صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه : فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة إليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول : للعلماء ههنا قولان : الأول : أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة ، كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن ، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة :
المثال الأول : روي أن ابن مسعود كان يقول : مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي أن أمرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت : يا ابن أم عبد ، تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه لوجدتيه ، قال الله تعالى : { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ } [ الحشر : 7 ] وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال : " لعن الله الواشمة والمستوشمة " وأقول : يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء : { وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً لَّعَنَهُ الله } [ النساء : 117 ، 118 ] فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله { وَلاَمُرَنَّهُمْ فليغيرن خَلَقَ الله } [ النساء : 119 ] وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن .
المثال الثاني : ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالساً في المسجد الحرام فقال : «لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى» فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال : «لا شيء عليه» فقال : أين هذا في كتاب الله؟ فقال : قال الله تعالى : { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ } ثم ذكر إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال : للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطاً بثلاث درجات ، وأقول : ههنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة . قال تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } [ البقرة : 286 ] وقال : { وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم } [ محمد : 36 ] وقال : { لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } [ النساء : 29 ] فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة .
وأما الطريق الذي ذكره الشافعي : فهو تمسك بالعموم على أربع درجات : أولها : التمسك بعموم قوله

(6/280)


{ وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ } [ الحشر : 7 ] وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين ، وثانيها : التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » وثالثها : بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين ، ورابعها : الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئاً ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب .
المثال الثالث : قال الواحدي : روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام : « والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله » ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف ، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي : وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله .
وأقول : هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال : { لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل : 44 ] وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلاً تحت هذه الآية ، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة ، وأن خبر الواحد حجة ، وأن القياس حجة ، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في الحقيقة ثابتاً بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى : { مَا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء . ولقائل أن يقول : حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول : حمل قوله { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال : اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلاً من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجباً لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصاراً منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال ، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول .

(6/281)


والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول من يقول : القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف ، وشغل الذمة لا بدّ فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع ، لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية ، والتنصيص على ما لا نهاية له محال بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلاً لله تعالى ألف تكليف على العباد وذكره في القرآن وأمر محمداً عليه السلام بتبليغ ذلك الألف إلى العباد . ثم قال بعده { ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ } فكان معناه أنه ليس لله على الخلق بعد ذلك الألف تكليف آخر ، ثم أكد هذه الآية بقوله { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] وبقوله : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } [ الانعام : 59 ] فهذا تقرير مذهب هؤلاء ، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه ، والله أعلم .
ولنرجع الآن إلى التفسير ، فنقول : قوله { مِن شَىْء } قال الواحدي { مِنْ } زائدة كقوله : ما جاء لي من أحد . وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئاً لم نبينه . وأقول : كلمة { مِنْ } للتبعيض فكان المعنى ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه ، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئاً مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب .
أما قوله { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة . ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ } [ التكوير : 5 ] وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يقتص للجماء من القرناء » وللعقلاء فيه قولان :
القول الأول : أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لإيصال الأعواض إليها وهو قول المعتزلة . وذلك لأن إيصال الآلام إليها من سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ، ولما كان إيصال العوض إليها واجباً ، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها .
والقول الثاني : قول أصحابنا أن الإيجاب على الله محال ، بل الله تعالى يحشرها بمجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية . واحتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور :
الحجة الأولى : أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزماً للذم عند الترك وكونه تعالى مستلزماً للذم محال ، لأنه تعالى كامل لذاته والكامل لذاته لا يعقل كونه مستلزماً للذم بسبب أمر منفصل ، لأن ما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج .
والحجة الثانية : أنه تعالى مالك لكل المحدثات ، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض .
والحجة الثالثة : أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض ، لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل ، فثبت أن القول بالعوض باطل . والله أعلم .
إذا عرفت هذا : فلنذكر بعض التفاريع التي ذكرها القاضي في هذا الكتاب .

(6/282)


الفرع الأول : قال القاضي : كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام ، وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا ، فإنه يجب على الله حشره عقلاً في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذي لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً ، إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل ، فمن حيث السمع يقطع بذلك . وإنما قلنا أن في الحيوانات من لا يستحق العوض ألبتة ، لأنها ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلاً . فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لا بدّ وأن يحصل معه شيء من الإيلام ، وعلى هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض ألبتة .
الفرع الثاني : كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله . وهي أقسام : منها ما أذن في ذبحها لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية ، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية ، ومنها آلمها بالأمراض ، ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم وإذا ظلم بعضها بعضاً فذلك العوض على ذلك الظالم .
فإن قيل : إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض؟
أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة .
الفرع الثالث : المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به ، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الإيلام والأضرار .
الفرع الرابع : مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع . قال القاضي : وهو قول أكثر المفسرين ، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها تراباً ، وعند هذا يقول الكافر : يا ليتني كنت تراباً . قال أبو القاسم البخلي : يجب أن يكون العوض دائماً واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملاً شاقاً والأجرة منقطعة ، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة . واحتج البلخي على قوله ، بأن قال : إنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة ، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضاً آخر ، وهكذا إلى ما لا آخر له .
والجواب عنه : أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الإيلام . والله أعلم .
الفرع الخامس : أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضاً ، فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله تعالى فإنه تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم . وإن لم يكن الأمر كذلك فالله تعالى يكمل ذلك العوض ، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة . والله أعلم .

(6/283)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : في وجه النظم قولان : الأول : أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } [ الأنعام : 36 ] فذكر هذه الآية تقريراً لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } [ الأنعام : 38 ] في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم ، وفي أن عناية الله محيطة بهم ، ورحمته واصلة إليهم ، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاماً ألبتة ، بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمل هذه الدلائل .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من الله تعالى . وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صماً وبكماً وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عمياً فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } [ البقرة : 18 ] .
ثم قال تعالى : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . قالت المعتزلة : الجواب عن هذا من وجوه :
الوجه الأول : قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صماً وبكماً يوم القيامة عند الحشر . ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صماً وبكماً في الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم إلى النار ، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم .
والوجه الثاني : قال الجبائي أيضاً ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا ، فيكون توسعاً من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين ، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا . فشبههم من هذا الوجه بهم ، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه .
والوجه الثالث : قال الكعبي قوله { صُمٌّ وَبُكْمٌ } محمول على الشتم والإهانة ، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . وأما قوله تعالى : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } فقال الكعبي : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه هاهنا ، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله { وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم : 27 ] وقوله { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة : 26 ] وقوله { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] وقوله { يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } [ المائدة : 16 ] وقوله { يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } [ إبراهيم : 27 ] وقوله { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبلنا } [ العنكبوت : 69 ] فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية ، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات ، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات ، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه : الأول : أن المراد من قوله { الظلمات مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } محمول على منع الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم . والثاني : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب ، ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم ، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة .

(6/284)


وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين .
وأعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره . وأما لما ثبت بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيداً جداً ، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي ، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله ، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل ، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله ، وبتخليقه وتقديره وتكوينه ، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر ، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسداً قطعاً ، وأيضاً فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال والنقض في تفسير قوله { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ البقرة : 7 ] وفي سائر الآيات ، فلا حاجة إلى الإعادة ، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة ، وعلى ما قالوه : فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } اختلفوا في المراد بتلك الآيات ، فمنهم من قال : القرآن ومحمد ، ومنهم من قال : يتناول جميع الدلائل والحجج ، وهذا هو الأصح . والله أعلم .

(6/285)


قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)

أعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضاً أنهم إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا يتمردون عن طاعته ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء للعرب في ( أرأيت ) لغتان : إحداهما : رؤية العين ، فإذا قلت للرجل رأيتك كان المراد : أهل رأيت نفسك؟ ثم يثنى ويجمع . فنقول : أرأيتكما أرأيتكم ، والمعنى الثاني : أن تقول أرأيتك ، وتريد : أخبرني ، وإذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول : أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن .
إذا عرفت هذا فنقول : مذهب البصريين : أن الضمير الثاني وهو الكاف في قولك : أرأيتك لا محل له من الاعراب ، والدليل قوله تعالى : { قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَيّ } [ الإسراء : 62 ] ويقال أيضا : أرأيتك زيداً ما شأنه ، ولو جعلت الكاف محلاً لكنت كأنك تقول : أرأيت نفسك زيداً ما شأنه ، وذلك كلام فاسد ، فثبت أن الكاف لا محل له من الاعراب ، بل هو حرف لأجل الخطاب ، وقال الفراء : لو كانت الكاف توكيداً لوقعت التثنية والجمع على التاء ، كما يقعان عليها عند عدم الكاف ، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقعت علامة الجمع على الكاف ، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد . ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أرأيت ، فثبت بهذا انصراف الفعل إلى الكاف ، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها .
أجاب الواحدي عنه : بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك ، فإن علامة الجمع تقع عليها مع أنها حرف للخطاب ، مجرد عن الاسمية ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قرأ نافع { أَرَأَيْتُكُم . وأرأيتكم . وأرأيت . وأفرأيت . وأرأيتك . وأفرأيتك } وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل القرآن ، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن ، والباقون بالهمزة . أما تخفيف الهمزة ، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي . وأما مذهب الكسائي فحسن ، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو كثير في الشعر ، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا : وسله ، وكما أنشد أحمد بن يحيى :
وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا ... بحذف الهمزة . أراد فألبسوني بإثبات الهمزة . وأما الذين قرأوا بتخفيف الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم .
المسألة الثالثة : معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام : قل يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا وأتاكم العذاب عند قيام الساعة ، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر أو ترجعون فيه إلى الله تعالى؟ ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان ، لا جرم قال { بَلْ إياه تَدْعُونَ } يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى .

(6/286)


ثم قال : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم وتنسون ما تشركون به ، وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع . الثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم ، وهذا قول الحسن لأنه قال : يعرضون إعراض الناسي ، ونظيره قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أنهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ } [ يونس : 22 ] ولا يذكرون الأوثان .
المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه ، لأنه تعالى قال : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } ولقائل أن يقول : إن قوله { ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] يفيد الجزم بحصول الإجابة ، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين .
والجواب أن نقول : تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجزم ، إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا ، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة ، ولما كان كلا الأمرين حاصلاً لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين .
المسألة الخامسة : حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لعبدة الأوثان : إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام والأثان ، فلم تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتة؟ وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولاً . أما لو كان ذلك مردوداً وكان الواجب هو محض التقليد ، كان هذا الكلام ساقطاً ، فثبت أن هذه الآية أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل . والله أعلم .

(6/287)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى ، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد ، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى ، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم يهتد ، سواء شاهد الآيات الهائلة ، أو لم يشاهدها ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء ، وحسن الحذف لكونه مفهوماً من الكلام المذكور . وقال الحسن ( البأساء ) شدة الفقر من البؤس ( والضراء ) الأمراض والأوجاع .
ثم قال : { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } والمعنى : إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا . ومعنى التضرع التخشع وهو عبارة عن الانقياد وترك التمرد ، وأصله من الضراعة وهي الذلة ، يقال ضرع الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف ، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ، والمقصود منه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .
فإن قيل : أليس قوله { بَلْ إياه تَدْعُونَ } يدل على أنهم تضرعوا؟ وههنا يقول : قست قلوبهم ولم يتضرعوا .
قلنا : أولئك أقوام ، وهؤلاء أقوام آخرون . أو نقول أولئك تضرعوا لطلب إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الاخلاص لله تعالى فلهذا الفرق حسن النفي والاثبات .
ثم قال تعالى : { فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه نفي التضرع . والتقدير فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا . وذكر كلمة ( لولا ) يفيد أنه ما كان لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم والله أعلم .
المسألة الثانية : احتج الجبائي بقوله { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } فقال : هذا يدل على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم ، وإنما سلّط البأساء والضرّاء عليهم ، لإرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد الإيمان والطاعة من الكل .
والجواب : أن كلمة ( لعل ) تفيد الترجي والتمني؛ وذلك في حق الله تعالى محال وأنتم حملتموه على إرادة هذا المطلوب ، ونحن نحمله على أنه تعالى عاملهم معاملة لو صدرت عن غير الله تعالى لكان المقصود منه هذا المعنى ، فأما تعليل حكم الله تعالى ومشيئته فذلك محال على ما ثبت بالدليل . ثم نقول إن دلت هذه الآية على قولكم من هذا الوجه فإنها تدل على ضد قولكم من وجه آخر ، وذلك لأنها تدل على أنهم لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم ولأجل أن الشيطان زين لهم أعمالهم .
فنقول : تلك القسوة إن حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم التسلسل ، وإن حصلت بفعل الله فالقول قولنا ، وأيضاً هب أن الكفار إنما أقدموا على هذا الفعل القبيح بسبب تزيين الشيطان ، إلا أن نقول : ولم بقي الشيطان مصراً على هذا الفعل القبيح؟ فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى غير النهاية ، وإن بطلت هذه المقادير انتهت بالآخرة إلى أن كل أحد إنما يقدم تارة على الخير وأخرى على الشر ، لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه ، ثم ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بإيجاد الله تعالى فحينئذ يصح قولنا ويفسد بالكلية قولهم ، والله أعلم .

(6/288)


فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

اعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبيّن الله تعالى أنه أخذهم أولاً بالبأساء والضراء لكي يتضرعوا ثم بيّن في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء ، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به ، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضاً . وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم ، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا إقدام على اعتذار وتوبة ، فلا جرم أخذناهم بغتة .
واعلم أن قوله { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } معناه فتحنا عليهم كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ، { حتى إذا فرحوا } أي إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من البأساء والضراء ما كان على سبيل الانتقام من الله . ولما فتح الله عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست وماتت وأنه لا يرجى لها انتباه بطريق من الطرق ، لا جرم فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون . قال الحسن : في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة ، وقال صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج من الله تعالى » ثم قرأ هذه الآية . قال أهل المعاني : وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله : { فإذا هم مبلسون } أي آيسون من كل خير . قال الفرّاء : المبلس الذي انقطع رجاؤه ، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس . وقال الزجاج : المبلس الشديد الحسرة الحزين ، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة ، ويكون بمعنى انقطاع الحجة ، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية وهذه المعاني متقاربة .
ثم قال تعالى : { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان آخرهم . قال أُمية بن أبي الصلت :
فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم ... فما استطاعوا له صرفا ولا نتصروا
وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم . وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله . وقوله : { والحمد لله ربّ العالمين } فيه وجوه : الأول . معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جارياً مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء . والثاني : أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال : إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم ، فكانوا يستوجبون به مريد العقاب والعذاب فكان إفناؤهم وإماتتهم في تلك الحالة موجباً أن لا يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب فكان ذلك جارياً مجرى الانعام عليهم . والثالث : أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجود إنعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن ، وذلك بأن أخذهم أولاً بالبأساء والضراء ، ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء ، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم ، فلما لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والكفر ، أفناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم ، فكان قوله : { والحمد الله ربّ العالمين } على تلك النعم الكثيرة المتقدمة .

