صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)

ثم قال تعالى : { فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً } قال الليث رحمه الله : عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلاناً على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفياً عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ومنه قوله تعالى : { وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } [ الكهف : 21 ] أي اطلعنا ، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة .
ثم قال تعالى : { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثماً أي حنثاً في اليمين بكذب في قول أو خيانة في مال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يوجد منّا خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واختلفوا فقيل : وجد بمكة .
وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتما لا؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { فَإِنْ عُثِرَ } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذباً وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت .
المسألة الثانية : قوله { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله { مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ الاوليان } المراد به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف ، والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال .

(6/186)


المسألة الثالثة : أما قوله { الأوليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأوليان وذلك لأنه لما قال { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز الأخفش أن يكون قوله { الاوليان } صفة لقوله { فَآخَرَانِ } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } [ النور : 35 ] فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال في { زُجَاجَةٍ } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلاً ، ثم يقول إنسان من الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { الاوليان } بدلاً من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير .
المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقاً لهما ، وهذا كما أن إنساناً أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه .
المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ، والأوليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله { مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { يِأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ شهادة بَيْنِكُمْ } [ المائدة : 106 ] وكذلك { اثنان ذَوَا عَدْلٍ } [ المائدة : 106 ] ذكرا في اللفظ قبل قوله { أو آخران من غيركم } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم .
ثم قال تعالى : { فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما وَمَا اعتدينا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين } .
والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة . وقوله { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل .

(6/187)


ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)

ثم قال تعالى : { ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَا أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم } .
والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها ، ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم ، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس .
ثم قال تعالى : { واتقوا الله واسمعوا والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين }
والمعنى اتقوا الله أن تخونوا في الأمانات واسمعوا مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها والله لا يهدي القوم الفاسقين ، وهو تهديد ووعيد لمن خالف حكم الله وأوامره فهذا هو القول في تفسير هذه الآية التي اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً ، وروى الواحدي رحمه الله في «البسيط» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام . والحكم الذي ذكرناه في هذه الآية منسوخ عند أكثر الفقهاء والله أعلم بأسرار كلامه .

(6/188)


يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)

قوله تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ }
اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إما بالإلهيات ، وإما بشرح أحوال الأنبياء ، أو بشرح أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكداً لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم أنواعاً كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أولاً ، ثم ذكر أحوال عيسى . أما وصف أحوال القيامة فهو قوله { يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : قال الزجاج تقديره : واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل ، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول له . الثاني : قال القفال رحمه الله : يجوز أن يكون التقدير : والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل ، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } [ النساء : 168 ، 169 ]
والقول الثاني : أنها منقطعة عما قبلها ، وعلى هذا التقدير ففيه أيضاً وجهان : الأول : أن التقدير : اذكر يوم يجمع الله الرسل . والثاني : أن يكون التقدير : يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» قوله ماذا منتصب بأجبتم انتصاب مصدره على معنى أي أجابه أجبتم إجابة إنكار أم إجابة إقرار . ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم . فإن قيل : وأي فائدة في هذا السؤال؟ قلنا : توبيخ قومهم كما أن قوله { وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } [ التكوير : 8 ، 9 ] المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل .
المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى : { قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم . والجمع بين هذا وبين قوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً } [ النساء : 41 ] مشكل . وأيضاً قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة : 143 ] فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك .
والجواب عنه من وجوه : الأول : قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل وأهوالاً بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها . فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور ، فهنالك يقولون لا علم لنا ، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يشهدون للأمم . وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف ، لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الاكبر } [ الأنبياء : 103 ] وقال أيضاً { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ }

(6/189)


[ عبس : 38 ، 39 ] بل إنه تعالى قال : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوفٌ وَلا هُم يَحزَنُونَ } [ البقرة : 62 ] فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك ، ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون ألبتة . والوجه الثاني : أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان؟ فيقول : أنت أعلم به مني ، كأنه قيل : لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره ، وهذا أيضاً ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى تريد الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم .
والوجه الثالث : في الجواب وهو الأصح وهو الذي اختاره ابن عباس أنهم إنما قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا . فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله كلا علم .
والوجه الرابع : في الجواب أنهم قالوا : لا علم لنا ، إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا ، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا . والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير معلوم لنا . فلهذا المعنى قالوا لا علم لنا وقوله { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } يشهد بصحة هذين الجوابين .
الوجه الخامس : وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة ، أنه قد ثبت في علم الأصول أن العلم غير والظن غير والحاصل عند كل أحد من حال الغير إنما هو الظن لا العلم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " نحن نحكم بالظاهر ، والله يتولى السّرائر " وقال عليه الصلاة والسلام : " إنكم لتختصمون لدي ولعلّ بعضَكم ألحنُ بحجَّته ، فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت له قِطْعةً من النار " أو لفظ هذا معناه . فالأنبياء قالوا : لا علم لنا ألبتة بأحوالهم ، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن ، والظن كان معتبراً في الدنيا ، لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن ، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء ، وبواطن الأمور . فلهذا السبب قالوا { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } ولم يذكروا ألبتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة .
الوجه السادس : أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل ، حكيم لا يسفه ، عادل لا يظلم ، علموا أن قولهم لا يفيد خيراً ، ولا يدفع شراً فرأوا أن الأدب في السكوت ، وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت .
المسألة الرابعة : قريء { علام الغيوب } بالنصب . قال صاحب «الكشاف» والتقدير أن الكلام قد تمّ بقوله { إِنَّكَ أَنتَ } أي أنت الموصوف بأوصافك المعروفة ، من العلم وغيره . ثم نصب { علام الغيوب } على الاختصاص ، أو على النداء ، أو وصفاً لاسم إن .
المسألة الخامسة : دلّت الآية على جواز إطلاق لفظ العلام عليه ، كما جاز إطلاق لفظ الخلاق عليه . أما العلاّمة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث .

(6/190)


إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)

قوله تعالى : { إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ وعلى والدتك } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل { مَاذَا أَجَبْتُمُ } [ المائدة : 109 ] توبيخ من تمرد من أممهم ، وأشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال الله وكبريائه ، حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإله به ، وهو اتخاذ الزوجة والولد ، فلا جرَم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة ، والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله . والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم .
المسألة الثانية : موضع { إِذْ } يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله ، ويجوز أن يكون المعنى اذكر إذ قال الله .
المسألة الثالثة : خرج قوله { إِذ قَالَ الله } على لفظ الماضي دون المستقبل وفيه وجوه :
الأول : الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب ويقال : الجيش قد أتى ، إذا قرب إتيانهم . قال الله تعالى : { أتى أَمْرُ الله } [ النحل : 1 ] الثاني : أنه ورد على حكاية الحال ، ونظيرُه قولُ الرجل لصاحبه كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا ، فصنعنا فيها كذا ، إذ صاح صائح؛ فتركتني وأجبته . ونظيره من القرآن قوله تعالى : { وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ } [ سبأ : 51 ] { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتوفى الذين كفروا الملائكة } [ الأنفال : 50 ] { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } [ سبأ : 31 ] والوجه في كل هذه الآيات ما ذكرناه ، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال .
المسألة الرابعة : { عِيسَى ابن مَرْيَمَ } يجوز أن يكون { عِيسَى } في محل الرفع لأنه منادى مفرد وصف بمضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ثم جعل الابن توكيداً وكل ما كان مثل هذا جاز فيه وجهان نحو يا زيد بن عمرو ، ويا زيد بن عمرو ، وأنشد النحويون :
يا حكم بن المنذر بن الجارود ... برفع الأول ونصبه على ما بيناه .
المسألة الخامسة : قوله { نِعْمَتِى عَلَيْكَ } أراد الجمع كقوله { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ النحل : 18 ] وإنما جاز ذلك لأن مضاف يصلح للجنس .
واعلم أن الله تعالى فسّر نعمته عليه بأمور : أولها : قوله { إِذَ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس } وفيه وجهان : الأول : روح القدس هو جبريل عليه السلام ، الروح جبريل والقدس هو الله تعالى ، كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له . الثاني : أن الأرواح مختلفة بالماهية فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية ، ومنها مشرقة ، ومنها كدرة ، ومنها خيرة ، ومنها نذلة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(6/191)


« الأرواح جنود مجندة » فالله تعالى خصّ عيسى بالروح الطاهرة النورانية المُشْرِقة العلوية الخَيّرة . ولقائل أن يقول : لما دلّت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به ، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق الرسل ، لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك ، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا وما لم تعرف نبوّة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل ، فيلزم الدور وجوابه : ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله وبه يندفع هذا السؤال .
وثانيها : قوله تعالى : { تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } أما كلام عيسى في المهد فهو قوله { إِنّى عبد الله ءاتَانِىَ الكتاب } [ مريم : 30 ] وقوله { تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } في موضع الحال . والمعنى : يكلمهم طفلاً وكهلاً من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده .
وثالثها : قوله تعالى : { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل }
وفي { الكتاب } قولان : أحدهما : المراد به الكتابة وهي الخط . والثاني : المراد منه جنس الكتب . فإن الإنسان يتعلم أولاً كتباً سهلة مختصرة ، ثم يترقى منها إلى الكتب الشريفة . وأما { الحكمة } فهي عبارة عن العلوم النظرية ، والعلوم العملية . ثم ذكر بعده { التوراة والإنجيل } وفيه وجهان : الأول : أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله { حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة : 238 ] وقوله { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب : 7 ] والثاني : وهو الأقوى أن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية ، لا يحصل إلا لمن صار بانياً في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء . فقوله { والتوراة والإنجيل } إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ورابعها : قوله تعالى : { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع { فَتَكُونُ طائراً } والباقون { طَيْراً } بغير ألف وطير جمع طائر كضأن وضائن وركب وراكب .
المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر ههنا { فَتَنفُخُ فِيهَا } وذكر في آل عمران { فَأَنفُخُ فِيهِ } [ آل عمران : 49 ] .
والجواب : أن قوله { كَهَيْئَةِ الطير } أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله { فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف ، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء .
إذا عرفت هذا فنقول : الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر . وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث .

(6/192)


المسألة الثالثة : أنه تعالى اعتبر الإذن في خلق الطين كهيئة الطير ، وفي صيرورته ذلك الشيء طيراً . وإنما أعاد قوله { بِإِذْنِى } تأكيداً لكون ذلك واقعاً بقدرة الله تعالى وتخليقه لا بقدرة عيسى وإيجاده .
وخامسها : قوله تعالى : { وَتُبْرِىء الاكمه والابرص بِإِذْنِى } وإبراء الأكمه والأبرص معروف وقال الخليلي : الأكمه من ولد أعمى والأعمى من ولد بصيرا ثم عمي .
وسادسها : قوله تعالى : { وَإِذْ تُخْرِجُ الموتى بِإِذْنِى } أي وإذ تخرج الموتى من قبورهم أحياء باذني أي بفعلي ذلك عند دعائك ، وعند قولك للميت أخرج بإذن الله من قبرك ، وذكر الإذن في هذه الأفاعيل إنما هو على معنى إضافة حقيقة الفعل إلى الله تعالى كقوله : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 145 ] أي إلا بخلق الله الموت فيها .
وسابعها : قوله تعالى : { وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرئيل عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله { إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات } يحتمل أن يكون المراد منه هذه البيّنات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالألف واللام للعهد . ويحتمل أن يكون المراد منه جنس البينات .
المسألة الثانية : روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهودُ قتلَه فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء .
ثم قال تعالى : { فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكَسائي { ساحر } بالألف وكذلك في يونس وهود والصّف ، وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون { سِحر } فمن قرأ { ساحر } أشار إلى الرجل ومن قرأ { سِحر } أشار به إلى ما جاء به . وكلاهما حسن لأن كل واحد منهما قد تقدم ذكره . قال الواحديّ - رحمه الله- : والاختيار { سِحر } لجواز وقوعه على الحدث والشخص ، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما وقوعه على الشخص ، فتقول : هذا سحر وتريد به ذو سحر كما قال تعالى : { ولكن البر مَنْ ءامَنَ } [ البقرة : 177 ] أي ذا البر قال الشاعر :
فإنما هي إقبال وإدبار ... المسألة الثانية : فإن قيل : إنه تعالى شرع ههنا في تعديد نعمه على عيسى عليه السلام وقول الكفار في حقه { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ليس من النعم ، فكيف ذكره ههنا؟
والجواب : أن من الأمثال المشهورة أن كل ذي نعمة محسود وطعن الكفار في عيسى عليه السلام بهذا الكلام ، يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة فَحُسن ذكره عند تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه .

(6/193)


وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

وثامنها : قوله تعالى : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ ءامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى } وقد تقدم تفسير الوَحْي . فمن قال إنهم كانوا أنبياء قال ذلك الوحي هو الوحي الذي يوحى إلى الأنبياء . ومن قال إنهم ما كانوا أنبياء ، قال : المراد بذلك الوحي الإلهام والالقاء في القلب كما في قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ } [ القصص : 7 ] وقوله { وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } [ النحل : 68 ] وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان . وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم ، آمنوا وأسلموا وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام ، لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في الظاهر ، يعني آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم .
فإن قيل : إنه تعالى قال في أول الآية { اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ وعلى والدتك } [ المائدة : 110 ] ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام ، وليس لأمه بشيء منها تعلق .
قلنا : كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل الضمن والتبع للأم . ولذلك قال تعالى : { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } [ المؤمنون : 50 ] فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر . وروي أنه تعالى لما قال لعيس { اذكر نعمتي عليك } [ المائدة : 110 ] كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ، ولا يدخر شيئاً لغد ويقول مع كل يوم رزقه ، ومن لم يكن له بيت فيخرب ، ولا ولد فيموت ، أينما أمسى بات .

(6/194)


إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله { إِذَ قَالَ } وجهان : الأول : أوحيت إلى الحواريين إذ قال الحواريون الثاني : اذكر إذ قال الحواريون .
المسألة الثانية : { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } قرأ الكسائي { هَلُ تَسْتَطِيعَ } بالتاء { رَبَّكَ } بالنصب وبإدغام اللام في التاء ، وسبب الادغام أن اللام قريب المخرج من التاء لأنهما من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا وبحسب قرب الحرف من الحرف يحسن الإدغام ، وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كانوا أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع وإنما قالوا هل تستطيع أن تسأل ربك . وعن معاذ بن جبل : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { هَلُ تَسْتَطِيعَ } بالتاء { رَبَّكَ } بالنصب والباقون يستطيع بالياء ربك برفع الباء وبالإظهار فأما القراءة الأولى فمعناها : هل تسطيع سؤال ربك؟ قالوا وهذه القراءة أولى من الثانية لأن هذه القراءة توجب شكهم في استطاعة عيسى ، والثانية توجب شكهم في استطاعة الله ، ولا شك أن الأولى أولى ، وأما القراءة الثانية ففيها إشكال ، وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم { قَالُواْ ءامَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } [ المائدة : 111 ] وبعد الإيمان كيف يجوز أن يقال إنهم بقوا شاكين في اقتدار الله تعالى على ذلك؟
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما وصفهم بالإيمان والإسلام بل حكى عنهم ادعاءهم لهما ثم أتبع ذلك بقوله حكاية عنهم { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء } فدل ذلك على أنهم كانوا شاكين متوقفين فإن هذا القول لا يصدر عمن كان كاملاً في الإيمان وقالوا : ونعلم أن قد صدقتنا وهذا يدل على مرض في القلب وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم { اتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يدل على أنهم ما كانوا كاملين في الإيمان .
والوجه الثاني : في الجواب أنهم كانوا مؤمنين إلا أنهم طلبوا هذه الآية ليحصل لهم مزيد الطُّمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 260 ] فإن مشاهدة مثل هذه الآية لا شك أنها تورث الطمأنينة ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا .
والوجه الثالث : في الجواب أن المراد من هذا الكلام استفهام أن ذلك هل هو جائز في الحكمة أم لا وذلك لأن أفعال الله تعالى لما كانت موقوفة على رعاية وجوه الحكمة ففي الموضع الذي لا يحصل فيه شيء من وجوه الحكمة يكون الفعل ممتنعاً فإن المنافي من جهة الحكمة كالمنافي من جهة القدرة ، وهذا الجواب يتمشى على قول المعتزلة ، وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالاً غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور .

(6/195)


الوجه الرابع : قال السدي : { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أي هل يطيعك ربك إن سألته ، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة .
الوجه الخامس : لعلّ المراد بالرب : هو جبريل عليه السلام ، لأنه كان يربيه ويخصه بأنواع الإعانة ، ولذلك قال تعالى في أول الآية { إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس } [ المائدة : 110 ] يعني أنك تدعي أنه يريبك ويخصك بأنواع الكرامة ، فهل يقدر على إنزال مائدة من السماء عليك .
والوجه السادس : أنه ليس المقصود من هذا السؤال كونهم شاكين فيه بل المقصود تقرير أن ذلك في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول هل يقدر السلطان على إشباع هذا ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي واضح ، لا يجوز لعاقل أن يشك فيه ، فكذا ههنا .
المسألة الثالثة : قال الزجاج : المائدة فاعلة من ماد يميد ، إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها وقال ابن الأنباري سميت مائدة لأنها عطية من قول العرب : ماد فلان فلانا يميده ميداً إذا أحسن إليه ، فالمائدة على هذا القول ، فاعلة من الميد بمعنى معطية ، وقال أبو عبيدة : المائدة فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية ، وأصلها مميدة ميد بها صاحبها ، أي أعطيها وتفضل عليه بها ، والعرب تقول مادني فلان يميدني إذا أحسن إليه .
ثم قال تعالى : { قَالَ اتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وفيه وجهان : الأول : قال عيسى اتقوا الله في تعيين المعجزة ، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم ، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم ، ولأنه أيضاً اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة ، وهو جرم عظيم . الثاني : أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سبباً لحصول هذا المطلوب ، كما قال : { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } [ الطلاق : 2 ، 3 ] وقال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } [ المائدة : 35 ] وقوله : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني إن كنتم مؤمنين بكونه سبحانه وتعالى قادراً على إنزال المائدة فاتقوا الله لتصير تقواكم وسيلة إلى حصول هذا المطلوب .

(6/196)


قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)

والمعنى كأنهم لما طلبوا ذلك قال عيسى لهم : إنه قد تقدمت المعجزات الكثيرة فاتقوا الله في طلب هذه المعجزة بعد تقدم تلك المعجزات القاهرة ، فأجابوا وقالوا إنا لا نطلب هذه المائدة لمجرد أن تكون معجزة بل لمجموع أمور كثيرة : أحدها : أنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا نجد طعاماً آخر ، وثانيها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقويت الطمأنينة ، وثالثها : أنا وإن علمنا بسائر المعجزات صدقك ، ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان وتأكدت الطمأنينة . ورابعها : أن جميع تلك المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضية ، وهذه معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم ، فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين ، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، ونكون عليها من الشاهدين لله بكمال القدرة ولك بالنبوة . ثم قال تعالى :

(6/197)


قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أما الكلام في { اللهم } فقد تقدم بالاستقصاء في سورة آل عمران في قوله { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } [ آل عمران : 26 ] فقوله : { اللهم } نداء ، وقوله { رَبَّنَا } نداء ثان وأما قوله { تَكُونُ لَنَا } صفة للمائدة وليس بجواب للأمر ، وفي قراءة عبد الله { تَكُنْ } لأنه جعله جواب الأمر . قال الفراء : وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع ، ومثاله قوله تعالى : { فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى } [ مريم : 5 6 ] بالجزم والرفع { فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدّقُنِى } [ القصص : 34 ] بالجزم والرفع ، وأما قوله { عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيداً نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا ، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيداً ، والعيد في اللغة اسم لما عاد إليك في وقت معلوم ، واشتقاقه من عاد يعود فأصله هو العود ، فسمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ، وقوله { وآية منك } أي دلالة على توحيدك وصحة نبوة رسولك { وارزقنا } أي وارزقنا طعاماً نأكله وأنت خير الرازقين .
المسألة الثانية : تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضاً ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } [ المائدة : 113 ] وأخروا الأغراض الدينية الروحانية ، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال { وارزقنا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية ، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر الرزق بقوله { وارزقنا } لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال { وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين } فقوله { رَبَّنَا } ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى ، وقوله { أُنزِلَ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات ، وقوله { تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وآخرنا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله { وآية منك } إشارة إلى كون هذه المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله { وارزقنا } إشارة إلى حصة النفس وكل ذلك نزول من حضرة الجلال . فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون . ثم قال : { وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف ، وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها اللهم اجعلنا من أهله .
المسألة الثالثة : في قراءة زيد { يَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } والتأنيث بمعنى الآية .

(6/198)


قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم ونافع { مُنَزّلُهَا } بالتشديد ، والباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل وأنزل وقيل : بالتشديد أي منزلها مرة بعد أخرى ، وبالتخفيف مرة واحدة .
المسألة الثانية : قوله { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أي بعد إنزال المائدة { فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ العالمين } قال ابن عباس : يعني مسخهم خنازير وقيل : قردة وقيل : جنساً من العذاب لا يعذب به غيرهم . قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذلك العذاب معجلاً لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون مؤخراً إلى الآخرة ، وقوله { مّن العالمين } يعني عالمي زمانهم .
المسألة الثالثة : قيل : إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند نزولهم في مفازة على غير ماء ولا طعام ولذلك قالا نريد أن نأكل منها .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان قد أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله أعلم .
المسألة الخامسة : اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة . فقال الحسن ومجاهد : ما نزلت واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن القوم لما سمعوا قوله { أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أعذبه أَحَداً مّن العالمين } استغفروا وقالوا لا نريدها . الثاني : أنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة . وقال الجمهور الأعظم من المفسرين : أنها نزلت لأنه تعالى قال { إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } وهذا وعد بالإنزال جزماً من غير تعليق على شرط ، فوجب حصول هذا النزول .
والجواب عن الأول : أن قوله { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ } شرط وجزاء لا تعلق له بقوله { إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ }
والجواب عن الثاني : أن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم .
المسألة السادسة : روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً ، ثم قال : اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها ، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، وقال لهم ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها . فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك ، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل . وقال : بسم الله خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسماً . وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا روح الله : أمن طعام الدنيا أمن طعام الآخرة؟ فقال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزيدكم من فضله ، فقال الحواريون : يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ، ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها ، فمُسِخوا قردةً وخنازير .

(6/199)


وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا معطوف على قوله { إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ } [ المائدة : 110 ] وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة ، ومنهم من قال : إنه تعالى قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله { وَإِذْ قَالَ الله } وإذ تستعمل للماضي ، والقول الأول أصح ، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله { هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } [ المائدة : 119 ] والمراد به يوم القيامة ، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه .
المسألة الثانية : في قوله { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } سؤالان : أحدهما : أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب . وثانيهما : أنه كان عالماً بأن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به؟ فإن قلتم الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم فنقول : إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول بنفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحداً منهم لم يقل به .
والجواب : عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار .
والجواب : عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى عليه السلام ومريم والله تعالى ما خلقها ألبتة وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم والله تعالى ليس خالقها ، فصح أنهم أثبتوا في حق بعض الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن الله تعالى ليس إلهاً له فصح بهذا التأويل هذه الحكاية والرواية .
ثم قال تعالى : { سبحانك مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } أما قوله { سبحانك } فقد فسرناه في قوله { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا } [ البقرة : 32 ] .
وأعلم أن الله تعالى لما سأل عيسى أنك هل قلت كذا لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت بل قال ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، وهذا ليس بحق ينتج أنه ما يكون لي أن أقول هذا الكلام ولما بيّن أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم لا فلم يقل بأني ما قلت هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة ، والمقام مقام الخضوع والتواضع ، ولم يقل بأني قلته بل فوض ذلك إلى علمه المحيط بالكل .
فقال : { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل والمسكنة في حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه .
ثم قال تعالى : { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } وفيه مسألتان :

(6/200)


المسألة الأولى : المفسرون ذكروا فيه عبارات تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي وقيل : تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك ، وقيل : تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك ، وقيل : تعلم ما كان مني في الدنيا ولا أعلم ما كان منك في الآخرة ، وقيل : تعلم ما أقول وأفعل ، ولا أعلم ما تقول وتفعل .
المسألة الثانية : تمسكت المجسمة بهذه الآية وقالوا : النفس هو الشخص وذلك يقتضي كونه تعالى جسماً .
والجواب من وجهين : الأول : أن النفس عبارة عن الذات ، يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد ، والثاني : أن المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ولكنه ذكر هذا الكلام على طريق المطابقة والمشاكلة وهو من فصيح الكلام .
ثم قال تعالى : { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } وهذا تأكيد للجملتين المتقدمتين أعني قوله { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } وقوله { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ }

(6/201)


مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

ثم قال تعالى حكاية عن عيسى { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبّى وَرَبَّكُمْ } أن مفسرة والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول المأمور به والمعنى ما قلت لهم إلا قولاً أمرتني به وذلك القول هو أن أقول لهم : اعبدوا الله ربي وربكم . واعلم أنه كان الأصل أن يقال : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع الأمر ، نزولاً على موجب الأدب الحسن ، لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معاً ، ودلّ على الأصل بذكر أن المفسرة .
ثم قال تعالى : { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي كنت أشهد على ما يفعلون ما دمت مقيماً فيهم .
{ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } والمراد منه ، وفاة الرفع إلى السماء ، من قوله { إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } [ آل عمران : 55 ] .
{ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } قال الزجاج : الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم .
{ وَأَنتَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم ، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية ، ويجوز حمله على العلم ، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء الصفات الحقيقية على جميع التقديرات .

(6/202)


إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : معنى الآية ظاهر ، وفيه سؤال : وهو أنه كيف جاز لعيسى عليه السلام أن يقول { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ } والله لا يغفر الشرك .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام : { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة : 116 ] علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه ، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز ، فلهذا المعنى : طلب المغفرة من الله تعالى ، والثاني : أنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزُّهّاد والعُبّاد النار ، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه ، فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله ، وترك التعرض والاعتراض بالكلية ، ولذلك ختم الكلام بقوله { فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } يعني أنت قادر على ما تريد ، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك ، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية ، وقوله إن الله لا يغفر الشرك فنقول : غفرانه جائز عندنا ، وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا : لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب ، وليس في إسقاطه على الله مضرة ، فوجب أن يكون حسناً بل دلّ الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه السلام .
الوجه الثالث : في الجواب أن القوم قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه ، فقال : { إن تعذبهم } علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك ، وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة ، وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر ، وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة .
الوجه الرابع : أنا ذكرنا أن من الناس من قال : إن قول الله تعالى لعيسى { أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } [ المائدة : 116 ] إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة ، وعلى هذا القول فالجواب سهل لأن قوله { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } يعني إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك ، وان أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الايمان ، وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضاً ذاك ، وعلى هذا التقدير فلا إشكال .
المسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية على شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق الفساق قالوا : لأن قول عيسى عليه السلام { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } ليس في حق أهل الثواب لأن التعذيب لا يليق بهم ، وليس أيضاً في حق الكفار لأن قوله { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } لا يليق بهم فدل على أن ذلك ليس إلا في حق الفساق من أهل الايمان ، وإذا ثبت شفاعة الفساق في حق عيسى عليه السلام ثبت في حق محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى لأنه لا قائل بالفصل .

(6/203)


المسألة الثالثة : روى الواحدي رحمه الله أن في مصحف عبد الله [ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول { العزيز الحكيم } هاهنا أولى من الغفور الرحيم ، لأن كونه غفوراً رحيماً يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج ، وأما العزة والحكمة فهما لا يوجبان المغفرة ، فإن كونه عزيزاً يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأنه لا اعتراض عليه لأحد فإذا كان عزيزاً متعالياً عن جميع جهات الاستحقاق ، ثم حكم بالمغفرة كان الكرم هاهنا أتم مما إذا كان كونه غفوراً رحيماً يوجب المغفرة والرحمة ، فكانت عبارته رحمه الله أن يقول : عز عن الكل . ثم حكم بالرحمة فكان هذا أكمل . وقال قوم آخرون : إنه لو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، أشعر ذلك بكونه شفيعاً لهم ، فلما قال : { فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى ، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه .

(6/204)


قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)

ثم قال تعالى : { قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أجمعوا على أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة ، والدليل على أن المراد ما ذكرنا : أن صدق الكفار في القيامة لا ينفعهم ، ألا ترى أن إبليس قال : { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } [ إبراهيم : 22 ] فلم ينفعه هذا الصدق ، وهذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } [ المائدة : 117 ] .
المسألة الثانية : قرأ جمهور القرّاء { يَوْمٍ } بالرفع ، وقرأ نافع بالنصب ، واختاره أبو عبيدة . فمن قرأ بالرفع ، قال الزجاج : التقدير هذا اليوم يوم منفعة الصادقين ، وأما النصب ففيه وجوه : الأول : على أنه ظرف لقال والتقدير : قال الله هذا القول لعيسى يوم ينفع . الثاني : أن يكون التقدير : هذا الصدق واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم ، ويجوز أن تجعل ظروف الزمان أخباراً عن الأحداث بهذا التأويل كقولك : القتال يوم السبت ، والحج يوم عرفة ، أي واقع في ذلك اليوم ، والثالث : قال الفرّاء : { يَوْمٍ } أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في يومئذ . قال البصريون هذا خطأ لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول النابغة
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... بنى ( حين ) لإضافته إلى المبنيّ ، وهو الفعل الماضي ، وكذلك قوله { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } [ الإنفطار : 19 ] بني لإضافته إلى ( لا ) وهي مبنية ، أما هنا فالإضافة إلى معرب لأن ينفع فعل مستقبل ، والفعل المستقبل معرب فالإضافة إليه لا توجب البناء والله أعلم .
ثم قال تعالى : { لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم } .
اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة ، شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب ، وحقيقة الثواب : أنها منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم . فقوله { لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } إشارة إلى المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم ، وقوله { خالدين فِيهَا أَبَداً } إشارة إلى الدوام واعتبر هذه الدقيقة ، فإنه أينما ذكر الثواب قال : { خالدين فِيهَا أَبَداً } وأينما ذكر عقاب الفساق من أهل الايمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه التأبيد ، وأما قوله تعالى : { رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم } فهو إشارة إلى التعظيم . هذا ظاهر قول المتكلمين ، وأما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى ، فتحت قوله { رّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها ، وقوله { ذلك الفوز } الجمهور على أن قوله { ذلك } عائد إلى جملة ما تقدم من قوله { لَهُمْ جنات تَجْرِي } إلى قوله { وَرَضُواْ عَنْهُ } وعندي أنه يحتمل أن يكون ذلك مختصاً بقوله { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود ، وكيف والجنة مرغوب الشهوة ، والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما ، وهذا الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهريّ ، ولكن كل ميسٌر لما خلق له .

(6/205)


لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)

قيل : إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : من يعطيهم ذلك الفوز العظيم؟ فقيل : الذي له ملك السموات والأرض . وفي هذه الخاتمة الشريفة أسرار كثيرة ونحن نذكر القليل منها . فالأول : أنه تعالى قال : { للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا فِيهِنَّ } ولم يقل ومن فيهن فغلب غير العقلاء على العقلاء ، والسبب فيه التنبيه على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره ، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم التي لا عقل لها ، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم ، وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته كلا قدرة . والثاني : أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية والعبودية فقال : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة : 1 ] وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن نفسه بالكلية . فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو النهاية . فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله وعزته وقدرته وعلوه ، وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتتح ، وهذا المختتم! والثالث : أن السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم . فمنها : بيان الشرائع والأحكام والتكاليف . ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومنها المناظرة مع النصارى في قولهم بالتثليث فختم السورة بهذه النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب . فإنه قال : { للَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا فِيهِنَّ } ومعناه أن كل ما سوى الحق سبحانه فانه ممكن لذاته موجود بإيجاده تعالى . وإذا كان الأمر كذلك كان مالكاً لجميع الممكنات والكائنات موجداً لجميع الأرواح والأجساد ، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل المطالب المذكورة في هذه السورة . وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد ، فذاك ثابت ، لأنه سبحانه لما كان مالكاً للكل ، كان له أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف شاء وأراد . فصح القول بالتكليف على أي وجه أراده الحق سبحانه وتعالى . وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما الصلاة والسلام وأما الرد على النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى الله لأنا بينا أن الموجد إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره ، وعيسى ومريم لا شك في كونهما داخلين في هذا القسم . فإذا دللنا على أن كل ما سوى الله تعالى ممكن لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى ومريم عليهما السلام كذلك . ولا معنى للعبودية إلا ذلك . فثبت كونهما عبدين مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة لهذه السورة برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها . والله أعلم بأسرار كلامه .

(6/206)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)

اعلم أن الكلام المستقصى في قوله { الحمد للَّهِ } قد سبق في تفسير سورة الفاتحة ، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الفوائد ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الفرق بين المدح والحَمْد والشُّكْر .
اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر .
أما بيان أن المدح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ولطافة خلقته ، ويمدح الياقوت على نهاية صفائه وصقالته! فيقال : ما أحسنه وما أصفاه ، وأما الحمد : فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد .
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلاً إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك . فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد ، وهو أعم من الشكر .
إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله ولأنا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار ، فقد يحصل لغيره . أما الحمد فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار . فكان قوله { الحمد للَّهِ } تصريحاً بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة وليس علة موجبة له إيجاب العلة لمعلولها ، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر لله ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمة بسبب انعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة ، فأما إذا قال : الحمد لله ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقاً للحمد لا لخصوص أنه تعالى أوصل النعمة إليه ، فيكون الاخلاص أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت .
المسألة الثانية : الحمد : لفظ مفرد محلى بالألف واللام فيفيد أصل الماهية .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله { الحمد للَّهِ } يفيد أن هذه الماهية لله ، وذلك يمنع من ثبوت الحمد لغير الله ، فهذا يقتضي أن جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا لله سبحانه .
فإن قيل : إن شكر المُنْعِم واجب ، مثل شكر الأستاذ على تعليمه ، وشكر السلطان على عدله ، وشكر المحسن على إحسانه ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « من لم يشكر الناس لم يشكر الله » . قلنا : المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلا الله ، وبيانه من وجوه : الأول : صدور الاحسان من العبد يتوقف على حصول داعية الاحسان في قلب العبد ، وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد ، وإلا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ، بل حصولها ليس إلا من الله سبحانه فتلك الداعية عند حصولها يجب الفعل ، وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلا الله ، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو الله تعالى .

(6/207)


وثانيها : أن كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير ، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان إما لجلب منفعة أو دفع مضرة ، أما جلب المنفعة : فانه يطمع بواسطة ذلك الإحسان بما يصير سبباً لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة . وأما دفع المضرة ، فهو أن الإنسان إذا رأى حيواناً في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه ، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت ، فذلك الإحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسيّة ، فثبت أن كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة ، أما الحق سبحانه وتعالى ، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة ، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى ، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله ، فقال : { الحمد للَّهِ } وثالثها : أن كل إحسان يقدم عليه أحد من الخلق فالانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله ، ألا ترى أنه لولا أن الله تعالى خلق أنواع النعمة وإلا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير ، وأيضاً فلولا أنه سبحانه أعطى الإنسان الحواس الخمس التي بها يمكنه الانتفاع بتلك النعم وإلا لعجز عن الانتفاع بها . ولولا أنه سبحانه أعطاه المزاج الصحيح والبنية السليمة وإلا لما أمكنه الانتفاع بها ، فثبت أن كل إحسان يصدر عن محسن سوى الله تعالى ، فإن الانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله تعالى . وعند هذا يظهر أنه لا محسن في الحقيقة إلا الله ، ولا مستحق للحمد إلا الله . فلهذا قال : { الحمد للَّهِ } ورابعها : أن الانتفاع بجميع النعم لا يمكن إلا بعد وجود المنتفع بعد كونه حياً قادراً عالماً ، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ليست إلا من الله سبحانه والتربية الأصلية والأرزاق المختلفة لا تحصل إلا من الله سبحانه من أول الطفولية إلى آخر العمر . ثم إذا تأمل الإنسان في آثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان ووصل إلى ما أودع الله تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح علم أنها بحر لا ساحل له ، كما قال تعالى :

(6/208)


{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] فبتقدير : أن نسلم أن العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة ، ونعم الله لا نهاية لها أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق والثناء المطلق ليس إلا الله سبحانه فلهذا قال : { الحمد للَّهِ } .
المسألة الثالثة : إنما قال : { الحمد للَّهِ } ولم يقل : أحمد الله ، لوجوه : أحدها : أن الحمد صفة القلب وربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللفظة حال كونه غافلاً بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثناء ، فلو قال في ذلك الوقت أحمد الله ، كان كاذباً واستحق عليه الذم والعقاب ، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجوداً . أما إذا قال : الحمد لله ، فمعناه : أن ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى . وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى الحمد والثناء حاضراً في قلبه أو لم يكن ، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة فظهر الفرق بين هذين اللفظين . وثانيها : روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر ، فقال داود : يا رب وكيف أشكرك؟ وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضاً وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له . فأوحى الله تعالى إلى داود : لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني .
إذا عرفت هذا فنقول : لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر فيتوجه عليه ذلك السؤال . إنما لو قال : الحمد لله فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء ، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه ، وثالثها : أنه لو قال أحمد الله كان ذلك مشعراً بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره . أما إذا قال : الحمد لله ، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران ، كما قال تعالى : { وآخردعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } [ يونس : 10 ] فكان هذا الكلام أفضل وأكمل .
المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة . أولها : الفاتحة ، فقال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الفاتحة : 2 ] وثانيها : في تأويل هذه السورة ، فقال : { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } [ الأنعام : 1 ] والأول أعم لأن العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، فقوله { الحمد لله ربّ العالمين } يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله الحمد لله ربّ العالمين يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات والنور ، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات ، فكان التحميد المذكور في أول هذه السورة كأنه قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة الفاتحة .

(6/209)


وتفصيل لتلك الجملة . وثالثها : سورة الكهف ، فقال : { الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف : 1 ] وذلك أيضاً تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة النعم الحاصلة بواسطة بعثة الرسل ، ورابعها : سورة سبأ وهي قوله { الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } [ سبأ : 1 ] وهو أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وخامسها : سورة فاطر ، فقال : { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والارض } [ فاطر : 1 ] وظاهر أيضاً أنه قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } فظهر أن الكلام الكلي التام هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وذلك لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن الوجود لذاته . وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه والوجود نعمة فالإيجاد إنعام وتربية ، فلهذا السبب قال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وأنه تعالى المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه . فذلك الكلام هو الكلام الكلي الوافي بالمقصود . أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه السور فكان كل واحد منها قسم من أقسام ذلك التحميد ونوع من أنواعه .
فإن قيل : ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب؟ وأيضاً لم قال ههنا { خَلَقَ السموات والأرض } بصيغة فعل الماضي؟ وقال في سورة فاطر { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض } بصيغة اسم الفاعل .
فنقول في الجواب عن الأول : الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق سبحانه عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ذوات الكائنات والممكنات وأما كونه فاطراً فهو عبارة عن الإيجاد والابداع ، فكونه تعالى خالقاً إشارة إلى صفة العلم ، وكونه فاطراً إشارة إلى صفة القدرة ، وكونه تعالى رباً ومربياً مشتمل على الأمرين ، فكان ذلك أكمل .
والجواب عن الثاني : أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى عبارة عن علمه بالمعلومات ، والعلم بالشيء صح تقدمه على وجود المعلوم . ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء قبل دخوله في الوجود . أما إيجاد الشيء ، فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن القدرة إنما تؤثر في وجود المقدور حال وجود المقدور . فلهذا السبب قال : { خَلَقَ السموات } والمراد أنه كان عالماً بها قبل وجودها ، وقال : { فَاطِرَ السموات والأرض } والمراد أنه تعالى إنما يكون فاطراً لها وموجداً لها عند وجودها .

(6/210)


المسألة الخامسة : في قوله { الحمد للَّهِ } قولان : الأول : المراد منه احمدوا الله تعالى ، وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد : إحداها : أن قوله { الحمد للَّهِ } يفيد تعليم اللفظ والمعنى ، ولو قال : احمدوا لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين . وثانيها : أنه يفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده . وثالثها : أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة الخبر أولى .
والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد لله . قالوا : والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد . والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على الإنعام ، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملاً للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم الله تعالى عليه . ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين : أحدهما : أن هذه النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلا بدّ لها من محدث ومحصل وليس ذلك هو العبد لأن كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه ، فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة العبد واختياره ، لوجب أن يكون كل واحد واصلأً إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو يريد تحصيل كل النعم لنفسه ، ولما ثبت أنه لا بدّ لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك المحدث ليس هو العبد ، فوجب الاقرار بمحدث قاهر قادر ، وهو الله سبحانه وتعالى .
والنوع الثاني : من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر الله تعالى العبد بالتحميد ، وكان الأمر بالتحميد مما يحمله على تذكر أنواع نعم الله تعالى ، صار ذلك التكليف حاملاً للعبد على تذكر أنواع نعم الله عليه ، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن الحد والاحصاء ، صار تذكر تلك النعم موجبة رسوخ حب الله تعالى في قلب العبد . فثبت أن تذكيرالنعم يفيد هاتين الفائدتين الشريفتين . إحداهما : الاستدلال بحدوثها عن الاقرار بوجود الله تعالى . وثانيهما : أن الشعور بكونها نعماً يوجب ظهور حب الله في القلب ، ولا مقصود من جميع العبادات إلا هذان الأمران . فلهذا السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب الكريم بهذه الكلمة ، فقال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } .
واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له ، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله تعالى ، وما سوى الله إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه ، وهو الأرواح . ثم الأجسام إما فلكية ، وإما عنصرية . أما الفلكيات فأولها العرش المجيد ، ثم الكرسي الرفيع . ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو ، وأن الكرسي ما هو ، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما ، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ ، والقلم والرفرف ، والبيت المعمور ، وسدرة المنتهى ما هي ، وأن يعرف حقائقها ، ثم يتفكر في طبقات السموات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها ، ثم يتأمل في الكواكب الثابتة والسيارة ، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض ، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة ، وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها ، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية والعرشية والفلكية ، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها بقوله

(6/211)


{ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء : 19 ] فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم ، وهو كل ما سوى الله تعالى . ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها ، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له والله أعلم .
المسألة السادسة : إنا وإن ذكرنا أن قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } أُجري مجرى قوله قولوا : الحمد لله ربّ العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الاضمار . أما هذه السورة وهي قوله { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على نفسه .
وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزّه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله { الحمد للَّهِ } جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دلّ هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق ، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق ، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق . وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله .
إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى مشابهاً لغيره في الذات والصفات والأفعال ، فهو الله سبحانه واحد في ذاته ، لا شريك له في صفاته ، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس والله أعلم .
أما قوله سبحانه { الذى خَلَقَ السموات والارض } ففيه مسألتان : الأولى : في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة :

(6/212)


السؤال الأول : أن قوله { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } جار مجرى ما يقال : جاءني الرجل الفقيه . فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس بفقيه ، وإلا لم يكن إلى ذكر هذه الصفة حاجة كذا ههنا قوله { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } يوهم أن هناك إلهاً لم يخلق السموات والأرض ، وإلا فأي فائدة في هذه الصفة؟
والجواب : أنا بينا أن قوله ( الله ) جار مجرى اسم العلم . فإذا ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز ، بل تعريف كون ذلك المعنى المُسَمّى ، موصوفاً بتلك الصفة . مثاله إذا قلنا الرجل العالم ، فقولنا : الرجل اسم الماهية ، والماهية تتناول الأشخاص المذكورين الكثيرين . فكان المقصود ههنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل بهذا الاعتبار عن سائر الرجال بهذه الصفة . أما إذا قلنا : زيد العالم ، فلفظ زيد اسم علم ، وهو لا يفيد إلا هذه الذات المعينة ، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات . فإذا وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره ، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى موصوفاً بهذه الصفة . ولما كان لفظ ( الله ) من باب أسماء الأعلام ، لا جرم كان الأمر على ما ذكرناه والله أعلم .
السؤال الثاني : لم قدم ذكر السماء على الأرض ، مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء؟ والجواب : السماء كالدائرة ، والأرض كالمركز ، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس ، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها ، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على الأرض بهذا الاعتبار .
السؤال الثالث : لم ذكر السماء بصيغة الجمع والأرض بصيغة الواحد مع أن الأرضين أيضاً كثيرة بدليل قوله تعالى { وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } [ الطلاق : 12 ] .
والجواب : أن السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل . فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر ، وذلك يخل بمصالح هذا العالم . أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة ، وسائر الأحوال المختلفة ، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم . أما الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في القبول ، وأما دلالة الآية المذكورة على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال فيها والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع . وتقريره أن أجرام السموات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول فمن وجوه : الأول : أن كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن يكون الذي كان حاصلاً مقداراً أزيد منه أو أنقص منه . والثاني : أن كل فلك بمقدار مركب من أجزاء ، والجزء الداخل كان يمكن وقوعه خارجاً وبالعكس . فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز . والثالث : أن الحركة والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة . ولوازم الأمور الواحدة واحدة . فإذا صح السكون والحركة على بعض الأجسام وجب أن يصحا على كلها : فاختصاص الجسم الفلكي بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن . والرابع : أن كل حركة ، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع ، فاختصاص تلك الحركة المعينة بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن . والخامس : أن كل حركة ، وقعت متوجهة إلى جهة ، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى سائر الجهات . فاختصاصها بالوقوع على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن . والسادس : أن كل فلك فإنه يوجد جسم آخر إما أعلى منه وإما أسفل منه ، وقد كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمراً ممكناً ، بدليل أن الأجسام لما كانت متساوية في الطبيعة الجسمية ، فكل ما صحّ على بعضها صح على كلها ، فكان اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمراً ممكناً . والسابع : وهو أن لحركة كل فلك أولاً ، لأن وجو ، حركة لا أول لها محال . لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة . وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة بالغير . والأول ينافي المسبوقية بالغير ، والجمع بينهما محال . فثبت أن لكل حركة أولاً ، واختصاص ابتداء حدوثه بذلك الوقت ، دون ما قبله وما بعده اختصاص بأمر ممكن . والثامن : هو أن الأجسام ، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان اتصاف بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس ، اختصاصاً بأمر ممكن . والتاسع : وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار ، ومتى كان كذلك فلها أول . بيان المقام الأول أن المؤثر فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام آثارها ، فيلزم من دوام تلك العلة ، دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في هذه الحركة . ولما كان ذلك محالاً ثبت أن المؤثر فيها ليس علة موجبة بالذات ، بل فاعلاً مختاراً . وإذا كان كذلك ، وجب كون ذلك الفاعل متقدماً على هذه الحركات ، وذلك يوجب أن يكون لها بداية . العاشر : أنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له بدليل أنا نعلم بالضرورة أنا لو فرضنا أنفسنا واقفين على طرف الفلك الأعلى فإنا نميز بين الجهة التي تلي قدامنا وبين الجهة التي تلي خلفنا ، وثبوت هذا الامتياز معلوم بالضرورة . وإذا كان كذلك ثبت أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له ، وإذا كان كذلك فحصول هذا العالم في هذا الحيز الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن ، فثبت بهذه الوجوه العشرة : أن أجرام السموات والأرضين مختلفة بصفات وأحوال ، فكان يجوز في العقل حصول أضدادها ومقابلاتها ، فوجب أن لا يحصل هذا الاختصاص الخاص إلا لمرجح ومقدر وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال .

(6/213)


وإذا ثبت هذا فنقول : إنه لا معنى للخلق إلا التقدير . فلما دل العقل على حصول التقدير من هذه الوجوه العشرة ، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة . فلهذا المعنى . قال : { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } والله أعلم ، ومن الناس من قال المقصود من ذكر السموات والأرض والظلمات والنور التنبيه على ما فيها من المنافع .
واعلم أن منافع السموات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات ، وذلك لأن السموات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة إليها جارية مجرى الأم فالعلل الفاعلة سماوية والعلل القابلة أرضية وبها يتم أمر المواليد الثلاثة . والاستقصاء في شرح ذلك لا سبيل له .
أما قوله { وَجَعَلَ الظلمات والنور } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظ { جَعَلَ } يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء ، وتصيير شيء شيئاً ، ومنه : قوله تعالى : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الأعراف : 189 ] وقوله { وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا } [ الرعد : 38 ] وقوله { أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا } [ ص : 5 ] وإنما حسن لفظ الجعل ههنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كأنه كل واحد منهما إنما تولد من الآخر .
المسألة الثانية : في لفظ { الظلمات والنور } قولان : الأول : أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما . وأيضاً هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض ، فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني : نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال { وَجَعَلَ الظلمات والنور } أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر والنور يريد نور الإسلام والإيمان والنبوّة واليقين . ونقل عن الحسن أنه قال : يعني الكفر والإيمان ، ولا تفاوت بين هذين القولين ، فكان قول الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس . ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، لما ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقروناً بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه . قال الواحدي : والأولى حمل اللفظ عليهما معاً . وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه ، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معاً .
المسألة الثالثة : إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور ، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور ، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج ، وجلس إنسان آخر بالبعد منه ، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافياً مضيئاً ، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلماً ، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية .

(6/214)


وإذ ثبت هذا فنقول : عدم المحدثات متقدم على وجودها ، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره .
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع ، والنور بصيغة الواحد؟ فنقول : أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان ، فكلامه ههنا ظاهر ، لأن الحق واحد والباطل كثير ، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة ، فالجواب : أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية ، ثم إنها تقبل التناقص قليلاً قليلاً ، وتلك المراتب كثيرة . فلهذا السبب عبّر عن الظلمات بصيغة الجمع .
أما قوله تعالى : { ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ }
فأعلم أن العدل هو التسوية . يقول : عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ، ومعنى { يَعْدِلُونَ } يشركون به غيره .
فإن قيل : على أي شيء عطف قوله { ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ }
قلنا : يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله { الحمد للَّهِ } على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة { ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } فيكفرون بنعمته ، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله { خَلَقَ السموات والارض } على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه ، ثم إنهم يعدلون به جماداً لا يقدر على شيء أصلاً .
فإن قيل : فما معنى ثم؟
قلنا : الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته ، والله أعلم .

(6/215)


هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل إثبات الصانع تعالى ، ويحتمل أن لا يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة المعاد وصحة الحشر .
أما الوجه الأول : فتقريره : أن الله تعالى لما استدل بخلقه السموات والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الإنسان ، على إثبات هذا المطلوب فقال : { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقاً من طين . فلهذا السبب قال : { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، وهما يتولدان من الدم ، والدم إنما يتولد من الأغذية ، والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، فإن كانت حيوانية كان الحال في كيفية تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان ، فبقي أن تكون نباتية ، فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين ، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين . وهذا الوجه عندي أقرب إلى الصواب .
إذا عرفت هذا فنقول : هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور ، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون والشكل مثل القلب والدماغ والكبد ، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها ، وتولد الصفات المختلفة في المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم وذلك هو المطلوب .
وأما الوجه الثاني : وهو أن يكون المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد ، فنقول لما ثبت أن تخليق بدن الإنسان إنما حصل ، لأن الفاعل الحكيم والمقدر الرحيم ، رتب حلقة هذه الأعضاء على هذه الصفات المختلفة بحكمته وقدرته ، وتلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها ، وذلك يدل على صحة القول بالمعاد .
وأما قوله تعالى : { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } ففيه مباحث :
المبحث الأول : لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر . قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } [ الأسراء : 23 ] وبمعنى الخبر والاعلام . قال تعالى : { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب } [ الإسراء : 4 ] وبمعنى صفة الفعل إذَا تمّ . قال تعالى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ } [ فصلت : 12 ] ومنه قولهم قضى فلان حاجة فلان . وأما الأجل فهو في اللغة عبارة عن الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانقضاء عمره ، وأجل الدين محله لانقضاء التأخير فيه وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أجولاً ، وهو آجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل .
إذا عرفت هذا فقوله { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } معناه أنه تعالى خصص موت كل واحد بوقت معين وذلك التخصيص عبارة عن تعلق مشيئته بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت . ونظير هذه الآية قوله تعالى :

(6/216)


{ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ } [ المؤمنون : 15 ] .
وأما قوله تعالى : { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }
فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان . واختلف المفسرون في تفسيرهما على وجوه : الأول : قال أبو مسلم قوله { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } المراد منه آجال الماضين من الخلق وقوله { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } المراد منه آجال الباقين من الخلق فهو خص هذا الأجل . الثاني : بكونه مسمى عنده ، لأن الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة ، أما الباقون فهم بعد لم يموتوا فلم تصر آجالهم معلومة ، فلهذا المعنى قال : { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } والثاني : أن الأجل الأول هو أجل الموت والأجل المسمى عند الله هو أجل القيامة ، لأن مدة حياتهم في الآخرة لا آخرة لها ولا انقضاء ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا الأجل إلا الله سبحانه وتعالى . والثالث : الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت . والثاني : ما بين الموت والبعث وهو البرزخ . والرابع : أن الأول : هو النوم والثاني : الموت . والخامس : أن الأجل الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد ، والأجل الثاني : مقدار ما بقي من عمر كل أحد . والسادس : وهو قول حكماء الإسلام أن لكل إنسان أجلين : أحدهما : الآجال الطبيعية . والثاني : الآجال الاخترامية . أما الآجال الطبيعية : فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصوناً من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني ، وأما الآجال الاخترامية : فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية : كالغرق والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة ، وقوله { مُّسمًّى عِندَهُ } أي معلوم عنده أو مذكور اسمه في اللوح المحفوظ ، ومعنى عنده شبيه بما يقول الرجل في المسألة عندي أن الأمر كذا وكذا أي هذا اعتقادي وقولي .
فإن قيل : المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفاً وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }
قلنا : لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } [ البقرة : 221 ] .
وأما قوله { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } فنقول : المرية والامتراء هو الشك .
وأعلم أنا إن قلنا المقصود من ذكر هذا الكلام الاستدلال على وجود الصانع كان معناه أن بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم تمترون في صحة التوحيد ، وإن كان المقصود تصحيح القول بالمعاد فكذلك ، والله أعلم .

(6/217)


وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

واعلم أنا إن قلنا : إن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على وجود الصانع القادر المختار .
قلنا : المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة ، وهذه الآية تدل على كمال العلم وحينئذٍ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية ، وإن قلنا : المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد ، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان ، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين أحدهما : أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون أن يكون المؤثر فيه قادراً مختاراً . والثاني : أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ثم إنه تعالى أثبت بالآيتين المتقدمتين كونه تعالى قادراً ومختاراً لا علة موجبة ، وأثبت بهذه الآية كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، وحينئذٍ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار القول بإنكار المعاد ، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه الآية وهو قوله { وَهُوَ الله فِى السموات } وذلك يدل على أن الإله مستقر في السماء قالوا : ويتأكد هذا أيضاً بقوله تعالى : { ءَأَمِنتُم مَّن فِى السماء أَن يَخْسِفَ } [ الملك : 16 ] قالوا : ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله تعالى في هذه الآية { وَهُوَ الله فِى السموات وَفِى الارض } وذلك يقتضي حصوله تعالى في المكانين معاً وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود في الأرض ، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر من غير دليل ، فوجب أن يبقى ظاهر قوله { وَهُوَ الله فِى السموات } على ذلك الظاهر ، ولأن من القراء من وقف عند قوله { وَهُوَ الله فِى السموات } ثم يبتدىء فيقول { وَفِى الأرض يَعْلَمُ سِرَّكُمْ } والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم الموجودة في الأرض فيكون قوله { فِى الأرض } صلة لقوله { سِرَّكُمْ } هذا تمام كلامهم .
وأعلم أنا نقيم الدلالة أولاً على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه السورة { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض قُل لِلَّهِ } [ الأنعام : 12 ] فبيّن بهذه الآية أن كل ما في السموات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له ، فلو كان الله أحد الأشياء الموجودة في السموات لزم كونه ملكاً لنفسه ، وذلك محال ، ونظير هذه الآية قوله في سورة طه { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } [ طه : 6 ] فإن قالوا قوله { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والأرض } هذا يقتضي أن كل ما في السموات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا يدخل فيها ذات الله تعالى .

(6/218)


قلنا : لا نسلم والدليل عليه قوله { والسماء وَمَا بناها والأرض وَمَا طحاها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } [ الشمس : 5 7 ] ونظيره { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } [ الكافرون : 3 ] ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه . والثاني : أن قوله { وَهُوَ الله فِى السموات } إما أن يكون المراد منه أنه موجود في جميع السموات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة . والثاني : ترك للظاهر والأول : على قسمين لأنه إما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو غيره ، والأول : يقتضي حصول المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل . والثاني : يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث : أنه لو كان موجوداً في السماوات لكان محدوداً متنايهاً وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنقصان ممكناً ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر وكل ما كان كذلك فهو محدث . والرابع : أنه لو كان في السموات فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السموات أو لا يقدر ، والثاني : يوجب تعجيزه والأول : يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم ، والقوم ينكرون كونه تحت العالم والخامس : أنه تعالى قال : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } [ الحديد : 4 ] وقال : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } [ ق : 16 ] وقال : { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الأرض إله } [ الزخرف : 84 ] وقال { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } [ البقرة : 115 ] وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة للهِ تعالى ، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره فوجب التأويل وهو من وجوه : الأول : أن قوله { وَهُوَ الله فِى السموات وَفِى الأرض } يعني وهو الله في تدبير السموات والارض كما يقال : فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته ، ونظيره قوله تعالى : { وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الارض إله } والثاني : أن قوله { وَهُوَ الله } كلام تام ، ثم ابتدأ وقال : { فِي السموات وَفِى الارض يَعلمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } والمعنى إله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة ، وفي الأرض يعلم سرائر الإنس والجن . والثالث : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير والتقدير : وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم ، ومما يقوي هذه التأويلات أن قولنا : وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم ، وكلمة هو إنما تذكر ههنا لإفادة الحصر ، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله اسماً مشتقاً فأما لو جعلناه اسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه اللفظة عليه ، وإذا جعلنا قولنا : الله لفظاً مفيداً صار معناه وهو المعبود في السماء وفي الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم .

(6/219)


المسألة الثانية : المراد بالسر صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف ، والمراد بالجهر أعمال الجوارح ، وإنما قدم ذكر السر على ذكر الجهر لأن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي ، فالداعية التي هي من باب السر هي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهر ، وقد ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، والعلة متقدمة على المعلول ، والمتقدم بالذات يجب تقديمه بحسب اللفظ .
المسألة الثالثة : قوله { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } فيه سؤال : وهو أن الأفعال إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر ، وإما أعمال الجوارح وهي المسماة بالجهر . فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فكان قوله { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } يقتضي عطف الشيء على نفسه ، وأنه فاسد .
والجواب : يجب حمل قوله { مَا تَكْسِبُونَ } على ما يستحقه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال : هذا المال كسب فلان أي مكتسبه ، ولا يجوز حمله على نفس الكسب ، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه على ما ذكرتموه في السؤال .
المسألة الرابعة : الآية تدل عى كون الإنسان مكتسباً للفعل والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر ، ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب لكونه تعالى منزهاً عن جلب النفع ودفع الضرر والله أعلم .

(6/220)


وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)

اعلم أنه تعالى لما تكلم ، أولاً : في التوحيد ، وثانياً : في المعاد ، وثالثاً : فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل ، غير ملتفتين إليها وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل . والتأمل في الدلائل واجب . ولولا ذلك لما ذم الله المعرضين عن الدلائل . قال الواحدي رحمه الله : من في قوله { مّنْ ءَايَةٍ } لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي كقولك ما أتاني من أحد والثانية وهي قوله { مّنْ ءايات ربهم } للتبعيض والمعنى وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا كانوا عنه معرضين .

(6/221)


فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)

أعلم أنه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب ، فالمرتبة الأولى : كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات ، والمرتبة الثانية : كونهم مكذبين بها وهذه المرتبة أزيد مما قبلها ، لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذباً به ، بل يكون غافلاً عنه غير متعرض له ، فإذا صار مكذباً به فقد زاد على الأعراض ، والمرتبة الثالثة : كونهم مستهزئين بها لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء ، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الانكار ، فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب . واختلفوا في المراد بالحق فقيل إنه المعجزات : قال ابن مسعود : انشق القمر بمكة وانفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة ، وقيل إنه القرآن ، وقيل : إنه محمد صلى الله عليه وسلم وقيل إنه الشرع الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم والأحكام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وقيل إنه الوعد والوعيد ، الذي يرغبهم به تارة ويحذرهم بسببه أخرى ، والأولى دخول الكل فيه .
وأما قوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يستهزءُن } المراد منه الوعيد والزجر عن ذلك الاستهزاء ، فيجب أن يكون المراد بالأنباء الأنباء لا نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله تعالى به ونظيره قوله تعالى : { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } [ ص : 88 ] والحكيم إذا توعد فربما قال ستعرف نبأ هذا الأمر إذ نزل بك ما تحذره ، وإنما كان كذلك لأن الغرض بالخبر الذي هو الوعيد حصول العلم بالعقاب الذي ينزل فنفس العقاب إذا نزل يحقق ذلك الخبر ، حتى تزول عنه الشبهة . ثم المراد من هذا العذاب يحتمل أن يكون عذاب الدنيا ، وهو الذي ظهر يوم بدر ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة .

(6/222)


أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)

اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية ، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم .
فإن قيل : ما القرن؟ قلنا قال الواحدي : القرن القوم المقترنون في زمان من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن ، لأن الذين يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر ، والدليل عليه قوله عليه السلام : " خير القرون قرني " واشتقاقه من الأقران ، ولما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم قال بعضهم : القرن هو الستون ، وقال آخرون : هو السبعون ، وقال قوم هو الثمانون والأقرب أنه غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان ، بل المراد أهل كل عصر فإذا انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن .
واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات :
الصفة الأولى : قوله { مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } قال صاحب «الكشاف» مكن له في الأرض جعل له مكاناً ونحوه في أرض له ومنه قوله تعالى : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } [ الكهف : 84 ] { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ } [ القصص : 57 ] وأما مكنته في الأرض ، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } [ الأحقاف : 26 ] ولتقارب المعنيين جمع الله بينهما في قوله { مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } والمعنى لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عاداً وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا .
والصفة الثانية : قوله : { وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم مِدْرَاراً } يريد الغيث والمطر ، فالسماء معناه المطر ههنا ، والمدرار الكثير الدر وأصله من قولهم در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن يكون من نعت السحاب ، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا تتابع أمطاره . ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه . قال مقاتل { مِدْرَاراً } متتابعاً مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث .
والصفة الثالثة : قوله { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ } والمراد منه كثرة البساتين .
واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما وجده أهل مكة ، ثم بيّن تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ومع كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة بقي هاهنا سؤالات :
السؤال الأول : ليس في هذا الكلام إلا أنهم هلكوا إلا أن هذا الهلاك غير مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره .

(6/223)


والجواب : ليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت والهلاك ، بل المقصود أنهم باعوا الدين بالدنيا ففاتهم وبقوا في العذاب الشديد بسبب الحرمان عن الدين . وهذا المعنى غير مشترك فيه بين الكافر والمؤمن .
السؤال الثاني : كيف قال { أَلَمْ يَرَوْاْ } مع أن القوم ما كانوا مقرين بصدق محمد عليه السلام فيما يخبر عنه وهم أيضاً ما شاهدوا وقائع الأمم السالفة .
والجواب : أن أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا هذه الحكايات ولمجرد سماعها يكفي في الاعتبار .
والسؤال الثالث : ما الفائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم .
والجواب : أن الفائدة هي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلكهم ويخلي بلادهم منهم ، فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم قوماً آخرين يعمر بهم بلادهم كقوله { وَلاَ يَخَافُ عقباها } [ الشمس : 15 ] والله أعلم .

(6/224)


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)

اعلم أن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف كثيرة ، فالطائفة الأولى الذين بالغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا فيها واغتنموا وجدانها ، فصار ذلك مانعاً لهم عن قبول دعوة الأنبياء ، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باق ، وليس من العقل تحممل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة الخسيسة ، والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات الأنبياء عليهم السلام ، على أنها من باب السحر لا من باب المعجزة ، هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية وهاهنا مسائل :
المسألة الأولى : بيّن الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به ، بل حملوه على أنه سحر ومخرقة ، والمراد من قوله { فِى قِرْطَاسٍ } أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة ، فرأوه ولمسوه وشاهدوه عياناً لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر .
فإن قيل : ظهور الكتاب ونزوله من السماء هل هو من باب المعجزات أم لا ، فإن لم يكن من باب المعجزات لم يكن إنكارهم لدلالته على النبوّة منكراً ، ولا يجوز أن يقال : أنه من باب المعجزات لأن الملك يقدر على إنزاله من السماء ، وقبل الايمان بصدق الأنبياء والرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة ، وقبل الإيمان بالرسل ، لا شك أنا نجوز أن يكون نزول ذلك الكتاب من السماء من قبل بعض الجن والشياطين ، أو من قبل بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم ، وإذا كان هذا التجويز قائماً فقد خرج نزول الكتاب من السماء عن كونه دليلاً على الصدق .
قلنا : ليس المقصود ما ذكرتم ، بل المقصود أنهم إذا رأوه بقوا شاكين فيه ، وقالوا : إنما سكرت أبصارنا ، فإذا لمسوه بأيديهم فقد يقوى الادراك البصري بالادراك اللمسي ، وبلغ الغاية في الظهور والقوة ، ثم هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا ، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة ، فهذا هو المقصود من الآية لا ما ذكرتم والله أعلم .
المسألة الثانية : قال القاضي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يمنع العبد لطفاً . علم أنه لو فعله لآمن عنده لأنه بيّن أنه إنما لا ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول ، ولا يجوز أن يخبر بذلك إلا والمعلوم أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة فثبت بهذا وجوب اللطف ، ولقائل أن يقول : أن قوله لو أنزل الله عليهم هذا الكتاب لقالوا هذا القول لا يدل على أنه تعالى ينزله عليهم ، لو لم يقولوا هذا القول إلا على سبيل دليل الخطاب ، وهو عنده ليس بحجة ، وأيضاً فليس كل مما فعله الله وجب عليه ذلك ، وهذه الآية إن دلّت فإنما تدل على الوقوع لا على وجوب الوقوع والله أعلم .

(6/225)


وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوّات فإنهم يقولون : لو بعث الله إلى الخلق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر ، وقدرتهم أشد ، ومهابتهم أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل ، والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل . والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى . فلما كان وقوع الشبهات في نبوّة الملائكة أقل ، وجب لو بعث الله رسولاً إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد من قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } .
واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : أما الأول : فقوله { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأمر } ومعنى القضاء الإتمام والإلزام . وقد ذكرنا معاني القضاء في سورة البقرة . ثم هاهنا وجوه : الأول : أن إنزال الملك على البشر آية باهرة ، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء اللكفار فربما لم يؤمنوا كما قال : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة } إلى قوله { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الأنعام : 111 ] وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال ، فإن سنّة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا جاءهم عذاب الاستئصال ، فهاهنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني : أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من هول ما يشهدون ، وتقريره : أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته الأصلية أو على صورة البشر . فإن كان الأول لم يبقَ الآدمي حياً ، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية غشي عليه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصاً على صورة البشر ، وذلك لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكاً أو بشراً . ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ، وأضياف لوط ، وكالذين تسوروا المحراب ، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشراً سوياً . والوجه الثالث : أن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء ، وإزالة الاختيار ، وذلك مخل بصحة التكليف . الوجه الرابع : أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر ، وذلك لأن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت ، فعلمنا أن إنزال الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه الوجوه .
وأما قوله { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } فالفائدة في كلمة { ثُمَّ } التنبيه على أن عدم الانظار أشد من قضاء الأمر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة . وأما الثاني : فقوله { وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } أي لجعلناه في صورة البشر . والحكمة فيه أمور : أحدها : أن الجنس إلى الجنس أميل . وثانيها : أن البشر لا يطيق رؤية الملك ، وثالثها : ان طاعات الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر ، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على المعاصي . ورابعها : أن النبوّة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده ، سواء كان ملكاً أو بشراً .

(6/226)


ثم قال : { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } قال الواحدي : يقال لبست الأمر على القوم ألبسه لبساً إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً ، وأصله من التستر بالثوب ، ومنه لبس الثوب لأنه يفيد ستر النفس والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة البشر فهم يظنون كون ذلك الملك بشراً فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا الشخص . وتحقيق الكلام أن الله لو فعل ذلك لصار فعل الله نظيراً لفعلهم في التلبيس ، وإنما كان ذلك تلبيساً لأن الناس يظنون أنه بشر مع أنه ليس كذلك ، وإنما كان فعلهم تلبيساً لأنهم يقولون للقومهم إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون رسولاً من عند الله تعالى .

(6/227)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)

اعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ملكاً من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء ، وكان يضيق قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سبباً للتخفيف عن القلب لأن أحداً ما يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم . فكأنه قيل له إن هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع أنبيائهم ، فلست أنت فريداً في هذا الطريق . وقوله { فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ } الآية ونظيره قوله { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر : 43 ] وفي تفسيره وجوه كثيرة لأهل اللغة وهي بأسرها متقاربة . قال النضر : وجب عليهم . قال الليث ( الحيق ) ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء يعمله فنزل ذلك به ، يقول أحاق الله بهم مكرهم وحاق بهم مكرهم ، وقال الفرّاء ( حاق بهم ) عاد عليهم ، وقيل ( حاق بهم ) حل بهم ذلك . وقال الزجاج «حاق» أي أحاط . قال الأزهري : فسّر الزجاج ( حاق ) بمعنى أحاط وكان مأخذه من الحوق وهو ما استدار بالكمرة . وفي الآية بحث آخر وهو أن لفظة ( ما ) في قوله { مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } فيها قولان : الأول : أن المراد به القرآن والشرع وهو ما جاء به محمد عليه السلام . وعلى هذا التقدير فتصير هذه الآية من باب حذف المضاف ، والتقدير فحاق بهم عقاب ما كانوا به يستهزؤن .
والقول الثاني : أن المراد به أنهم كانوا يستهزؤن بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى هذا الإضمار .

(6/228)


قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)

اعلم أنه تعالى كما صبر رسوله بالآية الأولى ، فكذلك حذر القوم بهذه الآية ، وقال لرسوله قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها ، بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة ، فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بدّ وأن تشاهدوا تلك الآثار ، فيكمل الاعتبار ، ويقوى الاستبصار .
فإن قيل : ما الفرق بين قوله { الأرض فانظروا } [ آل عمران : 137 ] وبين قوله { ثُمَّ انظروا } .
قلنا : قوله { فانظروا } يدل على أنه تعالى جعل النظر سبباً عن السير ، فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين .
وأما قوله { سِيرُواْ فِى الارض ثُمَّ انظروا } فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ثم نبّه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة { ثُمَّ } لتباعد ما بين الواجب والمباح . والله أعلم .

(6/229)


قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)

في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع ، وتقرير المعاد وتقرير النبوّة . وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ومقابلاتها ، ومتى كان كذلك ، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته المعينة لا بدّ وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصّه بتلك الصفة المعينة ، فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى .
وإذا ثبت هذا ، ثبت كونه قادراً على الاعادة والحشر والنشر ، لأن التركيب الأول إنما حصل لكونه تعالى قادراً على كل الممكنات ، عالماً بكل المعلومات ، وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما ، فوجب صحة الاعادة ثانياً . وأيضاً ثبت أنه تعالى ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، ولا بد من مبلغ ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق غير ممتنع . فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة . ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض } سؤال . وقوله { قُل لِلَّهِ } جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً . وهذا ، إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع . ولما بينا أن آثار الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها ، لا جرم كان الاعتراف بأنها بأسرها ملك لله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته لا جرم أمره بالسؤال أولاً ثم بالجواب ثانياً ، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى مما لا سبيل إلى دفعه البتة . وأيضاً فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ملك لله ، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] ثم إنه تعالى لما بيّن بهذا الطريق كممال إلهيته وقدرته ونفاذ تصرفه في عالم المخلوقات بالكلية ، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال : { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } فكأنه تعالى قال : إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ولا بأن يعد بالإنعام ، بل أبداً ينعم وأبداً يعد في المستقبل بالإنعام ومع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم . واختلفوا في المراد بهذه الرحمة فقال بعضهم : تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب الاستئصال ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا . وقيل إن المراد أنه كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم .

(6/230)


واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لما فرغ الله من الخلق كتب كتاباً أن رحمتي سبقت غضبي " . فإن قيل : الرحمة هي إرادة الخير ، والغضب هو إرادة الانتقام ، وظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأخرى ، والمسبوق بالغير محدث ، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة .
قلنا : المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان . وعن سلمان أنه تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة ، كل رحمة ملء ما بين السماء والأرض ، فعنده تسع وتسعون رحمة ، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق ، فبها يتعاطفون ويتراحمون ، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين .
أما قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } ففيه أبحاث : الأول : «اللام» في قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } لام قسم مضمر ، والتقدير : والله ليجمعنكم .
البحث الثاني : اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله . فقال بعضهم أنه كلام مبتدأ ، وذلك لأنه تعالى بيّن كمال إلهيته بقوله { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض قُل لِلَّهِ } ثم بيّن تعالى أنه يرحمهم في الدنيا بالامهال ودفع عذاب الاستئصال ، وبيّن أنه يجمعهم إلى يوم القيامة ، فقوله { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } أنه يمهلهم وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } أنه لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا .
والقول الثاني : أنع متعلق بما قبله والتقدير : كتب ربكم على نفسه الرحمة . وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة .
وقيل : أنه لما قال : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } فكأنه قيل : وما تلك الرحمة؟ فقيل : إنه تعالى { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم الققيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط ، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا ، فكان قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } كالتفسير لقوله { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } .
البحث الثالث : أن قوله { قُل لّمَن مَّا فِى السموات والارض قُل لِلَّهِ } كلام ورد على لفظ الغيبة . وقوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } كلام ورد على سبيل المخاطبة . والمقصود منه التأكيد في التهديد ، كأنه قيل : لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله وملكه ، وقد علمتم أن الملك الحكيم لا يهمل أمر رعيته ولا يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها ، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ويحضر الخلائق ويحاسبهم في الكل؟
البحث الرابع : ان كلمة { إلى } في قوله { إلى يَوْمِ القيامة } فيها أقوال : الأول : أنها صلة والتقدير : ليجمعنكم يوم القيامة . وقيل : { إلى } بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة .

(6/231)


وقيل : فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة ، لأن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان . وقيل : ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة .
أما قوله { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه أبحاث : الأول : في هذه الآية قولان : الأول : أن قوله { الذين } موضعه نصب على البدل من الضمير في قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم وهو قول الأخفش . والثاني : وهو قول الزجاج ، أن قوله { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } رفع بالابتداء ، وقوله { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } خبره ، لأن قوله { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } مشتمل على الكل ، على الذين خسروا أنفسهم وعلى غيرهم «والفاء» في قوله { فَهُمْ } يفيد معنى الشرط والجزاء ، كقولهم : الذي يكرمني فله درهم ، لأن الدرهم وجب بالاكرام فكان الاكرام شرطاً والدرهم جزاء .
فإن قيل : ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم ، والأمر على العكس .
قلنا : هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان ، هو الذي حملهم على الامتناع من الايمان ، وذلك عين مذهب أهل السنّة .

(6/232)


وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

في الآية مسائل :
في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى فقال : ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض ، إذ لا مكان سواهما . وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما ، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات ، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات ، ومالك للزمان والزمانيات ، وهذا بيان في غاية الجلالة .
وأقول ههنا دقيقة أخرى ، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات ، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات ، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات ، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة ، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى ، فهذا ما يتعلق بوجه النظم .
المسألة الثانية : قوله : { وله ما سكن في الليل والنهار } يفيد الحصر والتقدير : هذه الأشياء له لا لغيره ، وهذا هو الحق لأن كل موجود فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد . وما سرى ذلك الواحد ممكن . والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما حصل بإيجاده وتكوينه كان ملكاً له ، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال { وله ما سكن في الليل والنهار } .
المسألة الثالثة : في تفسير هذا السكون قولان : الأول : أن المراد منه الشيء الذي سكن بعد أن تحرك ، فعلى هذا ، المراد كل ما استقر في الليل والنهار من الدواب ، وجملة الحيوانات في البر والبحر/ وعلى هذا التقدير : قالوا في الآية محذوف والتقدير : وله ما سكن وتحرك في الليل والنهار كقوله تعالى : { سَرَابِيل تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة ، كذلك هنا حذف ذكر الحركة ، لأن ذكر السكون يدل عليه .
والقول الثاني : أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة ، بل المراد منه السكون بمعنى الحلول . كما يقال : فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله فيه ، ومنه قوله تعالى : { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } [ إبراهيم : 45 ] وعلى هذا التقدير : كان المراد ، وله كل ما حصل في الليل والنهار . والتقدير : كل ما حصل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً ، وهذا التفسير أولى وأكمل . والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في الزمان فقد صدق عليه أنه انقضى الماضي وسيجيء المستقبل ، وذلك مشعر بالتغير وهو الحدوث ، والحدوث ينافي الأزلية والدوام ، فكل ما مرّ به الوقت ودخل تحت الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بدّ له من محدث ، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان فهو محدث وكل حادث فلا بدّ له من محدث ، وفاعل ذلك الفعل يجب أن يكون متقدماً عليه والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدماً على الوقت والزمان فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أنه كان وسيكون . وأعلم أنه تعالى لما بيّن فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك للزمان وجملة الزمانيات ، بين أنه سميع عليم يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين . والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات ، فنبّه على أنه وإن كان مالكاً لكل المحدثات لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ويعلم السر وأخفى ، ولما قرر هذه المعاني قال : { قل أغير الله أتخذ ولياً } .

(6/233)