخلصون ، ومنهم من قال فيه إضمار ، والتقدير : فقولوا أيها المسلمون للكفار اعلموا أنما أنزل بعلم الله .
والقول الثاني : أن هذا خطاب مع الكفار ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة ، فاعلموا أيها الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة عليكم ، والقائلون بهذا القول قالوا هذا أولى من القول الأول ، لأنكم في القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله : { فاعلموا } على الأمر بالثبات أو على إضمار القول ، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى إضمار ، فكان هذا أولى ، وأيضاً فعود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وأقرب المذكورين في هذه الآية هو هذا الاحتمال الثاني ، وأيضاً أن الخطاب الأول كان مع الرسول عليه الصلاة والسلام وحده بقوله : { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ } [ هود : 13 ] والخطاب الثاني كان مع جماعة الكفار بقوله : { وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله } [ هود : 13 ] وقوله : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } خطاب مع الجماعة فكان حمله على هذا الذي قلناه أولى . بقي في الآية سؤالات :
السؤال الأول : ما الشيء الذي لم يستجيبوا فيه؟
الجواب : المعنى فإن لم يستجيبوا لكم في معارضة القرآن ، وقال بعضهم فإن لم يستجيبوا لكم في جملة الإيمان وهو بعيد .
السؤال الثاني : من المشار إليه بقوله : { لَكُمْ } ؟
والجواب : إن حملنا قوله : { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } على المؤمنين فذلك ظاهر ، وإن حملناه على الرسول فعنه جوابان : الأول : المراد فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين ، لأن الرسول عليه السلام والمؤمنين كانوا يتحدونهم ، وقال في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعلم . والثاني : يجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
السؤال الثالث : أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من الجزاء .

(8/379)


والجواب : أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى ، فقال : لو كان مفترى على الله لوجب أن يقدر الخلق على مثله ولما لم يقدروا عليه ، ثبت أنه من عند الله ، فقوله : { أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } كناية عن كونه من عند الله ومن قبله ، كما يقول الحاكم هذا الحكم جرى بعلمي .
السؤال الرابع : أي تعلق لقوله : { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } يعجزهم عن المعارضة .
والجواب فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ظهر عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب ألبتة ، ومتى كان كذلك ، فقد بطل القول بإثبات كونهم آلهة ، فصار عجز القوم المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلاً لإلهية الأصنام ودليلاً على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان قوله : { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } إشارة إلى ما ظهر من فساد القول بإلهية الأصنام : الثاني : أنه ثبت في علم الأصول أن القول بنفي الشريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرسول عليه السلام ، وعلى هذا فكأنه قيل : لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقاً ، وثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في دعوى الرسالة ، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا الله فلما ثبت كونه محقاً في دعوى النبوة ثبت قوله : { أَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } الثالث : أن ذكر قوله { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } جار مجرى التهديد ، كأنه قيل : لما ثبت بهذا الدليل كون محمد عليه السلام صادقاً في دعوى الرسالة وعلمتم أنه لا إله إلا الله ، فكونوا خائفين من قهره وعذابه واتركوا الإصرار على الكفر واقبلوا الإسلام ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة عند ذكر آية التحدي : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة أُعِدَّتْ للكافرين } [ البقرة : 24 ] .
وأما قوله : { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } .
فإن قلنا : إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه الترغيب في زيادة الإخلاص . وإن قلنا : إنه خطاب مع الكفار كان معناه الترغيب في أصل الإسلام .

(8/380)


مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)

اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمداً صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحوال ، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمداً مبطل ونحن محقون ، وإنما نبالغ في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل ، وكانوا كاذبين فيه ، بل كان غرضهم محض الحسد والاستنكاف من المتابعة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا المعنى . ونظير هذه الآية قوله تعالى : { مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } [ الإسراء : 18 ] وقوله : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومالَهُ فِى الأخرة مِن نَّصِيبٍ } [ الشورى : 20 ] وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن في الآية قولين :
القول الأول : أنها مختصة بالكفار ، لأن قوله : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا } يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق ، لأن كل أحد يريد التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها ، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر ، لأن قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لا يليق إلا بالكفار ، فصار تقدير الآية : من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فقط ، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ولم يكن طالباً لسعادات الآخرة ، كان حكمه كذا وكذا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : المراد منهم منكرو البعث فإنهم ينكرون الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادات الدنيا ، وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر .
والقول الثاني : أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها .
والقول الثالث : أن المراد : اليهود والنصارى؛ وهو منقول عن أنس .
والقول الرابع : وهو الذي اختاره القاضي أن المراد : من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها ، وعمل الخير قسمان : العبادات ، وإيصال المنفعة إلى الحيوان ، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة وبناء القناطر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار . فهذه الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا ، فإن بسببها تصل الخيرات والمنافع إلى المحتاجين ، فكلها تكون من أعمال الخير ، فلا جرم هذه الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم . وأما العبادات : فهي إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة ، فإذا لم يؤت بتلك النية ، وإنما أتى فاعلها بها على طلب زينة الدنيا ، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها فلا تكون من باب الطاعات .
وإذا عرفت هذا فنقول قوله : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر .

(8/381)


القول الثاني : وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم ، ونقول : إنه يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة ، ويندرج فيه الكافر الذي هذا صفته ، وهذا القول مشكل ، لأن قوله : { أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الأخرة إِلاَّ النار } لا يليق المؤمن إلا إذا قلنا المراد أولئك الذين ليس لهم في الأخرة إلا النار بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة المقرونة بالرياء ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا أخباراً كثيرة في هذا الباب . روي أن الرسول عليه السلام قال : « تعوذوا بالله من جب الحزن » قيل وما جب الحزن؟ قال عليه الصلاة والسلام : « واد في جهنم يلقى فيه القراء المراؤون » وقال عليه الصلاة والسلام : « أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى الناس أن فيه خيراً ولا خير فيه » وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا كان يوم القيامة يدعى برجل جمع القرآن ، فيقال له ما عملت فيه؟ فيقول يا رب قمت به آناء الليل والنهار فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال : فلان قارىء ، وقد قيل ذلك ، ويؤت بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتيتك فيقول : وصلت الرحم وتصدقت ، فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك » قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال صدق الله ورسوله { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } .
المسألة الثانية : المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما يستحقون بها من الثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا ، فإذا خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثر من آثار الخيرات ، بل ليس لهم منها إلا النار .
واعلم أن العقل يدل عليه قطعاً ، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب الثناء في الدنيا ولأجل الرياء ، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا ، ولم يحصل في قلبه حب الآخرة ، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات لامتنع أن يأتي بالخيرات لأجل الدنيا وينسى أمر الآخرة ، فثبت أن الآتي بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب للآخرة ومن كان كذلك فإذا مات فإنه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزاً عن وجدانها غير قادر على تحصيلها ، ومن أحب شيئاً ثم حيل بينه وبين المطلوب فإنه لا بد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي ، أن كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الأحوال الدنيوية فإنه يجد تلك المنفعة الدنيوية اللائقة بذلك العمل ، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه إلا النار ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطاً باطلاً عديم الأثر .

