صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

" بُلّوا الشعرَ وانقوا البَشَرَة فإن تحت كل شعرة جنابة " فقوله " بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً ، وقوله " وانقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم .
المسألة الرابعة : شعر الرأس إن كان مفتولاً لا مشدوداً بعضه ببعض نظر ، فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه ، وقال مالك لا يجب ، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب . لنا أن قوله : { فاطهروا } عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن ، فإن كان شد بعض الشعور بالبعض مانعاً منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع ، فإن لم يكن مانعاً منه لم يجب إزالته ، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه .
المسألة الثامنة : قال الأكثرون : لا ترتيب في الغسل ، وقال إسحاق : تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير المطلق ، وذلك حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن ، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافياً في الخروج عن العهدة .
قوله تعالى : { وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء } [ النساء : 43 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى : { وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ } ولا يجوز أن يقال : إنه شرط فيه عدم الماء ، لأن عدم الماء يبيح التيمم ، فلا معنى لضمه إلى المرض ، وإنما يرجع قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } إلى المسافر .
المسألة الثانية : المرض على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يخاف الضرر والتلف ، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق . الثاني : أن لا يخاف الضرر ولا التلف ، فههنا قال الشافعي : لا يجوز التيمم ، وقال مالك وداود يجوز ، وحجتهما أن قوله { وَإِنْ كُنتُم مرضى } يتناول جميع أنواع المرض . الثالث : أن يخاف الزيادة في العلة وبطء المرض ، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي رحمه الله . وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ، والدليل عليه عموم قوله { وَإِنْ كُنتُم مرضى } الرابع : أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه ، قال في «الجديد» : لا يتيمم . قال في «القديم» يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق للآية .
المسألة الثالثة : إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض ، فقال الشافعي رحمه الله : إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم ، وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم . حجة الشافعي رحمه الله الأخذ بالاحتياط ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الله تعالى جعل المرض أحد أسباب جواز التيمم ، والمرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض فكان داخلاً تحت الآية .

(5/492)


المسألة الرابعة : لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً يمنع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف ، قال الشافعي رحمه الله : يلزمه نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه ، وقال الأكثرون : لا يجب . حجة الشافعي رعاية الاحتياط ، وحجة الجمهور أن مدار الأمر في التيمم على التخفيف وإزالة الحرج على ما قال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] فإيجاب نزع للصوق حرج ، فوجب أن لا يجب .
المسألة الخامسة : يجوز التيمم في السفر القصير ، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا : لا يجوز . لنا أن قوله تعالى : { أَوْ على سَفَرٍ } مطلق وليس فيه تفصيل أن السفر هل هو طويل أو قصير ، ولقائل أن يقول : أنا إذا قلنا السفر الطويل والقصير سببان للرخصة لكون لفظ السفر مطلقاً وجب أن نقول : المرض الخفيف والشديد سببان للرخصة لكون لفظ المرض مطلقاً ، ويدل أيضاً على أن السفر القصير يبيح التيمم ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه انصرف من قومه فبلغ موضعاً مشرفاً على المدينة فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد فجعل يتيمم ، فقال له مولاه : أتتيمم وها هي تنظر إليك جدران المدينةا فقال : أو أعيش حتى أبلغها ، وتيمم وصلّى ، ودخل المدينة والشمس حية بيضاء وما أعاد الصلاة .
المسألة السادسة : المسافر إذا كان معه ماء ويخاف الاعطش جاز له أن يتيمم لقوله تعالى في آخر الآية { مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } ولأن فرض الوضوء سقط عنه إذا أضر بماله ، بدليل أنه إذا لم يجد الماء إلا بثمن كثير لم يجب عليه الوضوء ، فإذا أضر بنفسه كان أولى .
المسألة السابعة : إذا كان معه ماء وكان حيوان آخر عطشاناً مشرفاً على الهلاك يجوز له التيمم لأن ذلك الماء واجب الصرف إلى ذلك الحيوان ، لأن حق الحيوان مقدم على الصلاة ، ألا ترى أنه يجوز له قطع الصلاة عند إشراف صبي أو أعمى على غرق أو حرق ، فإذا كان كذلك كان ذلك الماء كالمعدوم ، فدخل حينئذٍ تحت قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } .
المسألة الثامنة : إذ لم يكن معه ماء ولكن كان مع غيره ماء ، ولا يمكنه أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز التيمم له : لأن قوله { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] رفع عنه تحمل الغبن الفاحش ، وحينئذٍ يكون كالفاقد للماء فيدخل تحت قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وكذا القول إذا كان يباع الماء بثمن المثل لكنه لا يجد ذلك الثمن ، أو كان معه الثمن لكنه يحتاج إليه حاجه ضروريه ، فأما إذا كان واجد الثمن المثل ولم يكن به إليه حاجة ضرورية فهنا يجب شراء الماء .
المسألة التاسعة : إذا وهب منه ذلك الماء هل يجوز له التيمم ، قال أصحابنا : يجوز له التيمم ولا يجب عليه قبول ذلك الماء ، لأن المنة في قبول الهبة شاقة ، وأنا أتعجب منهم فإنهم لما جعلوا هذا القدر من الحرج سبباً لجواز التيمم فلم لم يجدوا خوف زيادة الألم في المرض سبباً لجواز التيمم .

(5/493)


المسألة العاشرة : إذا أعير منه الدول والرشاء ، فههنا الأكثرون قالوا : لا يجوز له التيمم ، لأن المنة في هذه الإعارة قليلة ، وكان هذا الإنسان واجداً للماء من غير حرج فلم يجز له التيمم لأن قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } دليل على أنه يشترط لجواز التيمم عدم وجدان الماء .
المسألة الحادية عشرة : قوله { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط } كناية عن قضاء الحاجة . وأكثر العلماء ألحقوا به كل ما يخرج من السبيلين سواء كان معتاداً أو نادراً لدلالة الأحاديث عليه .
المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : الاستنجاء واجب إما بالماء وإما بالأحجار وقال أبو حنيفة رحمه الله : غير واجب .
حجة الشافعي قوله : فليستنج بثلاثة أحجار ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } أوجب عند المجيء من الغائط الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحد ، وذلك يدل على أنه غير واحب .
المسألة الثالثة عشرة : لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، ولا ينقض عند أبي حنيفة رحمه الله .
المسألة الرابعة عشرة : ظاهر قوله { أَوْ لامستم النساء } يدل على انتقاض وضوء اللامس ، أما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية ، بل إنما أخذ من الخبر ، أو من القياس الجلي .
قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } وفيه مسائل ، وهي محصورة في نوعين : أحدهما : الكلام في أن الماء المطهر ما هو؟ والثاني : الكلام في أن التيمم كيف هو؟
أما النوع الأول ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الوضوء بالماء المسخن جاز ولا يكره ، وقال مجاهد : يكره . لنا وجهان : الأول : قوله تعالى : { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } والغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو وقد أتى به فيخرج عن العهدة . الثاني : أنه قال : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } علق جواز التيمم بفقدان الماء ، وههنا لم يحصل فقدان الماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم .
المسألة الثانية : قال أصحابنا : الماء إذا قصد تشميسه في الإناء كره الوضوء به ، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله : لا يكره . حجة أصحابنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من اغتسل بماء مشمس فأصابه وضع فلا يلومن إلا نفسه » ومن أصحابنا من قال : لا يكره ذلك من جهة الشرع ، بل من جهة الطب . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } وهذا غسل فيكون كافياً ، الثاني أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم .

(5/494)


المسألة الثالثة : لا يكره الوضوء بما فضل عن وضوء المشرك ، وكذا لا يكره الوضوء بالماء الذي يكون في أواني المشركين . وقال أحمد وإسحاق لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ولأنه واجد للماء فلا يتيمم . وروى أنه عليه الصلاة والسلام توضأ من مزادة مشركة ، وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية .
المسألة الرابعة : يجوز الوضوء بماء البحر . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ، ولأن شرط جواز التيمم عدم الماء ، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز ذلك في السفر . حجة الشافعي قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } أوجب الشارع عند عدم الماء التيمم ، وعند الخصم يجوز له الترك للتيمم بل يجب ، وذلك بأن يتوضأ بنبيذ التمر ، فكان ذلك على خلاف الآية ، فإن تمسكوا بقصة الجن قلنا : قيل إن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات لإزالة الملوحة ، وأيضاً فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن ، فجعل هذا ناسخاً لذلك أولى .
المسألة السادسة : ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة . وقال الأكثرون : لا يجوز . لنا أن عند عدم الماء أوجب الله التيمم ، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك . احتجوا بأن قوله تعالى : { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أمر بمطلق الغسل ، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلاً كقول الشاعر :
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ... وإذا كان الغسل اسماً للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل بسائر المائعات كان قوله { فاغسلوا } إذناً في الوضوء بكل المائعات .
قلنا : هذا مطلق ، والدليل الذي ذكرناه مقيد ، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب .
لمسألة السابعة : قال الشافعي رحمه الله : الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به . وقال أبو حنيفة رحمه يجوز ، حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق فواجده غير واجد الماء ، فوجب أن يجب عليه التيمم ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن واجده واجد للماء لأن الماء المتغير بالزعفران ماء موصوف بصفة معينة ، فكان أصل الماء موجوداً لا محالة ، فواجده يكون واجداً للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } علق جواز التيمم بعدم الماء .
المسألة الثامنة : الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور بدليل قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } علق جواز التيمم على عدم الماء وهذا الماء المتعفن ماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده .

(5/495)


المسألة التاسعة : قال مالك وداود : الماء المتسعمل في الوضوء يبقى طاهراً طهوراً ، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله ، والقول الجديد للشافعي أنه لم يبق طهوراً ولكنه طاهر ، وهو قول محمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة رحمه الله في أكثر الروايات أنه نجس . حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان الماء . وهو قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وواجد الماء المستعمل واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم ، وإذا لم يجز التيمم جاز له التوضوء ، لأنه لا قائل بالفرق . وأيضاً قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً } [ الفرقان : 48 ] والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول والأكول والشروب ، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز استعماله فيها مرة أخرى .
المسألة العاشرة : قال مالك : الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء بتلك النجاسة بقي طاهراً طهوراً سواء كان قليلاً أو كثيراً ، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين . وقال الشافعي رحمه الله : إن كان أقل من القلتين ينجس . وقال أبو حنيفة : إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس . حجة مالك أن الله جعل في هذه الآية عدم الماء شرطاً لجواز لتيمم ، وواجد هذا الماء الذي فيه النزاع واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز له التيمم . أقصى ما في الباب أن يقال : هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيراً ، إلا أنا نقول : العام حجة في غير محل التخصيص ، وأيضاً قوله تعالى : { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أمر بمطلق الغسل ، ترك العمل به في سائر المائعات وفي الماء القليل الذي تغير بالنجاسة ، فيبقى حجة في الباقي . وقال مالك رحمه الله : ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : « خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » ولا يعارض هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً » لأن القرآن أولى من خبر الواحد ، والمنطوق أولى من المفهوم .
المسألة الحادية عشرة : يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب . وقال أحمد وإسحاق : لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب . لنا قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وواجد هذا الماء فلم يجز له التيمم ، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق .
المسألة الثانية عشرة : أسار السباع طاهرة مطهرة ، وكذا سؤر الحمار . وقال أبو حنيفة رحمه الله : نجسة . لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأن قوله { فاغسلوا } يتناول جميع أنواع الماء على ما تقدم تقرير هذين الوجهين .
المسألة الثالثة عشرة : الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة مغيرة بقي طاهراً طهوراً عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ينجس . لنا أنه واجد للماء فلم يجز له التيمم ، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج عن العهدة .

(5/496)


المسألة الرابعة عشرة : الماء الذي تفتتت الأوراق فيه ، للناس فيه تفاصيل ، لكن هذه الآية دالة على كونه طاهراً مطهراً ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق ، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماء المطلق كان طاهراً طهوراً .
النوع الثاني : من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم .
المسألة الأولى : قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم الله : لا بدّ في التيمم من النية ، وقال زفر رحمه الله لا يجب . لنا قوله تعالى : { فَتَيَمَّمُواْ } والتيمم عبارة عن القصد ، فدل على أنه لا بدّ من النية .
المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة : يجب تيمم اليدين إلى المرفقين ، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين ، وعن مالك إلى الكوعين ، وعن الزهري إلى الآباط .
لنا : اليد اسم لهذا العضو إلى الإبط فقوله { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } يقتضي المسح إلى الإبطين ، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن التيمم بدل عن الوضوء . ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء أربعة في الوضوء ، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله تعالى في آية التيمم { مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } فإذا كان العضدان غير معتبرين في الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى ، وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المرفقين فيه ، فالحاصل أنه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن الوضوء ، فتقييده بهما في الوضوء يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم .
المسألة الثالثة : يجب استيعاب العضوين في التيمم . ونقل الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز .
لنا قوله : { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } والوجه واليد اسم لجملة هذين العضوين ، وذلك لا يحصل إلا بالاستيعاب ، ولقئل أن يقول : قد ذكرتم في قوله تعالى : { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } أن الباء تفيد التبعيض فكذا ههنا .
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : إذا وضع يده على الأرض فما لم يعلق بيده شيء من الغبار لم يجزه ، وهو قول أبي يوسف رحمه لله . وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله يجزئه .
لنا قوله تعالى : { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } وكلمة { مِنْهُ } تدل على التمسح بشيء من ذلك التراب كما أن من قال : فلان يمسح من الدهن أفاد هذا المعنى ، وقد بالغنا في تقرير هذا في تفسير آية التيمم من سورة النساء والله أعلم .
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز بالتراب وبالرمل وبالخزف المدقوق والجص والنورة والزرنيخ .

(5/497)


لنا ما روي أن ابن عباس قال : الصعيد هو التراب ، وأيضاً التيمم طهارة غير معقولة المعنى ، فوجب الاقتصار فيه على مورد النص ، والنص المفصل إنما ورد في التراب . قال عليه الصلاة والسلام : « التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج » وقال « جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً » والله أعلم .
المسألة السادسة : لو وقف على مهب الرياح فسفت الرياح التراب عليه فأمر يده عليه أو لم يمر ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يكفي . وقال بعض المحققين يكفي ، لأنه لما وصل الغبار إلى أعضائه ثم أمر الغبار على تلك الأعضاء فقد قصد إلى استعمال الصعيد الطيب في أعضائه فكان كافياً .
المسألة السابعة : المذهب أنه إذا يممه غيره صح ، وقيل لا يصح لأن قوله { فَتَيَمَّمُواْ } أمر له بالفعل ولم يوجد .
المسألة الثامنة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بعد دخول وقت الصلاة . وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز .
لنا قوله تعالى : { إذا قمتم إلىلصلاة } إلى قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها .
والمسألة التاسعة : إذا ضرب رجله حتى ارتفع عنه غبار قال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز له أن يتيمم ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز . حجة أبي يوسف قوله تعالى : { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } والغبار المنفصل عن التراب لا يقال إنه صعيد طيب ، فوجب أن لا يجزى .
المسألة العاشرة : لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى : { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } والنجس لا يكون طيباً .
المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان هناك وادٍ هبط إليه ، وإن كان جبل صعده . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب طلبه .
لنا قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } جعل عدم وجدان الماء شرطاً لجواز التيمم ، وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لا بدّ من تقديم الطلب .
المسألة الثانية عشرة : لا يصح الطلب إلاّ بعد دخول وقت الصلاة ، فإن طلب قبله يلزمه الطلب ثانياً بعد دخول الوقت ، إلاّ أن يحصل عنده يقين أن الأمر بقي كما كان ولم يتغير .
لنا قوله تعالى : { إذا قمتم إلىلصلاة } إلى قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } فقوله { إذا قمتم إلىلصلاة } عبارة عن دخول الوقت ، فوجب أن يكون قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ } عبارة عن عدم الوجدان بعد دخول الوقت ، وعدم الوجدان بعد دخول الوقت مشروط بحصول الطلب بعد دخول الوقت ، فعلمنا أنه لا بدّ من الطلب بعد دخول الوقت .

(5/498)


المسألة الثالثة عشرة : لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء . وأما التيمم بدلاً عن الغسل في حق الجنب فعن علي وابن عباس جوازه ، وهو قول أكثر الفقهاء . وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز .
لنا أن قوله : إما أن يكون مختصاً بالجماع أو يدخل فيه الجماع ، فوجب جواز التيمم بدلاً عن الغسل لقوله { أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } .
المسألة الرابعة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجمع بالتيمم بين فرضين وإن لم يحدث كما في الوضوء . وقال أحمد : يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين .
حجة الشافعي : قوله تعالى : { إذا قمتم إلىلصلاة فاغسلوا } إلى قوله { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُم مّنَ الغائط أَوْ لامستم النساء فلم تَجِدوا ماء فتيمموا } .
وجه الاستدلال به أن ظاهره يقتضي الأمر بكل وضوء عند كل صلاة إن وجد الماء ، وبالتيمم إن فقد الماء ، ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيبقى في التيمم على مقتضى ظاهر الآية .
المسألة الخامسة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : إذا لم يجد الماء في أول الوقت ويتوقع وجدانه في آخر الوقت جاز له التيمم في أول الوقت . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : بل يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت .
حجة الشافعي : قوله { إذا قمتم إلىلصلاة } إلى قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } وقوله { إذا قمتم إلىلصلاة } ليس المراد منه القيام إلى الصلاة ، بل المراد دخول وقت الصلاة . وهذا يدل على أن عند دخول الوقت إذا لم يجد الماء جاز له التيمم .
المسألة السادسة عشرة : إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه . وقال أبو موسى الأشعري والشعبي : لا يبطل .
لنا قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } إلى قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } شرط عدم وجدان الماء بجواز الشروع في الصلاة بالتيمم ، ومن وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم .
المسألة السابعة عشرة : لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة . قال طاوس : يلزمه .
لنا قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } إلى قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } جوّز له الشروع في الصلاة بالتيمم عند عدم وجدان الماء ، وقد حصل ذلك ، فوجب أن يكون سبباً لخروجه عن عهدة التكليف ، لأن الإتيان بالمأمور به سبب للأجزاء .
المسألة الثامنة عشرة : لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها ، وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والثوري ، وهو اختيار المزني وابن شريح .

(5/499)


لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكم التيمم على ما دلّت الآية عليه ، فقد انعقدت عليه صلاته صحيحة ، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة فنقول : ما لم يبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء ، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لا تبطل صلاته ، فيتوقف كل واحد منهما على الآخر ، فيكون دوراً وهو باطل . والله أعلم .
المسألة التاسعة عشرة : لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلّى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي رحمه الله ، وهو قول أحمد وأبي يوسف ، والقول الثاني أنه لا يلزمه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . حجة القول الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما أنه سبب للعجز عن استعمال الماء ، فكذلك النسيان سبب للعجز ، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه ، فيدخل تحت قوله { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ } وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك النسيان .
المسألة العشرون : إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور ، والأولى أن لا تجب الإعادة .
المسألة الحادية والعشرون : إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلّى ثم وجده ، فالأكثرون على أنه تجب الإعادة لأن العذر ضعيف . وقال قوم : لا تجب الإعادة ، لأنه لما استقصى في الطلب صار عاجزاً عن استعمال الماء فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً } .
المسألة الثانية والعشرون : لو صلّى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن استعمال ذلك الماء ، فإن كان قد علمه أولاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله ، وإن لم يكن عالماً بها قط ، فإن كان عليها علامة ظاهرة لزمه الإعادة ، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء ، فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً } فهذا جملة الكلام في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه الآية ، وهي مائة مسألة ، وقد كتبناها في موضع ما كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة ، وكان القلب مشوشاً بسبب استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . فنسأل الله تعالى أن يكفينا شرهم ، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام الله من نص الله سبباً لرجحان الحسنات على السيآت أنه أعز مأمول وأكرم مسؤول .
قوله تعالى : { مَا يُرِيدُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : دلّت الآية على أنه تعالى مريد ، وهذا متفق عليه بين الأئمة ، إلاّ أنهم اختلفوا في تفسير كونه مُرِيْداً ، فقال الحسن النجار : أنه مريد بعمنى أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى { مَّرِيداً } صفة سلبية ، ومنهم من قال : إنه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معنى كونه مريداً لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى أيجادها ، ومعنى كونه مريداً لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريداً صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : إنه مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : إنه مريد بإرادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بإرادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية : مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بإرادة محدثة قائمة بذاته ، والله أعلم .

(5/500)


المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا .
المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع ، وهو أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال : { مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة : 185 ] ويدل عليه من الأحاديث قوله عليه السلام : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » ويدل عليه أيضاً أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع لقوله عليه السلام : « ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن » وأما بيان أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه : أحدها : قوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً } [ البقرة : 29 ] وثانيها : قوله « أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات » [ المائدة : 4 ] وقد بينا أن المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة ألبتة أصلاً إلى القياس في الشرع؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وإن كان من باب المنافع أبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح في هذين الأصلين بشيء من الأقيسة لأن القياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص ، وأنه مردود فكان باطلاً .
المسألة الرابعة : قوله { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } اختلفوا في تفسير هذا التطهير ، فقال جمهور أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : إن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جداً ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى :

(6/1)


{ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة : 28 ] وكلمة { إِنَّمَا } للحصر ، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه ألبتة . الثاني : قوله عليه السلام : « المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتا » فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان رطباً فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلّى لم تفسد صلاته ، وذلك يدل على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : أن خروج النلجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر السادس : أن قوله { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئاً من النجاسات أصلاً ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن هذا المسح لا يزيل شيئاً البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذي يراد زواله إن كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء الفقهاء بعيد .
الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر المعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ولهذا التأويل قال الله تعالى : { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } فجعل رأيهم نجاسة ، وقال { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً } [ الأحزاب : 33 ] فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه السلام : { إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } [ آل عمران : 55 ] فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيراً له .
وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إلى هذه الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف فائدة معقولة ، فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه .

(6/2)


واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله ، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة ، والله أعلم .
أما قوله { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } ففيه وجهان : الأول : أن الكلام متعلق بما ذكر من أول السورة إلى هنا ، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح ، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض الوضوء فكأنه قال : إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولاً وهي نعمة الدنيا ، والنعمة المذكورة ثانياً وهي نعمة الدين . الثاني : أن المراد : وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض ، فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم .
ثم قال تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } والكلام في «لعل» مذكور في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 21 ] ، والله أعلم .

(6/3)


وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)

اعلم أنه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول والانقياد ، وذلك من وجهين : الأول : كثرة نعمة الله عليهم ، وهو المراد من قوله { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } ومعلوم أن كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما قال { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } ولم يقل نعم الله عليكم ، لأنه ليس المقصود منه التأمل في إعداد نعم الله ، بل المقصود منه التأمل في جنس نعم الله لأن هذا الجنس جنس لا يقدر غير الله عليه ، فمن الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر عليه/ غير الله ، فقوله تعالى : { واذكروا نِعْمَتَ الله } المراد التأمل في هذا النوع من حيث أنه ممتاز عن نعمة غيره ، وذلك الامتياز هو أنه لا يقدر عليه غيره ، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها أتم وأكمل .
المسألة الثانية : قوله { واذكروا نِعْمَتَ الله } مشعر بسبق النسيان ، فكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات ، إلاّ أن الجواب عنه أنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد ، فصارت غلبة ظهورها وكثرتها سبباً لوقوعها في محل النسيان ، ولهذا المعنى قال المحققون : إنه تعالى إنما كان باطناً لكونه ظاهراً ، وهو المراد من قولهم : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عنها بكمال نوره .
السبب الثاني : من الأسباب التي توجب عليهم كونهم منقادين لتكاليف الله تعالى هو الميثاق الذي واثقهم به ، والمواثقة المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على نفسه ، وهذه الآية مشابهة لقوله في أول السورة { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة : 1 ] وللمفسرين في تفسير هذا الميثاق وجوه : الأول : أن المراد هو المواثيق التي جرت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في أن يكونوا على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه ، مثل مبايعته مع الأنصار في أول الأمر ومبايعته عامة المؤمنين تحت الشجرة وغيرهما ، ثم إنه تعالى أضاف الميثاق الصادر عن الرسول إلى نفسه كما قال : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] وقال : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } [ النساء : 80 ] ثم إنه تعالى أكد ذلك بأن ذكرهم أنهم التزموا ذلك وقبلوا تلك التكاليف وقالوا سمعنا وأطعنا ، ثم حذرهم من نقض تلك العهود والمواثيق فقال : { واتقوا الله إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعني لا تنقضوا تلك العهود ولا تعزموا بقلوبكم على نقضها ، فإنه إن خطر ذلك ببالكم فالله يعلم بذلك وكفى به مجازياً . والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل حين قالوا آمنا بالتوراة وبكل ما فيها ، فلما كان من جملة ما في التوراة البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لزمهم الإقرار بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والثالث : قال مجاهد والكلبي ومقاتل : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى منهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم .

(6/4)


فإن قيل : على هذا القول أن بني آدم لا يذكرون هذا العهد والميثاق فكيف يؤمرون بحفظه؟
قلنا : لما أخبر الله تعالى بأنه كان ذلك حاصلاً حصل القطع بحصوله ، وحينئذ يحسن أن يأمرهم بالوفاء بذلك العهد . الرابع : قال السُّدي : المراد بالميثاق الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله تعالى على التوحيد والشرائع ، وهو اختيار أكثر المتكلمين .

(6/5)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)

قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بالقسط } هذا أيضاً متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى .
واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله { كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ } إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله { شُهَدَاء بالقسط } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان : الأول : قال عطاء : يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك . الثاني : قال الزجاج : المعنى تبينون عن دين الله ، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه .
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي الآية قولان : الأول : أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم ، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والانصاف ، وترك الميل والظلم والاعتساف ، والثاني : أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام .
فإن قيل : فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم؟
قلنا : يمكن ظلمهم أيضاً من وجوه كثيرة : منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى .
ثم قال تعالى : { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } فنهاهم أولاً عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل/ ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله { هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } ونظيره قوله { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان ، الأول : هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى ، والثاني : هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه .
ثم ذكر الكلام الذي يكون وعداً مع المطيعين ووعيداً للمذنبين وهو قوله تعالى : { واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم .

(6/6)


وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)

ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال { فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } [ الفرقان : 70 ] والأجر العظيم إيصال الثواب ، وقوله { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } فيه وجوه : الأول : أنه قال أولاً { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فكأنه قيل : وأي شيء وعدهم؟ فقال { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } الثاني : التقدير كأنه قال : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجرٌ عظيم ، والثالث : أجرى قوله { وَعْدُ } مجرى قال ، والتقدير : قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ، والرابع : أن يكون { وَعْدُ } واقعاً على جملة { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } أي وعدهم بهذا المجموع .
فإن قيل : لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى؟
قلنا : بل الأخبار عن كون هذا الوعد وعد الله أقوى . وذلك لأنه أضاف هذا الوعد إلى الله تعالى فقال { وَعَدَ الله } والإله هو الذي يكون قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات ، وهذا يمتنع الخلف في وعده ، لأن دخول الخلف إنما يكون إما للجهل حيث ينسى وعده ، وإما للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده ، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن الوفاء بالوعد ، وإما للحاجة ، فإذا كان الإله هو الذي يكون منزّهاً عن كل هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالاً ، فكان الإخبار عن هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الأخبار عن الموعود به ، وأيضاً فلأن هذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سكرات الموت فتسهل بسببه تلك الشدائد ، وبعد الموت يسهل عليه بسببه البقاء في ظلمة القبر وفي عرصة القيامة عند مشاهدة تلك الأهوال .

(6/7)


وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)

ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال : { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم } .
هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار ، لأن قوله { أولئك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر ، والمصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال : أصحاب الصحراء ، أي الملازمون لها .

(6/8)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

وقوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجهان : الأول : أن المشركين في أول الأمر كانوا غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان المشركون أبداً يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى : { اذكروا نِعْمَت الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ } وهو المشركون { أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل والنهب والنفي فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار عنكم أيها المسلمون ، ومثل هذا الإنعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ومخالفته .
ثم قال تعالى : { واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أي كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى ، ولا تخافوا أحداً في إقامة طاعات الله تعالى .
الوجه الثاني : أن هذه الآية نزلت في واقعة خاصة ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : كان النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني عامر فقتلوا ببئر معونة إلا ثلاثة نفر : أحدهم عمرو بن أُمية الضمري ، وانصرف هو وآخر معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه خبر القوم ، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي صلى الله عليه وسلم فقتلاهما ولم يعلما أن معهما أمانا ، فجاء قومهما يطلبون الدية ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان / وعلي حتى دخلوا على بني النضير ، وقد كانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني فلزمني ديتهما ، فأريد أن تعينوني ، فقالوا أجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ، ثم هموا بالفتك برسول الله وبأصحابه ، فنزل جبريل وأخبره بذلك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال مع أصحابه وخرجوا ، فقال اليهود : إن قدورنا تغلي ، فأعلمهم الرسول أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه . قال عطاء : توامروا على أن يطرحوا عليه رحاً أو حجراً ، وقيل : بل ألقوا فأخذه جبريل عليه السلام ، والثاني : قال آخرون : إن الرسول نزل منزلاً وتفرق الناس عنه ، وعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء إعرابي وسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : من يمنعك مني؟ فقال لا أحد ، ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه ، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله { اذكروا نِعْمَت الله عَلَيْكُمْ } تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيّهم ، فإنه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن ، والثالث : روي أن المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان ، فلما صلوا ندم المشركون وقالوا ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم ، فقيل لهم : إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم ، يعنون صلاة العصر ، فهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها ، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف .

(6/9)


المسألة الثانية : يقال : بسط إليه لسانه إذا شتمه ، وبسط إليه يده إذا بطش به . ومعنى بسط اليد مده إلى المبطوش به ، ألا ترى أن قولهم : فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى واحد { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي منعها أن تصل إليكم .

(6/10)


وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً : الأول : أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ الله وَأَطَعْنَا } [ المائدة : 7 ] ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة ، والثاني : أنه لما ذكر قوله { اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } [ المائدة : 11 ] وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبداً كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق ، الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والالزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده .
المسألة الثانية : قال الزجاج : النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع ، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب إلى آخره ، ومنه النقبة من الحرب لأنه داء شديد الدخول ، وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيعجد طعم القطران في لحمه ، والنقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها ، ويقال : كلب نقيب ، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه ، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف .
إذا عرفت هذا فنقول : النقيب فعيل ، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول ، فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها ، وقال أبو مسلم : النقيب ههنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على علم بهم ، ونظيره أنه يقال للمضروب : ضريب ، وللمقتول قتيل . وقال الأصم : هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم .
المسألة الثالثة : أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطاً ، فاختار الله تعالى من كل سبط رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم . وقال مجاهد والكلبي والسدي : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم ابن يوسف ، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما

(6/11)


{ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الذين يَخَافُونَ } [ المائدة : 23 ] الآية .
قوله تعالى : { وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف ، والتقدير : وقال الله لهم إني معكم ، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم .
المسألة الثانية : قوله { إِنّى مَعَكُمْ } خطاب لمن؟ فيه قولان : الأول : أنه خطاب للنقباء ، أي وقال الله للنقباء إني معكم . والثاني : أنه خطاب لكل بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائداً إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم .
المسألة الثالثة : أن الكلام قد تم عند قوله { وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ } والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله { إِنّى مَعَكُمْ } مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية ، والشرط فيها مركب من أمور خمسة ، وهي قوله { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً } والجزاء هو قوله { لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } وذلك إشارة إلى إزالة العقاب . وقوله { ولأُدخلنكم جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وهو إشارة إلى إيصال الثواب ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؟
والجواب : أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل ، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود ، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل .
والسؤال الثاني : ما معنى التعزيز؟ الجواب : قال الزجاج : العزر في اللغة الرد ، وتأويل عزرت فلاناً ، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه ، ولهذا قال الأكثرون : معنى قوله { وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي نصرتموهم ، وذلك لأن من نصر إنساناً فقد رد عنه أعداءه . قال : ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله { وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ } [ الفتح : 9 ] تكراراً .
والسؤال الثالث : قوله { وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً } دخل تحت إيتاء الزكاة ، فما الفائدة في الإعادة؟
والجواب : المراد بإيتاء الزكاة الواجبات . وبهذا الاقراض الصدقات المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها . قال الفرّاء : ولو قال : وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر ، ومثله قوله { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } [ آل عمران : 37 ] ولم يقل يتقبل ، وقوله { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ولم يقل إنباتاً .
ثم قال تعالى : { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم .
فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضل سواء السبيل .
قلنا : أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى .

(6/12)


فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

ثم قال تعالى : { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في نقضهم الميثاق وجوه : الأول : بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء . الثاني : بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم . الثالث : مجموع هذه الأمور .
المسألة الثانية : في تفسير «اللعن» وجوه : الأول : قال عطاء : لعناهم أي أخر جناهم من رحمتنا . الثاني : قال الحسن ومقاتل : مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير . قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم . ثم قال تعالى : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكساي ( قسية ) بتشديد الياء بغير ألف على وزن فعلية ، والباقون بالألف والتخفيف ، وفي قوله ( قسية ) وجهان : أحدهما : أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسي أبلغ من القاسي ، كما يقال : قادر وقدير ، وعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، فكما أن القدير أبلغ من القادر فكذلك القسي أبلغ من القاسي ، الثاني : أنه مأخوذ من قولهم : درهم قسي على وزن شقي ، أي فاسد رديء . قال صاحب «الكشاف» وهو أيضاً من القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وصلابة ، وقرىء ( قسية ) بكسر القاف للاتباع .
المسألة الثانية : قال أصحابنا { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي جعلناها نائبة عن قبول الحق منصرفة عن الانقياد للدلائل . وقالت المعتزلة { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال : فلان جعل فلاناً فاسقاً وعدلاً .
ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ، ويحتمل تغيير اللفظ ، وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ .
ثم قال تعالى : { وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } قال ابن عباس : تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } وفي الخائنة وجهان : الأول : أن الخائنة بمعنى المصدر ، ونظيره كثير ، كالكافية والعافية ، وقال تعالى : { فَأُهْلِكُواْ بالطاغية } [ الحاقة : 5 ] أي بالطغيان . وقال { لَّيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } [ الواقعة : 2 ] أي كذب . وقال : { لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية } [ الغاشية : 11 ] أي لغواً . وتقول العرب : سمعت راغية الإبل . وثاغية الشاء يعنون رغاءها وثغاءها . وقال الزجاج : ويقال عافاه الله عافية ، والثاني : أن يقال : الخائنة صفة ، والمعنى : تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو على فعلة ذات خيانة . وقيل : أراد الخائن ، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة . قال صاحب «الكشاف» وقرىء على خيانة منهم .
ثم قال تعالى : { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل : يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على العهد ولم يخونوا فيه .

(6/13)


ثم قال : { فاعف عَنْهُمْ واصفح } وفيه قولان : الأول : أنه منسوخ بآية السيف ، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار ، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف .
والقول الثاني : أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان : أحدهما : المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ، والثاني : أنا إذا حملنا القليل عن الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد ، وهو قول أبي مسلم .
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } وفيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله . والثاني : أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } وهم الذين نقضوا عهد الله ، والقول الأول أولى لأن صرف قوله { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } على القول الأول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح ، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول ، ولا شك أن الأول أولى .

(6/14)


وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)

والمراد أن سبيل الصنارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند الله ، وإنما قال : { وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى } ولم يقل : ومن النصارى ، وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله تعالى ، وهم الذين قالوا لعيسى { نَحْنُ أَنْصَارُ الله } [ آل عمران : 52 ] فكان هذا الاسم في الحقيقة اسم مدح ، فبيّن الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا موصوفين بها عند الله تعالى ، وقوله { أَخَذْنَا ميثاقهم } أي مكتوب في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتنكير { الحظ } في الآية يدل على أن المراد به حظ واحد ، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا الكثير مما أمرهم الله تعالى به لأن هذا هو المعظم والمهم ، وقوله { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء } أي ألصقنا العداوة والبغضاء بهم ، يقال : أغرى/ فلان بفلان إذا ولع به كأنه ألصق به ، ويقال لما التصق به الشيء : الغراء ، وفي قوله { بَيْنَهُمْ } وجهان : أحدهما : بين اليهود والنصارى . والثاني : بين فرق النصارى ، فإن بعضهم يكفر بعضاً إلى يوم القيامة ، ونظيره قوله { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } [ الأنعام : 65 ] وقوله { وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وعيد لهم .

