صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

فقال : { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السموات والأرض } واعلم أن دلائل ملكوت السماوات والأرض على وجود الصانع الحكيم القديم كثيرة ، وقد فصلناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة .
ثم قال : { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } والمقصود التنبيه على أن الدلائل على التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض . بل كل ذرة من ذرات عالم الأجسام والأرواح فهي برهان باهر ، ودليل قاهر على التوحيد ، ولنقرر هذا المعنى بمثال . فنقول : إن الضوء إذا وقع على كوة البيت ظهر الذرات والهباآت ، فلنفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات فنقول : إنها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية ، وذلك لأنها مختصة بحيز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له ، وكل حيز من تلك الأحياز الغير المتناهية ، فرضنا وقوع تلك الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز المعين من الممكنات والجائزات ، والممكن لا بد له من مخصص ومرجح وذلك المخصص إن كان جسماً عاد السؤال فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه ، وأيضاً فتلك الذرة لا تخلو عن الحركة والسكون ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وكل محدث فإن حدوثه لا بد وأن يكون مختصاً بوقت معين مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده ، فاختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه ، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص قديم فإن كان ذلك المخصص جسماً عاد السؤال فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه وتعالى ، وأيضاً أن تلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجمية . ومخالفة لها في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات . واختصاصها بكل تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، والجائز لا بد له من مرجح ، وذلك المرجح إن كان جسماً عاد البحث الأول فيه ، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه ، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية ، واعتبارات غير متناهية ، وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني ، مفرداته ومركباته وسفلياته وعلوياته وعند هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر :
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى : { وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } ولما نبه الله تعالى على هذه الأسرار العجيبة والدقائق اللطيفة ، أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكر فقال : { وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } ولفظة { أن } في قوله : { وَأَنْ عسى } هي المخففة من الثقيلة تقديره : وأنه عسى ، والضمير ضمير الشأن ، والمعنى : لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار ، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة ، والمبادرة إلى هذه الرؤية ، سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم ، ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال : { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون } [ الأعراف : 185 ] وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات الظاهرة والبينات الباهرة ، فكيف يرضى منهم الإيمان بغيره . واعلم أن هذه الآية دالة على مطالب كثيرة .

(7/320)


المطلب الأول : أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال ، والدليل على أن الأمر كذلك قوله : { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } .
والمطلب الثاني : أن أمر النبوة متفرع على التوحيد ، والدليل عليه أنه لما قال : { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أتبعه بذكر ما يدل على التوحيد ، ولولا أن الأمر كذلك ، لما كان إلى هذا الكلام حاجة .
والمطلب الثالث : تمسك الجبائي والقاضي بقوله تعالى : { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } على أن القرآن ليس قديماً قالوا : لأن الحديث ضد القديم ، وأيضاً فلفظ الحديث يفيد من جهة العادة حدوثه عن قرب ، ولذلك يقال : إن هذا الشيء حديث ، وليس بعتيق فيجعلون الحديث ضد العتيق الذي طال زمان وجوده ، ويقال : في الكلام إنه حديث ، لأنه يحدث حالاً بعد حال على الأسماع .
وجوابنا عنه : أنه محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حدوثها .
المطلب الرابع : أن النظر في ملكوت السموات والأرض لا يكون إلا بعد معرفة أقسامها وتفصيل الكلام في شرح أقسامها ، أن يقال كل ما سوى الله تعالى ، فهو إما أن يكون متحيزاً أو حالاً في المتحيز أو لا متحيزاً ، ولا حالاً في المتحيز ، أما المتحيز فإما أن يكون بسيطاً ، وإما أن يكون مركباً ، أما البسائط فهي إما علوية وإما سفلية ، أما العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، ويندرج فيما ذكرناه العرش والكرسي ، ويدخل فيه أيضاً الجنة والنار ، والبيت المعمور ، والسقف المرفوع واستقص في تفصيل هذه الأقسام ، وأما السفلية فهي : طبقات العناصر الأربعة ، ويدخل فيها البحار والجبال والمفاوز ، وأما المركبات فهي أربعة الآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان ، واستقص في تفصيل أنواع هذه الأجناس الأربعة ، وأما الحال في المتحيز وهي الأعراض ، فيقرب أجناسها من أربعين جنساً ، ويدخل تحت كل جنس أنواع كثيرة ، ثم إذا تأمل العاقل في عجائب أحكامها ولوازمها وآثارها ومؤثراتها فكأنه خاض في بحر لا ساحل له .
وأما القسم الثالث : وهو أن الموجود لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز ، فهو قسمان ، لأنه إما أن يكون متعلقاً بأجسام بالتدبير والتحريك ، وهو المسمى بالأرواح ، وإما أن لا يكون كذلك ، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن علائق الأجسام . أما القسم الأول فأعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة الحاملة للعرش ، كما قال تعالى :

(7/321)


{ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } [ الحاقة : 17 ] ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة إليها بقوله سبحانه : { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } [ الزمر : 75 ] ويتلوها سكان الكرسي ، وإليهم الإشارة بقوله : { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } [ البقرة : 255 ] ويتلوها الأرواح المقدسة في طبقات السموات السبع . وإليهم الأشارة بقوله : { والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً } [ الصافات : 1 3 ] ومن صفاتهم ، أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .
واعلم أن هذا الذي ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر فلعل الله سبحانه له ألف ألف عالم وراء هذا العالم ، وله في كل واحد منها عرش أعظم من هذا العرش ، وكرسي أعلى من هذا الكرسي ، وسموات أوسع من هذه السموات ، وكيف يمكن إحاطة عقل البشر بكمال ملك الله وملكوته ، بعد أن سمع قوله : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر : 31 ] فإذا استحضر الإنسان هذه الأقسام في عقله وأراد الخوض في معرفة أسرار حكمته وإلهيته فهم قولهم : { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } [ البقرة : 32 ] ونعم ما قال أبو العلاء المعري :
يا أيها الناس كم لله من فلك ... تجري النجوم به والشمس والقمر
هنا على الله ماضينا وغابرنا ... فما لنا في نواحي غيره خطر

(7/322)


مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)

اعلم أنه تعالى عاد في هذه الآية مرة أخرى إلى نعت أحوال الضالين المكذبين فقال : { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ } واعلم أن استدلال أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله مثل ما سبق في الآية السالفة ، وتأويلات المعتزلة ، وجوابنا عنها مثل ما تقدم فلا فائدة في الإعادة ، وقوله : { وَيَذَرُهُمْ فِى طغيانهم } رفع بالاستئناف وهو مقطوع عما قبله ، وقرأ أبو عمرو «ويذرهم» بالياء ورفع الراء لتقدم اسم الله سبحانه ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء والجزم ، ووجه ذلك فيما يقول سيبويه : إنه عطف على موضع الفاء وما بعدها من قوله : { فَلاَ هَادِيَ لَهُ } لأن موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب الشرط ، فحمل «ويذرهم» على موضع الذي هو جزم .

