صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبياً حقاً ، وتقريره : أن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على نوعين :
النوع الأول : المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة ، وأجلها وأشرفها أنه كان رجلاً أمياً لم يتعلم من أستاذ ، ولم يطالع كتاباً ، ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء ، وما غاب رسول الله عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة ، ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه ، مع أنه كان رجلاً أمياً لم يلق أستاذاً ولم يطالع كتاباً من أعظم المعجزات ، وإليه الإشارة بقوله : { النبى الامى } .
والنوع الثاني : من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر ، ونبوع الماء من بين أصابعه . وهي تسمى بكلمات الله تعالى ، ألا ترى أن عيسى عليه السلام ، لما كان حدوثه أمراً غريباً مخالفاً للمعتاد ، لا جرم سماه الله تعالى كلمة . فكذلك المعجزات لما كانت أموراً غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى ، وهذا النوع هو المراد بقوله : { يُؤْمِنُ بالله وكلماته } أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه ، فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبياً صادقاً من عند الله .
واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه على التفصيل ، وما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله وأفعاله وإليه الإشارة بقوله تعالى : { واتبعوه } .
واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل . أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرفي الأمر والنهي والترغيب والترهيب . وأما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك ، فثبت أن لفظ { واتبعوه } يتناول القسمين . وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى : { واتبعوه } دليلاً على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي ، ويجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه الدليل ، وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من خواص الرسول صلى الله عليه وسلم .

(7/273)


فإن قيل : الشيء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان واجباً عليه ، ويحتمل أيضاً أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً ، فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوباً ، فلو أتينا به على سبيل أنه واجب علينا ، كان ذلك تركاً لمتابعته ، ونقضاً لمبايعته . والآية تدل على وجوب متابعته ، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا .
قلنا : المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع ، بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل ، قيل : إنه تابعه عليه . ولو لم يأت به . قيل : إنه خالفه فيه . فلما كان الإتيان بمثل فعل المتبوع متابعة ، ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم . بقي ههنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب . فنقول : حال الدواعي والعزائم غير معلوم ، وحال الإتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم ، فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن حال العزائم والدواعي ، لكونها أموراً مخفية عنا ، وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر . لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها ، فزالت هذه الشبهة ، وتقريره : أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا لإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل .
إذا عرفت هذا فنقول : إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال .
قلنا : إن هذا العمل فعله أفضل من تركه ، وإذا كان الأمر كذلك : فحينئذ نعلم أن الرسول قد أتى به في الجملة ، لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل ، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل . وأما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك ، والمشكوك لا يعارض المعلوم ، فثبت أنه عليه السلام أتى بالجانب الأفضل . ومتى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية : { واتبعوه } فهذا أصل شريف ، وقانون كلي في معرفة الأحكام ، دال على النصوص لقوله تعالى : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } [ النجم : 3 ، 4 ] فوجب علينا مثله لقوله تعالى : { واتبعوه } .
وأما قوله : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ففيه بحثان : أحدهما : أن كلمة «لعل» للترجي ، وذلك لا يليق بالله ، فلا بد من تأويله . والثاني : أن ظاهره يقتضي أنه تعالى أراد من كل المكلفين الهداية والإيمان على قول المعتزلة ، والكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا الكتاب مراراً كثيرة ، فلا فائدة في الإعادة .

(7/274)


وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول ، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته ، ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من اتبع الحق وهدى إليه ، وبين أنهم جماعة ، لأن لفظ الأمة ينبىء عن الكثرة ، واختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت ، وفي أي زمان كانت؟ فقيل هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأسلموا مثل عبد الله بن سلام ، وابن صوريا والاعتراض عليه بأنهم كانوا قليلين في العدد ، ولفظ الأمة يقتضي الكثرة ، يمكن الجواب عنه بأنه لما كانوا مختلفين في الدين ، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] وقيل : إنهم قوم مشوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع ، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه ، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك ، وقال السدي وجماعة من المفسرين : إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء ، بقي سبط في جملة الإثني عشر فما صنعوا وسألوا الله أن ينقذهم منهم ، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ثم هؤلاء اختلفوا ، منهم من قال : إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن ومنهم من قال إنهم الآن على دين محمد صلى الله عليه وسلم يستقبلون الكعبة ، وتركوا السبت وتمسكوا بالجمعة ، لا يتظالمون ولا يتحاسدون ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد . وقال بعض المحققين : هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال : وصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم ، أو ما وصل إليهم هذا الخبر .
فإن قلنا : وصل خبره إليهم ، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار ، فكيف يجوز وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون؟ وإن قلنا بأنهم لم يصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا بعيد ، لأنه لما وصل خبرهم إلينا ، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل أخبارهم ، فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر محمد عليه الصلاة والسلام مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره وذكره؟
فإن قالوا : أليس إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم؟
قلنا : هذا ممنوع ، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { يَهْدُونَ بالحق } أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } قال الزجاج : العدل الحكم بالحق . يقال : هو يقضي بالحق ويعدل؛ وهو حكم عادل ، ومن ذلك قوله : { وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء } [ النساء : 129 ] وقوله : { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } [ الأنعام : 152 ] .

(7/275)


وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

اعلم أن المقصود من هذه الآية ، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل : أحدهما : أنه تعالى جعلهم اثني عشر سبطاً ، وقد تقدم هذا في سورة البقرة ، و المراد أنه تعالى فرق بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة ، لأنهم كانوا من اثني عشر رجلاً من أولاد يعقوب ، فميزهم وفعل بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع فيهم الهرج والمرج . وقوله : { وقطعناهم } أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض وقرىء { وقطعناهم } بالتخفيف وههنا سؤالان :
السؤال الأول : مميز ما عدا العشرة مفرد ، فما وجه مجيئه مجموعاً ، وهلا قيل : اثني عشر سبطاً؟
والجواب : المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكل قبيلة أسباط ، فوضع أسباطاً موضع قبيلة .
السؤال الثاني : قال : { اثنتى عَشْرَةَ أَسْبَاطًا } مع أن السبط مذكر لا مؤنث .
الجواب قال الفراء : إنما قال ذلك ، لأنه تعالى ذكر بعده { أُمَمًا } فذهب التأنيث إلى الأمم .
ثم قال : ولو قال : اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزاً . وقال الزجاج : المعنى { وقطعناهم اثنتى عَشْرَةَ } فرقة { أَسْبَاطًا } فقوله : { أَسْبَاطًا } نعت لموصوف محذوف ، وهو الفرقة . وقال أبو علي الفارسي : ليس قوله : { أَسْبَاطًا } تمييزاً ، ولكنه بدل من قوله : { اثنتى عَشْرَةَ } .
وأما قوله : { أُمَمًا } قال صاحب «الكشاف» : هو بدل من { اثنتى عَشْرَةَ } بمعنى : وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد ، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف . وقرىء { اثنتى عَشْرَةَ } بكسر الشين .
النوع الثاني : من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر } وهذه القصة أيضاً قد تقدم ذكرها في سورة البقرة . قال الحسن : ما كان إلا حجراً اعترضه وإلا عصاً أخذها .
واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه ، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر . وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة ، وقوله : { فانبجست } قال الواحدي : فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره . يقال : بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر ، هذا قول أهل اللغة ، ثم قال : والانبجاس والانفجار سواء ، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة ، وقال آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة ، والانفجار خروجه بكثرة ، وطريق الجمع : أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً ، ثم صار كثيراً ، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء ، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم ، ذكر ثانياً أنه ظلل الغمام عليهم ، وثالثا : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى ، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس .

(7/276)


ثم قال : { كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } والمراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره .
ثم قال تعالى : { وَمَا ظَلَمُونَا } وفيه حذف ، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به ، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه ، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه ، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه ، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه ، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبَّه بقوله : { وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم .

(7/277)


وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)

اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة .
بقي أن يقال : إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة من وجوه : الأول : في سورة البقرة { وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية } [ البقرة : 58 ] وههنا قال : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية } والثاني : أنه قال في سورة البقرة { فَكُلُواْ } بالفاء وههنا { وَكُلُواْ } بالواو . والثالث : أنه قال في سورة البقرة { رَغَدًا } وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة . والرابع : أنه قال في سورة البقرة : { وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وقال ههنا على التقديم والتأخير . والخامس : أنه قال في البقرة { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } وقال ههنا : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم } والسادس : أنه قال في سورة البقرة : { وَسَنَزِيدُ المحسنين } وههنا حذف حرف الواو . والسابع : أنه قال في سورة البقرة : { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ } [ البقرة : 59 ] وقال ههنا : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } والثامن : أنه قال في سورة البقرة : { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وقال ههنا : { بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة .
أما الأول : وهو أنه قال في سورة البقرة : { ادخلوا هذه القرية } وقال ههنا : { اسكنوا } فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولاً ، ثم سكونها ثانياً .
وأما الثاني : فهو أنه تعالى قال في البقرة : { ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ } [ البقرة : 58 ] بالفاء . وقال ههنا : { اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ } بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم . فإنه إنما يكون داخلاً في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولاً .
إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار . فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : { ادخلوا هذه القرية } وأما السكون فحالة مستمرة باقية . فيكون الأكل حاصلاً معه لا عقيبه فظهر الفرق .
وأما الثالث : وهو أنه ذكر في سورة البقرة { رَغَدًا } وما ذكره هنا فالفرق الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله : { رَغَدًا } وأما الأكل حال سكون القرية ، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله : { رَغَدًا } فيه .
وأما الرابع : وهو قوله في سورة البقرة : { وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي سورة الأعراف على العكس منه ، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر ، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى ، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير .

(7/278)


وأما الخامس : وهو أنه قال في سورة البقرة : { خطاياكم } [ البقرة : 58 ] وقال ههنا : { خطيئاتكم } فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة ، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع .
وأما السادس : وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وَسَنَزِيدُ } [ البقرة : 58 ] بالواو وههنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف ، والتقدير : كان قائلاً قال : وماذا حصل بعد الغفران؟ فقيل له { سَنَزِيدُ المحسنين } .
وأما السابع : وهو الفرق بين قوله : { أَنزَلْنَا } وبين قوله : { أَرْسَلْنَا } فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة ، والإرسال يشعر بها ، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل ، ثم جعله كثيراً ، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله : { فانبجست } وبين قوله : { فانفجرت } .
وأما الثامن : وهو الفرق بين قوله : { يَظْلِمُونَ } وبين قوله : { يَفْسُقُونَ } فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين ، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم فاسقين ، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى ، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين ، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة ، وتمام العلم بها عند الله تعالى .

(7/279)


وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)

اعلم أن هذه القصة أيضاً مذكورة في سورة البقرة . وفيها مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { واسألهم } المقصود تعرف هذه القصة من قبلهم ، لأن هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل الله تعالى ، وإنما المقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء : الأول : أن المقصود من ذكر هذا السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح والمعصية الفاحشة تنبيهاً لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبمعجزاته ليس شيئاً حدث في هذا الزمان ، بل هذا الكفر والإصرار كان حاصلاً في أسلافهم من الزمان القديم .
والفائدة الثانية : أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا؟ ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة ، وغير ذاهل عن دقائقها ، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أمياً لم يتعلم علماً ، ولم يطالع كتاباً ، ثم أنه يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان ، كان ذلك جارياً مجرى المعجز .
المسألة الثانية : الأكثرون على أن تلك القرية أيلة . وقيل : مدين . وقيل طبرية ، والعرب تسمى المدينة قرية ، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن ، وقوله : { كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى : { ذلك لِمَنْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام } [ البقرة : 196 ] وقوله : { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } يعني يجاوزون حد الله فيه ، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه ، وقرىء { يَعْدُونَ } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و { يَعْدُونَ } من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و { السبت } مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله : { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم ، وكذلك قوله : { يَوْمَ سَبْتِهِمْ } معناه : يوم تعظيمهم أمر السبت ، ويدل عليه قوله : { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ } ويؤكده أيضاً قراءة عمر بن عبد العزيز ( يوم أسباتهم ) وقرىء { لاَ يَسْبِتُونَ } بضم الباء ، وقرأ على رضى الله عنه { لاَ يَسْبِتُونَ } بضم الياء من أسبتوا ، وعن الحسن { لاَ يَسْبِتُونَ } على البناء للمفعول ، وقوله : { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ } نصب بقوله : { يَعْدُونَ } والمعنى : سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان ، وقوله : { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو شارع ، ودار شارعة أي دنت من الطريق ، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب . وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها ، قال ابن عباس ومجاهد : إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به ، يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه ، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل . وذلك بلاء ابتلاهم الله به ، فذلك معنى قوله : { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } وقوله : { كذلك نَبْلُوهُم } أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم ، وذلك يدل على أن من أطاع الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر ، فلو وجب عليه رعاية الصلاح والأصلح ، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن ذل الكفر والمعصية . فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا أن رعاية الصلاح والأصلح غير واجبة على الله تعالى .

(7/280)


وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)

اعلم أن قوله : { وَإِذْ قَالَتْ } معطوف على قوله : { إِذْ يَعْدُونَ } وحكمه حكمه في الإعراب وقوله : { أُمَّةٌ مِّنْهُمْ } أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم . وقوله : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم { أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } لتماديهم في الشر ، وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله : { قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ } فيه بحثان :
البحث الأول : قرأ حفص عن عاصم { مَعْذِرَةً } بالنصب والباقون بالرفع ، أما من نصب { مَعْذِرَةً } فقال الزجاج معناه : نعتذر معذرة ، وأما من رفع فالتقدير : هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف .
البحث الثاني : المعذرة مصدر كالعذر ، وقال أبو زيد : عذرته أعذره عذراً ومعذرة ، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره ، وقيل : عذره ، يقال : من يعذرني أي يقوم بعذري ، وعذرت فلاناً فيما صنع أي قمت بعذره ، فعلى هذا معنى قوله : { مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى ، فإنا إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر .
قلنا : قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ، وقال الأزهري : المعذرة اسم على مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار . كأنهم قالوا : موعظتنا اعتذار إلى ربنا . فأقيم الاسم مقام الاعتذار ، ويقال : اعتذر فلان اعتذاراً وعذراً ومعذرة من ذنبه فعذرته ، وقوله : { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب .
إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية قولان :
القول الأول : أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك ، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين : منهم من وعظ الفرقة المذنبة ، وزجرهم عن ذلك الفعل ، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ ، وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم : لم تعظوهم ، مع العلم بأن الله مهلكهم أو معذبهم؟ يعني : أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه ، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر ، فوجب تركه .
والقول الثاني : أن أهل القرية كانوا فرقتين : فرقة أقدمت على الذنب ، وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين ، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح ، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ } بزعمكم؟ قال الواحدي : والقول الأول أصح ، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله : { مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } خطاباً من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا : وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
أما قوله : { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } يعني : أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية .

(7/281)


واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت ، والفرقة الناهية عن المنكر نجت . أما الذين قالوا : { لِمَ تَعِظُونَ } فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا؟ فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه . ونقل عنه أيضاً : هلكت الفرقتان ونجت الناهية ، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ، ثم نسكت ولا نقول شيئاً . قال الحسن : الفرقة الساكتة ناجية ، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة . واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ } دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار ، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به .
فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية ، والنهي عنه أيضاً معصية ، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله : { وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } .
قلنا : هذا غير لازم ، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية . فإذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس ، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره . وقوله : { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت : أحدها : { بَئِيسٍ } بوزن فعيل . قال أبو علي : وفيه وجهان : الأول : أن يكون فعيلاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد . والآخر : ما قاله أبو زيد ، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤساً وبأساً وبئيساً إذا افتقر فهو بائس ، أي فقير . فقوله : { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي ذي بؤس . والقراءة الثانية ( بِئْسَ ) بوزن حذر . والثالثة : ( بيس ) على قلب الهمزة ياء ، كالذيب في ذئب ، والرابعة : ( بيئس ) على فيعل . والخامسة : ( بيس ) كوزن ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها . والسادسة : ( بيس ) على تخفيف بيس كهين في هين ، وهذه القراآت نقلها صاحب «الكشاف» . ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا .

(7/282)


فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

وفيه مباحث :
البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهى .
البحث الثاني : من الناس من قال : إن قوله : { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً } ليس من المقال ، بل المراد منه : أنه تعالى فعل ذلك . قال : وفيه دلالة على أن قوله : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] هو بمعنى الفعل لا الكلام . وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ .
واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد ، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادراً عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة .
البحث الثالث : قال ابن عباس : أصبح القوم وهم قردة صاغرون ، فمكثوا كذلك ثلاثاً فرآهم الناس ثم هلكوا . ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن شباب القوم صاروا قردة ، والشيوخ خنازير ، وهذا القول على خلاف الظاهر . واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا ، وانقطع نسلهم ، ولا دلالة في الآية عليه ، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة ، والله أعلم .

