صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
الوجه الثاني : في تقرير هذه الطريقة أن الإله القادر على كل الممكنات العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم ، فلو قدرنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون فاعلاً وموجوداً لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون ، والأول باطل ، لأنه لما كان كل واحد منهما قادراً على جميع الممكنات فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر عن تحصيل مقدوره ، وذلك يوجب كون كل واحد منهما سبباً لعجز الآخر وهو محال . وإن كان الثاني لا يفعل فعلاً ولا يوجد شيئاً كان ناقصاً معطلاً ، وذلك لا يصلح للإلهية . (6/413)
والوجه الثالث : في تقرير هذه الطريقة أن نقول : إن هذا الإله الواحد لا بد وأن يكون كاملاً في صفات الإلهية ، فلو فرضنا إلهاً ثانياً لكان ذلك الثاني إما أن يكون مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون ، فإن كان مشاركاً للأول في جميع صفات الكمال فلا بد وأن يكون متميزاً عن الأول بأمر ما ، إذ لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والإثنينية ، وإذا حصل الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون . فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهما ، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال ، فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نفصان ، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد ، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد . وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة .
المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا بقوله : { خالق كُلّ شَىْء } على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا : أعمال العباد أشياء ، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقاً لها واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب «الجبر والقدر» ، ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة . قالت المعتزلة : هذا اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم . فأحدهما : أنه تعالى قال : { خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه } فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله : { خالق كُلّ شَىْء } لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى . ومعلوم أن ذلك فاسد . وثانيها : أنه تعالى إنما ذكر قوله : { خالق كُلّ شَىْء } في معرض المدح والثناء على نفسه ، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحاً وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر . وثالثها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية :
{ قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } [ الأنعام : 104 ] ، وهذا تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك ، وأنه لا مانع له ألبتة من الفعل والترك ، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقاً لله تعالى لما كان العبد مستقلاً به ، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع ، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل . فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلاً بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى ، ثبت أن ذكر قوله : { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } يوجب تخصيص ذلك العموم . ورابعها : أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم . أحدهما يفعل اللذات والخيرات ، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك : { لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء } يجب أن يكون محمولاً على إبطال ذلك المذهب ، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام ، فإذا حملنا قوله : { خالق كُلّ شَىْء } على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد . قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى : { خالق كُلّ شَىْء } . (6/414)
والجواب : أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية . وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى ، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقاً لأفعال العباد ، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه } يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقاً لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية ، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقاً للأشياء هو الموجب لكونه معبوداً على الإطلاق ، والإله هو المستحق للمعبودية ، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع .
المسألة الخامسة : احتج كثير من المعتزلة بقوله : { خالق كُلّ شَىْء } على نفي الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقاً . أما نفي الصفات فلأنهم قالوا : لو كان تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة ، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال : إنهما قديمان . أو محدثان ، والأول باطل . لأن عموم قوله : { خالق كُلّ شَىْء } يقتضي كونه خالقاً لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه ، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه ، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم ، وأنه لا يجوز . والثاني : وهو القول بحدوث علم الله وقدرته . فهو باطل بالإجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى ، وأن ذلك محال . وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً . فقالوا : القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم . فلزم كون القرآن مخلوقاً لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى ، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .
وجواب أصحابنا عنه : أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة ، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى قديم . (6/415)
المسألة السادسة : قوله تعالى : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } المراد منه أن يحصل للعبد كمال التوحيد وتقريره ، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله إلا هو ، وأنه لا مدبر إلا الله تعالى ، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب .
وسمعت الشيخ الإمام الزاهد الوالد رحمه الله يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب . وإذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة ، فتارة يعتمد على الأمير ، وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير ، فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير الأحزان ، والحق تعالى قال : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ إلا الله ، ولا مصلح للمهمات إلا الله ، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ، ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه .
المسألة السابعة : أنه قال قبل هذه الآية بقليل { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } [ الأنعام : 101 ] وقال ههنا { خالق كُلّ شَىْء } وهذا كالتكرار .
والجواب من وجوه : الأول : أن قوله : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } إشارة إلى الماضي .
أما قوله : { خالق كُلّ شَىْء } فهو اسم الفاعل ، وهو يتناول الأوقات كلها ، والثاني : وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } ليجعله مقدمة في بيان نفي الأولاد ، وههنا ذكر قوله : { خالق كُلّ شَىْء } ليجعله مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو ، والحاصل أن هذه المقدمة مقدمة توجب أحكاماً كثيرة ونتائج مختلفة ، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة ، ليفرع عليها في كل موضع ما يليق بها من النتيجة .
المسألة الثامنة : لقائل أن يقول : الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً ، فقوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } معناه لا يستحق العبادة إلا هو ، فما الفائدة في قوله بعد ذلك { فاعبدوه } فإن هذا يوهم التكرير .
والجواب : قوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } أي لا يستحق العبادة إلا هو ، وقوله : { فاعبدوه } أي لا تعبدوا غيره . (6/416)
المسألة التاسعة : القوم كانوا معترفين بوجود الله تعالى كما قال : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وما أطلقوا لفظ الله على أحد سوى الله سبحانه ، كما قال تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] فقال : { ذلكم الله رَبُّكُمُ } [ إبراهيم : 34 ] أي الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم ذكرها هو الله تعالى ، ثم قال بعده : { رَبُّكُمْ } يعني الذي يربيكم ويحسن إليكم بأصناف التربية ووجوه الإحسان ، وهي أقسام بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها ، كما قال : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } .
ثم قال : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } يعني أنكم لما عرفتم وجود الإله المحسن المتفضل المتكرم فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه .
ثم قال : { خالق كُلّ شَىْء } يعني إنما صح قولنا : لا إله سواه ، لأنه لا خالق للخلق سواه ، ولا مدبر للعالم إلا هو . فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد .
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)
في هذه الآية مسائل : (6/417)
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه : الأول : في تقرير هذا المطلوب أن نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته .
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة .
أما المقام الأول : فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } وذلك مما يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية .
وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته . والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء . أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة . فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته .
وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته . فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلاً . فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية .
الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئاً ألبتة في موضع من المواضع . بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } يقتضي كونه تعالى مبصراً لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه . وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه ، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصاراً قلنا : قوله تعالى : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } المراد منه إما نفس البصر أو المبصر ، وعلى التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصراً لأبصار نفسه ، وكونه مبصراً لذات نفسه . وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق .
الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ { الأبصار } صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار ، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب . (6/418)
إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم .
فإذا قيل : إن محمداً صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول : هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثاً ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب .
الوجه الرابع : في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول : إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة ، واحتج عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزاً في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة .
المسألة الثانية : في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية .
اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين : الأول : أنهم قالوا : الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، بدليل أن قائلاً لو قال أدركته ببصري وما رأيته ، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضاً ، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان : الأول : يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله . فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال . وذلك يدل على أن أحداً لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال . (6/419)
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية ، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال ، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علماً بلغة العرب . فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب .
الوجه الثاني : في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا : إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء ، وقوله بعد ذلك : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } أيضاً مدح وثناء فوجب أن يكون قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } مدحاً وثناء ، وإلا لزم أن يقال : إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء ، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله .
إذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً في حق الله تعالى ، والنقص على الله تعالى محال ، لقوله : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] وقوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] وقوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [ الإخلاص : 3 ] إلى غير ذلك . فوجب أن يقال كونه تعالى مرئياً محال .
واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله : { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } [ آل عمران : 108 ] وقوله : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم ، فذكروا هذا القيد دفعاً لهذا النقض عن كلامهم . فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب .
والجواب عن الوجه الأول من وجوه : الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه : أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى : { قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء : 61 ] أي لملحقون وقال : { حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق } [ يونس : 90 ] أي لحقه ، ويقال : أدرك فلان فلاناً ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت . فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء .
إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته . صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية إدراكاً ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكاً . فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة . ورؤية لا مع الإحاطة . والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي نوع واحد من نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس . فلم يلزم من نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم . (6/420)
فإن قالوا لما بينتم أن الإدراك أمر مغاير للرؤية فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسكتم بها في هذه الآية في إثبات الرؤية على الله تعالى .
قلنا : هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات الأعم . وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم . فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا .
الوجه الثاني : في الاعتراض أن نقول : هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير ، وعموم النفي غير ، وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبينا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص ، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال . وأما قوله إن عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع فيه إلى التقليد ، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يفيد نفي العموم . وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي ، فسقط كلامهم .
الوجه الثالث : أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً ، وإذا كان كذلك فقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يفيد أن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه ، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى ، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله؟
الوجه الرابع : سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن عمرو يقول به؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة .
الوجه الخامس : هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات رؤية الله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام ، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا؟ (6/421)
الوجه السادس : أن نقول بموجب الآية فنقول : سلمنا أن الأبصار لا تدرك الله تعالى ، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى؟ فهذا مجموع الأسئلة على الوجه الأول ، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته ، بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته ، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته ، وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية ، ثم نقول : إن النفي يمتنع أن يكون سبباً لحصول المدح والثناء ، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والثناء والعلم به ضروري ، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح والثناء . قيل : بأن ذلك النفي يوجب المدح . ومثاله أن قوله : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي . فإن الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات أبداً من غير تبدل ولا زوال وكذلك قوله : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام : 14 ] يدل على كونه قائماً بنفسه غنياً في ذاته لأن الجماد أيضاً لا يأكل ولا يطعم .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار } يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء ، وذلك هو الذي قلناه ، فإنه يفيد كونه تعالى قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ورؤيته . وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه .
المسألة الثالثة : اعلم أن القاضي ذكر في «تفسيره» وجوهاً أخرى تدل على نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم التفسير وخوض في علم الأصول ، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ثم نذكر لأصحابنا وجوهاً دالة على صحة الرؤية . أما القاضي فقد تمسك بوجوه عقلية أولها : أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل الحجاب ويكون المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية ، إذ لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة .
قالوا إذا ثبت هذا فنقول : إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع ، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته . وهذان المعنيان حاصلان في هذا الوقت . فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته في هذا الوقت . وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية . (6/422)
والحجة الثانية : أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك ، فوجب أن تمتنع رؤيته .
والحجة الثالثة : قال القاضي : ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب .
والحجة الرابعة : قال القاضي : إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل ، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضاً باطل ، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد . وأيضاً فرؤيته أعظم اللذات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبداً . فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة . فهذا مجموع ما ذكره في «كتاب التفسير» . واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف .
أما الوجه الأول : فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة ، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام .
وأما الوجه الثاني : فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي ، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهياً لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء . وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهياً كان الاشتغال بذكر الدليل عبثاً فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة . وإن كان الثاني فنقول : قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى ، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم : الدليل على أن ما لا يكون مقابلاً ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته ، أن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل ، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى .
وأما الوجه الثالث : فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت ، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار فلو رجعت في إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبلات ولا نراها ولا نسمعها ، كان هذا رجوعاً إلى الطريقة الأولى ، وقد سبق جوابها . (6/423)
وأما الوجه الرابع : فيقال لم لا يجوز أن يقال : إن المؤمنين يرون الله تعالى في حال دون حال . أما قوله فهذا يقتضي أن يقال : إنه تعالى مرة يقرب ومرة يبعد ، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا عند الشرائط المذكورة ، وهو عود إلى الطريق الأول ، وقد سبق جوابه ، وقوله ثانياً : الرؤية أعظم اللذات ، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال إنهم يشتهونها في حال دون حال ، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا . فهذا تمام الكلام في الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب .
المسألة الرابعة : في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى ونحن نعدها هنا عدا ، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها . فالأول : أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى ، وذلك يدل على جواز رؤية الله تعالى . والثاني : أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال : { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } [ الأعراف : 143 ] واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز ، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء الله تعالى في سورة الأعراف .
الحجة الثالثة : التمسك بقوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } من الوجوه المذكورة .
الحجة الرابعة : التمسك بقوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى } [ يونس : 26 ] وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس .
الحجة الخامسة : التمسك بقوله تعالى : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } [ الكهف : 110 ] وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مراراً وأطواراً .
الحجة السادسة : التمسك بقوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } [ الإنسان : 20 ] فإن إحدى القراآت في هذه الآية : { ملكاً } بفتح الميم وكسر اللام ، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى . وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها .
الحجة السابعة : التمسك بقوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [ المطففين : 15 ] وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية الله عز وجل .
الحجة الثامنة : التمسك بقوله تعالى :
{ وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى * عِندَ سِدْرَةِ المنتهى } [ النجم : 13 ، 14 ] وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم . (6/424)
الحجة التاسعة : أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه ، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية . فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى : { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } [ فصلت : 31 ] .
الحجة العاشرة : قوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً } [ الكهف : 107 ] دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلاً للمؤمنين ، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز ، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالاً من ذلك النزل ، وما ذاك إلا الرؤية .
الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة : 22 ، 23 ] وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب . وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام : « سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته » واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي ، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس : 26 ] فقال الحسنى هي الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله ، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة المعراج ، ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة ، وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلاً في رؤية الله تعالى ، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية .
المسألة الخامسة : دل قوله تعالى : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها . وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار . أو المراد منه المبصرين ، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائياً لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين ، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات . وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائياً للمبصرين ، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصراً للمبصرات رائياً للمرئيات .
المسألة السادسة : قوله تعالى : { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى ، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائياً للمرئيات ومبصراً للمبصرات ومدركاً للمدركات ، أمر عجيب وماهية شريفة ، لا يحيط العقل بكنهها . ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها ، فيكون المعنى من قوله : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته ، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته ، فكلت الأبصار عن إدراكه ، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته ، وكما أن شيئاً لا يحيط به ، فعلمه محيط بالكل ، وإدراكه متناول للكل ، فهذا كيفية نظم هذه الآية .
المسألة السابعة : قوله : { وَهُوَ اللطيف الخبير } اللطافة ضد الكثافة ، والمراد منه الرقة ، وذلك في حق الله ممتنع ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو من وجوه : (6/425)
الوجه الأول : المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة ، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى .
الوجه الثاني : أنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة .
والوجه الثالث : أنه لطيف بعباده ، حيث يثني عليهم عند الطاعة ، ويأمرهم بالتوبة عند المعصية ، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة .
الوجه الرابع : أنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم ، وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم . وأما الخبير : فهو من الخبر وهو العلم ، والمعنى أنه لطيف بعباده مع كونه عالماً بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والإقدام على القبائح ، وقال صاحب «الكشاف» { اللطيف } معناه : أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار { الخبير } بكل لطيف ، فهو يدرك الأبصار ، ولا يلطف شيء عن إدراكه ، وهذا وجه حسن .
قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)
في الآية مسائل : (6/426)
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة ، والدلائل القاهرة في هذه المطالب العالية الشريفة الإلهية . عاد إلى تقرير أمر الدعوى والتبليغ والرسالة فقال : { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } والبصائر جمع البصيرة ، وكما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين التي في الرأس ، فالبصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب . قال تعالى : { بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } [ القيامة : 14 ] أي له من نفسه معرفة تامة ، وأراد بقوله : { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } الآيات المتقدمة ، وهي في أنفسها ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلالتها توجب البصائر لمن عرفها ، ووقف على حقائقها ، فلما كانت هذه الآيات أسباباً لحصول البصائر . سميت هذه الآيات أنفسها بالبصائر ، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا يتعلق به .
أما القسم الأول : وهو الذي يتعلق بالرسول ، فهو الدعوة إلى الدين الحق ، وتبليغ الدلالة والبينات فيها ، وهو أنه عليه السلام ما قصر في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات عنها ، وهو المراد من قوله : { قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } .
وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يتعلق بالرسول ، فإقدامهم على الإيمان وترك الكفر ، فإن هذا لا يتعلق بالرسول ، بل يتعلق باختيارهم ، ونفعه وضره عائد إليهم ، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر ، وإياها نفع ، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } احفظ أعمالكم وأجازيكم عليها . إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم .
المسألة الثانية : في أحكام هذه الآية ، وهي أربعة ذكرها القاضي : فالأول : الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختياراً استحق بها الثواب لا أن يحمل عليها أو يلجأ إليها ، لأن ذلك يبطل هذا الغرض . والثاني : أنه تعالى إنما دلنا وبين لنا منافع ، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله تعالى . والثالث : أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه ، ولم يؤت إلا من قبله لا من قبل ربه . والرابع : أنه متمكن من الأمرين ، فلذلك قال : { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } قال : وفيه إبطال قول المجبرة في المخلوق ، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة .
واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي ، فلا طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه يهدم كل ما يذكرونه .
المسألة الثالثة : المراد من الإبصار ههنا العلم ، ومن العمي الجهل ، ونظيره قوله تعال : { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } [ الحج : 46 ] .
المسألة الرابعة : قال المفسرون قوله : { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل . قالوا : وهذا إنما كان قبل الأمر بالقتال ، فلما أمر بالقتال صار حفيظاً عليهم ، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية ، وهو بعيد فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه ، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ ، فوجب السعي في تقليله بقدر الإمكان .
وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . (6/427)
فالشبهة الأولى : قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء ، وتنظمه من عند نفسك ، ثم تقرأه علينا ، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى ، ثم أنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة ، فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المراد من قوله : { وكذلك نُصَرّفُ الأيات } يعني أنه تعالى يأتي بها متواترة حالاً بعد حال ، ثم قال : { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } وفيه مباحث :
البحث الأول : حكى الواحدي : في قوله درس الكتاب قولين : الأول : قال الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه ، يدرسه دراساً والدراس الدياس بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه . والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه ، من قولهم درست الثوب أدرسه درساً فهو مدروس ودريس ، أي أخلقته ، ومنه قيل للثوب الخلق دريس لأنه قد لان ، والدراسة الرياضة ، ومنه درست السورة حتى حفظتها ، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين .
البحث الثاني : قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء ، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك ، وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة ، ويقوي هذه القراءة قوله تعالى : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عليه قوم آخرون } [ الفرقان : 4 ] وقرأ ابن عامر { دَرَسْتَ } أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت ، ومضت من الدرس الذي هو تعفي الأثر وإمحاء الرسم ، قال الأزهري من قرأ { دَرَسْتَ } فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس الأثر يدرس دروساً .
واعلم أن صاحب «الكشاف» روى ههنا قراآت أخرى : فإحداها : { دَرَسْتَ } بضم الراء مبالغة في { دَرَسْتَ } أي اشتد دروسها . وثانيها : { دَرَسْتَ } على البناء للمفعول بمعنى قدمت وعفت . وثالثها : { دارست } وفسروها بدارست اليهود محمداً . ورابعها : { درس } أي درس محمد . وخامسها : { دارسات } على معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية .
البحث الثالث : «الواو» في قوله : { وَلِيَقُولُواْ } عطف على مضمر والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه لوضوح معناه .
البحث الرابع : اعلم أنه تعالى قال : { وكذلك نُصَرّفُ الأيات } ثم ذكر الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران : أحدهما قوله تعالى : { وَلِيَقُولُواْ } والثاني قوله : { دَرَسْتَ وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أما هذا الوجه الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والفهم والعلم . وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله : { وَلِيَقُولُواْ دارست } لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول ، وعند هذا الكلام عاد بحث مسألة الجبر والقدر . فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد كفراً على كفر ، وتثبيتاً لبعضهم فيزداد إيماناً على إيمان ، ونظيره قوله تعالى :
{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة : 26 ] وقوله : { وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] وأما المعتزلة فقد تحيروا . قال الجبائي والقاضي : وليس فيه إلا أحد وجهين : الأول : أن يحمل هذا الإثبات على النفي ، والتقدير : وكذلك نصرف الآيات لئلا يقولوا درست . ونظيره قوله تعالى : { يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } ومعناه : لئلا تضلوا . والثاني : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة . والتقدير : أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا القول مستندين إلى اختيارهم ، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل . هذا غاية كلام القوم في هذا الباب . (6/428)
ولقائل أن يقول : أما الجواب الأول فضعيف من وجهين : الأول : أن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته ، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل . والثاني : أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة ، إلا أنه غير لائق ألبتة بهذا الموضع ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات القرآن نجماً نجما ، والكفار كانوا يقولون : إن محمداً يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها ، ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء ، فلم لايأتي بهذا القرآن دفعة واحدة؟ كما أن موسى عليه السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة .
إذا عرفت هذا فنقول : إن تصريف هذه الآيات حالاً فحالاً هي التي أوقعت الشبهة للقوم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم ، إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي والقاضي فإنه يقتضي أن يكون تصريف هذه الآيات حالاً بعد حال يوجب أن يمتنعوا من القول بأن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة . فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول ، مع أنا بينا أن تصريف الآيات ، هو الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام .
وأما الجواب الثاني : وهو حمل اللام على لام العاقبة ، فهو أيضاً بعيد لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز ، وحمله على لام الغرض حقيقة ، والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا : «اللام» في قوله : { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } لام العاقبة في قوله : { وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } للحقيقة فقد حصل تقديم المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز . فثبت بما ذكرنا ضعف هذين الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ومما يؤكد هذا التأويل قوله : { وَلِنُبَيّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء ، فأما الذين لا يعلمون فما بينا هذه الآيات لهم ، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بياناً إلا للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالاً للكافرين وذلك ما قلنا . والله أعلم .
اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)
قوله تعالى : { اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إله إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } . (6/429)
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواماً ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآناً ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى ، أتبعه بقوله : { اتبع مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة ، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة ، ونبه بقوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } على أنه تعالى لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين .
وأما قوله : { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } فقيل : المراد ترك المقابلة ، فلذلك قالوا إنه منسوخ ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد الأمر بتركها دائماً ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ . وقيل المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه ، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ .
قوله تعالى : { وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } .
اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت إلى سفاهات هؤلاء الكفار ، ولا يثقلن عليك كفرهم ، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت ، ولكني تركتهم مع كفرهم ، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم .
واعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى : { وَلَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكُواْ } والمعنى : ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا ، وحيث لم يحصل الجزاء علمنا أنه لم يحصل الشرط ، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير حاصلة . قالت المعتزلة : ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من الكل الإيمان ، وما شاء من أحد الكفر والشرك ، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل الإيمان ، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر وللإلجاء . يعني أنه تعالى ما شاء منهم أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل التكليف ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب . هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب ، وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه : الأول : لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان فخالق تلك القدرة لا شك أنه كان مريداً للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان لم يترجح جانب الكفر على جانب الإيمان إلا عند حصول داع يدعوه إلى الإيمان ، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، ومجموع القدرة مع الداعي إلى الكفر يوجب الكفر ، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى ، وثبت أن مجموعهما يوجب الكفر . ثبت أنه تعالى قد أراد الكفر من الكافر . الثاني : في تقرير هذا الكلام أن نقول : إنه تعالى كان عالماً بعدم الإيمان من الكافر ، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان متضادان ومع وجود أحد الضدين كان حصول الضد الثاني محالاً ، والمحال مع العلم بكونه محالاً غير مراد ، فامتنع أن يقال إنه تعالى يريد الإيمان من الكافر . الثالث : هب أن الإيمان الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان الحاصل بالجبر والقهر إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك الأنفع لا يحصل البتة ، فقد كان يجب في حكمته ورحمته أن يحلق فيه الإيمان على سبيل الإلجاء ، لأن هذا الإيمان وإن كان لا يوجب الثواب العظيم ، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب العظيم ، فترك إيجاد هذا الإيمان فيه على سبيل الإلجاء يوجب وقوعه في أشد العذاب ، وذلك لا يليق بالرحمة والإحسان ومثاله أن من كان له ولد عزيز وكان هذا الأب في غاية الشفقة وكان هذا الولد واقفاً على طرف البحر فيقول الوالد له : غص في قعر هذا البحر لتستخرج اللآلي العظيمة الرفيعة العالية منه ، وعلم الوالد قطعاً أنه إذا غاص في البحر هلك وغرق ، فهذا الأب إن كان ناظراً في حقه مشفقاً عليه وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر ويقول له : اترك طلب تلك اللآلي فإنك لا تحدها وتهلك ، ولكن الأولى لك أن تكتفي بالرزق القليل مع السلامة ، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فهذا يدل على عدم الرحمة وعلى السعي في الإهلاك فكذا ههنا والله أعلم .
واعلم أنه تعالى لما بين أنه لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ختم الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول عليه السلام ، وذلك أنه تعالى بين له قدر ما جعل إليه فذكر أنه تعالى ما جعله عليهم حفيظاً ولا وكيلاً على سبيل المنع لهم ، وإنما فوض إليه البلاغ بالأمر والنهي في العمل والعلم وفي البيان بذكر الدلائل والتنبيه عليها فإن انقادوا للقبول فنفعه عائد إليهم ، وإلا فضرره عائد عليهم وعلى التقديرين فلا يخرج صلى الله عليه وسلم من الرسالة والنبوة والتبليغ . (6/430)
وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)
اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام : إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة ، فنهى الله تعالى عن هذا العمل ، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول ، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال ، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء ، وفي الآية مسائل : (6/431)
المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول الآية وجوهاً : الأول : قال ابن عباس : لما نزل { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] قال المشركون : لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك فنزلت هذه الآية ، أقول : لي ههنا إشكالان : الأول : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال : إن سبب نزول هذه الآية كذا وكذا . الثاني : أن الكفار كانوا مقرين بالإله تعالى وكانوا يقولون : إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى ، وإذا كان كذلك ، فكيف يعقل إقدامهم على شتم الله تعالى وسبه .