(8/382)


أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير : أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ، إلا أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى : { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } [ فاطر : 8 ] وقوله : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً } [ الزمر : 9 ] وقوله : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] .
واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد محتمل . فالأول : أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني : أنه ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد بقوله : { يتلوه } القرآن أو كونه حاصلاً عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما هو؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية .
أما الأول : وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو؟ فقيل : المراد به النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن من اليهود كعبدالله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية : { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في { يتلوه } يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى .
واعلم أن كون كتاب موسى تابعاً للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و { إِمَاماً } نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها : دلالة البينات العقلية على صحته . وثانيها : شهادة القرآن بصحته . وثالثها : شهادة التوراة بصحته ، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر .
فالقول الأول : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله : { يتلوه } هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوهاً : أحدها : أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال : قلت لأبي أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تالياً على سبيل المجاز كما يقال : عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله : { مِنْهُ } أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه ، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله : { وَيَتْلُوهُ } القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن ولا ساحر ولا كذاب والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم .

(8/383)


القول الثاني : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة القرآن { وَيَتْلُوهُ } أي ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى ، وعلى هذا القول اختلفوا في ذلك الشاهد فقال بعضهم : إنه محمد عليه السلام وقال آخرون : بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعاً على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا يقدر البشر على الإتيان بمثله ، وقوله : { شَاهِدٌ مّنْهُ } أي من تلك البينة لأن أحوال القرآن وصفاته من القراآت متعلقة به . وثالثها : قال الفراء : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } يعني الإنجيل يتلو القرآن وإن كان قد أنزل قبله ، والمعنى أنه يتلوه في التصديق ، وتقريره : أنه تعالى ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم في الإنجيل ، وأمر بالإيمان به .
واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم .
واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماماً ورحمة ، ومعنى كونه إماماً أنه كان مقتدى العالمين ، وإماماً لهم يرجعون إليه في معرفة الدين والشرائع ، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين ، وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب فلما كان سبباً للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه إطلاقاً لاسم المسبب على السبب .
ثم قال تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } والمعنى : أن الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون .
واعلم أن المطالب على قسمين منها ما يعلم صحتها بالبديهة ، ومنها ما يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد ، وهذا القسم الثاني على قسمين ، لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة من الوحي والإلهام ، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما في تعريف المجهولات ، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية في القوة والوثوق ، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة ، فإذا توافقت كلمات الأنبياء على صحته ، وكان البرهان اليقيني قائماً على صحته ، فهذه المرتبة قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية ، وقوله : { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام ، وقوله : { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً } إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام ، وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه .

(8/384)


ثم قال تعالى : { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ } والمراد من الأحزاب أصناف الكفار ، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس . روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار » قال أبو موسى : فقلت في نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن ، فوجدت الله تعالى يقول : { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاحزاب فالنار مَوْعِدُهُ } وقال بعضهم : لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده ، دلت على أن من لا يكفر به لم تكن النار موعده .
ثم قال تعالى : { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } ففيه قولان : الأول : فلا تك في مرية من صحة هذا الدين ، ومن كون القرآن نازلاً من عند الله تعالى ، فكان متعلقاً بما تقدم من قوله تعالى : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ هود : 13 ] الثاني : فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار . وقرىء { مِرْيَةٍ } بضم الميم .
ثم قال : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } والتقدير : لما ظهر الحق ظهوراً في الغاية ، فكن أنت متابعاً له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا ، والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن .

(8/385)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } [ هود : 15 ] إلى آخر الآية ، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقدحون في معجزاته ، وقد أبطل الله تعالى بقوله : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى ، فلما بين وعيد المفترين على الله ، فقد دخل فيه هذا الكلام .
واعلم أن قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } إنما يورد في معرض المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم .
ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله : { أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال : { وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا } [ الكهف : 48 ] وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم { هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه ، وفيه سؤالات :
السؤال الأول : إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان ، فكيف قال : { يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } والجواب : أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك عرضاً على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين .
السؤال الثاني : من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول؟
الجواب قال مجاهد : هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا . وقال قتادة ومقاتل : { الأشهاد } الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، يعني على رؤوس الناس . وقال الآخرون : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قال الله تعالى : { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } [ الأعراف : 6 ] والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة .
السؤال الثالث : الأشهاد جمع فما واحده؟
والجواب : يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، وناصر وأنصار ، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف . قال أبو علي الفارسي : وهذا كأنه أرجح ، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل ، كقوله : { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة : 143 ] { وجِئْنَا بِك على هَؤُلاء شَهِيداً } [ النساء : 41 ] ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } وبين أنهم في الحال لملعونون من عند الله ، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال ، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، لأنه لا يقال في العاصي يبغي عوجاً ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة ، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات .
ثم قال : { وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون } قال الزجاج : كلمة «هم» كررت على جهة التوكيد لثباتهم في الكفر .

(8/386)


أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)

اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم .
الصفة الأولى : كونهم مفترين على الله ، وهي قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } [ هود : 18 ] .
والصفة الثانية : أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي والنكال وهي قوله : { أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } [ هود : 18 ] .
والصفة الثالثة : حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة وهي قوله : { وَيَقُولُ الاشهاد هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } [ هود : 18 ] .
والصفة الرابعة : كونهم ملعونين من عند الله ، وهي قوله : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } [ هود : 18 ] .
والصفة الخامسة : كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق ، وهي قوله : { الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } [ هود : 19 ] .
والصفة السادسة : سعيهم في إلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، وهي قوله : { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } [ هود : 19 ] .
والصفة السابعة : كونهم كافرين ، وهي قوله : { وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون } [ هود : 19 ] .
والصفة الثامنة : كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله ، وهي قوله : { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الأرض } قال الواحدي : معنى الإعجاز المنع من تحصيل المراد . يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي ، ومعنى معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فإن هرب العبد من عذاب الله محال ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، ولا تتفاوت قدرته بالبعد والقرب والقوة والضعف .
والصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم ، والمراد منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند الله والمقصود أن قوله : { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الأرض } دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار وقوله : { وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } هو أن أحداً لا يقدر على تخليصهم من ذلك العذاب ، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ، ثم اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع الله من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصراً يمنع ذلك العذاب عنهم ، بل إنما حصل ذلك الإمهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فإذا أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة ، وقال بعضهم : بل المراد أن يكونوا معجزين لله عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو في الدنيا ولا يجدون ولياً ينصرهم ويدفع ذلك عنهم .
والصفة العاشرة : قوله تعالى : { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } قيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور ، فكفرهم بالمبدأ والمعاد صار سبباً لتضعيف العذاب ، والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد ، سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق ، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف عليهم .