(6/15)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)

قوله تعالى : { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } .
وأعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما أمروا به ، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال { يا أَهْلِ الكتاب } والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، وإنما وحد الكتاب لأنه خرج مخرج الجنس ، ثم وصف الرسول بأمرين : الأول : أنه يبين لهم كثيراً مما كانوا يخفون . قال ابن عباس : أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخفوا أمر الرجم ، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن ذلك لهم ، وهذا معجز لأنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً من أحد ، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً .
والوصف الثاني للرسول : قوله { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } أي لا يظهر كثيراً مما تكتمونه أنتم ، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين ، والفائدة في ذكر ذلك أنهم يعلمون كون الرسول عالماً بكل ما يخفونه ، فيصير ذلك داعياً لهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا .
ثم قال تعالى : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } وفيه أقوال : الأول : أن المراد بالنور محمد ، وبالكتاب القرآن ، والثاني : أن المراد بالنور الإسلام ، وبالكتاب القرآن . الثالث : النور/ والكتاب هو القرآن ، وهذا ضعيف لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وتسمية محمد والإسلام والقرآن بالنور ظاهرة ، لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى به البصر على إدراك الأشياء الظاهرة ، والنور الباطن أيضاً هو الذي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات .

(6/16)


يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)

ثم قال تعالى : { يَهْدِى بِهِ الله } أي بالكتاب المبين { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى ، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال ، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى .
ثم قال تعالى : { سُبُلَ السلام } أي طرق السلامة ، ويجوز أن يكون على حذف المضاف ، أي سبل دار السلام ، ونظيره قوله { والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم * سَيَهْدِيهِمْ } [ محمد : 4 ، 5 ] ومعلوم أنه ليس المراد هداية الإسلام ، بل الهداية إلى طريق الجنة .
ثم قال : { وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ } أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وذلك أن الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام ، ويهتدي بالإيمان إلى طرق الجنة كما يهتدي بالنور ، وقوله { بِإِذْنِهِ } أي بتوفيقه ، والباء تتعلق بالاتباع أي اتبع رضوانه بإذنه ، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية ولا بالإخراج لأنه لا معنى له ، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلاّ من أراد الله منه ذلك .
وقوله تعالى : { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو الدين الحق ، لأن الحق واحد لذاته ، ومتفق من جميع جهاته ، وأما الباطل ففيه كثرة ، وكلها معوجة .

(6/17)


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

وقوله تعالى : { لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } في الآية سؤال ، وهو أن أحداً من النصارى لا يقول : إن الله هو المسيح ابن مريم ، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به .
وجوابه : أن كثيراً من الحلولية يقولون : إن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين ، أو في روحه ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إن قوماً من النصارى ذهبوا إلى هذا القول ، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى ، وذلك لأنهم يقولون : أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام ، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتاً أو صفة ، فإن كان ذاتاً فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول . وإن قلنا : إن الأقنوم عبارة عن الصفة ، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول ، ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم ، ومن لم يكن عالماً لم يكن إلها ، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم ، فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلاّ أن حاصل مذهبهم ليس إلاّ ذلك :
ثم أنه سبحانه احتج على فساد هذا المذهب بقوله { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الارض جَمِيعاً } وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط . والتقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره ، وقوله { فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً } أي فمن يملك من أفعال الله شيئاً ، والملك هو القدرة ، يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده . وقوله { وَمَن فِى الارض جَمِيعاً } [ المعارج : 14 ] يعني أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما سلمتم كونه تعالى خالقاً للكل مدبراً للكل وجب أن يكون أيضاً خالقاً لعيسى .
ثم قال تعالى : { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } إنما قال { وَمَا بَيْنَهُمَا } بعد ذكر السموات والأرض ، ولم يقل : بينهن لأنه ذهب بذلك مذهب الصنفين والنوعين .
ثم قال : { يَخْلُقُ مَا يَشَاء والله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } وفيه وجهان : الأول : يعني يخلق ما يشاء ، فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى كما هو معتاد ، وتارة لا من الأب والأم كما في خلق آدم عليه السلام ، وتارة من الأم لا من الأب كما في حق عيسى عليه السلام ، والثاني : يخلق ما يشاء ، يعني أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فالله تعالى يخلق فيه اللحمية والحياة والقدرة معجزة لعيسى ، وتارة يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص معجزة له ، ولا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله .

(6/18)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)

قوله تعالى : { وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } وفيه سؤال : وهو أن اليهود لا يقولون ذلك البتة ، فكيف نقل هذا القول عنهم؟ وأما النصارى فإنهم يقولون ذلك في حق عيسى لا في حق أنفسهم ، فكيف يجوز هذا النقل عنهم؟
أجاب المفسرون عنه من وجوه : الأول : أن هذا من باب حذف المضاف ، والتقدير نحن أبناء رسل الله ، فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى رسل الله ، ونظيره قوله { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] والثاني : أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب فقد يطلق أيضاً على من يتخذ ابناً ، واتخاذه ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة ، فالقوم لما ادعوا أن عناية الله بهم أشد وأكمل من عنايته بكل ما سواهم ، لا جرم عبر الله تعالى عن دعواهم كمال عناية الله بهم بأنهم ادعوا أنهم أبناء الله . الثالث : أن اليهود لما زعموا أن عزيراً ابن الله ، والنصارى زعموا أن المسيح ابن الله ، ثم زعموا أن عزيراً والمسيح كانا منهم ، صار ذلك كأنهم قالوا نحن أبناء الله ، ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنساناً آخر فقد يقولون : نحن ملوك الدنيا ، ونحن سلاطين العالم ، وغرضهم منه كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا هاهنا ، والرابع : قال ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله تعالى فقالوا : كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه ، فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة ، وأما النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم : اذهب إلى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه .
ثم انه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال : { قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } وفيه سؤال ، وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم ، فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه ، والاشكال عليه أن يقال : إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة ، فإن كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء الله لأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله ، ثم أنهم ما خلوا عن محن الدنيا . انظروا إلى وقعة أحد ، وإلى قتل الحسن والحسين ، وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ينكرون ذلك . ومجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم ليس بكاف في هذا الباب ، إذ لو كان كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله كافياً ، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعاً .

(6/19)


والجواب من وجوه : الأول : أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا ، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول : لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله في الدنيا ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال . الثاني : أن موضع الالزام هو عذاب الآخرة ، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] والثالث : المراد بقوله { قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم } فلم مسخكم ، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ، إلاّ أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة ، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون : لا نسلم أنه تعالى يعذبنا ، بل الأولى أن يحتج عليهم عليهم بشيء قد وجد وحصل حتى يكون الاستدلال به قوياً متيناً .
ثم قال تعالى : { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له ، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه ، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } كمال رحمته عليهم وكمال عنايته بهم .
وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة أن كل من أطاع الله واحترز عن الكبائر فإنه يجب على الله عقلاً إيصال الرحمة والنعمة إليه أبد الآباد ، ولو قطع عنه بعد ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلهيته ولخرج عن صفة الحكمة ، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكما أن قوله { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إبطال لقول اليهود . فبأن يكون إبطالاً لقول المعتزلة أولى وأكمل .
ثم قال تعالى : { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } بمعنى من كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقاً واجباً؟ وكيف يملك الإنسان الجاهل بعبادته الناقصة ومعرفته القليلة عليه ديناً . إنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذباً .
ثم قال تعالى : { وَإِلَيْهِ المصير } أي وإليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال { والامر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [ الانفطار : 19 ] .

(6/20)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله { يُبَيّنُ لَكُمْ } وجهان : الأول : أن يقدر المبين ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك المبين هو الدين والشرائع ، وإنما حسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع ، وثانيها : أن يكون التقدير يبين لكم ما كنتم تخفون ، وإنما حسن حذفه لتقدم ذكره .
الوجه الثاني : أن لا يقدر المبين ويكون المعنى يبين لكم البيان ، وحذف المفعول أكمل لأن على هذا التقدير يصير أعم فائدة .
المسألة الثانية : قوله { يُبَيّنُ لَكُمْ } في محل النصب على الحال ، أي مبيناً لكم .
المسألة الثالثة : قوله { على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } قال ابن عباس : يريد على انقطاع من الأنبياء ، يقال : فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه ، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع .
واعلم أن قوله { على فَتْرَةٍ } متعلق بقوله { جَاءكُمْ } أي جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل . قيل : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو أقل أو أكثر . وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وسبعمائة سنة ، وألفا نبي ، وبين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة من الأنبياء : ثلاثة من بني إسرائيل ، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي .
المسألة الرابعة : الفائدة في بعثة محمد عليه الصلاة والسلام عند فترة من الرسل هي أن التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها ، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذراً ظاهر في اعراض الخلق عن العبادات . لأن لهم أن يقولوا : يا إلهنا عرفنا أنه لا بدّ من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد ، فبعث الله تعالى في هذا الوقت محمداً عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر ، وهو { أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } يعني إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن تقولوا : ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير .
ثم قال تعالى : { فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } فزالت هذه العلة وارتفع هذا العذر .
ثم قال : { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل ، والله تعالى قادر على كل شيء ، فكان قادراً على البعثة ، ولما كان الخلق محتاجين إلى البعثة ، والرحيم الكريم قادراً على البعثة وجب في كرمه ورحمته أن يبعث الرسل إليهم ، فالمراد بقوله { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } الإشارة إلى الدلالة التي قررناها .

(6/21)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)

واعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } واو عطف ، وهو متصل بقوله { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } [ المائدة : 12 ] كأنه قيل : أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق ، وخالفوه في محاربة الجبارين . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى منّ عليهم بأمور ثلاثة : أولها : قوله { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل ، وأيضاً كانوا من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهؤلاء الثلاثة بالاتفاق كانوا من أكابر الأنبياء ، وأولاد يعقوب أيضاً كانوا على قول الأكثرين أنبياء ، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث الأنبياء إلاّ من ولد بعقوب ومن ولد إسماعيل ، فهذا الشرف حصل بمن مضى من الأنبياء ، وبالذين كانوا حاضرين مع موسى ، وبالذين أخبر الله موسى أنه سيبعثهم من ولد يعقوب وإسماعيل بعد ذلك ، ولا شك أنه شرف عظيم ، وثانيها : قوله { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } وفيه وجوه : أحدها : قال السدي : يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا ، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب ، وثانيها : أن كل من كان رسولاً ونبياً كان ملكاً لأنه يملك أمر أمته ويملك التصرف فيهم ، وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكاً ، ولهذا قال تعالى : { فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً } [ النساء : 54 ] وثالثها : أنه كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء ، وقد يقال فيمن حصل فيهم ملوك : أنتم ملوك على سبيل الاستعارة ، ورابعها : أن كل من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك . قال الزجاج : الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه . وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية ، وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ، ومن كان كذلك كان ملكاً .
والنوع الثالث : من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الاكرام : أحدها : أنه تعالى فلق البحر لهم ، وثانيها : أنه أهلك عدوهم وأورثهم أموالهم ، وثالثها : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ورابعها : أنه أخرج لهم المياه العذبة من الحجر ، وخامسها : أنه تعالى أظلل فوقهم الغمام ، وسادسها : أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوّة كما جمع لهم ، وسابعها : أنهم في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه .
واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بمجاهدة العدو .

(6/22)


يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال له الله تعالى : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس ، وهو ميراث لذريتك . وقيل : لما خرج قوم موسى عليه السلام من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشام ، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد ، ثم بعث موسى عليه السلام اثنى عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي ، فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة . قال المفسرون : لما بعث موسى عليه السلام النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك ، فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك : هؤلاء يريدون قتالنا ، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم وأخبروه بما شاهدتم ، ثم انصرف أولئك النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة ، فأمرهم أن يكتموا ما عاهدوه فلم يقبلوا قوله ، إلا رجلان منهم ، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، فإنهما سهلا الأمر وقالا : هي بلاد طيبة كثيرة النعم ، والأقوام وإن كانت أجسادهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة ، وأما العشرة الباقية فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم ، فقالوا لموسى عليه السلام { إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] فدعا موسى عليه السلام عليهم فعاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة . قالوا : وكانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين يوماً فعوقبوا بالتيه أربعين سنة ، ومات أولئك العصاة في التيه ، وأهلك النقباء العشرة في التيه بعقوبات غليظة . ومن الناس من قال : إن موسى وهارون عليهما السلام ماتا أيضاً في التيه : ومنهم من قال : إن موسى عليه السلام بقي وخرج معه يوشع وكالب وقاتلوا الجبارين وغلبوهم ودخلوا تلك البلاد ، فهذه هي القصة والله أعلم بكيفية الأمور .
المسألة الثانية : الأرض المقدسة هي الأرض المطهرة طهرت من الآفات . قال المفسرون : طهرت من الشرك وجعلت مسكناً وقراراً للأنبياء ، وهذا فيه نظر ، لأن تلك الأرض لما قال موسى عليه الصلاة والسلام { ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ } ما كانت مقدسة عن الشرك ، وما كانت مقراً للأنبياء ، ويمكن أن يجاب بأنها كانت كذلك فيما قبل .
المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك الأرض ، فقال عكرمة والسدي وابن زيد : هي أريحا وقال الكلبي : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقيل الطور .
المسألة الرابعة : في قوله { كَتَبَ الله لَكُمْ } وجوه : أحدها : كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم وثانيها : وهبها الله لكم ، وثالثها : أمركم بدخولها .
فإن قيل : لم قال { كَتَبَ الله لَكُمْ } ثم قال { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } [ المائدة : 26 ] .

(6/23)


والجواب : قال ابن عباس : كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم . وقيل : اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد هو الخصوص ، فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم . وقيل : إن الوعد بقوله { كَتَبَ الله لَكُمْ } مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط ، وقيل : إنها محرمة عليهم أربعين سنة ، فلما مضى الأربعون حصل ما كتب .
المسألة الخامسة : في قوله { كَتَبَ الله لَكُمْ } فائدة عظيمة ، وهي أن القوم وإن كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم ، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعاً أن الله ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلا بدّ وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع ، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة .
ثم قال : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } وفيه وجهان : الأول : لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى عليه السلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعداً بأن الله تعالى ينصرهم عليهم ، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوّة .
والوجه الثاني : المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها . يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر . وقوله { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } فيه وجوه : أحدها : خاسرين في الآخرة فإنه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب ، وثانيها : ترجعون إلى الذل ، وثالثها : تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة .

(6/24)


قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)

ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم { قَالُواْ يأَبَانَا موسى إن فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } وفي تفسير الجبارين وجهان : الأول : الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه ، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ، وهذا هو اختيار الفرّاء والزجاج . قال الفرّاء : لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين وهما : جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، والثاني : أنه مأخوذ من قولهم نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ، ويقال : رجل جبار إذا كان طويلاً عظيماً قوياً ، تشبيهاً بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية القوة وعظم الأجسام بحيث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم ، فسموهم جبارين لهذا المعنى .
ثم قال القوم { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون } وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى : { وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } [ الأعراف : 40 ] .

(6/25)


قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا الرجلان هما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وكانا من الذين يخافون الله وأنعم الله عليهما بالهداية والثقة بعون الله تعالى والاعتماد على نصرة الله . قال القفال : ويجوز أن يكون التقدير : قال رجلان من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون ، وهما رجلان منهم أنعم الله عليهما بالإيمان فآمنا ، وقالا هذا القول لقوم موسى تشجيعاً لهم على قتالهم ، وقراءة من قرأ { يَخَافُونَ } بالضم شاهدة لهذا الوجه .
المسألة الثانية : في قوله { أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا } وجهان : الأول : أنه صفة لقوله { رَجُلاَنِ } ، والثاني : أنه اعتراض وقع في البين يؤكد ما هو المقصود من الكلام .
المسألة الثالثة : قوله { ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب } مبالغة في الوعد بالنصر والظفر ، كأنه قال : متى دخلتم باب بلدهم انهزموا ولا يبقى منهم نافخ نار ولا ساكن دار ، فلا تخافوهم . والله أعلم .
المسألة الرابعة : إنما جزم هذان الرجلان في قولهما { فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالبون } لأنهما كانا جازمين بنبوّة موسى عليه السلام ، فلما أخبرهم موسى عليه السلام بأن الله قال : { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } [ المائدة : 21 ] لا جرم قطعاً بأن النصرة لهم والغلبة حاصلة في جانبهم ، ولذلك ختموا كلامهم بقولهم { وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني لما وعدكم الله تعالى النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من شدة قوتهم وعظم أجسامهم ، بل توكلوا على الله في حصول هذا النصر لكم إن كنتم مؤمنين مقرين بوجود الإله القادر ومؤمنين بصحة نبوّة موسى عليه السلام .

(6/26)


قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)

وفي قوله { اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ } وجوه : الأول : لعلّ القوم كانوا مجسمة ، وكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على الله تعالى . الثاني : يحتمل أن لا يكون المراد حقيقة الذهاب بل هو كما يقال : كلمته فذهب يجيبني ، يعني يريد أن يجيبني ، فكأنهم قالوا : كن أنت وربك مريدين لقتالهم ، والثالث : التقدير : اذهب أنت وربك معين لك بزعمك فأضمر خبر الابتداء .
فإن قيل : إذا أضمرنا الخبر فكيف يجعل قوله { فَقَاتِلا } خبراً أيضاً؟
قلنا : لا يمتنع خبر بعد خبر ، والرابع : المراد بقوله { وَرَبُّكَ } أخوه هارون ، وسموه رباً لأنه كان أكبر من موسى . قال المفسرون : قولهم { اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ } إن قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر ، وإن قالوه على وجه التمرد عن الطاعة فهو فسق ، ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } [ المائدة : 26 ] والمقصود من هذه القصة شرح خلاف هؤلاء اليهود وشدة بغضهم وغلوهم في المنازعة مع أنبياء الله تعالى منذ كانوا .

(6/27)


قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)

ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام { قَالَ رَبّ إِنّى لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى } ذكر الزجاج في إعراب قوله { وَأَخِى } وجهين : الرفع والنصب ، أما الرفع فمن وجهين : أحدهما : أن يكون نسقاً على موضع { إِنّى } والمعنى أنا لا أملك إلا نفسي ، وأخي كذلك ومثله قوله { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } [ التوبة : 3 ] والثاني : أن يكون عطفاً على الضمير في { أَمْلِكُ } وهو «أنا» والمعنى : لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا ، وأما النصب فمن وجهين : أحدهما أن يكون نسقاً على الياء ، والتقدير : إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا ، والثاني : أن يكون { أَخِى } معطوفاً على { نَفْسِى } فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي ، ولا أملك إلا أخي ، لأن أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته .
فإن قيل : لم قال لا أملك إلا نفسي وأخي ، وكان معه الرجلان المذكوران؟
قلنا : كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد ، وأيضاً لعلّه إنما قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه ، وأيضاً يجوز أن يكون المراد بالأخ من يواخيه في الدين ، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله { وَأَخِى } .
ثم قال : { فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين } يعني فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، ويحتمل أن يكون المراد خلصنا من صحبتهم ، وهو كقوله { وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } [ القصص : 21 ] .

(6/28)


قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله { فَإِنَّهَا } أي الأرض المقدسة محرمة عليهم ، وفي قوله { أَرْبَعِينَ سَنَةً } قولان : أحدهما : أنها منصوبة بالتحريم ، أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ، ثم فتح الله تعالى تلك الأرض لهم من غير محاربة ، هكذا ذكره الربيع بن أنس .
والقول الثاني : أنها منصوبة بقوله { يَتِيهُونَ فِى الأرض } أي بقوا في تلك الحالة أربعين سنة ، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا ، ثم إن أولادهم دخلوا تلك البلدة .
المسألة الثانية : يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم { فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين } [ المائدة : 25 ] لم يقصد بدعائه هذا الجنس من العذاب ، بل أخف منه . فلما أخبره الله تعالى بالتيه علم أنه يحزن بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه ، فقال { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } قال مقاتل : إن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه ، ثم إن موسى عليه السلام أخبر قومه بذلك ، فقالوا له : لم دعوت علينا وندم موسى على ما عمل ، فأوحى الله تعالى إليه { لا تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } وجائز أن يكون ذلك خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم ، أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل والله أعلم .
المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا؟ فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة ، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع ، والثاني : أن ذلك التيه كان عذاباً والأنبياء لا يعذبون ، والثالث : أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهارون ما كانا كذلك ، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب . وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها برداً وسلاماً ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه؟ فقال قوم : إن هارون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة ، وبقي يوشع بن نون وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته ، وهو الذي فتح الأرض المقدسة .
وقيل : إنه ملك الشأم بعد ذلك . وقال آخرون : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم .
المسألة الرابعة : قوله { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } الأكثرون على أنه تحريم منع لا تحريم تعبد ، وقيل : يجوز أيضاً أن يكون تحريم تعبد ، فأمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقاباً لهم على سوء صنيعهم .

(6/29)


المسألة الخامسة : اختلفوا في التيه فقال الربيع : مقدار ستة فراسخ ، وقيل : تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً . وقيل : ستة في اثنى عشر فرسخاً ، وقيل : كانوا ستمائة ألف فارس .
فإن قيل : كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقاً إلى الخروج عنها ، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في البحر العظيم ، فكيف في المفازة الصغيرة؟
قلنا : فيه وجهان : الأول : أن انخراق العادات في زمان الأنبياء غير مستبعد ، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات ، وإنه باطل . الثاني : إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرّم عليهم الرجوع إلى أوطانهم ، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاءً لهم على سوء صنيعهم ، وعلى هذا التقدير فقد زال الاشكال .
المسألة السادسة : يقال : تاه يتيه تيهاً وتيهاً وتوها ، والتيه أعمها ، والتيهاء الأرض التي لا يهتدى فيها . قال الحسن : كانوا يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا ، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الاستدارة ، وهذا مشكل فإنهم إذا وضعوا أعينهم على مسير الشمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا فإنهم لا بدّ وأن يخرجوا عن المفازة ، بل الأولى حمل الكلام على تحريم التعبد على ما قررناه ، والله أعلم .

(6/30)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

قوله تعالى { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق } وفي الآية مسائل المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى قال فيما تقدم { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } [ المائدة : 11 ] فذكر تعالى أن الأعداء/ يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع أعداءهم من إيصال الشر إليهم ، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على القلب ذكر قصصاً كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسداً وبغياً ، فذكر أولاً قصة النقباء الاثنى عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم ، ثم إن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة ، وذكر بعده شدة إصرار النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه ، وما ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدين الحق ، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر حسداً منه على أن الله تعالى قبل قربانه ، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود ، فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه ، فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة . والثاني : أن هذا متعلق بقوله { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير } [ المائدة : 15 ] وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار التوراة ، والثالث : أن هذه القصة متعلقة بما قبلها ، وهي قصة محاربة الجبارين ، أي اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم في إقدام أحدهما على قتل الآخر . والرابع : قيل هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون أبيه نبياً معظماً عند الله تعالى . الخامس : لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم حسداً أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في سوء العاقبة ، والمقصود منه التحذير عن الحسد .
المسألة الثانية : قوله { واتل عَلَيْهِمْ } فيه قولان : أحدهما : واتل على الناس . والثاني : واتل على أهل الكتاب ، وفي قوله { ابنى ءادَمَ } قولان : الأول : أنهما ابنا آدم من صلبه ، وهما هابيل وقابيل . وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان : أحدهما : أن هابيل كان صاحب غنم ، وقابيل كان صاحب زرع ، فقرب كل واحد منهما قرباناً ، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً ، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قرباناً ، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل ، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل قربانه فحسده وقصد قتله ، وثانيهما : ما روي أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن الغلام من بطن آخر ، فولد له قابيل وتوأمته ، وبعدهما هابيل وتوأمته ، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس وجهاً ، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل ، فأبى قابيل ذلك وقال أن أحق بها ، وهو أحق بأخته ، وليس هذا من الله تعالى ، وإنما هو رأيك ، فقال آدم عليه السلام لهما : قربا قرباناً ، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه ، فقبل الله تعالى قربان هابيل بأن أنزل الله تعالى على قربانه ناراً ، فقتله قابيل حسداً له .

(6/31)


والقول الثاني : وهو قول الحسن والضحاك : أن ابنى آدم اللذين قربا قرباناً ما كان ابني آدم لصلبه ، وإنما كانا رجلين من بني اسرائيل . قالا : والدليل عليه قوله تعالى في آخر القصة { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جميعاً } [ المائدة : 32 ] إذ من الظاهر أن صدور هذا الذنب من أحد ابنى آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل ، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سبباً لإيجاب القصاص عليهم زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب . ومما يدل على ذلك أيضاً أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبداً من قديم الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل الله قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله ، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد ، فإنه لما شاهد أن قربان صاحبه مقبول عند الله تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن الاعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه ، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات ، وإذا كان المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن يقال : هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل .
واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار ، وفي الآية أيضاً ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر ، وهو الحق والله أعلم .

(6/32)


المسألة الثالثة : قوله { بالحق } فيه وجوه : الأول : بالحق ، أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى . والثاني : أي تلاوة متلبسة بالصدق والحق موافقة لما في التوراة والإنجيل . الثالث : بالحق ، أي بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد ، لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبون عليه . الرابع : بالحق ، أي ليعتبروا به لا ليحملوه على اللعب والباطل مثل كثير من الأقاصيص التي لا فائدة فيها ، وإنما هي لهو الحديث ، وهذا يدل على أن المقصود بالذكر من الأقاصيص والقصص في القرآن العبرة لا مجرد الحكاية ، ونظيره قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى الالباب } [ يوسف : 111 ] .
ثم قال تعالى : { إِذْ قَرَّبَا قربانا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إذ : نصب بماذا؟ فيه قولان الأول : أنه نصب بالنبأ ، أي قصتهم في ذلك الوقت . الثاني : يجوز أن يكون بدلاً من النبأ أي واتل عليهم من النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف .
المسألة الثانية : القربان : اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة ، ومضى الكلام على القربان في سورة آل عمران .
المسألة الثالثة : تقدير الكلام وهو قوله { إِذْ قَرَّبَا قربانا } قرب كل واحد منهما قربانا إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم ، لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد قربانا . وقيل : إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد ، وأيضاً فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثنى ولا يجمع .
ثم قال تعالى : { فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخر } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قيل : كانت علامة القبول أن تأكله النار وهو قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : علامة الرد أن تأكله النار ، والأول أولى لاتفاق أكثر المفسرين عليه . وقيل : ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرب به إلى الله تعالى ، فكانت النار تنزل من السماء فتأكله .
المسألة الثانية : إنما صار القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال . قال تعالى هاهنا حكاية عن المحق { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن { لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ } [ الحج : 37 ] فأخبر أن الذي يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة والسلام : « التقوى هاهنا » وأشار إلى القلب ، وحقيقة التقوى أمور : أحدها : أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقى بأقصى ما يقدر عليه عن جهات التقصير ، وثانيها : أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى . وثالثها : أن يتقى أن يكون لغير الله فيه شركة ، وما أصعب رعاية هذه الشرائط! وقيل في هذه القصة : إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه ، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه . وقيل : إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل . وقيل : كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة ، فلذلك لم يقبل الله قربانه .

(6/33)


ثم حكى الله تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل { اقتلنك } فقال هابيل { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } وفي الكلام حذف ، والتقدير : كأن هابيل قال : لم تقتلني؟ قال لأن قربانك صار مقبولاً ، فقال هابيل : وما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين . وقيل : هذا من كلام الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم اعتراضاً بين القصة ، كأنه تعالى بيّن لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقياً . ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم .

(6/34)


لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)

والسؤال الأول : وهو أنه لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام ، فلم قال { إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } .
والجواب من وجوه : الأول : يحتمل أن يقال : لاح للمقتول بأمارات تغلب على الظن أنه يريد قتله فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة ، يعني أنا لا أجوز من نفسي أن أبدأك بالقتل الظلم العدوان ، وإنما لا أفعله خوفاً من الله تعالى ، وإنما ذكر له هذا الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان غرضه منه تقبيح القتل العمد في قلبه ، ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام هابيل فضرب رأسه بحجر كبير فقتله .
والوجه الثاني في الجواب : أن المذكور في الآية قوله { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لاِقْتُلَكَ } يعني لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك ، وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع . وقال أهل العلم : الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر ، وليس له أن يقصد القتل بل يجل عليه أن يقصد الدفع ، ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك .
الوجه الثالث : قال بعضهم : المقصود بالقتل إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك ، وهكذا فعل عثمان رضي الله تعالى عنه . وقال النبي عليه الصلاة والسلام لمحمد بن مسلمة : « ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل » . الوجه الرابع : وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع . وقال مجاهد : إن الدفع عن النفس ما كان مباحاً في ذلك الوقت .
السؤال الثاني : لم جاء الشرط بلفظ الفعل ، والجزاء بلفظ اسم الفاعل ، وهو قوله { لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } .
والجواب : ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ، ولذلك أكده بالباء المؤكد للنفي .

(6/35)


إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)

وفيه سؤالان :
الأول : كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال : { وَلاَ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى } [ فاطر : 18 ] .
والجواب من وجهين : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود والحسن وقتادة رضي الله عنهم : معناه تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ، وهذا بحذف المضاف ، والثاني : قال الزجاج : معناه ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك . السؤال الثاني : كما لايجوز للإنسان أن يريد من نفسه أن يعصي الله تعالى فكذلك لا يجوز أن يريد من غيره أن يعصي الله ، فلم قال : { إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } .
والجواب من وجوه : الأول : قد ذكرنا أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله ، وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل به ، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له : وإن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بدّ وأن تترصد قتلي في وقت أكون غافلاً عنك وعاجزاً عن دفعك ، فحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلا إذا قتلتك ابتداءً بمجرد الظن والحسبان ، وهذا مني كبيرة ومعصية ، وإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن يكون أنت ، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي ، ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة وعلى هذا الشرط لا يكون حراماً ، بل هو عين الطاعة ومحض الاخلاص .
والوجه الثاني في الجواب : أن المراد : إني أريد أن تبوء بعقوبة قتلي ، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه ، والثالث : روي أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم ، فعلى هذا يجوز أن يقال : إني أريد أن تبوأ بإثمي في أنه يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني ، وبإثمك في قتلك إياي ، وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأول ، والله أعلم .

(6/36)


فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

ثم قال المفسرون : سهلت له نفسه قتل أخيه . ومنهم من قال شجعته ، وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم الكبائر ، فهذا الاعتقاد يصير صارفاً له عن فعله ، فيكون هذا الفعل كالشيء العاصي المتمرد عليه الذي لا يعطيه بوجه ألبتة ، فإذا أوردت النفس أنواع وساوسها صار هذا الفعل سهلاً عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه . فهذا هو المراد بقوله { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } قالت المعتزلة : لو كان خالق الكل هو الله تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافاً إلى الله تعالى لا إلى النفس .
وجوابه : أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي ، وكان فاعل تلك الدواعي هو الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله تعالى .
ثم قال تعالى : { فَقَتَلَهُ } قيل : لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل ، فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر ، فتعلم قابيل ذلك منه ، ثم إنه وجد هابيل نائماً يوماً فضرب رأسه بحجر فمات . وعن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها " وذلك أنه أول من سن القتل .
ثم قال تعالى : { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } قال ابن عباس : خسر دنياه وآخرته ، أما الدنيا فهو أنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ، وأما الآخرة فهو العقاب العظيم . قيل : إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن ، فأتاه إبليس وقال : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها ، فإن عبدت النار أيضاً حصل مقصودك ، فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار . وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء ، وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض ، فسأله آدم عن أخيه ، فقال ما كنت عليه وكيلاً ، فقال بل قتلته ، ولذلك اسود جسدك ، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط . قال صاحب «الكشاف» يروى أنه رثاه بشعر . قال وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون ، والأنبياء معصومون عن الشعر ، وصدق صاحب «الكشاف» فيما قال . فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين ، فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائك .

(6/37)


فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

/ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قيل : لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ، ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غراباً ، وفيه وجوه : الأول : بعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ، فتعلم قابيل ذلك من الغراب . الثاني : قال الأصم : لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثو التراب على المقتول ، فلما رأى القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم وقال : يا ويلتى . الثالث : قال أبو مسلم : عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه .
المسألة الثانية : { لِيُرِيَهُ } فيه وجهان : الأول : ليريه الله أو ليريه الغراب ، أي ليعلمه ، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز .
المسألة الثالثة : { سوأة أَخِيهِ } عورة أخيه ، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده ، والسوأة الفضيحة لقبحها . وقيل سوأة أخيه ، أي جيفة أخيه .
ثم قال تعالى : { قَالَ ياويلتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لا شك أن قوله { يا ويلتى } كلمة تحسر وتلهف ، وفي الآية احتمالان : الأول : أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول ، فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علماً منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة معرفته ، فندم وتلهف وتحسر على فعله . الثاني : أنه كان عالماً بكيفية دفنه ، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر من العمل ، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافاً به ، ولما رأى الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال : إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض ، أفأكون أقل شفقه من هذا الغراب ، وقيل : إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على المقتول ، فلما رأى أن الله أكرمه حال حياته بقبول قربانه . وأكرمه بعد مماته بأن بعث هذا الغراب ليدفنه تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله فتلهف على فعله ، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه في الأرض ، فلا جرم قال : يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب .
المسألة الثانية : قوله : { يا ويلتى } اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب ، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، ولفظها لفظ النداء ، وكأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره ، أي أيها الويل احضر ، فهذا أوان حضورك ، وذكر { يا } زيادة بيان كما في قوله { يا ويلتى أألد } [ هود : 72 ] والله أعلم .
المسألة الثالثة : لفظ الندم وضع للزوم ، ومنه سمي النديم نديماً لأنه يلازم المجلس . وفيه سؤال : وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : «الندم توبة» فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته؟

(6/38)


أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة ، والثاني : أنه صار من النادمين على قتل أخيه ، لأنه لم ينتفع بقتله ، وسخط عليه بسببه أبوه وإخوته ، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية ، والثالث : أن ندمه كان لأجل أنه تركه بالعراء استخفافاً به بعد قتله ، فلما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ندم على قساوة قلبه وقال : هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط بدمي ، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب ، لا لأجل الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الند .

(6/39)


مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { مِنْ أَجْلِ ذلك } أي بسبب فعلته .
فإن قيل عليه سؤالان : الأول : أن قوله { مِنْ أَجْلِ ذلك } أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص ، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل . الثاني : أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل؟
والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : قال الحسن : هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ، والثاني : أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه ، ولكن قوله { مِنْ أَجْلِ ذلك } ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل ، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام ، منها قوله { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } [ المائدة : 30 ] ومنها قوله { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } [ المائدة : 31 ] فقوله { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا ، وقوله { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } إشارة إلى أنه حصل من قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له ألبتة ، فقوله : { مِنْ أَجل ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل ، وهذا جواب حسن والله أعلم .
وأما السؤال الثاني : فالجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل ، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم ههنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان ، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل . وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر أصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود .
المسألة الثانية : قرىء «من أجل ذلك» بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر «من أجل ذلك» بكسر الهمزة ، وهي لغة ، فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسر الهمزة عليها .
المسألة الثالثة : قال القائلون بالقياس : دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل ، وذلك لأنه تعالى قال : { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } كذا وكذا ، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله { مِنْ أَجْلِ ذلك } والمعتزلة أيضاً قالوا : دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد ، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح فيهم مريداً وقوعها منهم ، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعياً للمصالح . وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية .

(6/40)


قال أصحابنا : القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه : أحدها : أن العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول ، وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل ، وثانيها : لو كان معللاً بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة ، وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى ، وذلك يقتضي كونه مستفيداً تلك الأولوية من ذلك الفعل ، فيكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وهو محال . وثالثها : أنه قد ثبت توقف الفعل على الوداعي ، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي ، بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله ، وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل ، وعلى هذا التقدير فالكل من الله ، وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه ، فثبت أن ظاهر هذه الآية من المتشابهات لا من المحاكمات ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى : { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الارض جَمِيعاً } [ المائدة : 17 ] وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصالح .
المسألة الرابعة : قوله { أَوْ فَسَادٍ فِى الارض } قال الزجاج : إنه معطوف على قوله { نَفْسٌ } والتقدير من قتل نفساً بغير نفس أو بغير فساد في الأرض ، وإنما قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة ، منها القصاص وهو المراد بقوله { مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الارض } ومنها الكفر مع الحراب ، ومنها الكفر بعد الإيمان ، ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه الآية { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة : 33 ] فجمع تعالى كل هذه الوجوه في قوله { أَوْ فَسَادٍ فِى الارض } .
المسألة الخامسة : قوله فكأنما قتل الناس جميعاً } وفيه إشكال . وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساوياً لقتل جميع الناس ، فإن من الممتنع أن يكون الجزء مساوياً للكل ، وذكر المفسرون بسبب هذا السؤال وجوهاً من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضي الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه ، لأن قولنا : هذا يشبه ذاك أعم من قولنا : إنه يشبهه من كل الوجوه ، أو من بعض الوجوه ، وإذا ظهرت صحة هذه المقدمة فنقول : الجواب من وجوه : الأول : المقصود من تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل النفوس المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه ، يعني كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند كل أحد ، فكذلك يجب أن يكون قتل الإنسان الواحد مستعظماً مهيباً فالمقصود مشاركتهما في الاستعظام ، لا بيان مشاركتهما في مقدار الاستعظام ، وكيف لا يكون مستعظماً وقد قال تعالى :

(6/41)