(6/289)


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46)

{ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مِّنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الأَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } .
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار ، وتقريره أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب فالأذن محل القوة السامعة والعين محل القوة الباصرة ، والقلب محل الحياة والعقل والعلم . فلو زالت هذه الصفات عن هذه الأعضاء اختل أمر الإنسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين . ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحصيل هذه القوى فيها وصونها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله . وإذا كان الأمر كذلك ، كان المنعم بهذه النعم العالية والخيرات الرفيعة هو الله سبحانه وتعالى فوجب أن يقال المستحق للتعظيم والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى وذلك يدل على أن عبادة الأصنام طريقة باطلة فاسدة .
المسألة الثانية : ذكروا في قوله { وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ } وجوهاً : الأول : قال ابن عباس : معناه وطبع على قلوبهم فلم يعقلوا الهدى . الثاني : معناه وأزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين . والثالث : المراد بهذا الختم الاماتة أي يميت قلوبكم .
المسألة الثالثة : قوله { مَّنْ إله غَيْرُ الله } { مَنْ } رفع بالابتداء وخبره { إِلَهٌ } و { غَيْرُ } صفة له وقوله { يَأْتِيكُمْ بِهِ } هذه الهاء تعود على معنى الفعل . والتقدير : من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم .
المسألة الرابعة : روي عن نافع { بِهِ انظر } بضم الهاء وهو على لغة من يقرأ { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض } [ القصص : 81 ] فحذف الواو لالتقاء الساكنين فصار { بِهِ انظر } والباقون بكسر الهاء . وقرأ حمزة والكسائي { يَصْدِفُونَ } باشمام الزاي والباقون بالصاد أي يعرضون عنه . يقال : صدف عنه أي أعرض والمراد من تصريف الآيات إيرادها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوي ما قبله في الايصال إلى المطلوب فذكر تعالى أن مع هذه المبالغة في التفهيم والتقرير والإيضاح والكشف ، انظر يا محمد أنهم كيف يصدفون ويعرضون .
المسألة الخامسة : قال الكعبي : دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من الفهم ، ولم يخلق فيهم الاعراض والصد ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى . واحتج أصحابنا بعين هذه الآية وقالوا : إنه تعالى بين أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها وتنقيحها وإزالة جهات الشبهات عنها ، ثم إنهم مع هذه المبالغة القاطعة للعذر ما زادوا إلا تمادياً في الكفر والغي والعناد ، وذلك يدل على أن الهدى والضلال لا يحصلان إلا بهداية الله وإلا بإضلاله فثبت أن هذه الآية دلالتها على قولنا أقوى من دلالتها على قولهم ، والله أعلم .

(6/290)


قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)

اعلم أن الدليل المتقدم كان مختصاً بأخذ السمع والبصر والقلب وهذا عام في جميع أنواع العذاب ، والمعنى : أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحانه ، ولا محصل لخير من الخيرات إلا الله سبحانه ، فوجب أن يكون هو المعبود بجميع أنواع العبادات لا غيره .
فإن قيل : ما المراد بقوله { بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } قلنا العذاب الذي يجيئهم إما أن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أو مع سبق هذه العلامة . فالأول : هو البغتة . والثاني : هو الجهرة . والأول سماه الله تعالى بالبغتة ، لأنه فاجأهم بها وسمى الثاني جهرة ، لأن نفس العذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه .
وعن الحسن أنه قال : { بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } معناه ليلاً أو نهاراً . وقال القاضي : يجب حمل هذا الكلام على ما تقدم ذكره لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلاً وقد عاينوا مقدمته ، لم يكن بغتة ولو جاءهم نهاراً وهم لا يشعرون بمقدمته لم يكن جهرة . فأما إذا حملناه على الوجه الذي تقدم ذكره ، استقام الكلام .
فإن قيل : فما المراد بقوله { هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون } مع علمكم بأن العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز .
قلنا : إن الهلاك وإن عم الأبرار والأشرار في الظاهر ، إلا أن الهلاك في الحقيقة مختص بالظالمين الشريرين ، لأن الأخيار يستوجبون بسبب نزول تلك المضار بهم أنواعاً عظيمة من الثواب والدرجات الرفيعة عند الله تعالى ، فذاك وإن كان بلاء في الظاهر ، إلا أنه يوجب سعادات عظيمة؟
أما الظالمون فإذا نزل البلاء بهم فقد خسروا الدنيا والآخرة معاً ، فلذلك وصفهم الله تعالى بكونهم هالكين وذلك تنبيه على أن المؤمن التقي النقي هو السعيد ، سواء كان في البلاء أو في الآلاء والنعماء وأن الفاسق الكافر هو الشقي ، كيف دارت قضيته واختلفت أحواله ، والله أعلم .

(6/291)


وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار فيما تقدم أنهم قالوا { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ الأنعام : 37 ] وذكر الله تعالى في جوابهم ما تقدم من الوجوه الكثيرة ثم ذكر هذه الآية والمقصود منها أن الأنبياء والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين ولا قدرة لهم على إظهار الآيات وإنزال المعجزات ، بل ذاك مفوض إلى مشيئة الله تعالى وكلمته وحكمته فقال : { وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } مبشرين بالثواب على الطاعات ، ومنذرين بالعقاب على المعاصي ، فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو عمل القلب والاصلاح الذي هو عمل الجسد { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا يَمَسُّهُمُ العذاب } ومعنى المس في اللغة التقاء الشيئين من غير فصل . قال القاضي : إنه تعالى علل عذاب الكفار بكونهم فاسقين ، وهذا يقتضي أن يكون كل فاسق كذلك ، فيقال له هذا معارض بما أنه خص الذين كذبوا بآيات الله بهذا الوعيد وهذا يدل على أن من لم يكن مكذباً بآيات الله أن لا يلحقه الوعيد أصلاً . وأيضاً فهذا يقتضي كون هذا الوعيد معللاً بفسقهم فلم قلتم أن فسق من عرف الله وأقر بالتوحيد والنبوّة والمعاد ، مساو لفسق من أنكر هذه الأشياء؟ والله أعلم .

(6/292)


قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } [ الأنعام : 37 ] فقال الله تعالى قل لهؤلاء الأقوام ، إنما بعثت مبشراً ومنذراً ، وليس لي أن أتحكم على الله تعالى وأمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة ، أولها : قوله { لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } فاعلم أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله ، فاطلب من الله حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها ، ويفتح علينا أبواب سعادتها . فقال تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن الله ، فهو تعالى يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة ، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه ، بحيث لا تناله الأيدي . وثانيها : قوله { وَلا أَعْلَمُ الغيب } ومعناه أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله فلا بدّ وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار ، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ، ولدفع تلك المضار . فقال تعالى : قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب؟
والحاصل أنهم كانوا في المقام الأول يطلبون منه الأموال الكثيرة والخيرات الواسعة ، وفي المقام الثاني كانوا يطلبون منه الاخبار عن الغيوب ، ليتوسلوا بمعرفة تلك الغيوب إلى الفوز بالمنافع والاجتناب عن المضار والمفاسد . وثالثها : قوله { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } ومعناه أن الوقم كانوا يقولون { مَّالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الاسواق } [ الفرقان : 7 ] ويتزوج ويخالط الناس . فقال تعالى : قل لهم إني لست من الملائكة .
واعلم أن الناس اختلفوا في أنه ما الفائدة في ذكر نفي هذه الأحوال الثلاثة؟
فالقول الأول : أن المراد منه أن يظهر الرسول من نفسه التواضع لله والخضوع له والاعتراف بعبوديته ، حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام .
والقول الثاني : أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية ، كقولهم { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا } [ الإسراء : 90 ] إلى آخر الآية فقال تعالى في آخر الآية { قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 93 ] يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوّة ، وأما هذه الأمور التي طلبتموها ، فلا يكن تحصيلها إلا بقدرة الله ، فكان المقصود من هذا الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه .
والقول الثالث : أن المراد من قوله { لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } معناه إني لا أدعي كوني موصوفاً بالقدرة اللائقة بالإله تعالى . وقوله { وَلا أَعْلَمُ الغيب } أي ولا أدعي كوني موصوفاً بعلم الله تعالى . وبمجموع هذين الكلامين حصل أنه لا يدعي الإلهية .

(6/293)


ثم قال : { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } وذلك لأنه ليس بعد الإلهية درجة أعلى حالاً من الملائكة ، فصار حاصل الكلام كأنه يقول لا أدعي الإلهية ولا أدعي الملكية ولكني أدعي الرسالة ، وهذا منصب لا يمتنع حصوله للبشر ، فكيف أطبقتم على استنكار قولي ودفع دعواي؟
المسألة الثانية : قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء ، لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي ولولا أن الملك أفضل وإلا لم يصح ذلك . قال القاضي : إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع؛ فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل ، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة ، لم يدل على كونهم أفضل .
المسألة الثالثة : قوله { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } ظاهره يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي وهو يدل على حكمين .
الحكم الأول
أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي ، ويتأكد هذا بقوله { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } [ النجم : 3 ، 4 ] .
الحكم الثاني
إن نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه ، لقوله تعالى : { فاتبعوه } [ سبأ : 20 ] وذلك ينفي جواز العمل بالقياس ، ثم أكد هذا الكلام بقوله { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير } وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير .
ثم قال : { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلاً عن معرفته ، والله أعلم .

(6/294)


وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)

اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال : { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ( الإنذار ) الاعلام بموضع المخافة وقوله { بِهِ } قال ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } [ الأنعام : 50 ] وقال الضحاك { وَأَنذِرْ بِهِ } أي بالله ، والأول أولى ، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى .
وأما قوله { الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } ففيه أقوال : الأول : أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقاً ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه .
والقول الثاني : أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم .
والقول الثالث : أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر ، سواء قطع بحصوله أو كان شاكاً فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائماً في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل ، وكان مأموراً بالتبليغ إلى الكل ، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر ، لأن انتفاعهم بذلك الانذار أكمل ، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم المعاد .
المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : { أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصاً بمكان وجهة لأن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية .
والجواب : المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم .
المسألة الثالثة : قوله { لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } قال الزجاج : موضع { لَّيْسَ } نصب على الحال كأنه قيل : متخلين من ولي ولا شفيع ، والعامل فيه يخافون . ثم ههنا بحث : وذلك لأنه إن كان المراد من { الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } الكفار ، فالكلام ظاهر ، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء ، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] والله كذبهم فيه وذكر أيضاً في آية أخرى فقال

(6/295)


{ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } [ غافر : 18 ] وقال أيضاً { فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين } [ المدثر : 48 ] وإن كان المراد المسلمين ، فنقول : قوله { لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } لا ينافي مذهبنا في إثبات الشفاعة للمؤمنين لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين ، إنما تكون بإذن الله تعالى لقوله { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة : 255 ] فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله ، كانت في الحقيقة من الله تعالى .
المسألة الرابعة : قوله { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } قال ابن عباس : معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي . قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من الكفار التقوى والطاعة ، والكلام على هذا النوع من الاستدلال قد سبق مراراً .

(6/296)


وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال : مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ أطردهم عن نفسك ، فلعلك إن طردتهم اتبعناك ، فقال عليه السلام : " ما أنا بطارد المؤمنين " فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا ، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت ، فقال «نعم» طمعاً في إيمانهم . وروي أن عمر قال له : لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون ، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام : أكتب لنا بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية ، فرمى الصحيفة ، واعتذر عمر عن مقالته ، فقال سلمان وخباب : فينا نزلت ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته ، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام ، فنزل قوله { واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم } [ الكهف : 28 ] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال : " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات " . المسألة الثانية : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه : الأول : أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد ، فكان ذلك الطرد ذنباً . والثاني : أنه تعالى قال : { فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } وقد ثبت أنه طردهم ، فيلزم أن يقال : إنه كان من الظالمين . والثالث : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } [ هود : 29 ] ثم إنه تعالى أمر محمداً عليه السلام بمتابعة الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة ، حيث قال : { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] فبهذا الطريق وجب على محمد عليه السلام أن لا يطردهم ، فلما طردهم كان ذلك ذنباً . والرابع : أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف ، فزاد فيها فقال : { تُرِيدُ زِينَةَ الحياة } [ الكهف : 28 ] ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال { ا وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أزواجا مّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا } [ طه : 131 ] فلما نهى عن الالتفات إلى زينة الدنيا ، ثم ذكر في تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنباً . الخامس : نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الواقعة فكان عليه السلام يقول " مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم " أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل أيضاً على الذنب .
والجواب عن الأول : أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتاً معيناً سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ولعلّه عليه السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة أمر مهم في الدنيا وفي الدين ، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور . وأما قوله ثانياً : إن طردهم يوجب كونه عليه السلام من الظالمين .

(6/297)


فجوابه : أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أو أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلمأْ ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { بالغداة والعشى } بالواو وضم الغين وفي سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين . قال أبو علي الفارسي الوجه قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها . فأما ( غدوة ) فمعرفة وهو علم صيغ له ، وإذا كان كذلك ، فوجب أن يمتنع إدخال لام التعريف عليه ، كما يمتنع إدخاله على سائر المعارف . وكتبة هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم ، ألا ترى أنهم كتبوا «الصلوة» بالواو وهي ألف فكذا ههنا . قال سيبويه «غدوة وبكرة» جعل كل واحد منهما اسماً للجنس كما جعلوا أم حبين اسماً لدابة معروفة . قال وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يوماً من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون . فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة ، وأما وجه قراءة ابن عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : في قوله { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } قولان : الأول : أن المراد من الدعاء الصلاة ، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد .
وقيل : المراد من الغداة والعشى طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيهاً على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس .
والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء ههنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار .
المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله { ويبقى وَجْهُ رَبّكَ } [ الرحمن : 27 ] .
وجوابه أن قوله { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] يقتضي الوجدانية التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنه لا بدّ من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : قوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والثاني : أن من أحب ذاتاً أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله

(6/298)


{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } [ البقرة : 115 ] .
ثم قال تعالى : { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } اختلفوا في أن الضمير في قوله { حِسَابِهِمْ } وفي قوله { عَلَيْهِمْ } إلى ماذا يعود؟
والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلّهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى : لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر .
القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله { فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء ، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولاً وملبوساً عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله ، فحسابهم عليه لازم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] .
فإن قيل : أما كفى قوله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } حتى ضم إليه قوله { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء }
قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه .
القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم .
وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } [ الشعراء : 111 ] فأجابهم نوح عليه السلام و { قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى لَوْ تَشْعُرُونَ } [ الشعراء : 112 ، 113 ] وعنوا بقولهم { الأرذلون } الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك ههنا . وقوله { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم ، وقوله { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } يجوز أن يكون عطفاً على قوله { فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبب لأن كونه ظالماً معلول طردهم ومسبب له . وأما قوله { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } ففيه قولان : الأول : { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } لنفسك بهذا الطرد ، الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلماً لهم ، والله أعلم .

(6/299)


وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه ، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا : لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية ، فكان ذلك يشق عليهم . ونظيره قوله تعالى : { أءُلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } [ القمر : 25 ] { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [ الأحقاف : 11 ] وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة ، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة .
فقال تعالى : { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فأحد الفريقين يرى الآخر متقدماً عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدماً عليه في المناصب الدنيوية ، فكانوا يقولون أهذا هو الذي فضله الله علينا ، وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه ، إما بحكم المالكية على ما هو قول أصحابنا أو بحسب المصلحة على ما هو قول المعتزلة ، فكانوا صابرين في وقت البلاء ، شاكرين في وقت الآلاء والنعماء وهم الذين قال الله تعالى في حقهم { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجهين : الأول : أن قوله { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } تصريح بأن إلقاء تلك الفتنة من الله تعالى ، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا اعتراضهم على الله في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين والاعتراض على الله كفر وذلك يدل على أنه تعالى هو الخالق للكفر . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } والمراد من قوله { مَنَّ الله عَلَيْهِم } هو أنه مَنَّ عليهم بالإيمان بالله ومتابعة الرسول ، وذلك يدل على أن هذه المعاني إنما تحصل من الله تعالى لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد ، فالله ما منّ عليه بهذا الإيمان ، بل العبد هو الذي منّ على نفسه بهذا الإيمان ، فصارت هذه الآية دليلاً على قولنا في هذه المسألة من هذين الوجهين : أجاب الجبائي عنه ، بأن الفتنة في التكليف ما يوجب التشديد ، وإنما فعلنا ذلك ليقولوا أهؤلاء؟ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاماً لا إنكاراً { أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } بالإيمان؟ وأجاب الكعبي عنه بأن قال : { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ليصبروا أو ليشكروا ، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا { أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } على ميثاق قوله { فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ] والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل لا سيما والدليل العقلي قائم على صحة هذا الظاهر ، وذلك لأنه لما كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة ، والأنفة توجب العصيان والاصرار على الكفر ، وموجب الموجب موجب ، كان الالزام وارداً ، والله أعلم .

(6/300)


المسألة الثالثة : في كيفية افتتان البعض بالبعض وجوه : الأول : أن الغنى والفقر كانا سببين لحصول هذا الافتتان كما ذكرنا في قصة نوح عليه السلام ، وكما قال في قصة قوم صالح { َقَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذى ءَامَنتُمْ بِهِ كافرون } [ الأعراف : 76 ] والثاني : ابتلاء الشريف بالوضيع . والثالث : ابتلاء الذكي بالأبله . وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة ، ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة ، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها ، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال .
فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق ، وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : قال هشام بن الحكم : إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند حدوثها ، واحتج بهذه الآية ، لأن الافتتان هو الاختبار والامتحان ، وذلك لا يصح إلا لطلب العلم وجوابه قد مر غير مرة .

(6/301)


وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في قوله { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته . وقال آخرون : بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وإبعادهم ، فأكرمهم الله بهذا الإكرام . وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولاً عن طردهم ، ثم أمره بأن يكرمهم بهذا النوع من الإكرام . قال عكرمة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول : «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام» وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عمر لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها . وقال للرسول عليه السلام ، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية . وقال بعضهم : بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب ، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف ، فنزلت هذه الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها ، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف .
ولي ههنا إشكال ، وهو : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟
المسألة الثانية : قوله : { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } مشتمل على أسرار عالية ، وذلك لأن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى ، وآيات صفات جلاله وإكرامه وكبريائه ، وآيات وحدانيته ، وما سوى الله فلا نهاية له ، وما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل التام ، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته كالسائح في تلك القفار ، وكالسابح في تلك البحار . ولما كان لا نهاية لها فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات ، وهذا مشرع جملي لا نهاية لتفاصيله . ثم إن العبد إذا صار موصوفاً بهذه الصفة فعند هذا أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم { سلام عَلَيْكُمُ } فيكون هذا التسليم بشارة لحصول السلامة . وقوله : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } بشارة لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة . أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخالفات وموضع التغييرات والتبديلات ، وأما الكرامات فبالوصول إلى الباقيات الصالحات والمجردات المقدسات ، والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال .
المسألة الثالثة : ذكر الزجاج عن المبرد . أن السلامة في اللغة أربعة أشياء ، فمنها سلمت سلاماً وهو معنى الدعاء ، ومنها أنه اسم من أسماء الله تعالى ، ومنها الإسلام ، ومنها اسم للشجر العظيم ، أحسبه سمي بذلك لسلامته من الآفات ، وهو أيضاً اسم للحجارة الصلبة ، وذلك أيضاً لسلامتها من الرخاوة . ثم قال الزجاج : قوله : { سلام عَلَيْكُمُ } السلام ههنا يحتمل تأويلين : أحدهما : أن يكون مصدر سلمت تسليماً وسلاماً مثل السراح من التسريح ، ومعنى سلمت عليه سلاماً ، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه . فالسلام بمعنى التسليم ، والثاني : أن يكون السلام جمع السلامة ، فمعنى قولك السلام عليكم ، السلامة عليكم . وقال أبو بكر بن الأنباري : قال قوم السلام هو الله تعالى فمعنى السلام عليكم يعني الله عليكم أي على حفظكم وهذا بعيد في هذه الآية لتنكير السلام في قوله { فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ } ولو كان معرفاً لصح هذا الوجه . وأقول كتبت فصولاً مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم وكتبتها في سورة التوبة ، وهي أجنبية عن هذا الموضع فإذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث والله أعلم .

(6/302)


أما قوله { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب . وكلمة «على» أيضاً تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب . فهذا يقتضي كونه سبحانه راحماً لعباده رحيماً بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا : له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد ، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة : إن كونه عالماً بقبح القبائح وعالماً بكونه غنياً عنها ، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلماً ، والظلم قبيح ، والقبيح منه محال . وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول .
المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضاً قوله تعالى : { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } [ المائدة : 116 ] يدل عليه ، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة ، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه . لأنه لو كان جسماً لكان مركباً والمركب ممكن وأيضاً أنه أحد ، والأحد لا يكون مركباً ، وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً أنه غني كما قال { والله الغنى } والغني لا يكون مركباً وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كان جسماً لحصل له مثل ، وذلك باطل لقوله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه .
المسألة الثالثة : قالت المعتزلة قوله : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } ينافي أن يقال : إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه أبد الآباد ، وينافي أن يقال : إنه يمنعه عن الإيمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان ، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان . وجواب أصحابنا : أنه ضار نافع محيي مميت ، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين .

(6/303)


المسألة الرابعة : من الناس من قال : إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم : { سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه ، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا : { سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواماً بأنه يقول لهم بعد الموت { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس : 58 ] ثم إن أقواماً أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية .
ثم قال تعالى : { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين وصفهم بقوله : { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية ، والمراد من قوله { بِجَهَالَةٍ } ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنباً ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته .
المسألة الثانية : قرأ نافع { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ } بفتح الألف { فَأَنَّهُ غَفُورٌ } بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما . أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلاً من الأولى كقوله { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } [ المؤمنون : 85 ] وقوله { كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } [ الحج : 4 ] وقوله { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [ التوبة : 63 ] قال أبو علي الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلاً من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبراً تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون «أن» خبره كأنه قيل : فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعاً فلأنه لما قال { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فدخلت الفاء جواباً للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم .

(6/304)


المسألة الثالثة : قوله : { مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ } قال الحسن : كل من عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل .
وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلاً إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله : { إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة } [ النساء : 17 ] .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } فقوله { تَابَ } إشارة إلى الندم على الماضي وقوله { وَأَصْلَحَ } إشارة إلى كونه آتياً بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل . ثم قال : { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فهو غفور بسبب إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة . والله أعلم .

(6/305)


وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)

قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الأيات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } .
المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله : { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوماً واختلف القراء في قوله { ليستبين } فقرأ نافع { لتستبين } بالتاء { وسبيل } بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { ليستبين } بالياء { مّن سَبِيلٍ } بالرفع والباقون بالتاء { وسبيل } بالرفع على تأنيث سبيل . وأهل الحجاز يؤنثون السبيل ، وبنو تميم يذكرونه . وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } [ الأعراف : 146 ] وقال { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } [ إبراهيم : 3 ] .
فإن قيل : لم قال { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } ولم يذكر سبيل المؤمنين .
قلنا : ذكر أحد القسمين يدل على الثاني . كقوله { سَرَابِيلَ تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] ولم يذكر البرد . وأيضاً فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة ، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما ، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضاً لا محالة .
قوله تعالى : { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ من المهتدين قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين ، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم . فقال : { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد ، لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير ، وكون الأشرف مشتغلاً بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل . وأيضاً أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه . فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى . ومضادة للهدى ، وهذا هو المراد من قوله { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } ثم قال : { قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء . والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك . ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً ، على ما يجب اتباعه بقوله : { قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } أي في أنه لا معبود سواه . وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره .

(6/306)


واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل يا محمد : { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني قولهم { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ] والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم { يَقْضِى الحق } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } أي القاضين ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به ، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به . وكذلك في جميع الأفعال . والدليل عليه أنه تعالى قال : { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } وهذا يفيد الحصر ، بمعنى أنه لا حكم إلا لله . واحتج المعتزلة بقوله : { يَقْضِى الحق } ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق . وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر . ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق . والله أعلم .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم { يَقُصُّ الحق } بالصاد من القصص ، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق ، كقوله : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص } [ يوسف : 3 ] وقرأ الباقون { يَقْضِ الحق } والمكتوب في المصاحف «يقض» بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا { سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق : 18 ] { فما تغن النذر } [ القمر : 5 ] وقوله : { يقضى الحق } قال الزجاج : فيه وجهان : جائز أن يكون { الحق } صفة المصدر والتقدير : يقض القضاء الحق . ويجوز أن يكون { يقضى الحق } يصنع الحق ، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق . وعلى هذا التقدير { الحق } يكون مفعولاً به وقضى بمعنى صنع . قال الهذلي :
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله : { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } قال والفصل يكون في القضاء ، لا في القصص .
أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص ههنا بمعنى القول . وقد جاء الفصل في القول قال تعالى : { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } [ الطارق : 13 ] وقال : { أُحْكِمَتْ ءاياته ثم فُصِلَتْ } [ هود : 1 ] وقال : { نُفَصِّلُ الآيات } [ الأعراف : 32 ] .

(6/307)


قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)

قوله تعالى : { قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ الأمر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ والله أَعْلَمُ بالظالمين } .
اعلم أن المعنى { لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي وإمكاني { مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب { لَقُضِىَ الأمر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي ، واقتصاصاً من تكذيبكم به . ولتخلصت سريعاً { والله أَعْلَمُ بالظالمين } وبما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره ، والمعنى : إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين . والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته ، والله أعلم .
قوله تعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى البر والبحر وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس لإلا في كتاب مبين } .
اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى { والله أَعْلَمُ بالظالمين } يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المفاتح جمع مفتح . ومفتح ، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح ، قال الفراء في قوله تعالى : { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بالعصبة } [ القصص : 76 ] يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن ، أما على التقدير الأول . فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء { مفاتيح } وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب . فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب ، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا : ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة . قالوا : وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود إما أن يكون واجباً لذاته ، وإما أن يكون ممكناً لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى . وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه . إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولاً وعرضاً . إذا ثبت هذا فنقول : علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني . وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر ، ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة .

(6/308)


ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى ، وهي : أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً . والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق . فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالاً من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوماً لكل أحد ، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون ، لأنه قال أولاً : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال : { وَيَعْلَمُ مَا فِى البر والبحر } وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر ، والبحر ، والحس ، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر ، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول .
وفيه دقيقة أخرى وهي : إنه تعالى قدم ذكر البر ، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر ، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب . فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه . ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فيصير هذا المثال المحسوس مقوياً ومكملاً للعظمة الحاصلة تحت قوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله : { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله : { وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظلمات الأرض } وذلك لأن الحبة في غاية الصغر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفياً فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة ، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال : { وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } وهو عين المذكور في قوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية . ومن الله التوفيق .

(6/309)


المسألة الثانية : المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، ومن كان كذلك كان عالماً بها فوجب كونه تعالى عالماً بها والحكماء قالوا : إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالماً بكلها :
واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات الزمانية وذلك لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالماً بهذه التغيرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } يدل على كونه تعالى منزهاً عن الضد والند وتقريره : أن قوله : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره . ولو حصل موجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر . وأيضاً فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه . وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم .
المسألة الرابعة : قرىء { ولا حبة وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } بالرفع وفيه وجهان : الأول : أن يكون عطفاً على محل من ورقة وأن يكون رفعاً على الابتداء وخبره { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار .

(6/310)


المسألة الخامسة : قوله : { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } فيه قولان : الأول : أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير . وهذا هو الصواب . والثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل : { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأرض وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كتاب مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } [ الحديد : 22 ] وفائدة هذا الكتاب أمور : أحدها : أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقاً له . وثانيها : يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيهاً للمكلفين على أمر الحساب وإعلاماً بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء : لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضاً تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجباً تاماً وسبباً كاملاً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم كما قال صلوات الله عليه : « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » والله أعلم .

(6/311)


وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادراً على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة .
فأما قوله : { الذى يتوفاكم بالليل } فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز كما قال جل جلاله { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التى قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مسمى } [ الزمر : 42 ] ، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت ، وههنا بحث : وهو أن النائم لا شك أنه حي ومتى كان حياً لم تكن روحه مقبوضة البتة ، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن الله توفاه فلا بد ههنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها ، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلاً عن بعض الأعمال ، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال ، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار ، فصح إطلاق لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه . ثم قال : { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة . قال تعالى : { والذين اجترحوا السيآت } أي اكتسبوا . وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح .
ثم قال تعالى : { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي يرد إليكم أرواحكم في النهار ، والبعث ههنا اليقظة . ثم قال : { لّيُقْضي أَجَلٌ مُّسَمًّى } أي أعماركم المكتوبة ، وهي قوله : { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } والمعنى يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم ، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام ، ومعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة ، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة . فقال : { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم .

(6/312)


وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته . وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى : { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [ الفتح : 10 ] ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية ، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة ، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً . وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد ، والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى . فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضد بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في قوله : { قُلِ اللهم مالك الملك تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } [ آل عمران : 26 ] .
وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبراً قادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند ، مقدساً عن الشبيه والشكل . كما قال : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } والرابع : أن هذا البدن مؤلف من الطبائع الأربع . وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية ، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج ، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع ، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع . فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى ، كما قال : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } وأيضاً فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن ، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف ، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة . ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة ، وجعل كل واحد منهما مستكملاً بصاحبه منتفعاً بالآخر . فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق ، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية ، والمعارف الإلهية ، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع ، كما قال { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } وأيضاً فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين ، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض . فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهراً لعباده من هذه الجهة ، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى ، كما قال : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } .

(6/313)


وأما قوله تعالى : { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى : { لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } [ الرعد : 11 ] وقوله : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] وقوله : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين * كِرَاماً كاتبين } [ الانفطار : 10 ، 11 ] واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى : { مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 49 ] وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه . والقول الأول : أقوى لأن قوله تعالى : { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } يفيد حفظة الكل من غير تخصيص .
والبحث الثاني : أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال ، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها . أما في الأقوال ، فلقوله تعالى : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْل إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } وأما في الأعمال فلقوله تعالى : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين * كِرَاماً كاتبين * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الانفطار : 10-12 ] فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها .
البحث الثالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوهاً : الأول : أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح . الثاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن ، أما وزن الصحائف فممكن . الثالث : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه :

(6/314)


الوجه الأول : قال المتأخرون منهم : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله : { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } تلك النفوس والقوى ، فإنها هى التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها .
والوجه الثاني : وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها ، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا ، وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادىء من عالم الأفلاك ، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادىء تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة ، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير .
والقول الثالث : النفس المتعلقة بهذا الجسد . لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضاً تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلاً والله أعلم .
أما قوله تعالى : { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } فههنا بحثان :
البحث الأول : أنه تعالى قال : { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا } [ الزمر : 42 ] وقال : { الذى خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك : 2 ] فهذا النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى . ثم قال : { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت } [ السجدة : 11 ] وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت . ثم قال في هذه الآية : { تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة .
والجواب : أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى ، وهو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت ، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب ، وله أعوان وخدم وأنصار ، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة والله أعلم .

(6/315)


البحث الثاني : من الناس من قال : هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة ، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله ، وعند مجيء الموت يتوفونهم ، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة ، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق ، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني ، وأيضاً فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة والريحان ، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادىء الكرب والغم والأحزان .
البحث الثالث : الظاهر من قوله تعالى : { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت } أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح ، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية : أتباعه ، وأشياعه عن مجاهد : جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله ، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين ، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة .
والبحث الرابع : قرأ حمزة : توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء ، فالأول لتقديم الفعل ، ولأن الجمع قد يذكر ، والثاني على تأنيث الجمع .
أما قوله تعالى : { وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } أي لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به ، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به . وقوله في صفة ملائكة النار : { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ } يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف ، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق ، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق . أما قوله تعالى : { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق } ففيه مباحث : الأول : قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضاً أولئك الملائكة . وقيل : بل المردودون البشر ، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى الله . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية ، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله ، والميت مع كونه ميتاً لا يمكن أن يرد إلى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة ، لكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة ، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسراً بكونه منقاداً لحكم الله مطيعاً لقضاء الله ، وما لم يكن حياً لم يصح هذا المعنى فيه ، فثبت أنه حصل ههنا موت وحياة أما الموت ، فنصيب البدن : فبقي أن تكون الحياة نصيباً للنفس والروح ولما قال تعالى : { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله } وثبت أن المرد وهو النفس والروح ، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح ، وهو المطلوب .

(6/316)


واعلم أن قوله : { ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله } مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن ، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال : إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ، ونظيره قوله تعالى : { ارجعى إلى رَبّكِ } [ الفجر : 28 ] وقوله : { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } [ يونس : 4 ] ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام " وحجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفها في «الكتب العقلية» .
البحث الثاني : كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغاية فقوله إلى الله يشعر بإثبات المكان والجهة لله تعالى وذلك باطل فوجب حمله على أنهم ردوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه .
البحث الثالث : أنه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين : أحدهما المولى ، وقد عرفت أن لفظ المولى ، ولفظ الولي مشتقان من الولي : أي القرب ، وهو سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن لقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق : 16 ] وقوله : { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [ المجادلة : 7 ] وأيضاً المعتق يسمى بالمولى ، وذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب ، وهو المراد من قوله : «سبقت رحمتي غضبي» وأيضاً أضاف نفسه إلى العبد فقال : { مولاهم الحق } وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة ، وأيضاً قال : مولاهم الحق ، والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة ، وانتقل إلى تصرفات المولى الحق .
والاسم الثاني الحق : واختلفوا هل هو من أسماء الله تعالى ، فقيل : الحق مصدر . وهو نقيض الباطل ، وأسماء المصادر لا تجري على الفاعلين إلا مجازاً كقولنا فلان عدل ورجاء وغياث وكرم وفضل ، ويمكن أن يقال : الحق هو الموجود وأحق الأشياء بالموجودية هو الله سبحانه لكونه واجباً لذاته ، فكان أحق الأشياء بكونه حقاً هو هو ، واعلم أنه قرىء الحق بالنصب على المدح كقولك : الحمد لله الحق .
أما قوله : { أَلاَ لَهُ الحكم وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { أَلاَ لَهُ الحكم } معناه أنه لا حكم إلا لله . ويتأكد ذلك بقوله : { إن الحكم إلا لله ، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على شيء إلا الله ، وذلك يوجب أن الخير والشر كله يحكم الله وقضائه ، فلولا أن الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة ، وإلا لما حصل ذلك .
المسألة الثانية : قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب ، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم ، وهو أخذ الثواب ، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله .
المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى . قال لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة . الآن : وقبل خلقه ، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم ، فإنه تعالى كان قبل الخلق عالماً بأنه سيوجد ، وبعد وجوده صار عالماً بأنه قبل ذلك وجد ، فلم يلزم منه تغير العلم ، فلم لا يجوز مثله في الكلام . والله أعلم .

(6/317)


المسألة الرابعة : اختلفوا في كيفية هذا الحساب ، فمنهم من قال : إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة ، لا يشغله كلام عن كلام ، ومنهم من قال بل يأمر الملائكة حتى أن كل واحد من الملائكة يحاسب واحداً من العباد ، لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم ، وذلك باطل لقوله تعالى في صفة الكفار ، { ولا يكلمهم } [ آل عمران : 77 ] ، وأما الحكماء فلهم كلام في تفسير هذا الحساب ، وهو أنه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين .
فالمقدمة الأولى : أن كثرة الأفعال وتكررها توجب حدوث الملكات الراسخة القوية الثابتة والاستقراء التام يكشف عن صحة ما ذكرناه . ألا ترى أن كل من كانت مواظبته على عمل من الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك العمل منه فيه أقوى .
المقدمة الثانية : إنه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملكة الراسخة ، وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة ، بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة ، والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة .
المثال الأول : أنا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف من فإنها تغوص في الماء بقدر شبر واحد ، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من الحنطة ، فهذا القدر من إلقاء الجسم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل ، وإن قلت وبلغت في القلة إلى حيث لا يدركها الحس ولا يضبطها الخيال .
المثال الثاني : أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط أشكالها الطبيعية كرات فسطح الماء يجب أن يكون كرة والقسى المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة ، فإن تحدب القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة الصغرى وإذا كان الأمر كذلك فالكوز إذا ملىء من الماء ، ووضع تحت الجبل كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته عندما يوضع الكوز فوق الجبل ، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر كان احتمال الماء بالكوز أكثر ، فهذا يوجب أن احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل ، إلا أن هذا القدر من التفاوت بحيث لا يفي بإدراكه الحس والخيال لكونه في غاية القلة .
والمثال الثالث : إن الإنسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر ، فإن رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما ، لأن الأجرام الثقيلة تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، إلا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي بإدراكه الحس والخيال .

(6/318)


فإذا عرفت هذه الأمثلة : وعرفت أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات فنقول : لا فعل من أفعال الخير والشر بقليل ولا كثير ، إلا ويفيد حصول أثر في النفس . إما في السعادة ، وإما في الشقاوة ، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ولما ثبت أن الأفعال توجب حصول الملكات والأفعال الصادرة من اليد ، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة ، وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل ، فلا جرم تكون الأيدي والأرجل شاهدة يوم القيامة على الإنسان ، بمعنى أن تلك الآثار النفسانية ، إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح ، فكان صدور تلك الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جارياً مجرى الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النفس ، وأما الحساب : فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدخل والخرج ، ولما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير والشر أثراً في حصول هيئة من هذه الهيئات في جوهر النفس ، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات المذمومة الخسيسة ، ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة . فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض ، وبعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد ، وقدر آخر من الخلق الذميم ، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد ، ومقدار ذلك الخلق الذميم ، وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم ، وهو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن ، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب ، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية ، والله العالم بحقائق الأمور .

(6/319)


قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية ، وكمال الرحمة والفضل والإحسان . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ } بالتشديد في الكلمتين ، والباقون بالتخفيف . قال الواحدي : والتشديد والتخفيف لغتان منقولتان من نجا ، فإن شئت نقلت بالهمزة ، وإن شئت نقلت بتضعيف العين : مثل : أفرحته وفرحته ، وأغرمته وغرمته ، وفي القرآن { فأنجيناه والذين مَعَهُ } [ الأعراف : 72 ] وفي آية أخرى { وَنَجَّيْنَا الذين ءامَنُواْ } [ فصلت : 18 ] ولما جاء التنزيل باللغتين معاً ظهر استواء القراءتين في الحسن ، غير أن الاختيار التشديد ، لأن ذلك من الله كان غير مرة ، وأيضاً قرأ عاصم في رواية أبي بكر خفية بكسر الخاء والباقون بالضم ، وهما لغتان ، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف ، وعن الأخفش في خفية وخفية أنهما لغتان ، وأيضاً الخفية من الإخفاء ، والخيفة من الرهب ، وأيضاً { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا } من هذه . قرأ عاصم وحمزة والكسائي { لَّئِنْ أنجانا } على المغايبة ، والباقون { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا } على الخطاب ، فأما الأولون : وهم الذين قرؤا على المغايبة ، فقد اختلفوا . قرأ عاصم بالتفخيم ، والباقون بالإمالة ، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل هذا اللفظ ، وما بعده مذكور بلفظ المغايبة ، فأما ما قبله فقوله : { تَدْعُونَهُ } وأما ما بعده فقوله : { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا } وأيضاً فالقراءة بلفظ الخطاب توجب الإضمار ، والتقدير : يقولون لئن أنجيتنا ، والإضمار خلاف الأصل . وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى : { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } .
المسألة الثانية : { ظلمات البر والبحر } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما . يقال : لليوم الشديد يوم مظلم . ويوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت كالليل ، وحقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه ، ويشتبه عليه كيفية الخروج ، ويظلم عليه طريق الخلاص ، ومنهم من حمله على حقيقته فقال : أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل ، وظلمة البحر وظلمة السحاب ، ويضاف الرياح الصعبة والأمواج الهائلة إليها ، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم الخوف ، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم الأعداء ، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب ، والمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله تعالى ، وهذا الرجوع يحصل ظاهراً وباطناً ، لأن الإنسان في هذه الحالة يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى ، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى ، وهو المراد من قوله : { تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ، ولا تعويل إلا على فضل الله ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات ، لكنه ليس كذلك ، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة . يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك ، ومن المفسرين من يقول : المقصود من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان ، وأنا أقول : التعلق بشيء مما سوى الله في طريق العبودية يقرب من أن يكون تعلقاً بالوثن ، فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي ، ولفظ الآية يدل على أن عند حصول هذه الشدائد يأتي الإنسان بأمور : أحدها : الدعاء . وثانيها : التضرع . وثالثها : الإخلاص بالقلب ، وهو المراد من قوله : { وَخُفْيَةً } ورابعها : التزام الاشتغال بالشكر ، وهو المراد من قوله : { لَئِنْ أَنجَيتنا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } ثم بين تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف ، ومن سائر موجبات الخوف والكرب . ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك ، ونظير هذه الآية قوله : { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } وقوله { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ } وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك . إذا شاهدوا الأمر الهائل أخصلوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به .

(6/320)


قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة ، وأما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم ، وتارة من تحت أرجلهم ففيه قولان : الأول : حمل اللفظ على حقيقته فنقول : العذاب النازل عليهم من فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق ، كما في قصة نوح والصاعقة النازلة عليهم من فوق . وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق . كما حصب قوم لوط ، وكما رمى أصحاب الفيل ، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم . فمثل الرجفة ، ومثل خسف قارون . وقيل : هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق ، وظهورها من أسفل .
القول الثاني : أن يحمل هذا اللفظ على مجازه . قال ابن عباس : في رواية عن عكرمة عذاباً من فوقكم أي من الأمراء ، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة . أما قوله : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } فاعلم أن الشيع جمع الشيعة ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة والجمع شيع وأشياع . قال تعالى : { كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ } [ سبأ : 54 ] وأصله من الشيع وهو التبع ، ومعنى الشيعة الذين يتبع بعضهم بعضاً . قال الزجاج قوله : { يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق ، فيجعلكم فرقاً ولا تكونون فرقة واحدة ، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضاً وهو معنى قوله : { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية شق ذلك على الرسول عليه الصلاة والسلام وقال : « ما بقاء أمتي إن عوملوا بذلك » فقال له جبريل : إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك ، فسأل ربه أن لا يفعل بهم ذلك . فقال جبريل : إن الله قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم عذاباً من فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط ، ولا من تحت أرجلهم كما خسف بقارون ولم يجرهم من أن يلبسهم شيعاً بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض بالسيف . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « إن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة الناجية فرقة » وفي رواية أخرى كلهم في الجنة إلا الزنادقة .
المسألة الثانية : ظاهر قوله : { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } هو أنه تعالى يحملهم على الأهواء المختلفة والمذاهب المتنافية . وظاهر أن الحق منها ليس إلا الواحد ، وما سواه فهو باطل فهذا يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على الاعتقاد الباطل وقوله : { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } لا شك أن أكثرها ظلم ومعصية ، فهذا يدل على كونه تعالى خالقاً للخير والشر ، أجاب الخصم عنه بأن الآية تدل على أن الله تعالى قادر عليه وعندنا الله قادر على القبيح . إنما النزاع في أنه تعالى هل يفعل ذلك أم لا؟

(6/321)


والجواب : أن وجه التمسك بالآية شيء آخر فإنه قال : { هُوَ القادر } على ذلك وهذا يفيد الحصر فوجب أن يكون غير الله غير قادر على ذلك وهذا الاختلاف بين الناس حاصل وثبت بمقتضى الحصر المذكور أن لا يكون ذلك صادراً عن غير الله فوجب أن يكون صادراً عن الله وذلك يفيد المطلوب .
المسألة الثالثة : قالت المقلدة والحشوية : هذه الآية من أدل الدلائل على المنع من النظر والاستدلال ، وذلك لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف والمنازعة في الأديان وتفرق الخلق إلى المذاهب والأديان وذلك مذموم بحكم هذه الآية ، والمفضي إلى المذموم مذموم ، فوجب أن يكون فتح باب النظر والاستدلال في الدين مذموماً وجوابه سهل والله أعلم .
ثم قال تعالى في آخر الآية : { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الأيات لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } قال القاضي : هذا يدل على أنه تعالى أراد بتصريف هذه الآيات وتقرير هذه البينات ، أن يفهم الكل تلك الدلائل ويفقه الكل تلك البينات . وجوابنا : بل ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم ، فأما من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم ، والله أعلم .

(6/322)


وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

الضمير في قوله : { وَكَذَّبَ بِهِ } إلى ماذا يرجع فيه أقوال : الأول : أنه راجع إلى العذاب المذكور في الآية السابقة { وَهُوَ الحق } أي لا بد وأن ينزل بهم . الثاني : الضمير في «به» للقرآن وهو الحق أي في كونه كتاباً منزلاً من عند الله . الثالث : يعود إلى تصريف الآيات وهو الحق لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات ، ثم قال : { قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } أي لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل . إنما أنا منذر والله هو المجازي لكم بأعمالكم قال ابن عباس والمفسرون : نسختها آية القتال وهو بعيد ، ثم قال تعالى : { لّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ } والمستقر يجوز أن يكون موضع الاستقرار ، ويجوز أن يكون نفس الاستقرار لأن ما زاد على الثلاثي كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج ، بمعنى الإدخال والإخراج ، والمعنى : أن لكل خبر يخبره الله تعالى وقتاً أو مكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير وإن جعلت المستقر بمعنى الاستقرار ، كان المعنى لكل وعد ووعيد من الله تعالى استقرار ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله تعالى عنه عند ظهوره ونزوله . وهذا الذي خوف الكفار به ، يجوز أن يكون المراد منه عذاب الآخرة ، ويجوز أن يكون المراد منه استيلاء المسلمين على الكفار بالحرب والقتل والقهر في الدنيا .

(6/323)


وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على الرسول أن يلازمهم وأن يكون حفيظاً عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { وَإِذَا رَأَيْتَ } قيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره ، وقيل : الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا . ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث واللعب ، قال تعالى حكاية عن الكفار : { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين } وإذا سئل الرجل عن قوم فقال : تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته . قال : لأن ذلك خوض في آيات الله ، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية ، والجواب عنه : أنا نقلنا عن المفسرين أن المراد من «الخوض» الشروع في آيات الله تعالى على سبيل الطعن والاستهزاء . وبينا أيضاً أن لفظ «الخوض» وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال والله أعلم .
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { يُنسِيَنَّكَ } بالتشديد وفعل وأفعل يجريان مجرى واحد كما بينا ذلك في مواضع . وفي التنزيل { فَمَهّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } [ الطارق : 17 ] والاختيار قراءة العامة لقوله تعالى : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان } [ الكهف : 63 ] ومعنى الآية : إن نسيت وقعدت فلا تقعد بعد الذكرى ، وقم إذا ذكرت . والذكرى اسم للتذكرة قاله الليث . وقال الفراء : الذكرى يكون بمعنى الذكر ، وقوله : { مَعَ القوم الظالمين } يعني مع المشركين .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } وهذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام عنهم ويحتمل بغيره . فلما قال بعد ذلك { فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى } صار ذلك دليلاً على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وههنا سؤالات :
السؤال الأول : هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم؟ والجواب : الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون ذلك ، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا : لأن المطلوب إظهار الإنكار ، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه .
السؤال الثاني : لو خاف الرسول من القيام عنهم ، هل يجب عليه القيام مع ذلك؟

(6/324)