صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

المقام الأول : أن يقولوا إنه ليس في الإمكان خرق العادات ولا إيجاد شيء على خلاف ما جرت به العادة .
والمقام الثاني : الذين يسلمون إمكان ذلك . إلا أنهم يقولون إن بتقدير حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات لا دلالة لها على صدق مدعي الرسالة ، وكلا الوجهين يوجب القدح في كمال قدرة الله تعالى .
أما المقام الأول : فهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة . وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمله مثله ، وإذا كان كذلك كان جرم الشمس والقمر قابلاً للتمزق والتفرق .
فإن قلنا : إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وصفاً له بالعجز ونقصان القدرة ، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل : أنه ما قدر الله حق قدره .
وإن قلنا : إنه تعالى قادر عليه ، فحينئذ لا يمتنع عقلاً انشقاق القمر ، ولا حصول سائر المعجزات .
وأما المقام الثاني : وهو أن حدوث هذه الأفعال الخارقة للعادة عند دعوى مدعي النبوة تدل على صدقهم ، فهذا أيضاً ظاهر على ما هو مقرر في كتب الأصول . فثبت أن كل من أنكر إمكان البعثة والرسالة ، فقد وصف الله بالعجز ونقصان القدرة ، وكل من قال ذلك فهو ما قدر الله حق قدره .
والوجه الثالث : أنه لما ثبت حدوث العالم ، فنقول : حدوثه يدل على أن إله العالم قادر عالم حكيم ، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق ، وملك لهم على الإطلاق ، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على عباده ، وأن يكون له وعد على الطاعة ، ووعيد على المعصية ، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكاً مطاعاً ، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر الله حق قدره ، فثبت أن كل من قال ما أنزل الله علي بشر من شيء فهو ما قدر الله حق قدره .
المسألة الثالثة : في هذه الآية بحث صعب ، وهو أن يقال : هؤلاء الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : { ما أَنزَلَ الله علَى بَشَرٍ مّن شَىْء } إما أن يقال : إنهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فإن كان الأول ، فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله تعالى : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء ، فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم ، وأما إن كان الثاني وهو أن قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى ، فهذا أيضاً صعب مشكل ، لأنهم لا يقولون هذا القول ، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله الله على موسى ، والإنجيل : كتاب أنزله الله على عيسى؛ وأيضاً فهذه السورة مكية ، والمناظرات التي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين اليهود والنصارى كلها مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها ، فهذا تقرير الإشكال القائم في هذه الآية . واعلم أن الناس اختلفوا فيه على قولين :

(6/369)


فالقول الأول : إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند الجمهور . قال ابن عباس : إن مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم ، وكان رجلاً سميناً فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين وقد سمنت من الأشياء التي تطعمك اليهود » فضحك القوم ، فغضب مالك بن الصيف ، ثم التفت إلى عمر فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء . فقال له قومه : ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال : إنه أغضبني ، ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن رياستهم ، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف ، فهذا هو الرواية المشهورة في سبب نزول هذه الآية ، وفيها سؤالات :
السؤال الأول : اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب العرف . ألا ترى أن المرأة إذا أرادت أن تخرج من الدار فغضب الزوج ، وقال : إن خرجت من الدار فأنت طالق ، فإن كثيراً من الفقهاء . قالوا : اللفظ وإن كان مطلقاً إلا أنه بحسب العرف يتقيد لتلك المرة فكذا ههنا قوله : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة ، إلا أنه بحسب العرف يتقيد بتلك الواقعة فكان قوله : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } مراده منه أنه ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين ، وإذا صار هذا المطلق محمولاً على هذا المقيد لم يكن قوله : { مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } مبطلاً لكلامه ، فهذا أحد السؤالات :
السؤال الثاني : أن مالك بن الصيف كان مفتخراً بكونه يهودياً متظاهراً بذلك ومع هذا المذهب ألبتة أن يقول : ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل الغضب المدهش للعقل أو على سبيل لا يمكنه طغيان اللسان ، ومثل هذا الكلام لا يليق بالله سبحانه وتعالى إنزال القرآن الباقي على وجه الدهر في إبطاله .
والسؤال الثالث : أن الأكثرين اتفقوا على أن هذه السورة مكية وأنها أنزلت دفعة واحدة ، ومناظرات اليهود مع الرسول عليه الصلاة والسلام كانت مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه الآية على تلك المناظرة؟ وأيضاً لما نزلت السورة دفعة واحدة ، فكيف يمكن أن يقال : هذه الآية المعينة إنما نزلت في الواقعة الفلانية؟ فهذه هي السؤالات الواردة على هذا القول ، والأقرب عندي أن يقال : لعل مالك بن الصيف لما تأذى من هذا الكلام طعن في نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : ما أنزل الله عليك شيئاً ألبتة ، ولست رسولاً من قبل الله ألبتة ، فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية ، والمقصود منها أنك لما سلمت أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، فعند هذا لا يمكنك الإصرار على أنه تعالى ما أنزل علي شيئاً لأني بشر وموسى بشر أيضاً ، فلما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر امتنع عليك أن تقطع وتجزم بأنه ما أنزل الله علي شيئاً ، فكان المقصود من هذه الآية بيان أن الذي ادعاه محمد عليه الصلاة والسلام ليس من قبيل الممتنعات ، وأنه ليس للخصم اليهودي أن يصر على إنكاره ، بل أقصى ما في الباب أن يطالبه بالمعجز فإن أتى به فهو المقصود ، وإلا فلا فإما أن يصر اليهودي على أنه تعالى ما أنزل على محمد شيئاً ألبتة مع أنه معترف بأن الله تعالى أنزل الكتاب على موسى ، فذاك محض الجهالة والتقليد ، وبهذا التقدير يظهر الجواب عن السؤالين الأولين .

(6/370)


فأما السؤال الثالث : وهو قوله : هذه السورة مكية ونزلت دفعة واحدة وكل واحد من هذين الوجهين يمنع من القول بأن سبب نزول هذه الآية مناظرة اليهودي .
قلنا : القائلون بهذا القول قالوا : السورة كلها مكية ونزلت دفعة واحدة إلا هذه الآية ، فإنها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا الوجه .
والقول الثاني : أن قائل هذا القول أعني ما أنزل الله على بشر من شيء قوم من كفار قريش فهذا القول قد ذكره بعضهم .
بقي أن يقال : كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام ، فكيف يمكن إلزام نبوة موسى عليهم؟ وأيضاً فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش ، وإنما يليق باليهود وهو قوله : { تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلّمْتُمْ مّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } [ الأنعام : 91 ] فمن المعلوم بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود ، وهو قول من يقول : إن أول الآية خطاب مع الكفار ، وآخرها خطاب مع اليهود فاسد ، لأنه يوجب تفكيك نظم الآية وفساد تركيبها ، وذلك لا يليق بأحسن الكلام فضلاً عن كلام رب العالمين ، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول .
أما السؤال الأول : فيمكن دفعه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات القاهرة على يد موسى عليه السلام مثل انقلاب العصا ثعباناً ، وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات وكانوا يقولون لو جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بك ، فكان مجموع هذه الكلمات جارياً مجرى ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى عليه السلام ، وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد إيراد نبوة موسى عليه السلام إلزاماً عليهم في قولهم : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } .

(6/371)


وأما السؤال الثاني : فجوابه : أن كفار قريش واليهود والنصارى ، لما كانوا متشاركين في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لم يبعد أن يكون الكلام الواحد وارداً على سبيل أن يكون بعضه خطاباً مع كفار مكة وبقيته يكون خطاباً مع اليهود والنصارى ، فهذا ما يحضرنا في هذا البحث الصعب ، وبالله التوفيق .
المسألة الرابعة : مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل إلى كنه معرفة الله تعالى / البتة ، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } أي وما عرفوا الله حق معرفته ، وهذا الاستدلال بعيد ، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ثلاثة مواضع ، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة ، وكذا القول في الموضعين الآخرين ، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة . والله أعلم .
المسألة الخامسة : في هذه الآية أحكام .
الحكم الأول
أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم ، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } نكرة في موضع النفي ، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } إبطالاً له ، ونقضاً عليه ، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال ، ولما كان ذلك باطلاً ، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم . والله أعلم .
الحكم الثاني
النقض يقدح في صحة الكلام ، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم : { مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } بقوله : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } فلو لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب .
واعلم أن قول من يقول : إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقص مبطلاً ضعيف ، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر ، وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هنا ، ولو كان الفرق مقبولاً لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل والله أعلم .
الحكم الثالث
تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئاً وأحد من البشر ما أنزل الله عليه شيئاً ينتج من الشكل الثاني : أن موسى ما كان من البشر ، وهذا خلف محال ، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى ، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية ، وهي قولهم : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فوجب القول بكونها كاذبة ، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب ، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . والله أعلم .

(6/372)


واعلم أنه تعالى لما قال : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى } وصف بعده كتاب موسى بالصفات .
فالصفة الأولى : كونه نوراً وهدى للناس .
واعلم أنه تعالى سماه نوراً تشبيهاً له بالنور الذي به يبين الطريق .
فإن قالوا : فعلى هذا التفسير لا يبقى بين كونه نوراً وبين كونه هدى للناس فرق ، وعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير .
قلنا : النور له صفتان : إحداهما : كونه في نفسه ظاهراً جلياً ، والثانية : كونه بحيث يكون سبباً لظهور غيره ، فالمراد من كونه نوراً وهدى هذان الأمران .
واعلم أنه تعالى وصف القرآن أيضاً بهذين الوصفين في آية أخرى ، فقال : { ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } .
الصفة الثانية : قوله : { تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } وفيه مسائل :
المسألة الأول : قرأ أبو عمرو وابن كثير { يجعلونه } على لفظ الغيبة ، وكذلك يبدونها ويخفون لأجل أنهم غائبون ويدل عليه قوله تعالى : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } فلما وردت هذه الألفاظ على لفظ المغايبة ، فكذلك القول في البواقي ، ومن قرأ بالتاء على الخطاب ، فالتقدير : قل لهم تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ، والدليل عليه قوله تعالى : { وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ } فجاء على الخطاب ، فكذلك ماقبله .
المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله : { تَجْعَلُونَهُ قراطيس } أي يجعلونه ذات قراطيس . أي يودعونه إياها .
فإن قيل : إن كل كتاب فلا بد وأن يودع في القراطيس ، فإذا كان الأمر كذلك في كل الكتب ، فما السبب ، في أن حكى الله تعالى هذا المعنى في معرض الذم لهم .
قلنا : الذم لم يقع على هذا المعنى فقط ، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس ، وفرقوه وبعضوه ، لا جرم قدروا على إبداء البعض ، وإخفاء البعض ، وهو الذي فيه صفة محمد عليه الصلاة والسلام .
فإن قيل : كيف يقدرون على ذلك مع أن التوراة كتاب وصل إلى أهل المشرق والمغرب ، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه ، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه ، والدليل عليه أن الرجل في هذا الزمان لو أراد إدخال الزيادة والنقصان في القرآن لم يقدر عليه ، فكذا القول في التوراة .
قلنا : قد ذكرنا في سورة البقرة أن المراد من التحريف تفسير آيات التوراة بالوجوه الباطلة الفاسدة كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات القرآن .

(6/373)


فإن قيل : هب أنه حصل في التوراة آيات دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . إلا أنها قليلة ، والقوم ما كانوا يخفون من التوراة إلا تلك الآيات ، فلم قال : ويخفون كثيراً .
قلنا : القوم كما يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فكذلك يخفون الآيات المشتملة على الأحكام ، ألا ترى أنهم حاولوا على إخفاء الآية المشتملة على رجم الزاني المحصن .
الصفة الثالثة : قوله : { وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ } والمراد أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤن تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها ، فلما بعث الله محمداً ظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعثه صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو المراد من قوله : { وَعُلّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَاؤُكُمْ } .
واعلم أنه تعالى لما وصف التوراة بهذه الصفات الثلاث ، قال : { قُلِ الله } والمعنى أنه تعالى قال في أول الآية : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب } الذي صفته كذا وكذا فقال بعده : { قُلِ الله } والمعنى أن العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد قول صاحبه بالمعجزات القاهرة الباهرة مثل معجزات موسى عليه السلام لا يكون إلا من الله تعالى ، فلما صار هذا المعنى ظاهراً بسبب ظهور الحجة القاطعة ، لا جرم قال تعالى لمحمد قل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى ، ونظيره قوله : { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله } وأيضاً أن الرجل الذي حاول إقامة الدلالة على وجود الصانع يقول من الذي أحدث الحياة بعد عدمها ، ومن الذي أحدث العقل بعد الجهالة ، ومن الذي أودع في الحدقة القوة الباصرة ، وفي الصماخ القوة السامعة ، ثم إن ذلك القائل نفسه يقول { الله } والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة والبينة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها فسواء أقر الخصم به أو لم يقر فالمقصود حاصل فكذا ههنا .
ثم قال تعالى بعده : { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار والأنذار وهذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء ألبتة ، ونظيره قوله تعالى : { إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ } .
المسألة الثانية : قال بعضهم هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد لأن قوله { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } مذكور لأجل التهديد ، وذلك لا ينافي حصول المقاتلة ، فلم يكن ورود الآية الدالة على وجوب المقاتلة ، رافعاً لشيء من مدلولات هذه الآية ، فلم يحصل النسخ فيه . والله أعلم .

(6/374)


وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

اعلم أنه تعالى لما أبطل بالدليل قول من قال : ما أنزل الله على بشر من شيء ، ذكر بعده أن القرآن كتاب الله ، أنزله الله تعالى على محمد عليه الصلاة والسلام .
واعلم أن قوله : { وهذا } إشارة إلى القرآن وأخبر عنه بأنه كتاب وتفسير الكتاب قد تقدم في أول سورة البقرة ثم وصفه بصفات كثيرة .
الصفة الأولى : قوله : { أنزلناه } والمقصود أن يعلم أنه من عند الله تعالى لا من عند الرسول لأنه لا يبعد أن يخص الله محمداً عليه الصلاة والسلام بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب ألفاظ القرآن على هذه الصفة من الفصاحة فبين تعالى أنه ليس الأمر على هذه الصفة ، وأنه تعالى هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام .
الصفة الثانية : قوله تعالى : { مُّبَارَكٌ } قال أهل المعاني كتاب مبارك أي كثير خيره دائم بركته ومنفعته ، يبشر بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية ، وأقول : العلوم إما نظرية ، وإما عملية أما العلوم النظرية ، فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب وأما العلوم العملية ، فالمطلوب ، إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب ، وهو المسمى بطهارة الأخلاق وتزكية النفس ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب ، ثم قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا وسعادة الآخرة .
يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي : وأنا قد نقلت أنواعاً من العلوم النقلية والعقلية ، فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم .
الصفة الثالثة : قوله : { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } فالمراد كونه مصدقاً لما قبله من الكتب والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن الموجود في سائر الكتب الإلهية إما علم الأصول ، وإما علم الفروع .
أما علوم الأصول : فيمتنع وقوع التفاوت فيه بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة ، فوجب القطع بأن المذكور في القرآن موافق ومطابق لما في التوراة والزبور والإنجيل وسائر الكتب الإلهية .
وأما علم الفروع : فقد كانت الكتب الإلهية المتقدمة على القرآن مشتملة على البشارة بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل في تلك الكتب أن التكاليف الموجودة فيها ، إنما تبقى إلى وقت ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وأما بعد ظهور شرعه فإنها تصير منسوخة ، فثبت أن تلك الكتب دلت على ثبوت تلك الأحكام على هذا الوجه ، والقرآن مطابق لهذا المعنى وموافق ، فثبت كون القرآن مصدقاً لكل الكتب الإلهية في جملة علم الأصول والفروع .
الصفة الرابعة : قوله تعالى : { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا } وههنا أبحاث :

(6/375)


البحث الأول : اتفقوا على أن ههنا محذوفاً ، والتقدير : ولتنذر أهل أم القرى . واتفقوا على أن أم القرى هي مكة ، واختلفوا في السبب الذي لأجله سميت مكة بهذا الاسم . فقال ابن عباس : سميت بذلك ، لأن الأرضين دحيت من تحتها ومن حولها ، وقال أبو بكر الأصم : سميت بذلك لأنها قبل أهل الدنيا ، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقرى تابعة لها ، وأيضاً من أصول عبادات أهل الدنيا الحج ، وهو إنما يحصل في تلك البلدة ، فلهذا السبب يجتمع الخلق إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم ، وأيضاً فلما كان أهل الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحج ، لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد ، ولا شك أن الكسب والتجارة من أصول المعيشة ، فلهذا السبب سميت مكة أم القرى . وقيل : إنما سميت مكة أم القرى لأن الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقيل أيضاً : إن مكة أول بلدة سكنت في الأرض .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وَمَنْ حَوْلَهَا } دخل فيه سائر البلدان والقرى .
والبحث الثاني : زعمت طائفة من اليهود أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان رسولاً إلى العرب فقط . واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية وقالوا إنه تعالى بين أنه إنما أنزل عليه هذا القرآن ليبلغه إلى أهل مكة وإلى القرى المحيطة بها ، والمراد منها جزيرة العرب ، ولو كان مبعوثاً إلى كل العالمين لكان التقييد بقوله : { لّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا } باطلاً .
والجواب : أن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على انتفاء الحكم فيما سواها إلا بدلالة المفهوم وهي ضعيفة ، لا سيما وقد ثبت بالتواتر الظاهر ، المقطوع به من دين محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان يدَّعي كونه رسولاً إلى كل العالمين ، وأيضاً قوله : { وَمَنْ حَوْلَهَا } يتناول جميع البلاد والقرى المحيطة بها ، وبهذا التقدير : فيدخل فيه جمع بلاد العالم ، والله أعلم .
البحث الثالث : قرأ عاصم في رواية أبي بكر { لّيُنذِرَ } بالياء جعل الكتاب هو المنذر ، لأن فيه إنذاراً ، ألا ترى أنه قال : { لينذروا به } أي بالكتاب ، وقال : { وَأَنذِرْ بِهِ } وقال : { إِنَّمَا أُنذِرُكُم بالوحى } فلا يمتنع إسناد الإنذار إليه على سبيل الاتساع ، وأما الباقون : فإنهم قرؤا { وَلِتُنذِرَ } بالتاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو . قال تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } وقال : { وَأَنذِرِ الذين يَخَافُونَ } .
ثم قال تعالى : { والذين يُؤْمِنُونَ بالأخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ } وظاهر هذا يقتضي أن الإيمان بالآخرة جار مجرى السبب للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم . والعلماء ذكروا في تقرير هذه السببية وجوهاً : الأول : أن الذي يؤمن بالآخرة هو الذي يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ومن كان كذلك فإنه يعظم رغبته في تحصيل الثواب ، ورهبته عن حلول العقاب ، ويبالغ في النظر والتأمل في دلائل التوحيد والنبوة ، فيصل إلى العلم والإيمان . والثاني : أن دين محمد عليه الصلاة والسلام مبني على الإيمان بالبعث والقيامة ، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين ، والثالث : يحتمل أن يكون المراد من هذا الكلام التنبيه على إخراج أهل مكة من قبول هذا الدين ، لأن الحامل على تحمل مشقة النظر والاستدلال ، وترك رياسة الدنيا ، وترك الحقد والحسد ليس إلا الرغبة في الثواب ، والرهبة عن العقاب . وكفار مكة لما لم يعتقدوا في البعث والقيامة ، امتنع منهم ترك الحسد وترك الرياسة ، فلا جرم يبعد قبولهم لهذا الدين واعترافهم بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام .

(6/376)


ثم قال : { وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } والمراد أن الإيمان بالآخرة كما يحمل الرجل على الإيمان بالنبوة ، فكذلك يحمله على المحافظة على الصلوات ، وليس لقائل أن يقول : الإيمان بالآخرة يحمل على كل الطاعات ، فما الفائدة في تخصيص الصلاة بالذكر؟ لأنا نقول : المقصود منه التنبيه على أن الصلاة أشرف العبادات بعد الإيمان بالله وأعظمها خطراً ، ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة كما قال تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 143 ] أي صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة . قال عليه الصلاة والسلام : « من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر » فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف ، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام . والله أعلم .

(6/377)


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)

اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتاباً نازلاً من عند الله وبين ما فيه من صفات الجلالة والشرف والرفعة ، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الكذب والافتراء فقال : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة : فأولها : أن يفتري على الله كذباً . قال المفسرون : نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة ، وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء ، فإنهما كانا يدعيان النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب والافتراء ، وكان مسيلمة يقول : محمد رسول قريش ، وأنا رسول بني حنيفة . قال القاضي : الذي يفتري على الله الكذب يدخل فيه من يدعي الرسالة كذباً ، ولكن لا يقتصر عليه ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو برىء منه ، إما في الذات ، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلاً تحت هذا الوعيد . قال : والافتراء على الله في صفاته ، كالمجسمة ، وفي عدله كالمجبرة ، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم بأن افتروا على الله الكذب ، وأقول : أما قوله : المجسمة قد افتروا على الله الكذب ، فهو حق . وأما قوله : إن هذا افتراء على الله في صفاته ، فليس بصحيح . لأن كون الذات جسماً ومتحيزاً ليس بصفة ، بل هو نفس الذات المخصوصة ، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم ، كان معناه أنه يقول : جميع الأجسام والمتحيزات محدثة ، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز ، والمجسم ينفي هذه الذات ، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات ، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها ، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة ، بل في الذات . وأما قوله : المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته ، فليس بصحيح ، لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح ، فإن كذبوا في هذه القضية ، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله؟ وإن صدقوا في ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى ، وذلك عين ما نسميه بالجبر ، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل ، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر على حصول المرجح . فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية ، بل يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية .
والنوع الثاني : من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله : { أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } والفرق بين هذا القول وبين ما قبله ، أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما في هذا القول ، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا جمعاً بين نوعين عظيمين من الكذب ، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود .

(6/378)


والنوع الثالث : قوله : { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } قال المفسرون : المراد ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله : { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } وقوله في القرآن : إنه من أساطير الأولين ، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله ، وحاصله : أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن . وروي أيضاً أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما نزل قوله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] أملاء الرسول عليه السلام ، فلما انتهى إلى قوله : { ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر } عجب عبد الله منه فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين! فقال الرسول : " هكذا أنزلت الآية " ، فسكت عبد الله وقال : إن كان محمد صادقاً ، فقد أوحي إليّ ، وإن كان كاذباً فقد عارضته ، فهذا هو المراد من قوله : { سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ } .
أما قوله تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِى غَمَرَاتِ الموت } فاعلم أن أول الآية وهو قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } يفيد التخويف العظيم على سبيل الإجمال وقوله بعد ذلك : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِى غَمَرَاتِ الموت } كالتفصيل لذلك المجمل ، والمراد بالظالمين الذين ذكرهم ، وغمرات الموت جمع غمرة وهي شدة الموت ، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه ، ومنه غمرة الماء ، وغمرة الحرب ، ويقال غمره الشيء إذا علاه وغطاه . وقال الزجاج : يقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك . وغمره الدين إذا كثر عليه هذا هو الأصل ، ثم يقال للشدائد والمكاره : الغمرات ، وجواب «لو» محذوف ، أي لرأيت أمراً عظيماً ، والملائكة باسطو أيديهم قال ابن عباس : ملائكة العذاب باسطو أيديهم يضربونهم ويعذبونهم ، كما يقال بسط إليه يده بالمكروه أخرجوا أنفسكم . ههنا محذوف ، والتقدير : يقولون أخرجوا أنفسكم ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الآية سؤال : وهو أنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من أجسادهم فما الفائدة في هذا الكلام؟
فنقول : في تفسير هذه الكلمة وجوه :
الوجه الأول : ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة فأدخلوا جهنم فغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات ، والملائكة باسطو أيديهم عليهم بالعذاب يبكتونهم ، ويقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن قدرتم .
الوجه الثاني : أن يكون المعنى : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند نزول الموت بهم في الدنيا والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام .

(6/379)


والوجه الثالث : أن قوله : { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ، ويقول له : أخرج إلي ما لي عليك الساعة ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك .
والوجه الرابع : أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء والشدة إلى حيث تولى بنفسه إزهاق روحه .
والوجه الخامس : أن قوله : { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } ليس بأمر ، بل هو وعيد وتقريع ، كقول القائل : امض الآن لترى ما يحل بك . قال المفسرون : إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج ، لأنها تصير إلى أشد العذاب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » وذلك عند نزع الروح ، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح :
المسألة الثانية : الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا : لا شك أن قوله : { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } معناه : أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم ، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة ، لم يتم هذا الاستدلال .
ثم قال تعالى : { اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } قال الزجاج : عذاب الهون أي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد . قال تعالى : { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التراب } [ النحل : 59 ] والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام وبين الإهانة ، فإن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم ، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة . قال بعضهم : الهون هو الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى : { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً } [ الفرقان : 63 ] وقوله : { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } [ الأنعام : 93 ] وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله ، والتكبر على آيات الله . وأقول : هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه . وذكر الواحدي : أن المراد بقوله : { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } أي لا تصلون له قال عليه السلام : « من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر » .

(6/380)


وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

اعلم أن قوله : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى } يحتمل وجهين : الأول : أن يكون هذا معطوفاً على قول الملائكة { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ } فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى } فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار ، وعلى هذا التقدير ، فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم ، ويحتمل أن يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم .
والقول الثاني : أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن الله تعالى هل يتكلم مع الكفار أو لا؟ فقوله تعالى في صفة الكفار : { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 92 ] وقوله : { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } [ الأعراف : 6 ] يقتضي أن أن يكون تعالى يتكلم معهم ، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف ، والقول الأول أقوى ، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، والعطف يوجب التشريك .
المسألة الثانية : { فرادى } لفظ جمع وفي واحده قولان . قال ابن قتيبة : فرادى جمع فردان ، مثل سكارى وسكران ، وكسالى وكسلان . وقال غيره فرادى : جمع فريد ، مثل ردافى ورديف . وقال الفراء : فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان .
إذا عرفت هذا فقوله : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى } المراد منه التقريع والتوبيخ ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين : أحدهما : تحصيل المال والجاه . والثاني : أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند الله ، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه ، بخلاف أهل الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة ، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة ، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى ، بل حضروا مع الزاد ليوم المعاد :
ثم قال تعالى : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي { بَيْنكُمْ } بالنصب ، والباقون بالرفع قال الزجاج : الرفع أجود ، ومعناه ، لقد تقطع وصلكم ، والنصب جائز والمعنى : لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم . قال أبو علي : هذا الاسم يستعمل على ضربين : أحدهما : أن يكون اسماً منصرفاً كالافتراق ، والأجود أن يكون ظرفاً والمرفوع في قراءة من قرأ { بَيْنكُمْ } هو الذي كان ظرفاً ثم استعمل اسماً ، والدليل على جواز كونه اسماً قوله تعالى : { وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [ فصلت : 5 ] و { هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } [ الكهف : 78 ] فلما استعمل اسماً في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو { تُقَطَّعَ } في قول من رفع . قال : ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفاً أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذي هو مصدر . والقسم الثاني باطل ، وإلا لصار تقدير الآية : لقد تقطع افتراقكم وهذا ضد المراد ، لأن المراد من الآية لقد تقطع وصلكم وما كنتم سالفون عليه .

(6/381)


فإن قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق والتباين؟
قلنا : هذا اللفظ إنما يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة من بعض الوجوه ، كقولهم بيني وبينه شركة ، وبيني وبينه رحم ، فلهذا السبب حسن استعمال هذا اللفظ في معنى الوصلة فقوله : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } معناه لقد تقطع وصلكم . أما من قرأ { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } بالنصب فوجهه أنه أضمر الفاعل والتقدير : لقد تقطع وصلكم بينكم وقال سيبويه : إنهم قالوا إذا كان غداً فأتني والتقدير : إذا كان الرجاء أو البلاء غداً فأتني ، فأضمر لدلالة الحال . فكذا ههنا . وقال ابن الأنباري : التقدير : لقد تقطع ما بينكم . فحذفت لوضوح معناها .
المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية مشتملة على قانون شريف في معرفة أحوال القيامة فأولها : أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بهذا الجسد آلة له في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة فإذا فارقت النفس الجسد ولم يحصل هذين المطلوبين ألبتة عظمت حسراته وقويت آفاته حيث وجد مثل هذه الآلة الشريفة التي يمكن اكتساب السعادة الأبدية بها ، ثم إنه ضيعها وأبطلها ولم ينتفع بها ألبتة ، وهذا هو المراد من قوله : { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } وثانيها : أن هذه النفس مع أنها لم تكتسب بهذه الآلة الجسدانية سعادة روحانية ، وكمالاً روحانياً ، فقد عملت عملاً آخر أردأ من الأول ، وذلك لأنها طول العمر كانت في الرغبة في تحصيل الماء والجاه وفي تقوية العشق عليها ، وتأكيد المحبة ، وفي تحصيلها . والإنسان في الحقيقة متوجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني ، فهذا المسكين قلب القضية وعكس القضية وأخذ يتوجه من المقصد الروحاني إلى العالم الجسماني ونسي مقصده واغتر باللذات الجسمانية ، فلما مات انقلبت القضية شاء أم أبى توجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني ، فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ينتفع به ، وربما بقي منقطع المنفعة معوج الرقبة معوج الرأس بسبب التفاته إليها مع الهجز عن الانتفاع بها ، وذلك يوجب نهاية الخيبة والغم والحسرة وهو المراد من قوله : { وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ } وهذا يدل على أن كل مال يكتسبه الإنسان ولم يصرفه في مصارف الخيرات فصفته هذه التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، أما إذا صرفها إلى الجهات الموجبة للتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فما ترك تلك الأموال وراء ظهره ولكنه قدمها تلقاء وجهه ، كما قال تعالى :

(6/382)


{ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله } [ البقرة : 110 ] وثالثها : أن أولئك المساكين أتعبوا أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة ، والمذاهب الفاسدة وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة ، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب . منها عذاب الحسرة والندامة : وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء ، ومنها عذاب الخجلة : وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة ، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم ، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية ، وهو المراد من قوله : { وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } ورابعها : أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات ، وحصل عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات ، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فههنا يحف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن . أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع ، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جداً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى . وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال هؤلاء الضالين .

(6/383)


إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة ، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل ، عاد ههنا إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع ، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية ، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله . وفي قوله : { فَالِقُ الحب والنوى } قولان :
القول الأول : وهو مروي عن ابن عباس وقول الضحاك ومقاتل : { فَالِقُ الحب والنوى } أي خالق الحب والنوى . قال الواحدي : ذهبوا بفالق مذهب فاطر ، وأقول : الفطر هو الشق ، وكذلك الفلق ، فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان معدوماً محضاً ونفياً صرفاً ، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق ، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود ، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه . وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق . فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع .
والقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أن الفلق هو الشق ، والحب هو الذي يكون مقصوداً بذاته مثل حبة الحنطة والشعير وسائر الأنواع ، والنوى هو الشيء الموجود في داخل الثمرة مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما .
إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر . أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة ، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض .
ثم إن ههنا عجائب : فإحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى في عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء ، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض؟ فلما تولد منها هاتان الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى ، علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع . وثانيها : أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه ، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء ، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة ، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم . وثالثها : أنه يتولد من تلك النواة شجرة ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة ، فإن قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة ، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش ، ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها ويتولد على الأغصان الأوراق أولاً ، ثم الأزهار والأنوار ثانياً ، ثم الفاكهة ثالثاً ، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر : مثل الجوز ، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر ، وتحت ذلك القشر الذي يشبه الخشب ، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللب ، وتحته ذلك اللب ، وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف هو أيضاً كالقشر ، وعلى جرم لطيف وهو الدهن ، وهو المقصود الأصلي ، فتولد هذه الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول الأربعة والطبائع الأربع ، يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر لا بتدبير الطبائع والعناصر . ورابعها : أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة ، فالأترنج قشره حار يابس ، ولحمه بارد رطب ، وحماضه بارد يابس ، وبذره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس ، وماؤه ولحمه حار رطب ، فتولد هذه الطبائع المضادة والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة لا بد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار . وخامسها : أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة فبعضها يكون اللب في الداخل والقشر في الخارج كما في الجوز واللوز وبعضها يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج ، وتكون الخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش ، وبعضها يكون النواة لها لب كما في نوى المشمش والخوخ ، وبعضها لا لب له ، كما في نوى التمر وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر ، بل يكون كله مطلوباً كالتين ، فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه وأيضاً هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة ، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما ، وشكل العدس كأنه دائرة ، وشكل الحمص على وجه آخر ، فهذه الأشكال المختلفة ، لا بد وأن تكون لأسرار وحكم علم الخالق أن تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل ، وأيضاً فقد أودع الخالق تعالى في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى ومنفعة أخرى وأيضاً فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان وسماً لحيوان آخر ، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أن كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار الحكيم . وسادسها : أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت خطاً واحداً مستقيماً في وسطها ، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة إلى بدن الإنسان ، وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن الإنسان . ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر ، ولا تزال تستدق حتى تخرج عن الحس والأبصار بسبب الصغر ، فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط الكبير الوسطاني خطوط منفصلة ، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من الأولى ، ولا يزال يبقى على هذا المنهج حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر والخالق تعالى إنما فعل ذلك حتى أن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك الورقة تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة ، فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل ، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل .

(6/384)


ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل ، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل ، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة ، كما قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ]
فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة ، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر لها ، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية ، كما قال : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة ، فهذا كلام مختصر في تفسير قوله : { إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له ، ونسأل الله التوفيق والهداية .
المسألة الثانية : أما قوله تعالى : { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } ففيه مباحث : الأول : أن { الحى } اسم لما يكون موصوفاً بالحياة ، و { الميت } اسم لما كان خالياً عن صفة الحياة فيه ، وعلى هذا التقدير : النبات لا يكون حياً .
إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا { الحى } و { الميت } قولان : الأول : حمل هذين اللفظين على الحقيقة . قال ابن عباس : يخرج من النطفة بشراً حياً ، ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة ، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية ، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة ، والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان ، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . أما حصول الضد من الضد ، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية ، بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم ، والمدبر العليم .

(6/385)


والقول الثاني : أن يحمل { الحى } و { الميت } على ما ذكرناه ، وعلى الوجوه المجازية أيضاً ، وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي . الثاني : قال ابن عباس : يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حق إبراهيم ، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس . الثالث : قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سبباً للنفع العظيم ، وبالعكس . ذكروا في الطب أن إنساناً سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت ، فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر ذلك الأفيون منه ، فإن الأفيون يقتل بقوة برده ، وسم الأفعى يقتل بقوة حره فصارت تلك اللدغة سبباً لاندفاع ضرر الأفيون ، فههنا تولد عما يعتقد فيه كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات ، وقد يكون بالعكس من ذلك ، وكل هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبراً حكيماً ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة .
البحث الثاني : من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم { الميت } مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين ، وكذلك كل هذا الجنس في القرآن .
البحث الثالث : أن لقائل أن يقول : إنه قال أولاً : { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } ثم قال : { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب في اختيار ذلك؟
قلنا : قوله : { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } معطوف على قوله : { فَالِقُ الحب والنوى } وقوله : { يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } كالبيان والتفسير لقوله : { فَالِقُ الحب والنوى } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحي من الميت ، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله { ويحي الأرض بعد موتها } وفيه وجه آخر ، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني بذلك الفعل في كل حين وأوان . وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد والاعتناء به ساعة فساعة ، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلاً في كتاب «دلائل الإعجاز» فقال : قوله : { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء } إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله : { يَرْزُقُكُمْ } لأن صيغة الفعل تفيد أنه تعالى يرزقهم حالاً فحالاً وساعة فساعة . وأما الاسم فمثاله قوله تعالى : { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف : 18 ] فقوله : { باسط } يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة .
إذا ثبت هدا فنقول : الحي أشرف من الميت ، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي ، فلهذا المعنى وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل ، وعن الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي . والله أعلم بمراده .

(6/386)


ثم قال تعالى في آخر الآية : { ذلكم الله فأنى تُؤْفَكُونَ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال بعضهم معناه : ذلكم الله المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت { فأنى تُؤْفَكُونَ } في إثبات القول بعبادة الأصنام ، والثاني : أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت ، ومخرج الميت من الحي ، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة ، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى؟ والمقصود الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر ، وأيضاً الضدان متساويان في النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر ، وجب أن لا يمتنع الانقلاب من الثاني إلى الأول ، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة . وجب أيضاً أن لا يمتنع حصول الحياة بعد الموت ، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه جواز القول بالبعث والحشر والنشر .
المسألة الثانية : تمسك الصاحب بن عباد بقوله : { فأنى تُؤْفَكُونَ } على أن فعل العبد ليس مخلوقاً لله تعالى . قال : لأنه تعالى لو خلق الأفك فيه ، فكيف يليق به أن يقول مع ذلك : { فأنى تُؤْفَكُونَ } .
والجواب عنه : أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية ، فإن ترجح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد ، بل يكون محض الاتفاق ، فكيف يحسن أن يقال له : { فأنى تُؤْفَكُونَ } وأن توقف ذلك المرجح على حصول مرجح ، وهي الداعية الجاذبة إلى الفعل ، فحصول تلك الداعية يكون من الله تعالى ، وعند حصولها يجب الفعل ، وحينئذ يلزمكم كل ما ألزمتموه علينا . والله أعلم .

(6/387)


فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، فالنوع المتقدم كان مأخوذاً من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية ، وتقرير الحجة من وجوه : الأول : أن نقول : الصبح صبحان .
فالصبح الأول : هو الصبح المستطيل كذنب السرحان ، ثم تعقبه ظلمة خالصة ، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول : أما الصبح الأول : وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة الله وحكمته ، وذلك لأنا نقول : إن ذلك النور إما أن يقال : إنه حصل من تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك ، والأول باطل ، وذلك لأن مركز الشمس إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقاً لهم قد طلعت الشمس من مشرقهم ، وفي ذلك الموضع أيضاً نصف كرة الأرض ، وذلك يقتضي أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا ، وذلك الضوء يكون منتشراً مستطيراً في جميع أجزاء الجو ، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة والزيادة والكمال ، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطاً مستطيلاً ، بل يجب أن يكون مستطيراً في جميع الأفق منتشراً فيه بالكلية ، وأن يكون متزايداً متكاملاً بحسب كل حين ولحظة ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان ، ثم إنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة ، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ذلك علمنا أن ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس ، ولا من جنس نوره ، فوجب أن يكون ذلك حاصلاً بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيهاً على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بتخليقه ، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول هذه السورة { وَجَعَلَ الظلمات والنور } .
والوجه الثاني : في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى على الجرم المقابل لها . فأما الذي لا يكون مقابلاً لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه ، وهذه مقدمة متفق عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء ، ولهم في تقريرها وجوه نفيسة .
إذا عرفت هذا نقول : الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون جرم الشمس مقابلاً لجزء من أجزاء وجه الأرض ، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه الأرض ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس ، فوجب أن يكون ذلك بتخليق الفاعل المختار .

(6/388)


فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ذلك الهواء المقابل له ، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض ، فيصيره ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سبباً لضوء الهواء الواقف فوق الأرض ، ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى هواء آخر ملاصق له حتى يصل إلى الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو علي بن الهيثم في تقرير هذا المعنى في كتابه الذي سماه «بالمناظر الكثة» .
والجواب : أن هذا العذر باطل من وجهين : الأول : أن الهواء جرم شفاف عديم اللون ، وما كان كذلك فإنه لا يقبل النور ، واللون في ذاته وجوهره ، وهذا متفق عليه بين الفلاسفة . واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف البصر على سطحه . ولو كان كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه ، ولصار إبصاره مانعاً عن إبصار ما وراءه ، فحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون والنور في ذاته وجوهره ، وما كان كذلك امتنع أن ينعكس النور منه إلى غيره ، فامتنع أن يصير ضوءه سبباً لضوء هواء آخر مقابل له .
فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من الأبخرة والأدخنة؟ وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس . ثم إن بحصول الضوء فيها يصير سبباً لحصول الضوء في الهواء المقابل لها ، فنقول : لو كان السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر ، وجب أن يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك ، بل على العكس منه فبطل هذا العذر .
الوجه الثاني : في إبطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم أن الدائرة التي هي دائرة الأفق لنا ، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين ، فإذا كان كذلك ، فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا ، وجب كونها دائرة الأفق لأولئك الأقوام .
إذا ثبت هذا فنقول : إذا وصل مركز الشمس إلى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها ، فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام ، واستنار نصف العام هناك ، والربع من الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك البلدة وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار جرمها محاذياً لهواء الربع الشرقي لأهل بلدنا . فلو كان الهواء يقبل كيفية النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء الربع الشرقي من بلدنا بعد نصف الليل . وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الإضاءة والإنارة بعد نصف الليل ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور في ذاته . وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنا برهانين دقيقين عقليين محضين على أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس ، والله أعلم .

(6/389)


والوجه الثالث : هب أن النور الحاصل في العالم إنما كان بتأثير الشمس . إلا أنا نقول : الأجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك كان حصول هذه الخاصية لقرص الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول : فهو أن الأجسام متماثلة في كونها أجساماً ومتحيزة . فلو حصل الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعاً في مفهوم مغاير لمفهوم الجسمية ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول : ذلك الأمر إما أن يكون محلاً للجسمية أو حالاً فيها أو لا محلاً لها ولا حالاً فيها . والأول : باطل لأنه يقتضي كون الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن كان متحيزاً ومختصاً بحيز كان محل الجسم غير الجسم وهو محال ، وإن لم يكن كذلك كان الحاصل في الحيز حالاً في محل لا تعلق له بشيء من الأحياز والجهات ، وذلك مدفوع في بديهة العقل . والثاني : أيضاً باطل لأن على هذا التقدير : الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما يصح على الشيء صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب . والثالث : وهو القول بأن ما به حصلت المخالفة ليس محلاً للجسم ولا حالاً فيه ، وفساد هذا القسم ظاهر . فثبت بهذا البرهان أن الأجسام متماثلة .
وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما يصح على أحد المثلين فإنه يصح أيضاً على المثل الثاني . وإذا استوت الأجسام بأسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان اختصاص جسم الشمس لهذه الإضاءة وهذه الإنارة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار . وإذا ثبت هذا كان فالق الإصباح في الحقيقة هو الله تعالى ، وذلك هو المطلوب ، والله أعلم .
الوجه الرابع : في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم . بل البرهان القاطع قد دل على أنه مفهوم عدمي والنور محض الوجود . فإذا أظلم الليل حصل الخوف والفزع في قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات ورفعت التفعيلات فإذا وصل نور الصباح إلى هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة الإدراك فضعف النوم وابتدأت اليقظة بالظهور . وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان ظهور قوة الحس والحركة في الحيوانات أكمل . ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو قوة الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلي لحصول هذه الأحوال كان تأثير قدرة الله تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم وأجل أنواع الفضل والكرم .

(6/390)


إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقاً للأصباح في كونه دليلاً على كمال قدرة الله تعالى أجل أقسام الدلائل ، وفي كونه فضلاً ورحمة وإحساناً من الله تعالى على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى : { فَالِقُ الإصباح } على وجود الصانع القادر المختار الحكم . والله أعلم .
ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول : إنه تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد ، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك ، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك ، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات .
المسألة الثالثة : في تفسير { الإصباح } وجوه : الأول : قال الليث : الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضاً . قال تعالى : { فَالِقُ الإصباح } يعني الصبح . قال الشاعر :
أفنى رياحاً وبنى رياح ... تناسخ الإمساء والإصباح
والقول الثاني : أن { الإصباح } مصدر سمي به الصبح .
فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه؟ فنقول فيه وجوه : الأول : أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح ، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور . وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحراً مملوءاً من الظلمة . ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولاً من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلوماً حسن الحذف . والثاني : أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله : { فَالِقُ الإصباح } أي فالق الإصباح ببياض النهار . والثالث : أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق تلك الظلمة فقوله : { فَالِقُ الإصباح } أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع : قال بعضهم : الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم .
أما قوله تعالى : { وجعل الليل سكناً } فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد . فأولها : ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها : قوله { وجعل الليل سكناً } وفيه مباحث :
المبحث الأول : قال صاحب «الكشاف» : السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناساً به واسترواحاً إليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل : للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل .

(6/391)


فإن قيل : أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا : كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق .
المبحث الثاني : قرأ عاصم والكسائي { وَجَعَلَ اليل } على صيغة الفعل ، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل ، وهو قوله : { فَالِقُ الحب * فَالِقُ الإصباح } ( الأنعام95-96 ) وجاعل أيضاً اسم الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركاً للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله : { والشمس والقمر } منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل ، وما ذاك إلا أن يقدر قوله : { وَجَعَلَ } بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسباناً وذلك يفيد المطلوب .
وأما قوله تعالى : { والشمس والقمر حُسْبَاناً } ففيه مباحث :
المبحث الأول : معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله : { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } [ يونس : 5 ] وقال في سورة الرحمن : { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن : 5 ] وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار ، وحصول الغلات ، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع ، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله : { والشمس والقمر حُسْبَاناً } .
المبحث الثاني : في الحسبان قولان : الأول : وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان . والثاني : أن الحسبان مصدر كالرجحان والنقصان . وقال صاحب «الكشاف» : الحسبان بالضم مصدر حسب ، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب ، ونظيره الكفران والغفران والشكران .
إذا عرفت هذا فنقول : معنى جعل الشمس والقمر حسباناً جعلهما على حساب . لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما .
المبحث الثالث : قال صاحب «الكشاف» : { والشمس والقمر } قرئا بالحركات الثلاث ، فالنصب على إضمار فعل دل عليه قوله : { جَاعِلِ اليل } أي وجعل الشمس والقمر حسباناً ، والجر عطف على لفظ الليل ، والرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره ، والشمس والقمر مجعولان حسباناً : أي محسوبان .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم } والعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه ، ومعناه أن تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة ، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار . والله أعلم .

(6/392)


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)

هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة ، وهو أنه تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد وهي من وجوه :
الوجه الأول : أنه تعالى خلقها لتهتدي الخلق بها إلى الطرق والمسالك في ظلمات البر والبحر حيث لا يرون شمساً ولا قمراً لأن عند ذلك يهتدون بها إلى المسالك والطرق التي يريدون المرور فيها .
الوجه الثاني : وهو أن الناس يستدلون بأحوال حركة الشمس على معرفة أوقات الصلاة ، وإنما يستدلون بحركة الشمس في النهار على القبلة ، ويستدلون بأحوال الكواكب في الليالي على معرفة القبلة .
الوجه الثالث : أنه تعالى ذكر في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء ، فقال { تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً } [ الفرقان : 61 ] وقال تعالى : { إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب } [ الصافات : 6 ] وقال : { والسماء ذَاتِ البروج } [ البروج : 1 ] .
الوجه الرابع : أنه تعالى ذكر في منافعها كونها رجوماً للشياطين .
الوجه الخامس : يمكن أن يقال : لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر أي في ظلمات التعطيل والتشبيه ، فإن المعطل ينفي كونه فاعلاً مختاراً ، والمشبه يثبت كونه تعالى جسماً مختصاً بالمكان فهو تعالى خلق هذه النجوم ليهتدى بها في هذين النوعين من الظلمات ، أما الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل ، فذلك لأنا نشاهد هذه الكواكب مختلفة في صفات كثيرة فبعضها سيارة وبعضها ثابتة ، والثوابت بعضها في المنطقة وبعضها في القطبين ، وأيضاً الثوابت لامعة والسيارة غير لامعة ، وأيضاً بعضها كبيرة درية عظيمة الضوء ، وبعضها صغيرة خفية قليلة الضوء ، وأيضاً قدروا مقاديرها على سبع مراتب .
إذا عرفت هذا فنقول : قد دللنا على أن الأجسام متماثلة ، وبينا أنه متى كان الأمر كذلك كان اختصاص كل واحد منها بصفة معينة دليلاً على أن ذلك ليس إلا بتقدير الفاعل المختار فهذا وجه الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل . وأما وجه الاهتداء بها في ظلمات بحر التشبيه فلأنا نقول إنه لا عيب يقدح في إلهية هذه الكواكب إلا أنها أجسام فتكون مؤلفة من الأجزاء والأبعاض ، وأيضاً إنها متناهية ومحدودة ، وأيضاً إنها متغيرة ومتحركة ومنتقلة من حال إلى حال فهذه الأشياء إن لم تكن عيوباً في الإلهية امتنع الطعن في إلهيتها ، وإن كانت عيوباً في الإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها فوجب الجزم بأن إله العالم والسماء والأرض منزه عن الجسمية والأعضاء والأبعاض والحد والنهاية والمكان والجهة ، فهذا بيان الاهتداء بهذه الكواكب في بر التعطيل وبحر التشبيه ، وهذا وإن كان عدولاً عن حقيقة اللفظ إلى مجازه إلا أنه قريب مناسب لعظمة كتاب الله تعالى .
الوجه السادس : في منافع هذه الكواكب ما ذكره الله تعالى في قوله : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا }

(6/393)


[ آل عمران : 191 ] فنبه على سبيل الإجمال على أن في وجود كل واحد منها حكمة عالية ومنفعة شريفة ، وليس كل ما لا يحيط عقلنا به على التفصيل وجب نفيه فمن أراد أن يقدر حكمة الله تعالى في ملكه وملكوته بمكيال خياله ومقياس قياسه فقد ضل ضلالاً مبيناً ، ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم . قال : { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وفيه وجوه : الأول : المراد أن هذه النجوم كما يمكن أن يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر ، فكذلك يمكن أن يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم ، وكمال قدرته وعلمه . الثاني : أن يكون المراد من العلم ههنا العقل فقوله : { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } نظير قوله تعالى في سورة البقرة : { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض } [ البقرة : 164 ] إلى قوله : { لأيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وفي آل عمران في قوله : { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف اليل والنهار لأيات لأُوْلِى الألباب } [ آل عمران : 190 ] والثالث : أن يكون المراد من قوله : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لقوم يتفكرون ويتأملون ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب .

(6/394)


وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

هذا نوع رابع من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه ، وهو الاستدلال بأحوال الإنسان فنقول لا شبهة في أن النفس الواحدة هي آدم عليه السلام وهي نفس واحدة . وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه . فصار كل الناس من نفس واحدة وهي آدم .
فإن قيل : فما القول في عيسى؟
قلنا : هو أيضاً مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها .
فإن قالوا : أليس أن القرآن قد دل على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المنفوخ فيها فكيف يصح ذلك؟
قلنا : كلمة «من» تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء تكون عيسى عليه السلام كان من مريم وهذا القدر كاف في صحة هذا اللفظ . قال القاضي : فرق بين قوله : { أَنشَأَكُمْ } وبين قوله : { خَلَقَكُمْ } لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء . ولكن على وجه النمو والشنوء لا من مظهر من الأبوين ، كما يقال : في النبات إنه تعالى أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء . وأما قوله : { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } ففيه مباحث :
البحث الأول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { فَمُسْتَقَرٌّ } بكسر القاف والباقون بفتحها قال أبو علي الفارسي . قال سيبويه ، يقال : قر في مكانه واستقر فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر «منكم» أي منكم مستقر . ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به لأن استقر لا يتعدى فلا يكون له مفعول به فيكون اسم مكان فالمستقر بمنزلة المقر . وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر «منكم» بل يكون خبره «لكم» فيكون التقدير لكم مقر وأما المستودع فإن استودع فعل يتعدى إلى مفعولين تقول استودعت زيداً ألفاً وأودعت مثله ، فالمستودع يجوز أن يكون اسماً للإنسان الذي استودع ذلك المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه .
إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ مستقراً بفتح القاف جعل المستودع مكاناً ليكون مثل المعطوف عليه والتقدير فلكم مكان استقرار ومكان استيداع ومن قرأ { فَمُسْتَقَرٌّ } بالكسر ، فالمعنى : منكم مستقر ومنكم مستودع ، والتقدير : منكم من استقر ومنكم من استودع . والله أعلم .
المبحث الثاني : الفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى النبات من المستودع فالشيء الذي حصل في موضع ولا يكون على شرف الزوال يسمى مستقراً فيه ، وأما إذا حصل فيه وكان على شرف الزوال يسمى مستودعاً لأن المستودع في معرض أن يسترد في كل حين وأوان .
إذا عرفت هذا فنقول : كثر اختلاف المفسرين في تفسير هذين اللفظين على أقوال : فالأول : وهو المنقول عن ابن عباس في أكثر الروايات أن المستقر هو الأرحام والمستودع الأصلاب قال كريب : كتب جرير إلى ابن عباس يسأله عن هذه الآية فأجاب المستودع الصلب والمستقر الرحم ثم قرأ :

(6/395)


{ وَنُقِرُّ فِى الأرحام مَا نَشَاء } [ الحج : 5 ] ومما يدل أيضاً على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زماناً طويلاً والجنين يبقى في رحم الأم زماناً طويلاً ، ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى .
والقول الثاني : أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم ، لأن النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وهي حصلت في رحم الأم بفعل الغير ، فحصول تلك النطفة في الرحم من قبل الرجل مشبه بالوديعة لأن قوله { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } يقتضي كون المستقر متقدماً على المستودع وحصول النطفة في صلب الأب مقدم على حصولها في رحم الأم ، فوجب أن يكون المستقر ما في أصلاب الآباء ، والمستودع ما في أرحام الأمهات .
والقول الثالث : وهو قول الحسن المستقر حاله بعد الموت لأنه إن كان سعيداً فقد استقرت تلك السعادة ، وإن كان شقياً فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل في أحوال الإنسان بعد الموت وأما قبل الموت فالأحوال متبدلة . فالكافر قد ينقلب مؤمناً والزنديق قد ينقلب صديقاً ، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة التي تكون مشرفة على الزوال والذهاب .
والقول الرابع : وهو قول الأصم . إن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل الدنيا واستقر فيها ، والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق .
والقول الخامس : للأصم أيضاً المستقر من استقر في قرار الدنيا والمستودع من في القبور حتى يبعث . وعن قتادة على العكس منه فقال مستقر في القبر ومستودع في الدنيا .
القول السادس : قول أبي مسلم الأصبهاني أن التقدير هو الذي أنشأكم من نفس واحدة / فمنكم مستقر ذكر ومنكم مستودع أنثى إلا أنه تعالى عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تتولد في صلبه وإنما تستقر هناك وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة . والله أعلم .
المبحث الثالث : مقصود الكلام أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه السلام ، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول : الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر والمستودع والاختلاف في تلك الصفات لا بد له من سبب ومؤثر وليس السبب هو الجسمية ولوازمها وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات ، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى : { واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وألوانكم } .
ثم قال تعالى : { قَدْ فَصَّلْنَا الأيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } والمراد من هذا التفصيل أنه بين هذه الدلائل على وجه الفصل للبعض عن البعض . ألا ترى أنه تعالى تمسك أولاً بتكوين النبات والشجر من الحب والنوى ، ثم ذكر بعده التمسك بالدلائل الفلكية من ثلاثة وجوه ، ثم ذكر بعده التمسك بأحوال تكوين الإنسان فقد ميز تعالى بعض هذه الدلائل عن بعض ، وفصل بعضها عن بعض لقوم يفقهون ، وفيه أبحاث : الأول : قوله : { لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } ظاهره مشعر بأنه تعالى قد يفعل الفعل لغرض وحكمة .

(6/396)


وجواب أهل السنة : أن اللام لام العاقبة ، أو يكون ذلك محمولاً على التشبيه بحال من يفعل الفعل لغرض . والثاني : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى أراد من جميع الخلق الفقه ، والفهم والإيمان . وما أراد بأحد منهم الكفر . وهذا قول المعتزلة .
وجواب أهل السنة : أن المراد منه كأنه تعالى يقول : إنما فصلت هذا البيان لمن عرف وفقه وفهم ، وهم المؤمنون لا غير . والثالث : أنه تعالى ختم الآية السابقة ، وهي الآية التي استدل فيها بأحوال النجوم بقوله : { يَعْلَمُونَ } وختم آخر هذه الآية بقوله : { يَفْقَهُونَ } والفرق أن إنشاء الإنس من واحدة ، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيراً ، فكان ذكر الفقه ههنا لأجل أن الفقه يفيد مزيد فطنة وقوة وذكاء وفهم . والله أعلم .

(6/397)


وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه .
واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضاً نعم بالغة ، وإحسانات كاملة ، والكلام إذا كان دليلاً من بعض الوجوه ، وكان إنعاماً وأحساناً من سائر الوجوه . كان تأثيره في القلب عظيماً ، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن هذه الطريقة . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر قوله تعالى : { وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } يقتضي نزول المطر من السماء ، وعند هذا اختلف الناس ، فقال أبو علي الجبائي في «تفسيره» : إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض . قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء ، والعدول عن الظاهر إلى التأويل ، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن ، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء ، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره .
وأما قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض . ثم تصعد وترتفع إلى الهواء ، فينعقد الغيم منها ويتقاطر ، وذلك هو المطر ، فقد احتج الجبائي على فساده من وجوه : الأول : أن البرد قد يوجد في وقت الحر ، بل في صميم الصيف ، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد ، وذلك يبطل قولهم .
ولقائل أن يقول : إن القوم يجيبون عنه فيقولون : لا شك أن البخار أجزاء مائية وطبيعتها البرد ، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب ، فيهرب البرد إلى باطنه ، فيقوى البرد هناك بسبب الاجتماع ، فيحدث البرد ، وأما في وقت برد الهواء يستولي البرد على ظاهر السحاب ، فلا يقوى البرد في باطنه ، فلا جرم لا ينعقد جمداً بل ينزل ماء ، هذا ما قالوه . ويمكن أن يجاب عنه بأن الطبقة العالية من الهواء باردة جداً عندكم ، فإذا كان اليوم يوماً بارداً شديد البرد في صميم الشتاء ، فتلك الطبقة باردة جداً ، والهواء المحيط بالأرض أيضاً بارد جداً ، فوجب أن يشتد البرد ، وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتة ، وحيث شاهدنا أنه قد يحدث فسد قولكم ، والله أعلم .
الحجة الثانية : مما ذكره الجبائي أنه قال : إن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء ، بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل أملس كسقوف الحمامات المزججة . أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير ، فإذا تصاعدت البخارات في الهواء ، وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات ، وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء . ولقائل أن يقول : القوم يجيبون عنه : بأن هذه البخارات إذا تصاعدت وتفرقت ، فإذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت ، والبرد يوجب الثقل والنزول ، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى النزول ، والعالم كروي الشكل ، فلما رجعت من الصعود إلى النزول ، فقد رجعت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت ، فحصل من اتصال بعض تلك الذرات بعض قطرات الأمطار .

(6/398)


الحجة الثالثة : ما ذكره الجبائي قال : لو كان تولد المطر من صعود البخارات ، فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار ، فوجب أن يدوم هناك نزول المطر ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا فساد قولهم . قال : فثبت بهذه الوجوه ، أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض ، ثم قال : والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول ، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة ، وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها ، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى ، فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة ، وأما المسلمون . فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة ، وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد ، فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات ، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية على أن الماء إنما ينزل من السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب القول بحمله على ظاهره ، ومما يؤكد ما قلناه : أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء . قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً } [ الفرقان : 48 ] وقال : { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال : 11 ] وقال : { وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } [ النور : 43 ] فثبت أن الحق ، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء . ثم ينزلها إلى السحاب . ثم من السحاب إلى الأرض .
والقول الثاني : المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء .
والقول الثالث : أنزل من السحاب ماء وسمى الله تعالى السحاب سماء ، لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت ، فهذا ما قيل في هذا الباب .
المسألة الثانية : نقل الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس : يريد بالماء ههنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السموات ، فالقول به مشكل والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } فيه أبحاث :
البحث الأول : ظاهر قوله : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء ، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه ، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى :

(6/399)


{ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } [ البقرة : 22 ] فلا فائدة في الإعادة .
البحث الثاني : قال الفراء : قوله : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } ظاهره يقتضي أن يكون لكل شيء نبات . وليس الأمر كذلك ، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات ، فإذا كان كذلك ، فالذي لا نبات له لا يكون داخلاً فيه .
البحث الثالث : قوله : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بعد قوله : { أَنَزلَ } يسمى التفاتاً . ويعد ذلك من الفصاحة .
واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة . وما بينوا أنه من أي الوجوه يعد من هذا الباب؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس : 22 ] فلا فائدة في الإعادة .
والبحث الرابع : قوله : { فَأَخْرَجْنَا } صيغة الجمع . والله واحد فرد لا شريك له ، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه ، فإنما يكنى بصيغة الجمع ، فكذلك ههنا . ونظيره قوله : { إِنَّا أنزلناه } [ الدخان : 3 ] . { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً } [ نوح : 1 ] . { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر : 9 ] .
أما قوله : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } فقال الزجاج : معنى خضر ، كمعنى أخضر ، يقال أخضر فهو أخضر وخضر ، مثل أعور فهو أعور وعور . وقال الليث : الخضر في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر ، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين : حيث قال : { إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضاً في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو المراد بقوله : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً } وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولاً ويكون السنبل في أعلاه وقوله : { نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً } يعني يخرج من ذلك الخضر حباً متراكباً بعضه على بعض في سنبلة واحدة ، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة .
ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم الثاني فقال : { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قنوان دَانِيَةٌ } وههنا مباحث :
البحث الأول : أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل ، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفاً مطولاً .
البحث الثاني : روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال : أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض ، والأغريض يسمى طلعاً أيضاً . قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما { قِنْوانٌ } فقال الزجاج : القنوان جمع قنو . مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون ، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع .

(6/400)


إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول : قوله : { قنوان دَانِيَةٌ } قال ابن عباس : يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها . وروي عنه أيضاً أنه قال : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج : ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 81 ] ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني ، فكذا ههنا وقيل أيضاً : ذكر الدانية في القريبة ، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر .
والبحث الثالث : قال صاحب «الكشاف» { قِنْوانٌ } رفع بالابتداء { وَمِنَ النخل } خبره { وَمِنْ طَلْعِهَا } بدل منه كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة أخرجنا عليه تقديره ، ومخرجه من طلع النخل قنوان . ومن قرأ يخرج منه { حب متراكب } كان { قِنْوانٌ } عنده معطوفاً على قوله : { حُبَّ } وقرىء { قنوان } بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير .
ثم قال تعالى : { وجنات مّنْ أعناب والزيتون والرمان } وفيه أبحاث :
البحث الأول : قرأ عاصم : { جنات } بضم التاء ، وهي قراءة علي رضي الله عنه : والباقون { جنات } بكسر التاء . أما القراءة الأولى فلها وجهان : الأول : أن يراد ، وثم وجنات من أعناب أي مع النخل والثاني : أن يعطف على { قِنْوانٌ } على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله : { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } والتقدير : وأخرجنا به جنات من أعناب ، وكذلك قوله : { والزيتون والرمان } [ الأنعام : 141 ] قال صاحب «الكشاف» : والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى : { والمقيمين الصلاة } [ النساء : 162 ] لفضل هذين الصنفين .
والبحث الثاني : قال الفراء : قوله : { والزيتون والرمان } يريد شجر الزيتون ، وشجر الرمان كما قال : { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] يريد أهلها .
البحث الثالث : اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار . النخل والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات ، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : " أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من بقية طينة آدم " وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعاً به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم ، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم بعده يظهر الحصرم ، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، وقد يتخذ الطبيخ منه ، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة . ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها ، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر ، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات ، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل ، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلى في المجلدات ، والخمر ، وإن كان الشرع قد حرمها ، ولكنه تعالى قال في صفتها : { ومنافع لِلنَّاسِ } ثم قال : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } فأحسن ما في العنب عجمه . والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة ، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه ، وأما الزيتون فهو أيضاً كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل أيضاً عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال . وأما الرمان فحاله عجيب جداً ، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام : قشره وشحمه وعجمه وماؤه .

(6/401)


أما الأقسام الثلاثة الأول وهي : القشر والشحم والعجم ، فكلها باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات ، وأما ماء الرمان ، فبالضد من هذه الصفات . فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج الضعيف ، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه ، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة موصوفة بالكثافة التامة الأرضية ، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفاً باللطافة والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين ، فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم .
واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات ، واكتفي بذكرها تنبيهاً على البواقي ، ولما ذكرها قال تعالى : { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه } وفيه مباحث : الأول : في تفسير { مُشْتَبِهاً } وجوه : الأول : أن هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل ، مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة ، وقد تكون مختلفة في اللون والشكل ، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة ، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل . ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني : أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابهاً في الطعم والخاصية . وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنه يكون مختلفاً في الطعم ، والثالث : قال قتادة : أوراق الأشجار تكون قريبة من التشابه . أما ثمارها فتكون مختلفة ، ومنهم من يقول : الأشجار متشابهة والثمار مختلفة ، والرابع : أقول إنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة . وعلى هذا التقدير : فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه .

(6/402)


والبحث الثاني : يقال : اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا ، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً ، وقرىء { متشابها وَغَيْرَ متشابه } .
والبحث الثالث : إنما قال مشتبهاً ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ، أو على تقدير : والزيتون مشتبهاً وغير متشابه والرمان كذلك كقوله :
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريا ومن أجل الطوى رماني
ثم قال تعالى : { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } وفيه مباحث :
البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { ثَمَرِهِ } بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو { ثَمَرِهِ } بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان :
الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة وخشب . قال تعالى : { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } [ المنافقون : 4 ] وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر :
ترى الأكم فيها سجداً للحوافر ... والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثماراً على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز .
والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعاً وينعاً بفتح الياء ، وينعاً بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب «الكشاف» : وقرىء { وَيَنْعِهِ } بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن { ويانعه } .
والبحث الثالث : قوله : { متشابه انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله : { وَيَنْعِهِ } أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة . ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : { إِنَّ فِى ذلكم لأيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى ، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } .

(6/403)


ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله القادر المختار ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلاً قال : لم وقع الاختلاف بين الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية؟ فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله في حقه بالإيمان ، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه الدلالة البتة أصلاً ، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه . والله أعلم .

(6/404)


وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية ، وكمال القدرة والرحمة . ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء ، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف .
فالطائفة الأولى : عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية ، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين .
والطائفة الثانية : من المشركين الذين يقولون ، مدبر هذا العالم هو الكواكب ، وهؤلاء فريقان منهم من يقول : إنها واجبة الوجود لذاتها ، ومنهم من يقول : إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة ، وخالقها هو الله تعالى ، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل صلى الله عليه وسلم ناظرهم بقوله : { لا أُحِبُّ الأفلين } وشرح هذا الدليل قد مضى .
والطائفة الثالثة : من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من السموات والأرضين إلهان : أحدهما فاعل الخير . والثاني فاعل الشر ، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد . فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس أخوان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور .
واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة ، قال ابن عباس : والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً } [ الصافات : 158 ] وإنما وصف بكونه من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون فصارت كأنها مستترة من العيون ، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها ، وأقول : هذا مذهب المجوس ، وإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة ، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة ، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى بالزند والمنسوب إليه يسمى زندي . ثم عرب فقيل زنديق . ثم جمع فقيل زنادقة .
واعلم أن المجوس قالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بإبليس في شرعنا ، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة ، والأقلون منهم قالوا : إنه قديم أزلي ، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من الله تعالى وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما .

(6/405)


فإن قيل : فعلى هذا التقدير : القوم أثبتوا لله شريكاً واحداً وهو إبليس ، فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء؟
والجواب : أنهم يقولون عسكر الله هم الملائكة ، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح البشرية بالخيرات والطاعات . والشياطين أيضاً فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية ، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشياطين . فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول .
إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى الدليل القاطع الدال على فساد كون إبليس شريكاً لله تعالى في ملكه ، وتقريره من وجهين : الأول : أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو محدث .
إذا ثبت هذا فنقول : إن كل محدث فله خالق وموجد ، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى ، ولما كان إبليس أصلاً لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى ، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد ، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلاً للخيرات ، والثاني يكون فاعلاً للشرور لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو الشر الأعظم فقوله تعالى : { وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى أن تعالى هو الخالق لهؤلاء الشياطين على مذهب المجوس ، وإذا كان خالقاً لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير فاعلاً لأعظم الشرور ، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم : لا بد للخيرات من إله ، وللشرور من إله آخر .
والوجه الثاني : في استنباط الحجة من قوله : { وَخَلَقَهُمْ } ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب «الأربعين في أصول الدين» أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث ، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث ، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث . وحصول الوجود بعدم العدم ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه ، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية وبالله التوفيق .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } معناه : وجعلوا الجن شركاء لله .
فإن قيل : فما الفائدة في التقديم؟
قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم الذي هم بشأنه أعنى ، فالفائدة في هذا التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك سواء كان ملكاً أو جنياً أو إنسياً أو غير ذلك . فهذا هو السبب في تقديم اسم الله على الشركاء .

(6/406)


إذا عرفت هذا فنقول : قرىء { الجن } بالنصب والرفع والجر ، أما وجه النصب فالمشهور أنه بدل من قوله : { شُرَكَاء } قال بعض المحققين : هذا ضعيف لأن البدل ما يقوم مقام المبدل ، فلو قيل : وجعلوا لله الجن لم يكن كلاماً مفهوماً بل الأولى جعله عطف بيان . أما وجه القراءة بالرفع فهو أنه لما قيل : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء } فهذا الكلام لو وقع الاقتصار عليه لصح أن يراد به الجن والأنس والحجر والوثن فكأنه قيل ومن أولئك الشركاء؟ فقيل : الجن . وأما وجه القراءة بالجر فعلى الإضافة التي هي للتبيين .
المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه : فالأول : ما ذكرناه من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر .
والقول الثاني : أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهؤلاء يقولون المراد من الجن الملائكة ، وإنما حسن إطلاق هذا الاسم عليهم ، لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة مستترون عن الأعين ، وكان يجب على هذا القائل أن يبين أنه كيف يلزم من قولهم الملائكة بنات الله؟ قولهم بجعل الملائكة شركاء لله حتى يتم انطباق لفظ الآية على هذا المعنى ، ولعله يقال : إن هؤلاء كانوا يقولون الملائكة مع أنها بنات الله فهي مدبرة لأحوال هذا العالم وحينئذ يحصل الشرك .
والقول الثالث : وهو قول الحسن وطائفة من المفسرين أن المراد : أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام ، وإلى القول بالشرك ، فقبلوا من الجن هذا القول وأطاعوهم ، فصاروا من هذا الوجه قائلين : يكون الجن شركاء لله تعالى . وأقول : الحق هو القول الأول . والقولان الأخيران ضعيفان جداً . أما تفسير هذا الشرك بقول العرب الملائكة بنات الله ، فهذا باطل من وجوه :
الوجه الأول : أن هذا المذهب قد حكاه الله تعالى بقوله : { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام : 100 ] فالقول بإثبات البنات لله ليس إلا قول من يقول الملائكة بنات الله ، فلو فسرنا قوله : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } بهذا المعنى يلزم منه التكرار في الموضع الواحد من غير فائدة ، وأنه لا يجوز .
الوجه الثاني : في إبطال هذا التفسير أن العرب قالوا : الملائكة بنات الله ، وإثبات الولد لله غير ، وإثبات الشريك له غير ، والدليل على الفرق بين الأمرين أنه تعالى ميز بينهما في قوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [ الإخلاص : 3 ، 4 ] ولو كان أحدهما عين الآخر لكان هذا التفصيل في هذه السورة عبثاً .
الوجه الثالث : أن القائلين بيزدان وأهرمن يصرحون بإثبات شريك لإله العالم في تدبير هذا العالم ، فصرف اللفظ عنه وحمله على إثبات البنات صرف للفظ عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز .

(6/407)


وأما القول الثاني : وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة : أن الكفار قبلوا قول الجن في عبادة الأصنام ، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه شريكاً لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب مجازه ، وأيضاً فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لزم وقوع التكرير من غير فائدة ، لأن الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق على سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذي نصرناه وقويناه .
وأما قوله تعالى : { وَخَلَقَهُمْ } ففيه بحثان :
البحث الأول : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { خَلَقَهُمْ } إلى ماذا يعود؟ على قولين :
فالقول الأول : إنه عاد إلى { الجن } والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله ، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ذلك العجب ، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء معترفون بأن إهرمن محدث ، وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى : { وَخَلَقَهُمْ } إشارة إلى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق لله تعالى امتنع جعله شريكاً لله في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ، وجعل الضعيف الناقص شريكاً للقوي الكامل محال في العقول .
والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى الجاعلين ، وهم الذين أثبتوا الشركة بين الله تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلاً قاطعاً تاماً كاملاً في إبطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب المذكورات في هذه الآية هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائداً إليه .
البحث الثاني : قال صاحب «الكشاف» : قرىء { وَخَلَقَهُمْ } أي اختلاقهم للأفك . يعني : وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى الله في قولهم : { والله أَمَرَنَا بِهَا } .
ثم قال : { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وفيه مباحث :
البحث الأول : أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكاً لله تعالى . ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات . أما الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله وقوله : { بِغَيْرِ عِلْمٍ } كالتنبيه على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه .
الحجة الأولى : أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلاً بنفسه قائماً بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، ومن كان كذلك فيكون عبداً له ولا ولداً له ، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ، امتنع منه أن يثبت له البنات والبنين .

(6/408)


الحجة الثانية : أن الولد يحتاج إليه أن يقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا إنما يعقل في حق من يفنى ، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه .
الحجة الثالثة : أن الولد مشعر بكونه متولداً عن جزء من أجزاء الوالد ، وذلك إنما يعقل في حق من يكون مركباً ويمكن انفصال بعض أجزائه عنه ، وذلك في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال ، فحاصل الكلام أن من علم أن الإله ما حقيقته استحال أن يقول له ولد فكان قوله : { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } إشارة إلى هذه الدقيقة .
البحث الثاني : قرأ نافع { وَخَرَقُواْ } مشددة الراء . والباقون { خرقوا } خفيفة الراء . قال الواحدي : الاختيار التخفيف ، لأنها أكثر والتشديد للمبالغة والتكثير .
البحث الثالث : قال الفراء : معنى { خرقوا } افتعلوا وافتروا . قال : وخرقوا واخترقوا وخلقوا واختلقوا ، وافتروا واحد . وقال الليث : يقال : تخرق الكذب وتخلقه ، وحكى صاحب «الكشاف» : أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة فقال : كلمة عربية كانت تقولها . كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم قد خرقها ، والله أعلم . ثم قال : ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه . أي شقوا له بنين وبنات .
ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : { سبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ } فقوله سبحانه تنزيه لله عن كل ما لا يليق به . وأما قوله : { وتعالى } فلا شك أنه لا يفيد العلو في المكان ، لأن المقصود ههنا تنزيه الله تعالى عن هذه الأقوال الفاسدة ، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى . فثبت أن المراد ههنا التعالي عن كل اعتقاد باطل . وقول فاسد .
فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله : «سبحانه» وبين قوله : «وتعالى» فرق .
قلنا : بل يبقى بينهما فرق ظاهر ، فإن المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل يسبحه وينزهه عما لا يليق به والمراد بقوله : { وتعالى } كونه في ذاته متعالياً متقدساً عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه ، فالتسبيح يرجع إلى أقوال المسبحين ، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له لذاته لا لغيره .

(6/409)


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)

اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين . شرع في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال : { بَدِيعُ السموات والأرض } .
واعلم أن تفسير قوله : { بَدِيعُ السموات والأرض } قد تقدم في سورة البقرة إلا أنا نشير ههنا إلى ما هو المقصود الأصلي من هذه الآية . فنقول : الإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال ، ولذلك فإن من أتى في فن من الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها ، يقال : إنه أبدع فيه .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ولا نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود . لأن الله تعالى أخرجه إلى الوجود من غير سبق الأب .
إذا عرفت هذا فنقول : المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه والداً لله تعالى أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد . وإما أن تريدوا بكونه ولد الله تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ولداً لأبيه ، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله مفهوماً ثالثاً مغايراً لهذين المفهومين .
أما الاحتمال الأول : فباطل ، وذلك لأنه تعالى وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسايط مخصوصة إلا أن النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث ، وإذا كان الأمر كذلك . لزمهم الاعتراف بأنه تعالى خلق السموات والأرض من غير سابقة مادة ولا مدة ، وإذا كان الأمر كذلك . وجب أن يكون إحداثه للسموات والأرض إبداعاً فلو لزم من مجرد كونه مبدعاً لإحداث عيسى عليه السلام كونه والداً له لزم من كونه مبدعاً للسموات والأرض كونه والداً لهما . ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أن مجرد كونه مبدعاً لعيسى عليه السلام لا يقتضي كونه والداً له ، فهذا هو المراد من قوله : { بَدِيعُ السموات والأرض } وإنما ذكر السموات والأرض فقط ولم يذكر ما فيهما لأن حدوث ما في السموات والأرض ليس على سبيل الإبداع ، أما حدوث ذات السموات والأرض فقد كان على سبيل الإبداع ، فكان المقصود من الإلزام حاصلاً بذكر السموات والأرض . لا بذكر ما في السموات والأرض ، فهذا إبطال الوجه الأول .
وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات ، فهذا أيضاً باطل ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول : أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وشهوة ، وينفصل عنه جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة ، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة ، وكل ذلك على خالق العالم محال . وهذا هو المراد من قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة .

(6/410)


والوجه الثاني : أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن تكوينه دفعة واحدة عدل إلى تحصيله بالطريق المعتاد . أما من كان خالقاً لكل الممكنات قادراً على كل المحدثات ، فإذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، ومن كان هذا الذي ذكرنا صفته ونعته ، امتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة وهذا هو المراد من قوله : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } .
والوجه الثالث : وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديماً أو محدثاً ، لا جائز أن يكون قديماً لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته . وما كان واجب الوجود لذاته كان غنياً عن غيره فامتنع كونه ولداً لغيره . فبقي أنه لو كان ولداً لوجب كونه حادثاً ، فنقول إنه تعالى عالم بجميع المعلومات فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالاً ونفعاً أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك ، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن الله تعالى خلق هذا الولد فيه إلا والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبل ذلك ، ومتى كان الداعي إلى إيجاده حاصلاً قبله وجب حصول الولد قبل ذلك ، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزلياً وهو محال ، وإن كان الثاني فقد ثبت أنه تعالى عالم بأنه ليس له في تحصيل الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الإلهية ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يحدثه البتة في وقت من الأوقات ، وهذا هو المراد من قوله : { وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } وفيه وجه آخر وهو أن يقال الولد المعتاد إنما يحدث بقضاء الشهوة ، وقضاء الشهوة يوجب اللذة ، واللذة مطلوبة لذاتها ، فلو صحت اللذة على الله تعالى مع أنها مطلوبة لذاتها ، وجب أن يقال إنه لا وقت إلا وعلم الله بتحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت لأنه تعالى لما كان عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون هذا المعنى معلوماً ، وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يحصل تلك اللذة في الأزل ، فلزم كون الولد أزلياً ، وقد بينا أنه محال فثبت أن كونه تعالى عالماً بكل المعلومات مع كونه تعالى أزلياً يمنع من صحة الولد عليه ، وهذا هو المراد من قوله : { وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فثبت بما ذكرنا أنه لا يمكن إثبات الولد لله تعالى بناء على هذين الاحتمالين المعلومين ، فأما إثبات الولد لله تعالى بناء على احتمال ثالث فذلك باطل . لأنه غير متصور ولا مفهوم عند العقل ، فكان القول بإثبات الولادة بناء على ذلك الاحتمال الذي هو غير متصور خوضاً في محض الجهالة وأنه باطل ، فهذا هو المقصود من هذه الآية ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً يساويه في القوة والكمال لعجزوا عنه ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

(6/411)


ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)

اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله ، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به . ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات ، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند ، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات ، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال : ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحداً فإنه هو المصلح لمهمات جميع العباد ، وهو الذي يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم ، ويعلم حاجتهم ، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته ، ومن تأمل في هذا النظم والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه ، وإظهار فساد الشرك ، علم أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : «ذلكم» إشارة إلى الموصوف بما تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة ، وهي : { الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء } أي ذلك الجامع لهذه الصفات فاعبدوه ، على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ، ولا تعبدوا أحداً سواء .
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة افتقار الخلق إلى خالق وموجد ، ومحدث ، ومبدع ، ومدبر ، ولم يذكر دليلاً منفصلاً يدل على نفي الشركاء ، والأضداد والأنداد ، ثم إنه اتبع الدلائل الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكاً ، فهذا القدر يكون أوجب الجزم بالتشريك من الجن ، ثم أبطله ، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى بالتوحيد المحض حيث قال : { ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه } وعند هذا يتوجه السؤال وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على وجود الخالق ، وتزييف دليل من أثبت لله شريكاً ، فهذا القدر كيف أوجب الجزم بالتوحيد المحض؟ فنقول : للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة ، ومن جملتها هذه الطريقة . وتقريرها من وجوه : الأول : قال المتقدمون الصانع الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافىء ، فوجب القول بالتوحيد أما قولنا : الصانع الواحد كاف فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات كاف في كونه إلهاً للعالم ، ومدبراً له . وأما أن الزائد على الواحد ، فالقول فيه متكافىء ، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ثبوته ، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر ، فيلزم إما إثبات آلهة لا نهاية لها ، وهو محال ، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من سائر الأعداد ، وهو أيضاً محال ، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول بالتوحيد .

(6/412)