(8/387)


الصفة الحادية عشرة : قوله : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه الإيمان ، روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الإيمان في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا ففي قوله تعالى : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } وأما في الآخرة فهو قوله : { يُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } [ القلم : 42 ] وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع ، فإما أن يكون المراد أنهم ما كانوا يستطيعون سمع الأصوات والحروف ، وإما أن يكون المراد كونهم عاجزين عن الوقوف على دلائل الله تعالى ، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم كانوا يسمعون الأصوات والحروف ، وجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة ، أو عن معنى يخلقه الله تعالى في صماخ الأذن ، وكلاهما لا يقدر العبد عليه ، لأنه لو اجتهد في أن يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه ، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه محالاً ، وإذا كان إثباتها محالاً كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق ، فثبت أن ظاهر الآية لا يقدح في قولنا . ثم قال المراد بقوله : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل : هذا كلام لا أستطيع أن أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعي وذكر غير الجبائي عذراً آخر ، فقال إنه تعالى نفى أن يكون لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } فكيف يصلحون للولاية .
والجواب : أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق المعنى فيها فباطل ، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ذلك معنى مختصاً بهم ، والمعنى الذي قالوه حاصل في الملائكة والأنبياء فكيف يمكن حمل اللفظ عليه ، وأما قوله إن ذلك محمول على أنهم كانوا يستثقلون سماع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبصار صورته .
فالجواب أنه تعالى نفى الاستطاعة فحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ، وأيضاً أن حصول ذلك الاستثقال إما أن يمنع من الفهم والوصول إلى الغرض أو لم يمنع ، فإن منع فهو المقصود ، وإن لم يمنع منه فحينئذ كان ذلك سبباً أجنبياً عن المعاني المعتبرة في الفهم والإدراك ، ولا تختلف أحوال القلب في العلم والمعرفة بسببه ، فكيف يمكن جعله ذماً لهم في هذا المعرض ، وأيضاً قد بينا مراراً كثيرة في هذا الكتاب أن حصول الفعل مع قيام الصارف محال ، فلما بين تعالى كون هذا المعنى صارفاً عن قبول الدين الحق وبين فيه أنه حصل حصولاً على سبيل اللزوم بحيث لا يزول ألبتة في ذلك الوقت كان المكلف في ذلك الوقت ممنوعاً عن الإيمان ، وحينئذ يحصل المطلوب ، وأما قوله فإنا نجعل هذه الصفة من صفة الأوثان فبعيد لأنه تعالى قال : { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } ثم قال : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } فوجب أن يكون الضمير في هذه الآية المتأخرة عائداً إلى عين ما عاد إليه الضمير المذكور في هذه الآية الأولى . وأما قوله : { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } فقيل : المراد منه البصيرة ، وقيل : المراد منه أنهم عدلوا عن إبصار ما يكون حجة لهم .

(8/388)


الصفة الثانية عشرة : قوله : { أُوْلَئِكَ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } ومعناه أنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران .
الصفة الثالثة عشرة : قوله : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } والمعنى أنهم لما باعوا الدين بالدنيا فقد خسروا ، لأنهم أعطوا الشريف ، ورضوا بأخذ الخسيس ، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الآخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ولا يبقى منه أثر ، وهو المراد بقوله : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .
الصفة الرابعة عشرة : قوله : { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون } وتقريره ما تقدم ، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالخسيس الوضيع فقد خسر في التجارة . ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لا بد وأن يهلك ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة ، فلهذا قال : { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الأخرة هُمُ الأخسرون } وقوله { لاَ جَرَمَ } قال الفراء : إنها بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً ، تقول العرب : لا جرم أنك محسن ، على معنى حقاً إنك محسن ، وأما النحويون فلهم فيه وجوه : الأول : لا حرف نفي وجزم ، أي قطع ، فإذا قلنا : لا جرم معناه أنه لا قطع قاطع عنهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . الثاني : قال الزجاج إن كلمة { لا } نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، و { جَرَمَ } معناه كسب ذلك الفعل ، والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة ، وذكرنا { جَرَمَ } بمعنى كسب في تفسير قوله تعالى : { لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ سنآن قوم } [ المائدة : 2 ] قال الأزهري ، وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب ، الثالث : قال سيبويه والأخفش : { لا } رد على أهل الكفر كما ذكرنا وجرم معناه حق وصحح ، والتأويل أنه حق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم . واحتج سيبويه بقول الشاعر :
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارةُ بعدها أن يغضبوا
أراد : حقت الطعنة فزارة أن يغضبوا .

(8/389)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

اعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم ، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين ، والإخبات هو الخشوع والخضوع وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنة وخبت ذكره أي خفي ، فقوله : «أخبت» أي دخل في الخبت ، كما يقال فيمن صار إلى نجد أنجد وإلى تهامة أتهم ، ومنه المخبت من الناس الذي أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه ، ولفظ الإخبات يتعدى بإلى وباللام ، فإذا قلنا : أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه ، وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } إشارة إلى جميع الأعمال الصالحة ، وقوله { وَأَخْبَتُواْ } إشارة إلى أن هذه الأعمال لا تنفع في الآخرة إلا مع الأحوال القلبية ثم إن فسرنا الإخبات بالطمأنينة كان المراد أنهم يعبدون الله وكانت قلوبهم عند أداء العبادات مطمئنة بذكر الله فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى أو يقال إنما قلوبهم صارت مطمئنة إلى صدق الله بكل ما وعدهم من الثواب والعقاب ، وأما إن فسرنا الإخبات بالخشوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفين وجلين من أن يكونوا أتوا بها مع وجود الإخلال والتقصير ، ثم بين أن من حصل له هذه الصفات الثلاثة فهم أصحاب الجنة ، ويحصل لهم الخلود في الجنة .

(8/390)


مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)

واعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالاً مطابقاً ثم اختلفوا فقيل : إنه راجع إلى من ذكر آخراً من المؤمنين والكافرين من قبل ، وقال آخرون : بل رجع إلى قوله : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود : 17 ] ثم ذكر من بعده الكافرين ووصفهم بأنهم لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ، والسميع والبصير هم الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم .
واعلم أن وجه التشبيه هو أنه سبحانه خلق الإنسان مركباً من الجسد ومن النفس ، وكما أن للجسد بصراً وسمعاً فكذلك حصل لجوهر الروح سمع وبصر ، وكما أن الجسد إذا كان أعمى أصم بقي متحيراً لا يهتدي إلى شيء من المصالح ، بل يكون كالتائه في حضيض الظلمات لا يبصر نوراً يهتدي به ولا يسمع صوتاً ، فكذلك الجاهل الضال المضل ، يكون أعمى وأصم القلب ، فيبقى في ظلمات الضلالات حائراً تائهاً .
ثم قال تعالى : { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } منبهاً على أنه يمكنه علاج هذا العمى وهذا الصمم ، وإذا كان العلاج ممكناً من الضرر الحاصل بسبب حصول هذا العمى وهذا الصمم وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان .
واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا ورد على الكافر أنواع الدلائل أتبعها بالقصص ، ليصير ذكرها مؤكداً لتلك الدلائل على ما قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة ، وفي هذه السورة ذكر أنواعاً من القصص .

