صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
الحجة الثالثة : أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز ، لا على سبيل التعيين جزماً فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه « صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته » فظاهر الأمر للوجوب ، وعن أبي عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين . (5/358)
والجواب : أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعاً جائزاً ، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى ، والله أعلم .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : صلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر .
وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصراً في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر ، والله أعلم .
المسألة الخامسة : زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة . احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا : إن قوله تعالى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } جملة مركبة من شرط ، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض ، والجزاء هو جواز القصر ، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلاً أو قصيراً ، أقصى ما في الباب أن يقال : فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة ، ومن دار إلى دار ، إلا أنّا نقول :
الجواب عنه من وجهين : الأول : أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض ، فقد زال الاشكال ، وإن سمي بذلك فنقول : أجمع المسلمون على أنه غير معتبر ، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع ، والعام بعد التخصيص حجة ، فوجب أن يبقى النص معتبراً في السفر ، سواء كان قليلاً أو كثيراً . والثاني : أن قوله : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض } يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطاً لحصول هذه الرخصة ، فلو كان الضرب في الأرض اسماً لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلاً دائماً ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلاً دائماً امتنع جعله شرطاً لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطاً لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى سفراً ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد ، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر ، أما الفقهاء فقالوا : أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر ، قالوا : والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات :
فالرواية الأولي : ما روي عن عمر أنه قال : يقصر في يوم تام ، وبه قال الزهري والأوزاعي . الثانية : قال ابن عباس : إذا زاد على يوم وليلة قصر . والثالثة : قال أنس بن مالك : المعتبر خمس فراسخ . الرابعة : قال الحسن : مسيرة ليلتين . الخامسة : قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : من الكوفة إلى المداين ، وهي مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر ، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد . السادسة : قال مالك والشافعي : أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم ، وهي أربعة آلاف خطوة ، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء : فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر ، قال أهل الظاهر : اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل ، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً في تقدير المدة ، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب ، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر ، فكان هذا الحكم ثابتاً في مطلق السفر بحكم هذه الآية ، وإذا كان الحكم مذكوراً في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط ، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة . (5/359)
وأعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام « يمسح المسافر ثلاثة أيام » ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافراً ، وإذا لم يكن مسافراً لم يحصل الرخص المشروعة في السفر ، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فإنهم عولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ، من مكة إلى عسفان » ، قال أهل الظاهر : الكلام عليه من وجوه : الأول : أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وهو عندنا غير جائز لوجهين : الأول : إن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم ، والقرآن مقطوع المتن ، والخبر مظنون المتن ، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر ، فترجيح الضعيف على القوي لا يجوز .
والثاني : أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه » دلّ هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب الله تعالى فهو مردود ، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردوداً . (5/360)
الوجه الثاني : في دفع هذه الأخبار ، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة ، إنما قلنا : إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو ، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر ، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين ، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلاً متواتراً ، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها . الثالث : أن دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة ، وإذا تعارضت تساقطت ، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن ، هذا تمام الكلام في هذا الموضع . والذي عندي في هذا الباب أن يقال : إن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقباً لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم ، بدليل أنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار ، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت مرة وقع الطلاق ، وإذا دخلت الدار ثانياً لا يقع وهذا يدل على أن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان العموم البتة ، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية ، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلاً ، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة ( إذا ) للعموم ، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة ، والله أعلم .
المسألة السادسة : زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف . واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطاً بالخوف ، وهو قوله { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط ، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن . قالوا : ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد ، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، ولقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه وجوهاً متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام . وعندي أنه ليس في هذا غموض ، وذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى :
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] أن كلمة ( إن ) وكلمة ( إذا ) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط ، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط ، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ } يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة ، ويقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة ، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإثبات ، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد ، وذلك غير ممتنع ، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دلّ عليه القرآن ، ونحن لا نقول به . (5/361)
فإن قيل : فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتاً حال الأمن وحال الخوف ، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف؟
قلنا : إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم ، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو ، فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع ، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء بالإيماء والإشارة بدلاً عن الركوع والسجود ، وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف ، ولا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف ، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة ، ولا تكون محرمة ولا صحيحة ، والله أعلم . ثم يقال لأهل الظاهر : إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار ، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر ، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن ، إلا أنه بعيد ، وإن لم يلتزموه توجه النقص عليهم ، لأنه تعالى قال : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } وذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص ، ولهم أن يقولوا : إما أن يقال : حصل إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف ، أو لم يحصل الإجماع ، فإن حصل الإجماع فنقول : خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع ، وهو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني ، وإن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال ، لأنا نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص ، والله أعلم .
أما قوله : { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } ففي تفسير هذه الفتنة قولان : الأول : خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها . الثاني : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم ، والحاصل أن كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة .
ثم قال تعالى : { إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة ، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم ، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا ، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم ، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة ، وإنما قال { عَدُوّا } ولم يقل أعداء ، لأن العدو يستوي فيه الواحد والجمع ، قال تعالى : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين } [ الشعراء : 77 ] .
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)
أعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في العدد ، بيّن في هذه الآية حالها في الكيفية ، وفيه مسائل : (5/362)
المسألة الأولى : قال أبو يوسف والحسن بن زياد : صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجوز لغيره ، وقال المزني : كانت ثابتة ثم نسخت . واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين : الأول : أن قوله تعالى : { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، لأن كلمة «إذا» تفيد الاشتراط الثاني : أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل ، إلا أنا جوزنا ذلك في حق الرسول صلى الله عليه وسلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه ، وأما في حق غير الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا المعنى غير حاصل ، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول ، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة ، وأما سائر الفقهاء فقالوا : لما ثبت هذا الحكم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى : { واتبعوه } [ الأعراف : 158 ] ألا ترى أن قوله تعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } [ التوبة : 103 ] لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به دون غيره من الأمة بعده ، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة ، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة يوجب ترك الفرض ، فاندفع هذا الكلام ، والله أعلم .
المسألة الثانية : شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بهم ركعة واحدة ، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون؟ فيه أقوال : الأول : أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم ، وهذا مذهب من يرى أن صلاة الخوف للإمام ركعتان ، وللقوم ركعة ، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد . الثاني : أن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم ، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين ، وهذا قول الحسن البصري . الثالث : أن يصلي الإمام مع الطائفة الأولى ركعة تامة ، ثم يبقى الإمام قائماً في الركعة الثانية إلى أن تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى ، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو ، ثم تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائماً في الركعة الثانية ركعة ، ثم يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية ، ثم يسلم الإمام بهم ، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي . الرابع : أن الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة ، والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة ، وهم في حكم من خلف الإمام ، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة ، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته ، وهذا قول عبد الله بن مسعود ، ومذهب أبي حنيفة . وأعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه الصلاة ، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة بحسب المصلحة ، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام ، أما الواحدي رحمه الله فقال : الآية مخالفة للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة ، وبين ذلك من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلّت عند إتيان الثانية ، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، لأن الطائفة الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما فرغوا منها . الثاني : أن قوله { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } ظاهره يدل على أن جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك : صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع الصلاة معه ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا : الآية مطابقة لقولنا ، لأنه تعالى قال : { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } وهذا يدل عى أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ، ولكنهم يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة ، وأجاب الواحدي عنه فقال : هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة ، وليس الأمر كذلك ، بل هو لطائفتين السجود للأولى ، والكون من ورائكم الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم .
ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله تعالى : { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } أي وإذا كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم { فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طائفة منهم معك } والمعنى فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم ، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم ، فإن كان للمصلين فقالوا : يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ، وذلك لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم ، وإن كان لغير المصلين فلا كلام فيه . ويحتمل أن يكون ذلك أمراً للفريقين بحمل السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط . (5/363)
ثم قال : { فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ }
يعني غير المصلين { مِن وَرَائِكُمْ } يحرسونكم ، وقد ذكرنا أن أداء الركعة الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن ، إنما التفاوت يقع في أداء الركعة الثانية فيه ، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها .
ثم قال : { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } وقد بينا أن هذه الآية دالة على صحة قول الشافعي . (5/364)
ثم قال : { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي ، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ وجعلا مأخوذين . قال الواحدي رحمه الله : وفيه رخصة للخائف في الصلاة بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة .
فإن قيل : لم ذكر في الآية الأولى { أَسْلِحَتَهُمْ } فقط ، وذكر في هذه الآية حذرهم وأسلحتهم .
قلنا : لأن في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة ، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار كونهم في الصلاة ، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم ، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال : { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } .
ثم قال تعالى : { وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتَهُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } أي بالقتال . عن ابي عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه الظهر ، ورأى المشركون ذلك ، فقالوا بعد ذلك : بئسما صنعنا حيث لم نقدم عليهم ، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى ، فأطلع الله نبيّه صلى الله عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية .
ثم قال تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته ، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطناً فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء ، أو لأجل أن الرجل كان مريضاً فيشق عليه حمل السلاح ، فههنا له أن يضع حمل السلاح .
ثم قال : { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر ، لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن قوله في أول الآية { وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، فيقتضي أن يكون أخذ السلاح واجباً ثم تأكد هذا بدليل آخر ، وهو أنه قال : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم } فخص رفع الجناح في وضع السلاح بهاتين الحالتين ، وذلك يوجب أن فيما وراء هاتين الحالتين يكون الإثم والجناح حاصلاً بسبب وضع السلاح . ومنهم من قال : إنه سنة مؤكدة ، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحاً نجساً إن أمكنه ، ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف ، وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد .
المسألة الثانية : قال أبو على الجرجاني ( صاحب النظم ) : قوله تعالى : { وخذوا حذركم } يدل على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذراً غير غافل عن كيد العدو . والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر ، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة ، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة ، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم ، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين : طائفة في وجه العدو ، وطائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة ، وأما حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين ، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة ، والمسلمون كانوا مستقبلين لها ، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود ، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم ، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني ، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى : { خُذُواْ حِذْرَكُمْ } يدل على جواز هذه الوجوه؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكراراً محضاً من غير فائدة ، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : إن الله تعالى أمر بالحذر ، وذلك يدل على كون العبد قادراً على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر ، وذلك يدل على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى ، وجوابه ما تقدم من المعارضة بالعلم والداعي ، والله أعلم . (5/365)
المسألة الرابعة : دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو ، فيدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة ، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء والعلاج باليد والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجباً والله أعلم .
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } وفيه سؤال ، أنه كيف طابق الأمر بالحذر قوله { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } وجوابه : أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو وشدتهم ، فأزال الله تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم من القوة والهيبة ، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين ، فحينئذ يكونون متضرعين إلى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق ، ونظيره قوله تعالى : { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ الأنفال : 45 ] .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ } وفيه قولان : الأول : فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال ، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه ، الثاني : أن المراد بالذكر الصلاة ، يعني صلوا قياماً حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة ، وقعوداً حال اشتغالكم بالرمي ، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض ، فإذا اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة ، فاقضوا ما صليتم في حال المسابقة . هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسابقة إذا حضر وقتها ، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول إشكالاً ، وهو أن يصير تقدير الآية : فإذا قضيتم الصلاة فصلوا ، وذلك بعيد لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة .
ثم قال تعالى : { فَإِذَا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } واعلم أن هذه الآية مسبوقة بحكمين : أولهما : بيان القصر وهو صلاة السفر ، والثاني : صلاة الخوف ، ثم إن قوله { فَإِذَا اطمأننتم } يحتمل نقيض الأمرين ، فيحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً ، وعلى هذا التقدير يكون المراد : فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة ، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب القلب ، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف ، وعلى هذا التقدير يكون المراد : فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي كنتم تعرفونها ، ولا تغيروا شيئاً من أحوالها وهيآتها ، ثم لما بالغ الله سبحانه وتعالى في شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة الخوف ختم هذه الآية بقوله { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } أي فرضاً موقتاً ، والمراد بالكتاب هاهنا المكتوب كأنه قيل : مكتوبة موقوتة ، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر ، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة ، يقال : وقته ووقته مخففاً ، وقريء { وَإِذَا الرسل وقتت } [ المرسلات : 11 ] بالتخفيف . (5/366)
واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة ، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات ، وهي خمسة : أحدها : قوله تعالى { حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة : 238 ] فقوله { الصلوات } يدل على وجوب صلوات ثلاثة ، وقوله { والصلاة الوسطى } يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار ، فلا بدّ وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة ، وإلا لم يحصل فيها وسطى ، فلا بدّ من جعلها خمسة لتحصل الوسطى ، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر ، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة ، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلّت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها . وثانيها : قوله تعالى : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر }
[ الإسراء : 78 ] فالواجب من الدلوك إلى الغسق هو الظهر والعصر ، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب في الفجر هو صلاة الصبح ، وهذه الآية توهم أن للظهر والعصر وقتاً واحداً وللمغرب والعشاء وقتاً واحداً . وثالثها : قوله سبحانه { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 17 ] والمراد منه الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار وهما المغرب والصبح ، ثم قال { وَلَهُ الحمد فِى السموات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [ الروم : 18 ] فقوله { وَعَشِيّاً } المراد منه الصلاة الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء ، وقوله { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } المراد الصلاة الواقعة في محض النهار ، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله { حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 17 ] صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر ، فكذلك قدم في قوله { وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } صلاة الليل على صلاة النهار في الذكر ، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية ، وأما صلاة العصر فقد أفردها الله تعالى بالذكر في قوله { والعصر } تشريفاً لها بالإفراد بالذكر . ورابعها : قوله تعالى : { وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل } [ هود : 114 ] فقوله { طَرَفَىِ النهار } يفيد وجوب صلاة الصبح ووجوب صلاة العصر لأنهما كالواقعتين على الطرفين ، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني . وقوله { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } يفيد وجوب المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر قال : لأن الزلف جمع ، وأقله ثلاثة ، فلا بدّ وأن يجب ثلاث صلوات في الليل عملاً بقوله { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } وخامسها : قوله تعالى { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ } فقوله { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } [ طه : 130 ] إشارة إلى الصبح والعصر ، وهو كقوله { وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل } [ هود : 114 ] وقوله { وَمِنْ ءانَاء اليل } إشارة إلى المغرب والعشاء ، وهو كقوله { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } وكما احتجوا بقوله { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } فكذلك احتجوا عليه بقوله { وَمِنْ ءانَاء اليل } لأن قوله آناء الليل جمع وأقله ثلاثة ، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة للصلوات الخمس . (5/367)
واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظراً إلى المعقول ، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة : أولها : مرتبة الحدوث والدخول في الوجود ، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشو والنماء إلى مدة معلومة ، وهذه المدة تسمى سن النشو والنماء .
