صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الإجمال ذكره في هذه الآية على سبيل التفصيل ، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة ، ثم بين في هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء . فأولها قوله : { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خاالدين فِيهَا } والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده : { ومساكن طَيّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه ، فتكون مساكنهم في جنات عدن ، ومناظرهم الجنات التي هي البساتين ، فتكون فائدة وصفها بأنها عدن ، أنها تجري مجرى الدار التي يسكنها الإنسان . وأما الجنات الآخرة فهي جارية مجرى البساتين التي قد يذهب الإنسان إليها لأجل التنزه وملاقاة الأحباب . وثانيها : قوله : { ومساكن طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ } قد كثر كلام أصحاب الآثار في صفة جنات عدن . قال الحسن : سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله : { ومساكن طَيّبَةً } فقالا : على الخبير سقطت ، سألنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : « هو قصر في الجنة من اللؤلؤ ، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريراً ، على كل سرير سبعون فراشاً ، على كل فراش زوجة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لوناً من الطعام ، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، يعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع » وعن ابن عباس أنها دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر . وأقول لعل ابن عباس قال : إنها دار المقربين عند الله فإنه كان أعلم بالله من أن يثبت له داراً ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت يا رسول الله حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال : « لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر وترابها الزعفران وحصاؤها الدر والياقوت . فيها النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه » وقال ابن مسعود : جنات عدن بطنان الجنة ، قال الأزهري : بطنانها وسطها ، وبطنان الأودية المواضع التي يستنفع فيها ماء السيل واحدها بطن ، وقال عطاء عن ابن عباس : هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى ، وسائر الجنات حولها وفيها عين التسنيم وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأذفر . وقال عبد الله بن عمرو : إن في الجنة قصراً يقال له عدن ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حرة ، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ، وأقول حاصل الكلام إن في جنات عدن قولان : أحدهما : أنه اسم علم لموضع معين في الجنة ، وهذه الأخبار والآثار التي نقلناها تقوي هذا القول . (8/94)
قال صاحب «الكشاف» : وعدن علم بدليل قوله : { جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن } [ مريم : 61 ] . (8/95)
والقول الثاني : أنه صفة للجنة قال الأزهري : العدن مأخوذ من قولك عدن فلان بالمكان إذا أقام به ، يعدن عدونا . والعرب تقول : تركت إبل بني فلان عودان بمكان كذا ، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه ، ومنه المعدن وهو المكان الذي تخلق الجواهر فيه ومنبعها منه ، والقائلون بهذا الاشتقاق قالوا : الجنات كلها جنات عدن .
والنوع الثالث : من المواعيد التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله : { ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ } والمعنى أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره ، واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من السعادات الجسمانية ، وذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضياً عنه ، وأن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية أو ليس الأمر كذلك ، بل علمه بكونه راضياً عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته من غير أن يتوسل به إلى مطلوب آخر ، والأول باطل ، لأن ما كان وسيلة إلى الشيء لا يكون أعلى حالاً من ذلك المقصود ، فلو كان المقصود من رضوان الله أن يتوسل به إلى اللذات التي أعدها الله في الجنة من الأكل والشرب لكان الابتهاج بالرضوان ابتهاجاً بحصول الوسيلة . ولكان الابتهاج بتلك اللذات ابتهاجاً بالمقصود ، وقد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لا بد وأن يكون أقل حالاً من الابتهاج بالمقصود . فوجب أن يكون رضوان الله أقل حالاً وأدون مرتبة من الفوز بالجنات والمساكن الطيبة ، لكن الأمر ليس كذلك ، لأنه تعالى نص على أن الفوز بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر ، وذلك دليل قاطع على أن السعادات الروحانية أكمل وأشرف من السعادات الجسمانية .
واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معاً كما جمع الله بينهما في هذه الآية . ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة قال : { ذلك هُوَ الفوز العظيم } وفيه وجهان : الأول : أن الإنسان مخلوق من جوهرين ، لطيف علوي روحاني ، وكثيف سفلي جسماني وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة ، فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية كانت الروح فائزة بالسعادات اللائقة بها ، والجسد واصلاً إلى السعادات اللائقة به ، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم . الثاني : أنه تعالى بين في وصفه المنافقين أنهم تشبهوا بالكفار الذين كانوا قبلهم في التنعم بالدنيا وطيباتها . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية وصف ثواب المؤمنين ، ثم قال : { ذلك هُوَ الفوز العظيم } والمعنى : أن هذا هو الفوز العظيم ، لا ما يطلبه المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا . وروي أنه تعالى يقول لأهل الجنة : " هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك ، فيقول أما أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا وأي شيء أفضل من ذلك . قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً " واعلم أن دلالة هذا الحديث على أن السعادات الروحانية أفضل من الجسمانية كدلالة الآية وقد تقدم تقريره على الوجه الكامل .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)
واعلم أنا ذكرنا أنه تعالى لما وصف المنافقين بالصفات الخبيثة وتوعدهم بأنواع العقاب ، وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد ، لا جرم ذكر عقيبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطاهرة الطيبة ، ووعدهم بالثواب الرفيع والدرجات العالية ، ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال الكفار والمنافقين في هذه الآية فقال : { ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين } وفي الآية سؤال ، وهو أن الآية تدل على وجوب مجاهدة المنافقين وذلك غير جائز ، فإن المنافق هو الذي يستر كفره وينكره بلسانه ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته . (8/96)
واعلم أن الناس ذكروا أقوالاً بسبب هذا الإشكال .
فالقول الأول : أنه الجهاد مع الكفار وتغليظ القول مع المنافقين وهو قول الضحاك . وهذا بعيد لأن ظاهر قوله : { جاهد الكفار والمنافقين } يقتضي الأمر بجهادهما معاً ، وكذا ظاهر قوله : { واغلظ عَلَيْهِمْ } راجع إلى الفريقين .
القول الثاني : أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بالظاهر ، قال عليه السلام : " نحن نحكم بالظاهر " والقوم كانوا يظهرون الإسلام وينكرون الكفر ، فكانت المحاربة معهم غير جائزة» .
والقول الثالث : وهو الصحيح أن الجهاد عبارة عن بذل الجهد ، وليس في اللفظ ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر فنقول : إن الآية تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين ، فأما كيفية تلك المجاهد فلفظ الآية لا يدل عليها ، بل إنما يعرف من دليل آخر .
وإذا ثبت هذا فنقول : دلت الدلائل المنفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف ، ومع المنافقين بإظهار الحجة تارة ، وبترك الرفق ثانياً ، وبالانتهار ثالثاً . قال عبد الله في قوله : { جاهد الكفار والمنافقين } قال تارة باليد ، وتارة باللسان ، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه ، فمن لم يستطع فبالقلب ، وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها . قال القاضي : وهذا ليس بشيء ، لأن إقامة الحد واجبة على من ليس بمنافق ، فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق ، ثم قال : وإنما قال الحسن ذلك ، لأحد أمرين ، إما لأن كل فاسق منافق ، وإما لأجل أن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن الرسول عليه السلام كانوا منافقين .
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)
اعلم أن هذه الآية تدل على أن أقواماً من المنافقين ، قالوا كلمات فاسدة ، ثم لما قيل لهم إنكم ذكرتم هذه الكلمات خافوا ، وحلفوا أنهم ما قالوا ، والمفسرون ذكروا في أسباب النزول وجوهاً : الأول : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ، ويعيب المنافقين المتخلفين . فقال الجلاس بن سويد : والله لئن كان ما يقوله محمد في إخواننا الذين خلفناهم في المدينة حقاً مع أنهم أشرافنا ، فنحن شر من الحمير ، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس : أجل والله إن محمداً صادق ، وأنت شر من الحمار . وبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستحضر الجلاس ، فحلف بالله أنه ما قال ، فرفع عامر يده وقال : اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب ، فنزلت هذه الآية . فقال الجلاس : لقد ذكر الله التوبة في هذه الآية ، ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر ، فتاب الجلاس ، وحسنت توبته . الثاني : روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، وأراد به الرسول صلى الله عليه وسلم . فسمع زيد بن أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول ، فهم عمر بقتل عبد الله بن أبي ، فجاء عبد الله وحلف أنه لم يقل ، فنزلت هذه الآية . الثالث : روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار ، فظهر الغفاري على الجهيني ، فنادى عبد الله بن أبي : يا بني الأوس انصروا أخاكم ، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك . فذكروه للرسول عليه السلام ، فأنكر عبد الله ، وجعل يحلف . قال القاضي : يبعد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع وذلك لأن قوله : { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر } إلى آخر الآية كلها صيغ الجموع ، وحمل صيغة الجمع على الواحد ، خلاف الأصل . (8/97)
فإن قيل : لعل ذلك الواحد . قال في محفل ورضي به الباقون .
قلنا : هذا أيضاً خلاف الظاهر لأن إسناد القول إلى من سمعه ورضي به خلاف الأصل ، ثم قال : بلى الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي : أن المنافقين هموا بقتله عند رجوعه من تبوك وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل ، وكان عمار بن ياسر آخذاً بالخطام على راحلته وحذيفة خلفها يسوقها ، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح ، فالتفت ، فإذا قوم متلثمون . فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا . والظاهر أنهم لما اجتمعوا لذلك الغرض ، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب والتصنع في ادعاء الرسالة ، وذلك هو قول كلمة الكفر وهذا القول اختيار الزجاج .
فأما قوله : { وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم } فلقائل أن يقول : إنهم أسلموا ، فكيف يليق بهم هذا الكلام؟ (8/98)
والجواب من وجهين : الأول : المراد من الإسلام السلم الذي هو نقيض الحرب ، لأنهم لما نافقوا ، فقد أظهروا الإسلام ، وجنحوا إليه ، فإذا جاهروا بالحرب ، وجب حربهم . والثاني : أنهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام .
وأما قوله : { وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } المراد إطباقهم على الفتك بالرسول ، والله تعالى أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتى احترز عنهم ، ولم يصلوا إلى مقصودهم .
وأما قوله : { وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } ففيه بحثان :
البحث الأول : أن في هذا الفضل وجهين : الأول : أن هؤلاء المنافقين كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة ، وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله . والثاني : روي أنه قتل للجلاس مولى ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى .
البحث الثاني : أن قوله : { وَمَا نَقَمُواْ إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ } تنبيه على أنه ليس هناك شيء ينقمون منه ، وهذا كقول الشاعر :
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وكقول النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
أي ليس فيهم عيب ، ثم قال تعالى : { فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ } والمراد استعطاف قلوبهم بعد ما صدرت الجناية العظيمة عنهم ، وليس في الظاهر إلا أنهم إن تابوا فازوا بالخير ، فأما أنهم تابوا فليس في الآية ، وقد ذكرنا ما قالوه في توبة الجلاس .
ثم قال : { وَإِن يَتَوَلَّوْا } أي عن التوبة { يُعَذِّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والأخرة } أما عذاب الآخرة ، فمعلوم . وأما العذاب في الدنيا ، فقيل : المراد به أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب ، فيحل قتالهم وقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم واغتنام أموالهم . وقيل بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب . وقيل : المراد عذاب القبر { وَمَا لَهُمْ فِى الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يعني أن عذاب الله إذا حق لم ينفعه ولي ولا نصير .
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)
اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول : { وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى } [ التوبة : 61 ] { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات } [ التوبة : 58 ] { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } [ التوبة : 49 ] { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم ، فلحقه شدة ، فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار ، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله ، إلى آخر الآية ، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال : يارسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً . فقال عليه السلام : « يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه » فراجعه وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له ، فاتخذ غنماً ، فنمت كما ينمو الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل وادياً بها ، فجعل يصلي الظهر والعصر ويترك ما سواهما ، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة . وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار ، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، فأخبر بخبره فقال : « يا ويح ثعلبة » فنزل قوله : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } فبعث إليه رجلين وقال : « مرا بثعلبة فخذا صدقاته » فعند ذلك قال لهما : ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية ، فلم يدفع الصدقة فأنزل الله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } فقيل له : قد أنزل فيك كذا وكذا ، فأتى الرسول عليه السلام وسأله أن يقبل صدقته ، فقال : إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب على رأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « قد قلت لك فما أطعتني » فرجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم أتى أبا بكر بصدقته ، فلم يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر ، ثم لم يقبلها عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . (8/99)
فإن قيل : إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة ، فكيف يجوز من الرسول عليه السلام أن لا يقبلها منه؟
قلنا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول الصدقة منه على سبيل الإهانة له ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن أداء الصدقات ، ولا يبعد أيضاً أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، لا على وجه الإخلاص؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك الصدقة ، لهذا السبب ، ويحتمل أيضاً أنه تعالى لما قال : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ، فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة ، والله أعلم .
المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه لو آتاه مالاً لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات ، ثم إنه تعالى آتاه المال ، وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد ، وههنا سؤالات : (8/100)
السؤال الأول : المنافق كافر ، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى؟
والجواب : المنافق قد يكون عارفاً بالله ، إلا أنه كان منكراً لنبوة محمد عليه السلام ، فلكونه عارفاً بالله يمكنه أن يعاهد الله ، ولكونه منكراً لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، كان كافراً . وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا العالم مقرون بوجود الصانع القادر؟ ويقل في أصناف الكفار من ينكره ، والكل معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات ، ويعلمون أنه يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق ، فهذه أمور متفق عليها بين الأكثرين ، وأيضاً فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان مسلماً ، ثم لما بخل بالمال ، ولم يف بالعهد صار منافقاً ، ولفظ الآية مشعر بما ذكرناه حيث قال : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } .
السؤال الثاني : هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان ، أو لا حاجة إلى التلفظ حتى لو نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة؟
الجواب : منهم من قال : كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره ، ولكن نواه بقلبه فهو داخل في هذا العهد . يروى عن المعتمر بن سليمان قال : أصابتنا ريح شديدة في البحر ، فنذر قوم منا أنواعاً من النذور ، ونويت أنا شيئاً وما تكلمت به ، فلما قدمت البصرة سألت أبي ، فقال : يا بني ف به . وقال أصحاب هذا القول إن قوله : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله } كان شيئاً نووه في أنفسهم ، ألا ترى أنه تعالى قال : { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } وقال المحققون : هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان ، والدليل عليه قوله عليه السلام : « إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم يتلفظوا به » أو لفظ هذا معناه وأيضاً فقوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا الله مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } إخبار عن تكلمه بهذا القول ، وظاهره مشعر بالقول باللسان .
السؤال الثالث : قوله : { لَنَصَّدَّقَنَّ } المراد منه إخراج مال ، ثم إن إخراج المال على قسمين قد يكون واجباً ، وقد يكون غير واجب . والواجب قسمان : قسم وجب بإلزام الشرع ابتداء ، كإخراج الزكاة الواجبة ، وإخراج النفقات الواجبة ، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور .
إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة ، فقوله : { لَنَصَّدَّقَنَّ } هل يتناول الأقسام الثلاثة ، أو ليس الأمر كذلك؟
والجواب : قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة ، فغير داخلة تحت هذه الآية ، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله : { بَخِلُواْ بِهِ } والبخل في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب ، وأيضاً أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك المندوب لا يستحق الذم . وأما القسمان الباقيان ، فالذي يجب بإلزام الشرع داخل تحت الآية لا محالة ، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو ، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات الواجبة . (8/101)
بقي أن يقال : هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل ، كان قد التزم إخراج مال على سبيل النذر؟ والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه ، لأن المذكور في اللفظ ليس إلا قوله : { لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } وهذا لا يشعر بالنذر ، لأن الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع الله عليه ، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام ، والزكاة لا تلزم بسبب هذا الالتزام ، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول .
قلنا : قوله : { لَنَصَّدَّقَنَّ } لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور ، لأن هذا إخبار عن إيقاع هذا الفعل في المستقبل ، وهذا القدر لا يوجب الفور ، فكأنهم قالوا : لنصدقن في وقت كما قالوا { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } أي في أوقات لزوم الصلاة ، فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد ، إخراج الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء ، ويتأكد ذلك بما روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة ، فكأنه تعالى بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين ، فكذلك ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه ، ولا يقومون بما يقولون والغرض منه المبالغة في وصفهم بالنفاق ، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي .
السؤال الرابع : ما المراد من الفضل في قوله : { لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ } .
والجواب : المراد إيتاء المال بأي طريق كان ، سواء كان بطريق التجارة ، أو بطريق الاستنتاج أو بغيرهما .
السؤال الخامس : كيف اشتقاق { لَنَصَّدَّقَنَّ } .
الجواب : قال الزجاج : الأصل لنتصدقن . ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها . قال الليث : المصدق المعطي والمتصدق السائل . قال الأصمعي والفراء : هذا خطأ فالمتصدق هو المعطي قال تعالى : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين } [ يوسف : 88 ] السؤال السادس : ما المراد من قوله : { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } .
الجواب : الصالح ضد المفسد ، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في التكليف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف . قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ثعلبة قد عاهد الله تعالى لئن فتح الله عليه أبواب الخير ليصدقن وليجعن ، وأقول التقييد لا دليل عليه . بل قوله : { لَنَصَّدَّقَنَّ } إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة وقوله : { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق .
ثم قال تعالى : { فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ } وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة : (8/102)
الصفة الأولى : البخل وهو عبارة عن منع الحق .
والصفة الثانية : التولي عن العهد .
والصفة الثالثة : الإعراض عن تكاليف الله وأوامره .
ثم قال تعالى : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره . والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره ، والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح ، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق ، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض ، لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركاً لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثراً في حصول النفاق في القلب ، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثراً في حصول الجهل في القلب . أما أولاً : فلأن ترك الواجب عدم ، والجهل وجود العدم لا يكون مؤثراً في الوجود . وأما ثانياً : فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق ، مع أنه لا يحصل معه النفاق . وأما ثالثاً : فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزاً شرعاً أو كان محرماً شرعاً ، لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثراً . وأما رابعاً : فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقاً في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ، وذلك لا يجوز ، لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل . فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه ، فوجب إسناده إليه ، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم ، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى ، وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه : أنهم لما ضلوا في الماضي ، فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل ، والذي يؤكد القول بأن قوله { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً } مسند إلى الله جل ذكره أنه قال : { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } والضمير في قوله تعالى : { يَلْقَوْنَهُ } عائد إلى الله تعالى ، فكان الأولى أن يكون قوله : { فَأَعْقَبَهُمْ } مسنداً إلى الله تعالى . قال القاضي : المراد من قوله : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } أي فأعقبهم العقوبة على النفاق ، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم ، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة . قلنا : هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة ، فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر ، قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية ، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت .
المسألة الثانية : قال الليث : يقال : أعقبت فلاناً ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك . قال الهذلي : (8/103)
أودى بني وأعقبوني حسرة ... بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
ويقاتل : أكل فلان أكلة أعقبته سقماً ، وأعقبه الله خيراً . وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله .
المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به ، ومذهب الحسن البصري رحمه الله أنه يوجب النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام : « ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن ، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن حان » وعن النبي عليه السلام : « تقبلوا لي ستاً أتقبل لكم الجنة إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وكفوا أبصاركم وأيديكم وفروجكم . أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم عن الزنا » قال عطاء بن أبي رباح : حدثني جابر بن عبد الله أنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن يخرجوا معه فأخلفوه ، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال : إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله وإذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ونقل أن واصل بن عطاء قال : أتى الحسن رجل فقال له : إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم أكله الذئب وكذبوه ووعدوه في قولهم : { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } فأخلفوه وائتمنهم أبوهم على يوسف فخانوه فهل نحكم بكونهم منافقين؟ فتوقف الحسن رحمه الله .
المسألة الرابعة : { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } يدل على أن ذلك المعاهد مات منافقاً ، وهذا الخبر وقع مخبره مطابقاً له ، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال : إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك ، وبقي على تلك الحالة ، وما قبل صدقته أحد حتى مات ، فدل على أن مخبر هذا الخبر وقع موافقاً ، فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً .
المسألة الخامسة : قال الجبائي : إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله تعالى بقوله : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية ، بدليل أنه قال في صفة المنافقين : { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وأجمعوا على أن الكفار لا يرونه ، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . قال : والذي يقويه قوله عليه السلام : « من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان » وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ههنا : لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا . والقاضي استحسن هذا الكلام . وأقول : أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال هذه الوجوه الضعيفة؟! وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه الآية ، وفي هذا الخبر لدليل منفصل ، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور . ألا ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل ، لم يلزمنا مثله في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل ، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية ، وذلك ممنوع . فنقول : لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئاً فقد وصل إليه فكانت الرؤية لقاء ، كما أن الإدراك هو البلوغ . قال تعالى : { قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء : 61 ] أي لملحقون ، ثم حملناه على الرؤية فكذا ههنا ، ثم نقول : لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية ، بل المقصود أنه تعالى { فأعقبهم نفاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي حكمه وقضاءه ، وهو كقول الرجل ستلقى عملك غداً ، أي تجازى عليه ، قال تعالى : { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } والمعنى : أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب . (8/104)
ثم قال تعالى : { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } والسر ما ينطوي عليه صدورهم ، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضاً فيما بينهم ، وهو مأخوذ من النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } [ مريم : 52 ] وقوله : { فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّا } [ يوسف : 80 ] وقوله : { فَلاَ تتناجوا بالإثم والعدوان . . . وتناجوا بالبر والتقوى } [ المجادلة : 9 ] وقوله : { إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً } [ المجادلة : 12 ] .
إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال : ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم فكيف يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؟
ثم قال : { وَأَنَّ الله علام الغيوب } والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما كان غائباً عن الخلق . والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع الأشياء . فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات ، فيجب كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر ، فكيف يمكن الاخفاء منه؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى عليه السلام : { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } [ المائدة : 116 ] فأما وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله محال .
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)
اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة ، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعاً وطبعاً . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحث على أن يجمعوا الصدقات ، فجاءه عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لي ثمانية آلاف درهم ، فأمسكت لنفسي وعيالي أربعة وهذه الأربعة أقرضتها ربي ، فقال : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت . قيل : قبل الله دعاء الرسول فيه حتى صالحت امرأته ناضر عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً ، وجاء عمر بنحو ذلك ، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وسقاً من تمر الصدقة ، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ، وقال : آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله ، فأخذت صاعين من تمر ، فأمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر ربي ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات . فقال المنافقون على وجه الطعن ما جاؤوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة . وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر ، والله غني عن صاعه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والكلام في تفسير اللمز مضى عند قوله : { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات } والمطوعون المتطوعون ، والتطوع التنفل ، وهو الطاعة لله تعالى بما ليس بواجب ، وسبب إدغام التاء في الطاء قرب المخرج . قال الليث : الجهد شيء قليل يعيش به المقل ، قال الزجاج : { إِلاَّ جُهْدَهُمْ } وجهدهم بالضم والفتح . قال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم ، وحكى ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال الجهد الطاقة . تقول هذا جهدي أي طاقتي . (8/105)
إذا عرفت هذا فالمراد بالمطوعين في الصدقات ، أولئك الأغنياء الذين أتوا بالصدقات الكثيرة وبقوله : { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } أبو عقيل حيث جاء بالصاع من التمر . ثم حكى عن المنافقين أنهم يسخرون منهم ، ثم بين أن الله تعالى سخر منهم .
واعلم أن إخراج المال لطلب مرضاة الله ، قد يكون واجباً كما في الزكوات وسائر الإنفاقات الواجبة وقد يكون نافلة ، وهو المراد من هذه الآية ، ثم الآتي بالصدقة النافلة قد يكون غنياً فيأتي بالكثير ، كعبد الرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان . وقد يكون فقيراً فيأتي بالقليل وهو جهد المقل ولا تفاوت بين البابين في استحقاق الثواب ، لأن المقصود من الأعمال الظاهرة كيفية النية واعتبار حال الدواعي والصوارف . فقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير أكثر موقعاً عند الله تعالى من الكثير الذي يأتي به الغني . ثم إن أولئك الجهال من المنافقين ما كان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور فعيروا ذلك الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة ، وذلك التعيير يحتمل وجوهاً : الأول : أن يقولوا إنه لفقره محتاج إليه ، فكيف يتصدق به؟ إلا أن هذا من موجبات الفضيلة ، كما قال تعالى :
{ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر : 9 ] وثانيها : أن يقولوا أي أثر لهذا القليل؟ وهذا أيضاً جهل ، لأن هذا الرجل لما لم يقدر إلا عليه فإذا جاء به فقد بذل كل ما يقدر عليه فهو أعظم موقعاً عند الله من عمل غيره ، لأنه قطع تعلق قلبه عما كان في يده من الدنيا ، واكتفى بالتوكل على المولى . وثالثها : أن يقولوا إن هذا الفقير إنما جاء بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس في هذا المنصب ، وهذا أيضاً جهل ، لأن سعي الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين ، خير له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة . (8/106)
وأما قوله : { سَخِرَ الله مِنْهُمْ } فقد عرفت القانون في هذا الباب . وقال الأصم : المراد أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر مع أنه لا يثيبهم عليها ، فكان ذلك كالسخرية .
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)
في الآية مسائل : (8/107)
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن عند نزول الآية الأولى في المنافقين ، قالوا : يا رسول الله استغفر لنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سأستغفر لكم ، وأشتغل بالاستغفار لهم ، فنزلت هذه الآية ، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار . وقال الحسن : كانوا يأتون رسول الله ، فيعتذرون إليه ويقولون إن أردنا إلا الحسنى وما أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً ، فنزلت هذه الآية . وروى الأصم : أنه كان عبد الله بن أبي بن سلول إذا خطب الرسول . قام وقال هذا رسول الله أكرمه الله وأعزه ونصره ، فلما قام ذلك المقام بعد أحد قال له عمر : اجلس يا عدو الله ، فقد ظهر كفرك وجبهه الناس من كل جهة ، فخرج من المسجد ، ولم يصل فلقيه رجل من قومه . فقال له : ما صرفك؟ فحكى القصة . فقال : ارجع إلى رسول الله يستغفر لك . فقال : ما أبالي أستغفر لي أو لم يستغفر لي فنزل { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ } [ المنافقون : 5 ] وجاء المنافقون بعد أحد يعتذرون ويتعللون بالباطل أن يستغفر لهم .
المسألة الثانية : { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } وروى الشعبي قال : دعا عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة أبيه فقال له عليه السلام : «من أنت؟» فقال : أنا الحباب بن عبد الله قال : بل أنت عبد الله بن عبد الله ، إن الحباب هو الشيطان ، ثم قرأ هذه الآية . قال القاضي : ظاهر قوله : { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار ، وقد حكيت ما روي فيه من الأخبار ، والأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما أن الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار ، فنزلت هذه الآية .
المسألة الثالثة : من الناس من قال إن التخصيص بالعدد المعين ، يدل على أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه ، وهو مذهب القائلين بدليل الخطاب . قالوا : والدليل عليه أنه لما نزل قوله تعالى : { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } قال عليه السلام : " والله لأزيدن على السبعين " ولم ينصرف عنه حتى نزل قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [ المنافقون : 6 ] الآية فكف عنهم .
ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال بالعكس أولى ، لأنه تعالى لما بين للرسول عليه السلام أنه لا يغفر لهم ألبتة . ثبت أن الحال فيما وراء العدد المذكور مساو للحال في العدد المذكور ، وذلك يدل على أن التقييد بالعدد لا يوجب أن يكون الحكم فيما وراءه بخلافه .
المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن الرسول عليه السلام اشتغل بالاستغفار للقوم فمنعه الله منه ، ومنهم من قال : إن المنافقين طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لهم فالله تعالى نهاه عنه والنهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي مقدماً على ذلك الفعل ، وإنما قلنا إنه عليه السلام ما اشتغل بالاستغفار لهم لوجوه : الأول : أن المنافق كافر ، وقد ظهر في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز . ولهذا السبب أمر الله رسوله بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام إلا في قوله لأبيه { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [ الممتحنة : 4 ] وإذا كان هذا مشهوراً في الشرع فكيف يجوز الإقدام عليه؟ الثاني : أن استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصراً على القبح والمعصية . الثالث : أن إقدامه على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى إغرائهم بالإقدام على الذنب . الرابع : أنه تعالى إذا كان لا يجيبه إليه بقي دعاء الرسول عليه السلام مردوداً عند الله ، وذلك يوجب نقصان منصبه . الخامس : أن هذا الدعاء لو كان مقبولاً من الرسول لكان قليله مثل كثيره في حصول الإجابة . فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه ، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع ، بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة : لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك ، ولا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها فكذا ههنا ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى في الآية : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله } فبين أن العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة ، كفرهم وفسقهم ، وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين ، فصار هذا التعليل شاهداً بأن المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع إصرارهم على الكفر ، ويؤكده أيضاً قوله تعالى : { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } والمعنى أن فسقهم مانع من الهداية . فثبت أن الحق ما ذكرناه . (8/108)
المسألة الخامسة : قال المتأخرون من أهل التفسير ، السبعون عند العرب غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جمع السبعة عشر مرات ، والسبعة عدد شريف لأن عدد السموات والأرض والبحار والأقاليم والنجوم والأعضاء ، هو هذا العدد . وقال بعضهم : هذا العدد إنما خص بالذكر ههنا لأنه روي أن النبي عليه السلام كبر على حمزة سبعين تكبيرة ، فكأنه قيل : { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً } بإزاء صلاتك على حمزة ، وقيل الأصل فيه قوله تعالى : { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } [ البقرة : 261 ] وقال عليه السلام : « الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة » فلما ذكر الله تعالى هذا العدد في معرض التضعيف لرسوله صار أصلاً فيه .
