صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ثم قال تعالى : { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر ، فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى : { اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } [ آل عمران : 200 ] وبين أنه تعالى مع الصابرين ، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة .
ثم قال : { وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم بَطَراً وَرِئَاء الناس وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } قال المفسرون : المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير ، فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقاً لأبي جهل إليه بهدايا مع ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبي ينعمك صباحاً ويقول لك إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت ، فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيراً ، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فوالله إن بنا على الناس لقوة ، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدراً فنشرب فيها الخمور وتعزف علينا فيها القيان ، فإن بدراً موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة . قال المفسرون : فوردوا بدراً وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان .
واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء : الأول : البطر قال الزجاج : البطر الطغيان في النعمة . والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر . وأما إن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر . والثاني : قوله : { وَرِئَاء الناس } والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل مع أن باطنه يكون قبيحاً ، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر ، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية . روي أنه صلى الله عليه وسلم لما رآهم في موقف بدر قال : « اللهم أن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك » والثالث : قوله : { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن .

(7/411)


وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون قوله : { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } بمنزلة صادين . والثاني : أن يكون قوله : { بَطَراً وَرِئَاء } بمنزلة يبطرون ويراؤن ، وأقول : إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل ، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها ، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر ، وعن الثالث بالفعل . وأقول : إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، ذكر أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث ، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى : { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف : 18 ] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة ، ومثال الفعل قوله تعالى : { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض } [ يونس : 31 ] وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة ، هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر .
إذا عرفت هذا فنقول : إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب ، وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى محمد عليه الصلاة والسلام النبوة . ولهذا السبب ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم ، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم .
وحاصل الكلام : أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله ، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات؛ البطر والرئاء ، بل أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله .
واعلم أن حاصل القرآن من أوله إلى آخره دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق ، وأمرهم بالعناء في طريق عبودية الحق ، والمعصية مع الانكسار أقرب إلى الإخلاص من الطاعة مع الافتخار ، ثم ختم هذه الآية بقوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } والمقصود أن الإنسان ربما أظهر من نفسه أن الحامل له والداعي إلى الفعل المخصوص طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة ، فبين تعالى كونه عالماً بما في دواخل القلوب ، وذلك كالتهديد والزجر عن الرئاء والتصنع .

(7/412)


وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)

اعلم أن هذا من جملة النعم التي خص أهل بدر بها وفيه مسائل :
المسألة الأولى : العامل في { إِذْ } فيه وجوه : قيل : تقديره اذكر إذ زين لهم ، وقيل : هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم ، وتقديره : واذكروا إذ يريكموهم وإذ زين ، وقيل : هو عطف على قوله : خرجوا بطراً ورئاء الناس . وتقديره : لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورثاء الناس وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم .
المسألة الثانية : في كيفية هذا التزيين وجهان : الأول : أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة الإنسان ، وهو قول الحسن والأصم . والثاني : أنه ظهر في صورة الإنسان . قالوا : إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة ، لأنهم كانوا قتلوا منهم واحداً ، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم ، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم في جند من الشياطين ، ومعه راية ، وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة ، فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه . وقيل : كانت يده في يد الحرث بن هشام ، فلما نكص قال له الحرث : أتخذ لنا في هذه الحال؟ فقال : إني أرى ما لا ترونا ودفع في صدر الحرث وانهزموا . وفي هذه القصة سؤالات :
السؤال الأول : ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة؟
والجواب فيه معجزة عظيمة للرسول عليه السلام وذلك لأن كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطاناً .
فإن قيل : فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين . ومعلوم أنه في غاية القوة ، فلم لم يهزموا جيوش المسلمين؟
قلنا : لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة ، فلهذا السبب خاف وفر .
فإن قيل : فعلى هذا الطريق وجب أن ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه بصورة البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين ، والحاصل : أنه إن قدر على هذا المعنى فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين؟ وإن لم يقدر عليه فكيف أضفتم إليه هذا العمل في واقعة بدر؟
الجواب : لعله تعالى إنما غير صورته إلى صورة البشر في تلك الواقعة أما في سائر الوقائع فلا يفعل ذلك التغيير .
السؤال الثاني : أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطاناً بل صار بشراً .
الجواب أن الإنسان إنما كان إنساناً بجوهر نفسه الناطقة ، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة ، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنساناً بحسب بنيته الظاهرة وصورته المخصوصة .

(7/413)


السؤال الثالث : ما معنى قول الشيطان { لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس } وما الفائدة في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين؟
والجواب : أنهم وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون أن دولة محمد عليه الصلاة والسلام كل يوم في الترقي والتزايد ، ولأن محمداً كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا لهذا السبب خائفين جداً من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، فذكر إبليس هذا الكلام إزالة للخوف عن قلوبهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة خصوصاً وقد تصور بصورة زعيم منهم ، وقال : { إِنّى جَارٌ لَّكُمْ } والمعنى : إني إذا كنت وقومي ظهيراً لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجار ههنا : الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن جاره ، والعرب تقول : أنا جار لك من فلان أي حافظ من مضرته فلا يصل إليك مكروه منه .
ثم قال تعالى : { فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان } أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نكص على عقيبه ، والنكوص الأحجام عن الشيء ، والمعنى : رجع وقال : إني أرى مالا ترون ، وفيه وجوه : الأول : أنه روحاني ، فرأى الملائكة فخافهم . قيل : رأى جبريل يمشي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل : رأى ألفاً من الملائكة مردفين . الثاني : أنه رأى أثر النصرة والظفر في حق النبي عليه الصلاة والسلام ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية .
ثم قال : { إِنّى أَخَافُ الله } قال قتادة صدق في قوله : { إِنّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ } وكذب في قوله : { إِنّى أَخَافُ الله } وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر فقال : ما قال إشفاقاً على نفسه .
أما قوله : { والله شَدِيدُ العقاب } فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس ، ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله أخاف الله .
ثم قال تعالى بعده : { والله شَدِيدُ العقاب } .

(7/414)


إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إنما لم تدخل الواو في قوله : { إِذْ يَقُولُ } ودخلت في قوله : { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ } [ الأنفال : 48 ] لأن قوله : { وَإِذْ زَيَّنَ } عطف على هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطراً ورئاء ، وأما هنا وهو قوله : { إِذْ يَقُولُ المنافقون } فليس فيه عطف لهذا الكلام على ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع عما قبله ، وعامل الإعراب في { إِذْ } فيه وجهان : الأول : التقدير والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون والثاني : اذكروا إذ يقول المنافقون .
المسألة الثانية : أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج ، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا . ثم إن قريشاً لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه ، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا . قال محمد بن إسحق : ثم قتل هؤلاء جميعاً مع المشركين يوم بدر . وقوله : { غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ } قال ابن عباس : معناه أنه خرج بثلثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل ، وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم . وقيل المراد : إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم ، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل .
ثم قال تعالى : { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله ، فإن الله حافظه وناصره ، لأنه عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه ، والرحمة والثواب إلى أوليائه :

(7/415)


وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم ، والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده { إِذْ } بالتاء على تأنيث لفظ الملائكة والجمع ، والباقون بالياء على المعنى .
المسألة الثانية : جواب { عَلَيْهِمْ لَوْ } محذوف . والتقدير : لرأيت منظراً هائلاً ، وأمراً فظيعاً ، وعذاباً شديداً .
المسألة الثالثة : { وَلَوْ تَرَى } ولو عاينت وشاهدت ، لأن لو ترد المضارع إلى الماضي كما ترد إن الماضي إلى المضارع .
المسألة الرابعة : الملائكة رفعها بالفعل ، ويضربون حال منهم ، ويجوز أن يكون في قوله : { يَتَوَفَّى } ضمير لله تعالى ، والملائكة مرفوعة بالابتداء ، ويضربون خبر .
المسألة الخامسة : قال الواحدي : معنى يتوفى الذين كفروا يقبضون أرواحهم على استيفائها وهذا يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وأنه هو الروح فقط؛ لأن قوله : { يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ } يدل على أنه استوفى الذات الكافرة ، وذلك يدل على أن الذات الكافرة هي التي استوفيت من هذا الجسد ، وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وقوله : { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } قال ابن عباس : كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف ، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم ، فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت نزع الروح ، وأقول فيه معنى آخر ألطف منه ، وهو أن روح الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة ، وهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات ، وهو لشدة حبه للجسمانيات ، ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات ، فسبب مفارقته لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات ، وبسبب إقباله على الآخرة مع عدم النور والمعرفة ، ينتقل من ظلمات إلى ظلمات ، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله : { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } .
ثم قال تعالى : { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } وفيه إضمار ، والتقدير : ونقول ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } [ البقرة : 127 ] أي ويقولان ربنا ، وكذا قوله تعالى : { وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ عِندَ رَبّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا } [ السجدة : 12 ] أي يقولون ربنا . قال ابن عباس : قول الملائكة لهم : { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } إنما صح لأنه كان مع الملائكة مقامع ، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض ، فذاك قوله : { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } قال الواحدي : والصحيح أن هذا تقوله الملائكة لهم في الآخرة . وأقول : أما العذاب الجسماني فحق وصدق . وأما الروحاني فحق أيضاً لدلالة العقل عليه ، وذلك لأنا بينا أن الجاهل إذا فارق الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة ، والخوف الشديد بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن . والخوف والحزن كلاهما يوجبان الحرقة الروحانية ، والنار الروحانية .