(8/391)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)

القصة الأولى
قصة نوح عليه السلام
اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه السورة أيضاً لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { أني } بفتح الهمزة ، والمعنى : أرسلنا نوحاً بأني لكم نذير مبين ، ومعناه أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله : { أني لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء فتح كما فتح في كان ، وأما سائر القراء فقرؤا { إِنّي } بالكسر على معنى قال { إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .
المسألة الثانية : قال بعضهم : المراد من النذير كونه مهدداً للعصاة بالعقاب ، ومن المبين كونه مبيناً ما أعد الله للمطيعين من الثواب ، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر ، ثم بين تعالى أن ذلك الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله وفي الأمر بعبادة الله لأن قوله : { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير المستثنى .
واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه بهذا الكلام وهو قوله : { إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } .
ثم قال : { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } فقوله : { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } بدل من قوله : { إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ } ثم إنه أكد ذلك بقوله : { إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ذلك الألم إلى اليوم ، كقولهم نهارك صائم ، وليلك قائم .

(8/392)


فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنوع من الشبهات .
فالشبهة الأولى : أنه بشر مثلهم ، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين .
والشبهة الثانية : كونه ما أتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل الصنائع الخسيسة ، قالوا ولو كنت صادقاً لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم ، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } [ الشعراء : 111 ] .
والشبهة الثالثة : قوله تعالى : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } والمعنى : لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في قوة الجدل فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، فهذا خلاصة الكلام في تقرير هذه الشبهات .
واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر على الإطلاق ، أما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة سائر الأنبياء ، وفي لفظ الآية مسائل :
المسألة الأولى : الملأ الأشراف وفي اشتقاقه وجوه : الأول : أنه مأخوذ من قولهم مليء بكذا إذا كان مطيقاً له وقد ملؤا بالأمر ، والسبب في إطلاق هذا اللفظ عليهم أنهم ملؤا بترتيب المهمات وأحسنوا في تدبيرها . الثاني : أنهم وصفوا بذلك لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون عليه . الثالث : وصفوا بذلك لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة . الرابع : وصفوا به لأنهم ملؤوا العقول الراجحة والآراء الصائبة .
ثم حكى الله تعالى عنهم الشبهة الأولى ، وهي قولهم : { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } وهو مثل ما حكى الله تعالى عن بعض العرب أنهم قالوا : { لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } [ الأنعام : 8 ] وهذا جهل ، لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة بالدليل والبرهان والتثبت والحجة ، لا بالصورة والخلقة ، بل نقول : إن الله تعالى لو بعث إلى البشر ملكاً لكانت الشبهة أقوى في الطعن عليه في رسالته لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزات التي ظهرت لعل هذا الملك هو الذي أتى بها من عند نفسه بسبب أن قوته أكمل وقدرته أقوى ، فلهذه الحكمة ما بعث الله إلى البشر رسولاً إلا من البشر .
ثم حكى الشبهة الثانية وهي قوله : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } والمراد منه قلة ما لهم وقلة جاههم ودناءة حرفهم وصناعتهم هذا أيضاً جهل ، لأن الرفعة في الدين لا تكون بالحسب والمال والمناصب العالية ، بل الفقر أهون على الدين من الغنى ، بل نقول : الأنبياء ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف تجعل قلة المال في الدنيا طعناً في النبوة والرسالة .

(8/393)


ثم حكى الله تعالى الشبهة الثالثة وهي قوله : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } وهذا أيضاً جهل ، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله ليست إلا بالعلم والعمل ، فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة ، ثم قالوا بعد ذكر هذه الشبهات لنوح عليه السلام ومن اتبعه { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } وفيه وجهان : الأول : أن يكون هذا خطاباً مع نوح ومع قومه ، والمراد منه تكذيب نوح في دعوى الرسالة . والثاني : أن يكون هذا خطاباً مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم كذبوا في أن آمنوا به واتبعوه .
المسألة الثانية : قال الواحدي : الأرذل جمع رذل وهو الدون من كل شيء في منظره وحالاته ورجل رذل الثياب والفعل . والأراذل جمع الأرذل ، كقولهم أكابر مجرميها ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « أحاسنكم أخلاقاً » فعلى هذا الأراذل جمع الجمع ، وقال بعضهم : الأصل فيه أن يقال : هو أرذل من كذا ثم كثر حتى قالوا : هو الأرذل فصارت الألف واللام عوضاً عن الإضافة وقوله : { بَادِىَ الرأى } البادي هو الظاهر من قولك : بدا الشيء إذا ظهر ، ومنه يقال : بادية لظهورها وبروزها للناظر ، واختلفوا في بادي الرأي وذكروا فيه وجوهاً : الأول : اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه ، والثاني : يجوز أن يكون المراد اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي وما احتاطوا في ذلك الرأي وما أعطوه حقه من الفكر الصائب والتدبر الوافي . الثالث : أنهم لما وصفوا القوم بالرذالة قالوا : كونهم كذلك بادي الرأي أمر ظاهر لكل من يراهم ، والرأي على هذا المعنى من رأي العين لا من رأي القلب ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه كان يقرأ { إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ رَأْىَ العين } .
المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو ونصير عن الكسائي { بادىء } بالهمزة والباقون بالياء غير مهموز فمن قرأ { بادىء } بالهمزة فالمعنى أول الرأي وابتداؤه ومن قرأ بالياء غير مهموز كان من بدا يبدو أي ظهر و { بَادِىَ } نصب على المصدر كقولك : ضربت أول الضرب .

(8/394)