والقول الثاني : في سبب نزول هذه الآية . قال السدي : لما قربت وفاة أبي طالب قالت قريش : ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه فلما مات قتلوه . فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث مع جماعة إليه وقالوا له : أنت كبيرنا وخاطبوه بما أرادوا . فدعا محمداً عليه الصلاة والسلام وقال : هؤلاء قومك وبنو عمك يطلبون منك أن تتركهم على دينهم ، وأن يتركوك على دينك فقال عليه الصلاة والسلام : « قولوا لا إله إلا الله » فأبوا فقال أبو طالب : قل غير هذه الكلمة فإن قومك يكرهونها . فقال عليه الصلاة والسلام : « ما أنا بالذي أقول غيرها حتى تأتوني بالشمس فتضعوها في يدي » فقالوا له اترك شتم آلهتنا وإلا شتمناك ، ومن يأمرك بذلك فذلك قوله تعالى : { فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } .
واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فاستحال إقدامهم على شتم الإله بل ههنا احتمالات : أحدها : أنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة . وثانيها : أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى كما في قوله :
{ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] وكقوله : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله } [ الأحزاب : 57 ] وثالثها : أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن شيطاناً يحمله على ادعاء النبوة والرسالة ، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل . (6/432)
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن شتم الأصنام من أصول الطاعات ، فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنها .
والجواب : أن هذا الشتم ، وإن كان طاعة . إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم ، وجب الاحتراز منه ، والأمر ههنا كذلك ، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السفاهة ، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فلكونه مستلزماً لهذه المنكرات ، وقع النهي عنه .
المسألة الثالثة : قرأ الحسن : { فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً } بضم العين وتشديد الواو ، ويقال : عدا فلان عدواً وعدواً وعدواناً وعداً . أي ظلم ظلماً جاوز القدر . قال الزجاج : وعدواً منصوب على المصدر ، لأن المعنى فيعدوا عدواً . قال : ويجوز أن يكون بإرادة اللام ، والمعنى : فينسبوا الله للظلم .
المسألة الرابعة : قال الجبائي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يفعل بالكفار ما يزدادون به بعداً عن الحق ونفوراً . إذ لو جاز أن يفعله لجاز أن يأمر به ، وكان لا ينهى عما ذكرنا ، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء . كقوله لموسى وهرون : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة .
المسألة الخامسة : قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر ، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر ، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها ، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها .
وأما قوله تعالى : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر ، وللمؤمن الإيمان ، وللعاصي المعصية ، وللمطيع الطاعة . ق الكعبي : حمل الآية على هذا المعنى محال ، لأنه تعالى هو الذي يقول : { الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ } [ محمد : 25 ] ويقول : { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } [ البقرة : 257 ] ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوهاً : الأول : قال الجبائي : المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضاً ذكر عين هذا الجواب فقال : المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون . الثاني : قال آخرون : المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم ، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . والثالث : أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ، والرابع : زيناه في زعمهم وقولهم : إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا . هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص ، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي . وبينا أن تلك الداعية لا بد وأن تكون بخلق الله تعالى ، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقداً لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد ، والمصلحة الراجحة .
ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ولا حركة ولا سكون ، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده ، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً ، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيماناً وعلماً وصدقاً وحقاً فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل . الثاني : ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك الجهل السابق ، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال ، ولما كان ذلك باطلاً وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء ، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيماناً وحقاً وعلماً وصدقاً ، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه ، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها ، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره . أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر ، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم . وأيضاً فقوله تعالى : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } بعد قوله : { فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى . فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم ، فهذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضاً فقوله : { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم ، وأما سائر التأويلات ، فقد ذكرها صاحب «الكشاف» : وسقوطها لا يخفى ، والله أعلم . (6/433)
أما قوله تعالى : { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فالمقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى ، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم . مطلع على ضمائرهم . ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)
اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته ، وهي قولهم إن هذا القرآن إنما جئتنا به لأنك تدارس العلماء ، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوارة والإنجيل . ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق . ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق ، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره ، فليس من جنس المعجزات ألبتة ، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك ، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف ، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة . وفي الآية مسائل : (6/434)
المسألة الأولى : قال الواحدي : إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان : إما مثبتاً للشيء ، وإما نافياً . ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب احتاج المخبر إلى طريق به يتوسل إلى ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب ، وذلك هو الحلف ولما كانت الحاجة إلى ذكر الحلف ، إنما تحصل عند انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدق به ومكذب به . سموا الحلف بالقسم ، وبنوا تلك الصيغة على أفعل فقالوا : أقسم فلان يقسم إقساماً : وأرادوا أنه أكد القسم الذي اختاره وأحال الصدق إلى القسم الذي اختاره بواسطة الحلف واليمين .
المسألة الثانية : ذكروا في سبب النزول وجوهاً : الأول : قالوا لما نزل قوله تعالى : { إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } [ الشعراء : 4 ] أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلت هذه الآية . الثاني : قال محمد بن كعب القرظي : إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء ، وأن عيسى أحيا الميت ، وأن صالحاً أخرج الناقة من الجبل ، فأتنا أيضاً أنت بآية لنصدقك فقال عليه الصلاة والسلام : «ما الذي تحبون» فقالوا : أن تجعل لنا الصفا ذهباً ، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون ، فقام عليه الصلاة والسلام يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال : إن شئت كان ذلك ، ولئن كان فلم يصدقوا عنده ، ليعذبنهم ، وإن تركوا تاب على بعضهم . فقال صلى الله عليه وسلم : «بل يتوب على بعضهم» فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : { جَهْدَ أيمانهم } وجوهاً : قال الكلبي ومقاتل : إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه . وقال الزجاج : بالغوا في الأيمان وقوله : { لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } اختلفوا في المراد بهذه الآية . فقيل : ما روينا من جعل الصفا ذهباً ، وقيل : هي الأشياء المذكورة في قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا } [ الإسراء : 90 ] وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين الذين كذبوا أنبياءهم فالمشركون طلبوا مثلها .
وقوله : { قُلْ إِنَّمَا الأيات عِندَ الله } ذكروا في تفسير لفظة { عِندَ } وجوهاً ، فيحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات دون غيره لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله سبحانه وتعالى؛ ويحتمل أن يكون المراد بالعندية أن العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا ليس إلا عند الله؟ ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } [ الأنعام : 59 ] ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة؛ إلا أنه تعالى متى شاء إحداثها أحدثها ، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله يظهرها متى شاء ، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ { عِندَ } بهذا المعنى هنا كما في قوله : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } [ الحجر : 21 ] . (6/435)
ثم قال تعالى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } قال أبو علي «ما» استفهام وفاعل يشعركم ضمير «ما» والمعنى : وما يدريكم إيمانهم؟ فحذف المفعول ، وحذف المفعول كثير . والتقدير : وما يدريكم إيمانهم ، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون . وقوله : { أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { أَنَّهَا } بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة . والتقدير : أن الكلام تم عند قوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال : { أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } قال سيبويه : سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل؟ فقال الخليل : إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا } بالفتح لصار ذلك عذراً لهم ، هذا كلام الخليل . وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر ، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر ، فإذا قلت : وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى : أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضاً فكذا ههنا قوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } معناه أنها إذا جاءت آمنوا . وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً للكفار في طلب الآيات ، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات ، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء { أَنَّهَا } بالفتح وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الخليل : { أن } بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك ، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي : { أن } بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر :
أريني جواداً مات هولاً لأنني ... أرى ما تريني أو بخيلاً مخلداً (6/436)
وقال آخر :
هل أنتم عاجلون بنا لأنا ... نرى العرصات أو أثر الخيام
وقال عدي بن حاتم :
أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد
وقال الواحدي : وفسر علي لعل منيتي روى صاحب «الكشاف» أيضاً في هذا المعنى قول امرىء القيس :
عوجاً على الطلل المحيل لأننا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام
قال صاحب «الكشاف» ويقوي هذا الوجه قراءة أبي { لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون } .
الوجه الثاني : في هذه القراءة أن تجعل { لا } صلة ومثله { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } [ الأعراف : 12 ] معناه أن تسجد وكذلك قوله : { وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ الأنبياء : 95 ] أي يرجعون فكذا ههنا التقدير وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى : أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال الزجاج ، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغواً يكون لغواً على جميع التقديرات ومن قرأ { أَنَّهَا } بالكسر فكلمة { لا } في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه لا يجوز جعل هذا اللفظ لغواً . قال أبو علي الفارسي : لم لا يجوز أن يكون لغواً على أحد التقديرين ويكون مفيداً على التقدير الثاني؟ واختلف القراء أيضاً في قوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ } فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله } إنما يراد به قوم مخصوصون ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة } وليس كل الناس بهذا الوصف ، والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب ، والمراد بالمخاطبين في { تُؤْمِنُونَ } هم الغائبون المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون ، وذهب مجاهد وابن زيد إلى أن الخطاب في قوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } للكفار الذين أقسموا . قال مجاهد : وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت ، وهذا يقوي قراءة من قرأ { تُؤْمِنُونَ } بالتاء . على ما ذكرناأولاً : الخطاب في قوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } للكفار الذين أقسموا . وعلى ما ذكرنا ثانياً : الخطاب في قوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } للمؤمنين ، وذلك لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون؟
المسألة الرابعة : حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا ، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك ، إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب . قال الجبائي والقاضي : هذه الآية تدل على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال .
الحكم الأول
أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة ، إذ لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة ، لأنه إذا كان تعالى لا يجيبهم إلى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون عنده منتظماً مستقيماً ، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الألطاف والحكمة .
الحكم الثاني (6/437)
أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لإظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على الإيمان ، وعلى قول المجبرة ذلك باطل ، لأن عندهم الإيمان إنما يحصل بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه حصل ، وإذا لم يخلقه لم يحصل ، فلم يكن لفعل الإلطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات .
وأقول هذا الذي قاله القاضي غير لازم . أما الأول : فلأن القوم قالوا : لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك ، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على مقدمتين : إحداهما : أنك لو جئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك . والثانية : أنه متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها ، والله تعالى كذبهم في المقام الأول ، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون ، ولم يتعرض البتة للمقام الثاني ، ولكنه في الحقيقة باق .
فإن لقائل أن يقول : هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات ، فلم لم يجب على الله تعالى إظهارها؟ اللهم إلا إذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف واجب على الله تعالى ، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية ، إلا أن القاضي جعل هذه الآية دليلاً على وجوب اللطف ، فثبت أن كلامه ضعيف .
وأما البحث الثاني : وهو قوله : إذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن لهذه الألطاف أثر فيه ، فنقول : الذي نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا التقدير . فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل .
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
هذا أيضاً من الآيات الدالة على قولنا : إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره ، والتقلب والقلب واحد ، وهو تحويل الشيء عن وجهه ، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار : هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول ، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات ، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها ألبتة . (6/438)
أجاب الجبائي عنه بأن قال : المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يأمنوا به أول مرة في دار الدنيا .
وأجاب الكعبي عنه : بأن المراد من قوله : { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم .
وأجاب القاضي : بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ظهرت ، فلا تجدهم يؤمنون بها آخراً كما لم يؤمنوا بها أولاً .
واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف ، وليس لأحد أن يعيبنا ، فيقول : إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع ، فإنا نقول : إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء ، فهم يكررونها في كل آية ، فنحن أيضاً نكرر الجواب عنها في كل آية ، فنقول : قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة للضدين وللطرفين على السوية . فإذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة امتنع حصول الرجحان ، فإذا انضمت الداعية المرجحة إما إلى جانب الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان ، وتلك الداعية ليست إلا من الله تعالى قطعاً للتسلسل . وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية التي لا يشك فيها العاقل . وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : « قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء » فالقلب كالموقوف بين داعية الفعل وبين داعية الترك ، فإن حصل في القلب داعي الفعل ترجح جانب الفعل ، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك ، وهاتان الداعيتان لما كانتا لا تحصلان إلا بإيجاد الله وتخليقه وتكوينه ، عبر عنهما بأصبعي الرحمن ، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي الإنسان يكون كامل القدرة عليه . فإن شاء أمسكه وإن شاء أسقطه ، فههنا أيضاً كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين ، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله تعالى ، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين ، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول : « يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك »
والمراد من قوله مقلب القلوب أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس . (6/439)
إذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى : { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } محمول على هذا المعنى الظاهر الجلي الذي يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم ، فلا حاجة ألبتة إلى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة . وإنما قدم الله تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار ، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب . فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى ، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه ، فهو وإن كان يبصره في الظاهر . إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سبباً للوقوف على الفوائد المطلوبة . وهذا هو المراد من قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً } فلما كان المعدن هو القلب ، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب ، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب . فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية ، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر ، وفي الآية الأخرى وقع الابتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم أتبعه بذكر السمع ، فهذا هو الكلام القوي العقلي البرهاني الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها؟ ولنرجع إلى ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول : أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع لأن الله تعالى قال : { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } ثم عطف عليه فقال { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } ولا شك أن قوله : { وَنَذَرُهُمْ } إنما يحصل في الدنيا ، فلو قلنا : المراد من قوله : { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } إنما يحصل في الآخرة ، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر وأخر المقدم من غير فائدة ، وأما الوجه الذي ذكره الكعبي فضعيف أيضاً لأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر ، فهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان والخدلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله تعالى : { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } .
وأما الوجه الثاني الذي ذكره القاضي فبعيد أيضاً لأن المراد من قوله : { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة إلى صفة . وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل ، فثبت أن الوجوه التي ذكروها فاسدة باطلة بالكلية .
أما قوله تعالى : { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } فقال الواحدي فيه وجهان :
الوجه الأول : دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات ، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا به في المرة الأولى ، وأما الكناية في { بِهِ } فيجوز أن تكون عائدة إلى القرآن أو إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، أو إلى ما طلبوا من الآيات .
الوجه الثاني : قال بعضهم : الكاف في قوله : { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } بمعنى الجزاء ، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى ، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة ، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية ، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة فيها إلى الإضمار . (6/440)
وأما قوله تعالى : { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } فالجبائي قال : { وَنَذَرُهُمْ } أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره ، لكنا نمهلهم فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم ، وهو يوجب تأكيد الحجة عليهم ، وقال أصحابنا : معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه .
ولقائل أن يقول للجبائي : إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا الخير والرحمة ، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه؟ ولم لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر؟ أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقاً للثواب فيفوته الاستحقاق فقط ، ولكن يسلم من العقاب ، أما إذا تركه في ذلك العمه مع علمه بأنه يموت عليه ، فإنه لا يحصل استحقاق الثواب . ويحصل له العقاب العظيم الدائم ، فالمفسدة الحاصلة عند خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب ، أما المفسدة الحاصلة عند إبقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت استحقاق الثواب مع استحقاق العقاب الشديد ، والرحيم المحسن الناظر لعباده لا بد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر صلاحاً وأقل فساداً ، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والإحسان .
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)
اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الإجمال بقوله : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فبين أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموهم بل لو زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله . وفي الآية مسائل : (6/441)
المسألة الأولى : قال ابن عباس : المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، والأسود بن المطلب ، والحرث بن حنظلة ، ثم إنهم أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم في رهط من أهل مكة ، وقالوا له أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً أي كفيلاً على ما تدعيه ، فنزلت هذه الآية ، وقد ذكرنا مراراً أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول بأن هذه الآية نزلت في الواقعة الفلانية مشكلاً صعباً ، فأما على الوجه الذي قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فذكر الله تعالى هذا الكلام بياناً لكذبهم ، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات وإظهار المعجزات بعد المعجزات ، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميز الصادق عن الكاذب ، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة ، وبعد الثالثة رابعة ، ويلزم أن لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل ، وذلك يوجب سد باب النبوات .
المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { قُبُلاً } ههنا وفي الكهف بكسر القاف وفتح الباء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي الكهف بالكسر ، قال الواحدي : قال أبو زيد يقال لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً وقبلاً وقبيلاً كله واحد . وهو المواجهة . قال الواحدي : فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد وإن اختلف اللفظان ، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتاً في المعنى ، فقال أما من قرأ { قُبُلاً } بكسر القاف وفتح الباء ، فقال أبو عبيدة والفراء والزجاج : معناه عيانا ، يقال لقيته قبلاً أي معاينة ، وروي عن أبي ذر قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : أكان آدم نبياً؟ قال : « نعم كان نبياً كلمه الله تعالى قبلاً » وأما من قرأ { قُبُلاً } فله ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون جمع قبيل الذي يراد به الكفيل ، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أي كلفت به . ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا ، وموضع الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق ، فإذا أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات . وثانيها : أن يكون { قُبُلاً } جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى : وحشرنا عليهم كل شيء قبيلاً قبيلاً ، وموضع الإعجاز فيه هو حشرها بعد موتها ، ثم إنها على اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد . وثالثها : أن يكون { قُبُلاً } بمعنى قبلا أي مواجهة ومعاينة كما فسره أبو زيد .
أما قوله تعالى : { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } ففيه مسألتان : (6/442)
المسألة الأولى : المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم . قال أصحابنا : فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على أنه تعالى ما شاء منهم الإيمان ، وهذا نص في المسألة . قالت المعتزلة : دل الدليل على أنه تعالى أراد الإيمان من جميع الكفار ، والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في هذه المسألة . أولها : أنه تعالى لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم . وثانيها : لو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعاً لله بفعل الكفر ، لأنه لا معنى للطاعة إلا بفعل المراد ، وثالثها : لو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به ، ورابعها : لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد منهم الكفر . قالوا : فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الإيمان منهم وظاهره هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم ، والتناقض بين الدلائل ممتنع فوجب التوفيق ، وطريقه أن نقول إنه تعالى شاء من الكل الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار وأنه تعالى ما شاء منهم الإيمان الحاصل على سبيل الإلجاء والقهر وبهذا الطريق زال الإشكال .