(7/416)


ثم قال تعالى : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } قيل هذا إخبار عن قول الملائكة ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي : يجوز أن يقال ذلك مبتدأ ، وخبره قوله : { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } ويجوز أن يكون محل ذلك نصباً ، والتقدير : فعلنا ذلك بما قدمت أيديكم .
المسألة الثانية : المراد من قوله : { ذلك } هذا أي هذا العذاب الذي هو عذاب الحريق ، حصل بسبب ما قدمت أيديكم ، وذكرنا في قوله : { الم * ذلك الكتاب } أن معناه هذا الكتاب وهذا المعنى جائز .
المسألة الثالثة : ظاهر قوله : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ } يقتضي أن فاعل هذا الفعل هو اليد ، وذلك ممتنع من وجوه : أحدها : أن هذا العذاب إنما وصل إليهم بسبب كفرهم ، ومحل الكفر هو القلب لا اليد . وثانيها : أن اليد ليست محلاً للمعرفة والعلم ، فلا يتوجه التكليف عليها ، فلا يمكن إيصا العذاب إليها ، فوجب حمل اليد ههنا على القدرة ، وسبب هذا المجازان اليد آلة العمل والقدرة هي المؤثرة في العمل ، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة .
واعلم أن التحقيق أن الإنسان جوهر واحد وهو الفعل وهو الدراك وهو المؤمن وهو الكافر وهو المطيع والعاصي ، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة ، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات الإنسان .
المسألة الرابعة : قوله : { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } يقتضي أن ذلك العقاب كالأمر المتولد من الفعل الذي صدر عنه ، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من العقائد الباطلة التي يكتبها الإنسان ، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها الإنسان ، فكان هذا الكلام مطابقاً للمعقول .
ثم قال تعالى : { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في محل أن وجهان : أحدهما : النصب بنزع الخافض يعني بأن الله : والثاني : أنك إن جعلت قوله : { ذلك } في موضع رفع جعلت أن في موضع رفع أيضاً ، بمعنى وذلك أن الله قال الكسائي ولو كسرت ألف أن على الابتداء كان صواباً ، وعلى هذا التقدير : يكون هذا كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه لكان ظالماً ، وأيضاً قوله تعالى : { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } يدل على أنه تعالى إنما لم يكن ظالماً بهذا العذاب ، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب ، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالماً في هذا العذاب ، فلو كان الموجد للكفر والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالماً ، وأيضاً تدل هذه الآية على كونه قادراً على الظلم ، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة .
واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران ، فلا فائدة في الإعادة . والله أعلم .

(7/417)


كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلاً وآجلاً كما شرحناه أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته في الكل . فقال : { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } والمعنى : عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم . فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال : فلان يدأب في كذا ، أي يداوم عليه ويواظب ويتعب نفسه ، ثم سميت العادة دأباً لأن الإنسان مداوم على عادته ومواظب عليها .
ثم قال تعالى { إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب } والغرض منه التنبيه على أن لهم عذاباً مدخراً سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل ، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم ، فقال : { ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { لَمْ يَكُ } أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون . لأنها لم تشبه الغنة المحضة ، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفاً ، فحذفت تشبيهاً بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي : وهذا ينتقض بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون ههنا .
وأجاب علي بن عيسى عنه . فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل قد حصل فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب ، وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال . فاحتيج إلى استعمالها في أكثر الأوقات ، فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن ، فإنه لا حاجة إلى ذكرها كثيرًا فظهر الفرق . والله أعلم .
المسألة الثانية : قال القاضي : معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدىء أحداً بالعذاب والمضرة ، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت ، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم ، لما صح ذلك ، قال أصحابنا : ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان ، وذلك لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الأنسان بذلك الفعل ، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة ، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات الله تعالى ، ويكون الإنسان مغيراً صفة الله ومؤثراً فيها ، وذلك محال في بديهة العقل ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، بل الحق أن صفة الله غالبة على صفات المحدثات ، فلولا حكمه وقضاؤه أولاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال .

(7/418)


المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى : { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } ذكروا فيه وجوهاً كثيرة : الأول : أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول ، لأن الكلام الأول فيه ذكر أخذهم ، وفي الثاني ذكر إغراقهم وذلك تفصيل . والثاني : أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت ، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة . الثالث : أن الكلام الأول هو قوله : { كَفَرُواْ بئايات الله } والكلام الثاني هو قوله : { كَذَّبُواْ بآيات رَبّهِمْ } فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية ، والثاني إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة ، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم ، فكان الأثر اللازم من الأول هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق ، وذلك يدل على أن لكفران النعمة أثراً عظيماً في حصول الهلاك والبوار ، ثم ختم تعالى الكلام بقوله : { وَكُلٌّ كَانُواْ ظالمين } والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية ، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش ، وأن الله تعالى إنما هلكهم بسبب ظلمهم ، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم ، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت ، فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم .

(7/419)


إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)

اعلم أنه تعالى لما وصف كل الكفار بقوله : { وَكُلٌّ كَانُواْ ظالمين } أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد . فقال : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله } أي في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان :
الصفة الأولى : الكافر الذي يكون مستمراً على كفره مصراً عليه لا يتغير عنه البتة .
الصفة الثانية : أن يكون ناقضاً للعهد على الدوام فقوله : { الذين عاهدت مِنْهُمْ } بدل من قوله : { الذين كَفَرُواْ } أي الذين عاهدت من الذين كفروا وهم شر الدواب وقوله : { مِنْهُمْ } لتبعيض فإن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم وقوله : { ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ } قال أهل المعاني إنما عطف المستقبل على الماضي ، لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة . قال ابن عباس : هم قريظة فإنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا : أخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضاً يوم الخندق ، وقوله : { وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } معناه أن عادة من رجع إلى عقل وحزم أن يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقوا بكلامه ، فبين تعالى أن من جمع بين الكفر الدائم وبين نقض العهد على هذا الوجه كان شر الدواب .

(7/420)


فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)

اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة . منها قوله : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] ومنها قوله : { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الامر } [ آل عمران : 159 ] وتارة يرشد إلى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى الحرب } قال الليث : ثقفنا فلاناً في موضع كذا ، أي أخذناه وظفرنا به ، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب . يقال : شرد يشرد شروداً ، وشرده تشريداً ، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلاً يفرق بهم من خلفهم . قال عطاء : تثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم ، وقيل : نكل بهم تنكيلاً يشرد غيرهم من ناقضي العهد { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد ، وقرأ ابن مسعود فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر ، وقرأ أبو حيوة من خلفهم ، والمعنى : فشرد تشريداً متلبساً بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني ، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك الوقت .
وأما قوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثاً بأمارات ظاهرة { فانبذ إِلَيْهِمْ } فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر ، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم أخباراً مكشوفاً بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم ، ولاتبادرهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد ، فيكون ذلك خيانة منك { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين } في العهود وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه . قال أهل العلم : آثار نقض العهد إذا ظهرت ، فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به ، فإن كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية ، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب ، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعاً به فههنا لا حاجة إلى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة . والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

(7/421)


وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين ما يفعل الرسول في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد ، بين أيضاً حال من وفاته في يوم بدر وغيره ، لئلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغاً عظيماً فقال : { لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ * سَبَقُواْ } والمعنى : أنهم لما سبقوا فقد فاتوك ولم تقدر على إنزال ما يستحقونه بهم ، ثم ههنا قولان : الأول : أن المراد ولا تحسبن أنهم انفلتوا منك ، فإن الله يظفرك بعيرهم . والثاني : لا تحسبن أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل أنهم قد تخلصوا من عقاب الله ومن عذاب الآخرة { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } أي أنهم بهذا السبق لا يعجزون الله من الانتقام منهم والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته ولم يتمكن من التشفي والانتقام منه .
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «لا يحسبن» بالياء المنقطة من تحت ، وفي تصحيحه ثلاثة أوجه : الأول : قال الزجاج : ولا يحسبن الذين كفروا أن يسبقونا ، لأنها في حرف ابن مسعود أنهم سبقونا فإذا كان الأمر كذلك فهي بمنزلة قولك حسبت أن أقوم ، وحسبت أقوم وحذف أن كثير في القرآن قال تعالى : { قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } والمعنى : أن أعبد . الثاني : أن نضمر فاعلاً للحسبان ونجعل الذين كفروا المفعول الأول ، والتقدير : ولا يحسبن أحد الذين كفروا . والثالث : قال أبو علي : ويجوز أيضاً أن يضمر المفعول الأول ، والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا أو إياهم سبقوا ، وأما أكثر القراء فقرؤا { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء المنقطة من فوق على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والذين كفروا المفعول الأول وسبقوا المفعول الثاني وموضعه نصب والمعنى : ولا تحسبن الذين كفروا سابقين .
المسألة الثالثة : أكثر القراء على كسر { ءانٍ } في قوله : { إِنَّهُمْ لا } وهو الوجه لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول كقوله : { الكاذبين أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا } وتم الكلام ثم قال : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } فكما أن قوله : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } منقطع من الجملة التي قبلها ، كذلك قوله : { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } وقرأ ابن عامر { أَنَّهُمْ } بفتح الألف ، وجعله متعلقاً بالجملة الأولى ، وفيه وجهان : الأول : التقدير لا تحسبنهم سبقوا ، لأنهم لا يفوتون فهم يجزون على كفرهم . الثاني : قال أبو عبيد : يجعل { لا } صلة ، والتقدير : لا تحسبن أنهم يعجزون .

(7/422)


وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)

اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض ، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار . قيل : إنه لما اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة ، والمراد بالقوة ههنا : ما يكون سبباً لحصول القوة وذكروا فيه وجوهاً : الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة . الثاني : روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال : «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثاً . الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون . الرابع : قال أصحاب المعاني الأولى أن يقال : هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة . وقوله عليه الصلاة والسلام : «القوة هي الرمي» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً ، كما أن قوله عليه الصلاة والسلام : «الحج عرفة» و «الندم توبة» لا ينفي اعتبار غيره ، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا ، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة ، إلا أنه من فروض الكفايات . وقوله : { ومن رباط الخيل ) الرباط المرابطة أو جمع ربيط ، كفصال وفصيل ، ولا شك أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد . روي أن رجلاً قال لابن سيرين : إن فلاناً أوصى بثلث ماله للحصون . فقال ابن سيرين : يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها ، فقال الرجل إنما أوصى للحصون ، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر :
ولقد علمت على تجنبي الردى ... إن الحصون الخيل لا مدر القرى
قال عكرمة : ومن رباط الخيل الأناث وهو قول الفراء ، ووجه هذا القول أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطاً واحدها ربيط ، ويجمع ربط على رباط وهو جمع الجمع ، / فمعنى الرباط ههنا ، الخيل المربوط في سبيل الله ، وفسر بالإناث لأنها أولى ما يربط لتناسلها ونمائها بأولادها ، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول ، هذا ما ذكره الواحدي .
ولقائل أن يقول : بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى ، لأن المقصود من رباط الخيل المحاربة عليها ، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو ، فكانت المحاربة عليها أسهل ، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها ، ولما وقع التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي ، وهو كونه خيلاً مربوطاً ، سواء كان من الفحول أو من الإناث ، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء . فقال : { ترهبون به عدو الله وعدوكم } وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم ، وذلك الخوف يفيد أموراً كثيرة : أولها : أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام . وثانيها : أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية . وثالثها : أنه ربما صار ذلك داعياً لهم إلى الإيمان . ورابعها : أنهم لا يعينون سائر الكفار . وخامسها : أن يصير ذلك سبباً لمزيد الزينة في دار الإسلام .

(7/423)


ثم قال تعالى : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ وَمِن } والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء ، كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء ، ثم فيه وجوه : الأول : وهو الأصح أنهم هم المنافقون ، والمعنى : أن تكثير أسباب الغزو كما يوجب رهبة الكفار فكذلك يوجب رهبة المنافقين .
فإن قيل : المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الإرهاب؟
قلنا : هذا الإرهاب من وجهين : الأول : أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين ، وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان ، والثاني : أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق فيما بين المسلمين ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة .
والقول الثاني : في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال : المراد كفار الجن . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ وَمِن } فقال إنهم الجن . ثم قال : « إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق » وقال الحسن : صهيل الفرس يرهب الجن ، وهذا القول مشكل ، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل تأثيره في إرهاب الجن .
والقول الثالث : أن المسلم كما يعاديه الكافر ، فكذلك قد يعاديه المسلم أيضاً ، فإذا كان قوي الحال كثير السلاح ، فكما يخافه أعداؤه من الكفار ، فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلماً كان أو كافراً .
ثم إنه تعالى قال : { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ الله } وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } قال ابن عباس : يوف لكم أجره ، أي لا يضيع في الآخرة أجره ، ويعجل الله عوضه في الدنيا { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون من الثواب ، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى : { اتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } [ الكهف : 33 ] .

(7/424)


وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)

واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار ، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح ، فالحكم قبول الصلح . قال النضر : جنح الرجل إلى فلان ، وأجنح له إذا تابعه وخضع له ، والمعنى : إن مالوا إلى الصلح فمل إليه وأنث الهاء في لها ، لأنه قصد بها قصد الفعلة والجنحة كقوله : { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أراد من بعد فعلتهم . قال صاحب «الكشاف» : السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب . قال الشاعر :
السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جرع
وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين ، والباقون بالفتح وهما لغتان . قال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله : { اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] وقوله : { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } [ التوبة : 29 ] وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه ، فإذا رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة ، وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين ، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة .
أما قوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة ، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء ، ولذلك قال : { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } تنبيهاً بذلك على الزجر عن نقض الصلح ، لأنه عالم بما يضمره العباد ، وسامع لما يقولون . قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير . وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها . والله أعلم .

(7/425)


وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)

اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح ، ذكر في هذه الآية حكماً من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة ، وجب قبول ذلك الصلح ، لأن الحكم يبنى على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالاً من الإيمان ، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن ، فههنا أولى ولذلك قال : { وَإِن يُرِيدُواْ } المراد من تقدم ذكره في قوله : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ } .
فإن قيل : أليس قال : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ } أي أظهر نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية؟
قلنا : قوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسألة وترك المنازعة ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك . قال : { فَإِنَّ حَسْبَكَ الله } أي فالله يكفيك ، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني ، وهذا حسبي . هو الذي أيدك بنصره . قال المفسرون : يرد قواك وأعانك بنصره يوم بدر ، وأقول هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي عليه السلام من أول حياته إلى آخر وقت وفاته ، ساعة فساعة . كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً ، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل ، ثم قال : { وبالمؤمنين } قال ابن عباس : يعني الأنصار .
فإن قيل : لما قال : { هُوَ الذى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين ، حتى قال : { وبالمؤمنين } .
قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما : ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة . والثاني : ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة . فالأول : هو المراد من قوله أيدك بنصره ، والثاني : هو المراد من قوله : { وبالمؤمنين } ثم إنه تعالى بين أنه كيف أيده بالمؤمنين . فقال : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره ، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه ، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً ، وعادوا أعواناً . وقيل هم الأوس والخزرج ، فإن الخصومة كانت بينهم شديدة والمحاربة دائمة ، ثم زالت الضغائن ، وحصلت الألفة والمحبة ، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية والمخالصة التامة مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى ، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .

(7/426)


المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد والإرادات والكرامات كلها من خلق الله تعالى ، وذلك لأن تلك الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام . فلو كان الإيمان فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى ، لكانت المحبة المرتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى ، وذلك على خلاف صريح الآية . قال القاضي : لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة ، لما حصلت هذه الأحوال ، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى على هذا التأويل ، ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه ، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته ، فكذا ههنا .
والجواب : كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر وحمل للكلام على المجاز ، وأيضاً كل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكفار ، مثل حصولها في حق المؤمنين ، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة ، وأيضاً فالبرهان العقلي مقو لظاهر هذه الآية ، وذلك لأن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرغبة بدلاً عن النفرة وبالعكس ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر لا بد له من مرجح ، فإن كان ذلك المرجح هو العبد عاد التقسيم ، وإن كان هو الله تعالى ، فهو المقصود ، فعلم أن صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي في هذا الباب .
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن القوم كانوا قبل شروعهم في الإسلام ومتابعة الرسول في الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على البعض ، فلما آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر . زالت الخصومات ، وارتفعت الخشونات ، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة .
واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير وكمال ، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص ، فمتى كان هذا التصور حاصلاً كانت المحبة حاصلة ، ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء : كانت النفرة حاصلة ، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين : أحدهما : الخيرات والكمالات الباقية الدائمة ، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل ، وذلك هو الكمالات الروحانية والسعادات الإلهية . والثاني : وهو الكمالات المتبدلة المتغيرة ، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية ، فإنها سريعة التغيير والتبدل ، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال ، فالإنسان يتصور أن له في صحبة زيد مالاً عظيماً فيحبه ، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل فيبغضه ، ولذلك قيل إن العاشق والمعشوق ربما حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم الواحد مراراً لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله ، والعاشق إنما يريد المعشوق لأجل اللذة الجسمانية ، وهذان الأمران مستعدان للتغير والانتقال ، فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين بل كانتا سريعتي لزوال والانتقال .

(7/427)


إذا عرفت هذا فنقول : الموجب للمحبة والمودة ، إن كان طلب الخيرات الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال ، لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال ، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال ، فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال ، كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال ، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال ، كانت تلك المحبة أيضاً باقية آمنة من التغير ، لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : { الاخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين للمال والجاه والمفاخرة ، وكانت محبتهم معللة بهذه العلة ، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال ، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن ، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، زالت الخصومة والخشونة عنهم . وعادوا إخواناً متوافقين ، ثم بعد وفاته عليه السلام لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا إلى طلبها عادوا إلى محاربة بعضهم بعضاً ، ومقاتلة بعضهم مع بعض ، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي قادر قاهر ، يمكنه التصرف في القلوب . ويقلبها من العداوة إلى الصداقة ، ومن النفرة إلى الرغبة ، حكيم بفعل ما يفعله على وجه الإحكام والإتقان . أو مطابقاً للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر .

(7/428)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65)

اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء . وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار ، لأن المعنى في الآية الأولى ، إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم . والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله : { وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } الأنصار وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، نزلت في إسلام عمر ، قال سعيد بن جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ، ثم أسلم عمر ، فنزلت هذه الآية . قال المفسرون : فعلى هذا القول هذه الآية مكية ، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الآية قولان : الأول : التقدير ، الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين . قال الفراء : الكاف في حسبك خفض و { مِنْ } في موضع نصب والمعنى : يكفيك الله ويكفي من اتبعك ، قال الشاعر :
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
قال وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا حسبك وأخاك ، بل المعتاد أن يقال حسبك وحسب أخيك . والثاني : أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين . قال الفراء وهذا أحسن الوجهين ، أي ويمكن أن ينصر القول الأول بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله ، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أن الواحد من ذلك المجموع لا يكفي في حصول ذلك المهم . وتعالى الله عنه ويمكن أن يجاب عنه بأن الكل من الله ، إلا أن من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة ، ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة . فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين ، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين ، فليس من الواجب أن تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض المؤمنين على القتال فإنه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة . فقال : { المؤمنين ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء ، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجهاً آخر بعيداً ، فقال : التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثاً يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضاً ، والحارض الذي قارب الهلاك ، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا حارضين ، أي هالكين . فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض .
ثم قال : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ } فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى { يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه : الأول : لو كان المراد منه الخبر ، لزم أن يقال : إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، ومعلوم أنه باطل . الثاني : أنه قال

(7/429)


{ الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } [ الأنفال : 66 ] والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر . الثالث : قوله من بعد : { والله مَعَ الصابرين } [ الأنفال : 66 ] وذلك ترغيباً في الثبات على الجهاد ، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان وارداً بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى : { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } [ البقرة : 233 ] { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } [ البقرة : 228 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون } يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء؛ منها : أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً ، ومنها : أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان ، ومنها : أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة ، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة .
واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى : { حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه .
المسألة الثانية : قوله : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ } حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة ، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟
وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة ، وكان رسول الله يبعث السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين .
المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر { ءانٍ تَكُنْ } بالتاء ، وكذلك الذي بعده { وَأَنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما .
المسألة الرابعة : أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة ، وهو قوله : { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } وتقرير هذا الكلام من وجوه :
الوجه الأول : أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد ، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية . ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزناً ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول .

(7/430)


الوجه الثاني : أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم ، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع ، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى .
الوجه الثالث : وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات ، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيباً عند الخلق ، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء ، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه ، بل نقول : إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه ، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيباً ، وأيضاً الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى ، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه ، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت .
إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله . فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه ، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادراً وللفرد بعد الفرد . والله أعلم .

(7/431)


الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث العشرة إلى وجه المائة ، بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر إلى قوم فلقيهم أبو جهل في ثلثمائة راكب وأرادوا قتالهم ، فمنعهم حمزة وبعث رسول الله عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان الهذلي وكان في جماعة ، فابتدر عبد الله وقال : يا رسول الله صفه لي ، فقال : « إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة وقد بلغني أنه جمع لي فاخرج إليه واقتله » قال : فخرجت نحوه فلما دنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي : من الرجل؟ قلت له من العرب سمعت بك وبجمعك؟ ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرت أني قتلته . فأعطاني عصا وقال : « أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة » ثم إن هذا التكليف شق على المسلمين فأزاله الله عنهم بهذه الآية قال عطاء عن ابن عباس : لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون ، وقالوا : يا رب نحن جياع وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم ، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وأولادنا وعدونا ليس كذلك ، وقال الأنصار : شغلنا بعدونا وواسينا إخواننا ، فنزل التخفيف ، وقال عكرمة : إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين ، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم ، ولهذا قال ابن عباس : أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ، فإن فر من اثنين فقد فر ، والحاصل أن الجمهور ادعوا أن قوله : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } ناسخ للآية المتقدمة وأنكر أبو مسلم الأصفهاني هذا النسخ ، وتقرير قوله أن يقال : إنه تعالى قال في الآية الأولى : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } فهب أنا نحمل هذا الخبر على الأمر إلا أن هذا الأمر كان مشروطاً بكون العشرين قادرين على الصبر في مقابلة المائتين ، وقوله : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في حق هؤلاء ، فصار حاصل الكلام أن الآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ البتة .
فإن قالوا : قوله : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } معناه : ليكن العشرون الصابرون في مقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم .
قلنا : لم لا يجوز أن يقال إن المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين ، فليشتغلوا بجهادهم؟ والحاصل أن لفظ الآية ورد على صورة الخبر خالفنا هذا الظاهر وحملناه على الأمر ، أما في رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره ، وتقديره إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ .

(7/432)


فإن قالوا : قوله : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } مشعر بأن هذاالتكليف كان متوجهاً عليهم قبل هذا التكليف .
قلنا : لا نسلم أن لفظ التخفيف يدل على حصول التثقيل قبله ، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام ، كقوله تعالى عند الرخصة للحر في نكاح الأمة { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } [ النساء : 28 ] وليس هناك نسخ وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر ، فكذا ههنا . وتحقيق القول أن هؤلاء العشرين كانوا في محل أن يقال إن ذلك الشرط حاصل فيهم ، فكان ذلك التكليف لازماً عليهم ، فلما بين الله أن ذلك الشرط غير حاصل وأنه تعالى علم أن فيهم ضعفاء لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف ، فصح أن يقال خفف الله عنكم ، ومما يدل على عدم النسخ أنه تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى ، وجعل الناسخ مقارناً للمنسوخ لا يجوز .
فإن قالوا : العبرة في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة فإنها قد تتقدم وقد تتأخر ، ألا ترى أن في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ .
قلنا : لما كان كون الناسخ مقارناً للمنسوخ غير جائز في الوجود ، وجب أن لا يكون جائزاً في الذكر ، اللهم إلا لدليل قاهر وأنتم ما ذكرتم ذلك ، وأما قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ فنقول : إن أبا مسلم ينكر كل أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم . وأقول : إن ثبت إجماع الأمة على الإطلاق قبل أبي مسلم على حصول هذا النسخ فلا كلام عليه ، فإن لم يحصل هذا الإجماع القاطع فنقول : قول أبي مسلم صحيح حسن .
المسألة الثانية : احتج هشام على قوله إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها بقوله : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } قال : فإن معنى الآية : الآن علم الله أن فيكم ضعفاً وهذا يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت . والمتكلمون أجابوا بأن معنى الآية : أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلاً واقعاً ، بل يعلم منه أنه سيحدث ، أما عند حدوثه ووقوعه فإن يعلمه حادثاً واقعاً ، فقوله : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } معنا : أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وقبل ذلك فقد كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث .
المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة { عِلْمٌ إِنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } بفتح الضاد وفي الروم مثله ، والباقون فيهما بالضم ، وهما لغتان صحيحتان ، الضعف والضعف كالمكث والمكث . وخالف حفص عاصماً في هذا الحرف وقرأهما بالضم وقال : ما خالفت عاصماً في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف .

(7/433)


المسألة الرابعة : الذي استقر حكم التكليف عليه بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين ، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل به ، فإن لم يبق معه سلاح فله أن ينهزم ، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمة والصبر أحسن . روى الواحدي في «البسيط» أنه وقف جيش موتة وهم ثلاثة آلاف وأمراؤهم على التعاقب زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة في مقابلة مائتي ألف من المشركين ، مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام .
المسألة الخامسة : قوله : { بِإِذُنِ الله } فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله . والإذن ههنا هو الإرادة . وذلك يدل على قولنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات .
واعلم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { والله مَعَ الصابرين } والمراد ما ذكره في الآية الأولى من قوله : { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 65 ] فبين في آخر هذه الآية أن الله مع الصابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا فإن نصرتي معهم وتوفيقي مقارن لهم ، وذلك يدل على صحة مذهب أبي مسلم وهو أن ذلك الحكم ما صار منسوخاً بل هو ثابت كما كان ، فإن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم ، وإن لم يقدروا على مصابرتهم فالحكم المذكور ههنا زائل .

(7/434)


مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)

واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمر { وَتَكُونُ } بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى ، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم ، والأسرى مذكرون في المعنى ، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة . فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى . وقال صاحب «الكشاف» : قرىء للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و { أسارى } و { يُثْخِنَ } بالتشديد .
المسألة الثانية : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال : قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك ، فقام عمر وقال : كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم . فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء . فمكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم . فقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم : 36 ] ومثل عيسى في قوله : { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ المائدة : 118 ] ومثلك يا عمر مثل نوح { وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } [ نوح : 26 ] ومثل موسى حيث قال : { رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ } [ يونس : 88 ] " ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر . روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه ، تأمرني أن أقتل العباس ، فجعل عمر يقول : ويل لعمر ثكلته أمه ، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا تخرجوا أحداً منهم إلا بفداء أو بضرب العنق فقال ابن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد خوفي . ثم قال من بعد : «إلا سهيل بن بيضاء» وعن عبيدة السلماني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم : إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم "

(7/435)


فقالوا : بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد . وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً أو ستة دنانير . وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت ، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ . هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية .
المسألة الثالثة : تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه :
الوجه الأول : أن قوله تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } صريح في أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى . ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية : { رَّحِيمٌ ياأيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى } [ الأنفال : 70 ] الثاني : أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار ، بل أسرهم ، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه .
الوجه الثاني : أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله : { فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [ الأنفال : 12 ] وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية .
الوجه الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة } وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء . والثاني : قوله تعالى : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وأجمعوا على أن المراد بقوله : { أَخَذْتُمْ } ذلك الفداء .
الوجه الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه ذنب .
الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر » وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولاً : أن قوله : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض } يدل على أنه كان الأسر مشروعاً ، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً ، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس . ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة ، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية ، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى :

(7/436)


{ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } [ محمد : 4 ] .
فإن قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه ، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟ فنقول : الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود ، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنباً ولا معصية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانياً أن نقول : إن ظاهر قوله تعالى : { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأموراً أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، وإذا كان هذا الخطاب مختصاً بالصحابة ، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر ، كان الذنب صادراً منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم . ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعاً عظيماً والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر ، فزال هذا السؤال .
فإن قالوا : هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالاً لقوله تعالى : { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } .
قلنا : إن قوله : { فاضربوا } تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب ، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولاً له . والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟ ولو كان ذلك النص متناولاً لتلك الحالة ، لكان مع قيام النص القاطع تاركاً لحكمه وطالباً ذلك الحكم من مشاورة الصحابة ، وذلك محال ، وأيضاً فقوله : { فاضربوا فَوْقَ الاعناق } أمر ، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة ، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجباً حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة ، وهذا الجواب شاف .

(7/437)


والجواب عما ذكروه ثالثاً ، وهو قولهم : إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء ، وأخذ الفداء محرم . فنقول : لا نسلم أن أخذ الفداء محرم .
وأما قوله : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة } فنقول هذا لا يدل على قولكم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء ، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقاً . الثاني : أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى : أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد ، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به على الدين ، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني . وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
والجواب عما ذكروه رابعاً : أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل ، واشتغل بالأسر استوجب العذاب ، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفاً من نزول العذاب عليهم ، ويحتمل أيضاً ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله : { حتى يُثْخِنَ فِي الارض } ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى .
والجواب عما ذكروه خامساً : أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل ، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة . والله أعلم .
المسألة الرابعة : في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية .
أما قوله : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن تَكُونَ لَهُ أسرى } فلقائل أن يقول : كيف حسن إدخال لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية .
والجواب : قوله { مَا كَانَ } معناه النفي والتنزيه ، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان لله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة . يقول : لم يكن لنبي ذلك ، فلا يكون لك ، وأما من قرأ { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } فمعناه : أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي ، وهو محمد عليه الصلاة والسلام . قال الزجاج : { أسرى } جمع ، و { أسارى } جمع الجمع . قال ولا أعلم أحداً قرأ { أسارى } وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب «الكشاف» : أنه نقل أن بعضهم قرأ به وقوله : { حتى يُثْخِنَ فِي الارض } فيه بحثان :

(7/438)


البحث الأول : قال الواحدي : الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته ، يقال : قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه ، وكذلك أثخنه الجراح ، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ ، فهو ثخين . فقوله : { حتى يُثْخِنَ فِي الارض } معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر ، ثم إن كثيراً من المفسرين . قالوا المراد منه : أن يبالغ في قتل أعدائه . قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل . قال الشاعر :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة ، وذلك يمنع من الجراءة ، ومن الإقدام على ما لا ينبغي ، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك .
البحث الثاني : أن كلمة { حتى } لانتهاء الغاية . فقوله : { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض } يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر .
أما قوله : { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا } فالمراد الفداء ، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضاً ، لأنه لا ثبات له ولا دوام ، فكأنه يعرض ثم يزول ، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضاً ، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام ، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية ، ثم قال : { والله يُرِيدُ الاخرة } يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال . واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه ، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان .
وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا : إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة ، وعملاً جائزاً مأذوناً . ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة ، نفي كونه مراد الوجود ، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات .
ثم قال : { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم . قال ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى { حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } [ محمد : 4 ] وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان ، فإن كلتاهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ، ثم بعده أخذ الفداء .

(7/439)


ثم قال تعالى : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق . ونحن نذكرها ونذكر ما فيها من المباحث :
فالقول الأول : وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من الله سبق يا محمد بحل الغنائم لك ولأمتك ، لمسكم العذاب . وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلاً في ذلك الوقت ، أو ما كان حاصلاً في ذلك الوقت؟ فإن كان التحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم ، لأن ما كان مأذوناً فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله ، وإن قلنا : إن الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم الله أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت .
فإن قالوا : إن كونه بحيث سيصير حلالاً بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب .
قلنا : فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه ، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب .
القول الثاني : قال محمد بن إسحاق : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } إني لا أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم ، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء ، وهذا أيضاً ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء ، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا حصل ، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي ، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة ، وإن قلنا : إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع ، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً ، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وإذا لم يكن المنع حاصلاً كان الإذن حاصلاً ، وإذا كان الإذن حاصلاً ، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟
القول الثالث : قال قوم قد سبق حكم الله بأنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا أيضاً مشكل لأنه يقتضي أن يقال : إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح ، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل . وأيضاً فلو صار كذلك ، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها ، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي؟
والقول الرابع : لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنباً بجهالة ، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب ، وهذا من جنس ما سبق .
واعلم أن الناس قد أكثروا فيه ، والمعتمد في هذا الباب أن نقول : أما على قولنا : فنقول : يجوز أن يعفو الله عن الكبائر . فقوله : { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم ، وهذا هو المراد من قوله :

(7/440)


{ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام : 54 ] ومن قوله : «سبقت رحمتى غضبي» وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر ، فكان معناه { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم ، وهذا الحكم وإن كان ثابتاً في حق جميع المسلمين ، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام ، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال : إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب ، فلا جرم صار هذا الذنب مغفوراً ، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفوراً ، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص .
ثم قال تعالى : { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا طَيّباً } روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها ، فنزلت هذه الآية . وقيل هو إباحة الفداء .
فإن قيل : ما معنى الفاء في قوله : { فَكُلُواْ } .
قلنا التقدير : قد أبحت لكم الغنائم { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حلالا } نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر ، أي أكلاً حلالاً { واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والمعنى : واتقوا الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك ، واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة ، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية ، فقوله : { واتقوا الله } إشارة إلى لمستقبل . وقوله : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } إشارة إلى الحالة الماضية .

(7/441)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)

اعلم أن الرسول لما أخذ الفداء من الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم ، ذكر الله هذه الآية استمالة لهم فقال : { رَّحِيمٌ ياأيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى } قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في العباس ، وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحرث ، كان العباس أسيراً يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس ، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر ، فقال العباس : كنت مسلماً إلا أنهم أكرهوني ، فقال عليه السلام : " إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك " فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا . قال العباس : فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب علي ، فقال : «أما شيء خرجت لتستعين به علينا فلا» قال : وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية ، وفداء نوفل بن الحرث ، فقال العباس : تركتني يا محمد أتكفف قريشاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها : لا أدري ما يصيبني ، فإن حدث بي حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل» فقال العباس : وما يدريك؟ قال : «أخبرني به ربي» قال العباس : فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتاباً في أمرك ، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب . قال العباس : فأبدلني الله خيراً من ذلك ، لي الآن عشرون عبداً ، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً ، وأعطاني زمزم ، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي . وروي أنه قدم على رسول الله مال البحرين ثمانون ألفاً ، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه ، فأخذ ما قدر على حمله ، وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني ، وأنا أرجو المغفرة . واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة ، أو في جملة الأسارى . قال قوم : إنها في العباس خاصة ، وقال آخرون : إنها نزلت في الكل ، وهذا أولى ، لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه : أحدها : قوله : { قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم } وثانيها : قوله : { مّنَ الاسرى } وثالثها : قوله : { فِي قُلُوبِكُمْ } ورابعها : قوله : { يُؤْتِكُمْ خَيْراً } وخامسها : قوله : { مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } وسادسها : قوله : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم ، فما الموجب للتخصيص؟ أقصى ما في الباب أن يقال : سبب نزول الآية هو العباس ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

(7/442)


أما قوله : { إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : يجب أن يكون المراد من هذا الخير : الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف ، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول ، والتوبة عن محاربته .
المسألة الثانية : احتج هشام بن الحكم على قوله : إنه تعالى لا يعلم الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية ، لأن قوله : { إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } فعل كذا وكذا شرط وجزاء ، والشرط هو حصول هذا العلم ، والشرط والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل ، وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى .
والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام ، إلا أنه لما دل الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثاً وجب أن يقال : ذكر العلم وأراد به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم .
أما قوله : { يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : قرأ الحسن { مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } على البناء للفاعل .
المسألة الثانية : للمفسرين في هذا الخير أقوال :
القول الأول : المراد : الخلف مما أخذ منهم في الدنيا . قال القاضي : لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } فما تقدم يجب أن يكون المراد منه منافع الدنيا .
ولقائل أن يقول : إن قوله : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } المراد منه إزالة العقاب ، وعلى هذا التقدير : لم يبعد أن يكون المراد من هذا الخير المذكور أيضاً الثواب والتفضل في الآخرة .
والقول الثاني : المراد من هذا الخير ثواب الآخرة ، فإن قوله : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } المراد منه في الآخرة ، فالخير الذي تقدمه يجب أيضاً أن يكون في الدنيا .
والقول الثالث : أنه محمول على الكل .
فإن قيل : إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا ، فهل تقولون إن كل من أخلص من الأسارى قد آتاه الله خيراً مما أخذ منه؟
قلنا : هكذا يجب أن يكون بحكم الآية ، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه . حتى يتوجه علينا فيه السؤال ، ولا نعلم أيضاً من الذي آتاه الله علماً ، وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر .
ثم قال : { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } والمعنى : كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم؟
أما قوله : { وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذه الخيانة وجوه : الأول : أن المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر ، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل . الثاني : أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء . الثالث : روي أنه عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاهدة المشركين ، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر ، فقال تعالى : { وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ } أي نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل ، والمراد أنهم كانوا يقولون

(7/443)


{ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ يونس : 22 ] { وَلَئِنِ صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ الأعراف : 189 ] ثم إذا وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق ، ولا يمنع دخول الكل فيه ، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير .
ثم قال تعالى : { فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } قال الأزهري : يقال أمكنني الأمر يمكنني فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف ، والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، والمعنى أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر فأمكن الله منهم قتلاً وأسراً ، وذلك نهاية الإمكان والطفر . فنبه الله بذلك على أنهم قد ذاقوا وبال ما فعلوه ثم ، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتاً حاصلاً ، وفيه بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده .
ثم قال : { والله عَلِيمٌ } أي ببواطنهم وضمائرهم { حَكِيمٌ } يجازيهم بأعمالهم .

(7/444)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)

اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقسام ، وذكر حكم كل واحد منهم ، وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ، ثم انتقل من مكة إلى المدينة ، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في تلك الهجرة ، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك .
أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون ، وقد وصفهم بقول : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } وإنما قلنا إن المراد منهم المهاجرون الأولون لأنه تعالى قال في آخر الآية : { والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ } وإذا ثبت هذا ظهر أن هؤلاء موصوفون بهذه الصفات الأربعة : أولها : أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا ، فقوله : { إِنَّ الذين } يفيد هذا المعنى .
والصفة الثانية : قوله : { وَهَاجَرُواْ } يعني : فارقوا الأوطان ، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة ، قال تعالى : { أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم } [ النساء : 66 ] جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس ، فهؤلاء في المرتبة الأولى تركوا الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى ، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والخلان والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى .
والصفة الثالثة : قوله : { وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } أما المجاهدة بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم ، وبقيت في أيدي الأعداء ، وأيضاً فقد احتاجوا إلى الإنفاق الكثير بسبب تلك العزيمة ، وأيضاً كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات ، وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة ، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله .
وأما الصفة الرابعة : فهي أنهم كانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الأحوال ، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين . قال تعالى : { لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } [ الحديد : 10 ] وقال : { والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ التوبة : 100 ] وإنما كان السبق موجباً للفضيلة ، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم ، فيصير ذلك سبباً للقوة أو الكمال ، ولهذا المعنى قال تعالى : { وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } [ المائدة : 32 ] وقال عليه السلام : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة »

(7/445)


ومن عادة الناس أن دواعيهم تقوى بما يرون من أمثالهم في أحوال الدين والدنيا ، كما أن المحن تخف على قلوبهم بالمشاركة فيها ، فثبت أن حصول هذه الصفات الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة ، وأن ذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم .
وأما القسم الثاني : من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فهم الأنصار ، وذلك لأنه عليه السلام لما هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه ، فلولا أنهم آووا ونصروا وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح مهمات أصحابه لما تم المقصود البتة ، ويجب أن يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار لوجوه : أولها : أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب : وثانيها : أنهم تحملوا العناء والمشقة دهراً دهيراً ، وزماناً مديداً من كفار قريش وصبروا عليه ، وهذه الحال ما حصلت للأنصار . وثالثها : أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران ، ولم يحصل ذلك للأنصار . ورابعها : أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه السلام إنما حصل من المهاجرين ، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم ، وقد ذكرنا أنه عليه السلام قال : " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " فوجب أن يكون المقتدى أقل مرتبة من المقتدى به ، فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة ، فلهذا السبب أينما ذكر الله هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية .
واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال : { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } واختلفوا في المراد بهذه الولاية ، فنقل الواحدي عن ابن عباس والمفسرين كلهم ، أن المراد هو الولاية في الميراث . وقالوا جعل الله تعالى سبب الإرث الهجرة والنصرة دون القرابة . وكان القريب الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر ، واعلم أن لفظ الولاية غير مشعر بهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشع بالقرب على ما قررناه في مواضع من هذا الكتاب . ويقال : «السلطان ولي من لا ولي له» ولا يفيد الإرث وقال تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ يونس : 62 ] ولا يفيد الإرث بل الولاية تفيد القرب فيمكن حمله على غير الإرث ، وهو كون بعضهم معظماً للبعض مهتماً بشأنه مخصوصاً بمعاونته ومناصرته ، والمقصود أن يكونوا يداً واحدة على الأعداء ، وأن يكون حب كل واحد لغيره جارياً مجرى حبسه لنفسه ، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى كان حمله على الإرث بعيداً عن دلالة اللفظ ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم صار منسوخاً بقوله تعالى في آخر الآية : { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } وأي حاجة تحملنا على حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به ، ثم الحكم بأنه صار منسوخاً بآية أخرى مذكورة معه ، هذا في غاية البعد ، اللهم إلا إذا حصل إجماع المفسرين على أن المراد ذلك ، فحينئذ يجب المصير إليه إلا أن دعوى الإجماع بعيد .

(7/446)


القسم الثالث : من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المؤمنون الذين ما وافقوا الرسول في الهجرة وبقوا في مكة وهم المعنيون بقول : { والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ } فبين تعالى حكمهم من وجهين : الأول : قوله : { مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَىْء حتى يُهَاجِرُواْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة ، هي الولاية المثبتة في القسم الذي تقدم ، فمن حمل تلك الولاية على الإرث ، زعم أن الولاية المنفية ههنا هي الإرث ، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات المذكورة ، فكذا ههنا . واحتج الذاهبون ، إلى أن المراد من هذه الولاية الإرث ، بأن قالوا : لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله : { وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر } ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمراً مغايراً لمعنى النصرة وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو أمر مغاير للنصرة ، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم والإجلال فسقط هذا الدليل .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { حتى يُهَاجِرُواْ } .
واعلم أن قوله تعالى : { مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَىْء } يوهم أنهم لما لم يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقاً ، فأزال الله تعالى هذا الوهم بقوله : { مَالَكُم مّن ولايتهم مّن شَىْء حتى يُهَاجِرُواْ } يعني أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت ، والمقصود منه الحمل على المهاجرة والترغيب فيها ، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول : إن قطع المهاجرة انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على أكمل الوجوه ، فلا شك أن هذا يصير مرغباً له في الهجرة ، والمقصود من المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض ، وحصول الألفة الشوكة وعدم التفرقة .
المسألة الثالثة : قرأ حمزة { مّن ولايتهم } بكسر الواو ، والباقون بالفتح . قال الزجاج : من فتح جعلها من النصرة والنسب . وقال : والولاية التي بمنزلة الإمارة مكسورة للفصل بين المعنيين وقد يجوز كسر الولاية لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة كالقصارة والخياطة فهي مكسورة . وقال أبو علي الفارسي : الفتح أجود ، لأن الولاية ههنا من الدين والكسر في السلطان .

(7/447)


والحكم الثاني : من أحكام هذا القسم الثالث ، قوله تعالى : { وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر } .
واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من المؤمنين ، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لم استنصروكم فانصروهم ولا تخذلوهم . روي أنه لما نزل قوله تعالى : { مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَىْء حتى يُهَاجِرُواْ } قام الزبير وقال : فهل نعينهم على أمر إن استعانوا بنا؟ فنزل { وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر }
ثم قال تعالى : { إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } والمعنى أنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك .
ثم قال تعالى : { والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن لأنه ذكر ههنا أقساماً ثلاثة : فالأول : المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضاً .
والقسم الثاني : المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكماً متوسطاً بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول ، تكون منفية عن هذا القسم ، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم . فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال . وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئاً من أسباب الفضيلة . فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصلة بوجه من الوجوه ، فظهر أن هذا التريب في غاية الحسن .
المسألة الثانية : قال بعض العلماء : قوله : { والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } يدل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة ، فالمجوسي يرث الوثني ، والنصراني يرث المجوسي ، لأن الله تعالى قال : { والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } .
واعلم أن هذا الكلام إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث وقد سبق القول فيه ، بل الحق أن يقال : إن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته ، فكان المراد من الآية ذلك . وتمام التحقيق فيه أن الجنسية علة الضم وشبيه الشيء منجذب إليه ، والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وذلك يدل على أنهم ما أقدموا على تلك العداوة لأجل الدين ، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه ، بل كان ذلك من أدل الدلائل على أن تلك العداوة لمحض الحسد والبغي والعناد .

(7/448)


ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال : { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } والمعنى : إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة ، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه : الأول : أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم ، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم ، فربما صارت تلك المخالطة سبباً لالتحاق المسلم بالكفار . الثاني : أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم ، فيصير ذلك سبباً لجراءة الكفار عليهم . الثالث : أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة ، صار ذلك سبباً لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث ، عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى فقال : { والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً لَهمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .
واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولاً ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضاً ، ثم إنه تعالى ذكرهم ههنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم . والثاني : وهو أنه تعالى أثنى عليهم ههنا من ثلاثة أوجه : أولها : قوله : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } فقوله : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون } يفيد الحصر وقوله : { حَقّاً } يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقاً في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين . وثانيها : قوله : { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } [ البقرة : 96 ] يدل على كمال تلك الحياة ، والمعنى : لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات . وثالثها : قوله : { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } والمراد منه الثواب الرفيع الشريف . والحاصل : أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب ، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله : { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله : { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية ، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال ، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات .
القسم الرابع : من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه ، وهو المراد من قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } وفيه مسائل :

(7/449)


المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : { مِن بَعْدِ } نقل الواحدي عن ابن عباس : بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل بعد نزول هذه الآية ، وقيل : بعد يوم بدر ، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال : { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ التوبة : 100 ] .
المسألة الثانية : الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة بلد الإسلام وقال الحسن : الهجرة غير منقطعة أبداً ، وأما قوله عليه السلام : « لا هجرة بعد الفتح » فالمراد الهجرة المخصوصة ، فإنها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام . أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفى عددهم قلة ، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار ، فههنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن ، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة .
المسألة الثالثة : قوله : { فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } يدل على أن مرتبة هؤلاء دون مرتبة المهاجرين السابقين لأنه ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في معرض التشريف ، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى . فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية .
ثم قال تعالى : { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الذين قالوا المراد من قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } ولاية الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له ، فإنه تعالى بين أن الإرث كان بسبب النصرة والهجرة ، والآن قد صار ذلك منسوخاً فلا يحصل الإرث إلا بسبب القرابة وقوله : { فِى كتاب الله } المراد منه السهام المذكورة في سورة النساء ، وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم قالوا : إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة ، إلا ما خصه الدليل ، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم ، وهذا أولى ، لأن تكثير النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز .
المسألة الثانية : تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب فقال : قوله تعالى : { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } يدل على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية ، فوجب حمله على الكل إلا ما خصه الدليل ، وحينئذ يندرج فيه الإمامة ، ولا يجوز أن يقال : إن أبا بكر كان من أولي الأرحام لما نقل أنه عليه السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ، ثم بعث علياً خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي ، وقال :

(7/450)


« لا يؤديها إلا رجل مني » وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية .
والجواب : إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة ، لأنه كان أقرب إلى رسول الله من علي . وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه .
المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، في توريث ذوي الأرحام ، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله : { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية ، فلما قال : { فِى كتاب الله } كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه ، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه ، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات . فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام .
ثم قال في ختم السورة : { أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح ، وليس فيها شيء من العبث والباطل ، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب . ونظيره أن الملائكة لما قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ وَيَسْفِكُ الدماء } قال مجيباً لهم : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 30 ] يعني لما علمتم كوني عالماً بكل المعلومات ، فاعلموا أن حكمي يكون منزهاً عن الغلط كذا ههنا . والله أعلم .
تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر ، كما هو أهله ومستحقه . يوم الأحد في رمضان سنة إحدى وستمائة في قرية يقال لها بغدان . ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان ، وكيد أهل البغي والخذلان ، إنه الملك الديان . وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن ، محمد المصطفى صاحب المعجزات والبرهان .

(7/451)


بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)

وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : معنى البراءة انقطاع العصمة . يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة ، ومن هنا يقال برئت من الدين ، وفي رفع قوله : { بَرَاءةٌ } قولان : الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة . قال الفراء : ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل ، جميل والله ، أي هذا جميل والله ، وقوله : { مِّنَ } لابتداء الغاية ، والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان . الثاني : أن يكون قوله : { بَرَاءةٌ } مبتدأ وقوله : { مّنَ الله وَرَسُولِهِ } صفتها وقوله : { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ } هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار .
فإن قالوا : ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله ، ونسب المعاهدة إلى المشركين؟
قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين ، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك ، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين .
المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف النافقون وأرجفوا بالأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم .
فإن قيل : كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد؟
قلنا : لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم ، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَاء } [ الأنفال : 58 ] وقال أيضاً : { الذين . . . . . يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ } [ الأنفال : 56 ] والثاني : أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه . فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط . والثالث : أن يكون مؤجلاً فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد ، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة ، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة ، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول ، والله ورسوله منه بريئان ، ولهذا المعنى قال الله تعالى : { إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ } [ التوبة : 4 ] وقيل : إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا أناساً منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة .
المسألة الثالثة : روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ، ونزول هذه السورة سنة تسع ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم ، فلما نزلت هذه السورة أمر علياً أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم . فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر ، فقال : لا يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء ، فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما لحقه قال : أمير أو مأمور؟ قال : مأمور ، ثم ساروا ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم ، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية ، ثم قال : أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده . فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر علياً بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم ، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود فربما لم يقبلوا ، فأزيحت علتهم بتولية ذلك علياً رضي الله عنه ، وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص علياً بهذا التبليغ تطييباً للقلوب ورعاية للجوانب ، وقيل قرر أبا بكر علي الموسم وبعث علياً خلفه لتبليغ هذه الرسالة ، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر ، والله أعلم .

(7/452)


وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحاج وولاه الموسم وبعث علياً يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم ، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : « لا يبلغ عني إلا رجل مني » فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر ، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما بينهم ، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفاً أو عاهد عهداً لم يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم . فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول .

(7/453)


وأما قوله : { فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } ففيه أبحاث : الأول : أصل السياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من الطعام والشراب . يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه المطعم والمشرب . قال المفسرون : { فَسِيحُواْ فِى الأرض } يعني اذهبوا فيها كيف شئتم وليس ذلك من باب الأمر ، بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وإزالة الخوف ، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال في هذه المدة .
البحث الثاني : قال المفسرون : هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر ، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة ، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور : الأول : أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر ، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة : إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف ، فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً . والثاني : لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد ، والثالث : أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد ، فعم الكل بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر ، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار ، ولا يصح ذلك إلا بنقض العهود . والرابع : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في السنة الآتية ، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة .
البحث الثالث : قال ابن الأنباري : قوله : { فَسِيحُواْ } القول فيه مضمر والتقدير : فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعاً من الغيبة إلى الحضور كقوله : { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } [ الإنسان : 21 ، 22 ] .
البحث الرابع : اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة ، وعن الزهري أن براءة نزلت في شوال ، وهي أربعة أشهر : شوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وقيل هي عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع الأول ، وعشر من ربيع الآخر ، وإنما سميت حرماً لأنه كان يحرم فيها القتل والقتال ، فهذه الأشهر الحرم لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرماً ، وقيل إنما سميت حرماً لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذي الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم . وقيل : ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت بسبب النسيء الذي كان فيهم ، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة الوداع ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : « ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض »
وأما قوله : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } فقيل : اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب . وقيل تقديره : فسيحوا عالمين أنكم لا تعجزون الله في حال . والمقصود : أني أمهلتكم وأطلقت لكم فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تعجزون الله بل الله يعجزكم ويقهركم . وقيل : اعملوا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا يخاف الفوت ، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه ، وقوله : { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } قال ابن عباس : بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة . وقال الزجاج : هذا ضمان من الله عز وجل لنصرة المؤمنين على الكافرين والإخزاء والإذلال مع إظهار الفضيحة والعار ، والخزي والنكال الفاضح .

(7/454)


وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)

اعلم أن قوله : { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } [ التوبة : 1 ] جملة تامة ، مخصوصة بالمشركين ، وقوله : { وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر } جملة أخرى تامة معطوفة على الجملة الأولى وهي عامة في حق جميع الناس ، لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعاً ، فيجب على المؤمنين أن يعرفوا الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه ، فأمر الله تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر ، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر إلى الكل ويشتهر . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الأذان الأعلام . قال الأزهري : يقال آذنته أوذنه إيذاناً ، فالأذان اسم يقوم مقام الإيذان ، وهو المصدر الحقيقي ، ومنه أذان الصلاة . وقوله : { مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس } أي أذان صادر من الله ورسوله ، واصل إلى الناس ، كقولك : إعلام صادر من فلان إلى فلان .
المسألة الثانية : اختلفوا في يوم الحج الأكبر . فقال ابن عباس في رواية عكرمة إنه يوم عرفة ، وهو قول عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد ، وإحدى الروايتين عن علي : ورواية عن المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أنه ، قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة . فقال : « أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر . » وقال ابن عباس : في رواية عطاء : يوم الحج الأكبر يوم النحر ، وهو قول الشعبي والنخعي والسدي وأحد الروايتين عن علي ، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير . والقول الثالث ما رواه ابن جريج عن مجاهد أنه قال : يوم الحج الأكبر أيام منى كلها ، وهو مذهب سفيان الثوري ، وكان يقول يوم الحج الأكبر أيامه كلها ، ويقول يوم صفين ، ويوم الجمل يراد به الحين والزمان ، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياماً كثيرة . حجة من قال يوم عرفة قوله عليه الصلاة والسلام : « الحج عرفة » ولأن أعظم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة ، لأن من أدركه ، فقد أدرك الحج ، ومن فاته فقد فاته الحج . وذلك إنما يحصل في هذا اليوم . وحجة من قال إنه يوم النحر ، هي أن أعمال الحج إنما تتم في هذا اليوم ، وهي الطواف والنحر والحلق والرمي ، وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً أخذ بلجام دابته فقال : ما الحج الأكبر . قال : يومك هذا ، خل عن دابتي ، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع . « فقال هذا يوم الحج الأكبر ، » وأما قول من قال المراد مجموع تلك الأيام ، فبعيد لأنه يقتضي تفسير اليوم بالأيام الكثيرة ، وهو خلاف الظاهر .

(7/455)


فإن قيل : لم سمي ذلك بالحج الأكبر؟
قلنا فيه وجوه : الأول : أن هذا هو الحج الأكبر ، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر . الثاني : أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته ، لأنه إذا فات الحج ، وكذلك إن أريد به يوم النحر ، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر . الثالث : قال الحسن : سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب ، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر . طعن الأصم في هذا الوجه وقال : عيد الكفار فيه سخط ، وهذا الطعن ضعيف ، لأن المراد أن ذلك اليوم يو استعظمه جميع الطوائف ، وكان من وصفه بالأكبر أولئك . والرابع : سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة . والخامس : الأكبر الوقوف بعرفة ، والأصغر النحر ، وهو قول عطاء ومجاهد . السادس : الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وهو منقول عن مجاهد . ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان؟ فقال : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } وفيه مباحث :
البحث اللأول : لقائل أن يقول : لا فرق بين قوله : { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } وبين قوله { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } فما الفائدة في هذا التكرير؟
والجواب عنه من وجوه :
الوجه الأول : أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة ، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت .
والوجه الثاني : أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد ، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برىء إليهم ، وفي الثانية : برىء منهم ، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضاً ، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرؤا منهم ، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم ، وكذلك الرسول ، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة .
والوجه الثالث : في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول ، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد . وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين ، تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم .
البحث الثاني : قوله : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } فيه حذف والتقدير : { وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } بأن الله بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه .
واعلم أن في رفع قوله : { وَرَسُولُهُ } وجوهاً : الأول : أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ، والتقدير ورسوله أيضاً بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن الرسول . والثاني : أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين . الثالث : أن قوله : { أَنَّ الله } رفع بالابتداء وقوله : { بَرِىء } خبره وقوله : { وَرَسُولُهُ } عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب «الكشاف» : وقد قرىء بالنصب عطفاً على اسم أن لأن الواو بمعنى مع ، أي برىء مع رسوله منهم ، وقرىء بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء من المشركين وحق رسوله .

(7/456)