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين ، وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، والمخلف المتروك ممن مضى . (8/109)
فإن قيل : إنهم احتالوا حتى تخلفوا ، فكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون .
والجواب من وجوه : الأول : أن الرسول عليه السلام منع أقواماً من الخروج معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون ، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين . والثاني : أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهي قوله : { فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّاً } [ التوبة : 83 ] فلما منعهم الله تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين . الثالث : أن من يتخلف عن الرسول عليه السلام بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من حيث لم ينهض فبقي وأقام . وقوله : { بِمَقْعَدِهِمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المدينة ، فعلى هذا المقعد اسم للمكان . وقال مقاتل : { بِمَقْعَدِهِمْ } بقعودهم وعلى هذا ، هو اسم للمصدر . وقوله : { خلاف رَسُولِ الله } فيه قولان : الأول : وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج ، يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا . قالوا : وهو منصوب لأنه مفعول له ، والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثاني : قال الأخفش : إن { خلاف } بمعنى خلف ، وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله ، ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ { خلف رَسُولِ الله } وعلى هذا القول ، الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف ، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجهاً إليها ، وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص :
عقب الربيع خلافهم فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا
وقوله : { وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو .
واعلم أن الفرح بالإقامة على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد ، وأيضاً لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار ، وأيضاً مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو المراد من قوله : { وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى الحر } .
فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله : { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } أي إن بعد هذه الدار داراً أخرى ، وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى ، وأيضاً هذه مشقة منقضية ، وتلك مشقة باقية ، وروى صاحب «الكشاف» لبعضهم :
مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم أنها شبه أنصاب (8/110)
فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب
ثم قال تعالى : { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة ، والدليل عليه قوله بعد ذلك : { جَزآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ومعنى الآية أنهم ، وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم ، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة ، وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير ، لأنه عقاب دائم لا ينقطع ، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل ، فلهذا المعنى قال : { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } قال الزجاج : قوله : { جَزَاء } مفعول له ، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض . وقوله : { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجداً لأفعاله ، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالماً ، مشهور ، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مراراً تغني عن الإعادة .
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)
واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته ، لأن خروجهم معه يوجب أنواعاً من الفساد . فقال : { فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَّآئِفَةٍ مِّنْهُمْ } أي من المنافقين { فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } قوله : { فَإِن رَّجَعَكَ الله } يريد إن ردك الله إلى المدينة ، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه ، يقال رجعته رجعاً كقولك رددته رداً . وقوله : { إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين ، بل كان بعضهم مخلصين معذورين . وقوله : { فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ } أي للغزو معك { فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } إلى غزوة ، وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم ، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم ، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام ، ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان ، كان ذلك تصريحاً بكونهم خارجين عن الإسلام موصوفين بالمكر والخداع ، لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذراً من مكرهم وكيدهم وخداعهم ، فصار هذا المعنى من هذا الوجه جارياً مجرى اللعن والطرد ، ونظيره قوله تعالى : { سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } [ الفتح : 15 ] إلى قوله : { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } [ الفتح : 15 ] ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله : { إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ } والمراد منه القعود عن غزوة تبوك ، يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة ، فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم ، فعند ذلك لا نقبلكم ، ولا نلتفت إليكم ، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب «الكشاف» ، وهو أن قوله : { مَرَّةٍ } في { أَوَّلَ مَرَّةٍ } وضعت موضع المرات ، ثم أضيف لفظ الأول إليها ، وهو دال على واحدة من المرات ، فكان الأولى أن يقال أولى مرة . (8/111)
وأجاب : عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال : هند أكبر النساء ، ولا يقال هند كبرى النساء .
ثم قال تعالى : { فاقعدوا مَعَ الخالفين } ذكروا في تفسير الخالف أقوالاً : الأول : قال الأخفش وأبو عبيدة : الخالفون جمع . واحدهم خالف ، وهو من يخلف الرجل في قومه ، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت ، فلا يبرحون ، والثاني : أن الخالفين مفسر بالمخالفين . قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفاً . وقال الأخفش : فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفاً لهم . وقال الليث هذا الرجل خالفة ، أي مخالف كثير الخلاف ، وقوم خالفون ، فإذا جمعت قلت الخالفون .
والقول الثالث : الخالف هو الفاسد . قال الأصمعي : يقال : خلف عن كل خير يخلف خلوفاً إذا فسد ، وخلف اللبن وخلف النبيذ إذا فسد .
وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة : فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها ، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشدداً فيه مبالغاً في تقرير موجباته ، فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه ، وأن يحترز عن مصاحبته .
وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)
اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم ، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم ، وهذا الذي ذكره في هذه الآية ، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم ، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم . عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه ، فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ، فقال عمر رضي الله عنه : لم تعطي قميصك الرجس النجس؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً فلعل الله أن يدخل به ألفاً في الإسلام » وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه ، أسلم منهم يومئذ ألف . فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة والسلام لابنه : « صل عليه وادفنه » فقال : إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه ، فنزلت هذه الآية . وأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال : { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه ، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه . وثانيها : آية تحريم الخمر . وثالثها : آية تحويل القبلة . ورابعها : آية أمر النسوان بالحجاب . وخامسها : هذه الآية . فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر رضي الله عنه منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه : « لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً » (8/112)
فإن قيل : كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافراً وقد مات على كفره ، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له ، وأيضاً إذا صلى عليه فقد دعا له ، وذلك محظور ، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة ، وأيضاً دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟
والجواب : لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى الإيمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام ، غلب على ظنه أنه صار مسلماً ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه ، امتنع من الصلاة عليه . وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهاً : الأول : أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيراً ببدر ، لم يجدوا له قميصاً ، وكان رجلاً طويلاً ، فكساه عبد الله قميصه . الثاني : أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لي في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك . والثالث : أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلاً بقوله :
{ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ } [ الضحى : 10 ] فلما طلب القميص منه دفعه إليه لهذا المعنى . الرابع : أن منع القميص لا يليق بأهل الكرم . الخامس : أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ، كان من الصالحين ، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه . السادس : لعل الله تعالى أوحى إليه أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك حاملاً لألف نفر من المنافقين في الدخول في الإسلام ففعل ذلك لهذا الغرض ، وروى أنهم لما شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين . السابع : أن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه كما قال : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] وقال : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } [ آل عمران : 159 ] فامتنع من الصلاة عليه رعاية لأمر الله تعالى ، ودفع إليه القميص لإظهار الرحمة والرأفة . (8/113)
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } قال الواحدي : { مَّاتَ } في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت وقوله : { أَبَدًا } متعلق بقوله : { أَحَدٍ } والتقدير ولا تصل أبداً على أحد منهم . واعلم أن قوله : ولا تصل أبداً يحتمل تأبيد النفي ويحتمل تأبيد المنفي ، والمقصود هو الأول ، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود منعه من أن يصلي على أحد منهم منعاً كلياً دائماً .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ } وفيه وجهان : الأول : قال الزجاج : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له ، فمنع ههنا منه . الثاني : قال الكلبي لا تقم بإصلاح مهمات قبره ، وهو من قولهم ، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه ، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله : { إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون } وفيه سؤالات :
السؤال الأول : الفسق أدنى حالاً من الكفر ، ولما ذكر في تعليل هذا النهي كونه كافراً فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقاً؟
والجواب أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه . وقد يكون فاسقاً في دينه خبيثاً ممقوتاً عند قومه ، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد ، أمر مستقبح في جميع الأديان ، فالمنافقون لما كانوا موصوفين بهذه الصفات وصفهم الله تعالى بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر ، تنبيهاً على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم . (8/114)
السؤال الثاني : أليس أن المنافق يصلى عليه إذا أظهر الإيمان مع قيام الكفر فيه؟
والجواب : أن التكاليف مبنية على الظاهر قال عليه الصلاة والسلام : « نحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر »
السؤال الثالث : قوله : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ } تصريح بكون ذلك النهي معللاً بهذه العلة ، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى وهو محال ، لأن حكم الله قديم ، وهذه العلة محدثة ، وتعليل القديم بالمحدث محال .
والجواب : الكلام في أن تعليل حكم الله تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا؟ بحث طويل ، ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه .
وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)
اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت ههنا ، وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ : فأولها : في الآية المتقدمة قال : { فَلاَ تُعْجِبْكَ } بالفاء . وههنا قال : { وَلاَ تُعْجِبْكَ } بالواو وثانيها : أنه قال هناك { أموالهم وَلاَ أولادهم } وههنا كلمة { لا } محذوفة . وثالثها : أنه قال هناك { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ } وههنا حذف اللام وأبدلها بكلمة { أن } ورابعها : أنه قال هناك { في الحياة } وههنا حذف لفظ الحياة وقال : { فِى الدنيا } فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة ، فوجب علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت ، ثم نذكر فائدة هذا التكرير . (8/115)
أما المقام الأول : فنقول :
أما النوع الأول : من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله : { فَلاَ تُعْجِبْكَ } بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية ، فالسبب أن في الآية الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله : { وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون } وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق ، وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال . فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب ، فقال : { فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم } وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو .
وأما النوع الثاني : وهوأنه تعالى قال في الآية الأولى : { فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم } فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف ، فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير ، وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم ، وفي هذه الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم .
أما النوع الثالث : وهو أنه قال هناك : { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ } وههنا قال : { إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ } فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال ، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه «أن» كقوله : { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله } [ البينة : 5 ] أي وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله .
وأما النوع الرابع : وهو أنه ذكر في الآية الأولى { في الحياة الدنيا } وههنا ذكر { فِى الدنيا } وأسقط لفظ الحياة ، تنبيهاً على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة ، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دناءتها ، فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ ، والعالم بحقائق القرآن هو الله تعالى .
وأما المقام الثاني : وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذباً للقلوب وجلباً للخواطر ، إلى الاشتغال بالدنيا ، هو الاشتغال بالأموال والأولاد ، وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى ، إلا أنه لما كان أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة الله تعالى ، لا جرم أعاد الله قوله : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } في سورة النساء مرتين ، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد فههنا للمبالغة في التحذير ، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح ، وقيل أيضاً إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوماً من المنافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها ، وأراد بهذه الآية أقواماً آخرين ، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة ، لم يكن ذكره مع بعضهم مغنياً عن ذكره مع الآخرين .
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)
واعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو ، وفي هذه الآية زاد دقيقة أخرى ، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد مع الرسول ، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو ، وقالوا لرسول الله ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس والساكنين في البلد . (8/116)
أما قوله : { وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءامِنُواْ بالله وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ } ففيه أبحاث :
البحث الأول : يجوز أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها ، كما يقع القرآن والكتاب على كله وبعضه ، وقيل المراد بالسورة هي سورة براءة ، لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد .
البحث الثاني : قوله : { أن آمنوا بالله } قال الواحدي : موضع { أن } نصب بحذف حرف الجر . والتقدير بأن آمنوا أي بالإيمان؟
البحث الثالث : لقائل أن يقول : كيف يأمر المؤمنين بالإيمان ، فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال .
أجابوا عنه : بأن معنى أمر المؤمنين بالإيمان الدوام عليه والتمسك به في المستقبل ، وأقول لا حاجة إلى هذا الجواب ، فإن الأمر متوجه عليهم ، وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلاً ، فالواجب عليكم أن تؤمنوا أولاً ، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانياً حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة في الدين ، ثم حكى تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون ، فقال : { استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين } وفي { أُوْلُواْ الطول } قولان : الأول : قال ابن عباس والحسن : المراد أهل السعة في المال : الثاني : قال الأصم : يعني الرؤساء والكبراء المنظور إليهم ، وفي تخصيص { أُوْلُواْ الطول } بالذكر قولان : الأول : أن الذم لهم ألزم لأجل كونهم قادرين على السفر والجهاد ، والثاني : أنه تعالى ذكر أولوا الطول لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان .
ثم قال تعالى : { رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } وذكرنا الكلام المستقصى في الخالف في قوله : { فاقعدوا مَعَ الخالفين } وههنا فيه وجهان : الأول : قال الفراء : { الخوالف } عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن ، والمعنى : رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء . الثاني : يجوز أيضاً أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال . والخالفة الذي هو غير نجيب . قال الفراء : ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل ، إلا حرفان : فارس وفوارس ، وهالك وهوالك ، والقول الأول أولى ، لأن أدل على القلة والذلة . قال المفسرون : وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف .
ثم قال : { وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } وقد عرفت أن الطبع والختم عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان ، وذلك لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالاً ، فعند حصول الداعية الراسخة القوية للكفر ، صار القلب كالمطبوع على الكفر ، ثم حصول تلك الداعية إن كان من العبد لزم التسلسل ، وإن كان من الله فالمقصود حاصل . وقال الحسن : الطبع عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان ، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب ، والاستقصاء فيه مذكور في سورة البقرة في قوله : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } وقوله : { فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد .
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)
واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه ، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله والتقرب إليه . وقوله : { لَكِنِ } فيه فائدة ، وهي : أن التقدير أنه إن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو ، فقد توجه من هو خير منهم ، وأخلص نية واعتقاداً ، كقوله : { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً } [ الأنعام : 89 ] وقوله : { فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ } [ فصلت : 38 ] ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع . وهو أنواع : أولها : قوله : { وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات } واعلم أن لفظ الخيرات ، يتناول منافع الدارين ، لأجل أن اللفظ مطلق . وقيل : { الخَيْرَاتُ } الحور ، لقوله تعالى : { فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ } [ الرحمن : 70 ] وثانيها : قوله : { وأولئك هُمُ المفلحون } فقوله : { لَهُمُ الخيرات } المراد منه الثواب . وقوله : { هُمُ المفلحون } المراد منه التخلص من العقاب والعذاب . وثالثها : قوله : { أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } يحتمل أن تكون هذه الجنات كالتفسير للخيرات وللفلاح ، ويحتمل أن تحمل تلك الخيرات والفلاح على منافع الدنيا ، مثل الغزو ، والكرامة ، والثروة ، والقدرة ، والغلبة ، وتحمل الجنات على ثواب الآخرة و { الفوز العظيم } عبارة عن كون تلك الحالة مرتبة رفيعة ، ودرجة عالية . (8/117)
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)
اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ابتدأ في هذه الآية بشرح أحوال المنافقين من الأعراب في قوله : { وَجَاء المعذرون } وقال : لعن الله المعذرين ، وذهب إلى أن المعذر هو المجتهد الذي له عذر ، والمعذر بالتشديد الذي يعتذر بلا عذر . والحاصل : أن المعذر هو المجتهد البالغ في العذر ، ومنه قولهم : قد أعذر من أنذر ، وعلى هذه القراءة فمعنى الآية : أن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين ، فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر . قيل : هم أسد وغطفان . قالوا : إن لنا عيالاً وإنا بنا جهداً فائذن لنا في التخلف . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيء علينا ، فأذن رسول الله لهم . وعن مجاهد : نفر من غطفان اعتذروا . والذين قرؤوا { المعذرون } بالتشديد وهي قراءة العامة فله وجهان من العربية . (8/118)
الوجه الأول : ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري : وهو أن الأصل في هذا اللفظ المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين ، وأبدلت الذال من التاء ، وأدغمت في الذال التي بعدها ، فصارت التاء ذالاً مشددة . والاعتذار قد يكون بالكذب ، كما في قوله تعالى : { يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } [ التوبة : 94 ] فبين كون هذا الاعتذار فاسداً بقوله : { قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ } وقد يكون بالصدق كما في قول لبيد :
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر ... يريد فقد جاء بعذر صحيح .
الوجه الثاني : أن يكون { المعذرون } على وزن قولنا : مفعلون من التعذير الذي هو التقصير . يقال : عذراً تعذيراً إذا قصر ولم يبالغ . يقال : قام فلان قيام تعذير ، إذا استكفيته في أمر فقصر فيه ، فإن أخذنا بقراءة الخفيف ، كان { المعذرون } كاذبين . وأما إن أخذنا بقراءة التشديد ، وفسرناها بالمعتذرين ، فعلى هذا التقدير : يحتمل أنهم كانوا صادقين وأنهم كانوا كاذبين ، ومن المفسرين من قال : المعذرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعدهم : { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } فلما ميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين . وروى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو : أنه لما قيل له هذا الكلام قال : إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل ، فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : { وَجَاء المعذرون } وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جراءة على الله تعالى ، فهم المرادون بقوله : { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } والذي قاله أبو عمرو محتمل ، إلا أن الأول أظهر . وقوله : { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } وهم منافقو الأعراب الذين ما جاؤوا وما اعتذروا ، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان . وقرأ أبي { كَذَّبُواْ } بالتشديد { سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار ، وإنما قال : { مِنْهُمْ } لأنه تعالى كان عالماً بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب ، فذكر لفظة من الدالة على التبعيض .
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)
اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر ، مع أنه لا عذر له ، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية ، وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط ، وهم أقسام : (8/119)
القسم الأول : الصحيح في بدنه ، الضعيف مثل الشيوخ . ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً ، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء . والدليل عليه : أنه عطف عليهم المرضى ، والمعطوف مباين للمعطوف عليه ، فما لم يحمل الضعفاء على الذين ذكرناهم ، لم يتميزوا عن المرضى .
وأما المرضى : فيدخل فيهم أصحاب العمى ، والعرج ، والزمانة ، وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة .
والقسم الثالث : الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة ، وهم الذين لا يجدون ما ينفقون ، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه . أما من مال نفسه ، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه ، فإن لم تحصل هذه القدرة ، صار كلاً ووبالاً على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال : لا حرج على هؤلاء ، والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو ، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج ، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة . إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم ، بشرط أن لايجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم ، كان ذلك طاعة مقبولة . ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطاً معيناً وهو قوله : { إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا ، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم ، فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد .
ثم قال تعالى : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد ، واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه؟ فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى ، لأن هذه الآية نزلت فيهم ، ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمحسن هو الآتي بالإحسان ، ورأس أبواب الإحسان ورئيسها ، هو قول : لا إله إلا الله ، وكل من قال هذه الكلمة واعتقدها ، كان من المسلمين . وقوله تعالى : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } يقتضي نفي جميع المسلمين ، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة ، وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله ، فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل ، إلا لدليل منفصل ، والأصل في ماله حرمة الأخذ ، إلا لدليل منفصل ، وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف ، إلا لدليل منفصل ، فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلاً معتبراً في الشريعة ، في تقرير أن الأصل براءة الذمة ، فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص ، في واقعة خاصة ، قضينا بذلك النص الخاص تقديماً للخاص على العام ، وإلا فهذا النص كاف في تقرير البراءة الأصلية ، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس . قال : لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة ، وعدم الإلزام والتكليف ، فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة ، والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص ، كان إثباتها بالقياس عبثاً . والثاني أيضاً باطل ، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص وأنه لا يجوز ، لما ثبت أن النص أقوى من القياس . قالوا : وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ، معلومة ، ملخصة ، بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها ، وذلك لأن السلطان إذا بعث واحداً من عماله إلى سياسة بلدة ، فقال له : أيها الرجل تكليفي عليك ، وعلى أهل تلك المملكة ، كذا وكذا ، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلاً ، ثم قال : وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل ، كان هذا تنصيصاً منه على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء تلك الأقسام المائة المذكورة ، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالاً ، لأن باب النفي لا نهاية له ، بل كفاه في النفي أن يقول : ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت ، فكذا ههنا أنه تعالى لما قال : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل ، ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف ، أو أقل أو أكثر ، كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة في ذلك الألف المذكور ، وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي ، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة ، ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام ، ويكون قوله :
{ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] حقاً ، ويصير قوله : { لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل : 44 ] حقاً ، ولا حاجة ألبتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام أصلاً ، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب . (8/120)
واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء ، بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله ، وبين كونهم محسنين ، وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ، ذكر قسماً رابعاً من المعذورين ، فقال : { وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لآ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً ألاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ } .
فإن قيل : أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله : { وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } فما الفائدة في إعادته؟ (8/121)
قلنا : الذين لا يجدون ما ينفقون ، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة ، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة ، إلا أنهم لم يجدوا المركوب ، والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً : الأول : قال مجاهد : هم ثلاثة إخوة : معقل ، وسويد ، والنعمان بنو مقرن ، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة ، والنعال المخصوفة ، فقال عليه السلام : " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا وهم يبكون ، والثاني : قال الحسن : نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه ، ووافق ذلك منه غضباً ، فقال عليه السلام : " والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا وهم يبكون فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاهم ذوداً خير الذود ، فقال أبو موسى : ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال : " أما أني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها ، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمين "
والرواية الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : سألوه أن يحملهم على الدواب فقال عليه السلام : " لا أجد ما أحملكم عليه " لأن الشقة بعيدة . والرجل يحتاج إلى بعيرين ، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده . قال صاحب «الكشاف» : قوله : { تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً } كقولك : تفيض دمعاً ، وهو أبلغ من يفيض دمعها ، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض .
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)
وفي الآية مسائل : (8/122)
المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } قال في هذه الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } في أمر الغزو والجهاد ، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم . قالوا : السبيل الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو الذي يختص بالجهاد ، والمعنى : أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل الله عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه ، ولا عذر لهم ألبتة في التخلف .
فإن قيل : قوله : { رَضُواْ } ما موقعه؟
قلنا : كأنه استئناف ، كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل : رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف { وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد ، هو أن الله طبع على قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا .
ثم قال : { يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً . فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه ، وجب عليه تركه . وقوله : { قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ } علة لانتفاء التصديق ، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق ، امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الأعذار .
ثم قال : { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حباً للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم ، فقال تعالى : { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء ، أو لا تبقون عليها؟
ثم قال : { ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } .
فإن قيل : لماقال : { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } فلم لم يقل ، ثم تردون إليه ، وما الفائدة من قوله : { ثُمَّ } .
قلنا : في وصفه تعالى بكونه : { عالم الغيب والشهادة } ما يدل على كونه مطلعاً على بواطنهم الخبيثة ، وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد ، وفيه تخويف شديد ، وزجر عظيم لهم .
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى أنهم يعتذرون ، ذكر في هذه الآية أنهم كانوا يؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة . (8/123)
أما قوله : { سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } فاعلم أن هذا الكلام يدل على أنهم حلفوا بالله ، ولم يدل على أنهم على أي شيء حلفوا؟ فقيل : إنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ، وإنما حلفوا على ذلك لتعرضوا عنهم أي لتصفحوا عنهم ، ولتعرضوا عن ذمهم .
ثم قال تعالى : { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد ترك الكلام والسلام . قال مقاتل : قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة : « لا تجالسوهم ولا تكلموهم » قال أهل المعاني : هؤلاء طلبوا إعراض الصفح ، فأعطوا إعراض المقت ، ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم ، فقال : { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } والمعنى : أن خبث باطنهم رجس روحاني ، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية ، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى ، خوفاً من سريانها إلى الإنسان ، وحذراً من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال .
ثم قال تعالى : { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ومعناه ظاهر ، ولما بين في الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم ، بين أيضاً أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم ، ثم إنه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم ، فقال : { فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين } والمعنى : أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله لا يرضى عنهم ، كانت إرادتكم مخالفة لإرادة الله ، وأن ذلك لا يجوز . وأقول : إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة ، وقد أعادها الله ههنا مرة أخرى ، وأظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة ، وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي ، ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من أهل البادية ، لا جرم كان الكلام معهم على مناهج متقاربة .
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)
اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام ، لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب ، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل ، وفي الآية مسائل : (8/124)
المسألة الأولى : قال العلماء من أهل اللغة ، يقال : رجل عربي . إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب . كما تقول مجوسي ويهودي ، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع ، فيقال : المجوس واليهود ، ورجل أعرابي ، بالألف إذا كان بدوياً ، يطلب مساقط الغيث والكلأ ، سواء كان من العرب أو من مواليهم ، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب ، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي : فرح ، والعربي إذا قيل له : يا أعرابي ، غضب له ، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ، ومن نزل البادية فهم أعراب ، والذي يدل على الفرق وجوه : الأول : أنه عليه السلام قال : « حب العرب من الإيمان » وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه الآية . والثاني : أنه لا يجوز أن يقال : للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب ، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب . قال عليه السلام : « لا تؤمن امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولاأعرابي مهاجراً » الثالث : قيل إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسمعيل نشأوا بعربة ، وهي من تهامة . فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم ، لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسمعيل وقيل : سموا بالعرب ، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة ، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال : حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة ، وحكمة الهند في أوهامهم ، وحكمة يونان في أفئدتهم . وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية ، وحكمة العرب في ألسنتهم ، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم .
المسألة الثانية : من الناس من قال : الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق ، فإن لم يوجد المعهود السابق ، حمل على الاستغراق للضرورة . قالوا : لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها ، والألف واللام للتعريف ، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب الانصراف إليه ، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعاً للإجمال .
قالوا إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { الأعراب } المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب ، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم .
المسألة الثالثة : أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين :
الحكم الأول
أنهم أشد كفراً ونفاقاً ، والسبب فيه وجوه : الأول : أن أهل البدو يشبهون الوحوش . والثاني : استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم ، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم ، والثالث : أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس ، ولا تأديب مؤدب ، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا ، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فساداً . والرابع : أن من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبياناته الشافية ، وتأديباته الكاملة ، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير ، ولم يسمع خبره . والخامس : قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية .
الحكم الثاني (8/125)
قوله : { وَأَجْدَرُ ألا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ } وقوله : { أجدر } أي أولى وأحق ، وفي الآية حذف ، والتقدير : وأجدر بأن لا يعلموا . وقيل في تفسير حدود ما أنزل الله مقادير التكاليف والأحكام . وقيل : مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد { والله عَلِيمٌ } بمافي قلوب خلقه { حَكِيمٌ } فيما فرض من فرائضه .
ثم قال : { وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } والمغرم مصدر كالغرامة ، والمعنى : أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران ، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء ، لا لوجه الله وابتغاء ثوابه { وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر } يعني الموت والقتل ، أي ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول ، ويظهر عليكم المشركون . ثم إنه أعاده إليهم فقال : { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } والدائرة يجوز أن تكون واحدة ، ويجوز أن تكون صفة غالبة ، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالإنسان كالدائرة ، بحيث لا يكون له منها مخلص ، وقوله : { السوء } قرىء بفتح السين وضمه . قال الفراء : فتح السين هو الوجه ، لأنه مصدر قولك : ساء يسوء سوأ أو مساءة ومن ضم السين جعله اسماً ، كقولك : عليهم دائرة البلاء والعذاب ، ولا يجوز ضم السين في قوله : { مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء } [ مريم : 28 ] ولا في قوله : { وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء } [ الفتح : 12 ] وإلا لصار التقدير : ما كان أبوك امرأ عذاب ، وظننتم ظن العذاب ، ومعلوم أنه لا يجوز ، وقال الأخفش وأبو عبيد : من فتح السين ، فهو كقولك : رجل سوء ، وامرأة سوء . ثم يدخل الألف واللام . فيقول : رجل السوء وأنشد الأخفش :
وكنت كذئب السوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدم
ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه ، كأنه قيل : عليهم دائرة الهزيمة والمكروه ، وبهم يحيق ذلك . قال أبو علي الفارسي : لو لم تضف الدائرة إلى السوء أو السوء عرف منها معنى السوء ، لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه .
إذا عرفت هذا فنقول : المعنى يدور عليهم البلاء والحزن ، فلا يرون في محمد عليه الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم .
ثم قال : { والله سَمِيعٌ } لقولهم : { عَلِيمٌ } بنياتهم .
وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)
اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرماً ، بين أيضاً أن فيهم قوماً مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنماً . (8/126)
واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بوصفين : فالأول : كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر ، والمقصود التنبيه على أنه لا بد في جميع الطاعات من تقدم الإيمان ، وفي الجهاد أيضاً كذلك . والثاني : كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند الله وصلوات الرسول ، وفيه بحثان : الأول : قال الزجاج : يجوز في القربات ثلاثة أوجه ، ضم الراء ، وإسكانها وفتحها . الثاني : قال صاحب «الكشاف» : قربات مفعول ثان ليتخذ ، والمعنى : أن ما ينفقه لسبب حصول القربات عند الله تعالى وصلوات الرسول ، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، ويستغفر لهم . كقوله : " اللهم صل على آل أبي أوفى " وقال تعالى : { وَصَلّ عَلَيْهِمْ } فلما كان ما ينفق سبباً لحصول القربات والصلوات ، قيل : إنه يتخذ ما ينفق قربات وصلوات . وقال تعالى : { أَلآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } وهذا شهادة من الله تعالى للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه ، وهو قوله : { أَلا } وبحرف التحقيق ، وهو قوله : { إِنَّهَا } ثم زاد في التأكيد ، فقال : { سَيُدْخِلُهُمُ الله فِى رَحْمَتِهِ } وقد ذكرنا أن إدخال هذا السين يوجب مزيد التأكيد . ثم قال : { أَنَّ الله غَفُورٌ } لسيآتهم { رَّحِيمٌ } بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات . وقرأ نافع { أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ } بضم الراء وهو الأصل ، ثم خففت نحو : كتب ، ورسل ، وطنب ، والأصل هو الضم ، والإسكان تخفيف .
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)
واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول ، وما أعد لهم من الثواب ، بين أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها ، وهي منازل السابقين الأولين . وفي الآية مسائل : (8/127)
المسألة الأولى : اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم؟ وذكروا وجوهاً : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان . والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة ، وفي النصرة ، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا فبقي اللفظ مجملاً إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً ، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصاراً وهو الهجرة والنصرة ، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ ، وأيضاً فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس ، ومخالف للطبع ، فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره من هذه الطاعة ، وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره ، وكذلك السبق في النصرة ، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة ، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة ، فازوا بمنصب عظيم ، فلهذه الوجوه يجب أن يكون المراد والسابقون الأولون في الهجرة .
إذا ثبت هذا فنقول : إن أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر ، لأنه كان في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع ، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره ، وعلي بن أبي طالب ، وإن كان من المهاجرين الأولين إلا أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما حصل لأبي بكر ، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر ، فإذا ثبت هذا صار أبو بكر محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه ، ورضي هو عن الله ، وذلك في أعلى الدرجات من الفضل .
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله ، إذ لو كانت إمامته باطلة لاستحق اللعن والمقت ، وذلك ينافي حصول مثل هذا التعظيم ، فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعلى صحة إمامتهما .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من سبق إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار ، لأن هؤلاء آمنوا ، وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف . فقوي الإسلام بسببهم ، وكثر عدد المسلمين بسبب إسلامهم ، وقوي قلب الرسول بسبب دخولهم في الإسلام واقتدى بهم غيرهم ، فكان حالهم فيه كحال من سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؟ ثم نقول : هب أن أبا بكر دخل تحت هذه الآية بحكم كونه أول المهاجرين ، لكن لم قلتم أنه بقي على تلك الحالة؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه تغير عن تلك الحالة ، وزالت عنه تلك الفضيلة بسبب إقدامه على تلك الإمامة؟
والجواب عن الأول : أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكم لا دلالة عليه ، لأن لفظ السابق مطلق ، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من حمله على السبق في سائر الأمور ، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة أولى . قوله : المراد منه السبق في الإسلام . (8/128)
قلنا : السبق في الهجرة يتضمن السبق في الإسلام ، والسبق في الإسلام لا يتضمن السبق في الهجرة ، فكان حمل اللفظ على السبق في الهجرة أولى . وأيضاً فهب أنا نحمل اللفظ على السبق في الإيمان ، إلا أنا نقول : قوله : { والسابقون الأولون } صيغة جمع فلا بد من حمله على جماعة ، فوجب أن يدخل فيه علي رضي الله عنه وغيره ، وهب أن الناس اختلفوا في أن إيمان أبي بكر أسبق أم إيمان علي؟ لكنهم اتفقوا على أن أبا بكر من السابقين الأولين ، واتفق أهل الحديث على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان علي ، ومن الموالي زيد ، فعلى هذا التقدير : يكون أبو بكر من السابقين الأولين ، وأيضاً قد بينا أن السبق في الإيمان إنما أوجب الفضل العظيم من حيث إنه يتقوى به قلب الرسول عليه السلام ، ويصير هو قدوة لغيره ، وهذا المعنى في حق أبي بكر أكمل ، وذلك لأنه حين أسلم كان رجلاً كبير السن مشهوراً فيما بين الناس ، واقتدى به جماعة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم ، فإنه نقل أنه لما أسلم ذهب إلى طلحة والزبير وعثمان بن عفان ، وعرض الإسلام عليهم ، ثم جاء بهم بعد أيام إلى الرسول عليه السلام ، وأسلموا على يد الرسول عليه السلام ، فظهر أنه دخل بسبب دخوله في الإسلام قوة في الإسلام ، وصار هذا قدوة لغيره ، وهذه المعاني ما حصلت في علي رضي الله عنه ، لأنه في ذلك الوقت كان صغير السن ، وكان جارياً مجرى صبي في داخل البيت ، فما كان يحصل بإسلامه في ذلك الوقت مزيد قوة للإسلام ، وما صار قدوة في ذلك الوقت لغيره ، فثبت أن الرأس والرئيس في قوله : { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين } ليس إلا أبا بكر ، أما قوله لم قلتم إنه بقي موصوفاً بهذه الصفة بعد إقدامه على طلب الإمامة؟
قلنا : قوله تعالى : { رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } يتناول جميع الأحوال والأوقات بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه . فيقال رضي الله عنهم إلا في وقت طلب الإمامة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ . أو نقول : إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين ، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة ، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم ، وهو قوله : { رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف ، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله : { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } معلل بكونهم سابقين في الهجرة ، والعلة ما دامت موجودة ، وجب ترتب المعلول عليها ، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم ، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلاً في جميع مدة وجودهم ، أو نقول : إنه تعالى قال : { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم ، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات ، وليس لأحد أن يقول : المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان ، لأنا نقول : هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر . وأيضاً فعلى هذا التقدير : لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح ، وبين سائر الفرق فرق ، لأنه تعالى : { أَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب ، لو صاروا مؤمنين ، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل ، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء ، فسقط هذا السؤال . فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر ، وعلى صحة القول بإمامته قطعاً .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن المدح الحاصل في هذه الآية هل يتناول جميع الصحابة أم يتناول بعضهم؟ فقال قوم : إنه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة ، وعلى هذا فهو لا يتناول إلا قدماء الصحابة ، لأن كلمة { مِنْ } تفيد التبعيض ، ومنهم من قال : بل يتناول جميع الصحابة ، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين ، وكلمة { مِنْ } في قوله : { مِنَ المهاجرين والأنصار } ليست للتبعيض ، بل للتبيين ، أي والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً كما في قوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول ، روي عن حميد بن زياد أنه قال : قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب الرسول عليه السلام فيما كان بينهم ، وأردت الفتن ، فقال لي : إن الله تعالى قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة في كتابه ، محسنهم ومسيئهم ، قلت له : وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال : سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى : { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار } إلى آخر الآية؟ فأوجب الله لجميع أصحاب النبي عليه السلام الجنة والرضوان ، وشرط على التابعين شرطاً شرطه عليهم . قلت : وما ذاك الشرط؟ قال : اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل ، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك ، أو يقال : المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول ، وهو أن لا يقولوا فيهم سوءا ، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه . قال حميد بن زياد : فكأني ما قرأت هذه الآية قط! . (8/129)
المسألة الثالثة : روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأ { والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } فكان يعطف قوله : { الأنصار } على قوله : { والسابقون } وكان يحذف الواو من قوله : { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } ويجعله وصفاً للأنصار ، وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه . قال أبي : والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه ، وإنك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة ، فقال عمر رضي الله عنه : صدقت ، شهدتم وغبنا ، وفرغتم وشغلنا ، ولئن شئت لتقولن نحن أوينا ونصرنا . وروي أنه جرت هذه المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن كعب ، والتفاوت أن على قراءة عمر ، يكون التعظيم الحاصل من قوله : { والسابقون الأولون } مختصاً بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين ، والله أعلم . وروي أن أبيا احتج على صحة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو قوله : { والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ } [ الأنفال : 75 ] بعد تقدم ذكر المهاجرين والأنصار في الآية الأولى ، وبأواسط سورة الحشر وهو قوله : { والذين جاؤوا مّن بَعْدِهِمْ } [ الحشر : 10 ] وبأول سورة الجمعة وهو قوله : { وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } [ الجمعة : 3 ] . (8/130)
المسألة الرابعة : قوله : { والسابقون } مرتفع بالابتداء وخبره قوله : { رَّضِيَ الله عَنْهُمْ } ومعناه : رضي الله عنهم لأعمالهم وكثرة طاعاتهم ، ورضوا عنه لما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدين والدنيا ، وفي مصاحف أهل مكة { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } وهي قراءة ابن كثير ، وفي سائر المصاحف { تَحْتِهَا } من غير كلمة { مِنْ } .
المسألة الخامسة : قوله : { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم : يريد ، يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم ، ويذكرون محاسنهم ، وقال في رواية أخرى والذين اتبعوهم بإحسان على دينهم إلى يوم القيامة ، واعلم أن الآية دلت على أن من اتبعهم إنما يستحقون الرضوان والثواب ، بشرط كونهم متبعين لهم بإحسان ، وفسرنا هذا الإحسان بإحسان القول فيهم ، والحكم المشروط بشرط ، ينتفي عند انتفاء ذلك الشرط ، فوجب أن من لم يحسن القول في المهاجرين والأنصار لا يكون مستحقاً للرضوان من الله تعالى ، وأن لا يكون من أهل الثواب لهذا السبب ، فإن أهل الدين يبالغون في تعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطلقون ألسنتهم في اغتيابهم وذكرهم بما لا ينبغي .
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)
اعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة ، ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ، ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ، ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم؟ وهم السابقون المهاجرون والأنصار . فذكر في هذه الآية أن جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق ، وإن كنتم لا تعلمون كونهم كذلك فقال : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعراب منافقون } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار ، وكانوا نازلين حولها . (8/131)
وأما قوله : { وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق } ففيه بحثان :
البحث الأول : قال الزجاج : أنه حصل فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق . الثاني : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون التقدير : ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق فأضمر «من» لدلالة { مِنْ } عليها كما في قوله تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] يريد إلا من له مقام معلوم .
البحث الثاني : يقال : مرد يمرد مردوا فهو مارد ومريد إذا عتا ، والمريد من شياطين الإنس والجن ، وقد تمرد علينا أي عتا ، وقال ابن الأعرابي : المراد التطاول بالكبر والمعاصي ، ومنه : { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } وأصل المرود الملاسة ، ومنه صرح ممرد ، وغلام أمرد ، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئاً ، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه ، بقي كما كان على صفته الأصلية من غير حدوث تغير فيه ألبتة ، وذلك هو الملاسة .
إذا عرفت أصل اللفظ فنقول : قوله : { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } أي ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه .
ثم قال تعالى : { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } وهو كقوله : { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك .
ثم قال : { سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } وذكروا في تفسير المرتين وجوهاً كثيرة :
الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد الأمراض في الدنيا ، وعذاب الآخرة ، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات ، ومرض الكافر يفيده زيادة الكفر وكفران النعم .
الوجه الثاني : روى السدي عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيباً يوم الجمعة فقال : " اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق " فأخرج من المسجد ناساً وفضحهم فهذا هو العذاب الأول ، والثاني عذاب القبر .
والوجه الثالث : قال مجاهد : في الدنيا بالقتل والسبي وبعد ذلك بعذاب القبر .
والوجه الرابع : قال قتادة بالدبيلة وعذاب القبر ، وذلك أن النبي عليه السلام أسر إلى حذيفة اثني عشر رجلاً من المنافقين ، وقال : ستة يبتليهم الله بالدبيلة سراج من نار يأخذ أحدهم حتى يخرج من صدره ، وستة يموتون موتاً .
والوجه الخامس : قال الحسن : يأخذ الزكاة من أموالهم ، وعذاب القبر . (8/132)
والوجه السادس : قال محمد بن إسحق : هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسنة ، ثم عذابهم في القبور .
والوجه السابع : أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار . والآخر عند البعث ، يوكل بهم عنق النار . والأولى أن يقال مراتب الحياة ثلاثة : حياة الدنيا ، وحياة القبر ، وحياة القيامة ، فقوله : { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } المراد منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه ، وعذاب القبر . وقوله : { ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } المرا دمنه العذاب في الحياة الثالثة ، وهي الحياة في القيامة .
ثم قال تعالى في آخر الآية : { ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } يعني النار المخلدة المؤبدة .
وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)
وفي الآية مسائل : (8/133)
المسألة الأولى : قوله : { وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } فيه قولان : الأول : أنهم قوم من المنافقين . تابوا عن النفاق . والثاني : أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك ، لا للكفر والنفاق ، لكن للكسل ، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا ، واحتج القائلون بالقول الأول بأن قوله : { وَءاخَرُونَ } عطف على قوله : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الأعراب منافقون } والعطف يوهم التشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا ، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على النفاق والمبالغة فيه . وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن النفاق .
المسألة الثانية : روي أنهم كانوا ثلاثة : أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، وأوس بن ثعلبة ، ووديعة بن حزام ، وقيل : كانوا عشرة . فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل من المتخلفين فأيقنوا بالهلاك ، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت هذه عادته ، فلما قدم من سفره ورآهم موثقين ، سأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم ، فقال : وأنا أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم ، فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم ، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها ، فتصدق بها وطهرنا ، فقال : « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً » فنزل قوله : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } [ التوبة : 103 ] الآية .
المسألة الثالثة : قوله : { اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } قال أهل اللغة : الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة ، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم ، وفيه دقيقة ، كأنه قيل لم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم ، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف .
فإن قيل : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟
قلنا : مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة ، فأما إذا اقترن به الندم على الماضي ، والعزم على تركه في المستقبل ، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه منهياً عنه من قبل الله تعالى ، كان هذا المجموع توبة ، إلا أنه دل الدليل على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } والمفسرون قالوا : إن عسى من الله يدل على الوجوب .
ثم قال تعالى : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } وفيه بحثان :
البحث الأول : في هذا العمل الصالح وجوه : الأول : العمل الصالح هو الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه ، والسيء هو التخلف عن الغزو . والثاني : العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيء هو تخلفهم عن غزوة تبوك . والثالث : أن هذه الآية نزلت في حق المسلمين كان العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر التي صدرت عنهم .
البحث الثاني : لقائل أن يقول : قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء مخلوطاً . فما المخلوط به . وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق ، وأما قولك خلطته ، فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر ، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن . واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق ، لأن العمل الصالح والعمل السيء إذا حصلا بقي كل واحد منهما كما كان على مذهبنا ، فإن عندنا القول بالإحباط باطل ، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب ، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب ، فقوله تعالى : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة ، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر ، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء بالمخالطة . والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما ، لأن الاختلاط صفة للمختلطين ، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال ، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط . (8/134)
ثم قال تعالى : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وفيه مباحث :
البحث الأول : ههنا سؤال ، وهو أن كلمة { عَسَى } شك وهو في حق الله تعالى محال ، وجوابه من وجوه :
الوجه الأول : قال المفسرون : كلمة عسى من الله واجب ، والدليل عليه قوله تعالى : { فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح } [ المائدة : 52 ] وفعل ذلك ، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام ، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئاً فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى ، أو لعل ، تنبيهاً على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئاً وأن يكلفني بشيء بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول ، فذكر كلمة { عَسَى } الفائدة فيه هذا المعنى ، مع أنه يفيد القطع بالإجابة .
الوجه الثاني : في الجواب ، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الإنكار والإهمال .
البحث الثاني : قال أصحابنا قوله : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } صريح في أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى ، والعقل أيضاً دليل عليه ، لأن الأصل في التوبة الندم ، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلاً للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى ، وأيضاً فإن الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين ، ثم يصير عظيم الندامة عليه ، وحال كونه راغباً فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب ، وحال صيرورته نادماً عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب ، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على تحصل الندامة ، وعلى تحصيل الرغبة ، قالت المعتزلة : المراد من قوله : يتوب الله أنه يقبل توبته .
والجواب : أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن ، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره ، أما ههنا ، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره ، فكيف يحسن التأويل . (8/135)
البحث الثالث : قوله : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } يقتضي أن هذه التوبة إنما تحصل في المستقبل . وقوله : { وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } دل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي ، وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس التوبة ، بل كان مقدمة للتوبة ، وأن التوبة إنما تحصل بعدها .
ثم قال تعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس في المراد . فقال بعهضم : هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا ، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة ، فأوجب الله تعالى أخذها ، وصار ذلك معتبراً في كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة ، وهذا قول الحسن ، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة ، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم .
والقول الثاني : أن الزكوات كانت واجبة عليهم ، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم ، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم .
والقول الثالث : أن هذه الآية كلام مبتدأ ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات . وقالوا في الزكاة إنها طهرة ، أما القائلون بالقول الأول : فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسقة ، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء ، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها ، ولا بما بعدها ، وصارت كلمة أجنبية ، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة ، قالوا : المناسبة حاصلة أيضاً على هذا التقدير ، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة ، عن تخلفهم عن غزوة تبوك ، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق ، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة ، ولم تضايقوا فيها ، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى ، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة ، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق . لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبق نظم هذه الآيات سليماً أولى ، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة . قوله : { تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } والمعنى تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات ، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب ، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة . وأما القائلون بالقول الأول : فقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا ، فقال عليه الصلاة والسلام
« ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً ، » فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم ، وترك الثلثين لأنه تعالى قال : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } ولم يقل خذ أموالهم ، وكلمة { مِنْ } تفيد التبعيض . واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى . (8/136)
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة .
الحكم الأول
أن قوله : { خُذْ مِنْ أموالهم } يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور ههنا بصريح اللفظ ، بل المذكور ههنا قوله : { صَدَقَةٍ } ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان ، وإن كان في غاية القلة ، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب ، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم ، حتى يكون قوله : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } أمراً بأخذ تلك الصدقة المعلومة ، فحينئذ يزول الإجمال . ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كيفيتها ، والصدقة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض ، وفي ستة وثلاثين بنت لبون ، إلى غير ذلك من المراتب ، فكان قوله : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } أمراً بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة ، وظاهر الآية للوجوب ، فدل هذا النص على أن أخذها واجب ، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله .
الحكم الثاني
أن قوله : { مِنْ أموالهم صَدَقَةً } يقتضي أن يكون المال مالاً لهم ، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكاً للمالك في النصاب ، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة . وأن لا يكون لها تعلق ألبتة بالنصاب .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب ، فالذي هلك ما كان محلاً للحق ، بل محل الحق باق كما كان ، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان ، وهذا قول الشافعي رحمه الله .
الحكم الثالث
ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون ، وفي مال الضمان ، وهو ظاهر .
الحكم الرابع
ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام ، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام ، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام ، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله ، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم ، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة ، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي ، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً؟
المسألة الثالثة : في قوله : { تُطَهّرُهُمْ } أقوال : (8/137)
القول الأول : أن يكون التقدير : خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم .
القول الثاني : أن يكون تطهرهم معلقاً بالصدقة ، والتقدير : خذ من أموالهم صدقة مطهرة ، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس ، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جارياً مجرى التطهير ، والله أعلم .
إن على هذا القول وجب أن نقول : إن قوله : { وَتُزَكّيهِمْ } يكون منقطعاً عن الأول ، ويكون التقدير { خُذْ } يا محمد { مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } تلك الصدقة ، وتزكيهم أنت بها .
القول الثالث : أن يجعل التاء في { تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ } ضمير المخاطب ، ويكون المعنى : تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة .
المسألة الرابعة : قال صاحب «الكشاف» : قرىء { تُطَهّرُهُمْ } من أطهره بمعنى طهره { وتطهرهم } بالجزم جواباً للأمر ، ولم يقرأ { وَتُزَكّيهِمْ } إلا بإثبات الياء .
ثم قال تعالى : { وَتُزَكّيهِمْ } واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة ، فقيل : التزكية مبالغة في التطهير ، وقيل : التزكية بمعنى الإنماء ، والمعنى : أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سبباً للإنماء ، وقيل : الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية ، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء .
ثم قال تعالى : { وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { إن صلاتك } بغير واو وفتح التاء على التوحيد ، والمراد منه الجنس ، وكذلك في سورة هود { أَصَلاتكَ تَأْمُرُكَ } بغير واو وعلى التوحيد ، والباقون { صلواتك } وكذلك في هود على الجمع ، قال أبو عبيدة : والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر . ألا ترى أنه قال : { أَقِيمُواْ الصلاة } والصلوات جمع قلة ، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات ، قال أبو حاتم : هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال : { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } [ لقمان : 27 ] ولم يرد القليل وقال : { وَهُمْ فِى الغرفات ءامِنُونَ } [ سبأ : 37 ] وقال : { إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب : 35 ] .
المسألة الثانية : احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية ، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات ، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم ، فكان وجوب الزكاة مشروطاً بحصول ذلك السكن ، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن . فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام ، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعاً لحاجة الفقير كما في قوله :