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح عليه الصلاة والسلام حكى بعده ما يكون جواباً عن تلك الشبهات .
فالشبهة الأولى : قولهم : { مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فقال نوح حصول المساواة في البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة ، ثم ذكر الطريق الدال على إمكانه ، فقال : { أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } من معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه ، ثم إنه تعالى أتاني رحمة من عنده ، والمراد بتلك الرحمة إما النبوة وإما المعجزة الدالة على النبوة { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي صارت مظنة مشتبهة ملتبسة في عقولكم ، فهل أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفتها شئتم أم أبيتم؟ والمراد أني لا أقدر على ذلك ألبتة ، وعن قتادة : والله لو استطاع نبي الله لألزمها ولكنه لم يقدر عليه ، وحاصل الكلام أنهم لما قالوا : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } [ هود : 27 ] ذكر نوح عليه السلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم واشتبهت ، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهر المقصود ، وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلاً عظيماً .
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله ، بمعنى ألبست وشبهت والباقون بفتح العين مخففة الميم ، أي التبست واشتبهت .
واعلم أن الشيء إذا بقي مجهولاً محضاً أشبه المعمي ، لأن العلم نور البصيرة الباطنة والأبصار نور البصر الظاهر فحسن جعل كل واحد منها مجازاً عن الآخر وتحقيقه أن البينة توصف بالأبصار قال تعالى : { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا مُبْصِرَةً } [ النمل : 13 ] وكذلك توصف بالعمى ، قال تعالى : { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء } [ القصص : 66 ] وقال في هذه الآية : { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } .
المسألة الثالثة : { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } فيه ثلاث مضمرات : ضمير المتكلم وضمير الغائب وضمير المخاطب ، وأجاز الفراء إسكان الميم الأولى ، وروي ذلك عن أبي عمرو قال : وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم وهي أيضاً مرفوعة وقبلها كسرة والحركة التي بعدها ضمة ثقيلة ، قال الزجاج : جميع النحويين البصريين لا يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في ضرورة الشعر وما يروى عن أبي عمرو فلم يضبطه عنه الفراء ، وروي عن سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها ، وهذا هو الحق وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقول امرىء القيس :
فاليوم أشرب غير مستحقب ...

(8/395)


وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه :
الوجه الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال : « أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالاً حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيراً أو غنياً وإنما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين » وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك .
الوجه الثاني : كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيراً وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسئلكم على تبليغ الرسالة أجراً إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد .
والوجه الثالث : في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا : { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } إلى قوله : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } [ هود : 27 ] فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعاً كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في طلب الدنيا ، وإنما يسعى في طلب الدين ، والإعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل باتفاق الكل ، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه .
فأما قوله : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعاً لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء . روى ابن جريج أنهم قالوا : إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم فقال عليه الصلاة والسلام : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } وقوله تعالى حكاية عنهم أنهم قالوا : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } [ هود : 27 ] كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا يقولون : لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم ، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما طردهم ، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أموراً : الأول : أنهم ملاقو ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوهاً منها أنهم قالوا هم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة . ومنها أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما وعدهم ربهم ، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة ، ومنها أنه نبه بذلك الأمر على أنا نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني ، ثم بين أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } .
ثم قال بعده { وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } والمعنى : أن العقل والشرع تطابقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر التقي ومن إهانة الفاجر الكافر ، فلو قلبت القصة وعكست القضية وقربت الكافر الفاجر على سبيل التعظيم ، وطردت المؤمن التقي على سبيل الإهانة كنت على ضد أمر الله تعالى ، وعلى عكس حكمه وكنت في هذا الحكم على ضد ما أمر الله تعالى من إيصال الثواب إلى المحقين ، والعقاب إلى المبطلين وحينئذ أصير مستوجباً للعقاب العظيم فمن ذا الذي ينصرني من الله تعالى ومن الذي يخلصني من عذاب الله أفلا تذكرون فتعلمون أن ذلك لا يصح ثم أكد هذا البيان بوجه ثالث فقال : { وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } أي كما لا أسألكم فكذلك لا أدعي أني أملك مالاً ولا لي غرض في المال لا أخذاً ولا دفعاً ، ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما أريد لنفسي ولا أتباعي ولا أقول إني ملك حتى أتعظم بذلك عليكم ، بل طريقي الخضوع والتواضع ومن كان هذا شأنه وطريقه فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ، ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين وإنما شأنه طلب الدين وسيرته مخالطة الخاضعين والخاشعين فلما كانت طريقتي توجب مخالطة الفقراء فكيف جعلتم ذلك عيباً علي ، ثم إنه أكد هذا البيان بطريق رابع فقال : { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال : إني لا أقول ذلك ، لأنه من باب الغيب والغيب لا يعلمه إلا الله ، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ملك الآخرة فأكون كاذباً فيما أخبرت به ، فإني إن فعلت ذلك كنت من الظالمين لنفسي ومن الظالمين لهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله تعالى آتاهم الخير في الآخرة .

(8/396)


المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء وقالوا : إن الإنسان إذا قال : أنا لا أدعي كذا وكذا ، فهذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل فلما كان قائل هذا القول هو نوح عليه السلام وجب أن تكون درجة الملائكة أعلى وأشرف من درجات الأنبياء ، ثم قالوا : وكيف لا يكون الأمر كذلك والملائكة داوموا على عبادة الله تعالى طول الدنيا مذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة ، وتمام التقرير أن الفضائل الحقيقية الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء : أولها : الاستغناء المطلق وجرت العادة في الدنيا أن من ملك المال الكثير فإنه يوصف بكونه غنياً فقوله : { وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } إشارة إلى أني لا أدعي الاستغناء المطلق وثانيها : العلم التام وإليه الإشارة بقوله : { وَلا أَعْلَمُ الغيب } وثالثها : القدرة التامة الكاملة ، وقد تقرر في الخواطر أن أكمل المخلوقات في القدرة والقوة هم الملائكة وإليه الإشارة بقوله : { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة بيان أن ما حصل عندي من هذه المراتب الثلاثة إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية ، فأما الكمال المطلق فأنا لا أدعيه وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن قوله : { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } يدل على أنهم أكمل من البشر ، وأيضاً يمكن جعل هذا الكلام جواباً عما ذكروه من الشبهة فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال : { وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضاً بأنهم منافقون فقال : { وَلا أَعْلَمُ الغيب } حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أُجري الأحوال على الظواهر وطعنوا فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال : { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية .

(8/397)


المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء فقالوا : إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي ، ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله : { وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام : 52 ] وذلك يدل على إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب .
والجواب : يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم ، على التقليل في أوقات معينة لرعاية المصالح .
المسألة الرابعة : احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع العقاب بقول نوح عليه السلام { مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ } معناه إن كان هذا الطرد محرماً فمن ذا الذي ينصرني من الله ، أي من الذي يخلصني من عقابه ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضاً جائزة وحينئذ يبطل قوله : { مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم في هذه المسألة بقوله تعالى : { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } [ البقرة : 48 ، 123 ] إلى قوله : { وَلاَ هم يُنصَرُونَ } [ البقرة : 48 ، 123 ] والجواب المذكور هناك هو الجواب عن هذا الكلام .

(8/398)


قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبهة .
وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أورد الكفار على نوح كلامين : الأول : أنهم وصفوه بكثرة المجادلة فقالوا : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في الجدال معهم ، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء ، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار . والثاني : أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به ، فقالوا : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } ثم إنه عليه السلام أجاب عنه بجواب صحيح فقال : { إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } والمعنى أن إنزال العذاب ليس إلي وإنما هو خلق الله تعالى فيفعله إن شاء كما شاء ، وإذا أراد إنزال العذاب فإن أحداً لا يعجزه ، أي لا يمنعه منه ، والمعجز هو الذي يفعل ما عنده لتعذر مراد الغير فيوصف بأنه أعجزه ، فقوله : { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي لا سبيل لكم إلى فعل ما عنده ، فلا يمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب إن أراد إنزاله بكم ، وقد قيل معناه : وما أنتم بمانعين ، وقيل : وما أنتم بمصونين ، وقيل : وما أنتم بسابقين إلى الخلاص ، وهذه الأقوال متقاربة .
واعلم أن نوحاً عليه السلام لما أجاب عن شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة ، فقال : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } أي إن كان الله يريد أن يغويكم فإنه لا ينفعكم نصحي ألبتة ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يريد الكفر من العبد ، وأنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور الإيمان منه ، قالوا : إن نوحاً عليه السلام قال : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } والتقدير : لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم ويضلكم ، وهذا صريح في مذهبنا ، أما المعتزلة فإنهم قالوا ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إن أراد إغواء القوم لم ينتفعوا بنصح الرسول ، وهذا مسلم ، فإنا نعرف أن الله تعالى لو أراد إغواء عبد فإنه لا ينفعه نصح الناصحين ، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء فإن النزاع ما وقع إلا فيه ، بل نقول إن نوحاً عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام ليدل على أنه تعالى ما أغواهم ، بل فوض الاختيار إليهم وبيانه من وجهين الأول : أنه عليه السلام بين أنه تعالى لو أراد إغواءهم لما بقي في النصح فائدة فلو لم يكن فيه فائدة لما أمره بأن ينصح الكفار ، وأجمع المسلمون على أنه عليه السلام مأمور بدعوة الكفار ونصيحتهم ، فعلمنا أن هذا النصح غير خال عن الفائدة ، وإذا لم يكن خالياً عن الفائدة وجب القطع بأنه تعالى ما أغواهم ، فهذا صار حجة لنا من هذا الوجه . الثاني : أنه لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم لصار هذا عذراً لهم في عدم إتيانهم بالإيمان ولصار نوح منقطعاً في مناظرتهم ، لأنهم يقولون له إنك سلمت أن الله أغوانا فإنه لا يبقى في نصحك ولا في جدنا واجتهادنا فائدة ، فإذا ادعيت بأن الله تعالى قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة ، فثبت أن الأمر لو كان كما قاله الخصم ، لصار هذا حجة للكفار على نوح عليه السلام ، ومعلوم أن نوحاً عليه السلام لا يجوز أن يذكر كلاماً يصير بسببه مفحماً ملزماً عاجزاً عن تقرير حجة الله تعالى ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية لا تدل على قول المجبرة ، ثم إنهم ذكروا وجوهاً من التأويلات : الأول : أولئك الكفار كانوا مجبرة ، وكانوا يقولون إن كفرهم بإرادة الله تعالى ، فعند هذا قال نوح عليه السلام : إن نصحه لا ينفعهم إن كان الأمر كما قالوا ، ومثاله أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه فيقول الولد : لا أقدر على غير ما أنا عليه ، فيقول الوالد فلن ينفعك إذاً نصحي ولا زجري ، وليس المراد أنه يصدقه على ما ذكره بل على وجه الإنكار لذلك . الثاني : قال الحسن معنى { يُغْوِيَكُمْ } أي يعذبكم ، والمعنى : لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب فآمنتم في ذلك الوقت ، لأن الإيمان عند نزول العذاب لا يقبل ، وإنما ينفعكم نصحي إذا آمنتم قبل مشاهدة العذاب . الثالث : قال الجبائي : الغواية هي الخيبة من الطلب بدليل قوله تعالى :

(8/399)


{ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } [ مريم : 59 ] أي خيبة من خير الآخرة قال الشاعر :
ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً ... الرابع : أنه إذا أصر على الكفر وتمادى فيه منعه الله تعالى الألطاف وفوضه إلى نفسه ، فهذا شبيه ما إذا أراد إغواءه فلهذا السبب حسن أن يقال إن الله تعالى أغواه هذا جملة كلمات المعتزلة في هذا الباب . والجواب عن أمثال هذه الكلمات قد ذكرناه مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة .
المسألة الثانية : قوله : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون الشرط المؤخر في اللفظ مقدماً في الوجود وذلك لأن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار ، كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك الدخول ، فإذا ذكر بعده شرطاً آخر مثل أن يقول : إن أكلت الخبز كان المعنى أن تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط مقدم على المشروط في الوجود فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول إما إن لم يوجد الشرط المذكور ثانياً لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول ، هذا هو التحقيق في هذا التركيب ، فلهذا المعنى قال الفقهاء : إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى ، والمقدم في اللفظ مؤخر في المعنى .

(8/400)


واعلم أن نوحاً عليه السلام لما قرر هذه المعاني قال : { هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وهذا نهاية الوعيد أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم ويملك التصرف في ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وبعد الموت مرجعكم إليه وهذا يفيد نهاية التحذير .

(8/401)


أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)

اعلم أن معنى افتراه اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه ، والهاء ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم ، وقوله : { فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } الإجرام اقتراح المحظورات واكتسابها ، وهذا من باب حذف المضاف ، لأن المعنى : فعليَّ عقاب إجرامي ، وفي الآية محذوف آخر وهو أن المعنى : إن كنت افتريته فعليَّ عقاب جرمي ، وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب ، إلا أنه حذف هذه البقية لدلالة الكلام عليه ، كقوله : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل } [ الزمر : 9 ] ولم يذكر البقية ، وقوله : { وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي أنا بريء من عقاب جرمكم ، وأكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام ، وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في أثناء حكاية نوح ، وقولهم بعيد جداً ، وأيضاً قوله : { قُلْ إِنْ افتريته فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } لا يدل على أنه كان شاكاً ، إلا أنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول .

(8/402)


وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما جاء هذا من عند الله تعالى دعا على قومه فقال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] وقوله : { فَلاَ تَبْتَئِسْ } أي لا تحزن ، قال أبو زيد : ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه ، وأنشد أبو عبيدة :
ما يقسم الله أقبل غير مبتئس ... به وأقعد كريماً ناعم البال
أي غير حزين ولا كاره .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في القضاء والقدر وقالوا : إنه تعالى أخبر عن قومه أنهم لا يؤمنون بعد ذلك ، فلو حصل إيمانهم لكان إما مع بقاء هذا الخبر صدقاً ، ومع بقاء هذا العلم علماً أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلاب هذا العلم جهلاً والأول ظاهر البطلان لأن وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقاً ، ومع كون العلم بعدم الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمع بين النقيضين ، والثاني أيضاً باطل ، لأن انقلاب خبر الله كذباً وعلم الله جهلاً محال ، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بد وأن يكون على هذين القسمين وثبت أن كل واحد منهما محال كان صدور الإيمان منهم محالاً مع أنهم كانوا مأمورين به ، وأيضاً القوم كانوا مأمورين بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه . ومنه قوله : { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن } فيلزم أن يقال : إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون ألبتة . وذلك تكليف الجمع بين النقيضين ، وتقرير هذا الكلام قد مر في هذا الكتاب مراراً وأطواراً .
المسألة الثالثة : اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن ينزل الله تعالى عذاب الاستئصال على قوم كان في المعلوم أن فيهم من يؤمن أو كان في أولادهم من يؤمن ، فقال قوم : إنه لا يجوز . واحتجوا بما حكى الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } [ نوح : 26 ، 27 ] وهذا يدل على أنه إنما حسن منه تعالى إنزال عذاب الاستئصال عليهم ، لأجل أنه تعالى علم أنه ليس من يؤمن ، ولا في أولادهم أحد يؤمن . قال القاضي وقال كثير من علمائنا : إن ذلك من الله تعالى جائز وإن كان منهم من يؤمن . وأما قول نوح عليه السلام : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } فذلك يدل على أنه إنما سأل ذلك من حيث إنه كان في المعلوم أنهم يضلون عباده ولايلدون إلا فاجراً كفاراً وذلك يدل على أن ذلك الحكم كان قولاً بمجموع هاتين العلتين ، وأيضاً فلا دليل فيه على أنهما لو لم يحصلا لما جاز إنزال الإهلاك ، والأقرب أن يقال : إن نوحاً عليه السلام لشدة محبته لإيمانهم كان سأل ربه أن يبقيهم ، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد ليزول عن قلبه ما كان قد حصل فيه من تلك المحبة ، ولذلك قال تعالى من بعد : { فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي لا تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة ، فإن الدين عزيز ، وإن قل عدد من يتمسك به ، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به .

(8/403)


وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)

واعلم أن قوله تعالى : { إِنَّهُ لَن يُؤْمِنَ قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ } [ هود : 36 ] يقتضي تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة . لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال جوجؤ الطائر .
فإن قيل : قوله تعالى : { واصنع الفلك } أمر إيجاب أو أمر إباحة .
قلنا : الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه داراً ليسكنها ويقيم بها .
أما قوله : { بِأَعْيُنِنَا } فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه : أحدها : أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } [ طه : 39 ] وثانيها : أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك بتلك الأعين ، كما يقال : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك باطل . وثالثها : أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزهاً عن الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه : الأول : أن معنى { بِأَعْيُنِنَا } أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف يتخذ السفينة ، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصاً عن أحواله ولا تحول عنه عينه . الثاني : أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سبباً لمبالغة الاحتياط والعناية جعل العين كناية عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك ، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط بأمرين أحدهما : أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل . والثاني : أن يكون عالماً بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه ، وقوله : { وَوَحْيِنَا } إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه المطلوب .
وأما قوله : { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مغرقون } ففيه وجوه : الأول : يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلما علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] الثاني : { وَلاَ تخاطبنى } في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا ، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين كان تعجيله ممتنعاً ، الثالث : المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان .

(8/404)


وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)

أما قوله تعالى : { وَيَصْنَعُ الفلك } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في قوله : { وَيَصْنَعُ الفلك } قولان : الأول : أنه حكاية حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك . الثاني : التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله : { وَيَصْنَعُ الفلك } .
المسألة الثانية : ذكروا في صفة السفينة أقوالاً كثيرة : فأحدها : أن نوحاً عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين ، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً ، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه مع ما احتاجوا إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام ، وثانيها : قال الحسن كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع .
واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها ألبتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلاً وكان الخوض فيها من باب الفضول لا سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه إنه كان في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل حيوان ، لأن هذا القدر مذكور في القرآن ، فأما غير ذلك القدر فغير مذكور .
أما قوله تعالى : { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } ففي تفسير الملأ وجهان قيل جماعة وقيل طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله كانوا يسخرون وفيه وجوه أحدهما : أنهم كانوا يقولون : يا نوح كنت تدعي رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجاراً . وثانيها : أنهم كانوا يقولون له : لو كنت صادقاً في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق . وثالثها : أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون منه ويسخرون . ورابعها : أن تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع بعيد عن الماء جداً وكانوا يقولون : ليس ههنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار ، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون . وخامسها : أنه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ذلك المعنى خبراً ولا أثراً غلب على ظنونهم كونه كاذباً في ذلك المقال فلما اشتغل بعمل السفينة لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة .
ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول : { إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } وفيه وجوه : الأول : التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة . الثاني : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا . الثالث : أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد ، لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال .

(8/405)


فإن قيل : السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
قلنا : إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] .
أما قوله تعالى : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } أي فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة ، وفي قوله : { مَن يَأْتِيهِ } وجهان : أحدهما : أن يكون استفهاماً بمعنى أي كأنه قيل : فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب ، وعلى هذا الوجه فمحل «من» رفع بالابتداء . والثاني : أن يكون بمعنى الذي ويكون في محل النصب ، وقوله تعالى : { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي يجب عليه وينزل به .

(8/406)


حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» { حتى } هي التي يبتدأ بعدها الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء ووقعت غاية لقوله : { وَيَصْنَعُ الفلك } أي فكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد .
المسألة الثانية : الأمر في قوله تعالى : { حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا } يحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما قال : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] فكان المراد هذا . والثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا هو العذاب الموعد به .
المسألة الثالثة : في التنور قولان : أحدهما : أنه التنورالذي يخبز فيه . والثاني : أنه غيره ، أما الأول وهو أنه التنور الذي يخبز فيه فهو قول جماعة عظيمة من المفسرين كابن عباس والحسن ومجاهد . وهؤلاء اختلفوا ، فمنهم من قال : إنه تنور لنوح عليه السلام ، وقيل : كان لآدم قال الحسن : كان تنوراً من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام ، واختلفوا في موضعه فقال الشعبي : إنه كان بناحية الكوفة ، وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد الكوفة ، قال : وقد صلى فيه سبعون نبياً ، وقيل بالشام بموضع يقال له : عين وردان وهو قول مقاتل وقيل : فار التنور بالهند ، وقيل : إن امرأته كانت تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك الأشياء في السفينة .
القول الثاني : ليس المراد من التنور تنور الخبز ، وعلى هذا التقدير ففيه أقوال : الأول : أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال : { فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } [ القمر : 11 ، 12 ] والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً . الثاني : أن التنور أشرف موضع في الأرض وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له ، وأيضاً المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض ، ومن الأمكنة المرتفعة فشبهت لارتفاعها بالتنانير . الثالث : { فَارَ التنور } أي طلع الصبح وهو منقول عن علي رضي الله عنه . الرابع : { فَارَ التنور } يحتمل أن يكون معناه أشد الأمر كما يقال : حمي الوطيس ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانج بنفسك ومن معك إلى السفينة .
فإن قيل : فما الأصح من هذه الأقوال؟
قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه ولا امتناع في العقل في أن يقال : إن الماء نبع أولاً من موضع معين وكان ذلك الموضع تنوراً .
فإن قيل : ذكر التنور بالألف واللام وهذا إنما يكون معهود سابق معين معلوم عند السامع وليس في الأرض تنور هذا شأنه ، فوجب أن يحمل ذلك على أن المراد إذا رأيت الماء يشتد نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك .

(8/407)


قلنا : لا يبعد أن يقال : إن ذلك التنور كان لنوح عليه السلام بأن كان تنور آدم أو حواء أو كان تنوراً عينه الله تعالى لنوح عليه السلام وعرفه أنك إذا رأيت الماء يفور فاعلم أن الأمر قد وقع ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى صرف الكلام عن ظاهره .
المسألة الرابعة : معنى { فار } نبع على قوة وشدة تشبيهاً بغليان القدر عند قوة النار ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من التنور ، والذي روي أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة ، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلا بد وأن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين ، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة .
المسألة الخامسة : قال الليث : التنور لفظة عمت بكل لسان وصاحبه تنار ، قال الأزهري : وهذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجمياً فتعربه العرب فيصير عربياً ، والدليل على ذلك أن الأصل تنار ولا يعرف في كلام العرب تنور قبل هذا ، ونظيره ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الديباج والدينار والسندس والاستبرق فإن العرب لما تكلموا بهذه الألفاظ صارت عربية .
واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله تعالى بأن يحمل في السفينة ثلاثة أنواع من الأشياء . فالأول : قوله : { قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } قال الأخفش : تقول الاثنان هما زوجان قال تعالى : { وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [ الذاريات : 49 ] فالسماء زوج والأرض زوج والشتاء زوج والصيف زوج والنهار زوج والليل زوج ، وتقول للمرأة هي زوج وهو زوجها قال تعالى : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ النساء : 1 ] يعني المرأة ، وقال : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى } [ النجم : 45 ] فثبت أن الواحد قد يقال له : زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى : { ثمانية أزواج مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين } [ الأنعام : 143 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر والآخر أنثى ، ولذلك قرأ حفص { مِن كُلّ } بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله : { زَوْجَيْنِ اثنين } لأنا نقول هذا على مثال قوله : { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } [ النحل : 51 ] وقوله : { نَفْخَةٌ واحدة } [ الحاقة : 13 ] وأما على القراءة المشهورة ، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله : { زَوْجَيْنِ اثنين } غير الحيوان أم لا؟ فنقول : أما الحيوان فداخل لأن قوله : { مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } يدخل فيه كل الحيوانات ، وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه ، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه ، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال : لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحاً عليه السلام قال : يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى : «فسوف أشغله عن الطعام» فسلط الله تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها ، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به حمى . الثاني : من الأشياء التي أمر الله نوحاً عليه السلام بحملها في السفينة .

(8/408)


قوله تعالى : { وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } قالوا : كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث ، ولكل واحد منهم زوجة ، وقيل أيضاً كانوا ثمانية ، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام .
وأما قوله : { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين ، حكم الله تعالى عليهم بالهلاك .
فإن قيل : الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات؟
قلنا : الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب ، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات ، فلهذا السبب وقع الابتداء به .
واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله : { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب ، قالوا : لأن قوله : { سَبَقَ عَلَيْهِ القول } مشعر بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : « السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه »
النوع الثالث : من تلك الأشياء قوله : { وَمَنْ ءامَنَ } قالوا كانوا ثمانين . قال مقاتل : في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك ، لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها ، فسميت بهذا الاسم وذكروا ماهو أزيد منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن الله تعالى وصفهم بالقلة وهو قوله تعالى : { وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } .
فإن قيل : لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم يقل قليلون كما في قوله : { إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } [ الشعراء : 54 ] .
قلنا : كلا اللفظين جائز ، والتقدير ههنا وما آمن معه إلا نفر قليل ، فأما الذي يروي أن إبليس دخل السفينة فبعيد ، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضاً كتاب الله تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ما ورد فيه ، فالأولى ترك الخوض فيه .

(8/409)


وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)

أما قوله : { وَقَالَ } يعني نوح عليه السلام لقومه : { اركبوا } والركوب العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البحر وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه ، يقال ركبه الدين قال الليث : وتسمي العرب من يركب السفينة راكب السفينة . وأما الركبان والركب من ركبوا الدواب والإبل . قال الواحدي : ولفظة ( في ) في قوله : { اركبوا فِيهَا } لا يجوز أن تكون من صلة الركوب ، لأنه يقال ركبت السفينة ولا يقال ركبت في السفينة ، بل الوجه أن يقال مفعول اركبوا محذوف والتقدير اركبوا الماء في السفينة ، وأيضاً يجوز أن يكون فائدة هذه الزيادة ، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها فلو قال اركبوها : لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة .
أما قوله تعالى : { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجريها بفتح الميم والباقون بضم الميم واتفقوا في مرساها أنه بضم الميم ، وقال صاحب «الكشاف» : قرأ مجاهد { مجريها ومرسيها } بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله تعالى . قال الواحدي : المجرى مصدر كالإجراء ، ومثله قوله : { مُنزَلاً مُّبَارَكاً } [ المؤمنون : 29 ] و { أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } [ الإسراء : 80 ] وأما من قرأ { مجريها } بفتح الميم ، فهو أيضاً مصدر ، مثل الجري . واحتج صاحب هذه القراءة بقوله : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } [ هود : 42 ] ولو كان مجراها لكان وهي تجريهم ، وحجة من ضم الميم أن جرت بهم وأجرتهم يتقاربان في المعنى ، فإذا قال : { تَجْرِى بِهِمْ } فكأنه قال : تجريهم ، وأما المرسي فهو أيضاً مصدر كالإرساء . يقال : رسا الشيء يرسو إذا ثبت وأرساه غيره ، قال تعالى : { والجبال أرساها } [ النازعات : 32 ] قال ابن عباس : يريد تجري بسم الله وقدرته ، وترسو بسم الله وقدرته ، وقيل : كان إذا أراد أن تجري بهم قال : { بِسْمِ اللَّهِ } فتجري ، وإذا أراد أن ترسو قال : بسم الله مرساها فترسو .
المسألة الثانية : ذكروا في عامل الإعراب في { بِسْمِ اللَّهِ مجريها } وجوهاً : الأول : اركبوا بسم الله ، والثاني : ابدؤا بسم الله ، والثالث : بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، وقيل : إنها سارت لأول يوم من رجب ، وقيل : لعشر مضين من رجب ، فصارت ستة أشهر ، واستوت يوم العاشر من المحرم على الجودي .
المسألة الثالثة : في الآية احتمالان :
الاحتمال الأول : أن يكون مجموع قوله : { وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } كلاماً واحداً ، والتقدير : وقال اركبوا فيها بسم مجريها ومرساها ، يعني ينبغي أن يكون الركوب مقروناً بهذا الذكر .
والاحتمال الثاني : أن يكونا كلامين ، والتقدير : أن نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب ، ثم أخبرهم بأن مجريها ومرساها ليس إلا بسم الله وأمره وقدرته .

(8/410)