(7/283)


وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)

اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة ، قال سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى : { فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ } [ الأعراف : 44 ] وقوله : { تَأَذَّنَ } بمعنى أذن أي أعلم . ولفظة تفعل ، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئاً ليس فيه ، بل معناه فعل فقوله : { تَأَذَّنَ } بمعنى أذن كما في قوله : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ يونس : 18 ] معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو ، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } ففيه بحثان :
البحث الأول : أن اللام في قوله : { لَيَبْعَثَنَّ } جواب القسم لأن قوله : { وَإِذْ تَأَذَّنَ } جار مجرى القسم في كونه جازماً بذلك الخبر .
البحث الثاني : الضمير في قوله : { عَلَيْهِمْ } يقتضي أن يكون راجعاً إلى قوله : { فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } [ الأعراف : 166 ] لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف . ثم اختلفوا فقال بعضهم : المراد نسلهم والذين بقوا منهم . وقال آخرون : بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية ، وقال الأكثرون : هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته ، وهذا أقرب . لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا .
البحث الثالث : لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية ، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم .
أما قوله : { إلى يَوْمِ القيامة } فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا ، وعند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم : هو أخذ الجزية . وقيل : الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ } وقيل : القتل والقتال . وقيل : الإخراج والإبعاد من الوطن ، وهذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر وبني قريظة والنضير ، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز ، وأن الذل يلزمهم ، والصغار لا يفارقهم . ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة . ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا أخباراً صدقاً عن الغيب ، فكان معجزاً ، والخبر المروي في أن أتباع الرجال هم اليهود إن صح ، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهوداً ثم دانوا بإلهيته ، فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة والقهر ، وذلك خلاف هذه الآية . واحتج بعض العلماء على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى :

(7/284)


{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله } [ آل عمران : 112 ] إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال . أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء ، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جداً . واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم ، فقال بعضهم : الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم ، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم . وهذا القائل حمل قوله : { لَيَبْعَثَنَّ } على نحو قوله : { أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين } [ مريم : 83 ] فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية ، وترك المنع ، فكذلك البعثة ، وهذا القائل . قال : المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم ، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب } والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب من الكفر واليهودية ، ودخل في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم .

(7/285)


وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)

واعلم أن قوله : { وقطعناهم } أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله : { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } [ الأعراف : 167 ] المراد جملة اليهود ، ومعنى { قطعناهم } أي فرقناهم تفريقاً شديداً . فلذلك قال بعده : { فِي الأرض أُمَمًا } وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة ، وهذا هو الغالب من حال اليهود ، ومعنى قطعناهم ، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم .
ثم قال : { مّنْهُمُ الصالحون } قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق . وقال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله : { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } أي ومنهم قوم دون ذلك ، والمراد من أقام على اليهودية .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله : { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } من يكون صالحاً إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب .
قلنا : أن قوله بعد ذلك : { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح .
أما قوله : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات ، وهي النعم والخصب والعافية ، والسيئات هي الجدب والشدائد ، قال أهل المعاني : وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة ، أما النعم فلأجل الترغيب ، وأما النقم فلأجل الترهيب . وقوله : { يَرْجِعُونَ } يريد كي يتوبوا .

(7/286)


فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

اعلم أن قوله : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } ظاهره أن الأول ممدوح . والثاني مذموم ، وإذا كان كذلك ، فيجب أن يكون المراد : فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف . قال الزجاج : الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك ، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف ، ويقال فيه أيضاً خلف ، وقال أحمد بن يحيى : الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء ، وخلف للسوء لا غير . وحاصل الكلام : أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الرديء ، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد :
وبقيت في خلف كجلد الأجرب ... ومنهم من يقول : الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف ، وهو الفساد ، يقال للردىء من القول خلف ، ومنه المثل المشهور سكت ألفاً ونطق خلفاً ، وخلف الشيء يخلف خلوفاً وخلفاً إذا فسد وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته . وقوله : { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى } قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً ، والمراد بقوله : { عَرَضَ هذا الأدنى } أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله : { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير ، و { الأدنى } إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا .
ثم قال : { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب . وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها . ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال : { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب } أي التوراة { أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة ، وقيل : المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار ، وذلك قول باطل .
فإن قيل : فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له .
قلنا : أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة ، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران ، ونقول : إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم .
ثم قال تعالى : { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه .
ثم قال : { والدار الأخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .

(7/287)


أما قوله تعالى : { والذين يُمَسِّكُونَ بالكتاب } يقال مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { يُمَسِّكُونَ } مخففة والباقون بالتشديد . أما حجة عاصم فقوله تعالى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } [ البقرة : 229 ] وقوله : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } [ الأحزاب : 37 ] وقوله : { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } [ المائدة : 4 ] قال الواحدي : والتشديد أقوى ، لأن التشديد للكثرة وههنا أريد به الكثرة ، ولأنه يقال : أمسكته ، وقلما يقال أمسكت به .
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب } قولان :
القول الأول : أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [ الكهف : 30 ] وهذا الوجه حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به .
والقول الثاني : أن يكون مجروراً عطفاً على قوله : { الذين يَتَّقُونَ } ويكون قوله : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ } زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله .
فإن قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة ، ومنها إقامة الصلاة فكيف أفردت بالذكر؟
قلنا : إظهاراً لعلو مرتبة الصلاة ، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان .

(7/288)


وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)

قال أبو عبيدة : أصل النتق قلع الشيء من موضعه ، والرمي به . يقال : نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبه . وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها لأنها ترمي بأولادها رمياً فمعنى { نَتَقْنَا الجبل } أي قلعناه من أصله وجعلناه فوقهم وقوله : { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } قال ابن عباس : كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط ، والجمع ظلل وظلال ، وهذه القصة مذكورة في سورة البقرة { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } قال المفسرون : علموا وأيقنوا . وقال أهل المعاني : قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه ، وهذا هو الأظهر في معنى الظن ، ومضى الكلام فيه عند قوله { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } [ البقرة : 46 ] روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها ، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم ، وكان فرسخاً في فرسخ ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجداً على حاجبه الأيسر ، وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى ، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة .
ثم قال تعالى : { خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } أي وقلنا خذوا ما آتيناكم أو قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه { واذكروا مَا فِيهِ } من الأوامر والنواهي ، أي واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب ، ويجوز أن يراد : خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة ، إن كنتم تطيقونه كقوله : { إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض فانفذوا } [ الرحمن : 33 ] واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه .

(7/289)


وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين ، وفي تفسير هذه الآية قولان : الأول : وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : « إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون » فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار » وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة » وقال مقاتل : « إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه الذر سوداء كهيئة الذر فقال يآدم هؤلاء ذريتك .
ثم قال لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم » ، فأهل القبول محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء . وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ } [ الأعراف : 102 ] وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعكرة ، والكلبي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه أبصر آدم في ذريته قوماً لهم نور . فقال يا رب من هم؟ فقال الأنبياء ، ورأى واحداً هو أشدهم نوراً فقال من هو؟ قال داود ، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم : هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فلما تم عمر آدم تسعمائه وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، فقال بقي من أجلي أربعون سنة ، فقال : ألست قد وهبته من ابنك داود؟ فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئاً ، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها . أما المعتزلة : فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه . واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه .

(7/290)


الحجة الأولى : لهم قالوا : قوله : { مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ } لا شك أن قوله : { مِن ظُهُورِهِمْ } يدل من قوله : { وَإِذْ أَخَذَ } فيكون المعنى : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم . وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً .
الحجة الثانية : أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئاً من الذرية لما قال : { مِن ظُهُورِهِمْ } بل كان يجب أن يقول : من ظهره ، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد ، وكذلك قوله : { ذُرّيَّتَهُم } لو كان آدم لقال ذريته .
الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا : { إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا من قبل } وهذا الكلام يليق بأولاد آدم ، لأنه عليه السلام ما كان مشركاً .
الحجة الرابعة : أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل ، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء ، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كلياً لا يتذكر منها شيئاً لا بالقليل ولا بالكثير ، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ . فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلاً . فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة ، وجب القول بمقتضاه ، فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه ، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال . وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضاً التزام مذهب التناسخ .
الحجة الخامسة : أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة ، فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع .
الحجة السادسة : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم ، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة . وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات . وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة ، فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون عالماً فاهماً عاقلاً؛ إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا ، فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام؟

(7/291)


الحجة السابعة : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت ، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا . والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان؟
الحجة الثامنة : قال الكعبي : إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال ، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل ، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات؟
وأجاب الزجاج عنه فقال : لما لم يبعد أن يؤتى الله النمل العقل كما قال : { قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا النمل } [ النمل : 18 ] وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال : { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ } [ الأنبياء : 79 ] وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول ، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا .
الحجة التاسعة : أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك ، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا ، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال . وأما الثاني : وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر ، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم .
الحجة العاشرة : قوله تعالى : { فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ } [ الطارق : 5 ، 6 ] ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين ، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن .
فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة .

(7/292)


قلنا : هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة . وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل .
الحجة الحادية عشرة : هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع ، بقي القول الأول . فنقول : إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل . والثاني : يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات : أولها وقت الميثاق ، وثانيها في الدنيا ، وثالثها في القبر ، ورابعها في القيامة . وأنه حصل له الموت ثلاث مرات . موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول ، وموت في الدنيا ، وموت في القبر ، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر : 11 ] .
الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنين : 12 ] فلو كان القول بهذا الذر صحيحاً لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب ، وذلك باطل . لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة ، والعلقة ، والمضغة ، ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة ، وهو قوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } وقوله : { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ } [ عبس : 17- 19 ] فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف .
والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات : أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشراً سوياً ، وخلقاً كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعه . فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى : { فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] ومنها قوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] وقول العرب :
قال الجدار للوتد لم تشقني ... قال سل من يدقني
فإن الذي ورايي ... ما خلاني ورايي
وقال الشاعر :
امتلأ الحوض وقال قطنى ... فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه ، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لاطعن فيه ألبتة ، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافياً لصحة القول الأول : إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا؟

(7/293)


فإن قال قائل : فما المختار عندكم فيه؟
قلنا : ههنا مقامان : أحدهما : أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذَّر؟ والثاني : أن بتقدير أن يصح القول به ، فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟
أما المقام الأول : فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع .
أما الوجه الأول : من الوجوه العقلية المذكورة ، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن .
قلنا : خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية . والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها .
فإن قالوا : فإذا جوزتم هذا ، فجوزوا أن يقال : إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان
قلنا : الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى ، وبقينا فيها سنين ودهوراً ، امتنع في مجرى العادة نسيانها ، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان ، وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان فيه ، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق ، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساه ، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه ، فقد ظهر الفرق .
وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام . قلنا : عندنا البنية ليست شرطاً لحصول الحياة ، والجوهر الفرد الذي لا يتجزأ ، قابل للحياة والعقل ، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهراً فرداً ، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها؟ إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا : الإنسان جوهر فرد . وجزء لا يتجزأ في البدن . على ما هو مذهب بعض القدماء ، وأما إذا قلنا : الإنسان هو النفس الناطقة ، وإنه جوهر غير متحيز ، ولا حالَّ في المتحيز فالسؤال زائل .
وأما الوجه الثالث : وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا؟
فجوابنا أن نقول : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضاً أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال ، وإنطاق الجوارح قالوا : لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف؟ فكذا ههنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف . وقيل أيضاً إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين .
وأما المقام الثاني : وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخد الميثاق من الذر . فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولاً دافعة لذلك لأن قوله : { أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } فقد بينا أن المراد منه ، وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم ، وأيضاً لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم . أجاب الناصرون لذلك القول : بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن . فنقول : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر ، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم ، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضاً ما يدل على بطلانه ، إلا أن الخبر قد دل عليه ، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن ، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير : فلا منافاه بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب المصير إليهما معاً . صوناً للآية . والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام .

(7/294)


المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر وأبو عمر و { ذرياتهم } بالألف على الجمع والباقون { ذُرّيَّتُهُم } على الواحد . قال الواحدي : الذرية تقع على الواحد والجمع . فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله : { مَا هذا بَشَرًا } وعلى الجمع كقوله : { أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } [ التغابن : 6 ] وقوله : { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال : إن الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جمعاً فجمعه أيضاً حسن ، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت . نحو الطرقات والجدرات ، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } فنقول : أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأما على قول من أنكره قال : إنها محمولة على التمثيل ، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته ، أما قوله : { شَهِدْنَا } ففيه قولان :
القول الأول : أنه من كلام الملائكة ، وذلك لأنهم لما قالوا { بلى } قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله : { قَالُواْ بلى } لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله : { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } تقريره : أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار ، لئلا يقولوا ما أقررنا ، فأسقط كلمة «لا» كما قال :

(7/295)


{ وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } [ النحل : 15 ] يريد لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا .
والقول الثاني : أن قوله : { شَهِدْنَا } من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا التقرير ، فقوله : { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } متعلق بقوله : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } والتقدير : وأشهدهم على أنفسهم ، بكذا وكذا ، لئلا يقولوا يوم القيامة { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير ، فلا يجوز الوقف عند قوله : { شَهِدْنَا } لأن قوله : { أَن يَقُولُواْ } متعلق بما قبله وهو قوله : { وَأَشْهَدَهُمْ } فلم يجز قطعه منه . واختلف القراء في قوله : { أَن يَقُولُواْ } أو تقولوا : فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً ، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله : { مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْوَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } وقرأ الباقون بالتاء ، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } وكلا الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى .
أما قوله : { أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ } قال المفسرون : المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا ، لأن آباءنا أشركوا ، فقلدناهم في ذلك الشرك ، وهو المراد من قوله : { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون } والحاصل : أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر . وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل . قالوا : معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل ، وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } فما نبهنا عليه منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا ، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم ، فلا عذر لهم في الإعراض عنه ، والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء .
ثم قال : { وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الأيات } والمعنى : أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية ، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل ، وهو المراد من قوله : { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقيل : أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد ، وفي الآية قول ثالث؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان ، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها ، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب ، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة ، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب ، والله أعلم .

(7/296)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله : نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء ، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه ، وغزا أهله وكانوا كفاراً ، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه ، وكان مجاب الدعوة ، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه ، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه . فقال : بدعاء بلعم . فقال : كما سمعت دعاءه علي ، فاسمع دعائي عليه ، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان ، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة . فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته . ويقال أيضاً : إنه كان نبياً من أنبياء الله ، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان وصار كافراً . وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ، وأبو روق : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت ، وكان قد قرأ الكتب ، وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت ، ورجا أن يكون هو ، فلما أرسل الله محمداً عليه الصلاة والسلام حسده ، ثم مات كافراً ، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : « آمن شعره وكفر قلبه » يريد أن شعره كشعر المؤمنين ، وذلك أنه يوحد الله في شعره ، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض ، وأحوال الآخرة ، والجنة والنار . وقيل : نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق كان يترهب في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار ، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم ، فمات هناك طريداً وحيداً ، وهو قول سعيد بن المسيب . وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب ، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن والأصم وقيل : هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه ، وهو قول قتادة ، وعكرمة ، وأبي مسلم .
فإن قال قائل : فهل يصح أن يقال : إن المذكور في هذه الآية كان نبياً ، ثم صار كافراً؟
قلنا : هذا بعيد ، لأنه تعالى قال : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة ، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، والمناقب العظيمة ، فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر؟
أما قوله تعالى : { ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها } ففيه قولان :
القول الأول : { آتيناه آياتنا } يعني : علمناه حجج التوحيد ، وفهمناه أدلته ، حتى صار عالماً بها { فانسلخ مِنْهَا } أي خرج من محبة الله إلى معصيته ، ومن رحمة الله إلى سخطه ، ومعنى انسلخ : خرج منها . يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه .

(7/297)


والقول الثاني : ما ذكره أبو مسلم رحمه الله ، فقال قوله : { ءاتيناه ءاياتنا } أي بيناها فلم يقبل وعرى منها ، وسواء قولك : انسلخ ، وعرى ، وتباعد ، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة ، وأقام على الكفر ، ونظيره قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب آمنوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } [ النساء : 47 ] وقال في حق فرعون : { وَلَقَدْ أريناه ءاياتنا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وأبى } [ طه : 56 ] وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون ، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون ، فأعرض وأبى ، وكان عادياً ضالاً متبعاً للشيطان .
واعلم أن حاصل الفرق بين القولين : هو أن هذا الرجل في القول الأول ، كان عالماً بدين الله وتوحيده ، ثم خرج منه ، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها ، والقول الأول أولى ، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها ، وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى ، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال .
أما قوله : { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } ففيه وجوه : الأول : أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم ، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له . والثاني : قال عبد الله بن مسلم { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } أي أدركه . يقال : أتبعت القوم . أي لحقتهم . قال أبو عبيدة : ويقال : أتبعت القوم ، مثال : أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم . ويقال : ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم . أي حتى أدركتهم . وقوله { فَكَانَ مِنَ الغاوين } أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين . قال أهل المعاني : المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى ، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى ، ومال إلى الدنيا ، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى ، وخاب في الآخرة والأولى ، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته . وقوله : { وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا } قال أصحابنا معناه : ولو شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ولفظة ( لَوْ ) تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان ، وقد يريد الكفر . وقالت المعتزلة : لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه . فالأول : قال الجبائي معناه : ولو شئنا لرفعناه بأعماله ، بأن نكرمه ، ونزيل التكليف عنه ، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة ، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة ، فأبى أن يستمر على الإيمان . الثاني : لو شئنا لرفعناه ، بأن نحول بينه وبين الكفر ، قهراً وجبراً ، إلا أن ذلك ينافي التكليف . فلا جرم تركناه مع اختياره .
والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد ، وعن الثاني : أنه تعالى إذا منعه منه قهراً ، لم يكن ذلك موجباً للثواب والرفعة .

(7/298)


ثم قال تعالى : { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض } قال أصحاب العربية : أصل الإخلاد اللزوم على الدوام ، وكأنه قيل : لزم الميل إلى الأرض ، ومنه يقال : أخلد فلان بالمكان ، إذا لزم الإقامة به . قال مالك بن سويد :
بأبناء حي من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قال ابن عباس : { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض } يريد مال إلى الدنيا ، وقال مقاتل : بالدنيا ، وقال الزجاج : سكن إلى الدنيا . قال الواحدي : فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا ، وذلك لأن الدنيا هي الأرض ، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض ، وإنما يقوى ويكمل بها ، فالدنيا كلها هي الأرض ، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض ، ونقول : لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه ، ولكنا لم نشأ ، إلا أن قوله : { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض } لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله : { واتبع هَوَاهُ } معناه : أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى ، فلا جرم وقع في هاوية الردى ، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم ، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته ، وعلمه الاسم الأعظم ، وخصه بالدعوات المستجابة ، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب ، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر ، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى ، كان بعده عن الله أعظم ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : « من ازداد علماً ، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً » أو لفظ هذا معناه .
ثم قال تعالى : { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } قال الليث : اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر ، فإنه يدلع لسانه من العطش .
واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب ، وإنما وقع بالكلب اللاهث ، وأخس الحيوانات هو الكلب ، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث ، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا ، وأخلد إلى الأرض ، كان مشبهاً بأخس الحيوانات ، وهو الكلب اللاهث ، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه : الأول : أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء ، وفي حال الراحة ، وفي حال العطش ، وفي حال الري ، فكان ذلك عادة منه وطبيعة ، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية ، وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل حاجة وضرورة ، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس ، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ، ويلقى نفسه فيها ، كانت حاله كحال ذلك اللاهث ، حيث واظب على العمل الخسيس ، والفعل القبيح ، لمجرد نفسه الخبيثة . وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل الحاجة والضرورة . والثاني : أن الرجل العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا ، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها ، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات ، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه ، ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا ، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة ، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث : أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة ، فكذلك الأنسان الحريص لا يزال حرصه ألبتة .

(7/299)


أما قوله تعالى : { إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ } فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضاً لهث ، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له ، فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له .
فإن قيل : ما محل قوله : { إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } .
قلنا : النصب على الحال ، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلاً لاهثاً في الأحوال كلها .
ثم قال تعالى : { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله قال ابن عباس : يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله ، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه ، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال .
ثم قال : { فاقصص القصص } يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } يريد يتعظون .

(7/300)


سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)

اعلم أنه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } وزجر بذلك عن الكفر والتكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى : { سَاء مَثَلاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الليث : ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال : ساءت الشيء يسوء فهو سيء إذا قبح وساءه يسوءه مساءة . قال النحويون : تقديره ساء مثلاً ، مثل القوم انتصب مثلاً على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئاً آخر سوى مثلاً ، فلما ذكرت نوعاً ، فقد ميزته من سائرالأنواع وقولك القوم ارتفاعه من وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ ويكون قولك ساء مثلاً خبره والثاني : أنك لما قلت ساء مثلاً . قيل لك : من هو؟ قلت القوم ، فيكون رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف . وقرأ الجحدري : ساء مثل القوم .
البحث الثاني : ظاهر قوله : { سَاء مَثَلاً } يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسوء ، وذلك غير جائز ، لأن هذا المثل ذكره الله تعالى ، فكيف يكون موصوفاً بالسوء ، وأيضاً فهو يفيد الزجر عن الكفر والدعوة إلى الإيمان ، فكيف يكون موصوفاً بالسوء ، فوجب أن يكون الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها ، حتى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث .
أما قوله تعالى : { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } فإما أن يكون معطوفاً على قوله : { كَذَّبُواْ } فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم ، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب ، وإما تقديم المفعول ، فهو للاختصاص كأنه قيل وخصوا أنفسهم بالظلم وما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم .

(7/301)


مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)

في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما وصف الضالين بالوصف المذكور وعرف حالهم بالمثل المذكور بين في هذه الآية أن الهداية من الله ، وأن الضلال من الله تعالى ، وعند هذه اضطربت المعتزلة ، وذكروا في التأويل وجوهاً كثيرة : الأول : وهو الذي ذكره الجبائي وارتضاه القاضي أن المراد من يهده الله إلى الجنة والثواب في الآخرة ، فهو المهتدي في الدنيا ، السالك طريقة الرشد فيما كلف ، فبين الله تعالى أنه لا يهدي إلى الثواب في الآخرة إلا من هذا وصفه ، ومن يضلله عن طريق الجنة { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } والثاني : قال بعضهم إن في الآية حذفاً ، والتقدير : من يهده الله فقبل وتمسك بهداه فهو المهتدي ، ومن يضلل بأن لم يقبل فهو الخاسر . الثالث : أن يكون المراد من يهده الله بمعنى أن من وصفه الله بكونه مهتدياً فهو المهتدي ، لأن ذلك كالمدح ومدح الله لا يحصل إلا في حق من كان موصوفاً بذلك الوصف الممدوح ، ومن يضلل أي ومن وصفه الله بكونه ضالاً { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } والرابع : أن يكون المراد من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي ومن يضلل عن ذلك لما تقدم منه من سوء اختياره ، فأخرج لهذا السبب بتلك الألطاف من أن يؤثر فيه فهو من الخاسرين .
واعلم أنا بينا أن الدلائل العقلية القاطعة ، قد دلت على أن الهداية والإضلال لا يكونان إلا من الله من وجوه : الأول : أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصول الداعي ليس إلا من الله فالفعل ليس إلا من الله . الثاني : أن خلاف معلوم الله ممتنع الوقوع ، فمن علم الله منه الإيمان لم يقدر على الكفر وبالضد . الثالث : أن كل أحد يقصد حصول الإيمان والمعرفة ، فإذا حصل الكفر عقيبه علمنا أنه ليس منه بل من غيره ، ثم نقول :
أما التأويل الأول : فضعيف لأنه حمل قوله : { مَن يَهْدِ الله } على الهداية في الآخرة إلى الجنة وقوله : { فَهُوَ المهتدى } على الاهتداء إلى الحق في الدنيا ، وذلك يوجب ركاكة في النظم ، بل يجب أن تكون الهداية والاهتداء راجعين إلى شيء واحد ، حتى يكون الكلام حسن النظم .
وأما الثاني : فإنه التزام لإضمار زائد ، وهو خلاف اللفظ ، ولو جاز فتح باب أمثال هذه الإضمارات لانقلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً ، ويخرج كلام الله عز وجل من أن يكون حجة ، فإن لكل أحد أن يضمر في الآية ما يشاء ، وحينئذ يخرج الكل عن الإفادة .
وأما الثالث : فضعيف لأن قول القائل فلان هدى فلاناً لا يفيد في اللغة ألبتة أنه وصفه بكونه مهتدياً ، وقياس هذا على قوله فلان ضلل فلاناً وكفره ، قياس في اللغة وأنه في نهاية الفساد والرابع : أيضاً باطل لأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف ، فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار ، فحمل الآية على هذا التأويل بعيد ، والله أعلم .

(7/302)


المسألة الثانية : قوله : { فَهُوَ المهتدى } يجوز إثبات الياء فيه على الأصل ، ويجوز حذفها طلباً للتخفيف كما قيل في بيت الكتاب :
فطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا
ومن أبياته أيضاً :
كخوف ريش حمامة نجدية ... مسحت بماء البين عطف الأثمد
قال أبو الفتح الموصلي يريد كخواف محذوف الياء .
وأما قوله : { وَمَن يُضْلِلِ } يريد ومن يضلله الله ويخذله { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } أي خسروا الدنيا والآخرة .

(7/303)


وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه : الأول : أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ، ولا مزيد على بيان الله . الثاني : أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار ، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلاً وخبره الصدق كذباً وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فعدم دخولهم في النار محال ، ومن علم كون الشيء محالاً امتنع أن يريده ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار ، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار ، وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية . الثالث : أن القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان ، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر ، فقد أراد أن يدخله في النار ، وإن كان قادراً على الكفر وعلى الإيمان معاً امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل ، وإن حصل من قبله تعالى ، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للظفر ، فقد خلقه للنار قطعاً . الرابع : أنه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة ، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار ، فحينئذ حصل مراد العبد ، ولم يحصل مراد الله تعالى ، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل ، والخامس : أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار ، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة ، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده ، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد ، بل يجب أن يكون حصوله من قبل الله تعالى .
فإن قالوا : العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل ، لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح .
فنقول : فعلى هذا التقدير : إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم ، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر ، فقد توجه الإلزام وتأكد الدليل والبرهان ، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لأن كثيراً من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة . والعبادة والخير والصلاح . قال تعالى : { إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ }

(7/304)


[ الفتح : 8 ، 9 ] وقال : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } [ النساء : 64 ] وقال : { وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ } [ الفرقان : 50 ] وقال : { هُوَ الذى يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات بينات لّيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ الحديد : 9 ] وقال : { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط } [ الحديد : 25 ] وقال : { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } [ إبراهيم : 10 ] وقال : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] وأمثال هذه الآيات كثيرة ، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن ، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } على ظاهره .
الوجه الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنار ، ولما كانوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى هذا التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان .
الوجه الثالث : وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلاً ، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم ، كالقطرة في البحر ، وكان كمن دفع إلى إنسان حلواً مسموماً فإنه لا يكون منعماً عليه ، فكذا ههنا . ولما كان القرآن مملوأ من كثرة نعمة الله على كل الخلق ، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم .
الوجه الرابع : أن المدح والذم ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه .
الوجه الخامس : لو أنه تعالى خلقهم للنار ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار ، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم .
الوجه السادس : أن قوله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } متروك الظاهر ، لأن جهنم اسم لذلك الموضع المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مراداً منه ، فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف ، فكأنه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم ، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر ، فيجب بناؤها على قوله : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } لأن ظاهرها يصح دون حذف .
الوجه السابع : أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم ، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة ، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار ، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار ، فكان قولنا أولى ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والأنس ، هي الدخول في نار جهنم ، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر : أما القرآن فقوله تعالى : { وكذلك نُصَرّفُ الأيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } [ الأنعام : 105 ] ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ، لكنهم لما قالوا ذلك ، حسن ورود هذا اللفظ ، وأيضاً قال تعالى :

(7/305)


{ رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } [ يونس : 88 ] وأيضاً قال تعالى : { فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] وهم ما التقطوه لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك ، حسن هذا اللفظ ، وأما الشعر فأبيات قال :
وللموت تغدوا الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن
وقال :
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وقال :
له ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنو للخراب
وقال :
وأم سماك فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالدة
هذا منتهى كلام القوم في الجواب .
واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره ، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثاً . وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة ، فهي : معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله : { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } [ الأعراف : 178 ] وهو صريح مذهبنا ، وما بعد هذه الآية وهو قوله : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } [ الأعراف : 182 ، 183 ] ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس ، إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا ، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفاً جداً .
أما قوله تعالى : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال فقالوا : لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ، ولا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات ، وآذان يسمعون بها الكلمات ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين ، وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين ، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين .
وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصد عنه مع الأمر به ، وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك ، لقبح من الله تكليفهم ، لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم . فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة .

(7/306)


والجواب : أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء ، صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء ، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله ، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عافل من نفسه . ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور حبك الشيء يعمي ويصم .
إذا ثبت هذا فنقول : إن أقواماً من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه ، والعلم الضروري حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ليس باختيار الإنسان ، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره .
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس باختيار العبد ، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب ، فإن الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم ، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوماً لا محيص عنه . ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية الحسن . روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب «مناقب الشافعي» رضي الله تعالى عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط ، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع ، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد وأقول : هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف ، وهو كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر ، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب ، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها ، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر ، وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب «الإحياء» فصلاً في تقرير مذهب الجبر .
ثم قال فإن قيل : إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت ، فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري ثم قال : وهب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول : وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئته ، وإن شئت أن لا تشاء لم تشأه ، ما أظنك أن تقول ذلك ، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له : بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء ، وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته ، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار .

(7/307)


المسألة الثانية : احتج العلماء بقوله تعالى : { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } على أن محل العلم هو القلب ، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم ، وهذا إنما يصح لو كان محل الفهم والفقه هو القلب ، والله أعلم .
أما قوله : { أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } فتقريره أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة ، ومتشاركة أيضاً في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر ، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به : فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل بالخير كانوا كالأنعام .
ثم قال : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ، والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها . فلهذا السبب قال تعالى : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وقال حكيم الشعراء :
الروح عند إله العرش مبدؤه ... وتربة الأرض أصل الجسم والبدن
قد ألف الملك الحنان بينهما ... ليصلحا لقبول الأمر والمحن
فالروح في غربة والجسم في وطن ... فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن
وقيل في تفسير قوله : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وجوه أخرى فقيل : لأن الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع ، وقال مقاتل : هم أخطأ طريقاً من الأنعام ، لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه . وقال الزجاج : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل منافعها وتحترز عن مضارها ، وهؤلاء الكفار وأهل العناد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون ومع ذلك فيصرون عليه ، ويلقون أنفسهم في النار وفي العذاب ، وقيل إنها تفر أبداً إلى أربابها ، ومن يقوم بمصالحها ، والكافر يهرب عن ربه وإلهه الذي أنعم عليه بنعم لا حد لها . وقيل : لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما إذا كان معها مرشد قلما تضل ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب وهم يزدادون في الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : { أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } قال عطاء : عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب .

(7/308)


وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)

اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله : { أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } أمر بعده بذكر الله تعالى فقال : { وَللَّهِ الاسماء الحسنى فادعوه بِهَا } وهذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله . والمخلص عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله ، وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان ، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ، ومن ظلمة إلى ظلمة ، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة الله تخلص عن نيران الآفات وعن حسرات الخسارات ، واستشعر بمعرفة رب الأرض والسموات وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى } مذكور في سور أربعة : أولها : هذه السورة . وثانيها : في آخر سورة بني إسرائيل في قوله : { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيَّامًا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى } [ الإسراء : 110 ] وثالثها : في أول طه وهو قوله : { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى } [ طه : 8 ] ورابعها : في آخر الحشر وهو قوله : { هُوَ الله الخالق البارىء المصور لَهُ الأسماء الحسنى } [ الحشر : 24 ] .
إذا عرفت هذا فنقول : { الاسماء } ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن بحسن معانيها ومفهوماتها ، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال ، وهي محصورة في نوعين : عدم افتقاره إلى غيره ، وثبوت افتقار غيره إليه .
واعلم أن لنا في تفسير أسماء الله كتاباً كبيراً كثير الدقائق شريف الحقائق سميناه «بلوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات» ، من أراد الاستقصاء فيه فليرجع إليه ، ونحن نذكر ههنا لمعاً ونكتاً منها . فنقول : إن أسماء الله يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة .
الوجه الأول : أن نقول : الاسم إما أن يكون اسماً للذات ، أو لجزء من أجزاء الذات ، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها . أما اسم الذات فهو المسمى بالاسم الأعظم ، وفي كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار . وأما اسم جزء الذات فهو في حق الله تعالى محال ، لأن هذا إنما يفعل في الذات المركبة من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن ، فواجب الوجود يمتنع أن يكون له جزء .
وأما اسم الصفة فنقول : الصفة إما أن تكون حقيقية أو إضافية أو سلبية ، أو ما يتركب عن هذه الثلاثة ، وهي أربعة ، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع إضافة أو مع سلب أو صفة سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية وإضافة وسلبية . أما الصفة الحقيقية العارية عن الإضافة فكقولنا موجود عند من يقول : الوجود صفة ، أو قولنا واحد ، عند من يقول : الوحدة صفة ثانية ، وكقولنا حي ، فإن الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب والإضافات ، وأما الصفة الإضافية المحضة فكقولنا : مذكور ومعلوم ، وأما الصفة السلبية ، فكقولنا : القدوس السلام . وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة ، فكقولنا : عالم وقادر ، فإن العلم صفة حقيقية ، وله تعلق بالمعلوم والقادر ، فإن القدرة صفة حقيقية ، ولها تعلق بالمقدور ، وأما الصفة الحقيقية مع السلبية . فكقولنا : قديم أزلي ، لأنه عبارة عن موجود لا أول له . وأما الصفة الإضافية مع السلبية ، فكقولنا : أول . فإنه هو الذي سبق غيره وما سبقه غيره ، وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة والسلب ، فكقولنا : حكيم ، فإنه هو الذي يعلم حقائق الأشياء ، ولا يفعل ما لا يجوز فعله فصفة العلم صفة حقيقية ، وكون هذه الصفة متعلقة بالمعلومات ، نسب وإضافات ، وكونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب .

(7/309)


إذا عرفت هذا فنقول : السلوب ، غير متناهية ، والإضافات أيضاً غير متناهية ، فكونه خالقاً للمخلوقات صفة إضافية ، وكونه محيياً ومميتاً إضافات مخصوصة ، وكونه رازقاً أيضاً إضافة أخرى مخصوصة . فيحصل بسبب هذين النوعين من الاعتبارات أسماء لا نهاية لها لله تعالى ، لأن مقدوراته غير متناهية ، ولما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته ، وإنما السبيل إلى معرفته بمعرفة أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر ، كان علمه بأسماء الله أكثر . ولما كان هذا بحراً لا ساحل له ولا نهاية له ، فكذلك لا نهاية لمعرفة أسماء الله الحسنى .
النوع الثاني : في تقسيم أسماء الله ما قاله المتكلمون : وهو أن صفات الله تعالى ثلاثة أنواع : ما يجب ، ويجوز ، ويستحيل على الله تعالى . ولله تعالى بحسب كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة .
والنوع الثالث : في تقسيم أسماء الله أن صفات الله تعالى إما أن تكون ذاتية ، أو معنوية ، أو كانت من صفات الأفعال .
والنوع الرابع : في تقسيم أسماء الله تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير الله تعالى ، أو لا يجوز . أما القسم الأول : فهو كقولنا : الكريم الرحيم العزيز اللطيف الكبير الخالق ، فإن هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد ، وإن كان معناها في حق الله تعالى مغايراً لمعناها في حق العباد . وأما القسم الثاني فهو كقولنا : الله الرحمن . أما القسم الأول : فإنها إذا قيدت بقيود مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق الله تعالى كقولنا : يا أرحم الراحمين ، ويا أكرم الأكرمين ، ويا خالق السموات والأرضين .
النوع الخامس : في تقسيم أسماء الله أن يقال : من أسماء الله ما يمكن ذكره وحده ، كقولنا : يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم ، ومنها ما لا يكون كذلك ، كقولنا : مميت وضار ، فإنه لا يجوز إفراده بالذكر ، بل يجب أن يقال : يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع .
النوع السادس : في تقسيم أسماء الله تعالى أن يقال : أول ما يعلم من صفات الله تعالى كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها ، وذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه ، فإذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود والعدم لذاته ، قضى العقل بافتقاره إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه ، وذلك المرجح ليس إلا الله سبحانه ، فثبت أن أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحاً ومؤثراً ، ثم نقول ذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة والأول باطل ، وإلا لدام العالم بدوامه ، وذلك باطل ، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحاً على سبيل الصحة ، ليس إلا كونه تعالى قادراً ، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحاً ، هو كونه قادراً . ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادراً عالماً ، وعلمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حياً ، علمنا من كونه قادراً عالماً ، كونه حياً . فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقعاً في درجة واحدة ، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض .

(7/310)


المسألة الثانية : قوله تعالى : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى } يفيد الحصر ، ومعناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى ، والبرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو الله سبحانه ، وأما ما سوى ذلك الواحد ، فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته ، فهو محتاج في ماهيته وفي وجوده وفي جميع صفاته الحقيقية والإضافية والسلبية إلى تكوين الواجب لذاته ، ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف ، فالله سبحانه كامل لذاته ، وكمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده وإحسانه ، فكل كمال وجلال وشرف ، فهو له سبحانه بذاته ولذاته وفي ذاته ، ولغيره على سبيل العارية ، والذي لغيره من ذاته ، فهو الفقر والحاجة والنقصان والعدم ، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله ، والصفات الحسنى ليست إلا لله ، وأن كل ما سواه ، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان .
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن أسماء الله ليست إلا لله ، والصفات الحسنى ليست إلا لله ، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه ، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال : لا أطلق على ذات الله تعالى اسم الشيء . قال : لأن اسم الشيء يقع على أخس الأشياء وأكثرها حقارة وأبعدها عن درجات الشرف ، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد في المسمى شرفاً ورتبة وجلالة .

(7/311)


وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على الشرف والكمال ، وثبت أن اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية الله بكونه شيئاً . قال ومعاذ الله أن يكون هذا نزاعاً في كونه في نفسه حقيقة وذاتاً وموجوداً ، إنما النزاع وقع في محض اللفظ ، وهو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا؟ فأما قولنا إنه منشىء الأشياء ، فهو اسم يفيد المدح والجلال والشرف ، فكان إطلاق هذا الاسم على الله حقاً ، ثم أكد هذه الحجة بأنواع أخر من الدلائل . فالأول : قوله تعالى : { لَّيْسَ كمثله مِن شَىْء } [ الشورى : 11 ] معناه ليس مثل مثله شيء ، ولا شك أن عين الشيء مثل لمثل نفسه . فلما ثبت بالعقل أن كل شيء فهو مثل مثل نفسه ، ودل الدليل القرآني على أن مثل مثل الله ليس بشيء ، كان هذا تصريحاً بأنه تعالى غير مسمى باسم الشيء ، وليس لقائل أن يقول «الكاف» في قوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ } حرف زائد لا فائدة فيه ، لأن حمل كلام الله على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد .
الحجة الثانية : قوله تعالى : { خالق كُلّ شَىْء } [ الأنعام : 102 الرعد : 16 غافر : 62 ] ولو كان تعالى داخلاً تحت اسم الشيء لزم كونه تعالى خالقاً لنفسه وهو محال . لا يقال هذا عام دخله التخصيص ، لأنا نقول هذا كلام لا بد من البحث عنه فنقول : ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام الكل ، ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج نادراً ، ألحقوا ذلك الأكثر بالكل ، وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم ، وأطلقوا لفظ الكل عليه ، وجعلوا ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم .
وإذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يصدق على الله تعالى اسم الشيء كان أعظم الأشياء هو الله تعالى ، وإدخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من باب الكذب ، فوجب أن يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا هذا المحذور .
الحجة الثالثة : هذا الاسم ما ورد في كتاب الله ولا سنة رسوله ، وما رأينا أحداً من السلف قال في دعائه ياشيء ، فوجب الامتناع منه ، والدليل على أنه غير وارد في كتاب الله أن الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم قوله تعالى : { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 19 ] وقد بينا في سورة الأنعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود ، فسقط الكلام فيه .
فإن قال قائل : فقولنا : موجود ومذكور وذات ومعلوم ، ألفاظ لا تدل على الشرف والجلال فوجب أن تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى . فنقول : الحق في هذا الباب التفصيل ، وهو أنا نقول : ما المراد من قولك : إنه تعالى شيء ، وذات ، وحقيقة؟ إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود وشيء ، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة ، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى بهذه الألفاظ أم لا؟ فنقول لا يجوز . لأنا رأينا السلف يقولون : يا الله يا رحمن يا رحيم إلى سائر الأسماء الشريفة ، وما رأينا ولا سمعنا أن أحداً يقول : يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم ، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض النداء والدعاء واجباً لله تعالى . والله أعلم .

(7/312)


المسألة الرابعة : قوله تعالى : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا } يدل على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة ، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو الله بها ، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية . ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا سخي ، ولا أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه . وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية .
المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع ، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها ، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد ، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضاً قوله : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى } يقتضي إضافة الأسماء إلى الله ، وإضافة الشيء إلى نفسه محال . وأيضاً فلو قيل : ولله الذوات لكان باطلاً . ولما قال : { وَللَّهِ الأسماء } كان حقاً وذلك يدل على أن الاسم غير المسمى .
المسألة السادسة : قوله : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا } يدل على أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى ، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء ، وعرف بالدليل أن له إلهاً ورباً خالقاً موصوفاً بتك الصفات الشريفة المقدسة ، فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات ، ثم إن لتلك الدعوة شرائط كثيرة مذكورة بالاستقصاء في كتاب «المنهاج» لأبي عبد الله الحليمي ، وأحسن ما فيه أن يكون مستحضراً لأمرين : أحدهما : عزة الربوبية . والثانية : ذلة العبودية . فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر . فأما إذا لم يكن كذلك كان قليل الفائدة ، وأنا أذكر لهذا المعنى مثالاً ، وهو أن من أراد أن يقول في تحريمة صلاته الله أكبر ، فإنه يجب أن يستحضر في النية جميع ما أمكنه من معرفة آثار حكمة الله تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية أو الحركية ، ثم يتعدى من نفسه إلى استحضار آثار حكمة الله في تخليق جميع الناس ، وجميع الحيوانات ، وجميع أصناف النبات والمعادن ، والآثار العلوية من الرعد والبرق والصواعق التي توجد في كل أطراف العالم ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار والمفاوز ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق أطباق السموات على سعتها وعظمها ، وفي تخليق أجرام النيرات من الثوابت والسيارات ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الكرسي وسدرة المنتهى ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم المحيط بكل هذه الموجودات ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات ، فلا يزال يستحضر من هذه الدرجات والمراتب أقصى ما يصل إليه فهمه وعقله وذكره وخاطره وخياله ، ثم عند استحضار جميع هذه الروحانيات والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين منازلها ومراتبها ، ويقول الله أكبر ، ويشير بقوله الله إلى الموجود الذي خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود ، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت ، وبقوله أكبر أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال : إنه أكبر من هذه الأشياء . فإذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور ، وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا } .

(7/313)


أما قوله تعالى : { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أسمائه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة { يُلْحِدُونَ } ووافقه عاصم والكسائي في النحل . قال الفراء : { يُلْحِدُونَ } و { يُلْحِدُونَ } لغتان : يقال : لحدت لحداً وألحدت ، قال أهل اللغة : معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت : الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه . يقال : قد ألحد في الدين ولحد ، وقال أبو عمرو من أهل اللغة : الإلحاد : العدل عن الاستقامة والانحراف عنها . ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر . قال الواحدي رحمه الله : والأجود قراءة العامة لقوله تعالى : { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ } [ الحج : 25 ] والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم : ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لاحد .
المسألة الثانية : قال المحققون : الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه : الأول : إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله ، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ، ومن ذلك أنهم سموا أصناماً لهم باللات والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الإله ، والعزى من العزيز ، واشتقاق مناة من المنان . وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني : أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه أباً للمسيح . وقول جمهور النصارى : أب ، وابن ، وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله سبحانه ويسمونه به ، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيهاً مستحقاً للذم ، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا : وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله ، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام ، ثم لا يجوز أن يقال : يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه الله عن مثل هذه الأذكار ، وأن يقال : يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث : أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه ، فإنه ربما كان مسماه أمراً غير لائق بجلال الله ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء .

(7/314)


فإن قال قائل : هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على الله تعالى أن يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق؟
قلنا : الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى ، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره : أن لفظ «علم» ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } [ البقرة : 31 ] { عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] { وعلمناه مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف : 65 ] { الرحمن عَلَّمَ القرءان } [ الرحمن : 1 ، 2 ] ثم لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى يا معلم ، وأيضاً ورد قوله : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة : 54 ] ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب . وأما في حق الأنبياء ، فقد ورد في حق آدم عليه السلام : { وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصياً غاوياً ، وورد في حق موسى عليه السلام { ياأبت استجره } [ القصص : 26 ] ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيراً ، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد ، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة .
ثم قال تعالى : { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله . قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد ، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله .

(7/315)


وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)

اعلم أنه تعالى لما قال : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } [ الأعراف : 179 ] فأخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله : { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ليبين أيضاً أن كثيراً منهم مخلوقون للجنة . واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [ الأعراف : 159 ] فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال : « هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها » وعن الربيع بن أنس أنه قال : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال : « إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم » وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار . قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل ، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية . أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة ، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل . لأنه قد كان ظاهراً لكل الناس أن محمداً وأصحابه على الحق ، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة ، والثاني باطل أيضاً ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جَمْعٌ من المحقين ، فلم يبق إلا القسم الثالث . وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة ، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة .

(7/316)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة ، أعاد ذكر المكذبين بآيات الله تعالى ، وما عليهم من الوعيد ، فقال : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } وهذا يتناول جميع المكذبين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد أهل مكة ، وهو بعيد ، لأن صفة العموم يتناول الكل ، إلا ما دل الدليل على خروجه منه .
وأما قوله : { سَنَسْتَدْرِجُهُم } فالاستدراج الاستفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال ، درجة بعد درجة ، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ، وأدرج الكتاب طواه شيئاً بعد شيء ودرج القوم ، مات بعضهم عقيب بعضهم ، ويحتمل أن يكون هذا اللفظ مأخوذ من الدرج وهو لف الشيء وطيه جزأ فجزأ .
إذا عرفت هذا فالمعنى سنقربهم إلى ما يهلكهم ، ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم ، وذلك لأنهم كلما أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب النعمة والخير في الدنيا ، فيزدادون بطراً وانهماكاً في الفساد وتمادياً في الغي ، ويتدرجون في المعاصي بسبب ترادف تلك النعم ، ثم يأخذهم الله دفعة واحدة على غرتهم أغفل ما يكون ، ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما حمل إليه كنوز كسرى : «اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإني سمعتك تقول { سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } .
ثم قال تعالى : { وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } الإملاء في اللغة الإمهال وإطالة المدة ونقيضه الإعجال والملى زمان طويل من الدهر ومنه قوله : { واهجرنى مَلِيّاً } [ مريم : 46 ] أي طويلاً . ويقال ملوة وملوة وملاوة من الدهر أي زمان طويل ، فمعنى { وَأُمْلِى لَهُمْ } أي أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة على المعصية ليقلعوا عنها بالتوبة والإنابة . وقوله : { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } قال ابن عباس : يريد إن مكري شديد ، والمتين من كل شيء هو القوي يقال متن متانة .
واعلم أن أصحابنا احتجوا في مسألة القضاء والقدر بهذه الألفاظ الثلاثة ، وهي الاستدراج والإملاء والكيد المتين ، وكلها تدل على أنه تعالى أراد بالعبد ما يسوقه إلى الكفر والبعد عن الله تعالى ، وذلك ضد ما يقوله المعتزلة .
أجاب أبو علي الجبائي ، بأن المراد من الاستدراج ، أنه تعالى استدرجهم إلى العقوبات حتى يقعوا فيها من حيث لا يعلون ، استدراجاً لهم إلى ذلك حتى يقعوا فيه بغتة ، وقد يجوز أن يكون هذا العذاب في الدنيا كالقتل والاستئصال ، ويجوز أن يكون عذاب الآخرة . قال وقد قال بعض المجبرة المراد : سنستدرجهم إلى الكفر من حيث لا يعلمون . قال : وذلك فاسد ، لأن الله تعالى أخبر بتقدم كفرهم ، فالذي يستدرجهم إليه فعل مستقبل ، لأن السين في قوله : { سَنَسْتَدْرِجُهُم } يفيد الاستقبال ، ولا يجب أن يكون المراد : أن يستدرجهم إلى كفر آخر لجواز أن يميتهم قبل أن يوقعهم في كفر آخر ، فالمراد إذن : ما قلناه ، ولأنه تعالى لا يعاقب الكافر بأن يخلق فيه كفراً آخر ، والكفر هو فعله ، وإنما يعاقبه بفعل نفسه .

(7/317)


وأما قوله : { وأملى لَهُمْ } فمعناه : أني أبقيهم في الدنيا مع إصرارهم على الكفر ، ولا أعاجلهم بالعقوبة لأنهم لا يفوتونني ولا يعجزونني ، وهذا معنى قوله : { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } لأن كيده هو عذابه ، وسماه كيداً لنزوله بالعباد من حيث لا يشعرون .
والجواب عنه من وجهين : الأول : أن قوله : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم } معناه : ما ذكرنا أنهم كلما زادوا تمادياً في الذنب والكفر ، زادهم الله نعمة وخيراً في الدنيا ، فيصير فوزهم بلذات الدنيا سبباً لتماديهم في الإعراض عن ذكر الله وبعداً عن الرجوع إلى طاعة الله ، هذه حالة نشاهدها في بعض الناس ، وإذا كان هذا أمراً محسوساً مشاهداً فكيف يمكن إنكاره . الثاني : هب أن المراد منه الاستدراج إلى العقاب ، إلا أن هذا أيضاً يبطل القول بأنه تعالى ما أراد بعبده إلا الخير والصلاح ، لأنه تعالى لما علم أن هذا الاستدراج ، وهذا الإمهال مما قد يزيد به عتواً وكفراً وفساداً واستحقاق العقاب الشديد ، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل لكان يجب في حكمته ورعايته للمصالح أن لا يخلقه ابتداء صوناً له عن هذا العقاب ، أو أن يخلقه لكنه يميته قبل أن يصير في حد التكليف ، أو أن لا يخلقه إلا في الجنة ، صوناً له عن الوقوع في آفات الدنيا وفي عقاب الآخرة ، فلما خلقه في الدنيا وألقاه في ورطة التكليف . وأطال عمره ومكنه من المعاصي مع علمه بأن ذلك لا يفيد إلا مزيد الكفر والفسق واستحقاق العقاب ، علمنا أنه ما خلقه إلا للعذاب وإلا للنار ، كما شرحه في الآية المتقدمة ، وهي قوله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } [ الأعراف : 179 ] وأنا شديد التعجب من هؤلاء المعتزلة ، فإنهم يرون القرآن كالبحر الذي لا ساحل له مملوأ من هذه الآيات والدلائل العقلية القاهرة القاطعة مطابقة لها ، ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات بهذه الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية ، إلا أن علمي بأن ما أراده الله كائن يزيل هذا التعجب ، والله أعلم .

(7/318)


أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)

واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته ، الغافلين عن التأمل في دلائله وبيناته ، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم . فقال : { أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } والتفكر طلب المعنى بالقلب وذلك لأن فكرة القلب هو المسمى بالنظر ، والتعقل في الشيء والتأمل فيه والتدبر له ، وكما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي : طلباً لتحصيل تلك الرؤية بالبصر ، فكذلك الرؤية بالبصيرة ، وهي المسماة بالعلم واليقين ، حالة مخصوصة في الانكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب حدقة العقل إلى الجوانب ، طلباً لذلك الانكشاف والتجلي ، وذلك هو المسمى بنظر العقل وفكرته ، فقوله تعالى : { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } أمر بالفكر والتأمل والتدبر والتروي لطلب معرفة الأشياء كما هي عرفاناً حقيقياً تاماً ، وفي اللفظ محذوف . والتقدير : أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة ، والجنة حالة من الجنون ، كالجلسة والركبة ودخول «من» في قوله : { مّن جِنَّةٍ } يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون .
واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبونه إلى الجنون لوجهين : الأول : أن فعله عليه السلام كان مخالفاً لفعلهم ، وذلك لأنه عليه السلام كان معرضاً عن الدنيا مقبلاً على الآخرة ، مشتغلاً بالدعوة إلى الله ، فكان العمل مخالفاً لطريقتهم ، فاعتقدوا فيه أنه مجنون . قال الحسن وقتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذا من قريش . فقال يا بني فلان يا بني فلان ، وكان يحذرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون ، واظب على الصياح طول هذه الليلة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وحثهم على التفكر في أمر الرسول عليه السلام ، ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال . الثاني : أنه عليه السلام كان يغشاه حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه ويصفر لونه ، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي ، فالجهال كانوا يقولون إنه جنون فالله تعالى بين في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون ، وذلك لأنه عليه السلام كان يدعوهم إلى الله ، ويقيم الدلائل القاطعة والبينات الباهرة ، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها ، وكان حسن الخلق ، طيب العشرة ، مرضي الطريقة نقي السيرة ، مواظباً على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء العالمين ، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون ، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين ، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين ، وترغيب المؤمنين ، ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على تقرير دلائل التوحيد ، لا جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد .

(7/319)