واعلم أن هذا الكلام أيضاً ضعيف من وجوه : الأول : أن الإيمان الذي سموه بالإيمان الاختياري إن عنوا به أن قدرته صالحة للإيمان والكفر على السوية ، ثم إنه يصدر عنها الإيمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لإرادة مميزة ، فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، وأيضاً فبتقدير أن يكون ذلك معقولاً في الجملة إلا أن حصول ذلك الإيمان لا يكون منه ، بل يكون حادثاً لا لسبب ولا مؤثر أصلاً لأن الحاصل هناك ليس إلا القدرة وهي بالنسبة إلى الضدين على السوية ، ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الآخر بالوقوع والرجحان ، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون صادراً منه بل يكون صادراً لا عن سبب البتة ، وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر أصلاً ، ولا يقوله عاقل ، وإما أن يكون هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين إلا أنها لا تصير مصدراً للإيمان إلا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول داعية الإيمان كان هذا قولاً بأن مصدر الإيمان هو مجموع القدرة مع الداعي ، وذلك المجموع موجب للإيمان ، فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه . فثبت أن هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم ، وقد عرفت أن هذا الكلام في غاية القوة .
والوجه الثاني : سلمنا أن الإيمان الاختياري مميز عن الإيمان الحاصل بتكوين الله تعالى إلا أنا نقول قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملائكة } وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا ، معناه : ما كانوا ليؤمنوا إيماناً اختيارياً بدليل أن عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد أن يؤمنوا إيماناً على سبيل الإلجاء والقهر . فثبت أن قوله : { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } المراد : ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار ، ثم استثنى عنه فقال : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه . والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري . فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد بقولنا إلا أن يشاء الله ، الإيمان الاضطراري بل يجب أن يكون المراد منه الإيمان الاختياري ، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية . (6/443)
المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } يدل على حدوث مشيئة الله تعالى ، لأنها لو كانت قديمة لم يجز أن يقال ذلك ، كما لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى ، وتقريره ، أنا إذا قلنا : لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديماً ، ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط ، فيلزم كون الجزاء قديماً . والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثاً ، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة . هذا تقرير هذا الكلام .
والجواب : أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذ الكلام ، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } قال أصحابنا : المراد ، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره . وقال المعتزلة : المراد ، أنهم جهلوا أنهم يبقون كفاراً عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك .
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)
في الآية مسائل : (6/444)
المسألة الأولى : قوله : { وكذلك } منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان : الأول : أنه منسوق على قوله : { كذلك زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } [ الأنعام : 108 ] أي كما فعلنا ذلك { كذلك جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } الثاني : معناه : جعلنا لك عدواً كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله : { كذلك } عطفاً على معنى ما تقدم من الكلام ، لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء .
المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } أنه تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أن تلك العداوة معصية وكفر فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى ، أجاب الجبائي عنه : بأن المراد بهذا الجعل الحكم والبيان ، فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل : إنه كفره ، وإذا أخبر عن عدالته قيل : إنه عدله ، فكذا ههنا أنه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له ، وأجاب أبو بكر الأصم عنه : بأنه تعالى لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه ، وصار ذلك الحسد سبباً للعداوة القوية ، فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي :
فأنت الذي صيرتهم لي حسداً ... وأجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى أمر الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم ، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء . لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين ، فلهذا الوجه جاز أن يقال إنه تعالى جعلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام .
واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جداً لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي ، وهي حادثة من قبل الله تعالى ، ومتى كان الأمر كذلك . فقد صح مذهبنا .
ثم ههنا بحث آخر : وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان ، فإن الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه ، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة ، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه ، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون الإنسان متمكناً من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع؟ قال المتنبي :
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه ، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته .
المسألة الثالثة : النصب في قوله : { شياطين } فيه وجهان : الأول : أنه منصوب على البدل من قوله : { عَدُوّا } والثاني : أن يكون قوله { عَدُوّا } منصوباً على أنه مفعول ثان ، والتقدير : وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء .
المسألة الرابعة : اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين : الأول : أن المعنى مردة الإنس والجن ، والشيطان؛ كل عات متمرد من الإنس والجن ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا : إن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس ، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر : « هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ » قال قلت : وهل للإنس من شياطين؟ قال : « نعم هم شر من شياطين الجن » (6/445)
والقول الثاني : أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن ، فالفريقان شياطين الإنس والجن ، ومن الناس من قال : القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ، ومنهم من يقول : القول الثاني أولى ، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن . والإضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا التقدير : فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس .
المسألة الخامسة : قال الزجاج وابن الأنباري : قوله : { عَدُوّاً } بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري :
إذا أنا لم أنفع صديقي بوده ... فإن عدوي لن يضرهمو بغضي
أراد أعدائي ، فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن . ومنها قوله : { ضَيْفِ إبراهيم المكرمين } [ الذاريات : 24 ] جعل المكرمين وهو جمع نعتاً للضيف وهو واحد ، وثانيها : قوله : { والنخل باسقات لَّهَا طَلْعٌ } [ ق : 10 ] وثالثها : قوله : { أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء } [ النور : 31 ] ورابعها : قوله : { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ } [ العصر : 2 ] وخامسها : قوله : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } [ آل عمران : 93 ] أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف ، فإن التقدير : وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدواً واحداً ، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد .
أما قوله تعالى : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً } فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضاً .
واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان ، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين ، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر .
إذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضاً . وللناس فيه مذاهب . منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما أرضية ، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة ، وهم الملائكة الأرضية . ومنها خبيثة قذرة شريرة ، آمرة بالقبائح والمعاصي ، وهم الشياطين . ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضاً بالطاعات . والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضاً بتلك القبائح والزيادة فيها . وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية ، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام ، فالنفوس البشرية ، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها ، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها . ثم إن صفات الطهارة كثيرة . وصفات الخبث والنقصان كثيرة ، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه ، فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكاً وكان تقوية ذلك الخاطر إلهاماً ، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطاناً ، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً } فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة : الأول : الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع . والثاني : الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلاً ، وظاهره مزيناً ظاهراً ، يقال : فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب ، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف . (6/446)
واعلم أن تحقيق الكلام فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملاً على خير راجح ونفع زائد ، فإنه لا يرغب فيه ، ولذلك سمي الفاعل المختار مختاراً لكونه طالباً للخير والنفع ، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقاً للمعتقد ، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادراً من الملك ، وإن لم يكن معتقداً مطابقاً للمعتقد ، فحينئذ يكون ظاهره مزيناً ، لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح ، ويكون باطنه فاسداً باطلاً . لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفاً . فهذا تحقيق هذا الكلام . والثالث : قوله { غُرُوراً } قال الواحدي : { غُرُوراً } منصوب على المصدر ، وهذا المصدر محمول على المعنى . لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور ، فكأنه قال يغرون غروراً ، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقاً للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك ، فالغرور إما أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل . فظهر بما ذكرنا أن تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً } .
ثم قال تعالى : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } وأصحابنا يحتجون به على أن الكفر والإيمان بإرادة الله تعالى . والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء ، وقد سبق تقرير هذه المسألة على الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . (6/447)
ثم قال تعالى : { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } قال ابن عباس : معناه يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به قال القاضي : هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر والترغيب الكامل في الإيمان ، ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ما أعد الله للقوم على كفرهم من أنواع العذاب وما أعد له من منازل الثواب بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم .
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)
وفي الآية مسائل : (6/448)
المسألة الأولى : اعلم أن الصغو في اللغة معناه : الميل . يقال في المستمع إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت أنه يصغي ، ويقال : أصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في البعض ، ويقال للقمر إذا مال إلى الغروب صغا وأصغى . فقوله : { وَلِتَصْغَى } أي ولتميل .
المسألة الثانية : «اللام» { وَلِتَصْغَى } لا بد له من متعلق . فقال أصحابنا : التقدير : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شياطين الجن والإنس ، ومن صفته أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، وإنما فعلنا ذلك لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون أي وإنما أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف مقبولاً عند هؤلاء الكفار ، قالوا : وإذا حملنا الآية على هذا الوجه يظهر أنه تعالى يريد الكفر من الكافر أما المعتزلة فقد أجابوا عنه من ثلاثة أوجه .
الوجه الأول : وهو الذي ذكره الجبائي قال : إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر ، كقوله تعالى : { واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ } [ الإسراء : 64 ] وكذلك قوله : { وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ } [ الأنعام : 113 ] وتقدير الكلام كأنه قال للرسول : فذرهم وما يفترون ثم قال لهم على سبيل التهديد ولتصغى إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون .
والوجه الثاني : وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ستؤل عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال . قال القاضي : ويبعد أن يقال : هذه العاقبة تحصل في الآخرة ، لأن الإلجاء حاصل في الآخرة ، فلا يجوز أن تميل قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل ، ولا أن يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب ، بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل إلى أن يقبلوا الأباطيل ويرضوا بها ويعملوا بها .
والوجه الثالث : وهو الذي اختاره أبو مسلم . قال : «اللام» في قوله : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } متعلق بقوله : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً } [ الأنعام : 112 ] والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغروا بذلك { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ } الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء هو مجموع هذه المعاني . فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب .
أما الوجه الأول : وهو الذي عول عليه الحبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي . فأحدها : أن «الواو» في قوله : { وَلِتَصْغَى } تقتضي تعلقه بما قبله فحمله على الابتداء بعيد . وثانيها : أن «اللام» في قوله : { وَلِتَصْغَى } لام كي فيبعد أن يقال : إنها لام الأمر ويقرب ذلك من أن يكون تحريفاً لكلام الله تعالى وأنه لا يجوز .
وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف ، لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز وحمله على «كي» حقيقة فكان قولنا أولى .
وأما الوجه الثالث : وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب : لأنا نقول : إن قوله : { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً } يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير . وإذا عطفنا عليه قوله : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } فهذا أيضاً عين التغرير لا معنى التغرير ، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحاً . وظاهره حسناً ، وقوله : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز ، أما إذا قلنا : تقدير الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شأنه أن يوحي زخرف القول لأجل التغرير وإنما جعلنا مثل هذا الشخص عدواً للنبي لتصغى إليه أفئدة الكفار ، فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي ، وحينئذ لا يلزم على هذا التقدير عطف الشيء على نفسه . فثبت أن ما ذكرناه أولى . (6/449)
المسألة الثالثة : زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطاً للحياة ، فالحي هو الجزء الذي قامت به الحياة ، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم ، وقالت المعتزلة : الحي والعالم هو الجملة «لا» ذلك الجزء .
إذا عرفت هذا فنقول : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم ، لأنه قال تعالى : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } فجعل الموصوف بالميل والرغبة هو القلب ، لا جملة الحي ، وذلك يدل على قولنا .
المسألة الرابعة : الذين قالوا الإنسان شيء مغاير للبدن اختلفوا . منهم من قال : المتعلق الأول هو القلب ، وبواسطته تتعلق النفس بسائر الأعضاء كالدماغ والكبد . ومنهم من قال : القلب متعلق النفس الحيوانية ، والدماغ متعلق النفس الناطقة ، والكبد متعلق النفس الطبيعية ، والأولون تعلقوا بهذه الآية ، فإنه تعالى جعل محل الصغو الذي هو عبارة عن الميل والإرادة القلب ، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب .
المسألة الخامسة : الكناية في قوله : { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ } [ الأنعام : 113 ] عائدة إلى زخرف القول ، وكذلك في قوله : { وَلِيَرْضَوْهُ } .
وأما قوله : { وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } فاعلم أن الاقتراف هو الاكتساب ، يقال في المثل : الاعتراف يزيل الاقتراف ، كما يقال : التوبة تمحو الحوبة . وقال الزجاج : { ليقترفوا } أي ليختلفوا وليكذبوا ، والأول أصح .
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)
فيه مسائل : (6/450)
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات ، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا : إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين :
الوجه الأول : أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن معارضته فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فقوله : { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } يعني قل يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز .
والوجه الثاني : من الأمور الدالة على نبوته اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول حق ، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى ، وهو المراد من قوله : { والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى : { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } [ الرعد : 43 ] .
أما قوله تعالى في آخر الآية : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } ففيه وجوه : الأول : أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام : 114 ] والثاني : التقدير { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق . والثالث : يجوز أن يكون قوله : { فَلاَ تَكُونَنَّ } خطاباً لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد . الرابع : قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته .
المسألة الثانية : قوله : { والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } قرأ ابن عامر وحفص { مُنَزَّلٌ } بالتشديد والباقون بالتخفيف ، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مراراً .
المسألة الثالثة : قال الواحدي : { أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة ، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم . وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق . فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة . فأما أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا؟ فلا تأثير له في هذا الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز الواحد .
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)
وفيه مسائل : (6/451)
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } بغير ألف على الواحد ، والباقون { كلمات } على الجمع ، قال أهل المعاني ، الكلمة والكلمات ، معناهما ما جاء من وعد ووعيد وثواب وعقاب ، فلا تبديل فيه ولا تغيير له كما قال : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق : 29 ] فمن قرأ { كلمات } بالجمع قال : لأن معناها الجمع فوجب أن يجمع في اللفظ ، ومن قرأ على الوحدة فلأنهم قالوا : الكلمة ، قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد ، كقولهم : قال زهير في كلمته : يعني قصيدته ، وقال قس في كلمته ، أي خطبته ، فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقاً وصدقاً ومعجزاً .
المسألة الثانية : أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية السابقة أن القرآن معجز ، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك ، والمراد بالكلمة القرآن أي تم القرآن في كونه معجزاً دالاً على صدق محمد عليه السلام ، وقوله : { صِدْقاً وَعَدْلاً } أي تمت تماماً صدقاً وعدلاً ، وقال أبو علي الفارسي : { صِدْقاً وَعَدْلاً } مصدران ينصبان على الحال من الكلمة تقديره صادقة عادلة ، فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها .
المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل على أن كلمة الله تعالى موصوفة بصفات كثيرة .
فالصفة الأولى : كونها تامة وإليه الإشارة بقوله : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وفي تفسير هذا التمام وجوه : الأول : ما ذكرنا أنها كافية وافية بكونها معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والثاني : أنها كافية في بيان ما يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة عملاً وعلماً ، والثالث : أن حكم الله تعالى هو الذي حصل في الأزل ، ولا يحدث بعد ذلك شيء ، فذلك الذي حصل في الأزل هو التمام ، والزيادة عليه ممتنعة ، وهذا الوجه هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة »
الصفة الثانية : من صفات كلمة الله كونها صدقاً ، والدليل عليه أن الكذب نقص والنقص على الله محال ، ولا يجوز إثبات أن الكذب على الله محال بالدلائل السمعية ، لأن صحة الدلائل السمعية موقوفة على أن الكذب على الله محال ، فلو أثبتنا امتناع الكذب على الله بالدلائل السمعية لزم الدور وهو باطل . واعلم أن هذا الكلام كما يدل على أن الخلف في وعد الله تعالى محال فهو أيضاً يدل على أن الخلف في وعيده محال بخلاف ما قاله الواحدي في تفسير قوله تعالى : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا } [ النساء : 93 ] إن الخلف في وعيد الله جائز ، وذلك لأن وعد الله ووعيده كلمة الله ، فلما دلت هذه الآية على أن كلمة الله يجب كونها موصوفة بالصدق على أن الخلف كما أنه ممتنع في الوعد فكذلك ممتنع في الوعيد .
الصفة الثالثة : من صفات كلمات الله كونها عدلاً وفيه وجهان : الأول : أن كل ما حصل في القرآن نوعان ، الخبر والتكليف . أما الخبر فالمراد كل ما أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه ويدخل فيه الخبر عن وجود ذات الله تعالى وعن حصول صفاته أعني كونه تعالى عالماً قادراً سميعاً بصيراً ، ويدخل فيه الأخبار عن صفات التقديس والتنزيه كقوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [ الإخلاص : 3 ] وكقوله : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوت السموات والأرض وعالمي الأرواح والأجسام ، ويدخل فيه كل أمر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ويدخل فيه الخبر عن أحوال المتقدمين ، والخبر عن الغيوب المستقبلة ، فكل هذه الأقسام داخلة تحت الخبر ، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده سواء كان ذلك العبد ملكاً أو بشر أو جنياً أو شيطاناً وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء عليهم السلام المتقدمين ، أو في شرائع الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى . (6/452)
وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فنقول : قال تعالى : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً } إن كان من باب الخبر { وَعَدْلاً } إن كان من باب التكاليف ، وهذا ضبط في غاية الحسن .
والقول الثاني : في تفسير قوله : { وَعَدْلاً } أن كل ما أخبر الله تعالى عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد وأن يكون واقعاً ، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية .
الصفة الرابعة : من صفات كلمة الله قوله : { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } وفيه وجوه : الأول : أنا بينا أن المراد من قوله : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أنها تامة في كونها معجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم .
ثم قال : { لاَّ مُبَدّلَ لكلماته } والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبهات في كونها دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل التبديل البتة لأن تلك الدلالة ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات أولئك الجهال .
والوجه الثاني : أن يكون المراد أنها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] .
والوجه الثالث : أن يكون المراد أنها مصونة عن التناقض كما قال : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } [ النساء : 82 ] .
والوجه الرابع : أن يكون المراد أن أحكام الله تعالى لا تقبل التبديل والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول .
واعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر ، لأنه تعالى لما حكم على زيد بالسعادة وعلى عمرو بالشقاوة ، ثم قال : { لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَات الله } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقياً وأن ينقلب الشقي سعيداً ، فالسعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه .
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال ، ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالاً ، لأن الإضلال لا بد وأن يكون مسبوقاً بالضلال . واعلم أن حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة : أولها : المباحث المتعلقة بالإلهيات فإن الحق فيها واحد ، وأما الباطل ففيه كثرة ، ومنها القول بالشرك إما كما تقوله الزنادقة وهو الذى أخبر الله عنه في قوله : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام : 100 ] وإما كما يقوله عبدة الكواكب . وإما كما يقوله عبدة الأصنام ، وثانيها : المباحث المتعلقة بالنبوات . إما كما يقوله من ينكر النبوة مطلقاً أو كما يقوله من ينكر النشر . أو كما يقوله من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد . وثالثها : المباحث المتعلقة بالأحكام ، وهي كثيرة ، فإن الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة ، فقال تعالى : { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرض } فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق ، وعلى الحق بأنه باطل يضلوك عن سبيل الله ، أي عن الطريق والمنهج الصدق . (6/453)
ثم قال : { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك غير قاطعين بصحة مذاهبهم ، بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كذابون في ادعاء القطع وكثير من المفسرين يقولون : المراد من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم لا إلى تعليل أصلاً .
المسألة الثانية : تمسك نفاة القياس بهذه الآية . فقالوا رأينا أن الله تعالى بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن بسبب كونهم متبعين للظن ، والشيء الذي يجعله الله تعالى موجباً لذم الكفار لا بد وأن يكون في أقصى مراتب الذم ، والعمل بالقياس يوجب اتباع الظن ، فوجب كونه مذموماً محرماً ، لا يقال لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة كان العمل به عملاً بدليل مقطوع لا بدليل مظنون لأنا نقول هذا مدفوع من وجوه : الأول : أن ذلك الدليل القاطع إما أن يكون عقلياً ، وإما أن يكون سمعياً ، والأول باطل لأن العقل لا مجال له في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز ، لا سيما عند من ينكر تحسين العقل وتقبيحه . والثاني : أيضاً باطل لأن الدليل السمعي إنما يكون قاطعاً لو كان متواتراً وكانت ألفاظه غير محتملة لوجه آخر سوى هذا المعنى الواحد ، ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة كون القياس حجة ، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة ، فحيث لم يوجد ذلك علمنا أن الدليل القاطع على صحة القياس مفقود . الثاني : هب أنه وجد الدليل القاطع على أن القياس حجة ، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن وبيانه أن التمسك بالقياس مبني على مقامين : الأول : أن الحكم في محل الوفاق معلل بكذا . والثاني : أن ذلك المعنى حاصل في محل الخلاف ، فهذان المقامان إن كانا معلومين على سبيل القطع واليقين فهذا ما لا خلاف فيه بين العقلاء في صحته وإن كان مجموعهما أو كان أحدهما ظنياً فحينئذ لا يتم العمل بهذا القياس إلا بمتابعة الظن ، وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة الظنم مذمومة .
والجواب : لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الاعتقاد الراجح إذا لم يستند إلى أمارة وهو مثل اعتقاد الكفار أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستنداً إلى أمارة ، فهذا الاعتقاد لا يسمى ظناً . وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال . (6/454)
ثم قال تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسيره قولان : الأول : أن يكون المراد أنك بعد ما عرفت أن الحق ما هو ، وأن الباطل ما هو ، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم ، لأنه تعالى عالم بأن المهتدي من هو؟ والضال من هو؟ فيجازي كل واحد بما يليق بعمله . والثاني : أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون ، والله تعالى عالم بأحوال قلوبهم وبواطنهم ، ومطلع على كونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين في أودية الجهل .
المسألة الثانية : قوله : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ } فيه قولان : الأول : قال بعضهم { أَعْلَمُ } ههنا بمعنى يعلم والتقدير : إن ربك يعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين .
فإن قيل : فهذا يوجب وقوع التفاوت في علم الله تعالى وهو محال .
قلنا : لا شك أن حصول التفاوت في علم الله تعالى محال . إلا أن المقصود من هذا اللفظ أن العناية بإظهار هداية المهتدين فوق العناية بإظهار ضلال الضالين ، ونظيره قوله تعالى : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] فذكر الإحسان مرتين والإساءة مرة واحدة . والثاني : أن موضع { مِنْ } رفع بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام ، والمعنى إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله ، وهذا مثل قوله تعالى : { لنعلم أي الحزبين أحصى } [ الكهف : 12 ] وهذا قول : المبرد والزجاج والكسائي والفراء .
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)
في الآية مباحث نذكرها في معرض السؤال والجواب . (6/455)
السؤال الأول : «الفاء» في قوله : { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } يقتضي تعلقاً بما تقدم ، فما ذلك الشيء؟
والجواب : قوله : { فَكُلُواْ } مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون الحرام ويحرمون الحلال ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم . فقال الله للمسلمين إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو المذكى ببسم الله .
السؤال الثاني : القوم كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون فيه ، وإنما النزاع في أنهم أيضاً كانوا يبيحون أكل الميتة ، والمسلمون كانوا يحرمونها ، وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم الله عليه عبثاً لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه .
والجواب : فيه وجهان : الأول : لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة ، فالله تعالى رد عليهم في الأمرين ، فحكم بحل المذكاة بقوله : { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } وبتحريم الميتة بقوله : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } الثاني : أن نحمل قوله : { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } على أن المراد اجعلوا أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه ، فيكون المعنى على هذا الوجه تحريم أكل الميتة فقط .
السؤال الثالث : قوله : { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } صيغة الأمر ، وهي للإباحة . وهذه الإباحة حاصلة في حق المؤمن وغير المؤمن ، وكلمة { إن } في قوله : { إِن كُنتُم بآياته مُؤْمِنِينَ } تفيد الاشتراط .
والجواب : التقدير ليكن أكلكم مقصوراً على ما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين والمراد أنه لو حكم بإباحة أكل الميتة لقدح ذلك في كونه مؤمناً .
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)
في الآية مسائل : (6/456)
المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } بالفتح في الحرفين ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالضم في الحرفين ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { فَصَّلَ } بالفتح { وَحَرَّمَ } بالضم ، فمن قرأ بالفتح في الحرفين فقد احتج بوجهين : الأول : أنه تمسك في فتح قوله : { فَصَّلَ } بقوله : { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات } [ الأنعام : 97 ، 98 ، 126 ] وفي فتح قوله : { حَرَّمَ } بقوله : { أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } [ الأنعام : 151 ] .
والوجه الثاني : التمسك بقوله : { مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } فيجب أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى ، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } [ المائدة : 3 ] وقوله : { حرمات } تفصيل لما أجمل في هذه الآية ، فلما وجب في التفصيل أن يقال : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله : { مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } ولما ثبت وجوب { حَرَّمَ } بضم الحاء فكذلك يجب { فَصَّلَ } بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه . وأيضاً فإنه تعالى قال : { وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً } [ الأنعام : 114 ] وقوله : { مُفَصَّلاً } يدل على فصل . وأما من قرأ { فَصَّلَ } بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله : { فَصَّلَ } قوله : { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات } وفي قوله : { حَرَّمَ } قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } .
المسألة الثانية : قوله : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } أكثر المفسرين قالوا : المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير } وفيه إشكال : وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية ، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة . وقوله : { وَقَدْ فَصَّلَ } يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدماً على هذا المجمل ، والمدني متأخر عن المكي ، والمتأخر يمتنع كونه متقدماً . بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية : { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يطعمه } [ الأنعام : 145 ] . وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم . وقوله : { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة .
ثم قال : { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لَّيُضِلُّونَ } بفتح الياء وكذلك في يونس { رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ } [ يونس : 88 ] وفي إبراهيم { لِيُضِلُّواْ } [ إبراهيم : 30 ] وفي الحج { ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ } [ الحج : 9 ] وفي لقمان { لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ } [ لقمان : 6 ] وفي الزمر { أَندَاداً لّيُضِلَّ } [ الزمر : 8 ] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء . وقرأ نافع وابن عامر ههنا وفي يونس بفتح الياء ، وفي سائر المواضع بالضم ، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالاً ، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلاً . قال : وهذا أقوى في الذم لأن كل مضل فإنه يجب كونه ضالاً ، وقد يكون ضالاً ولا يكون مضلاً ، فالمضل أكثر استحقاقاً للذم من الضال .