والمرتبة الثانية : مدة الوقوف ، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان وهذه المدة تسمى سن الشباب .
والمرتبة الثالثة : مدة الكهولة ، وهو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة جلية إلى أن يموت ويهلك ، وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة .
المرتبة الخامسة : أن تبقى آثاره بعد موته مدة ، ثم بالآخرة تنمحي تلك الآثار وتبطل وتزول ، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ، فهذه المراتب الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنساناً أو غيره من الحيوانات أو النباتات ، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس ، وذلك لأنها حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما يولد ، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى وسط السماء ، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقاصانات خفية إلى وقت العصر ، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرها ، ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب ، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق المغرب وهو الشفق ، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة في العالم ، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذه الأحوال الخمسة لها صلاة ، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكراً للنعمة العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور ، وبسبب زوال النوم الذي هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة ، ولما وصلت الشمس إلى غاية الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيماً للخالق القادر على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد ، فجعل الشمس بعد غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة ، وهو النقصان الخفي ، ثم لما انقضت مدة الكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة أوجب تعالى صلاة العصر . ونعم ما قال الشافعي رحمه الله : أن أول العصر هو أن يصير ظل كل شيء مثليه ، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة ، ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ازداد الظل إلا مثل الشيء ، ثم إن في زمان الطيف يصير ظله مثليه ، وذلك يدل على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلاً له تأخذ الشمس في النقصانات الظاهرة ، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان ، فلا جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب ، ثم لما غرب الشفق فكأنه انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر ، فلا جرم أوجب الله تعالى صلاة العشاء ، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية ، والله أعلم بأسرار أفعاله .
وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)
اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال { وَلاَ تَهِنُواْ } أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا { فِى ابتغاء القوم } أي في طلب الكفار بالقتال ، ثم أورد الحجة عليهم في ذلك فقال : { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ، فلما لم يصر خوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم ، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين ، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب والحشر والنشر ، والمشركين لا يقرون بذلك ، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر والنشر يجدون في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم في هذا الجهاد ثواباً عظيماً وعليكم في تركه عقاباً عظيماً ، أولى بأن تكونوا مجدين في هذا الجهاد ، وهو المراد من قوله تعالى : { وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في قوله { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } [ التوبة : 33 ] [ الفتح : 28 ] [ الصف : 9 ] وفي قوله { ياأيها النبى حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } [ الأنفال : 64 ] وفيه وجه ثالث ، وهو أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه ، وأما المشركون فإنهم يعبدون الأصنام وهي جمادات ، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثواباً أو يخافوا منها عقاباً . وقرأ الأعرج { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } بفتح الهمزة بمعنى : ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون ، وقوله { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } تعليل . (5/368)
ثم قال : { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } أي لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم .
إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)
في كيفية النظم وجوه : الأول : أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة ، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق بها من الأحكام الشرعية ، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر ، ومثل بيان صلاة السفر وصلاة الخوف ، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين ، وذكر أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم بالباطل ويذر الحكم الحق ، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ولا يقبل قولهم في هذا الباب . (5/369)
والوجه الثاني في بيان النظم : أنه تعالى لما بيّن الأحكام الكثيرة في هذه السورة بيّن أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قومه .
الوجه الثالث : أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بيّن أن الأمر وإن كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم ، وأن كفر الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له ، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل على رسوله ، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق ، ثم في كيفية الواقعة روايات : أحدها : أن طعمة سرق درعاً فلما طلبت الدرع منه رمى واحداً من اليهود بتلك السرقة ، ولما اشتدت الخصومة بين قومه وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي ، فهم الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية ، وثانيها : أن واحداً وضع عنده درعاً على سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد ، فلما طلبها منه جحدها . وثالثها : أن المودع لما طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع واعلم أن العلماء قالوا هذا يدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } [ النساء : 113 ] ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطاً هناك لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات .
المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله { أَرَاكَ الله } إما أن يكون منقولاً بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر ، أو من رأيت التي تتعدى إلى المفعولين ، أو من رأيت التي يراد بها الاعتقاد ، والأول باطل لأن الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر ، والثاني أيضاً باطل لأنه يلزم أن يتعدى إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية ، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد إلا إلى مفعولين أحدهما : الكاف التي هي للخطاب ، والآخر المفعول المقدر ، وتقديره : بما أراكه الله ، ولما بطل القسمان بقي الثالث ، وهو أن يكون المراد منه رأيت بمعنى الاعتقاد .
المسألة الثالثة : اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله { بِمَا أَرَاكَ الله } معناه بما أعلمك الله ، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى ، فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيّه ، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ولا يكون علماً . (5/370)
إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون : هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص .
وإذا عرفت هذا فنقول : تفرع عليه مسألتان : إحداهما : أنه لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص ، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك لقوله تعالى : { واتبعوه } [ الأعراف : 158 ] وإذا كان كذلك وجب أن يكون العمل بالقياس حراماً .
والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس عملاً بالنص في الحقيقة ، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال : مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن ، وإذا كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملاً بعين النص .
أما قوله : { ولا تكن للخائنين خصيماً } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : معنى الآية : ولا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لمن كان بريئاً عن الذنب ، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين .
المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : خصمك الذي يخاصمك ، وجمعه الخصماء ، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه ، والخصم طرف الزاوية وطرف الأشفار ، وقيل للخصمين خصمان لأن كل واحد منهما في ناحية من الحجة والدعوى ، وخصوم السحابة جوانبها .
المسألة الثالثة : قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام : دلّت هذه الآية على صدور الذنب من الرسول عليه السلاة والسلام ، فإنه لولا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد النهي عنه .
والجواب : أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي فاعلاً للمنهى عنه ، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه الآية ، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن طعمة كذاب ، وأن اليهودي بريء عن ذلك الجرم .
فإن قيل : الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام قوله بعد هذه الآية { واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فلما أمره الله بالاستغفار دلّ على سبق الذنب .
والجواب من وجوه : الأول : لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في الظاهر من المسلمين فأمر بالاستغفار لهذا القدر ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . والثاني : لعلّ القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة طعمة من تلك السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي ، ثم لما أطلعه الله تعالى على كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ ، فكان استغفاره بسبب أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذوراً عند الله فيه . الثالث : قوله { واستغفر الله } يحتمل أن يكون المراد : واستغفر الله لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال تعالى : (5/371)
وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)
والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقاً ، والاختيان كالخيانة يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله تعالى : { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 187 ] وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : إنه ظلم نفسه . (5/372)
وأعلم أن في الآية تهديداً شديداً ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما مال طبعه قليلاً إلى جانب طعمة ، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقاً ، فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالماً ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه أشد الترغيب .
ثم قال تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } قال المفسرون : إن طعمة خان في الدرع ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أثيماً } .
فإن قيل : لم قال { خَوَّاناً أثيماً } مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد .
قلنا : علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير ، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته ، وأيضاً طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم .
وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر ، وأعلم أنه تعالى لما خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى :
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)
الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار ، يقال استخفيت من فلان ، أي تواريت منه واستترت . قال تعالى : { وَمَنْ هُوَ مُستَخِف بِالليلِ } [ الرعد : 10 ] أي مستتر ، فقوله : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } أي يستترون من الناس ولا يستترون من الله . قال ابن عباس : يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله . قال الواحدي : هذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار من الناس والاستخفاء منهم ، فأما أن يقال : الاستحياء هو نفس الاستخفاء فليس الأمر كذلك ، وقوله : { وَهُوَ مَعَهُمْ } يريد بالعلم والقدرة والرؤية ، وكفى هذا زاجراً للإنسان عن المعاصي ، وقوله : { إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يرضى مِنَ القول } أي يضمرون ويقدرون في أذهانهم وذكرنا معنى التبييت في قوله : { بيت طائفة منهم } [ النساء : 81 ] والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال : أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها ، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي . (5/373)
فإن قيل : كيف سمي التبييت قولاً وهو معنى في النفس؟
قلنا : مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس ، وعلى هذا المذهب فلا إشكال ، ومن أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة وأصحابه لعلّهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية الحيلة والمكر ، فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه ، فأما قوله { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } فالمراد الوعيد من حيث إنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر والخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم الله ، لأنه تعالى محيط بجميع المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شيء ثم قال تعالى :
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)
ثم قال تعالى : { هَأَنْتُمْ هَؤُلاء جادلتم عَنْهُمْ فِى الحياة الدنيا فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة } { ها } للتنبيه في { ها أنتم } و { هَؤُلاء } وهما مبتدأ وخبر { جادلتم } جملة مبينة لوقوع { أُوْلاء } خبراً ، كما تقول لبعض الأسخياء : أنت حاتم تجود بما لك وتؤثر على نفسك ، ويجوز أن يكون { أولاء } اسماً موصولاً بمعنى الذي و { جادلتم } صلة ، وأما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة المخاصمة ، وجدل الحبل شدة فتلة ، ورجل مجدول كأنه فتل ، والأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة . هذا قول الزجاج . وقال غيره : سميت المخاصمة جدالاً لأن كل واحد من الخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه . (5/374)
إذا عرفت هذا فنقول : هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة وعن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين ، والمعنى : هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا ، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه . وقرأ عبد الله بن مسعود : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه ، يعني عن طعمة ، وقوله { فَمَن يجادل الله عَنْهُمْ } استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع .
ثم قال تعالى : { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } فقوله : { أَمْ مَّن يَكُونُ } عطف على الاستفهام السابق ، والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية ، والمعنى : من الذي يكون محافظاً ومحامياً لهم من عذاب الله؟
وأعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة ، وذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب فالأول :
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)
والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ومن رمي اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف الكاذب ، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر إيصالاً للضرر إلى الغير ، والضرر سوء حاضر ، فأما الذنب الذي يخص الإنسان فذلك في الأكثر لا يكون ضرراً حاضراً لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه . (5/375)
وأعلم أن هذه الآية دالة على حكمين : الأول : أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب سواء كانت كفراً أو قتلاً ، عمداً أو غصباً للأموال لأن قوله { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } عم الكل الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد الاستغفار كاف ، وقال بعضهم : أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع الإصرار ، وقوله { يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً } معناه غفوراً رحيماً له ، وحذف هذا القيد لدلالة الكلام عليه ، فإنه لا معنى للترغيب في الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك .
والنوع الثاني : من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى :
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111)
والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ، ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى بذلك والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار كأنه تعالى يقول : الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلي فإنني منزّه عن النفع والضرر ، ولا تيأس من قبول التوبة والاستغفار { وَكَانَ الله عَلِيماً } بما في قلبه عند إقدامه على التوبة { حَكِيماً } تقتضي حكمته ورحمته أن يتجاوز عن التائب . (5/376)
النوع الثالث : قوله تعالى :
وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)
وذكروا في الخطيئة والإثم وجوهاً : الأول : أن الخطيئة هي الصغيرة ، والإثم هو الكبيرة وثانيها : الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها ، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل . وثالثها : الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ ، والإثم ما يحصل بسبب العمد ، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله { وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } [ النساء : 111 ] فبيّن أن الإثم ما يكون سبباً لاستحقاق العقوبة . (5/377)
وأما قوله { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } فالضمير في { بِهِ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه : الأول : ثم يرم بأحد هذين المذكورين . الثاني : أن يكون عائداً إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } الثالث : أن يكون عائداً إلى الكسب ، والتقدير : يرم بكسبه بريئاً ، فدل يكسب على الكسب . الرابع : أن يكون الضمير راجعاً إلى معنى الخطيئة فكأنه قال : ومن يكسب ذنباً ثم يرم به بريئاً .
وأما قوله { فَقَدِ احتمل بهتانا } فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو برىء منه .
وأعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب ، فقوله { فَقَدِ احتمل بهتانا } إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا ، وقوله { وَإِثْماً مُّبِيناً } إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة .
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)
ثم قال تعالى : { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ } والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوّة ، وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم أن يضلوك ، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق ، ثم سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة ، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي ، ومعنى يضلوك أي يلقوك في الحكم الباطل الخطأ . (5/378)
ثم قال تعالى : { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان ، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين يعملون عمل الضالين .
{ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } فيه وجهان : الأول : قال القفال رحمه الله : وما يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني : أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال ، وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر .
ثم قال تعالى : { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة }
وأعلم أنّا إن فسرنا قوله { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء } بأن المراد أنه تعالى وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة } مؤكداً لذلك الوعد ، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ، وإن فسرنا تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذوراً في بناء الحكم على الظاهر كان المعنى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر .
ثم قال تعالى : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً }
قال القفال رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ما يتعلق بالدين ، كما قال { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } [ الشورى : 52 ] وعلى هذا الوجه تقدير الآية : أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالماً بشيء منهما ، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك وإزلالك .
الوجه الثاني : أن يكون المراد : وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين ، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن وجوه كيدهم ومكرهم ، ثم قال { وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل ، كما قال { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 85 ] ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلاً ، ثم أنه سمى ذلك القليل عظيماً حيث قال { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } وسمى جميع الدنيا قليلاً حيث قال { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } [ النساء : 77 ] وذلك يدل على غاية شرف العلم .
لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)
وأعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول وفيه مسائل : (5/379)
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : النجوى في اللغة سر بين إثنين ، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء ، ويقال : نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته ، والنجوى قد تكون مصدراً بمنزلة المناجاة ، قال تعالى { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [ المجادلة : 7 ] وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون ، قال تعالى { وَإِذْ هُمْ نجوى } [ الإسراء : 47 ] .
المسألة الثانية : قوله { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } ذكر النحويون في محل { مِنْ } وجوهاً ، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية ، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله { إِلاَّ أَذًى } [ آل عمران : 111 ] ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله :
إلا اليعافير وإلا العيس ... وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف ، وعلى هذا التقدي يكون { مِنْ } في محل النجوى لأنه أقيم مقامه ، ويجوز فيه وجهان : إحدهما : الخفض بدل من نجواهم ، كما تقول : ما مررت بأحد إلا زيد . والثاني : النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً ، وهذا استثناء الجنس من الجنس ، وأما ان جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس ، ويجوز أن يكون { مِنْ } في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجلعه تبعاً لكثير ، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة ، كقولك : لا خير في القوم إلا نفر منهم . والثاني : أن تجعله تبعاً للنجوى ، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد ، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة ، وإن شئت أتبعته القوم ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة ، والمراد : لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة ، والأمر بالمعروف ، والاصلاح بين الناس ، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة ، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } وإما أن يكون من الخيرات الروحانية ، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة ، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف ، وإليه الإشارة بقوله { أَوْ مَعْرُوفٍ } وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية ، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام :
« كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله » وقيل لسفيان الثوري : ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان : ألم تسمع الله يقول { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } فهو هذا بعينه ، أما مسعت الله يقول { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } [ العصر : 1 ، 2 ] فهو هذا بعينه . (5/380)
ثم قال تعالى : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغاء مَرْضَاتَ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته ، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النيّة ، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى : { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ البينه : 5 ] وقوله { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } [ النجم : 39 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : « إنما الأعمال بالنيات » وهاهنا سؤالان :
السؤال الأول : لم انتصب { ابتغاء مرضات الله } ؟
والجواب : لأنه مفعول له ، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله .
السؤال الثاني : كيف قال { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } ثم قال { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } .
والجواب : أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى ، ويجوز أن يراد : ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضاً فعل من الأفعال .
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)
أعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ونقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه ومات فنزلت هذه الآية . أما الشقاق والمشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما في شق آخر من الأمر ، أو عن كون كل واحد منهما فاعلاً فعلاً يقتضي لحوق مشقة بصاحبه ، وقوله { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى } أي من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام . قال الزجاج : لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره وأظهر من سرقته ما دلّه ذلك على صحة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، فعادى الرسول وأظهر الشقاق وارتد عن دين الإسلام ، فكان ذلك إظهار الشقاق بعد ما تبين له الهدى ، قوله { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } يعني غير دين الموحدين ، وذلك لأن طعمة ترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأوثان . (5/381)
ثم قال { نُوَلّهِ مَا تولى } أي نتركه وما اختار لنفسه ، ونكله إلى ما توكل عليه . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد .
ثم قال { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } يعني نلزمه جنهم ، وأصله الصلاء وهو لزوم النار وقت الاستدفاء { وَسَاءتْ مَصِيراً } انتصب { مَصِيراً } على التمييز كقولك : فلان طاب نفساً ، وتصبب عرقاً ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية ، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجباً ، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى الحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد ، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجباً له لكان ذلك ضماً لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز ، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجباً ، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراماً ، وإذا كان عدم اتباعهم حراماً كان اتباعهم واجباً ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض .
فإن قيل : لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين ، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل المؤمنين .
وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير ، فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعاً لهم ، ولقائل أن يقول : الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال : الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل واحد من آحاد الأمة يوحد الله ، ومعلوم أن ذلك لا يقال ، بل الاتباع عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، وإذا كان كذلك فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين ، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل ، وفيه أبحاث أُخر دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول في علم الأصول والله أعلم . (5/382)
المسألة الثانية : دلّت هذه الآية على وجوب عصمة محمد صلى الله عليه وسلم عن جميع الذنوب ، والدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه ، وكل من منع غيره عن فعل يفعله كان مشاققاً له ، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق الذي يكون الآخر فيه ، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته ، لكن مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه .
المسألة الثالثة : دلّت هذه الآية على أنه يجب الاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة ، لكن المشاقة محرمة ، فيلزم وجوب الاقتداء في أفعاله .
المسألة الرابعة : قال بعض المتقدمين : كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد ، بل بمعنى سقوط الإثم عن المخطىء ، واحتجوا على قولهم بهذه الآية قالوا : لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلاً .
وجوابه : أنه تمسك بالمفهوم ، وهو دلالة ظنية عند من يقول به ، والدليل الدال على أن وعيد الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء : 116 ] والقاطع لا يعارضه المظنون .
المسألة الخامسة : الآية دالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل والنظر والاستدلال ، وذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، ولو لم يكن تبين الهدى معتبراً في صحة الدين وإلا لم يكن لهذا الشرط معنى .
المسألة السادسة : الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم ، إذ لو كان الهدى اسماً للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشيء إلى نفسه وأنه فاسد .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)
اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة ، وفي تكرارها فائدتان : الأولى : أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن ، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين ، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة ، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد ، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد ، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد . (5/383)
والفائدة الثانية : أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع ، وقوله { وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } [ النساء : 115 ] إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده ، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطع عن رحمة الله ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً ، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي ، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً لَّعَنَهُ الله } { إن } ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى : { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } [ النساء : 159 ] و { يَدْعُونَ } بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله { إِلاَّ إناثا } فيه أقوال : الأول : أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها : إلا أوثاناً ، وقراءة ابن عباس : إلا أثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله { وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ } [ المرسلات : 11 ] قال الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة .
القول الثاني : قوله { إِلاَّ إناثا } أي إلا أمواتاً ، وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان : الأول : أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى ، تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات .
القول الثالث : أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات الله قال تعالى :
{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى } [ النجم : 27 ] والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى . (5/384)
ثم قال : { وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً } قال المفسرون : كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج : المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية { وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } ولا شك أن قائل هذاالقول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له : مارد ومريد ، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء .
ثم قال تعالى؛ { لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } وفيه مسألتان .
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : قوله { لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ } صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع . واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء : أولها : قوله { لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم ، وكذا قوله { وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } [ البقرة : 237 ] أي جعلتم لهن قطعة من المال .
إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك : لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : " من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس " . فإن قيل : النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله .
أما النقل : فقوله تعالى في صفة البشر { فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين } [ سبأ : 20 ] وقال حاكياً عن الشيطان { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 62 ] . وحكي عنه أيضاً أنه قال { لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 82 ، 83 ] ولا شك أن المخلصين قليلون .
وأما العقل : فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين ، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس .
إذا ثبت هذا فنقول : لم قال { لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً } مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل؟
والجواب : أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر ، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله ، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس . وثانيها : { ولأَضِلَّنَّهُمْ } يعني عن الحق ، قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا .
فالأصل الأول : المضل هو الشيطان ، وليس المضل هو الله تعالى قالوا : وإنما قلنا : أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه ، ونظيره قوله { لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وقوله { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } وقوله { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم } [ الأعراف : 16 ] وأيضاً أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له ، وذلك يمنع من كون الإله موصوفاً بذلك . (5/385)
والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال .
والجواب : أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة ، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله { لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله { رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } [ القصص : 39 ] وتارة يظهر التردد فيه حيث قال : { رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا } [ القصص : 63 ] يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟ ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله . وثالثها : قوله { وَلأَمَنّيَنَّهُمْ } واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال { وَلأمَنّيَنَّهُمْ } وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق ، وطلب الأماني يورث شيئين : الحرص والأمل ، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم : « يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل » والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ورابعها : قوله { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام } البتك القطع ، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك التقطيع . قال الواحدي رحمه الله : التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . خامسها : قوله { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } وللمفسرين هاهنا : قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم :
« كل مولود يولد على الفطرة » ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . (5/386)
والوجه الثاني : في تقرير هذا القول : أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام .
القول الثاني : حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، وذكروا فيه وجوهاً الأول : قال الحسن : المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لعن الله الواصلات والواشمات » قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني : روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها . الثالث : قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول : يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع : حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق الله ، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى ، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه : التشوش ، والنقصان ، والبطلان . فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو قوله { وَلأمَنّيَنَّهُمْ } وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام } وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة ، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله { وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى ، ومن المعلوم أن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة ، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة ، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا ، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر ، وهي متوجهة إلى عالم القيامة ، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بدّ من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييراً للخلقة ، وهو كما قال تعالى :
{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ } [ الحشر : 19 ] وقال { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } [ الحج : 46 ] . (5/387)
واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال : { وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } واعلم أن أحداً لا يختار أن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى ، وإنما قال { خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر ، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة ، والجمع بينهما محال عقلاً ، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها ، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق .
ثم قال تعالى : { يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب ، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره ، فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور ، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار ، وجميع أحوال الدنيا كذلك ، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده ، ويستولي على أعدائه ، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره ، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره ، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه ، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لا بدّ وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاماً وأعظم تأثيراً في حصول الغم والحسرة ، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب .
وفي الآية وجه آخر : وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية .
ثم قال تعالى : { أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه ، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذاً إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته ، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور . (5/388)
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } المحيص المعدل والمفر . قال الواحدي رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أنه لا بدّ لهم من ورودها . الثاني : التخليد الذي هو نصيب الكفار ، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله { وَلاَ يَجِدُونَ } عائد إلى الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين قال الشيطان : لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً . والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار .
ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلا } .
وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر { خالدين فِيهَا أَبَداً } ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل ، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام ، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار ، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع .
ثم قال : { وَعْدَ الله حَقّا } قال صاحب «الكشاف» : هما مصدران : الأول : مؤكد لنفسه ، كأنه قال : وعد وعداً وحقاً مصدر مؤكد لغيره ، أي حق ذلك حقاً .
ثم قال : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } وهو توكيد ثالث بليغ . وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة ، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه ، وقرأ حمزة والكسائي { أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } باشمام الصاد الزاي ، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو { قَصْدُ السبيل } [ النحل : 9 ] { فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } [ الحجر : 94 ] والقيل : مصدر قال قولاً وقيلاً ، وقال ابن السكيت : القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى :
لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)
قوله تعالى : { لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب } وفيه مسائل : (5/389)
المسألة الأولى : الأمنية أفعولة من المنية ، وتمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى { إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمنيتهِ } [ الحج : 52 ] .
المسألة الثانية : { لَّيْسَ } فعل ، فلا بدّ من اسم يكون هو مسنداً إليه ، وفيه وجوه : الأول : ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله { سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى } [ النساء : 122 ] الآية ، بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح . الثاني : ليس وضع الدين على أمانيكم . الثالث : ليس الثواب والعقاب بأمانيكم ، والوجه الأول أولى لأن إسناد { لَّيْسَ } إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور .
المسألة الثالثة : الخطاب في قوله { لَّيْسَ بأمانيكم } خطاب مع من؟ فيه قولان : الأول : أنه خطاب مع عبدة الأوثان ، وأمانيهم أن لا يكون هناك حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب ، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله ، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 111 ] وقولهم : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] فلا يعذبنا ، وقولهم { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] .
القول الثاني : أنه خطاب مع المسلمين ، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر ، وليس الأمر كذلك ، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 116 ] وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نبيّنا خاتم النبيّين ، وكتابنا ناسخ الكتب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
ثم قال تعالى : { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شيء من السيئات ، وليس لقائل أن يقول : هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة قالوا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن العام بعد التخصيص حجة ، والثاني : أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية ، فههنا قد وصل جزاء تلك المعصية إليه .
أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى : { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَته فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 81 ] والذي نزيده في هذه الآية وجوه الأول : لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم والهموم والأحزان والآلام والأسقام ، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر ، أما القرآن فهو قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا } [ المائدة : 38 ] سمي ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ، أليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون .
وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال : أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال : " يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيه " وعن أبي هريرة رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أبشروا فإنه لا يصيب أحد منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه " . الوجه الثاني في الجواب : هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم القيامة لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته ، ويدل عليه القرآن والخبر والمعقول . (5/390)
أما القرآن فقوله تعالى : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود : 114 ] .
وأما الخبر : فما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة ، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويلٌ لمن غلبت آحاده أعشاره " » .
وأما المعقول : فهو أن ثواب الإيمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل ، فيبقى حينئذٍ من الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة .
الوجه الثالث في الجواب : أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار ، والذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ اثنى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة } [ النساء : 124 ] فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات ، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية ، وقولهم : خرج عن كونه مؤمناً فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، مثل قوله { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } إلى قوله { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى } [ الحجرات : 9 ] سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً ، وقال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة : 178 ] سمي صاحب القتل العمد العدوان مؤمناً ، وقال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله } [ التحريم : 8 ] سماه مؤمناً حال ما أمره بالتوبة ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا كان مؤمناً كان قوله تعالى : { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة ، فوجب أن يكون قوله { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } مخصوصاً بأهل الكفر .
الوجه الرابع في الجواب : هب أن النص يعم المؤمن والكافر ، ولكن قوله { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] أخص منه والخاص مقدم على العام ، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم ، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان . (5/391)
المسألة الثانية : دلّت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله { مَن يَعْمَلْ سُوءا } يتناول جميع المحرمات ، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله { يُجْزَ بِهِ } يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا .
قلنا : إنه لا بدّ وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة ، وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم هاهنا أكمل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا ، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة .
المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن العبد فاعل ، ودلت أيضاً على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء ، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد ، وذلك من وجهين : أحدهما : أنه لما كان عملاً للعبد امتنع كونه عملاً لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين ، والثاني : أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة وذلك باطل ، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله ، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب .
ثم قال تعالى : { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } .
قالت المعتزلة : دلت الآية على نفي الشفاعة ، والجواب من وجهين : الأول : أنا قلنا أنَّ هذه الآية في حق الكفار . والثاني : أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى ، وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)
قال مسروق : لما نزل قوله { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } [ النساء : 123 ] قال أهل الكتاب للمسلمين : نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية إلى قوله { وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً } وفيه مسائل : (5/392)
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { يَدْخُلُونَ الجنة } بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعاً على أن الدخول مضاف إليهم ، وكلاهما حسن ، والأول أحسن لأنه أفخم ، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق { وَلاَ يُظْلَمُونَ } وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى : { ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم } [ الزخرف : 70 ] ولقوله { ادخلوها بِسَلامٍ } [ الحجر : 46 ] [ ق : 34 ] ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قالوا : الفرق بين { مِنْ } الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض ، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات ، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمناً استحق الثواب .
وأعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلداً في النار ، بل ينقل إلى الجنة ، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا ثبت هذا فنقول : إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة ، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار ، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع ، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : النقير : نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة ، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة .
فإن قيل : كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] وقال { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } [ آل عمران : 108 ] .
والجواب من وجهين : الأول : أن يكون الراجع في قوله { وَلاَ يُظْلَمُونَ } عائداً إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً ، والثاني : أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق ، فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق .
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)
أعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمناً شرح الإيمان وبين فضله من وجهين : أحدهما : أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى ، والثاني : وهو أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام . (5/393)
أما الوجه الأول : فأعلم أن دين الإسلام مبين على أمرين : الاعتقاد والعمل : أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله { أَسْلَمَ وَجْهَهُ } وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع . والوجه أحسن أعضاء الإنسان ، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله ، وأما العمل فإليه الإشارة بقوله { وَهُوَ مُحْسِنٌ } ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات ، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض ، وأيضاً فقوله { أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } يفيد الحصر ، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وأظهار التبري من الحول والقوة ، وأيضاً ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله ، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها ، واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم : أنهم من أولاد الأنبياء ، والنصارى كانوا يقولون : ثالث ثلاثة ، فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله . وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم ، وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى ، واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على فضل الله ، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله .
وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام : وهو أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام ، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال : { إِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } [ الأنعام : 19 ] وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة ، بل كان دينه الدعوة إلى الله والإعراض عن كل ما سوى الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريباً من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة : مثل الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر المذكورة في قوله { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ } [ البقرة : 124 ] ولما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريباً من شرع إبراهيم ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل ، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم ، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل .
وأما قوله { حَنِيفاً } ففيه بحثان : الأول : يجوز أن يكون حالاً للمتبوع ، وأن يكون حالاً للتابع ، كما إذا قلت : رأيت راكباً ، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي . (5/394)
البحث الثاني : الحنيف المائل ، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها ، لأن ما سواه باطل ، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن ، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه ، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة .
فإن قيل : ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة ، وأنتم لا تقولون بذلك .
قلنا : يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة .
ثم قال تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها ، وفيه وجهان : الأول : أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلاً كان جديراً بأن يتبع خلقه وطريقته . والثاني : أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفاً ثم قال عقيبه { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلاً لأنه كان عالماً بذلك الشرع آتياً بتلك التكاليف ، ومما يؤكد هذا قوله { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة : 124 ] وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماماً للخلق لأنه أتم تلك الكلمات .
وإذ ثبت هذا فنقول : لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلاً لله تعالى بسبب أنه كان عاملاً بتلك الشريعة كان هذا تنبيهاً على أن من عمل بهذا الشرع لا بدّ وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين ، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين .
فإن قيل : ما موقع قوله { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً }
قلنا : هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب ، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله :
والحوادث جمة ... والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام ، والأمر ههنا كذلك على ما بيناه .
المسألة الثانية : ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهاً : الأول : أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره ، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه ، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة .
قيل : لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله ، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس ، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان جعله الله إماماً للخلق ورسولاً إليهم ، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته ، فلهذه الاختصاصات سماه خليلاً ، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه . (5/395)
الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل : أنه الذي يوافقك في خلالك . أقول : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تخلقوا بأخلاق الله " فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغاً لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه الله بهذا التشريف .
الوجه الثالث : قال صاحب «الكشاف» : إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك ، من الخل وهو الطريق في الرمل ، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني ، أو يحمل ذلك على شدة طاعته لله وعدم تمرده في ظاهره وباطنه عن حكم الله ، كما أخبر الله عنه بقوله { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } [ البقرة : 131 ] .
الوجه الرابع : الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله ، وهذا القول ضعيف لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلاً مع الله امتنع أن يقال : إنه يسد الخلل ، ومن هاهنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك ، أما المفسرون فقد ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوها : الأول : أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانه دقيقاً قالت امرأته : هذا من عند خليلك المصري ، فقال إبراهيم : بل هو من خليلي الله ، والثاني : قال شهر بن حوشب : هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام : اذكره مرة أخرى ، فقال لا أذكره مجاناً ، فقال لك مالي كله ، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول ، فقال : اذكره مرة ثالثة ولك أولادي ، فقال الملك : أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك ، وإنما كان المقصود امتحانك ، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلاً . الثالث : روى طاوس عن ابن عباس أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه وظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره ، فقال جبريل أنت خليل الله ، فنزل هذا الوصف . وأقول : فيه عندي وجه آخر ، وهو أن جوهر الروح إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية ، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية ، صار مثل هذا الإنسان متوغلاً في عالم القدس والطهارة متبرئاً عن علائق الجسم والحس ، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلاّ الله ، ولا يسمع إلاّ الله ، ولا يتحرك إلاّ بالله ، ولا يسكن إلاّ بالله ، ولا يمشي إلا بالله ، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها ، وتوغل في ماهياتها ، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقاً بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه ، وإليه الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه :
« اللّهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي عصبي نوراً » . المسألة الثالثة : قال بعض النصارى : لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعزاز والتشريف ، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف . (5/396)
وجوابه : أن الفرق أن كونه خليلاً عبارة عن المحبة المفرطة ، وذلك لا يقتضي الجنسية ، أما الابن فإنه مشعر بالجنسية ، وجلّ الإله عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات .
ثم قال تعالى : { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها ، وفيه وجوه : الأول : أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين ، وكيف يعقل ذلك وله ملك السموات والأرض ، وما كان كذلك ، فكيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى البشر الضعيف ، وإنما اتخذه خليلاً بمحض الفضل والإحسان والكرم ، ولأنه لما كان مخلصاً في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف ، والحاصل أن كونه خليلاً يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام . والثاني : أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعاً كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد ، فبيّن هاهنا أنه إله المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ، ومن كان كذلك كان ملكاً مطاعاً فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه . الثالث : أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلاّ عند حصول أمرين : أحدهما : القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات . والثاني : العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء ، فدل على كمال قدرته بقوله { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } وعلى كمال علمه بقوله { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } الرابع : أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له ، وذلك لأنه له ما في السموات وما في الأرض ، ويجري هذا مجرى قوله { إِن كُلُّ مَن فِى السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً }
[ مريم : 93 ] ومجرى قوله { لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون } [ النساء : 172 ] يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية اللها كذا هاهنا ، يعني إذا كان كل من في السموات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلهيته فكيف يعقل أن يقال : إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلاً يخرجه عن عبودية الله ، وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة . (5/397)
المسألة الثانية : إنما قال { مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ولم يقل ( من ) لأنه ذهب مذهب الجنس ، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنيس ذكر بما .
المسألة الثالثة : قوله : { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء محيطاً } فيه وجهان : أحدهما : المراد منه الإحاطة في العلم . والثاني : المراد منه الإحاطة بالقدرة ، كما في قوله لعالى { وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } [ الفتح : 21 ] قال القائلون بهذا القول : وليس لقائل أن يقول لما دل قوله { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } على كمال القدرة ، فلو حملنا قوله { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } على كمال القدرة لزم التكرار ، وذلك لأنا نقول : إن قوله { للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } لا يفيد ظاهره إلاّ كونه تعالى قادراً مالكاً لكل ما في السموات وما في الأرض ، ولا يفيد كونه قادراً على ما يكون خارجاً عنهما ومغايراً لهما ، فلما قال { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء مُّحِيطاً } دل على كونه قادراً على ما لا نهاية له من المقدورات خارجاً عن هذه السموات والأرض ، على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه ، فهذا تقرير هذا القول ، إلاّ أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإلهية والوفاء بالوعد إنما يحصل ويكمل بمجموع القدرة والعلم ، فلا بدّ من ذكرهما معاً ، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادراً ، ثم بعد العلم بكونه قادراً يعلم كونه عالماً لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة ، وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم ، ولا شك أن الأول مقدم على الثاني .
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)
اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه وهو أنه يذكر شيئاً من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والترغيب والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته . ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام ، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب ، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول إلاّ إذا كان مقروناً بالوعد والوعيد ، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلاّ عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد ، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق . (5/398)
إذا عرفت هذا فنقول : إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف ، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ذلك ، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه ، ثم عاد بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الاستفتاء طلب الفتوى يقال : استفتيت الرجل في المسألة فأفتاني إفتاء وفتياً وفتوى ، وهما إسمان موضوعان موضع الافتاء ، ويقال : أفتيت فلاناً في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرات سِمَانٍ } [ يوسف : 46 ] ومعنى الافتاء إظهار المشكل ، وأصله من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل ، فالمعنى كأنه يقوى ببيانه ما أشكل ويصير قوياً فتياً .
المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين : الأول : أن العرب كانت لا تورث النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة ، فهذه الآية نزلت في توريثهم . والثاني : أن الآية نزلت في توفية الصداق لهن ، وكان اليتيمة تكون عند الرجل فإذا كانت جميلة ولها مال تزوج بها وأكل مالها ، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها ، فأنزل الله هذه الآية .
المسألة الثالثة : اعلم أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء وإنما يقع عن حالة من أحوالهن وصفة من صفاتهن ، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء .
أما قوله تعالى : { وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ } ففيه أقوال : الأول : أنه رفع بالابتداء والتقدير : قل الله يفتيكم في النساء ، والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضاً ، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } [ النساء : 3 ] .
وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء ، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها ، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها . وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب ، ألا ترى أنه يقال في المجاز المشهور : إن كتاب الله بيّن لنا هذا الحكم ، وكما جاز هذا جاز أيضاً أن يقال : إن كتاب الله أفتى بكذا .
القول الثاني : أن قوله { وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ } مبتدأ و { فِى الكتاب } خبره ، وهي جملة معترضة ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليهم وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم الأمور عند الله تعالى التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها ، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله . ونظيره في تعظيم القرآن قوله { وَإِنَّهُ فِى أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } [ الزخرف : 4 ] . (5/399)
القول الثالث : أنه مجرور على القسم ، كأنه قيل : قل الله يفتيكم فيهن ، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب ، والقسم أيضاً بمعنى التعظيم .
والقول الرابع : أنه عطف على المجرور في قوله { فِيهِنَّ } والمعنى : قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ، قال الزجاج : وهذا الوجه بعيد جداً نظراً إلى اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر ، وذلك غير جائز كما شرحناه في قوله { تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام } [ النساء : 1 ] وأما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في تلك المسائل أفتى ويفتي أيضاً فيما يتلى من الكتاب ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل : بقي هاهنا سؤالان :
السؤال الأول : بم تعلق قوله { فِى يتامى النساء } .
قلنا : هو في الوجه الأول صلة { يتلى } أي يتلى عليكم في معناهن ، وأما في سائر الوجوه فبدل من { فِيهِنَّ } .
السؤال الثاني : الإضافة في { يتامى النساء } ما هي؟
الجواب : قال الكوفيون : معناه في النساء اليتامى ، فأضيفت الصفة إلى الاسم ، كما تقول : يوم الجمعة ، وحق اليقين . وقال البصريون : إضافة الصفة إلى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس ، وذلك لأن الصفة والموصوف شيء واحد ، وإضافة الشيء إلى نفسه محال . وهذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد يبقى بدون الوصف ، وذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة ، ثم أن البصريين فرعوا على هذا القول وقالوا : النساء في الآية غير اليتامى ، والمراد بالنساء أمهات اليتامى أضيفت إليهن أولادهن اليتامى ، ويدل عليه أن الآية نزلت في قصة أم كحة ، وكانت لها يتامى .
ثم قال { اللاتى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ } قال ابن عباس : يريد ما فرض لهن من الميراث ، وهذا على قول من يقول : نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار ، وعلى قول الباقين المراد بقوله { مَا كُتِبَ لَهُنَّ } الصداق .
ثم قال تعالى : { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } قال أبو عبيدة : هذا يحتمل الرغبة والنفرة ، فإن حملته على الرغبة كان المعنى : وترغبون في أن تنكحوهن ، وإن حملته على النفرة كان المعنى : وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن . واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة ، ولا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد : وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن ، والدليل على صحة قولنا : أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر ، فخطبها المغيرة بن شعبة ورغب أمها في المال ، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قدامة : أنا عمها ووصي أبيها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنها صغيرة وإنها لا تزوج إلاّ بإذنها ، وفرق بينها وبين ابن عمر ، ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة ، وذلك لا يدل على الجواز .
ثم قال تعالى : { والمستضعفين مِنَ الولدان } وهو مجرور معطوف على يتامى النساء كانوا في الجاهلية لا يورثون الأطفال ولا النساء ، وإنما يورثون الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال والنساء . (5/400)
ثم قال تعالى : { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط } وهو مجرور معطوف على المستضعفين ، وتقدير الآية : وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً } يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء .
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)
اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل : (5/401)
المسألة الأولى : قال بعضهم : هذه الآية شبيهة بقوله { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } [ التوبة : 6 ] وقوله { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } [ الحجرات : 9 ] وهاهنا ارتفع { امرأة } بفعل يفسره { خافت } وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم .
المسألة الثانية : قال بعضهم : خافت أي علمت ، وقال آخرون : ظنت ، وكل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة ، بل المراد نفس الخوف إلاّ أن الخوف لا يحصل إلاّ عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف ، وتلك الأمارات هاهنا أن يقول الرجل لامرأته : إنك دميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة ، والبعل هو الزوج ، والأصل في البعل هو السيد ، ثم سمي الزوج به لكونه كالسيد للزوجة؛ ويجمع البعل على بعولة ، وقد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } [ البقرة : 228 ] والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه ، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض ، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها .
المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً : الأول : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها ، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة ، فقال الزوج : إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي . والثاني : أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلقها ، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة ، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها . والثالث : روي عن عائشة أنها قالت : نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها ، فتقول : أمسكني وتزوج بغيري ، وأنت في حل من النفقة والقسم .
المسألة الرابعة : قوله { نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما ، والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر والمداعاة والإيذاء ، وذلك لأن هذا الإعراض يدل دلالة قوية على النفرة والكراهة .
ثم قال تعالى : { فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يُصْلِحَا } بضم الياء وكسر اللام وحذف الألف من الإصلاح ، والباقون { يصالحا } بفتح الياء والصاد ، والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح ، ويصالحا في الأصل هو يتصالحا ، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد . ونظيره قوله { اداركوا فِيهَا }
[ الأعراف : 38 ] أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج وأدغمت في الدال ، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار اداركوا . (5/402)
إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ { يُصْلِحَا } فوجهه أن الاصلاح عند التنازع والتشاجر مستعمل قال تعالى : { فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } [ البقرة : 182 ] وقال { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } [ النساء : 114 ] ومن قرأ { يصالحا } وهو الاختيار عند الأكثرين قال : أن يصالحا معناه يتوافقا ، وهو أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله : فلا جناح عليهما أن صالحا ، وانتصب صلحاً في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال : تصالحا ، ولكنه ورد كما في قوله { والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً } [ نوح : 17 ] وقوله { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } [ المزمل : 8 ] وقول الشاعر :
وبعد عطائك المائة الرتاعا ... المسألة الثانية : الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقاً له ، وحق المرأة على الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم ، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى ، أما الوطء فليس كذلك ، لأن الزوج لا يجبر على الوطء .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة ، أو أسقطت عنه القسم ، وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها ، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزاً .
ثم قال تعالى : { والصلح خَيْرٌ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه .
وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فهاهنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى ، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة ، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله { والصلح خَيْرٌ } على الاستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق ، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى ، فاندفع استدلالهم والله أعلم .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» : هذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } إلاّ أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود .
المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر أولاً قوله { فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا } فقوله { لاَّ جُنَاحَ } يوهم أنه رخصة ، والغاية فيه ارتفاع الإثم ، فبيّن تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة ، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض ، أما قوله تعالى : { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } .