صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
{ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز } [ الأعراف : 134 ] إلى آخر الآية ، فهذا هو القول المرضي عند أكثر المفسرين ، وقد وقع في أكثرها اختلافات . أما الطوفان ، فقال الزجاج : الطوفان من كل شيء ما كان كثيراً محيطاً مطبقاً بالقوم كلهم ، كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة ، فإنه يقال له طوفان ، وكذلك القتل الذريع طوفان ، والموت الجارف طوفان . وقال الأخفش : هو فعلان من الطوف ، لأنه يطوف بالشيء حتى يعم . قال : وواحده في القياس طوفانه . وقال المبرد : الطوفان مصدر مثل «الرجحان والنقصان» فلا حاجة إلى أن يطلب له واحداً . (7/225)
إذا عرفت هدا فنقول : الأكثرون على أن هذا الطوفان هو المطر الكثير على ما رويناه عن ابن عباس ، وقد روى عطاء عنه أنه قال : الطوفان هو الموت ، وروى الواحدي رحمه الله بإسناده خبراً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الطوفان هو الموت " وهذا القول مشكل لأنهم لو أميتوا لم يكن لإرسال سائر أنواع العذاب عليهم فائدة ، بل لو صح هذا الخبر لوجب حمل لفظ الموت على حصول أسباب الموت ، مثل المطر الشديد والسيل العظيم وغيرهما ، وأما الجراد ، فهو معروف والواحدة جرادة ، ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه . وقال اللحياني : أرض جردة ومجرودة قد لحسها الجراد ، وإذا أصاب الجراد الزرع قيل جرد الزرع وأصل هذا كله من الجرد ، وهو أخذك الشيء عن الشيء على سبيل النحت والسحق ، ومنه يقال للثوب الذي قد ذهب وبره جرد وأرض جردة لا نبات فيها ، وأما القمل ، فقد اختلفوا فيه . فقيل هو الدبى الصغار الذي لا أجنحة له ، وهي بنات الجراد ، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى عليه السلام بعصاه فصار قملاً . فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ، ولزم جلودهم كأنه الجدري ، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم ، فقالوا : قد تيقنا الآن أنك ساحر عليم . وعزة فرعون لا نؤمن بك أبداً ، وقرأ الحسن { والقمل } بفتح القاف ، وسكون الميم . يريد القمل المعروف . وأما الدم فما ذكرناه . ونقل صاحب «الكشاف» أنه قيل : سلط الله عليهم الرعاف . وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات .
وأما قوله تعالى : { ءايات مّفَصَّلاَتٍ } ففيه وجوه : أحدها : { مّفَصَّلاَتٍ } أي مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره ، وثانيها : { مّفَصَّلاَتٍ } أي فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيقبلون الحجة؟ والدليل : أو يستمرون على الخلاف والتقليد . قال المفسرون : كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت ، وبين العذاب إلى العذاب شهر ، فهذا معنى قوله : { ءايات مّفَصَّلاَتٍ } قال الزجاج : وقوله : { ءايات } منصوبة على الحال . وقوله : { فاستكبروا } يريد عن عبادة الله { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } مصرين على الجرم والذنب . ونقل أيضاً أن هذه الأنواع المذكورة من العذاب كانت عند وقوعها مختصة بقوم فرعون ، وكان بنو إسرائيل منها في أمان وفراغ ، ولا شك أن كل واحد منها فهو في نفسه معجز ، واختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز آخر . (7/226)
فإن قال قائل لما علم الله تعالى من حال أولئك الأقوام أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات ، فما الفائدة في تواليها وإظهار الكثير منها؟ وأيضاً فقوم محمد صلى الله عليه وسلم طلبوا المعجزات فما أجيبوا فما الفرق .
والجواب : أما على قول أصحابنا فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأما على قول المعتزلة في رعاية الصلاح ، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان يؤمن عند ظهور تلك المعجزات الزائدة ، وعلم من قوم محمد صلى الله عليه وسلم أن أحداً منهم لا يزداد بعد ظهور تلك المعجزات الظاهرة إلا كفراً وعناداً ، فظهر الفرق والله أعلم .
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)
اعلم أنا ذكرنا معنى الرجز عند قوله : { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء } [ البقرة : 59 ] في سورة البقرة وهو اسم للعذاب ، ثم إنهم اختلفوا في المراد بهذا الرجز فقال بعضهم : إنه عبارة عن الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب الذي كان نازلاً بهم . وقال سعيد بن جبير { الرجز } معناه : الطاعون وهو العذاب الذي أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد ، فتركوا غير مدفونين ، واعلم أن القول الأول أقوى لأن لفظ { الرجز } لفظ مفرد محلي بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق ، وههنا المعهود السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدم ذكرها ، وأما غيرها فمشكوك فيه ، فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه . (7/227)
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى بين ما كانوا عليه من المناقضة القبيحة ، لأنهم تارة يكذبون موسى عليه السلام ، وأخرى عند الشدائد يفزعون إليه نزع الأمة إلى نبيها ويسألونه أن يسأل ربه رفع ذلك العذاب عنهم ، وذلك يقتضي أنهم سلموا إليه كونه نبياً مجاب الدعوة ، ثم بعد زوال تلك الشدائد يعودون إلى تكذيبه والطعن فيه ، وأنه إنما يصل إلى مطالبة بسحره ، فمن هذا الوجه يظهر أنهم يناقضون أنفسهم في هذه الأقاويل .
وأما قوله تعالى حكاية عنهم : { ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } فقال صاحب «الكشاف» : ما في قوله : { بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } مصدرية والمعنى : بعهده عندك وهو النبوة ، وفي هذه الباء وجهان :
الوجه الأول : أنها متعلقة بقوله : { ادع لَنَا رَبَّكَ } والتقدير { ادع لَنَا } متوسلاً إليه بعهده عندك .
والوجه الثاني : في هذه الباء أن تكون قسماً وجوابها قوله : { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } أي أقسمنا بعهد الله عندك { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ } وقوله : { وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إسراءيل } كانوا قد أخذوا بني إسرائيل بالكد الشديد فوعدوا موسى عليه السلام على دعائه بكشف العذاب عنهم الإيمان به والتخلية عن بني إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين شاء . وقوله : { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بالغوه } المعنى أنا ما أزلنا عنهم العذاب مطلقاً ، وما كشفنا عنهم الرجز في جميع الوقائع ، بل إنما أزلنا عنهم العذاب إلى أجل معين ، وعند ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به وقوله : { إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } هو جواب لما يعني فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث وبادروه ولم يؤخروه كما كشفنا عنهم نكثوا .
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)
واعلم أن المعنى أنه تعالى ، لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم ، ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق ، والانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب ، واليم البحر ، قال صاحب «الكشاف» : اليم البحر الذي لا يدرك قعره ، وقيل : هو لجة البحر ومعظم مائه ، واشتقاقه من التيمم ، لأن المستقين به يقصدونه وبين تعالى بقوله : { بأَنَّهُمْ كَذّبوا بئاياتنا } أن ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب . وقوله : { وَكَانُواْ عَنهَا غافلين } اختلفوا في الكناية في عنها فقيل أنها عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله : { انتقمنا } والمعنى وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين ، وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار الزجاج . قال : لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم . (7/228)
فإن قيل : الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة .
قلنا : المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها ، فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها .
فإن قيل : أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة؟ فكيف يكون الانتقام لهذين دون غيرهما .
قلنا : ليس في الآية بيان أنه تعالى انتقم منهم لهذين معاً دلالة على نفي ما عداه ، والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها ، ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها ، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم .
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)
اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله : { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض } [ الأعراف : 129 ] فههنا لما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة ، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات ، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها } والمراد من ذلك الاستضعاف أنه كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ، واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها ، فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام . ومصر ومغاربها ، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله وأيضاً قوله : { التى بَارَكْنَا فِيهَا } المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام . (7/229)
والقول الثاني : المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان قد ملك الأرض ، وهذا يدل على أن الأرض ههنا اسم الجنس . وقوله : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إِسْرءيلَ } قيل المراد من { كَلمةُ ربك } قوله : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض } [ القصص : 5 ] إلى قوله : { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } [ القصص : 6 ] والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ، ومعنى تمت على بني إسرائيل ، مضت عليهم واستمرت ، من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى عليك . وقيل : معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض ، وإنما كان الإنجاز تماماً للكلام لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق . فإذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله : { بِمَا صَبَرُواْ } أي إنما حصل ذلك التمام بسبب صبرهم ، وحسبك به حاثاً على الصبر ، ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج ، وقرأ عاصم في رواية { وَتَمَّتْ كلمات رَبّكَ الحسنى } ونظيره { مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } [ النجم : 18 ] وقوله : { وَدَمَّرْنَا } قال الليث : الدمار الهلاك التام . يقال : دمر القوم يدمرون دماراً أي هلكوا ، وقوله : { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } قال ابن عباس يريد الصانع { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قال الزجاج : يقال عرش يعرش ويعرش إذا بني ، قيل : وما كانوا يعرشون من الجنات ، ومنه قوله تعالى : { جنات معروشات } [ الأنعام : 141 ] وقيل : { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء ، كصرح هامان وفرعون . وقرىء يعرشون بالكسر والضم ، وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح ، قال صاحب «الكشاف» : وبلغني أنه قرأ بعض الناس { يغرسون } من غرس الأشجار وما أحسبه إلا تصحيفاً منه ، وهذا آخر ما ذكره الله تعالى من قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات الله تعالى .
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)
اعلم أنه تعالى لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بأن أهلك عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم أتبع ذلك بالنعمة العظمى ، وهي أن جاوز بهم البحر مع السلامة ، ولما بين تعالى في سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة ، وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا وجعله يبساً بين أن بني إسرائيل لما شاهدوا قوماً يعكفون على عبادة أصنامهم ، جهلوا وارتدوا وقالوا : لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون ، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده ، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف . (7/230)
أما قوله تعالى : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } يقال : جاوز الوادي . إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره ، عبر به وقرىء { جوزنا } بمعنى : أجزنا . يقال : أجاز المكان وجوزه بمعنى : جازه { فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قال الزجاج : يواظبون عليها ويلازمونها . يقال : لكل من لزم شيئاً وواظب عليه ، عكف يعكف ويعكف ، ومن هذا قيل لملازم المسجد متعكف . وقال قتادة : كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولاً بالريف . قال ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل .
ثم حكى تعالى عنهم أنهم { قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة وخالقاً ومدبراً ، لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره : لا يمكن أن يكون خالقاً للعالم ومدبراً له ، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى ، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] .
إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول : لم كان هذا القول كفراً؟ فنقول : أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر ، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً للعالم ، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام .
فإن قيل : فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم؟
قلنا : بل من بعضهم ، لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل .
ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم ، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل ، وخلق الأشياء المنتفع بها ، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به .
فإن قالوا : إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم الله تعالى ، فما الوجه في قبح هذه العبادة؟ (7/231)
قلنا : فعلى هذا التقدير : لم يتخذوها آلهة أصلاً وإنما جعلوها كالقبلة ، وذلك ينافي قولهم { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } واعلم أن { مَا } في قوله : { كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } يجوز أن تكون مصدرية أي كما ثبت لهم آلهة ، ويجوز أن تكون موصولة ، وفي قولهم : { لَهُمْ } ضمير يعود إليه ، و { ءالِهَةً } بدل من ذلك الضمير تقديره : كالذي هو لهم آلهة .
ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال : { إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } قال الليث : التبار الهلاك . يقال : تبر الشيء يتبر تباراً والتتبير الإهلاك ، ومنه قوله تعالى : { تَبَّرْنَا تَتْبِيراً } ويقال للذهب المنكسر المتفتت : التبر فقوله : { مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } أي مهلك مدمر ، وقوله : { وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قيل : البطلان عدم الشيء ، إما بعدم ذاته أو بعدم فائدته ومقصوده ، والمراد من بطلان عملهم : أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر ، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سبباً لاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها . فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعالى ، تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سبباً لإعراض القلب عن ذكر الله تعالى؛ وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل ، وضائع وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه ، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب ، والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله عن القلب ، فكان هذا ضداً للغرض ونقيضاً للمطلوب والله أعلم .
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)
اعلم أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنهم لما قالوا له : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } فهو عليه السلام ذكر في الجواب وجوهاً : أولها : أنه حكم عليهم بالجهل فقال : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وثانيها : أنه قال : { إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } أي سبب للخسران والهلاك . وثالثها : أنه قال : { وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعاً في الدنيا والدين . ورابعها : ما ذكره في هذه الآية من التعجب منهم على وجه يوجب الإنكار والتوبيخ فقال : { أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } والمعنى : أن الإله ليس شيئاً يطلب ويلتمس ويتخذ ، بل الإله هو الله الذي يكون قادراً على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم ، وهو المراد من قوله : { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على الخلق عبادته ، فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره . قال الواحدي رحمه الله : يقال : بغيت فلاناً شيئاً وبغيت له . قال تعالى : { يَبْغُونَكُمُ الفتنة } [ التوبة : 47 ] أي يبغون لكم ، وفي انتصاب قوله : { إلها } وجهان : أحدهما : الحال كأنه قيل : أطلب لكم غير الله معبوداً ، ونصب { غَيْرِ } في هذا الوجه على المفعول به . الثاني : أن ينصب { إلها } على المفعول به { وَغَيْر } على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول : أبغيكم إلها غير الله . وقوله : { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } فيه قولان : الأول : المراد أنه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم . الثاني : أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين ، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال ، ومثاله : رجل تعلم علماً واحداً وآخر تعلم علوماً كثيرة سوى ذلك العلم ، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد ، إلا أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد في الحقيقة . (7/232)
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
واعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه ، تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة ، فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى والله أعلم . (7/233)
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
في الآية مسائل : (7/234)
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : { وَعَدْنَا } بغير ألف ، والباقون { واعدنا } بالألف على المفاعلة ، وقد مر بيان هذه القراءة في سورة البقرة .
المسألة الثانية : اعلم أنه روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر : أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فهذه الآية في بيان كيفية نزول التوراة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية .
فإن قيل : وما الحكمة ههنا في ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر؟ وأيضاً فقوله : { فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } كلام عار عن الفائدة ، لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين .
قلنا : أما الجواب عن السؤال الأول فهو من وجوه :
الوجه الأول : أنه تعالى أمر موسى عليه السلام بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب .
والوجه الثاني : في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى ، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي ، وكلمه أيضاً فيه . فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة .
والوجه الثالث : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى عليه السلام بادر إلى ميقات ربه قبل قومه ، والدليل عليه قوله تعالى : { وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى موسى قَالَ هُمْ أُوْلاء على أَثَرِى } فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين ، فلما أعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامري ، رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى ، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى ، فتم أربعون ليلة .
والوجه الرابع : قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه السلام وحده ، والوعد الثاني حضر المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى ، فصار الوعد مختلفاً لاختلاف حال الحاضرين والله أعلم .
والجواب عن السؤال الثاني : أنه تعالى إنما قال : { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } إزالة التوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين ، كأنه كان عشرين ، ثم أتمه بعشر ، فصار ثلاثين ، فأزال هذا الإيهام .
أما قوله تعالى : { فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } ففيه بحثان :
البحث الأول : الفرق بين الميقات وبين الوقت ، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال ، والوقت وقت للشيء قدرة مقدر أولاً . (7/235)
والبحث الثاني : قوله : { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } نصب على الحال أي تم بالغاً هذا العدد .
وأما قوله : { وَقَالَ موسىلأخيه هارون } فقوله : { هارون } عطف بيان لأخيه وقرىء بالضم على النداء { اخلفنى فِى قَوْمِى } كن خليفتي فيهم { وَأَصْلِحَ } وكن مصلحاً أو { وَأَصْلِحَ } ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه .
فإن قيل : إن هرون كان شريك موسى عليه السلام في النبوة ، فكيف جعله خليفة لنفسه ، فإن شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته ورد الإنسان من المنصب الأعلى إلى الأدون يكون إهانة .
قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم ، إلا أنه كان موسى عليه السلام هو الأصل في تلك النبوة .
فإن قيل : لما كان هرون نبياً والنبي لا يفعل إلا الإصلاح ، فكيف وصاه بالإصلاح .
قلنا : المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله : { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 260 ] والله أعلم .
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية . (7/236)
المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى فمنهم من قال : كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ، ومنهم من قال : كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات . أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون ، انفقوا على أنه يجب كونه حادثاً كائناً بعد أن لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه ، وذلك أني قلت يوماً إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي ، والأول : باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كانت حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيداً ألبتة ، والثاني : يوجب كونها حادثة ، لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني حادث ، لأن كل ما كان وجود متأخراً عن وجوده غيره فهو حادث ، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث .
إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان : الأول : أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى ، وهو قول الكرامية . الثاني : أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير ، وهو قول المعتزلة .
أما القول الثاني : وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات ، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة . وتلك الصفة قديمة أزلية . والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام . فقالت الأشعرية : إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا : وكما لا يتعذر رؤية ذاته ، مع أن ذاته ليست جسماً ولا عرضاً ، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفاً ولا صوتاً . وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة ، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام ألبتة ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى .
المسألة الثانية : اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين وظاهر الآية يدل على الأول . لأن قوله تعالى : { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يداً على نفي الحكم عما عداه ، وقال القاضي : بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضاً كلام الله تعالى . قال : لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك ، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضاً فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز ، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام لا بد من ظهور هذا المعنى لغيره .
المسألة الثالثة : قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره من أربعة أوجه . الأول : أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية ، ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى ، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها ، وحيث سألها؛ علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى . قال القاضي : الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة : أحدها : ما قاله الحسن وغيره : أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى ، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفاً بربه وبعدله وتوحيده ، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفاً على السمع . وثانيها : أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه ، فقد كانوا جاهلين بذلك يكررون المسألة عليه يقولون : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } [ البقرة : 55 ] فسأل موسى الرؤية لا لنفسه ، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه ، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون ، فمنهم من يقول سأل ربه المعرفة الضرورية . ومنهم من يقول : بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته ، وإن كانت من فعله ، كما نقوله في معرفة أهل الآخرة ، وهو الذي اختاره أبو القاسم الكعبي . ورابعها : المقصود من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي . وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء ، وهو الذي ذكره أو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية . قال أصحابنا أما الوجه الأول ، فضعيف ويدل عليه وجوه : الأول : إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة ، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك ، كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة ، وذلك باطل بإجماع المسلمين . الثاني : أن المعتزلة يدعون العلم الضروري ، بأن كل ما كان مرئياً ، فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل . فإما أن يقال إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم . فإن كان الأول كان تجويزه لكونه تعالى مرئياً ، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة ، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة ، فيلزمهم كون موسى عليه السلام كافراً ، وذلك لا يقوله عاقل . وإن كان الثاني فنقول : لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل علماً بديهياً ضرورياً ، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلاً لموسى عليه السلام ، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية ، ومن كان كذلك فهو مجنون ، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام ، ما كان كامل العقل بل كان مجنوناً وذلك كفر بإجماع الأمة ، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام ، ما كان عالماً بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين ، فكان القول به باطلاً والله أعلم . (7/237)
وأما التأويل الثاني : وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه ، فهو أيضاً فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى : أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى : لن يروني ، فلما لم يكن كذلك ، بطل هذا التأويل . والثاني : أنه لو كان هذا السؤال طلباً للمحال ، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] منعهم عنه بقوله : { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [ الأعراف : 138 ] والثالث : أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته ، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال ، فأما أن لا يذكر شيئاً من تلك الدلائل ألبتة ، مع أن ذكرها كان فرضاً مضيقاً ، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام ، وأنه لا يجوز . والرابع : أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية ، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام . أو ما آمنوا بها ، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل ، مجرد قول موسى عليه السلام ، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام ، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية ، بل هذا قول افتريته على الله تعالى ، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } . (7/238)
وأما التأويل الثالث : فبعيد أيضاً ويدل عليه وجوه : الأول : أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمراً أنظر إلى أمرك ، ثم حذف المفعول والمضاف ، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا ، وهو قوله : { أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى } [ الأعراف : 143 ] فسوف تراني { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف . الثاني : أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل ، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث : أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول : أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد . الرابع : أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده ، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك ، فثبت أن هذا القول فاسد . وأما التأويل الرابع وهو أن يقال : المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه ، فهو أيضاً بعيد ، لأنه لو كان المراد ذلك ، لكان الواجب أن يقول : أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية . علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة .
الحجة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله ، فإنه يقول له هذا لا يؤكل ، ولا يقول له لا تأكل . ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة ، لقال له : لا تأكلها أي هذا مما يؤكل ، ولكنك لا تأكله . فلما قال تعالى : { لَن تَرَانِى } ولم يقل لا أرى ، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية . (7/239)
الحجة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية ، أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة . إنما قلنا : إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل ، بدليل قوله تعالى : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه . فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه .
إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها ، لأنه لما كان ذلك الشرط أمراً جائز الوجود ، لم يلزم من فرض وقوعه محال ، فبتقدير حصول ذلك الشرط ، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب ، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول ، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله ، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية ، وذلك باطل .
فإن قيل : إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته ، واستقرار الجبل حال حركته محال . فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول ، لا على شرط جائز الحصول ، فلم يلزم صحة ما قلتموه؟ والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال : إنه حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية كان ساكناً أو متحركاً ، فإن كان الأول ، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط ، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقراً ، ولما لم يكن مستقراً كان متحركاً . فثبت أن الجبل حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية ، كان متحركاً لا ساكناً . فثبت أن الشرط هو كون الجبل مستقراً حال كونه ساكناً فثبت أن الشرط الذي علق الله تعالى على حصوله حصول الرؤية ، هو كون الجبل مستقراً حال كونه متحركاً ، وأنه شرط محال .
والجواب : هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجوداً كان واجب الوجود ، ولو أخذته بشرط كونه معدوماً كان واجب العدم ، فلو أخذته من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه موجوداً أو كونه معدوماً كان ممكن الوجود فكذا ههنا الذي جعل شرطاً في اللفظ هو استقرار الجبل ، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطاً أمر ممكن الوجود جائز الحصول ، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه والله أعلم . (7/240)
الحجة الرابعة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى : { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } وهذا التجلي هو الرؤية ، ويدل عليه وجهان : الأول : إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء ، وإبصار الشيء أيضاً يجلي لذلك الشيء . إلا أن الإبصار في كونه مجلياً أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى . الثاني : أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود . فثبت أن قوله تعالى : { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال : الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئاً ، إلا أنا نقول : لا يمتنع أن يقال : إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم ، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى ، والدليل عليه أنه تعالى قال : { ياجبال أَوّبِى مَعَهُ والطير } [ سبأ : 10 ] وكونه مخاطباً بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا ههنا ، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية . أمنا المعتزلة فقالوا : إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات .
أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها ، فلا حاجة هنا إلى ذكرها . وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } [ الأنعام : 103 ] قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة . واعلم أن القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه : الأول : التمسك بقوله تعالى : { لَن تَرَانِى } وتقرير الاستدلال أن يقال : إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة ، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحداً لا يراه ألبتة ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى ، فهذه مقدمات ثلاثة . (7/241)
أما المقدمة الأولى : فتقريرها من وجوه : الأول : ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة «لن» للتأبيد . قال الواحدي رحمه الله : هذه دعوى باطلة على أهل اللغة ، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ، ولا نقل صحيح . وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } [ البقرة : 95 ] مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة . والثاني : أن قوله : { لَن تَرَانِى } يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضاً ضعيف ، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه . الثالث : أن قوله لن أفعل كذا ، يفيد تأكيد النفي ، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى : { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } [ الحج : 73 ] وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية ، والجواب : أن { لَنْ } لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه ، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال . فكان قوله : { لَن تَرَانِى } نفياً لذلك المطلوب ، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا . فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة .
أما المقدمة الثانية : فقالوا : القائل اثنان : قائل يقول : إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضاً يراه ، وقائل ينفي الرؤية عن الكل ، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل .
وأما المقدمة الثالثة : فهي أن كل من نفى الوقوع نفى الصحة ، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل . واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى ، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية .
الحجة الثانية للقوم : أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقاً ، ولو كانت الرؤية جائزة . فلم خر عند سؤالها صعقاً؟
والحجة الثالثة : أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك ، وهذه الكلمة للتنزيه ، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى ، فكان قوله : { سبحانك } تنزيهاً له عن الرؤية فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات ، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات ، وذلك على الله محال . فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة .
والحجة الرابعة : قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال : { تُبْتُ إِلَيْكَ } ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال : { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } . (7/242)
واعلم أن أصحابنا قالوا : الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة الكلام في هذه الآية . والله أعلم بالصواب .
المسألة الرابعة : في البحث عن هذه الآية . نقل عن ابن عباس أنه قال : جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل ، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً ، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال : { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } قال صاحب «الكشاف» : ثاني مفعولي { أَرِنِى } محذوف ، أي { أَرِنِى } نفسك { أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي لفظ الآية سؤالات :
السؤال الأول : النظر : إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته ، وعلى التقدير الأول : يكون المعنى أرني حتى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير الثاني : يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين : أحدهما : أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى . والثاني : أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد .
والجواب : أن قوله : { أَرِنِى } معناه اجعلني متمكناً من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك .
السؤال الثاني : كيف قال : { لَن تَرَانِى } ولم يقل لن تنظر إلي ، حتى يكون مطابقاً لقوله : { أَنظُرْ إِلَيْكَ } .
والجواب : أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه .
والسؤال الثالث : كيف اتصل الاستدراك في قوله : { ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } بما قبله؟
والجواب : المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق ، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية .
أما قوله : { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } فقال الزجاج : { تجلى } أي ظهر وبان ، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها ، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ ، وقوله : { جَعَلَهُ دَكّا } قال الزجاج : يجوز { دَكّاً } بالتنوين و { دَكَّاء } بغير تنوين أي جعله مدقوقاً مع الأرض يقال : دككت الشيء إذا دققته أدكه دكاً ، والدكاء والدكاوات : الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة . فعلى هذا ، الدك مصدر ، والدكاء اسم . ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله : { جَعَلَهُ دَكّا } أنه قال : دكه دكاً مصدر مؤكد ، ويجوز جعله ذا دك . قال ومن قرأ { دَكَّاء } ممدوداً أراد جعله دكاء أي أرضاً مرتفعة ، وهو موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال : جعله تراباً . وقوله : { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } قال الليث : الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان ، والصعقة الغشية . يقال : صعق الرجل وصعق ، فمن قال صعق فهو صعق . ومن قال صعق فهو مصعوق . ويقال أيضاً : صعق إذا مات ، ومنه قوله تعالى :
{ فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض } [ الزمر : 68 ] فسروه بالموت . ومنه قوله : { يَوْمَهُمُ الذى فِيهِ يُصْعَقُونَ } أي يموتون . قال صاحب «الكشاف» : صعق أصله من الصاعقة ، ويقال لها : الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه . (7/243)
إذا عرفت هذا فنقول : فسر ابن عباس قوله تعالى : { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } بالغشي ، وفسره قتادة بالموت ، والأول أقوى ، لقوله تعالى : { فَلَمَّا أَفَاقَ } قال الزجاج : ولا يكاد يقال للميت : قد أفاق من موته ، ولكن يقال للذي يغشى عليه : أنه أفاق من غشيه ، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا : { ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } [ البقرة : 56 ] .
أما قوله : { قَالَ سبحانك } أي تنزيهاً لك عن أن يسألك غيرك شيئاً بغير إذنك ، { تُبْتُ إِلَيْكَ } وفيه وجهان : الأول : { تُبْتُ إِلَيْكَ } من سؤال الرؤية في الدنيا . الثاني : { تُبْتُ إِلَيْكَ } من سؤال الرؤية بغير إذنك { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بأنك لا ترى في الدنيا ، أو يقال : { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك .
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها ، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه ، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية ، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها . والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية ، وهذا أيضاً أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى ، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة . (7/244)
واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله : { اصطفيتك } أي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس : يريد فضلتك على الناس ، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال : { برسالاتي وبكلامي } قرأ ابن كثير ونافع { برسالتي } على الواحد والباقون { برسالاتي } على الجمع ، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى ، ومن قرأ { برسالتي } فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر ، فيجوز إفرادها في موضع الجمع ، وإنما قال : { اصطفيتك عَلَى الناس } ولم يقل على الخلق ، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام .
فإن قيل : كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيراً من الناس قد ساواه في الرسالة؟
قلنا : إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين ، وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة ، وهذا المجموع ما حصل لغيره ، فثبت أنه إنما حصل التخصيص ههنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة ، وإنما كان الكلام بغير واسطة سبباً لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر ، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالاً وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب ، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة . قال : { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ الشاكرين } يعني فخذ هذه النعمة ، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية ، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علماً وعملاً والله أعلم .
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى -عليه السلام- بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح } نقل صاحب «الكشاف» عن بعضهم : أن موسى خر صعقاً يوم عرفة . وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر ، وذكروا في عدد الألواح ، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح . وقيل : سبعة . وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام . وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقال الحسن : كانت من خشب نزلت من السماء . وقال وهب : كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام ، وأما كيفية الكتابة . فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور . (7/245)
واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح ، وعلى كيفية تلك الكتابة ، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي ، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه .
وأما قوله : { من كل شيء } فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح .
وأما قوله : { مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَىْءٍ } فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله : { مِن كُلِّ شَىْءٍ } وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين : أحدهما : { مَّوْعِظَةً } والآخر { تَفْصِيلاً } لما يجب أن يعلم من الأحكام ، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية ، وذلك بذكر الوعد والوعيد ، ولما قرر ذلك أولاً أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام ، فقال : { وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } ولما شرح ذلك ، قال لموسى : { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي بعزيمة قوية ونية صادقة ، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها ، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقاً ، ليكون في هذا التفصيل فائدة ، ولذلك قال بعض المفسرين : إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد ، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره ، وقال بعضهم : بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء . وإن كان مشاركاً لقومه فيما عداه ، وفي قوله : { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } .
سؤال : وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به ، وظاهر قوله { يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن ، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به ، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً : الأول : أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن ، كالقصاص ، والعفو ، والانتصار ، والصبر ، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن ، وأكثر للثواب كقوله :
{ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم } [ الزمر : 55 ] وقوله : { الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [ الزمر : 18 ] . (7/246)
فإن قالوا : فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن ، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن ، وذلك يقدح في كونه حسناً فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض .
الوجه الثاني : في الجواب قال قطرب { يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى : { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } [ العنكبوت : 45 ] وقول الفرزدق :
بيتاً دعائمهُ أعز وأطول ... الوجه الثالث : قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات .
وأما قوله : { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } ففيه وجهان : الأول : أن المراد التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى ، وعلى هذا التقدير : فيه وجهان : الأول : قال ابن عباس والحسن ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم ، أي فليكن ذكر جهنم حاضراً في خاطركم لتحذروا أن تكونوا منهم . والثاني : قال قتادة : سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا إليه من النكال . وقال الكلبي : { دَارَ الفاسقين } هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا ، من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله تعالى .
والقول الثاني : أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض أعدائهم وديارهم والله أعلم .
سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)
في الآية مسائل : (7/247)
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } [ الأعراف : 145 ] ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر ، وقالت المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول : قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الإيمان بآياته لأن قوله : { سَأَصْرِفُ } يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً ، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي ، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله .
الوجه الثاني : أن قوله : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض } مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر ، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم ، لكان معناه أنه تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر ، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز ، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر .
الوجه الثالث : أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ذلك { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الانشقاق : 20 ] ، { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 } ، { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } [ الإسراء : 94 ، الكهف : 55 ] فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى .
فالوجه الأول : قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه ، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به ، وهو شبيه بقوله : { بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة : 67 ] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة .
والوجه الثاني : في التأويل ما ذكره الجبائي فقال : سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين ، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم ، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله .
والوجه الثالث : أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان . فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات ، فحينئذ يصرفهم الله عنها .
والوجه الرابع : أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها ، فإذا علم الله ذلك منه ، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه . (7/248)
والوجه الخامس : نقل عن الحسن أنه قال : إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه ، فالمراد من قوله : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي } هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب ، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال . والله أعلم .
المسألة الثانية : معنى يتكبرون : أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى ، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبراً ، وقال بعضهم : التكبر : إظهار كبر النفس على غيرها . وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد ، وصفة مدح في الله جل جلاله ، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق . وفي حق غيره باطل .
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله : { بِغَيْرِ الحق } لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة .
أما قوله تعالى : { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } ففيه مباحث :
البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : { الرشد } بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال : { الرشد } بضم الراء الصلاح لقوله تعالى : { فإن آنستم منهم رشداً } [ النساء : 6 ] أي صلاحاً ، و { الرشد } بفتحهما الاستقامة في الدين . قال تعالى : { مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } [ الكهف : 66 ] وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والسقم ، وقيل : { الرشد } بالضم الاسم ، وبالفتحتين المصدر .
