صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } [ النساء : 93 ] .
الوجه الثاني في الجواب : هو أن جميع الناس لو علموا من إنسان واحد أنه يقصد قتلهم بأجمعهم فلا شك أنهم يدفعونه دفعاً لا يمكنه تحصيل مقصوده ، فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل إنسان واحد معين يجب أن يكون جدهم واجتهادهم في منعه عن قتل ذلك الإنسان مثل جدهم واجتهادهم في الصورة الأولى .
الوجه الثالث في الجواب : وهو أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجّح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان هذا الترجيح حاصلاً بالنسبة إلى كل واحد ، فكان في قلبه أن كل أحد نازعه في شيء من مطالبه فإنه لو قدر عليه لقتله ، ونيّة المؤمن في الخيرات خير من عمله ، فكذلك نيّة المؤمن في الشرور شر من عمله ، فيصير المعنى : ومن يقتل إنساناً قتلاً عمداً عدواناً فكأنما قتل جميع الناس ، وهذه الأجوبة الثلاثة حسنة . المسألة السادسة : قوله { وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } المراد من إحياء النفس تخليصها عن المهلكات : مثل الحرق والغرق والجوع المفرط والبرد والحر المفرطين ، والكلام في أن إحياء النفس الواحدة مثل إحياء النفوس على قياس ما قررناه في أن قتل النفس الواحدة مثل قتل النفوس .
ثم قال تعالى : { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِى الارض لَمُسْرِفُونَ } .
والمعنى أن كثيراً من اليهود بعد ذلك ، أي بعد مجيء الرسل ، وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل لمسرفون ، يعني في القتل لا يبالون بعظمته .

(6/42)


إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الإثم في قتل النفس بغير قتل نفس ولا فساد في الأرض أتبعه ببيان أن الفساد في الأرض الذي يوجب القتل ما هو ، فإن بعض ما يكون فساداً في الأرض لا يوجب قتل فقال { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في أول الآية سؤال ، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله ، والمحاربة مع الرسل ممكنة فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازاً ، لأن المراد منه المحاربة مع أولياء الله ، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة ، فلفظ يحاربون في قوله { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } يلزم أن يكون محمولاً على المجاز والحقيقة معاً ، وذلك ممتنع ، فهذا تقرير السؤال .
وجوابه من وجهين : الأول : أنا نحمل المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف ، والتقدير : إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فساداً كذا وكذا ، والثاني : تقدير الكلام إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا . وفي الخبر أن الله تعالى قال : « من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » . المسألة الثانية : من الناس من قال : هذا الوعيد مختص بالكفار ، ومنهم من قال : إنه في فساق المؤمنين ، أما الأولون فقد ذكروا وجوها : الأول : أنها نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام ، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحوا ، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا ، فنزلت هذه الآية نسخاً لما فعله الرسول ، فصارت تلك السنة منسوخة بهذا القرآن ، وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاً للسنة الناسخة ، والثاني : أن الآية نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي ، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب ، فقتلوهم وأخذوا أموالهم . الثالث : أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض ، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا .
والوجه الرابع : أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء ، قالوا : والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين وجوه : أحدها : أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام ، والآية تقتضي ذلك . وثانيها : لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد ولا على النفي ، والآية تقتضي ذلك . وثالثها : أن الآية تقتضي سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله

(6/43)


{ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 34 ] والمرتد يسقط حده بالتوبة قبل القدرة وبعدها ، فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين . ورابعها : أن الصلب غير مشروع في حق المرتد وهو مشروع هاهنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد . وخامسها : أن قوله { الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً } يتناول كل من كان موصوفاً بهذه الصفة ، سواء كان كافراً أو مسلماً ، أقصى ما في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
المسألة الثالثة : المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين يجتمعون وليهم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضاً ويقصدون المسلمين في أرواحهم ودمائهم ، وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد ، واتفقوا على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق ، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال الشافعي رحمه الله : إنه يكون أيضاً ساعياً في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد . قال : وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنباً فلا أقل من المساواة ، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله : إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام عليه الحد . وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس ، أما النص فعموم قوله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً } ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلاً تحت عموم هذا النص ، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود . وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق .
المسألة الرابعة : قوله { أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض } للعلماء في لفظ { أَوْ } في هذه الآية قولان : الأول : أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد ، والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى ، أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل . وقال ابن عباس في رواية عطاء : كلمة { أَوْ } هاهنا ليست للتخيير ، بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات ، فمن اقتصر على القتل قتل ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف . ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض ، وهذا قول الأكثرين من العلماء ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ، والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان : الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير ، والثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي ، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلاً على حدة ، فصار التقدير : أن يقتلوا إن قتلوا ، أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل ، والقياس الجلي أيضاً يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق ، وصار القتل حتماً لا يجوز العفو عنه ، وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين ، وإن جمعوا بين القتل وبين أخذ المال جمع في حقهم بين القتل وبين الصلب ، لأن بقاءه مصلوباً في ممر الطريق يكون سبباً لاشتهار إيقاع هذه العقوبة ، فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الإقدام على مثل هذه المعصية ، وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض .

(6/44)


المسألة الخامسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء . أن يقتلهم فقط ، أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل ، أو يقتلهم ويصلبهم ، وعند الشافعي رحمه الله : لا بدّ من الصلب ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله .
حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب كما لم يجز إسقاط القتل . ثم اختلفوا في كيفية الصلب ، فقيل : يصلب حياً ثم يزج بطنه برمح حتى يموت ، وقال الشافعي رحمه الله : يقتل ويصلى عليه ثم يصلب .
المسألة السادسة : اختلفوا في تفسير النفي من الأرض . قال الشافعي رحمه الله : معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وإن لم يجدهم طلبهم أبداً حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه ، وبه قال أحمد وإسحاق رحمهما الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : النفي من الأرض هو الحبس ، وهو اختيار أكثر أهل اللغة ، قالوا : ويدل عليه أن قوله { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض } إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة ، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى ، وهو أيضاً غير جائز؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين ، فلو أخرجناه إلى بلد آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين ، وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضاً غير جائز ، لأن إخراج المسلم إلى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير جائز ، ولما بطل الكل لم يبق إلاّ أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلاّ مكان الحبس . قالوا : والمحبوس قد يسمى منفياً من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها ، ولا يرى أحداً من أحبابه ، فصار منفياً عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة . ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه هناك ذكر شعراً ، منه قوله :

(6/45)


خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها ... فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
قال الشافعي رحمه الله : هذا النفي المذكور في الآية محمول على وجهين : الأول : أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبداً فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي . الثاني : القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبداً . فيقوم الشافعي هاهنا : إن الإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير ، والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا } أي فضيحة وهوان { وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
قالت المعتزلة : الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم ، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة ، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم ، وكونهم مستحقين للذم في الحال يمنع من بقاء استحاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق ، وثبت القول بالإحباط .
والجواب : لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعاً على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة ، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف ، بل يكون على جهة الامتحان ، فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط ، فنحن أيضاً نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو ، وحينئذ لا يبقى الكلام إلاّ في أنه هل دلّ هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا؟ وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 81 ] ثم قال تعالى :

(6/46)


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)

قال الشافعي رحمه الله تعالى : لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم . وضبط هذا الكلام أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه التوبة ، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط ، فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنساناً ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو ، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة ، وإن أخذ مالاً وجب عليه رده ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل ، وأما إذا تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه ، وتقام الحدود عليه . قال الشافعي رحمه الله تعالى : ويحتمل أن يسقط كل حد الله بالتوبة ، لأن ماعزاً لما رجم أظهر توبته ، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : « هلا تركتموه » أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى .

(6/47)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)

وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في النظم وجهان : الأول : اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله أن قوماً من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم ، فعند ذلك شرح للرسول شدة عتيهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم ، وامتد الكلام إلى هذا الموضع ، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } كأنه قيل : قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب ، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك ، وكونوا متقين عن معاصي الله ، متوسلين إلى الله بطاعات الله .
الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] أي نحن أبناء أنبياء الله ، فكان افتخارهم بأعمال آبائهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتقوا وابتغوا إليه الوسيلة ، والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما : أحدهما : ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله { اتقوا الله } وثانيهما : فعل المأمورات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } ولما كان ترك المنهيات مقدماً على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه في الذكر . وإنما قلنا : إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الايقاع والتحصيل ، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجودها؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة .
فإن قيل : ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى الله تعالى؟
قلنا : الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه داعي الشهوة إلى فعل قبيح ، ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى ، فهاهنا يحصل الوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى ، إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال ، ولهذا قال المحققون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضده .
إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، فالذي يجب تركه هو المحرمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضاً في الأخلاق ، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضاً في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوّة والمعاد ، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات ، ومعتبران أيضاً في مقام التجلي ، فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى : وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والاثبات ، وبالفناء والبقاء ، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الاثبات ، ولذلك كان قولنا »لا إله إلاّ الله« النفي مقدم فيه إلى الاثبات .

(6/48)


المسألة الثالثة : الوسيلة فعيلة ، من وسل إليه إذا تقرب إليه . قال لبيد الشاعر :
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... ألاكل ذي لب إلى الله واسل
أي متوسل ، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود . قالت التعليمية : دلت الآية على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته ، ومرشد يرشدنا إلى العلم به ، وذلك لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقاً ، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد ، فلا بدّ فيه من الوسيلة .
وجوابنا : أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به ، والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمراً بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان وبعد معرفته ، فيمتنع أن يكون هذا أمراً بطلب الوسيلة إليه في معرفته ، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات .
ثم قال تعالى : { وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } واعلم أنه تعالى لما أمر بترك ما لا ينبغي بقوله { اتقوا الله } وبفعل ما ينبغي ، بقوله { وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة ، فإن النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة ، والعقل لا يدعو إلا إلى خدمة الله وطاعته والاعراض عن المحسوسات ، وكان بين الحالتين تضاد وتناف ، ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرتين وبالضدين ، وبالمشرق والمغرب ، وبالليل والنهار ، وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تهالى : { اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } من أشق الأشياء على النفس وأشدها ثقلاً على الطبع ، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف بقوله { وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وهذه الآية آية شريفة مشتملة على أسرار روحانية ، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها ، وهو أن من يعبد الله تعالى فريقان ، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله ، ومنهم من يعبده لغرض آخر .
والمقام الأول : هو المقام الشريف العالي ، وإليه الإشارة بقوله { وجاهدوا فِى سَبِيلِهِ } أي من سبيل عبوديته وطريق الاخلاص في معرفته وخدمته .
والمقام الثاني : دون الأول ، وإليه الإشارة بقوله { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب .
واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات ، ومفاتح كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار ، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ولا سعادة إلا في هذه الدار ، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين :

(6/49)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)

أحدهما : قوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة مَا تقبل منهم ولهم عذاب أليم } وفيه مسائل : المسأله الأولى : الجمله المذكورة مع كلمة { لو } خبر { إن }
فإن قيل : لم وحد الراجع في قوله { لِيَفْتَدُواْ بِهِ } مع أن المذكور السابق بيان ما في الأرض جميعاً ومثله؟
قلنا : التقدير كأنه قيل : ليفتدوا بذلك المذكور .
المسألة الثانية : قوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يحتمل أن يكون في موضع الحال ، ويحتمل أن يكون عطفاً على الخبر .
المسألة الثالثة : المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت " . النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية .
قوله { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إرادتهم الخروج تحتمل وجهين : الأول : أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج منها كما قال تعالى : { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } [ السجدة : 2 ] .
قيل : إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج . وقيل : يكادون يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين ، والثاني : أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم ، كقوله تعالى في موضع آخر { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } [ المؤمنون : 107 ] ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار } بضم الياء .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا الآية على أنه تعالى يخرج من النار من قال «لا إله إلا الله» على سبيل الإخلاص . قالوا : لأنه تعالى جعل هذا المعنى من تهديدات الكفار ، وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد ، ولولا أن هذا المعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى والله أعلم . ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وهذا يفيد الحصر ، فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم ، كما أن قوله { لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] أي لكم لا لغيركم ، فكذا ههنا .

(6/50)


وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)

في اتصال الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، بيّن في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضاً ، والثاني : أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال : { مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } [ المائدة : 32 ] ذكر بعد هذا الجنايات التي تبيح القتل والإيلام ، فذكر أولاً : قطع الطريق ، وثانياً : أمر السرقة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف النحويون في الرفع في قوله { والسارق والسارقة } على وجوه : الأول : وهو قول سيبويه والأخفش : أن قوله { والسارق والسارقة } مرفوعان بالابتداء ، والخبر محذوف والتقدير : فيما يتلى عليكم السارق والسارقة ، أي حكمهما كذا ، وكذا القول في قوله { والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما } [ النور : 2 ] وفي قوله { واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا } [ النساء : 16 ] وقرأ عيسى بن عمر { والسارق والسارقة } بالنصب ، ومثله { الزانية والزانى } والاختيار عند سيبويه النصب في هذا . قال لأن قول القائل : زيداً فاضربه أحسن من قولك : زيد فاضربه ، وأيضاً لا يجوز أن يكون { فاطعوا } خبر المبتدأ ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء .
والقول الثاني : وهو اختيار الفراء : أن الرفع أولى من النصب ، لأن الألف واللام في قوله { والسارق والسارقة } يقومان مقام «الذي» فصار التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده ، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر لأنه صار جزاء ، وأيضاً النصب إنما يحسن إذا أردت سارقاً بعينه أو سارقة بعينها ، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل فالرفع أولى ، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد .
ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه : الأول : أن الله تعالى صرّح بذلك وهو قوله { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } وهذا دليل على أن القطع شرع جزاء على فعل السرقة ، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط ، والثاني : أن السرقة جناية ، والقطع عقوبة ، وربط العقوبة بالجناية مناسب ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم ، والثالث : أنا لو حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة ، ولو حملناها على سارق معين صارت مجملة غير مفيدة ، فكان الأول أولى .
وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه طعن في القرآن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن جميع الأمة ، وذلك باطل قطعاً ، فإن قال لا أقول : إن القراءة بالرفع غير جائزة ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ، فنقول : وهذا أيضاً رديء لأن ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود . والثاني : أن القراءة بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ ( واللذين يأتيانها منكم ) بالنصب ، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول .

(6/51)


الوجه الثالث : أنا إذا قلنا : { والسارق والسارقة } مبتدأ ، وخبره هو الذي نضمره ، وهو قولنا فيما يتلى عليكم ، فحينئذٍ قد تمت هذه الجملة بمتداها وخبرها ، فبأي شيء تتعلق الفاء في قوله { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } فإن قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دلّ عليه قوله { والسارق والسارقة } يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول : السارق والسارقة تقديره : من سرق ، فاذكر هذا أولاً حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته . والرابع : أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك على كون السرقة علة لوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى ، ثم هذا المعنى متأكد بقوله { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } فثبت أن القراءة بالرفع أولى . الخامس : أن سيبويه قال : هم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم بشأنه أعنى ، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقاً على ذكر وجوب القطع ، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفاً إلى شرح ما يتلعق بحال السارق من حيث إنه سارق ، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقاً ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فإن المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها ، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة قطعاً والله أعلم .
المسألة الثانية : قال كثير من المفسرين الأصوليين : هذه الآية مجملة من وجوه : أحدها : أن الحكم معلق على السرقة ، ومطلق السرقة غير موجب للقطع ، بل لا بدّ وأن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال ، وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت مجملة ، وثانيها : أنه تعالى أوجب قطع الأيدي ، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي الأيمان والشمائل ، وبالاجماع لا يجب قطعهما معاً فكانت الآية مجملة ، وثالثها : أن اليد اسم يتناول الأصابع فقط ، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلاناً بيده فمسه بأصابعه فإنه يحنث في يمينه ، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها ، ويقع على الأصابع مع الكف ، ويقع على الأصابع والكف والسعدين إلى المرفقين ، ويقع على كل ذلك إلى المنكبين ، وإذا كان لفظ اليد محتملاً لكل هذه الأقسام ، والتعيين غير مذكور في هذه الآية فكانت مجملة ، ورابعها : أن قوله { فاقطعوا } خطاب مع قوم ، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعاً على مجموع الأمة ، وأن يكون واقعاً على طائفة مخصوصة منهم ، وأن يكون واقعاً على شخص معين منهم ، وهو إمام الزمان كما يذهب إليه الأكثرون ، ولما لم يكن التعيين مذكوراً في الآية كانت الآية مجملة ، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الإطلاق ، هذا تقرير هذا المذهب .

(6/52)


وقال قوم من المحققين : الآية ليست مجملة ألبتة ، وذلك لأنا بينا أن الألف واللام في قوله { والسارق والسارقة } قائم مقام «الذي» والفاء في قوله { فاقطعوا } للجزاء ، فكان التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده ، ثم تأكد هذا بقوله تعالى : { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } وذلك الكسب لا بدّ وأن يكون المراد به ما تقدم ذكره وهو السرقة ، فصار هذا دليلاً على أن مناط الحكم ومتعلقه هو ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط ، اللهم إلا إذا قام دليل منفصل يقتضي تخصيص هذا العام ، وأما قوله «الأيدي» عامة فنقول : مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما انعقد الاجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ، ولا الاتبداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم .
وأما قوله : لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول : لا نسلم ، بل اليد اسم لهذا العضو إلى المنكب ، ولهذا السبب قال تعالى : { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } [ المائدة : 6 ] فلولا دخول العضدين في هذا الاسم وإلا لما احتيج إلى التقيد بقوله { إِلَى المرافق } فظاهر الآية يوجب قطع اليدين من المنكبين كما هو قول الخوارج ، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل .
وأما قوله : رابعا : يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد ، وأن يكون مع واحد معين .
قلنا : ظاهره أنه خطاب مع كل أحد ، ترك العمل به فيما صار مخصوصاً بدليل منفصل فيبقى معمولاً به في الباقي .
والحاصل أنا نقول : الآية عامة ، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض الصور فتبقى حجة فيما عداها ، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال : إنها مجملة فلا تفيد فائدة أصلاً .
المسألة الثالثة : قال جمهور الفقهاء : القطع لا يجب إلا عند شرطين : قدر النصاب ، وأن تكون السرقة من الحرز ، وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن البصري : القدر غير معتبر ، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير ، والحرز أيضاً غير معتبر ، وهو قول داود الأصفهاني ، وقول الخوارج ، وتمسكوا في المسألة بعموم الآية كما قررناه ، فإن قوله { والسارق والسارقة } يتناول السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من الحرز أو من غير الحرز .
إذا ثبت هذا فنقول : لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد ، أو بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز ، وحجة جمهور الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص ، بل نقول : إن لفظ السرقة لفظة عربية ، ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير ، أو تبنة واحدة ، أو كسرة صغيرة من خبز : إنه سرق ماله ، فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة ، وأيضاً السرقة مشتقة من مسارقة عين المالك ، وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمراً يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل ، لأن ما لا يكون موضوعاً في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة . وقال داود : نحن لا نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة ، ولا في سرقة التبنة الواحدة ، بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة ، وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة ، فربما استحقر الملك الكبير آلافاً مؤلفة ، وربما استعظم الفقير طسوجاً ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله : لو قال لفلان على مال عظيم ، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيماً عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه ، ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالاً ، وليس لقائل أن يستبعد ويقول : كيف يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة ، لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعناً في الشريعة ، فقالوا : اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب ، فكيف تقطع لأجل القليل من المال؟ ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل ، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة ، وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن أيضاً مقبولاً منا في إيجاب القطع في القليل والكثير . قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن ههنا بخبر الواحد ، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه ، فقال الشافعي رحمه لله : يجب القطع في ربع دينار ، وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام :

(6/53)


« لا قطع إلا ربع دينار » وقال أو حنيفة رحمه الله : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ثمن المجن » والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم . وقال مالك وأحمد وإسحاق : إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار . وقال ابن أبي ليلى : مقدر بخمسة دراهم ، وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر ، وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة ، فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن . قال : وليس لأحد أن يقول : إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين . قال : لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة ، وكان يقول : احذر من قطع يدك بدرهم ، ولو كان الاجماع منعقداً لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين ، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني .

(6/54)


وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بدّ في وجوب القطع من القدر ، ثم قال الشافعي رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعداً وهو نصاب السرقة ، وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع في أقل من عشرة دارهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم .
حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعداً على ظاهر النص ، ثم أكد هذا بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « لا قطع إلا في ربع دينار » . وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ثمن المجن » فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن كان ثمن المجن مقدراً بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } أكثر من التخصيص الحاصل في عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : « لا قطع إلا في ربع دينار » فكان الترجيح لهذا الجانب .
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : الرجل إذا سرق أولاً قطعت يده اليمنى ، وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة .
واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين : الأول : أن السرقة علة لوجوب القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة أيضاً ، إنما قلنا : إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } وقد بيّنا أن المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وأيضاً الفاء في قوله { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة الثالثة ، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بدّ وأن يترتب عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون السرقة في المرة الثالثة توجب قطعاً آخر وهو المطلوب ، والثاني : أنه تعالى قال : { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } ولفظ الأيدي لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء فيبقى معمولاً به عند السرقة الثالثة .

(6/55)


فإن قالوا : إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصاً باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد .
قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضاً القراءة الشاذة ليست بحجة عندنا ، لأنا نقطع أنها ليست قرآناً ، إذ لو كانت قرآناً لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض والملاحدة في القرآن ، ولعلّه كان في القرآن آيات دالة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصاً ، وما نقلت إلينا ، ولعلّه كان فيه آيات دالة على نسخ أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلاً بأنه لو كان قرآناً لكان متواتراً ، فلما لم يكن متواتراً قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن القراءة الشاذة ليست بحجة ألبتة .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : أغرم السارق ما سرق . وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والغرم ، فإن غرم فلا قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله : يقطع بكل حال ، وأما الغرم فليزمه إن كان غنياً ، ولا يلزمه إن كان فقيراً .
حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » يوجب الضمان ، وقد اجتمع الأمران في هذه السرقة فوجب أن يجب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : إن حد الله لا يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، وبدليل أنه لو كان المسروق باقياً وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضاً أن المسروق كان باقياً على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصراً على وقت القطع ، أو مسنداً إلى أول زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقاً على ذلك الوقت ، وهذا يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال .
حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافياً وجب أن لا يضم الغرم إليه .
والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه قائماً ، والله أعلم بالصواب .

(6/56)


المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك إقامة الحد على المماليك . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك .
حجة الشافعي أن قوله { فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } عام في حق الكل ، لأن هذا الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصاً بالبعض دون البعض ، ولما عم الكل دخل فيه المولى أيضاً ، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى ، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإمام والمولى .
المسألة السابعة : احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماماً معيناً والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة ، فلا بدّ من شخص يكون مخاطباً بهذا الخطاب ، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام ، فلما كان هذا التكليف تكليفاً جازماً ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام ، وما لا يتأتى الواجب إلا به ، وكان مقدوراً للمكلف ، فهو واجب ، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذٍ .
المسألة الثامنة : قال المعتزلة : قوله { نكالا مّنَ الله } يدل على أنه إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بكونه مستحقاً للاستخفاف والذم والإهانة ، ومتى كان لأمر كذلك امتنع أن يقال : إنه بقي مستحقاً للمدح والتعظيم ، لأنهما ضدان والجمع بينهما محال ، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات .
وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } [ البقرة : 264 ] فلا نعيدها ههنا .
ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعاً على سبيل التنكيل مشروط بعدم التوبة ، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضاً على سبيل التنكيل ، بل تكون على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو .
المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله } يدل على تعليل أحكام الله ، فإن الباء في قوله { بِمَا كَسَبَا } صريح في أن القطع إنما وجب معللاً بالسرقة .
وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ } [ المائدة : 32 ] .
المسألة العاشرة : قوله { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } قال الزجاج : جزاء نصب لأنه مفعول له ، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم ، وكذلك { نكالا مّنَ الله } فإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دلّ عليه { فاقطعوا } والتقدير : جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالاً من الله .
أما قوله { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت هذه الآية فقلت { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سهواً ، فقال الأعرابي : كلام من هذا؟ فقلت كلام الله . قال أعد ، فأعدت : والله غفورٌ رحيم ، ثم تنبهت فقلت { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف عرفت؟ قال : يا هذا عزيزٌ حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ثم قال تعالى :

(6/57)


فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)

وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : دلّت الآية على أن من تاب فإن الله يقبل توبته ، فإن قيل : قوله { وَأَصْلَحَ } يدل على أن مجرّد التوبة غير مقبول .
قلنا : المراد من قوله { وَأَصْلَحَ } أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة خالية عن سائر الأغراض .
المسألة الثانية : إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه ، وهل يسقط عنه الحد؟ قال بعض العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ، بل يقام عليه على سبيل الإمتحان .
المسألة الثالثة : دلّت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان ، لا بأداء الواجبات .

(6/58)


أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحدي : الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب العذاب للعاصي على الله ، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك .
وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولاً قوله { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والارض } ثم رتب عليه قوله { يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون : إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكاً لجميع المحدثات ، والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد : أما المعتزلة فإنهم يقولون : حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكاً لهم ، بل لأجل رعاية المصالح والمفاسد ، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه .

(6/59)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

قوله تعالى : { يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } .
أنه تعالى لما بيّن بعض التكاليف والشرائع ، وكان قد علم من بعض الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ذلك ، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك ، فقال : { يأَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِى الكفر } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله : يا أيها النبي في مواضع كثيرة ، وما خاطبه بقوله : يا أيها الرسول إلا في موضعين : أحدهما : ههنا ، والثاني : قوله : { ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } [ المائدة : 67 ] وهذا الخطاب لا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم .
المسألة الثانية : قرىء { لاَ يَحْزُنكَ } بضم الياء ، ويسرعون ، والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال : أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى وقع فيه سريعاً ، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة ، وقوله { مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : من الذين قالوا بأفواههم آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون .
ثم قال تعالى : { وَمِنَ الذين هِادُواْ سماعون لِلْكَذِبِ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : ذكر الفرّاء والزجاج ههنا وجهين : الأول : أن الكلام إنما يتم عند قوله { وَمِنَ الذين هِادُواْ } ثم يبتدأ الكلام منقوله { سماعون لِلْكَذِبِ سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ } وتقدير الكلام : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم آخرين .
الوجه الثاني : أن الكلام تمّ عند قوله { وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } ثم ابتدأ من قوله { وَمِنَ الذين هِادُواْ سماعون لِلْكَذِبِ } وعلى هذا التقدير فقوله { سماعون } صفة محذوف ، والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون . وقيل : خبر مبتدأ محذوف ، يعني هم سماعون .
المسألة الثانية : ذكر الزجاج في قوله { سماعون لِلْكَذِبِ } وجهين : الأول : أن معناه قابلون للكذب ، والسمع يستعمل ويراد منه القبول ، كما يقال : لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه ، ومنه «سمع الله لمن حمده» ، وذلك الكذب الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف التوراة ، وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم .
والوجه الثاني : أن المراد من قوله { سماعون لِلْكَذِبِ } نفس السماع ، واللام في قوله { لِلْكَذِبِ } لام كي ، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك . وأما قوله { سماعون لِقَوْمٍ ءاخَرِينَ لم يأتوك } فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك ، فعلى هذا التقدير قوله { سماعون لِلْكَذِبِ } أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود ، وهم عيون ليبلغوهم ما سمعوا منه .

(6/60)


ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال { يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه } أي من بعد أن وضعه الله مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرّم حرامه . قال المفسرون : إن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا ، وكان حد الزنا في التوراة الرجم ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فأرسلوا قوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا ، وقالوا : إن أمركم بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا ، فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن يأخذوا به ، فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم «ابن صوريا» فقال الرسول : هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له : ابن صوريا؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ، فرضوا به حكماً ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن " قال ابن صوريا : نعم ، فوثبت عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته ، فقال ابن صوريا : أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشّر به المرسلون ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب مسجده .
إذا عرفت القصة فنقول : قوله { يُحَرّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه } أي وضعوا الجلد مكان الرجم .
وقوله تعالى : { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا } أي إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا .
واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم . قال : لأنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه ، فإن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود ، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعاً في ديننا ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجباً ، لقوله

(6/61)


{ فاتبعوه } [ الأعراف : 58 ] والثاني : أن ما كان ثابتاً في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقياً ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] حكمه باق في شرعنا .
ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال : { وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً } .
واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد ، إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكوراً عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد : ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه .
ثم أكد تعالى هذا فقال : { أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } .
قال أصحابنا : دلّت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوهاً : أحدها : أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى : { عَلَى النار يُفْتَنُونَ } [ الذاريات : 13 ] أي يعذبون ، فالمراد ههنا : أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، وثانيها : الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث : فتنته : إضلاله ، والمراد من الاضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالاً ، ورابعها : الفتنة الاختبار ، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثواباً ولا نفعاً .
وأما قوله { أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } فذكروا فيه وجوهاً : أحدها : لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف ، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم ، وثانيها : لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم ، وثالثها : أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مراراً .
ثم قال تعالى : { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم .
{ وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو الخلود في النار .

(6/62)


سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)

ثم قال تعالى : { سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من : سحته ، ونقل صاحب «الكشاف» السحت بفتحتين ، والسحت بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات .
المسألة الثانية : ذكروا في لفظ السحت وجوهاً قال الزجاج : أصله من سحته إذا استأصله ، قال تعالى : { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } [ طه : 61 ] وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى : { يَمْحَقُ الله الرباا } [ البقرة : 276 ] الثاني : قال الليث : إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث : قال الفرّاء : أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلقى إلا جائعاً أبداً ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، وهذا أيضاً قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه .
إذا عرفت هذا فنقول : السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية : روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك ، فكان سحتاً لا محالة .
المسألة الثالثة : في قوله { سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ } وجوه : الأول : قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم . الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا لقوله تعالى : { وَأَخْذِهِمُ الربا } [ النساء : 161 ] .
ثم قال تعالى : { فإن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } ثم إنه تعالى خيّره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين : الأول : أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري : أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم . الثاني : أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء . الثالث : أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم .

(6/63)


القول الثاني : أن الآية عامة في كل من الكفار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } [ المائدة : 49 ] وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة . ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك ، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين .
ثم قال تعالى : { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } والمعنى : أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف ، كالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له ، فبيّن الله تعالى أنه لا تضره عداوتهم له .
ثم قال تعالى : { وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } .
أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم .

(6/64)


وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

ثم قال تعالى : { وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا تعجيب من الله تعالى لنبيّه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكماً حقاً إلى ما يعتقدونه باطلاً طلباً للرخصة ، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه : أحدها : عدولهم عن حكم كتابهم ، والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطن ، والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه ، فبيّن الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله ، وههنا سؤالان :
السؤال الأول : قوله { فِيهَا حُكْمُ الله } ما موضعه من الاعراب؟
الجواب : إما أن ينصب حالاً من التوراة ، وهي مبتدأ خبرها { عِندَهُمُ } وإما أن يرتفع خبراً عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى ، وإما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره؟
السؤال الثاني : لم أنث التوراة؟ والجواب : الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ .
المسألة الثانية : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف ، ولو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى عن النظر فيها . بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم؛ لأنهم طلبوا الرخصة بالتحكيم .
ثم قال تعالى : { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين } قوله { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ } معطوف على قوله { يُحَكّمُونَكَ } وقوله { ذلك } إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة ، ويجوز أن يعود إلى التحكيم . وقوله { وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين } فيه وجوه : الأول : أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها ، والثاني : ما أولئك بالمؤمنين : إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي . الثالث : أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط .

(6/65)


إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)

قوله تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } .
اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد . قال الزجاج { فِيهَا هُدًى } أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم { وَنُورٌ } بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .
المسألة الثانية : احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا قام الدليل على صيرورته منسوخاً بهذه الآية؛ وتقريره أنه تعالى قال : إن في التوراة هدىً ونوراً . والمراد كونه هدىً ونوراً في أصول الشرع وفروعه ، ولو كان منسوخاً غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدىٌ ونور ، ولا يمكن أن يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ولو كان المراد منهما معاً هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضاً أن هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بدّ وأن تكون الأحكام الشرعية داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلاً فيها .
المسالة الثالثة : قوله { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } يريد النبيّين الذين كانوا بعد موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفاً من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها .
فإن قيل : كل نبي لا بدّ وأن يكون مسلماً ، فما الفائدة في قوله { النبيون الذين أَسْلَمُواْ } .
قلنا فيه وجوه : الأول : المراد بقوله { أسلموا } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيماً له ، كقوله تعالى : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] وقوله { أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } [ النساء : 45 ] وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلاً لأكثر الأنبياء . الثالث : قال ابن الأنباري : هذا رد على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ، فقال تعالى : { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ } يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . الرابع : المراد بقوله { النبيون الذين أَسْلَمُواْ } يعني الذين كان مقصودهم من الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد لتكاليفه ، والغرض من التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام .

(6/66)


المسألة الرابعة : قوله { لِلَّذِينَ هَادُواْ } فيه وجهان : الأول : المعنى أن النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، والثاني : يجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا .
المسألة الخامسة : أما الربانيون فقد تقدم تفسيره ، وأما الأحبار فقال ابن عباس : هم الفقهاء ، واختلف أهل اللغة في واحده ، قال الفرّاء : إنما هو «حبر» بكسر الحاء ، يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر الذي يكتب به ، وذلك أنه يكون صاحب كتب ، وكان أبو عبيدة يقول : حبر بفتح الحاء . قال الليث : هو حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها . وقال الأصمعي : لا أدري أهو الحبر أو الحبر ، وأما اشتقاقه فقال قوم : أصله من التحبير وهو التحسين ، وفي الحديث " يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره " أي جماله وبهاؤه ، والمحبر للشيء المزين ، ولما كان العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به . وقال آخرون اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به ، وهو قول الفرّاء والكسائي وأبي عبيدة ، والله أعلم .
المسألة السادسة : دلّت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالاً من الأحبار ، فثبت أن يكون الربانيون كالمجتهدين ، والأحبار كآحاد العلماء .
ثم قال : { بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : حفظ كتاب الله على وجهين : الأول : أن يحفظ فلا ينسى . الثاني : أن يحفظ فلا يضيع ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين : أحدهما : أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم ، والثاني : أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه .
المسألة الثانية : الباء في قوله { بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله } فيه وجهان : الأول : أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا . الثاني : أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا ، وهو قول الزجاج .
ثم قال تعالى : { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله ، فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير .
ثم قال تعالى : { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشونى }

(6/67)


واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة ، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنعهم من التحريف والتغيير .
واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بدّ وأن يكون لخوف ورهبة ، أو لطمع ورغبة ، ولما كان الخوف أقوى تأثيراً من الطمع قدم تعالى ذكره فقال : { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون } والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف ، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم ، فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي .
ولما ذكر أمر الرهبة ابتعه بأمر الرغبة ، فقال { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً } أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة ، فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل ، والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة ، والرشوة لكونها سحتاً تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة ، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل ، ثم أنتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد ، والسعادات التي لا نهاية لها .
ويحتمل أيضاً أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين ، للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة ، ولما منعهم الله من الأمرين على ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهاناً قاطعاً في المنع من التحريف والتبديل .
ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم الله تعالى في حد الزاني المحصن ، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة وقالوا : إنه غير واجب ، فهم كافرون على الاطلاق ، لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن .
المسألة الثانية : قالت الخوارج : كل من عصى الله فهو كافر . وقال جمهور الأئمة : ليس الأمر كذلك ، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا : إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله ، فوجب أن يكون كافراً .
وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة : الأول : أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم ، وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال : المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وهذا أيضاً ضعيف لأن قوله { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } كلام أدخل فيه كلمة { مِنْ } في معرض الشرط ، فيكون للعموم . وقول من يقول : المراد ومن لم يحكم بما أنزل الله من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز . الثاني : قال عطاء : هو كفر دون كفر . وقال طاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر ، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين ، وهو أيضاً ضعيف ، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين . والثالث : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون المعنى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار ، ويشبه من أجل ذلك الكافرين ، وهذا ضعيف أيضاً لأنه عدول عن الظاهر . والرابع : قال عبد العزيز بن يحيى الكناني : قوله { بِمَا أنزَلَ الله } صيغة عموم ، فقوله { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله ، أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم الله إلاّ في القليل ، وهو العمل ، أما في الاعتقاد والاقرار فهو موافق ، وهذا أيضاً ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيداً مخصوصاً بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم ، وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم ، فيدل على سقوط هذا الجواب ، والخامس : قال عكرمة : قوله { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله ، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى ، ولكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية ، وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم .

(6/68)


وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)

ثم قال تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص { .
والمعنى أنه تعالى بيّن في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم ، واليهود غيروه وبدلوه ، وبيّن في هذه الآية أيضاً أنه تعالى بيّن في التوراة أن النفس بالنفس ، وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضاً ، ففضلوا بني النضير على بني قريظة ، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير ، فهذا هو وجه النظم من الآية ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الكسائي : العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها بالرفع ، وفيه وجوه : أحدها : العطف على محل { أن النفس } لأن المعنى : وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا ، وثانيها : أن الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول : كتبت ( الحمد لله ) وقرأت ( سورة أنزلناها ) وثالثها : أنها ترتفع على الاستئناف ، وتقديره : أن النفس مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين ، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين } [ البقرة : 62 ] وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بنصف الكل سوى { الجروح } فإنه بالرفع ، فالعين والأنف والأذن نصب عطفاً على النفس ، ثم { الجروح } مبتدأ ، و { قِصَاصٌ } خبره ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفاً لبعض ذلك على بعض ، وخبر الجميع قصاص ، وقرأ نافع { الأذن } بسكون الذال حيث وقع ، والباقون بالضم مثقلة ، وهما لغتان .
المسألة الثانية : قال ابن عباس : يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس ، يريد من قتل نفساً بغير قود قيد منه ، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح ، إنما هو العفو أو القصاص . وعن ابن عباس : كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت هذه الآية ، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة ، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف ، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال { والجروح قِصَاصٌ } وهو كل ما يمكن أن يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة .
واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعاً في التوراة ، فمن قال : شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال : هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن أنكر ذلك قال : إنها ليست بحجة علينا .
المسألة الثالثة : { قِصَاصٌ } هاهنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح متقاصة بعضها ببعض .
ثم قال تعالى : { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } الضمير في قوله { لَهُ } يحتمل أن يكون عائداً إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعافي ويتأكد هذا بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة

(6/69)


{ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم : « أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس » وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه » وهذا قول أكثر المفسرين .
والقول الثاني : أن الضمير في قوله { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } عائد إلى القاتل والجارح ، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني ، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجنى عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى .
ثم قال تعالى : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } وفيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال أولاً : { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } [ المائدة : 44 ] وثانياً : { هُمُ الظالمون } والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذكر أعظم التهديدات أولاً ، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده؟
وجوابه : أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس ، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه ، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه .

(6/70)


وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)

قفيته : مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال : عقبته بفلان وقفيته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء .
فإن قيل : فأين المفعول الأول في الآية؟
قلنا : هو محذوف ، والظرف وهو قوله { على ءاثارهم } كالساد مسده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في { ءاثارهم } للنبيّين في قوله { يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } [ المائدة : 44 ] وهاهنا سؤالات :
السؤال الأول : أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقاً لما بين يديه من التوراة ، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة ، ومعلوم أنه لم يكن كذلك ، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه السلام ، فلذلك قال في آخر هذه الآية { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } [ المائدة : 47 ] فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين؟
والجواب : معنى كون عيسى مصدقاً للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند الله ، وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود النسخ .
السؤال الثاني : لم كرر قوله { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والجواب : ليس فيه تكرار لأن في الأول : أن المسيح يصدق التوراة ، وفي الثاني : الإنجيل يصدق التوراة .
السؤال الثالث : أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال : { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } وفيه مباحثات ثلاثة : أحدها : ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة : وثانيها : لم ذكر الهدى مرتين؟ ، وثالثها : لم خصصه بكونه موعظة للمتقين؟
والجواب على الأول : أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه ، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد ، وعلى النبوّة وعلى المعاد ، فهذا هو المراد بكونه هدىً ، وأما كونه نوراً ، فالمراد به كونه بياناً للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف ، وأما كونه مصدقاً لما بين يديه ، فيمكن حمله على كونه مبشراً بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وبمقدمه وأما كونه هدىً مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيهاً على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجاً إلى البيان والتقرير ، وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وإنما خصها بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون بها ، كما في قوله { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] .
السؤال الرابع : قوله في صفة الإنجيل { وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } عطف على ماذا؟
الجواب : أنه عطف على محل { فِيهِ هُدًى } ومحله النصب على الحال ، والتقدير : وآتيناه الإنجيل حال كونه هدىً ونوراً ومصدقاً لما بين يديه .

(6/71)


وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)

ثم قال تعالى : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } قرأ حمزة { وَلْيَحْكُمْ } بكسر اللام وفتح الميم ، جعل اللام متعلقة بقوله { وآتيناه الانجيل } [ المائدة : 46 ] لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه ، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم ، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : وقلنا ليحكم أهل الإنجيل ، فيكون هذا إخباراً عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل ، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله { وَكَتَبْنَا وَقَفَّيْنَا } يدل عليه ، وحذف القول كثير كقوله تعالى : { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد : 23 ] أي يقولون سلام عليكم ، والثاني : أن يكون قوله { وَلْيَحْكُمْ } ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل .
فإن قيل : كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم . والثاني : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، مما لم يصر منسوخاً بالقرآن ، والثالث : المراد من قوله { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة ، فالمعنى بقوله { وَلْيَحْكُمْ } أي وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل .
ثم قال تعالى : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } واختلف المفسرون ، فمنهم من جعل هذه الثلاثة ، أعني قوله ( الكافرون الظالمون الفاسقون ) صفات لموصوف واحد . قال القفال : وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى ، بل هو كما يقال : من أطاع الله فهو المؤمن ، من أطاع الله فهو البر ، من أطاع الله فهو المتقي ، لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد . وقال آخرون : الأول : في الجاحد ، والثاني والثالث : في المقر التارك . وقال الأصم : الأول والثاني : في اليهود ، والثالث : في النصارى .

(6/72)


وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)

ثم قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أي القرآن ، وقوله { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } أي كل كتاب نزل من السماء سوى القرآن .
وقوله { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } فيه مسائل :
المسألة الأولى : في المهيمن قولان : الأول : قال الخليل وأبو عبيدة : يقال قد هيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً عليه حافظاً . قال حسّان :
إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب
والثاني : قالوا : الأصل في قولنا : آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو مؤامن بهمزتين ، ثم قلبت الأولى هاء كما في : هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، وقلبت الثانية ياء فصار مهيمناً فلهذا قال المفسرون { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } أي أميناً على الكتب التي قبله .
المسألة الثانية : إنما كان القرآن مهيمناً على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير مسنوخاً ألبتة ، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] وإذا كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبداً ، فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبداً .
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف» قرىء { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } بفتح الميم لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى : بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما قررنا من الآيات ، ولقوله { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت : 42 ] والمهيمن عليه هو الله تعالى .
ثم قال تعالى : { فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله } يعني فاحكم بين اليهود بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك .
{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : { وَلاَ تَتَّبِعِ } يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن ، كأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً أهواءهم .
المسألة الثانية : روي أن جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمد صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك كل اليهود ، وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المسألة الثالثة : تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال : لولا جواز المعصية عليهم وإلا لما قال : { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } .
والجواب : أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل : الخطاب له والمراد غيره .
ثم قال تعالى : { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظ ( الشرعة ) : في اشتقاقه وجهان : الأول : معنى شرع بين وأوضح . قال ابن السكيت : لفظ الشرع مصدر : شرعت الإهاب ، إذا شققته وسلخته . الثاني : شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه ، والشريعة في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها ، فالشريعة فعيلة بمعنى المعفولة ، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها ، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال : نهجب لك الطريق وأنهجب لغتان .

(6/73)


المسألة الثانية : احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا يلزمنا ، لأن قوله { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } يدل على أنه يجب أن يكون كل رسول مستقلاً بشريعة خاصة ، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة بشريعة الرسول الآخر .
المسألة الثالثة : وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء والرسل ، وآيات دالة على حصول التباين فيها .
أما النوع الأول : فقوله : { شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً } [ الشورى : 13 ] إلى قوله { أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } [ الشورى : 13 ] وقال { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] .
وأما النوع الثاني : فهو هذه الآية ، وطريق الجمع أن نقول : النوع الأول من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين ، والنوع الثاني مصروف إلى ما يتعلق بفروع الدين .
المسألة الرابعة : الخطاب في قوله { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } خطاب للأمم الثلاث : أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم السلام ، بدليل أن ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله { إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ } [ المائدة : 44 ] ثم قال { وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ } [ المائدة : 46 ] ثم قال { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } [ المائدة : 48 ] .
ثم قال : { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } يعني شرائع مختلفة : للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة .
المسألة الخامسة : قال بعضهم : الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين . وقال آخرون : بينهما فرق ، فالشرعة عبارة عن مطلق الشريعة ، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة ، وهي المراد بالمنهاج ، فالشريعة أول ، والطريقة رخر . وقال المبرد : الشريعة ابتداء الطريقة ، والطريقة المنهاج المستمر ، وهذا تقرير ما قلناه . والله أعلم بأسرار كلامه .
ثم قال تعالى : { وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } أي جماعة متفقة على شريعة واحدة ، أو ذوي أمة واحدة ، أي دين واحد لا اختلاف فيه . قال الأصحاب : هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة الالجاء .
ثم قال تعالى : { ولكن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } من الشرائع المختلفة ، هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله ، أم تتبعون الشبه وتقصرون في العمل .
{ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي فابتدروها وسابقوا نحوها .
{ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات .
{ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم ، وموفيكم ومقصركم في العمل ، والمراد أن الأمر سيؤول إلى ما يزول معه الكشوك ويحصل مع اليقين ، وذلك عند مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .

(6/74)


وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)

ثم قال تعالى : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ يَتَّبِعُ أَهْوَاءهُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : فإن قيل : قوله : { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ } معطوف على ماذا؟
قلنا : على { الكتاب } في قوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } [ المائدة : 48 ] كأنه قيل : وأنزلنا إليك أن أحكم و { أن } وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال ، ويجوز أن يكون معطوفاً على قوله { بالحق } [ المائدة : 48 ] أي أنزلناه بالحق وبأن أحكم ، وقوله : { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } قد ذكرنا أن اليهود اجتمعوا وأرادوا إيقاعه في تحريف دينه فعصمه الله تعالى عن ذلك .
المسألة الثانية : قالوا : هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله { فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } [ المائدة : 42 ] .
المسألة الثالثة : أعيد ذكر الأمر بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما للتأكيد ، وإما لأنهما حكمان أمر بهما جميعاً ، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن ، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم .
ثم قال تعالى : { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } .
قال ابن عباس : يريد به يردوك إلى أهوائهم ، فإن كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن ، ومنه قوله { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } [ الإسراء : 73 ] والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى الله عليه وسلم يقول : « أعوذ بك من فتنة المحيا » قال هو أن يعدل عن الطريق . قال أهل العلم : هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ، لأن الله تعالى قال : { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان .
ثم قال تعالى : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي فإن لم يقبلوا حكمك { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا ، وهو أن يسلطك عليهم ، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء ، وإنما خصّ الله تعالى بعض الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم ، وكان مجازاتهم بالبعض كافياً في إهلاكهم والتدمير عليهم ، والله أعلم .
المسألة الثانية : دلت الآية على أن الكل بإرادة الله تعالى ، لأنه لا يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم ، وذلك يدل على أنه تعالى مريد للخير والشر .
ثم قال تعالى : { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون } لمتمردون في الكفر معتدون فيه ، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ولاعتداء في الكفر .

(6/75)


أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)

ثم قال تعالى : { أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { تبغون } بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على المغايبة ، وقرأ المسلمي { لفاسقون أَفَحُكْمَ الجاهلية } برفع الحكم على الابتداء ، وإيقاع { يَبْغُونَ } خبراً وإسقاط الراجع عنه لظهوره ، وقرأ قتادة { أبحكم الجاهلية } والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به حكام بالجاهلية ، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبيّيين حكماً كأولئك الحكام .
المسألة الثانية : في الآية وجهان : الأول : قال مقاتل : كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث تحاكموا إليه ، فقالت بنو قريظة : بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فإن قتل بنو النضير منا قتيلاً أعطونا سبعين وسقاً من تمر ، وإن قتلنا منهم واحداً أخذوا منا مائة وأربعين وسقاً من تمر ، وأروش جراحاتنا على النصف من أروش جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فقال عليه السلام : « فإني أحكم أن دم القرظي وفاء من دم النضري ، ودم النضري وفاء من دم القرظي ، ليس لأحدهما فضل على الآخر في دم ولا عقل ، ولا جراحة » ، فغضب بنو النضير وقالوا : لا نرضى بحكمك فإنك عدو لنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية { أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } يعني حكمهم الأول . وقيل : إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه ، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به ، فمنعهم الله تعالى منه بهذه الآية ، الثاني : أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييراً لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى .
ثم قال تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } اللام في قوله { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } للبيان كاللام في { هَيْتَ لَكَ } [ يوسف : 23 ] أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ، ولا أحسن منه بياناً .

(6/76)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)

أعلم أنه تمّ الكلام عند قوله { أَوْلِيَاء } ثم ابتدا فقال { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } وروي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبرأ عنده من موالاة اليهود ، فقال عبد الله بن أبي : لكني لا أتبرأ منهم لأني أخاف الدوائر ، فنزلت هذه الآية ، ومعنى لا تتخذوهم أولياء : أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم ، ولا تتوددوا إليهم .
ثم قال : { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } قال ابن عباس : يريد كأنه مثلهم ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين ، ونظيره قوله { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } [ البقرة : 249 ] .
ثم قال : { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن لي كاتباً نصرانياً ، فقال : مالك قاتلك الله ، ألا اتخذت حنيفاً ، أما سمعت قول الله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } قلت : له دينه ولي كتابته ، فقال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله ، قلت : لا يتم أمر البصرة إلا به ، فقال : مات النصراني والسلام ، يعني هب أنه قد مات فما تصنع بعده ، فما تعمله بعد موته فاعمله الآن واستغن عنه بغيره .

(6/77)


فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)

ثم قال تعالى : { فَتَرَى الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يسارعون فِيهِمْ يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ }
واعلم أن المراد بقوله { الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } المنافقون : مثل عبد الله بن أُبي وأصحابه ، وقوله { يسارعون فيهم أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى نجران ، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم ، ويقول المنافقون : إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة . قال الواحدي رحمه الله : الدائرة من دوائر الدهر كالدولة ، وهي التي تدور من قوم إلى قوم ، والدائرة هي التي تخشى ، كالهزيمة والحوادث الخوفة ، فالدوائر تدور ، والدوائل تدول . قال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك .
ثم قال تعالى : { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } .
قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله ، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى : فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم ، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم ، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون : لا نظن أنه يتم له أمره ، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه . وقيل : أو أمر من عنده ، يعني أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم .
فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين ، وقوله { عَسَى الله أَن يَأْتِي بالفتح أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } ليس كذلك ، لأن الاتيان بالفتح داخل في قوله { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } .
قلنا : قوله { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه فعل ألبتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من غير محاربة ولا عسكر ثم قال تعالى :

(6/78)


وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر { يِقُولُ } بغير واو ، وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والشام ، والباقون بالواو ، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق . قال الواحدي رحمه الله : وحذف الواو ههنا كإثباتها ، وذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها ، فإن الموصوف بقوله { يسارعون فِيهِمْ } [ المائدة : 52 ] هم الذين قال فيهم المؤمنون { أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله } فلما حصل في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن العطف بالواو وبغير الواو ، ونظيره قوله تعالى : { سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو ، ثم قال : { وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } [ الكهف : 22 ] فأدخل الواو ، فدل ذلك على أن حذف الواو وذكرها جائز . وقال صاحب «الكشاف» حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا . واختلفوا في قراءة هذه الآية من وجه آخر ، فقرأ أبو عمرو { وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ } نصبا على معنى : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وأما من رفع فإنه جعل الواو لعطف جملة على جملة ، ويدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو .
المسألة الثانية : الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى ، وقالوا : إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم معنا ومن أنصارنا ، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم؟
المسألة الثالثة : قوله { حَبِطَتْ أعمالهم } يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين ، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ، والمعنى ذهب ما أظهروه من الإيمان ، وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى ، فأصبحوا خاسرين في الدنيا والآخرة ، فإنه لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في الإتيان بتلك الأعمال ، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها ، بل استحقوا اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة .

(6/79)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ونافع { يَرْتَدِدْ } بدالين ، والباقون بدال واحدة مشددة ، والأول : لإظهار التضعيف ، والثاني : للإدغام . قال الزجاج : إظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف ، نحو قوله { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } [ آل عمران : 140 ] ويجوز في اللغة : إن يمسكم .
المسألة الثانية : روى صاحب «الكشاف» أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة : ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
بنو مدلج : ورئيسهم ذو الحمار ، وهو الأسود العنسي ، وكان كاهناً ادعى النبوّة في اليمن واستولى على بلادها ، وأخرج عمال رسول الله ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن ، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي بيته فقتله ، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل ، فسر المسلمون ، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول .
وبنو حنيفة قوم مسيلمة ، ادعى النبوّة وكتب إلى رسول الله : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، فأجابه الرسول : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين ، وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة ، وكان يقول : قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام ، أراد في جاهليتي وفي إسلامي .
وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد : ادعى النبوّة ، فبعث إليه رسول الله خالداً ، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه .
وسبع في عهد أبي بكر : فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري ، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوّة وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب ، وكندة قوم الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد ، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر . وفرقة واحدة في عهد عمر : غسان قوم جبلة بن الأيهم ، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر ، وكان يطوف ذات يوم جاراً رداءه ، فوطىء رجل طرف ردائه فغضب فلطمه ، فتظلم إلى عمر فقضى له بالقصاص عليه ، إلا أن يعفو عنه ، فقال : أنا أشتريها بألف ، فأبى الرجل ، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرجل إلا القصاص ، فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب إلى الروم وارتد .
المسألة الثالثة : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار فيرتد عن دينه فليعلم أن الله تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه . وقال الحسن رحمه الله : علم الله أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيّهم ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن الغيب ، وقد وقع المخبر على وفقه فيكون معجزاً .

(6/80)


المسألة الرابعة : اختلفوا في أن أولئك القوم من هم؟ فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريح : هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردة . وقالت عائشة رضي الله عنها : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ، واشتهر النفاق ، ونزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها . وقال السدي : نزلت الآية في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا الرسول وأعانوه على إظهار الدين . وقال مجاهد : نزلت في أهل اليمن . وروي مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال : « هم قوم هذا » وقال آخرون : هم الفرس لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن هذه الآية « ضرب بيده على عاتق سلمان » وقال : هذا وذووه ، ثم قال : « لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس » . وقال قوم : إنها نزلت في علي عليه السلام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه عليه السلام لما دفع الراية إلى علي عليه السلام يوم خيبر قال : « لأدفعن الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » وهذا هو الصفة المذكورة في الآية .
والوجه الثاني : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُمْ رَاكِعُونَ } [ المائدة : 55 ] وهذه الآية في حق علي ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضاً في حقه ، فهذه جملة الأقوال في هذه الآية .
ولنا في هذه الآية مقامات :
المقام الأول : أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من الروافض ، وتقرير مذهبهم أن الذين أقرنا بخلافة أبي بكر وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين ، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي عليه السلام فنقول : ( لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ويردهم إلى الدين الحق ) بدليل قوله { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم } إلى آخر الآيه وكلمة [ من ] في معرض الشرط للعموم ، فهي تدل على أن كل من صار مرتداً عن دين الإسلام فإن الله يأتي بقوم يقهرهم ويردهم ويبطل شوكتهم ، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة أبداً منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم ، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف .

(6/81)


المقام الثاني : أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال : إنها نزلت في حق أبي بكر رضي الله عنه والدليل عليه وجهان : الأول : أن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين ، وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا ، ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين ، ولأنه تعالى قال { فَسَوْفَ يَأْتِى الله } وهذا للاستقبال لا للحال ، فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب .
فإن قيل : هذا لازم عليكم لأن أبا بكر رضي الله عنه كان موجوداً في ذلك الوقت .
قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل الردة ما كانوا موجودين في الحال ، والثاني : أن معنى الآية أن الله تعالى قال : فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وإن كان موجوداً في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلاً في ذلك الوقت بالحراب والأمر والنهي ، فزال السؤال ، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن أيضاً أن يكون المراد هو علي عليه السلام ، لأن علياً لم يتفق له قتال مع أهل الردة ، فكيف تحمل هذه الآية عليه .
فإن قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً .
قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول : أن اسم المرتد إنما يتناول من كان تاركاً للشرائع الإسلامية ، والقوم الذين نازعوا علياً ما كانوا كذلك في الظاهر ، وما كان أحد يقول : إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام ، وعلي عليه السلام لم يسمهم ألبتة بالمرتدين ، فهذا الذي يقوله هؤلاء الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضاً . الثاني : أنه لو كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتداً لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين ، ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ويردونهم إلى الدين الصحيح ، ولما لم يوجد ذلك ألبتة علمنا أن منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة ، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي ، لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين ، ولا يمكن أيضاً أن يقال : إنها نازلة في أهل اليمن أو في أهل فارس ، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين ، وبتقدير أن يقال : اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعاً وأذنابا ، وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر ، ومعلوم أن حمل الآية على من كان أصلاً في هذه العبادة ورئيساً مطاعاً فيها أولى من حملها على الرعية والأتباع والأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية مختصة بأبي بكر .

(6/82)


والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر : هو أنا نقول : هب أن علياً كان قد حارب المرتدين ، ولكن محاربة أبي بكر مع المرتدين كانت أعلى حالاً وأكثر موقعاً في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه في الإمامة ، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم لما توفي اضطربت الأعراب وتمردوا ، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة ، وهو الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين ، وهو الذي حارب مانعي الزكاة ، ولما فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته . أما لما انتهى الأمر إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط في الشرق والغرب ، وصار ملوك الدنيا مقهورين ، وصار الإسلام مستولياً على جميع الأديان والملل ، فثبت أن محاربة أبي بكر رضي الله عنه أعظم تأثيراً في نصرة الإسلام وتقويته من محاربة علي عليه السلام ، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون في تقوية الدين ونصرة الإسلام ، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن يكون هو المراد بالآية .
المقام الثالث في هذه الآية : وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة إمامة أبي بكر ، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول : إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات : أولها : أنه يحبهم ويحبونه .
فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو إبو بكر ثبت أن قوله { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } وصف لأبي بكر ، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالماً ، وذلك يدل على أنه كان محقاً في إمامته ، وثانيها : قوله { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } وهو صفة أبي بكر أيضاً الدليل الذي ذكرناه ، ويؤكده ما روي في الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال : « ارحم أمتي بأمتي أبو بكر » فكان موصوفاً بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار ، ألا ترى أن في أول الأمر حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان في غاية الضعف كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكيف كان يلازمه ويخدمه ، وما كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم ، وفي آخر الأمر أعني وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد ، وأصر على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده ، حتى جاء أكابر الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب ، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم انهزموا وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام ، فكان قوله { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } لا يليق إلا به ، وثالثها : قوله { يجاهدون فِى سَبِيلِ الله وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي ، إلا أن حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل ، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت في أول البعث ، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف ، والكفر كان في غاية القوة ، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته ، ويذب عن رسول الله بغاية وسعه ، وأما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأُحد ، وفي ذلك الوقت كان الإسلام قوياً وكانت العساكر مجتمعة ، فثبت أن جهاد أبي بكر كان أكمل من جهاد علي من وجهين : الأول : أنه كان متقدماً عليه في الزمان ، فكان إفضل لقوله تعالى :

(6/83)


{ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل } [ الحديد : 10 ] والثاني : أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجهاد علي كان في وقت القوة ، ورابعها : قوله { ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى : { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة } [ النور : 22 ] وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر ، ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية لا بدّ وأن تكون في أبي بكر ، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بدّ وأن تكون لأبي بكر ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته ، إذ لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان موصوفاً بهذه الصفات حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه الصفات وبطلت .
قلنا : هذا باطل قطعاً لأنه تعالى قال : { فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل ، وذلك يدل على شهادة الله له بكونه موصوفاً بهذه الصفات حال محاربته مع أهل الردة ، وذلك هو حال إمامته ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة إمامته ، أما قول الروافض لعنهم الله : إن هذه الآية في حق علي رضي الله عنه بدليل أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : « لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله » وكان ذلك هو علي عليه السلام ، فنقول : هذا الخبر من باب الآحاد ، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل ، فكيف يجوز التمسك به في العلم ، وأيضاً إن إثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها عن أبي بكر ، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع عن أبي بكر ، ومن جملة تلك الصفات كونه كراراً غير فرار ، فلما انتفى ذلك عن أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له ، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه ، فهو تعالى إنما أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت ، فلم يمنع ذلك من حصولها في الزمان المستقبل ، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن ، وما ذكروه تمسك بالخبر المذكور المنقول بالآحاد ، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون أبي بكر محباً لله ولرسوله .

(6/84)


وكون الله محباً له وراضياً عنه . قال تعالى في حق أبي بكر { وَلَسَوْفَ يرضى } [ الليل : 21 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة " وقال : " ما صب الله شيئاً في صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر " وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله .
وأما الوجه الثاني : وهو قولهم : الآية التي بعد هذه الآية دالة على إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي ، فجوابنا : أنا لا نسلم دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة علي وسنذكر الكلام فيه إن شاء الله تعالى ، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم .
أما قوله تعالى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } [ البقرة : 165 ] فلا فائدة في الإعادة . وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته لهم على محبتهم له ، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا محبين له .
ثم قال تعالى : { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } وهو كقوله { أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح : 29 ] قال صاحب «الكشاف» أذلة جمع ذليل ، وأما ذلول فجمعه ذلل ، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون ، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب ، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه ألبتة لا يظهر شيئاً من التكبر والترفع ، بل لا يظهر إلا الرفق واللين فكذا ههنا ، فقوله { أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } أي يظهرون الغلطة والترفع على الكافرين . وقيل : يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم : عزه يعزه إذا غلبه ، كأنهم مشددون عليهم بالقهر والغلبة .
فإن قيل : هلا قيل : أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين .
قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة ، كأنه قيل : راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع ، والثاني : أنه تعالى ذكر كلمة { على } حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، فيفيد أن كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم ، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع . وقرىء ( أذلة وأعزة ) بالنصب على الحال .
ثم قال تعالى : { يجاهدون فِى سَبِيلِ الله } أي لنصرة دين الله { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } وفيه وجهان : الأول : أن تكون هذه الواو للحال ، فإن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن من كان قوياً في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه لومة لائم . الثاني : أن تكون هذه الواو للعطف ، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل الله لا لغرض آخر ، ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين ، واللومة المرة الواحدة من اللوم ، والتنكير فيها وفي اللائم مبالغة ، كأنه قيل : لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللائمين .

(6/85)