(7/323)


يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)

اعلم أن في نظم الآية وجهين : الأول : أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه بالكلام في المعاد ، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة . الثاني : أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة { وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } [ الأعراف : 185 ] باعثاً بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق ، فيصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من هو؟ قال ابن عباس : إن قوماً من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن وقتادة : إن قريشاً قالوا : يا محمد بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة؟
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» : الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق .
المسألة الثالثة : أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء ، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى ، وفي اشتقاقه قولان : المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال : { أَيَّانَ } سؤال عن الزمان ، وأين سؤال عن المكان ، فكيف يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر . والثاني : وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه ، لأن معناه أي وقت ولفظة أي ، فعل من أويت إليه ، لأن البعض آو إلى مكان الكل متسانداً إليه هكذا . قال ابن جني : وقرأ السلمي ( إيان ) بكسر الهمز .
المسألة الرابعة : مرساها «المرسي» ههنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى : { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود : 41 ] أي إجراؤها وإرساؤها ، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا؛ إذا ثبت . قال تعالى : { والجبال أرساها } [ النازعات : 32 ] فكان الرسو ليس اسماً لمطلق الثبات ، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلاً ومنه إرساء الجبل ، وإرساء السفينة ، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة ، بدليل قوله : { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء .
ثم قال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 34 ] وقوله : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا } [ الحج : 7 ] وقوله : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } [ طه : 15 ] ولما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : متى الساعة فقال عليه السلام : " ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل "

(7/324)


قال المحققون : والسبب في إخفاء الساعة عن العباد؟ أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة ، وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال : { لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا } التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره ، والمعنى : لا يظهرها في وقتها المعين { إِلاَّ هُوَ } أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو .
ثم قال تعالى : { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى : { وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } [ الإنسان : 27 ] وأيضاً وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال : { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ } [ الحج : 1 ] ووصف عذابها بالشدة فقال : { وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } [ الحج : 2 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في تفسير قوله : { ثَقُلَتْ فِى السموات والارض } وجوه : قال الحسن : ثقل مجيئها على السموات والأرض ، لأجل أن عند مجيئها شققت السموات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار ، وقال أبو بكر الأصم : إن هذا اليوم ثقيل جداً على أهل السماء والأرض ، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب . وقال قوم : إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد . وقال السدي : { ثَقُلَتْ } أي خفيت في السموات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها . وقال قوم : { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات والأرض ، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله ، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم .
ثم قال : { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } وهذا أيضاً تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الساعة تفجأ الناس ، فالرجل يصلح موضعه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوم بسلعته في سوقه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه » وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك »
ثم قال تعالى : { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الحفي وجوه : الأول : الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي : يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفياً ، والحفي الكلام واللقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } أي باراً لطيفاً يجيب دعائي إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي ، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشاً قالت لمحمد عليه السلام : إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة . فقال تعالى : { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا } أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم .

(7/325)


والقول الثاني : { حَفِىٌّ عَنْهَا } أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها ، وعلى هذا القول { حَفِىٌّ } فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال ، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه ، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة ، أي استقصى . فقوله : { كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها . قال صاحب «الكشاف» : هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، وإحفاء البقل استئصاله ، وأحفى في المسألة إذا ألحف ، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، وعلى هذا التقدير : فالقولان الأولان متقاربان .
المسألة الثانية : في قوله : { عَنْهَا } وجهان : الأول : أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير : يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله : «بها» لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه . والثاني : أن يكون التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود { كَأَنَّكَ حَفِىٌّ بِهَا } .
المسألة الثالثة : قوله : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها } سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانياً : { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا } سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها ، فلم يلزم التكرار :
أجاب عن الأول بقوله : { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } .
وأجاب عن الثاني بقوله : { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت قيام الساعة . والسؤال الثاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها ، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة ، وهو قولنا الله ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وفيه وجوه : أحدها : ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق .

(7/326)


قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن قوله : { لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً } أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير ، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس : { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ الله لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } [ يونس : 48 ، 49 ] الثاني : روي أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة . فأنزل الله تعالى هذه الآية : الثالث : قال بعضهم : لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين . وقال « انظروا أين ناقتي » ، فقال عبدالله بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته . فقال عليه الصلاة والسلام : « إن ناساً من المنافقين . قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة » فوجدها على ما قال ، فأنزل الله تعالى : { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرَّاً إِلاَّ مَا شَاءَ الله } .
المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل ، وبين أن كل من كان عبداً كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا لله تعالى ، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة ، وهذا العلم؟ واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى : { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ الله } والإيمان نفع والكفر ضر ، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه ، وتقريره ما ذكرناه مراراً أن القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلاً عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريداً للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير : لا يملك العبد لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله .
أجاب القاضي عنه بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله : { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله } وإن كان عاماً بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا : يا محمد ألايخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو ، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء ، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله ، والمراد بالنفع : تملك الأموال وغيرها ، والمراد بالضر وقت القحط ، والأمراض وغيرها . الثاني : المراد لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فيما يتصل بعلم الغيب ، والدليل على أن المراد ذلك قوله : { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } الثالث : المراد : لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه .

(7/327)


واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ ، وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب بقوله : { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } واختلفوا في المراد من هذا الخير . فقيل المراد منه : جلب منافع الدنيا وخيراتها ، ودفع آفاتها ومضراتها ، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب . وقيل : المراد منه ما يتصل بأمر الدين ، يعني : لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك ، فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك . وقيل : المراد منه : ما يتصل بالجواب عن السؤالات ، والتقدير : لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير .
والجواب : عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره .
أما قوله : { وَمَا مَسَّنِىَ السوء } ففيه قولان :
القول الأول : قال الواحدي رحمه الله : تم الكلام عند قوله : { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } ثم قال : { وَمَا مَسَّنِىَ السوء } أي ليس بي جنون ، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله : { مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } وهذا القول عندي بعيد جداً ويوجب تفكك نظم الآية .
والقول الثاني : إنه تمام الكلام الأول ، والتقدير : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير ، ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء . ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي ، ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدر الله عليه ، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال : { إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } والنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات ، والبشير مبالغة في البشارة بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله : { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيه قولان : أحدهما : أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلاأنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما ، يفيد ذكر الأخرى كقوله : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] والثاني : أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان نذيراً وبشيراً للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون . فلهذا السبب خصهم الله بالذكر ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] .

(7/328)


هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)

اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } وهي نفس آدم { وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } آدم { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَلَمَّا أَثْقَلَت } أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال : ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك؟ فخافت حواء ، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام ، فلم يزالا في هم من ذلك ، ثم أتاها وقال : إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله : { فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً ، والمراد به الحرث هذا تمام القصة .
واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة . الثاني : أنه تعالى قال بعده : { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } [ الأعراف : 191 ] وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى ، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر . الثالث : لو كان المراد إبليس لقال : ( أيشركون من لا يخلق شيئاً ) ، ولم يقل ( ما لا يخلق شيئاً ) ، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما» الرابع : أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس ، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ الخامس : أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح ، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار . فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } [ البقرة : 31 ] وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس ، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس : أن بتقدير أن آدم عليه السلام ، سماه بعبد الحرث ، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له ، أو جعله صفة له ، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله . فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة ، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك ، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم ، وذلك لا يقوله عاقل . فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه .

(7/329)


إذا عرفت هذا فنقول : في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد .
التأويل الأول : ما ذكره القفال فقال : إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم ، وقولهم بالشرك ، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول : هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية ، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل ، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك . فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً ، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين ، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين ، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام .
ثم قال تعالى : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي تنزه الله عن ذلك الشرك ، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد .
التأويل الثاني : بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم آل قصي ، والمراد من قوله : هو الذى خلقكم من نفس قصي وَجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها ، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد قصي ، وعبد اللات ، وجعل الضمير في { يُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك .
التأويل الثالث : أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام ، وحكى عنهما أنهما قالا : { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة ، ثم قال : { فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } فقوله : { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد ، والتقرير : فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام ، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام ، ثم يقال لذلك المنعم : أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك ، فيقول ذلك المنعم : فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا ههنا .

(7/330)


الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله : { فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } فنقول : التقدير ، فلما آتاهما ولداً صالحاً سوياً جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وكذا فيما آتاهما ، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله : { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] أي واسأل أهل القرية .
فإن قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله : { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } .
قلنا : لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله : { جَعَلاَ } المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين ، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع ، وهو قوله تعالى : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
الوجه الثالث : في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله : { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام ، إلا أنه قيل : إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق . ثم بدا لهم في ذلك ، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته . وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا قال تعالى : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكياً عن الله سبحانه : « أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه » وعلى هذا التقدير : فالإشكال زائل .
الوجه الرابع : في التأويل أن نقول : سلمنا صحة تلك القصة المذكورة ، إلا أنا نقول : إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث ، وقد يسمى المنعم عليه عبداً للمنعم . يقال في المثل : أنا عبد من تعلمت منه حرفاً ، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان : كتابة عبد وده فلان . قال الشاعر :
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا

(7/331)


فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهاً على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه ، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه ، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتباً في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد ، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية .
المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث :
البحث الأول : قوله : { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } المشهور أنها نفس آدم وقوله : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } المراد حواء . قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم ، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم . قالوا : والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل ، والجنسية علة الضم ، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟ ولم لا نقول : إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء ، وأيضاً الذي يقال : إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح . بقي أن يقال : إذا لم نقل بذلك ، فما المراد من كلمة { مِنْ } في قوله : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } فنقول : قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه ، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام : " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع . وقال عليه الصلاة والسلام : " في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون " والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم ، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله قوله : { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها ، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها ، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها ، ومثله يجللها ، وهو يشبه التغطي واللبس . قال تعالى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وقوله : { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر ، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة . وقوله : { فَمَرَّتْ بِهِ } أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة ، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل . قال صاحب «الكشاف» : وقرأ يحيى بن يعمر { فَمَرَّتْ بِهِ } بالتخفيف وقرأ غيره { فمارت به } من المرية .

(7/332)


كقوله : { أفتمارونه } [ النجم : 12 ] وفي قراءة أخرى { أفتمارونه } معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه { فَلَمَّا أَثْقَلَت } أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا } يعني آدم وحواء { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا } أي ولداً سوياً مثلنا { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } لآلائك ونعمائك { فَلَمَّا ءاتاهما } الله { صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية حفص ( عَنْهُ شُرَكَاء ) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ( عَنْهُ ) بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء ، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكاً في الولد ومن قرأ { شُرَكَاء } فحجته قوله : { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ } [ الرعد : 16 ] وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين ، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة ، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم .

(7/333)


أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194)

اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية ، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب ، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله : { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً؟ وهم يخلقون . أي وهم مخلوقون يعني الأصنام .
فإن قيل : كيف وحد { يَخْلُقُ } ثم جمع فقال : { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وأيضاً فكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس؟
والجواب عن الأول : أن لفظ { مَا } تقع على الواحد والاثنين والجمع ، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها . ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله : { يَخْلُقُ } رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله : { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } رعاية لجانب المعنى .
والجواب عن الثاني : وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز؟ فنقول : لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه ، ونظيره قوله تعالى : { وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء : 33 ] وقوله : { والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] وقوله : { يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم } [ النمل : 18 ] .
المسألة الثانية : قوله : { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } احتج أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله ، قالوا : لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئاً وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها ، وهذا يقتضي أن كل من كان خالقاً كان إلهاً ، فلو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه كان إلهاً ولما كان ذلك باطلاً ، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه .
أما قوله تعالى : { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } يريد أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها . والنصر : المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك . فكيف يليق بالعاقل عبادتها؟
ثم قال : { وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروهاً فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه .
ثم قال : { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور ، بين بهذه الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء ، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر ، فكذا لا يصح فيه إذا دعى إلى الخير الأتباع . ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه ، ثم قوى هذا الكلام بقوله : { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } وهذا مثل قوله :

(7/334)


{ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } [ البقرة : 6 ] وذكرنا ما فيه من المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية عطف الفعل على الفعل ، وههنا عطف الاسم على الفعل ، لأن قوله : { أَدَعَوْتُمُوهُمْ } جملة فعلية : وقوله : { أَمْ أَنتُمْ صامتون } جملة إسمية .
واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الإسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة وحكمة ، وتلك الفائدة هي أن صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالاً بعد حال ، وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار .
إذا عرفت هذا فنقول : إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي معضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام ، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين ، فقيل لهم لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم وسكوتكم ، فهذا هو الفائدة في هذه اللفظة ، ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للإلهية ، فقال : { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } وفيه سؤال : وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات؟ وجوابه من وجوه : الأول : أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع ، وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة ، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم ، ولذلك قال : { فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال : { إِنَّ الذين } ولم يقل التي .
والجواب الثاني : أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم ، فلم جعلتم أنفسكم عبيداً وجعلتموها آلهة وأرباباً؟ ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالكم . فقال : { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } [ الأعراف : 195 ] ثم أكد هذا البيان بقوله : { فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله : { فَلْيَسْتَجِيبُواْ } لام الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية ، ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لأبيه : { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } [ مريم : 42 ] وقوله : { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة ، ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية أنها لا تصلح للمعبودية ، وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها ، وأن لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع .

(7/335)


أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)

اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام . وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة ، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة ، وعن قوة الحياة ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام ، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة ، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهاً لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى . فقالوا : إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلاً على عدم إلهيتها ، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلاً على عدم الإلهية وذلك باطل ، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى . والجواب عنه من وجهين :
الوجه الأول : أن المقصود من هذه الآية : بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم ، لأن الإنسان له رجل ماشية ، ويد باطشة ، وعين باصرة ، وأذن سامعة ، والصنم رجله غير ماشية ، ويده غير باطشة ، وعينه غير مبصرة ، وأذنه غير سامعة ، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم ، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام ، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال .
الوجه الثاني : في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام : تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله : { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } [ الأعراف : 192 ] يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر ، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية ، وأيد باطشة ، وأعين باصرة ، وآذان سامعة ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الإنفاع والإضرار ، فامتنع كونها آلهة . أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وإن كان متعالياً عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين .
أما قوله تعالى : { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } قال الحسن : إنهم كانوا يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم ، فقال تعالى : { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه من الوجوه ، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في { كيدوني } والباقون حذفوها ومثله في قوله : { فَلاَ تُنظِرُونِ } قال الواحدي ، والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي ، وقد حذفوا هذه الياآت إذا كانت في القوافي كقوله :
يلمس الإحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي الممل
والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الإثبات ، ومعنى قوله : { فَلاَ تُنظِرُونِ } أي لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركائكم .

(7/336)


إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)

اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر بين بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى ، لأنه هو الذي يتولى تحصيل منافع الدين ومنافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين ، فبسبب إنزال الكتاب ، وأما تحصيل منافع الدنيا ، فهو المراد بقوله : { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : قرأ القراء وليي بثلاث ياآت ، الأولى ياء فعيل وهي ساكنة ، والثانية لام الفعل وهي كسورة ، قد أدغمت الأولى فيها فصار ياء مشددة ، والثالثة ياء الإضافة ، وروي عن أبي عمرو : ولي الله بياء مشددة ، ووجه ذلك أنه حذف الياء التي هي لام فعيل ، كما حذف اللام من قولهم فاماليت به فاله ، ثم أدغمت ياى فعيل في ياء الإضافة ، فقيل ولي الله وهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة ، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث ياءات ، والله أعلم .
المسألة الثانية : أن وليي الله أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم ، فلا تضرهم عداوة من عاداهم ، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم . وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئاً ، فقيل له فيه فقال : ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له ولياً فلا حاجة له إلى مالي ، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى : { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } [ القصص : 17 ] ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته .
أما قوله : { والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } ففيه قولان :
القول الأول : أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات .
فإن قالوا : فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في تكريرها؟ فنقول : قال الواحدي : إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة ، وبين من لا تجوز ، كأنه قيل : الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين ، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية .
والقول الثاني : أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير الله ، يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى : إنهم لا يقدرون على شيء . بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ذلك البتة .
فإن قيل : لم يتقدم ذكر المشركين ، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ما ذكر؟

(7/337)


قلنا : قد تقدم ذكرهم في قوله تعالى : { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } [ الأعراف : 195 ] أما قوله تعالى : { وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام . قلنا : المراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم : جبلان متناظران أي متقابلان ، فإن حملناها على المشركين فالمعنى : أنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية ، فصاروا كأنهم عمي ، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية ، لأنه تعالى أثبت النظر ونفي الرؤية ، وذلك يدل على التغاير ، وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل : معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون ، أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك ، والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى : { وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى } [ الحج : 2 ] .

(7/338)


خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه ، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار ، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال : { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف } قال أهل اللغة : العفو الفضل وما أتي من غير كلفة .
إذا عرفت هذا فنقول : الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم ، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها ، وإما أن لا يجوز .
أما القسم الأول : فهو المراد بقوله : { خُذِ العفو } ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية؛ ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى : { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف ، كما قال تعالى : { وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] .
وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف ، والعرف ، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ، وأن وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ، لكان ذلك سعياً في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية : { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } وقال في آية أخرى : { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } [ الفرقان : 72 ] وقال : { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } [ المؤمنون : 3 ] وقال في صفة أهل الجنة : { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } [ الواقعة : 25 ] وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير . قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : « يا جبريل ما هذا؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك » قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا : { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف } أي ما عفا لك من أموالهم ، أي ما أتوك به عفواً فخذه ، ولا تسأل عما وراء ذلك . قالوا : كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله : { وَأْمُرْ بالعرف } أي بإظهار الدين الحق ، وتقرير دلائله { وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين } أي المشركين قالوا : وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله : { وَأْمُرْ بالعرف } .

(7/339)


واعلم أن تخصيص قوله : { خُذِ العفو } بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل ، وأيضاً فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافياً لذلك ، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكى فلم يكن إيجاب الزكاة سبباً لصيرورة هذه الآية منسوخة .
وأما قوله : { وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين } فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على سوء أخلاقهم ، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها ، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال ، لأنه لا يمتنع أن يؤمر عليه السلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها؟ ولكن قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ ، إلا أن الظاهرية من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة .

(7/340)


وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو زيد : لما نزل قوله تعالى : { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف : 199 ] قال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف يا رب والغضب؟ فنزل قوله : { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ } .
المسألة الثانية : اعلم أن نزغ الشيطان ، عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي ، عن أبي زيد نزغت بين القوم إذا أفسدت ما بينهم ، وقيل النزغ الازعاج ، وأكثر ما يكون عند الغضب ، وأصله الازعاج بالحركة إلى الشر ، وتقرير الكلام أنه تعالى لما أمره بالعرف فعند ذلك ربما يهيج سفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره تعالى بالسكوت عن مقابلته فقال : { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } ولما كان من المعلوم أن عند إقدام السفيه على السفاهة يهيج الغضب والغيظ ولا يبقى الإنسان على حالة السلامة وعند تلك الحالة يجد الشيطان مجالاً في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينبغي ، لا جرم بين تعالى ما يجري مجرى العلاج لهذا الغرض فقال : { فاستعذ بالله } والكلام في تفسير الاستعاذة قد سبق في أول الكتاب على الاستقصاء .
المسألة الثالثة : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا : لولا أنه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية أو الذنب ، وإلا لم يقل له { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله } والجواب عنه من وجوه : الأول : أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال له : إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ ، كما أنه تعالى قال : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] ولم يدل ذلك على أنه أشرك . وقال : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة . الثاني : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام ، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته ، إنما القادح في عصمته لو قبل الرسول وسوسته ، والآية لا تدل على ذلك . عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من إنسان إلا ومعه شيطان » قالوا : وأنت يا رسول الله قال : « وأنا ولكنه أسلم بعون الله ، فلقد أتاني فأخذت بحلقه ، ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحاً ، » وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } [ الحج : 52 ] الثالث : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس . وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أثر وسوسته ، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى . قال عليه الصلاة والسلام : « وإنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة »
المسألة الرابعة : الاستعاذة بالله عند هذه الحالة أن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع .

(7/341)


المسألة الخامسة : هذا الخطاب وإن خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام لجميع المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذي ذكرناه لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان ، ولذلك قال تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين ءامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [ النحل : 97 ، 98 ] إذا ثبت بالنص أن لهذه الاستعاذة أثراً في دفع نزع الشيطان ، وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال .
المسألة السادسة : قوله : { إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة ، فكأنه تعالى قال : اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك ، وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر .

(7/342)


إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله ، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب ، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة ، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان ، وهذا المس يكون لامحالة أبلغ من النزغ .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { طيف } بغير ألف ، والباقون { مَسَّهُمْ طَئِفٌ } بالألف . قال الواحدي رحمه الله : اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد ، وقال أبو زيد يقال : طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا أقبل وأدبر . وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم ، وطاف الخيال يطيف طيفاً إذا ألم في المنام . قال ابن الأنباري : وجائز أن يكون طيف أصله طيف . إلا أنهم استثقلوا التشديد ، فحذفوا إحدى الياءين وأبقوا ياء ساكنة ، فعلى القول الأول هو مصدر ، وعلى ما قاله ابن الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت ، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير { إِذَا مَسَّهُمْ طيف } بالتشديد . هذا هو الأصل في الطيف ، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفاً ، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال . قال الأزهري : الطيف في كلام العرب الجنون ، ثم قيل للغضب طيف ، لأن الغضبان يشبه المجنون . وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف ، مثل العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة . قال الفراء في هذه الآية : الطائف والطيف سواء ، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالإنسان ، ومنهم من قال : الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر .
المسألة الثالثة : اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ، ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً ، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزاً عن الدفع ، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور ، فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة . أما الاعتقاد الأول : وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه ، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل ، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة ، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل ، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب ، وأيضاً فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة ، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها ، فعند ذلك يفر غضبه ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام :

(7/343)


« من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب » وأما الاعتقاد الثاني والثالث : وهو اعتقاده في نفسه كونه قادراً ، وكون المغضوب عليه عاجزاً ، فهذان الاعتقادان أيضاً فاسدان من وجوه : أحدها : أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل ، والله كان قادراً عليه ، وهو كان أسيراً في قبضة قدرة الله تعالى ، ثم إنه تجاوز عنه . وثانيها : أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان ، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله . وثالثها : أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش . ورابعها : أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكاً للسباع المؤذية والحياة القاتلة ، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكاً لأكابر الأنبياء والأولياء . وخامسها : أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قوياً قادراً عليه ، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه ، أما إذا عفا كان ذلك إحساناً منه إليه ، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى : { إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ } ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة ، والمراد من قوله : { تَذَكَّرُواْ } ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله : { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم ، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان ، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان .
المسألة الرابعة : قوله : { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } معنى ( إِذَا ) ههنا للمفاجأة ، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله : { إِذَا مَسَّهُمْ } يستدعي جزاء ، كقولك آتيك إذا احمر البسر .
أما قوله تعالى : { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الكناية في قوله : { وإخوانهم } إلى ماذا تعود على قولين .
القول الأول : وهو الأظهر أن المعنى : وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي ، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن ، فشياطين الإنس يغوون الناس ، فيكون ذلك إمداداً منهم لشياطين الجن على الإغواء والإضلال .
والقول الثاني : أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين ، فإن الشياطين يكونون مدداً لهم فيه ، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخاً من الشياطين .
المسألة الثانية : تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها .
المسألة الثالثة : قرأ نافع { يَمُدُّونَهُمْ } بضم الياء وكسر الميم من الإمداد ، والباقون { يَمُدُّونَهُمْ } بفتح الياء وضم الميم ، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد ، وقيل مد معناه جذب ، وأمد معناه من الإمداد . قال الواحدي ، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت ، كقوله : { أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [ المؤمنون : 55 ] وقوله { وأمددناهم بفاكهة } [ الطور : 22 ] وقوله : { أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } [ النمل : 36 ] وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال : { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ البقرة : 15 ] فالوجه ههنا قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الإنشقاق : 24 ] وقوله : { ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } قال الليث : الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد : أقصر فلان عن الشر يقصر إقصاراً إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس : ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال ، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال .

(7/344)


وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)

اعلم أنه تعالى : لما بين في الآية الأولى أن شياطين الجن والإنس لا يقصرون في الإغواء والإضلال بين في هذه الآية نوعاً من أنواع الإغواء والإضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقوله : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا } [ الإسراء : 90 ] ثم أعاد : أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم ، فعند ذلك قالوا : { لَوْلاَ اجتبيتها } قال الفراء : تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك ، والمعنى لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون : { إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ مفترى } [ سبأ : 43 ] أو يقال هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي ، وهو قوله : { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَىَّ مِن رَّبِّى } ومعناه ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور ، وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته ، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح ، ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض ، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة ، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة ، فكان طلب الزيادة من باب التعنت ، فذكر في وصف القرآن ألفاظاً ثلاثة : أولها : قوله : { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ } أصل البصيرة الإبصار ، ولما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، أطلق عليه لفظ البصيرة ، تسمية للسبب باسم المسبب . وثانيها : قوله : { وَهُدىً } والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان : أحدهما : الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين . والثاني : الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين : وهم أصحاب علم اليقين ، فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى ، وفي حق عامة المؤمنين رحمة ، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال : { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .

(7/345)


وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)

اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله : { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } [ الأعراف : 203 ] أردفه بقوله : { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : الإنصات السكوت والاستماع ، يقال : نصت ، وأنصت ، وانتصت ، بمعنى واحد .
المسألة الثانية : لا شك أن قوله : { فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } أمره ، وظاهر الأمر للوجوب ، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً ، وللناس فيه أقوال .
القول الأول : وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت ، فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق ، ومعلمي الصبيان .
والقول الثاني : أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة . قال أبو هريرة رضي الله عنه : كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية ، وأمروا بالإنصات ، وقال قتادة : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم ، كم صليتم وكم بقي؟ وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والقول الثالث : أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام . قال ابن عباس قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم ، فخلطوا عليه ، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
والقول الرابع : أنها نزلت في السكوت عند الخطبة ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي رحمه الله ، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول ، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة . وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط ، ولا تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة ، فإذا دخلت الدار ثانياً لم تطلق بالاتفاق لأن كلمة { إِذَا } لا تفيد التكرار .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } لا يفيد إلا وجوب الإنصات مرة واحدة ، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة القرآن في الخطبة ، فقد وفينا بموجب اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما وراء هذه الصورة ، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية ، وذلك لأن عند الشافعي رحمه الله : يسكت الإمام ، وحينئذ يقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان ، فاغتنم القراءة في أيهما شئت ، وهذا السؤال أورده الواحدي في «البسيط» .
ولقائل أن يقول : سكوت الإمام إما أن نقول : إنه من الواجبات أو ليس من الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت . فبتقدير : أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام ، وذلك يفضي إلى ترك الاستماع ، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام ، وذلك على خلاف النص ، وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة ، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام ، وحينئذ يلزم المحذور المذكور ، وأيضاً فالإمام إنما يبقى ساكتاً ليتمكن المأموم من إتمام القراءة ، وحينئذ ينقلب الإمام مأموماً ، والمأموم إماماً ، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم ، وذلك غير جائز ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز ، وذكر الواحدي سؤالاً ثانياً على التمسك بالآية . فقال : إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتاً ، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً .

(7/346)


ولقائل أن يقول : إنه تعالى أمره أولاً بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه من الاستماع ، لأن السماع غير ، والاستماع غير ، فالاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل ، قال تعالى لموسى عليه السلام : { وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يُوحَى } [ طه : 13 ] والمراد ما ذكرناه ، وإذا ثبت هذا وظهر أن الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا أن الأمر بالاستماع يفيد النهي عن القراءة .
السؤال الثالث : وهو المعتمد أن نقول : الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام ، إلا أن قوله عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » وقوله : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » أخص من ذلك العموم ، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص عموم هذه الآية بهذا الخبر ، وهذا السؤال حسن .
والسؤال الرابع : أن نقول : مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية ، عملاً بمقتضى هذا النص ، ويجب عليه القراءة في الصلوات السرية ، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة ، وهذا أيضاً سؤال حسن ، وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطاباً مع المسلمين ، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواماً من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها ، فأمر الله رسوله أن يقول جواباً عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي ، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي ، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة ، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله :

(7/347)


{ هذا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف : 203 ] فلو قلنا إن قوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه ، وانقطع النظم ، وحصل فساد الترتيب ، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد منه شيئاً آخر سوى هذا الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة ، من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص ، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته ، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة ، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزاً دالاً على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات ، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن : إنه بصائر وهدى ورحمة فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد ، ولو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب ، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى ، وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله : { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ } خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزاً على صدق نبوته ، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه ، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى ، وجوه :
الوجه الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا : { لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [ فصلت : 26 ] فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت ، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز .
والوجه الثاني : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم .
ثم قال : { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولو كان المخاطبون بقوله : { فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } هم المؤمنون لما قال : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعاً فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين؟ أما إذا قلنا : إن المخاطبين بقوله : { فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } هم الكافرون ، صح حينئذ قوله : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لأن المعنى؛ فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز ، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين ، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ «لعل» فيه . فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى ، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل الوجوه ، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين ، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة .

(7/348)


وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } [ الأعراف : 204 ] اعلم أن قارئاً يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم أن ذلك القارىء ليس إلا الرسول عليه السلام ، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة ، ثم إنه تعالى أردف ذلك الأمر ، بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه ، والفائدة فيه : أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة ، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الاخلاص والتضرع .
المسألة الثانية : أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيداً بقيود .
القيد الأول : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة ، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عارياً عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة . ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال : بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئاً ، فإنه لا ينعقد البيع والشراء ، فكذا ههنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام :
الحكم الأول
سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر ، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوماً ، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة ، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين ، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء ، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه ، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب .
الحكم الثاني
قال المتكلمون : هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك .
فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة؟
قلنا : هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله . والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال . والثاني باطل لأن ما لا يكون متصوراً ، كان الذهن غافلاً عنه والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالباً له فثبت أنه لا قدرة للإنسان على تحصيل التصورات ، فامتنع ورود الأمر به ، والآية دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني ، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايراً للمعرفة والعلم والتصور ، وذلك هو المطلوب .

(7/349)


الحكم الثالث
أنه تعالى قال : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } ولم يقل : واذكر إلهك ولا سائر الأسماء ، وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا ، وأضاف نفسه إليه ، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان ، والمقصود منه ، أن يصير العبد فرحاً مبتهجاً عند سماع هذا الاسم ، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل ، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه ، وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامها ، كما قال تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، فإذا سمع بعد ذلك قوله : { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } عظم الخوف ، وحينئذ تحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف ، وعنده يكمل الإيمان على ما قال عليه السلام : " لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا " إلا أن هنا دقيقة ، وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف ، فلما وقع الابتداء بما يوجب الرجاء ، علمنا أن جانب الرجاء أقوى .
القيد الثاني : من القيود المعتبرة في الذكر حصول التضرع ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { تَضَرُّعًا } وهذا القيد معتبر ، ويدل عليه القرآن ، والمعقول . أما القرآن فقوله في سورة الأنعام { قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } [ الأنعام : 63 ] وأما المعقول : فلأن كمال حال الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين : أحدهما : عزة الربوبية ، وهذا المقصود ، إنما يتم بقوله : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } الثاني : بمشاهدة ذلة العبودية وذلك إنما يكمل بقوله : { تَضَرُّعًا } فالانتقال من الذكر إلى التضرع يشبه النزول من المعراج ، والانتقال من التضرع إلى الذكر يشبه الصعود ، وبهما يتم معراج الأرواح القدسية وههنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها التضرع ، والخوف ، والذكر القلبي يمتنع انفكاكه عن التضرع والخوف ، فما الفائدة في اعتبار هذا التضرع والخوف؟ وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف على الإطلاق ، لأنه ربما استحكم في عقل الإنسان أنه تعالى لا يعاقب أحداً لأن ذلك العقاب إيذاء للغير ، ولا فائدة للحق فيه . وإذا كان كذلك لا يعذب فإذا اعتقد هذا ، لم يكمل التضرع والخوف . فلهذا السبب نص الله تعالى على أنه لا بد منه وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين : الأول : خوف العقاب ، وهو مقام المبتدين . والثاني : خوف الجلال وهو مقام المحققين ، وهذا الخوف ممتنع الزوال وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل ، وأجيب عن هذا الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين : مكاشفة الجمال ، ومكاشفة الجلال ، فإذا كشفوا بالجمال عاشوا ، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين .
القيد الثالث : قوله : { وَخِيفَةً } وفي قراءة أخرى { وَخُفْيَةً } وقال الزجاج : أصلها «خوفة» فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، أقول هذا الخوف يقع على وجوه : أحدها : خوف التقصير في الأعمال . وثانيها : خوف الخاتمة . والمحققون خوفهم من السابقة ، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة ، ولذلك كان عليه السلام يقول :

(7/350)


" جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " وثالثها : خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول : الشكر شرك ، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت : لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك . لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول : منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك أن هذا شرك ، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع ، فهناك يشم فيه رائحة العبودية .
وأما القراءة الثانية : وهو قوله : { وَخُفْيَةً } فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة ، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام : " من عرف الله كل لسانه "
القيد الرابع : قوله : { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً } [ الإسراء : 110 ] وقال عن زكريا عليه السلام : { إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } [ مريم : 3 ] قال ابن عباس : وتفسير قوله : { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه ، فإن المراد حصول الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه ، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة ، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات سبباً لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام .
والقيد الخامس : قوله : { بالغدو والأصال } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في لفظ «الغدو» قولان :
القول الأول : أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدواً غدوا ، ومنه قوله تعالى : { غُدُوُّهَا شَهْرٌ } [ سبأ : 12 ] أي غدوها للسير ، ثم سمى وقت الغدو غدواً ، كما يقال : دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته .
القول الثاني : أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث : الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما { الآصال } فقال الفراء : واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل . قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمى آخر النهار أصيلاً ، لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني .

(7/351)


المسألة الثانية : خص الغدو والآصال بهذا الذكر ، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية . وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة ، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية ، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر . ومن الناس من قال : ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان . عن ابن عباس أنه قال في قوله : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } [ آل عمران : 191 ] لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام .
والقيد السادس : قوله تعالى : { وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين } والمعنى أن قوله : { بالغدو والأصال } دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلاً في كل الأوقات وقوله : { وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين } يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً ، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية ، وتحقيق القول ، أن بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن ، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن ، وأيضاً إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس .
إذا عرفت هذا فنقول : إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه ، حصل أثر من ذلك الذكر اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح ، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال ، ثم مرة أخرى إلى العقل ، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض ، ويتقوى بعضها بعض ويستكمل بعضها ببعض ، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب ، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له ، ومطلوب لا نهاية له .
واعلم أن قوله تعالى : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } وإن كان ظاهره خطاباً مع النبي عليه السلام ، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] .

(7/352)


إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي دواعيه في ذلك فقال : { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } والمعنى : أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب ، وحوادث الحقد والحسد ، لما كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع ، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعداً للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى بالمواظبة على الطاعة ، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام : { وَأَوْصَانِى بالصلاة والزكاة ما دمت حياً } [ مريم : 31 ] وقال لمحمد عليه السلام : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر : 99 ] .
المسألة الثانية : المشبهة تمسكوا بقوله : { إِنَّ الذين عِندَ رَبِّكَ } وقالوا لفظ { عِندَ } مشعر بالمكان والجهة .
وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند تفسير قوله : { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } [ الأعراف : 54 يونس : 3 ] على أنه يمتنع كونه تعالى حاصلاً في المكان والجهة .
وإذا ثبت هذا فنقول : وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من وجوه :
الوجه الأول : أنه تعالى قال : { وَهُوَ مَعَكُمْ } [ الحديد : 4 ] ولا شك أن هذه المعية بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا ههنا ، وأيضاً جاء في الأخبار الربانية أنه تعالى قال : «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» ولا خلاف أن هذه العندية ليست لأجل المكان والجهة ، فكذا ههنا .
والوجه الثاني : إن المراد القرب بالشرف . يقال : للوزير قربة عظيمة من الأمير ، وليس المراد منه القرب بالجهة ، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير ، فعلمنا أن القرب المعتبر هو القرب بالشرف لا القرب بالجهة .
والوجه الثالث : أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات .
والوجه الرابع : إنما قال تعالى في صفة الملائكة : { الذين عِندَ رَبّكَ } لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال : إن عند الخليفة جيشاً عظيماً ، وإن كانوا متفرقين في البلد ، فكذا ههنا والله أعلم .
المسألة الثانية : تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات أن الملائكة أفضل من البشر ، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر قال : { إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } والمعنى فأنت أولى وأحق بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه .
المسألة الرابعة : ذكر من طاعاتهم أولاً كونهم يسبحون ، وقد عرفت أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع إلى المعارف والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع إلى أعمال الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضاً قوله : { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يفيد الحصر ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير الله .

(7/353)


فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ الحجر : 30 ص : 73 ] والمراد أنهم سجدوا لآدم؟
والجواب : قال الشيخ الغزالي : الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض . فأما عظماء ملائكة السموات فلا . وقيل أيضاً : إن قوله : { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } يفيد أنهم ما سجدوا لغير الله ، فهذا يفيد العموم . وقوله : فسجدوا لآدم خاص ، والخاص مقدم على العام .
واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة ، كقوله تعالى حكاية عنهم : { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون * وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } [ الصافات : 165 ، 166 ] وقوله : { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } [ الزمر : 75 ] والله أعلم .

(7/354)


يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)

اعلم أن قوله : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الانفال } يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، السائل والمسؤول وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان ، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال .
أما البحث الأول : فهو أن السائلين من كانوا؟ فنقول إن قوله : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوماً معيناً فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم كانوا أقواماً لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة .
وأما البحث الثاني : وهو أن المسؤول من كان؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما البحث الثالث : وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهري : النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالاً ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء : 72 ] أي زيادة على ما سأل .
وأما البحث الرابع : وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان؟ فنقول : فيه وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعاً عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } [ البقرة : 222 ] { فِى الدنيا والاخرة } [ البقرة : 220 ] فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن الجواب كان معيناً لأنه تعالى قال في المحيض : { قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض } [ البقرة : 222 ] فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالاً عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى : { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } [ البقرة : 220 ] فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعاً عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضاً قال تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح } [ الإسراء : 85 ] وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب : { قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثاً أو قديماً ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها .
والقول الثاني : أن قوله : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد الله { يَسْأَلُونَكَ الانفال } .

(7/355)


والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : { فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يدل على ذلك .
إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها .
أما الأول : ففيه وجوه : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضاً ، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب : رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم ، فوقه من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف ، فقال الشبان : الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . وثالثها : قال الزجاج : الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقاً بالمنازعة والمخاصمة .
وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئاً سوى الغنائم ، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضاً وجوه : أحدها : قال ابن عباس في بعض الروايات : المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء ، وثانيها : الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس ، وهو قول مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها : أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائداً على سهمه من الغنم ، ترغيباً له في القتال ، كما إذا قال الإمام : «من قتل قتيلاً فله سلبه» أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . فقال : «ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم» فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال : يا سعد «إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه» قال القاضي : وكل هذه الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضاً على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحداً في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة . أو يعطيه سلب القاتل ، أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقاً للمجاهدين .

(7/356)


أما قوله تعالى : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } ففيه بحثان :
البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد .
البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول ، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } معناه أن الحكم فيها لله وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخاً ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكاً للغانمين . الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكاً للغانمين ، والأنفال ههنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح .
ثم قال تعالى : { فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } وفيه بحثان :
البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله ، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(7/357)


البحث الثاني : في قوله : { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال ، ولما كانت الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور .
ثم قال : { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : { فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } ثم بالغ في هذا التأكيد فقال : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا الخروج عنها ، واحتج من قال : ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية ، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة { ءانٍ } فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] والله أعلم .

(7/358)


إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)

اعلم أنه تعالى لما قال : { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } واقتضى ذلك كون الإيمان مستلزماً للطاعة ، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل ، وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال : { إِنَّمَا المؤمنون } الآية . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة : الأول : قوله : { الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } قال الواحدي يقال : وجل يوجل وجلاً ، فهو وجل ، وأوجل إذا خاف . قال الشاعر :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمناً إذا كان خائفاً من الله ، ونظيره قوله تعالى : { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } [ الزمر : 23 ] وقوله : { الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } [ المؤمنون : 57 ] وقوله : { الذين هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خاشعون } [ المؤمنون : 2 ] وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : خوف العقاب ، وخوف العظمة والجلال . أما خوف العقاب فهو للعصاة . وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين ، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً ، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه ، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه ، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه ، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة ، وذلك الخوف .
إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من الوجل القسم الأول ، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله ، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله . وهذا هو اللائق بهذا الموضع ، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار .
فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا { وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } وقال في آية أخرى : { الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله } [ الرعد : 28 ] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضاً قال في آية أخرى : { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [ الزمر : 23 ] قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد ، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة ، ولا منافاة بين هاتين الحالتين ، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [ الزمر : 23 ] والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله .
الصفة الثانية : قوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله } وهو قكلوه : { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا }

(7/359)


[ التوبة : 124 ] ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين :
الوجه الأول : وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه الله : أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيماناً ، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح » يريد أن معرفته بالله أقوى .
ولقائل أن يقول : المراد من هذه الزيادة : إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل . أما قوة الدليل فباطل ، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات ، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزوماً بها جزماً مانعاً من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلاً في كل المقدمات ، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلاً ، بل أمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علماً بل ظناً ، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في الدلائل بسبب القوة محال ، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك ، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد ، إن كان مانعاً من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة ، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلاً ، بل كان أمارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف .
واعلم أنه يمكن أن يقال : المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام ، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضراً للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة ، ومنهم من يكون مداوماً لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة ، ومراتب متفاوتة ، وهو المراد من الزيادة .
والوجه الثاني : من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متعاقبة ، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقاً وإقراراً ، ومن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد . وقوله : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله } معناه : أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن كمال قدرة الله وحكمته ، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر ، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر ، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل ، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها ، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة .

(7/360)


المسألة الثانية : اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا؟ أما الذين قالوا : الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل ، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن قوله : { زَادَتْهُمْ إيمانا } يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة ، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار لما قبل الزيادة . والثاني : أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة . قال : في الموصوفين بها { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان . وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » واحتجوا بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة . قالوا : لأن الآية صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة ، والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل ، حتى أن بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان ، وهذا الاستدلال ضعيف ، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والإقرار ، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله } ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان ، وليس الأمر كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم .
الصفة الثالثة : للمؤمنين قوله تعالى : { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق الله ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } [ الأحزاب : 12 ] ثم نقول : هذا الكلام يفيد الحصر ، ومعناه : أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي : أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله .
واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فإن المرتبة الأولى هي : الوجل من عقاب الله .
والمرتبة الثانية : هي الانقياد لمقامات التكاليف لله .
والمرتبة الثالثة : هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله ، والاعتماد بالكلية على فضل الله ، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى .
والصفة الرابعة والخامسة : قوله : { الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة الله ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة ، والإنفاق في الجهاد ، والإنفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة : إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقاً ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مراراً .

(7/361)


واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس : أثبت للموصوفين بها أموراً ثلاثة : الأول : قوله : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { حَقّاً } بماذا يتصل . فيه قولان : أحدهما : بقوله : { هُمُ المؤمنون } أي هم المؤمنون بالحقيقة . والثاني : أنه تم الكلام عند قوله : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون } ثم ابتدأ وقال : { حَقّاً لَّهُمْ درجات } .
المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب { حَقّاً } وجوهاً : الأول : قال الفراء : التقدير : أخبركم بذلك حقاً ، أي أخباراً حقاً ، ونظيره قوله : { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً } [ النساء : 151 ] والثاني : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير : وإن الذي فعلوه كان حقاً صدقاً . الثالث : قال الزجاج . التقدير : أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقاً .
المسألة الثالثة : اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن ، واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن حقاً أم لا؟ فقال أصحاب الشافعي : الأولى أن يقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله ، ولا يقول أنا مؤمن حقاً . وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : الأولى أن يقول أنا مؤمن حقاً ، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، أما الذين قالوا إنه يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، فلهم فيه مقامان :
المقام الأول : أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الإيمان .
المقام الثاني : أن لا يكون الأمر كذلك . أما المقام الأول ، فتقريره : أن الإيمان عند الشافعي رضي الله عنه عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل . ولا شك أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه ، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية ، فالإنسان وإن كان جازماً بحصول الاعتقاد والإقرار ، إلا أنه لما كان شاكاً في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكاً في حصول الإيمان ، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله ، فلما كان الإيمان اسماً للاعتقاد والقول ، وكان العمل خارجاً عن مسمى الإيمان ، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان . فثبت أن من قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان ، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان ، وعند هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط . وأما المقام الثاني : وهو أن نقول : إن قوله : أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك ، فيه وجوه : الأول : أن كون الرجل مؤمناً أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله ، فإذا قال أنا مؤمن ، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح . فوجب أن يقول : إن شاء الله ليصير هذا سبباً لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب . روي أن أبا حنيفة رحمه الله ، قال لقتادة : لم تستثني في إيمانك . قال اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله :

(7/362)


{ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } [ الشعراء : 82 ] فقال أبو حنيفة رحمه الله : هلا اقتديت به في قوله : { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى } [ البقرة : 260 ] وأقول : كان لقتادة أن يجيب ، ويقول : إنه بعد أن قال : { بلى } قال : { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } فطلب مزيد الطمأنينة ، وهذا يدل على أنه لا بد من قول إن شاء الله . الثاني : أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمناً إلا إذا كان موصوفاً بالصفات الخمسة ، وهي الخوف من الله ، والإخلاص في دين الله ، والتوكل على الله ، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى . وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر ، وهو قوله : { إِنَّمَا المؤمنون الذين } هم كذا وكذا . وذكر في آخر الآية قوله : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } وهذا أيضاً يفيد الحصر ، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى ، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس ، لا جرم كان الأولى أن يقول : إن شاء الله . روى أن الحسن سأله رجل وقال : أمؤمن أنت؟ فقال : الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ الثالث : أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمناً ، كان من أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمناً يوجب القطع بكونه من أهل الجنة ، وذلك لا سبيل إليه ، فكذا هذا . ونقل عن الثوري أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة ، فقد آمن بنصف الآية . والمقصود أنه كما لا سبيل إلى القطع بأنه من أهل الجنة ، فكذلك لا سبيل إلى القطع بأنه مؤمن . الرابع : أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة ، وعلى هذا فالرجل إنما يكون مؤمناً في الحقيقة عند ما يكون هذا التصديق وهذه المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر ، فأما عند زوال هذا المعنى ، فهو إنما يكون مؤمناً بحسب حكم الله ، أما في نفس الأمر فلا .
إذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون المراد بقوله إن شاء الله عائداً إلى استدامة مسمى الإيمان واستحضار معناه أبداً دائماً من غير حصول ذهول وغفلة عنه ، وهذا المعنى محتمل . الخامس : أن أصحاب الموافاة يقولون : شرط كونه مؤمناً في الحال حصول الموافاة على الإيمان ، وهذا الشرط لا يحصل إلا عند الموت ، ويكون مجهولاً ، والموقوف على المجهول مجهول . فلهذا السبب حسن أن يقال : أنا مؤمن إن شاء الله . السادس : أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله عند الموت ، والمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة والعاقبة ، فإن الرجل وإن كان مؤمناً في الحال ، إلا أن بتقدير أن لا يبقى ذلك الإيمان في العاقبة؛ كان وجوده كعدمه ، ولم تحصل فائدة أصلاً ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء هذا المعنى . السابع : أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع ، ألا ترى أنه تعالى قال :

(7/363)


{ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ } [ الفتح : 27 ] وهو تعالى منزه عن الشك والريب . فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليماً منه لعباده ، هذا المعنى ، فكذا ههنا الأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله ، حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان . الثامن : أن جماعة من السلف ذكروا هذه الكلمة ، ورأينا لهم ما يقويه في كتاب الله وهو قوله تعالى : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } وهم المؤمنون في علم الله وفي حكمه ، وذلك يدل على وجود جمع يكونون مؤمنين ، وعلى وجود جمع لا يكونون كذلك . فالمؤمن يقول : إن شاء الله حتى يجعله الله ببركة هذه الكلمة من القسم الأول لا من القسم الثاني . أما القائلون : أنه لا يجوز ذكر هذه الكلمة فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه : الأول : أن المتحرك يجوز أن يقول : أنا متحرك ولا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله ، وكذا القول في القائم والقاعد ، فكذا ههنا وجب أن يكون المؤمن مؤمناً ، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، وكما أن خروج الجسم عن كونه متحركاً في المستقبل لا يمنع من الحكم عليه بكونه متحركاً حال قيام الحركة به فكذلك احتمال زوال الإيمان في المستقبل ، لا يقدح في كونه مؤمناً في الحال . الثاني : أنه تعالى قال : { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقاً فكان قوله إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز .
والجواب عن الأول : أن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمناً ، وبين وصفه بكونه متحركاً ، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها ، وعند حصول الفرق يتعذر الجمع ، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة بكونهم مؤمنين حقاً ، وذلك الشرط مشكوك فيه ، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط . فهذا يقوي عين مذهبنا . والله أعلم .
الحكم الثاني
من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى : { لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } والمعنى : لهم مراتب بعضها أعلى من بعض .

(7/364)