البحث الثاني : { سَبِيلَ الرشد } عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و { سَبِيلَ الغى } ما يكون مضاداً لذلك ، ثم بيّن تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني : كونهم غافلين عنها ، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها والله أعلم .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)
اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } [ الأعراف : 146 ] بين حال أولئك المكذبين ، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم من يعمل بعض أعمال البر ، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبراً أو متواضعاً أو كان قليل الإحسان ، أو كان كثير الإحسان ، فقال : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَآءِ الأخرة } يعني بذلك جَحْدهم للميعاد وجرأتهم على المعاصي ، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة ، والكلام في حقيقة الإحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة . (7/249)
ثم قال تعالى : { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وفيه حذف والتقدير : هل يجزون إلا بما كانوا يعملون؟ أو على ما كانوا يعملون . واحتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول أبي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب ، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا : هذه الآية تدل على أنه لا جزاء إلا على العمل ، وليس ترك الواجب بعمل ، فوجب أن لا يجازي عليه ، فثبت أن الجزاء إنما حصل على فعل ضده . وأجاب أبو هاشم : بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء فسقط الاستدلال .
وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأن الجزاء إنما سمي جزاء لأنه يجزي ويكفي في المنع من النهي ، وفي الحث على المأمور به فإن ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب كان ذلك العقاب كافياً في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء ، فثبت أنه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء والله أعلم .
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)
اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل ، وفيها مسائل : (7/250)
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : { حُلِيّهِمْ } بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلي . والباقون : { حُلِيّهِمْ } بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي ، وقرأ بعضهم : { مِنْ حُلِيّهِمْ } على التوحيد ، والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة .
المسألة الثانية : قيل : إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم ، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها يعبدونه ، فصاغ السامري عجلاً . ثم اختلف الناس ، فقال قوم كان قد أخذ كفاً من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة . فقال السامري : هذا إلهكم وإله موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة : إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح ، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل ، وقال آخرون : إنه جعل ذلك التمثال أجوف ، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار . قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك ، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال ، ثم ألقى إلى الناس أن هذا العجل إلههم وإله موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات :
السؤال الأول : لم قيل : { واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً } والمتخذ هو السامري وحده؟ .
والجواب : فيه وجهان : الأول : أن الله نسب الفعل إليهم ، لأن رجلاً منهم باشره كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد . والثاني : أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم اجتمعوا عليه .
السؤال الثاني : لم قال : { مِنْ حُلِيّهِمْ } ولم يكن الحلي لهم ، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية؟ .
والجواب : أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ، وصارت ملكاً لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ } [ الدخان : 25 ] ، { وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [ الشعراء : 58 ] ، { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فاكهين * كَذَلِكَ وأورثناها قَوْماً ءاخَرِينَ } [ الدخان : 27 ، 28 ] .
السؤال الثالث : هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم؟ .
والجواب : أن قوله تعالى : { واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً } يفيد العموم . قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج عليه بوجهين : الأول : عموم هذه الآية ، والثاني : قول موسى عليه السلام في هذه القصة { رَبّ اغفر لِى وَلاخِى } قال خص نفسه وأخاه بالدعاء ، وذلك يدل على أن من كان مغايراً لهما ما كان أهلاً للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك ، وقال آخرون : بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين ، والدليل عليه قوله تعالى :
{ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [ الأعراف : 181 ] . (7/251)
السؤال الرابع : هل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً على ما قاله بعضهم أو بقي ذهباً كما كان قبل ذلك؟ .
والجواب : الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : قوله تعالى : { عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } والجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم والدم ، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف ، سواء كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك .
والحجة الثانية : أنه تعالى أثبت له خواراً ، وذلك إنما يتأتى في الحيوان . وأجيب عنه : بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه ، وقرأ علي رضي الله عنه : ( جؤار ) بالجيم والهمزة ، من جأر إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب .
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلها بقوله : { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتخذوه وَكَانُواْ ظالمين } وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد ، وكل من كان كذلك كان إما جماداً وإما حيواناً عاجزاً ، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلهية ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلماً ولا هادياً إلى السبيل لم يكن إلها لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلماً ، فمن لا يكون متكلماً لم يصح منه الأمر والنهي ، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلها . وقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلها أن يكون هادياً إلى الصدق والصواب ، فمن كان مضلاً عنه وجب أن لا يكون إلها .
فإن قيل : فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم ويهدي ، يجوز أن يتخذ إلها ، وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلهاً فلا فائدة فيما ذكرتم .
والجواب من وجهين : الأول : لا يبعد أن يكون ذلك شرطاً لحصول الإلهية ، فيلزم من عدمه عدم الإلهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية . الثاني : أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم إلى الخير والشر فهو إله ، والخلق لا يقدرون على الهداية ، إنما يقدرون على وصف الهداية ، فأما على وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى .
واعلم أنه ختم الآية بقوله : { وَكَانُواْ ظالمين } أي كانوا ظالمين لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل ، والله أعلم .
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)
اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد من قوله : { سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أنه اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة . (7/252)
فالوجه الأول : قال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم ، أي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه ، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد ، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعاً في اليد ، فكذا ههنا .
والوجه الثاني : قال صاحب «الكشاف» : إنما يقال لمن ندم سقط في يده لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غماً ، فيصير ندمه مسقوطاً فيها ، لأن فاه قد وقع فيها .
والوجه الثالث : أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل ، ولهذا قالوا سقط المطر ، ويقال : سقط من يدك شيء وأسقطت المرأة ، فمن أقدم على عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده أن ذلك العمل خير وصواب ، وأن ذلك العمل يورثه شرفاً ورفعة ، فإذا بان له أن ذلك العمل كان باطلاً فاسداً فكأنه قد انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق إلى تحت ، فلهذا السبب يقال للرجل إذا أخطأ : كان ذلك منه سقطة ، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض ، فثبت أن إطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن ، بقي أن يقال : فما الفائدة في ذكر اليد؟ فنقول : اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان على الأخذ والضبط والحفظ ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم ويشتغل بتلافيها ، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أن بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك والتلافي .
والوجه الرابع : حكى الواحدي عن بعضهم : أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج . يقال : منه سقطت الأرض كما يقال : من الثلج ثلجت الأرض وثلجنا أي أصابها الثلج ، ومعنى سقط في يده أي وقع في يده السقيط ، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى ، فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلاً لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل ، وكانت الندامة آخر أمره .
والوجه الخامس : قال بعض العلماء : النادم إنما يقال له سقط في يده ، لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد . والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع ، ضلت يده ورجله .
والوجه السادس : إن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده معتمداً عليه وتارة يضعها تحت ذقنه ، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم ، كقوله :
{ وَلأَصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل } [ طه : 71 ] أي عليها ، والله أعلم . (7/253)
ثم قال تعالى : { وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } أي قد تبينوا ضلالهم تبييناً كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي : يجب أن يكون المؤخر مقدماً لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال : ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة ، ويمكن أن يقال إنه لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير ، وذلك لأن الإنسان إذا صار شاكاً في أن العمل الذي أقدم عليه هل هو صواب أو خطأ؟ فقد يندم عليه من حيث أن الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأ فاسداً أو باطلاً غير جائز ، فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم ، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسداً وباطلاً فثبت أن على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير . ثم بين تعالى أنهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذي عملوه كان باطلاً أظهروا الانقطاع إلى الله تعالى ف { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته ، ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم ، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم ، وقرىء : ( لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ) بالتاء { وَرَبُّنَا } بالنصب على النداء ، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام : { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا } .
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
في الآية مسائل : (7/254)
المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا } لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل ، ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك ، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم : إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك . وقال أبو مسلم : بل كان عارفاً بذلك من قبل ، وهذا أقرب ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله تعالى : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا } يدل على أنه حال ما كان راجعاً كان غضبان أسفاً ، وهو إنما كان راجعاً إلى قومه قبل وصوله إليهم ، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالماً بهذه الحالة . الثاني : أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات .
المسألة الثانية : في الأسف قولان : الأول : أن الأسف الشديد الغضب ، وهو قول أبي الدرداء وعطاء ، عن ابن عباس واختيار الزجاج . واحتجوا بقوله : { فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ } [ الزخرف : 55 ] أي أغضبونا . والثاني : وهو أيضاً قول ابن عباس والحسن والسدي ، إن الآسف هو الحزين . وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين . قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت ، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت . فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً ، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ، أسفاً حزيناً ، لأن الله تعالى فتنهم . وقد كان تعالى قال له : { إِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } [ طه : 85 ] .
أما قوله : { بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى } فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل ، وهم : هارون عليه السلام والمؤمنون معه ، ويدل عليه قوله : { اخلفنى فِى قَوْمِى } [ الأعراف : 142 ] وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، وعلى هذا التقدير الثاني ، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : أين ما يقتضيه «بئس» من الفاعل ، والمخصوص بالذم .
والجواب : الفاعل مضمر يفسره قوله : { مَا خَلَفْتُمُونِى } والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم .
السؤال الثاني : أي معنى لقوله : { مِن بَعْدِى } بعد قوله : { خَلَفْتُمُونِى } .
والجواب : معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين .
وأما قوله : { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة ، لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته . هكذا قاله الواحدي . (7/255)
ولقائل أن يقول : لو كانت العجلة مذمومة ، فلم قال موسى عليه السلام : { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى } [ طه : 84 ] قال ابن عباس : المعنى { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟ وقال الحسن : وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة ، فقد مات . وقال عطاء : يريد أعجلتم سخط ربكم؟ وقال الكلبي : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجباً له ، وهو أمران : الأول : أنه قال : { وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ } يريد التي فيها التوراة ، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه ، ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب ، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل إلا عند حصول الغضب المدهش . روي أن التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت ، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد . وكان فيما رفع تفصيل كل شيء ، وفيما بقي الهدى والرحمة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يرحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده »
ولقائل أن يقول : ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسرت ، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله ، ومثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام .
والأمر الثاني : من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب .
قوله تعالى : { وَأَلْقَى الألواح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } وفي هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح ، وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه على سبيل الإهانة والاستخفاف ، والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا إنه جر رأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة .
فإن قيل : فلماذا قال { ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى } .
قلنا : الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل ، فقال له { ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى } وما أطاعوني في ترك عبادة العجل ، وقد نهيتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل ، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي به فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام .
وأما قوله تعالى { ابن أُمَّ } فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { ابن أُمَّ } بكسر الميم ، وفي طه مثله على تقدير ( أمي ) فحذف ياء الإضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الإضافة ، كقوله : { ياعِبَادِ } والباقون بفتح الميم في السورتين ، وفيه قولان : أحدهما : أنهما جعلا اسماً واحداً وبنى لكثرة أصطحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضرموت وخمسة عشر . وثانيهما : أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة ، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر : (7/256)
يا ابنة عما لا تلومي واهجعي ... وقوله : { إِنَّ القوم استضعفونى } أي لم يلتفتوا إلى كلامي وكادوا يقتلونني ، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين ، الذين عبدوا العجل أي لا تجعلني شريكاً لهم في عقوبتك لهم على فعلهم ، فعند هذا قال موسى عليه السلام : { رَبّ اغفر لِى } أي فيما أقدمت عليه من هذا الغضب والحدة { وَلأَخِى } في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل { وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } .
واعلم أن تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه . والله أعلم .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل . (7/257)
واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف ، والتقدير : اتخذوا العجل إلهاً ومعبوداً ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى : { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى } [ طه : 88 ] وللمفسرين في هذه الآية طريقان : الأول : أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل ، وهم الذين قال فيهم : { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } وعلى هذا التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب الله عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } .
والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله : { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } هو أنهم قد ضلوا فذلوا .
فإن قالوا : السين في قوله : { سَيَنَالُهُمْ } للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا؟
قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقاً على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار .
والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان :
الوجه الأول : أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب . يقولون للأبناء : فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم ، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } في الآخرة { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } كما قال تعالى في صفتهم : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } [ لبقرة : 61 ] .
والوجه الثاني : أن يكون التقدير { إِنَّ الذين اتخذوا العجل } أي الذين باشروا ذلك { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه .
أما قوله تعالى : { وكذلك نَجْزِى المفترين } فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله .
أما قوله تعالى : { والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ } فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولاً ، وذلك بأن يتركها أولاً ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانياً : يؤمن بالله تعالى ، ويصدق بأنه لا إله غيره { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله : { والذين عَمِلُواْ السيئات } يتناول الكل . والتقدير : أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ، والله أعلم .
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما كان منه عند سكوت الغضب . (7/258)
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب } أقوال :
القول الأول : أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان يقويه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، وألق الألواح وخذ برأس أخيك إليك ، فلما زال الغضب ، صار كأنه سكت .
والقول الثاني : وهو قول عكرمة ، أن المعنى : سكت موسى عن الغضب وقلب كما قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة .
القول الثالث : المراد بالسكوت السكون والزوال ، وعلى هذا جاز { سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب } ولا يجوز صمت لأن { سَكَتَ } بمعنى سكن ، وأما صمت فمعناه سد فاه عن الكلام ، وذلك لا يجوز في الغضب .
المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه هرون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره ، فعند ذلك سكن غضبه . وهو الوقت الذي قال فيه : { رَبِّ اغفر لِى وَلأَخِى } [ الأعراف : 151 ] وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه ، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما فعله من الأمرين ، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه .
المسألة الثالثة : قوله : { أَخَذَ الالواح } المراد منه الألواح المذكورة في قوله تعالى : { وَأَلْقَى الالواح } [ الأعراف : 150 ] وظاهر هذا يدل على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل ، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله : { وَفِى نُسْخَتِهَا } النسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا كتبت كتاباً عن كتاب حرفاً بعد حرف . قلت : نسخت ذلك الكتاب ، كأنك نقلت ما في الأصل إلى الكتاب الثاني . قال ابن عباس : لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً ، فأعاد الله تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى ، فعلى هذا قوله : { وَفِى نُسْخَتِهَا } أي وفيما نسخ منها . وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها ، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضاً تكون نسخاً على هذا التقدير وقوله : { هُدًى وَرَحْمَةٌ } أي { هُدًى } من الضلالة { وَرَحْمَةٌ } من العذاب { لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } يريد الخائفين من ربهم .
فإن قيل : التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله : { لِرَبِّهِمْ } .
قلنا فيه وجوه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية ، ونظيره قوله : { لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } [ يوسف : 43 ] الثاني : أنها لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة . الثالث : أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول ، وإن كان الفعل متعدياً كقولك قرأت في السورة وقرأت السورة ، وألقى يده وألقى بيده ، وفي القرآن { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى } [ العلق : 14 ] وفي موضع آخر { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله } فعلى هذا قوله { لِرَبِّهِمْ } اللام صلة وتأكيد كقوله : { رَدِفَ لَكُم } وقد ذكرنا مثل هذا في قوله : { وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } [ آل عمران : 73 ] .
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
في هذه الآية مسائل : (7/259)
المسألة الأولى : الاختيار : افتعال من لفظ الخير يقال : اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ، وأصل اختار : اختير ، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفاً نحو قال وباع ، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما ، مختار ، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفاً فاستويا في اللفظ . وتحقيق الكلام فيه أن نقول : إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية صالحة للفعل والترك ، وصالحة للفعل ولضده ، وما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع أن يصير مصدراً لأحد الجانبين دون الثاني ، وإلا لزم رجحان الممكن من غير مرجح ، وهو محال ، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعاً زائداً وصلاحاً راجحاً ، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده . فعند حصول هذا الاعتقاد في القلب يصير الفعل راجحاً على الترك ، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيراً من الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلاً ، فلما كان صدور الفعل عن الحيوان موقوفاً على حكمه بكون ذلك الفعل خيراً من تركه ، لا جرم سمى الفعل الحيواني فعلاً اختيارياً والله أعلم .
فإن قيل : إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور .
فنقول : إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل ، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر الأعظم يكون خيراً لا شراً . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم .
المسألة الثانية : قال جماعة النحويين : معناه واختار موسى من قومه سبعين . فحذفت كلمة «من» ووصل الفعل فنسب ، يقال : اخترت من الرجال زيداً واخترت الرجال زيداً ، وأنشدوا قول الفرزدق :
ومنا الذي اختار الرجال سماحة ... وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول الثاني ، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيداً وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر :
أستغفر الله ذنباً لست أحصيه ... ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... والله أعلم .
وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم وقوله : { سَبْعِينَ رَجُلاً } عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من التكلفات .
المسألة الثالثة : ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا ، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع . وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخاً ، فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ، ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى الميقات .
المسألة الرابعة : هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر؟ فيه أقوال للمفسرين : (7/260)
القول الأول : إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا : إنه عليه السلام خرج بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام ، حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام . ودخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا ، فدنوا ، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجداً ، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل . ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية وقالوا { يا موسى لَن نُؤمِنَ لَكَ حَتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } [ البقرة : 55 ] وهي المراد من الرجفة المذكورة في هذه الآية ، فقال موسى عليه السلام : { رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } فالمراد منه قولهم : { أَرِنَا الله جَهْرَةً } .
والقول الثاني : أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام وطلب الرؤية ، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن هؤلاء السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند اشتغالهم بعبادة العجل . وثانيها : أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل . وثالثها : أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ، ولا تعطيه أحداً بعدنا ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك الكلام فأخذتهم الرجفة . واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور : الأول : أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة العجل ثم أتبعها بهذه القصة ، وظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عوداً إلى تتمة الكلام في القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في موضع واحد . ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ما ذكر بعض القصة ، ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الأولى ، فإنه يوجب نوعاً من الخبط والاضطراب ، والأولى صون كلام الله تعالى عنه . الثاني : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر هناك منكر ، إلا أنهم { قَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً } فلو كانت الرجفة المذكورة في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله السفهاء منا؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال : { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة العجل لا بسبب إقدامهم على طلب الرؤية . الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام والرؤية أنه خر موسى صعقاً وأنه جعل الجبل دكاً ، وأما الميقات المذكور في هذه الآية ، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أن موسى عليه السلام أخذته الرجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذي قال لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر . واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى :
{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } [ الأعراف : 143 ] فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات مخصوص بذلك الميقات ، فلما قال في هذه الآية : { واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا } وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات . (7/261)
وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف ، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول الأول أقوى . والله أعلم .
والوجه الثالث : في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل ، فنام هرون فتوفاه الله تعالى ، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هرون ، فاختار موسى قومه سبعين رجلاً وذهبوا إلى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما قتلني أحد ، فأخذتهم الرجفة هنالك ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . والله أعلم .
المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الرجفة فقيل : إنها رجفة أوجبت الموت . قال السدي : قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم يبق معي منهم واحد؟ فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم بعد ذلك؟ فأحياهم الله تعالى . فمعنى قوله : { لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى } أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا ، فقال لربه : لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا للميقات ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني .
والقول الثاني : أن تلك الرجفة ما كانت موتاً ، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وتنقصم ظهورهم ، وخاف موسى عليه السلام الموت ، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم تلك الرجفة .
أما قوله : { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } فقال أهل العلم : إنه لا يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوماً بذنوب غيرهم ، فيجب تأويل الآية ، وفيه بحثان : الأول : أنه استفهام بمعنى الجحد ، وأراد أنك لا تفعل ذلك . كما تقول : أتهين من يخدمك؟ أي لا تفعل ذلك . الثاني : قال المبرد : هو استفهام استعطاف ، أي لا تهلكنا .
وأما قوله : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } فقال الواحدي رحمه الله : الكناية في قوله : { هِىَ } عائدة إلى الفتنة كما تقول : إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند . والمعنى : أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها قوماً فافتتنوا ، وعصمت قوماً عنها فثبتوا على الحق ، ثم أكد بيان أن الكل من الله تعالى ، فقال : { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشآءُ } ثم قال الواحدي : وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر . قالت المعتزلة : لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل؛ تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين ، ولأنه تعالى قال : { تُضِلُّ بِهَا } أي بالرجفة ، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها ، فوجب حمل هذه الآية على التأويل . فأما قوله : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } فالمعنى : امتحانك وشدة تعبدك ، لأنه لما أظهر الرجفة كلفهم بالصبر عليها . (7/262)
وأما قوله : { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ } ففيه وجوه : الأول : تهدي بهذا الامتحان إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الإيمان ، وتعاقب من تشاء بشرط أن لا يؤمن ، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه . والثاني : أن يكون المراد بالإضلال الإهلاك ، والتقدير : تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها عمن تشاء . والثالث : أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى ، وضلال من ضل ، جاز أن يضافا إليه .
واعلم أن هذه التأويلات متسعة ، والدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن يكون المراد ما ذكرناه ، وتقريرها من وجوه : الأول : أن القدرة الصالحة للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف الآخر ، إلا لأجل داعية مرجحة ، وخالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وعند حصول تلك الداعية يجب الفعل وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من الله تعالى وأن الإضلال من الله تعالى . الثاني : أن أحداً من العقلاء لا يريد إلا الإيمان والحق والصدق ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل واحد مؤمناً محقاً ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى . الثالث : أنه لو كان حصول الهداية والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده الاعتقاد الحق عن الاعتقاد الباطل ، امتنع أن يخص أحد الاعتقادين بالتحصيل والتكوين ، لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق وأن الآخر هو الباطل ، يقتضي كونه عالماً بذلك المعتقد أولاً كما هو عليه ، فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلاً ، وذلك يقتضي كون الشيء مشروطاً بنفسه وأنه محال ، فثبت أنه يمتنع أن يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد ، وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة والله أعلم .
ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك : { أَنتَ وَلِيُّنَا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } واعلم أن قوله : { أَنتَ وَلِيُّنَا } يفيد الحصر ، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت ، وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله : { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ } وقوله : { فاغفر لَنَا وارحمنا } المراد منه أن إقدامه على قوله : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } جراءة عظيمة ، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله : { وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلباً للثناء الجميل أو للثواب الجزيل ، أو دفعاً للربقة الخسيسة عن القلب ، وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر ، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض ، بل لمحض الفضل والكرم ، فوجب القطع بكونه { خَيْرُ الغافرين } والله أعلم . (7/263)
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة . فقوله : { واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً } معناه أنه قرر أولاً أنه لا ولى له إلا الله تعالى وهو قوله : { أَنتَ وَلِيُّنَا } ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران : أحدهما : دفع الضرر . والثاني : تحصيل النفع ، ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع ، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر ، وهو قوله : { فاغفر لَنَا وارحمنا } ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله : { واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة } وقوله : { واكتب } أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة حَسَنَةً } [ البقرة : 201 ] . (7/264)
واعلم أن كونه تعالى ولياً للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته ، وأيضاً اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء ، فذكر السبب الأول أولاً ، وهو كونه تعالى ولياً له وفرع عليه طلب هذه الأشياء ، ثم ذكر بعده السبب الثاني ، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال : { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } قال المفسرون : { هُدْنَا } أي تبنا ورجعنا إليك ، قال الليث : «الهود» التوبة ، وإنما ذكر هذا السبب أيضاً لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلهاً ورباً وولياً ، وكوننا عبيداً له تائبين خاضعين خاشعين ، فالأول : عهد عزة الربوبية . والثاني : عهد ذلة العبودية ، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما . ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جواباً لموسى عليه السلام ، فقال تعالى قال : { عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشآءُ } معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي ، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه ، وقرأ الحسن { مَنْ أَسَاء } من الإساءة ، واختار الشافعي هذه القراءة وقوله : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } فيه أقوال كثيرة . قيل المراد من قوله : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل ، وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } وقيل : الوجود خير من العدم ، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده ، وقيل الخير مطلوب بالذات ، والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب ، وما بالعرض مرجوح مغلوب ، وقال المعتزلة : الرحمة عبارة عن إرادة الخير ، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعاً أو متمكناً من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة ، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } وقال أصحابنا قوله : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ } من العام الذي أريد به الخاص ، كقوله :
{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل : 23 ] . (7/265)
أما قوله : { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاوة والذين هم بئاياتنا يؤمنون } .
فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك ، وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها ، والاحتراز عنها والاتقاء منها ، وهذا النوع إليه الإشارة بقوله : { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } والثاني : الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه .
أما القسم الأول : فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله : { وَيُؤْتُونَ الزكواة } .
وأما القسم الثاني : فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً وعملاً أما العلم فالمعرفة ، وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله : { والذين هُم بئاياتنا يُؤْمِنُونَ } ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ البقرة : 2 ، 3 ] .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات ، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع { النبى الأمى الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل } واختلفوا في ذلك فقال بعضهم : المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة ، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق ، وقال في قوله : { والإنجيل } أن المراد سيجدونه مكتوباً في الإنجيل ، لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل ، وقال بعضهم : بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي . والقول الثاني أقرب ، لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن . فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى ، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعاً للنبي الأمي في شرائعه . (7/266)
إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصف محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع .
الصفة الأولى : كونه رسولاً ، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف .
الصفة الثانية : كونه نبياً ، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى .
الصفة الثالثة : كونه أمياً . قال الزجاج : معنى { الأمى } الذي هو على صفة أمة العرب . قال عليه الصلاة والسلام : « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه أمياً . قال أهل التحقيق وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير . فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى } [ الأعلى : 6 ] والثاني : أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهماً في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة ، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله :
{ وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارتاب المبطلون } [ العنكبوت : 48 ] الثالث : أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى ، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ، ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً ، فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات . (7/267)
الصفة الرابعة : قوله تعالى : { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل } وهدا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل ، لأن ذلك لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله ، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفِّرات ، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله ، وينفر الناس عن قبول قوله : فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت كان مذكوراً في التوراة والإنجيل وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته .
الصفة الخامسة : قوله : { يَأْمُرُهُم بالمعروف } قال الزجاج : يجوز أن يكون قوله : { يَأْمُرُهُم بالمعروف } استئنافاً ، ويجوز أن يكون المعنى { يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ } أنه { يَأْمُرُهُم بالمعروف } وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة في قوله عليه الصلاة والسلام : « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته . أما الواجب لذاته فهو الله جل جلاله ، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً ، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث أن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام . ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة والسلام : « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله » كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف .
الصفة السادسة : قوله : { وينهاهم عَنِ المنكر } والمراد منه أضداد الأمور المذكورة وهي عبادة الأوثان ، والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما أنزل الله على النبيين ، وقطع الرحم ، وعقوق الوالدين . (7/268)
الصفة السابعة : قوله تعالى : { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات } من الناس من قال : المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير . الثاني : أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة ، لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة ، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل .
الصفة الثامنة : قوله تعالى : { وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } قال عطاء عن ابن عباس ، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله : { ذلكم فِسْقٌ } وأقول : كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سبباً للألم ، والأصل في المضار الحرمة ، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدليل منفصل . وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه الله تحريم بيع الكلب ، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الصحيحين أنه قال : « الكلب خبيث ، وخبيث ثمنه » وإذا ثبت أن ثمنه خبيث وجب أن يكون حراماً لقوله تعالى : { وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } وأيضاً الخمر محرمة لأنها رجس بدليل قوله : { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله : { رِجْسٌ } [ المائدة : 90 ] والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث حرام لقوله تعالى : { وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } .
الصفة التاسعة : قوله تعالى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ( وحده آصارهم ) على الجمع ، والباقون { إِصْرَهُمْ } على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد إلى الكثرة ، كما قال : { وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم } [ البقرة : 20 ] ومن جمع ، أراد ضروباً من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله : { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } [ الأحزاب : 10 ] .
المسألة الثانية : الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك لثقله ، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله : { والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضار الخاطئة ، وتتبع العروق من اللحم وجعلها الله أغلالاً ، لأن التحريم يمنع من الفعل ، كما أن الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعاً لله تعالى ، فعلى هذا القول الأغلال غير مستعارة .
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن كل ما كان ضرراً كان إصراً وغلاً ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا نظير لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا ضرر ولا ضرار " في الإسلام ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " وهو أصل كبير في الشريعة . (7/269)
واعلم أنه لما وصف محمداً عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال بعده : { فالذين ءامَنُواْ بِهِ } قال ابن عباس : يعني من اليهود { وَعَزَّرُوهُ } يعني وقروه . قال صاحب «الكشاف» : أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة القبيح .
ثم قال تعالى : { وَنَصَرُوهُ } أي على عدوه { واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ } وهو القرآن . وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور .
فإن قيل : كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ، وإنما أنزل مع جبريل .
قلنا : معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن .
ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات { قَالَ أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } أي هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
اعلم أنه تعالى لما قال : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } ثم بين تعالى أن من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين ، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي ، حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية . فقال : { قُلْ يا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وفي هذه الكلمة مسألتان : (7/270)
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى جميع الخلق . وقال طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني : أن محمداً رسول صادق مبعوث إلى العرب . وغير مبعوث إلى بني إسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم؛ هذه الآية . لأن قوله : { أَيُّهَا الناس } خطاب يتناول كل الناس .
ثم قال : { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } وهذا يقتضي كونه مبعوثاً إلى جميع الناس ، وأيضاً فما يعلم بالتواتر من دينه ، أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى كل العالمين . فأما أن يقال : إنه كان رسولاً حقاً أو ما كان كذلك ، فإن كان رسولاً حقاً ، امتنع الكذب عليه . ووجب الجزم بكونه صادقاً في كل ما يدعيه ، فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثاً إلى جميع الخلق ، وجب كونه صادقاً في هذا القول ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه كان مبعوثاً إلى العرب فقط ، لا إلى بني إسرائيل .
وأما قول القائل : إنه ما كان رسولاً حقاً ، فهذا يقتضي القدح في كونه رسولاً إلى العرب وإلى غيرهم ، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل متناقض .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { ياأيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك ، أما الأولون فقالوا : إنه دخله التخصيص من وجهين : الأول : أنه رسول إلى الناس إذاكانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن رسولاً إليهم ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال : « رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق » والثاني : أنه رسول الله إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه ، حتى يمكنه عند ذلك متابعته ، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته ، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين :
أما الأول : فتقريره أن قوله : { يا أَيُّهَا الناس } خطاب وهذا الخطاب لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس الذين دخلوا تحت قوله : { يا أَيُّهَا الناس } ليسوا إلا المكلفين من الناس ، وعلى هذا التقدير فلم يلزم أن يقال : إن قوله : { يا أَيُّهَا الناس } عام دخله التخصيص .
وأما الثاني : فلأنه يبعد جداً أن يقال : حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وخبر معجزاته وشرائعه ، وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص . (7/271)
المسألة الثانية : هذه الآية وإن دلت على أن محمداً عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق ، بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثاً إلى كل الخلق أم لا؟ إلى سائر الدلائل . فنقول : تمسك جمع من العلماء في أن أحداً غيره ما كان مبعوثاً إلى كل الخلق لقوله عليه الصلاة والسلام : « أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ، أرسلت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي . وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي »
ولقائل أن يقول : هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب ، لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه ، وأيضاً قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع أولاده ، وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثاً إلى جميع الناس ، وأن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة ، كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه ، مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم .
أما قوله تعالى : { الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى .
واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة .
الأصل الأول : إثبات أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً . والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى : { الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } وذلك لأن أجسام السموات والأرض ، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر ، من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم ، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير ، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل ، لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده ، أو إن حصل له مؤثر ، لكن كان ذلك المؤثر موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكناً .
والأصل الثاني : إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند ، وإليه الإشارة بقوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل ، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان ، وأرسل أحد الإلهين نبياً إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقاً له ، بل كان مخلوقاً للإله الثاني ، وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته ، فكان بعثة الرسول إليه ، وإيجاب الطاعة عليه ظلماً وباطلاً . أما إذا ثبت أن الإله واحد ، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيداً له ، ويكون تكليفه في الكل نافذاً وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازماً ، فثبت أن ما لم يثبت كون الإله تعالى واحداً لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكاليف جائزاً .
والأصل الثالث : إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة ، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك ، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثاً ولغواً ، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله : { يُحْىِ وَيُمِيتُ } لأنه لما أحيا أولاً ، ثبت كونه قادراً على الإحياء ثانياً ، فيكون قادراً على الإعادة والحشر والنشر ، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاماً عظيماً ، فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائماً مقام الشكر عن الإحياء الأول ، وأيضاً لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني ، فحينئذ يكون قادراً على إيصال الجزاء إليه . (7/272)
واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه ، وأيضاً إنه منعم على الكل بأعظم النعم ، وأيضاً إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم ، وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام ، في أنه يحسن منه تكليف الخلق ، أما بحسب السبب الأول ، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ، وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة ، وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة ، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل ، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف ، فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهاً حياً عالماً قادراً ، وعلى أن هذا الإله واحد ، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب .
واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله : { فَئَامِنُواْ بالله ورسوله } وهذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه لما بين أولاً أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن ، أردفه بذكر أن محمداً رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولاً ، ثم حصوله ثانياً ، ثم إنه بدأ بقوله : { فئامنوا بالله } لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل ، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه ، والأصل يجب تقديمه . فلهذا السبب بدأ بقوله : { فَئَامنوا بالله } ثم أتبعه بقوله : { وَرَسُولِهِ النبى الامى الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته } .