صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً } [ النساء : 69 ] واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : القبح في العقول ، وفي الشرائع وفي العادات ، فقوله : { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } إشارة إلى القبح العقلي ، وقوله : { وَمَقْتاً } إشارة إلى القبح الشرعي ، وقوله : { وَسَاء سَبِيلاً } إشارة إلى القبح ، في العرف والعادة ، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح والله أعلم .
النوع السادس : من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات .

(5/131)


حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت } .
اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان : سبعة منهن من جهة النسب ، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت . وسبعة أخرى لا من جهة النسب : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ، وأزواج الابناء والآباء ، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا ، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة ، والجمع بين الأختين . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال : لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات ، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الاعيان ، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال ، وذلك الفعل غير مذكور في الآية ، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات ، أولى من بعض ، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه .
والجواب عنه من وجهين : الأول : أن تقديم قوله تعالى : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } [ النساء : 22 ] يدل على أن المراد من قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } تحريم نكاحهن . الثاني : أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن ، والأصل فيه أن الحرمة والاباحة إذا أضيفتا إلى الاعيان ، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف ، فاذا قيل : حرمت عليكم الميتة والدم ، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما ، وإذا قيل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن ، ولما قال عليه الصلاة والسلام : « لا يحل دم امرىء مسلم إلا لاحدى معان ثلاث » فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه . وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية ، فكانت في غاية الركاكة ، والله أعلم .
بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى : أحدها : أن قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } مذكور على ما لم يسم فاعله ، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى ، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر ، ولا سبيل اليه إلا بالاجماع ، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا ، بل لا بد معها من الاجماع على هذه المقدمة ، وثانيها : أن قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد ، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه الى المؤبد ، والى المؤقت ، كأنه تعالى تارة قال : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الى الوقت الفلاني فقط ، وأخرى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا ، واذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين ، لم يكن نصا في التأييد ، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية ، بل من دلالة منفصلة ، وثالثها : أن قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين ، فاثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل ، ورابعها : أن قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي ، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل ، وخامسها : أن ظاهر قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة ، وبنته خاصة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر ، وسادسها : أن قوله : { حرمات } يشعر ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله : { حرمات } تحريماً لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال ، فثبت أن المراد من قوله : { حرمات } ليس تجديد التحريم حتى يلزم الاشكال المذكور ، بل المراد الاخبار عن حصول التحريم ، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب ، والله أعلم .

(5/132)


المسألة الثانية : اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الالهية ، بل ان زرداشت رسول المجوس قال بحله ، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا . أما نكاح الاخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام ، وإنما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة ، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك ، وقال : انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد ، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة ، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط ، وذلك بالاجماع باطل . وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم : أن الوطء إذلال وإهانة ، فان الانسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي ، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره ، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام ، فوجب صونها عن هذا الاذلال ، والبنت بمنزلة جزء من الانسان وبعض منه ، قال عليه الصلاة والسلام : « فاطمة بضعة مني » فيجب صونها عن هذا الاذلال ، لأن المباشرة معها تجري مجرى الاذلال ، وكذا القول في البقية والله أعلم . ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول :
النوع الأول : من المحرمات : الأمهات ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر :

(5/133)


أمهتى خندف والياس أبي ... وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي :
كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا
المسألة الثانية : كل امرأة رجع نسبك اليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات ، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك . ثم ههنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية ، فأما في الجدات فامإ أن يكون حقيقة أو مجازا ، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات ، فإما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا ، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بازاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات ، وأما إن كان لفظ الام مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات ، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا؟ فمن جوزه حمل اللفظ ههنا على الكل ، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه ، ومن قال : لا يجوز ، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع : أحدهما : أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به ههنا الأم الأصلية ، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه ، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص ، بل من الاجماع . والثاني : أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين ، يريد في كل مرة مفهوما آخر ، أما إذا قلنا : لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات ، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا ، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية ، وفي الجدات .
المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه . حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة ، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } [ النور : 2 ] إنما قلنا : إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية : تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود ليس إلا صيغة الايجاب والقبول ، فلو حصل هذا الانعقاد ، فإما أن يقال : إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل ، لأن صيغة الايجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى ، والقبول لا يوجد إلا بعد الايجاب ، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال . والثاني : باطل ، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا ، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع ، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا؟ فثبت أن وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة ، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم .

(5/134)


النوع الثاني : من المحرمات : البنات ، وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات ، باناث أو بذكور فهي بنتك ، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات .
المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني . وقال أبو حنيفة : تحرم . حجة الشافعي أنها ليست بنتاً له فوجب أن لا تحرم ، إنما قلنا : إنها ليست بنتا لوجوه : الأول : أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة ، وهي كونها مخلوقة من مائه ، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب ، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا ، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد ، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال : لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق ، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق ، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد ، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه ، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة ، وأما إذا قلنا : النسب إنما يثبت بحكم الشرع ، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب ، فثبت أن انتسابها اليه غير ممكن ، لا بناء على الحقيقة ، ولا بناء على حكم الشرع .
الوجه الثاني : التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » فقوله : الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش .
الوجه الثالث : لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث لقوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } [ النساء : 11 ] ولثبتت له ولاية الاجبار ، لقوله عليه السلام : « زوجوا بناتكم الاكفاء » ولوجب عليه نفقتها وحضانتها ، ولحلت الخلوة بها ، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية ، وإذا ثبت أنها ليست بنتاً له وجب أن يحل التزوج بها ، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية ، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة ، وهذا الحصر ثابت بالاجماع . والبنتية باطلة كما ذكرنا ، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة ، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم .

(5/135)


النوع الثالث : من المحرمات : الأخوات : ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا ، والأخوات من الأب فقط ، والأخوات من الأم فقط .
النوع الرابع والخامس : العمات والخالات . قال الواحدي رحمه الله : كل ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك ، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك ، وكل أنثى رجع نسبك اليها بالولادة فأختها خالتك ، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك .
النوع السادس والسابع : بنات الأخ وبنات الأخت : والقول في بنات الأخ وبنات الأخت كالقول في بنات الصلب . فهذه الأقسام السبعة محرمة في نص الكتاب بالانساب والارحام . قال المفسرون : كل امرأة حرم الله نكاحها للنسب والرحم ، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه ، وأما اللواتي يحل نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارىء ، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية .
النوع الثامن والتاسع :
قوله تعالى : { وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ الرضاعة } .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : المرضعات سماهن أمهات لأجل الحرمة ، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في قوله : { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] لأجل الحرمة .
المسألة الثانية : أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات ، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أماً ، والمرضعة أختا ، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب ، وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا : اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة ، وهما الأمهات والبنات ، وخمس منها بطريق الأخوة ، وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت ، ثم أنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي ، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات ، ومن قسم قرابة الاخوة الأخوات ، ونبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب ، ثم انه عليه السلام أكد هذا البيان بصريح قوله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية ، وهذا بيان لطيف .
المسألة الثالثة : أم الأنسان من الرضاع هي التي أرضعته ، وكذلك كل امرأة انتسبت الى تلك المرضعة بالأمومة ، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع ، والحال في الأب كما في الأم ، واذا عرفت الأم والأب فقد عرفت البنت أيضا بذلك الطريق ، وأما الأخوات فثلاثة : الأولى أختك لأبيك وأمك ، وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك ، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك ، والثانية أختك لأبيك دون أمك ، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك ، والثالثة أختك لأمك دون أبيك ، وهي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر ، واذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت .

(5/136)


المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة الله عليه : الرضاع يحرم بشرط أن يكون خمس رضعات ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : الرضعة الواحدة كافية ، وقد مرت هذه المسألة في سورة البقرة ، واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية فقال : انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والاخوة بفعل الرضاع ، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم ، ثم سأل نفسه فقال : ان قوله تعالى : { وأمهاتكم الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } بمنزلة قول القائل : وأمهاتكم اللاتي أعطينكم ، وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع ، بل لو أنه تعالى قال : اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا .
وأجاب عنه بأن قال : الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة ، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به ، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة ، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل الى ابن عمر رضي الله عنهما فقال : قال ابن الزبير : لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين ، فقال ابن عمر : قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير ، قال الله تعالى : { وأخواتكم مّنَ الرضاعة } قال : فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل .
واعلم أن هذا الجواب ركيك جداً ، أما قوله : ان اسم الأمومة إنما جاء من فعل الرضاع فنقول : وهل النزاع الا فيه ، فإن عندي أن اسم الأمومة إنما جاء من الرضاع خمس مرات ، وعندك إنما جاء من أصل الرضاع ، وأنت إنما تمسكت بهذه الآية لاثبات هذا الأصل ، فاذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت قد أثبت الدليل بالمدلول وإنه دور وساقط ، وأما التمسك بأن ابن عمر فهم من الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع ، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما فهمه منه ، وكان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة ومن العلماء بلسان العرب ، فكيف جعل فهم أحدهما حجة ولم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه . ولولا التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات ، ثم ان أبا بكر الرازي أخد يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث والأقيسة ، ومن تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية ، فأما ما سوى ذلك فانما يليق بكتب الفقه .
النوع العاشر : من المحرمات .
قوله تعالى : { وأمهات نِسَائِكُمْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما بينا مثله في النسب .

(5/137)


المسألة الثانية : مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل ، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها ، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر ، وأظهر الروايات عن ابن عباس ، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله : { وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ } ثم ذكر شرطا وهو قوله : { مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا ، وحجة القول الأول أن قوله تعالى : { وأمهات نِسَائِكُمْ } جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه ، فوجب القول ببقائه على عمومه ، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه : الأول : وهو أن الشرط لا بد من تعليقه بشيء سبق ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية ، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل ، وانه لا يجوز . الثاني : وهو أن عموم هذه الجملة معلوم ، وعود الشرط اليه محتمل ، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصاً بالجملة الأخيرة فقط ، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا ، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك ، وانه لا يجوز . الثالث : وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى ، فاما أن يكون مقصورا عليها ، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضاً ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا ، وذلك باطل بالاجماع ، والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة «من» ههنا التمييز ثم يقول : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة «من» ههنا ابتداء الغاية كما يقول : بنات الرسول من خديجة ، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال : إن كلمة «من» للاتصال كقوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] وقال عليه الصلاة والسلام : " ما أنا من دد ولا الدد مني " ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا .
الوجه الرابع : في الدلالة على ما قلناه : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، واذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت " وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث . وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة ، فاتفق أن ذهب الى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه ، فلما رجع الى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة . وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال : الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فإن طلقها قبل الدخول تزوج أمها ، وإن ماتت لم يتزوج أمها ، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم ، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة ، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة ، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم .

(5/138)


النوع الحادي عشر : من المحرمات .
قوله تعالى : { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الربائب : جمع رَبيبَة ، وهي بنتُ امرأة الرجل من غيره ، ومعناها مَرْبوبَة ، لأن الرجل هو يربها يقال : ربيت فلانا أربه : وربيته أربيه بمعنى واحد ، والحجور جمع حجر ، وفيه لغتان قال ابن السِّكِّيْت : حجر الانسان وحجره بالفتح والكسر ، والمراد بقوله : { فِى حُجُورِكُمْ } أي في تربيتكم ، يقال : فلان في حجر فلان اذا كان في تربيته ، والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره ، فصار الحجر عبارة عن التربية ، كما يقال : فلان في حضانة فلان ، وأصله من الحضن الذي هو الابط ، وقال أبو عبيدة : في حجوركم أي في بيوتكم .
المسألة الثانية : روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي الله عنه أنه قال : الربيبة اذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر ، ثم فارق الأم بعد الدخول فانه يجوز له أن يتزوج الربيبة ، ونقل أنه رضوان الله عليه احتج على ذلك بأنه تعالى قال : { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ } شرط في كونها ربيبة له ، كونها في حجره ، فاذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط ، فوجب أن لا تثبت الحرمة ، وهذا استدلال حسن . وأما سائر العلماء فانهم قالوا : إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم تكن ، والدليل عليه قوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول ، وهذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح هو مجرد الدخول . وأما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن بنت زوجة الانسان تكون في تربيته ، فهذا الكلام على الأعم ، لا أن هذا القيد شرط في حصول هذا التحريم .
المسألة الثالثة : تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة بقوله تعالى : { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتى فِى حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } قال : لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو سفاحا ، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت ، وهذا الاستدلال في نهاية الضعف ، وذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين : الأول : أن هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها والمزني بها ليست كذلك ، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين : الأول : أن قوله : { مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على دخوله بها ، والثاني : أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها ، وإلى من لا تكون كذلك ، بدليل قوله : { فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } وإذا كان نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير للدخول بها ، وأما بيان أن المزنية ليست كذلك ، فذلك لأن في النكاح صارت المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها ، أما في الزنا فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه ، فثبت بهذا أن المزنية غير داخلة في هذه الآية . الثاني : لو أوصى لنساء فلان ، لا تدخل هذه الزانية فيهن ، وكذلك لو حلف على نساء بني فلان ، لا يحصل الحنث والبر بهذه الزانية ، فثبت ضعف هذا الاستدلال والله أعلم .

(5/139)


النوع الثاني عشر : من المحرمات .
قوله تعالى : { وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي -رحمه الله- : لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه يجوز ، احتج الشافعي فقال : جارية الابن حليلة ، وحليلة الابن محرمة على الأب ، أما المقدمة الأولى فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول : الحليلة فعيلة فتكون بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول ، ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو الاباحة ، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة ، ولا شك أن الجارية كذلك فوجب كونها حليلة له . الثاني : أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول ، فالحليلة عبارة عن شيء يكون محل الحلول ، ولا شك أن الجارية موضع حلول السيد ، فكانت حليلة له ، أما إذا قلنا : الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضاً : الأول : أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد وفي لحاف واحد وفي منزل واحد ولا شك أن الجارية كذلك . الثاني : ان كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه لشدة ما بينهما من المحبة والالفة ، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة ، وأما المقدمة الثانية وهي أن حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى : { وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين } لا يقال : إن أهل اللغة يقولون : حليلة الرجل زوجته لأنا نقول : إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية ، فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه . فكيف وهو شهادة على النفي؟ فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة ، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة والجارية ، فقول من يقول : إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه .

(5/140)


المسألة الثانية : قوله : { الذين مِنْ أصلابكم } احترازاً عن المتبني ، وكان المتبني في صدر الاسلام بمنزلة الابن ، ولا يحرم على الانسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه ، نكح الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة ، فقال المشركون : إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل الله تعالى : { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } [ الأحزاب : 4 ] وقال : { لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } [ الأحزاب : 37 ]
المسألة الثالثة : ظاهر قوله : { وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم } لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة ، فلما قال في آخر الآية : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع ، إلا أنه عليه السلام قال : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } يتناول الرضاع وغير الرضاع ، فكان قوله : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أخص منه ، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم .
المسألة الرابعة : اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد ، وذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن ، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن . أما ما روي ان ابن عباس سئل عن قوله : { وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم } أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها . أو غير مخصوص بذلك ، فقال ابن عباس : أبهموا ما أبهمه الله ، فليس مراده من هذا الابهام كونها مجملة مشتبهة ، بل المراد من هذا الابهام التأييد . ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب : انها من المبهمات ، أي من اللواتي تثبت حرمتهن على سبيل التأبيد ، فكذا ههنا ، والله أعلم .
المسألة الخامسة : اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجَدّ ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صُلْب الجَدّ ، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة .
النوع الثالث عشر : من المحرمات .
قوله تعالى : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } في الآية مسائل :

(5/141)


المسألة الأولى : قوله : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين } في محل الرفع ، لأن التقدير : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين .
المسألة الثانية : الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه : إما أن ينكحهما معا ، أو يملكهما معاً ، أو ينكح إحداهما ويملك الاخرى ، أما الجمع بين الأختين في النكاح . فذلك يقع على وجهين : أحدهما : أن يعقد عليهما جميعا ، فالحكم ههنا : إما الجمع ، أو التعيين ، أو التخيير ، أو الابطال ، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا ، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه ، لأن الحرمة لا تقتضي الابطال على قول أبي حنيفة ، ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله ، ثم انه يقع ، وكذا النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد ، وكذا القول في جميع المبايعات الفاسدة ، فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على قوله .
فان قالوا : وهذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض وفي طهر جامعها فيه منهيٌ عنه ، ثم انه يقع .
قلنا : بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات ، فمن أراده فليطلب ذلك الكتاب ، فثبت أن الجمع باطل . وأما أن التعيين أيضا باطل ، فلأن الترجيح من غير مرجح باطل ، وأما أن التخيير أيضا باطل ، فلأن القول بالتخيير يقتضي حصول العقد وبقاءه إلى أوان التعيين . وقد بينا بطلانه ، فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا .
الصورة الثانية : من صور الجمع : وهي أن يتزوج إحداهما ، ثم يتزوج الأخرى بعدها ، فههنا يحكم ببطلان نكاح الثانية ، لأن الدفع أسهل من الرفع ، وأما الجمع بين الأختين بملك اليمين ، أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى ، فقد اختلفت الصحابة فيه ، فقال علي وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر : لا يجوز الجمع بينهما : والباقون جوزوا ذلك . أما الأولون فقد احتجوا على قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا ، فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه ، وعن عثمان أنه قال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، والتحليل أولى ، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله : { والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } [ النساء : 24 ] وقوله : { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المؤمنون : 6 ] .
والجواب عنه من وجهين : الأول : أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا ، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في حل الوطء ، فنقول : لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في الوطء لقوله تعالى : { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون * إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المعارج : 29 30 ] لكنه لا يجوز الجمع بينهما في الملك ، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما في الملك ، أولى من أن تكون دالة على الجواز .

(5/142)


الوجه الثاني : إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع ، لكن نقول : الترجيح لجانب الحرمة ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : « ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال » الثاني : أنه لا شك أن الاحتياط في جانب الترك فيجب ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » الثالث : أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة ، بدليل أنه إذا استوت الامارات في حصول العقد مع شرائطه وفي عدمه وجب القول بالحرمة ، ولأن النكاح مشتمل على المنافع العظيمة ، فلو كان خاليا عن جهة الاذلال والضرر ، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع اليهن مندوب لقوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } [ البقرة : 83 ] ولما كان ذلك محرما علمنا اشتماله على وجه الاذلال والمضارة ، وإذا كان كذلك كان الأصل فيه هو الحرمة ، والحل إنما ثبت بالعارض ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان لجانب الحرمة ، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي الله عنه في هذا الباب . أما إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء ، وهو أنه يجوز الجمع بين أمتين أختين في ملك اليمين ، فاذا وطىء إحداهما حرمت الثانية ، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج .
المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز ، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا يجوز . حجة الشافعي : أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع ، إنما قلنا : إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل ، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها ، ولو وطئها يلزمه الحد ، وإنما قلنا : انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع ، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } [ النساء : 24 ] ولا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع ، إلا كونه جمعا بين أختين ، فاذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز .
فان قيل : النكاح باق من بعض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها .
قلنا : النكاح له حقيقة واحدة ، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا ، بل لو انقسمت هذه الحقيقة الى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما صح ذلك ، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا . وأما وجوب العدة ولزوم النفقة ، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها ، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح؛ لأن استثناء عين التالي لا ينتج ، فبالجملة : فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة ، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه ، فذلك مما لا يقبله العقل ، وتخريج أحكام الشرع على وفق العقول ، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول ، والله أعلم .

(5/143)


المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة الله عليه : إذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن كان قد تزوج بهما دَفعةً واحدةً فرق بينه وبينهما ، وان كان قد تزوج باحداهما أولا وبالأخرى ثانيا ، اختار الأولى وفارق الثانية ، واحتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين } قال : هذا خطاب عام فيتناول المؤمن والكافر ، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا ، لأن النهي يدل على الفساد . فيقال له : انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على الفساد ، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين ، فان قال : فهما صحيحان على قولكم : فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول : قولنا : الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا ، فانه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الاسلام ، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالاجماع ، بل المراد منه أحكام الآخرة ، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الاسلام كما يعاقب على ترك الاسلام ، إذا عرفت هذا فنقول : أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي ولا شهود ، أو تزوج بها على سبيل القهر ، فبعد الاسلام يقر ذلك النكاح في حقه ، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر ، وحجة الشافعي : أن فيروزاً الديلمي أسلم على ثمان نسوة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « اختر أربعا وفارق سائرهن » خيره بينهن ، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب والله أعلم .
المسألة الخامسة : قوله تعالى : { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } فيه الاشكال المشهور : وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف ، وهذا يقتضي استنثاء الماضي من المستقبل ، وإنه لا يجوز ، وجوابه بالوجوه المذكورة في قوله : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ مَا سَلَفَ } والمعنى أن ما مضى مغفور بدليل قوله : { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } ؟
النوع الرابع عشر : من المحرمات .

(5/144)


وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)

قوله تعالى : { والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } .
فيه مسائل :
المسألة الأولى : الاحصان في اللغة المنع ، وكذلك الحصانة ، يقال : مدينة حصينة ودرع حصينة ، أي مانعة صاحبها من الجراحة . قال تعالى : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } [ الأنبياء : 80 ] معناه لتمنعكم وتحرزكم ، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء ، والحصان بالكسر الفرس الفحل ، لمنعه صاحبه من الهلاك ، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد ، قال تعالى : { وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } [ التحريم : 12 ] .
واعلم أن لفظ الاحصان جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الحرية كما في قوله تعالى : { والذين يَرْمُونَ المحصنات } [ النور : 4 ] يعني الحرائر ، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين ، وكذلك قوله : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب } يعني الحرائر ، وكذلك قوله : { محصنات غَيْرَ مسافحات } [ النساء : 25 ] وقوله : { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } وقوله : { والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } [ الأنبياء : 91 ] أي أعفته ، وثالثها الاسلام : من ذلك قوله : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } قيل في تفسيره : اذا أسلمن ، ورابعها : كون المرأة ذات زوج يقال : امرأة محصنة اذا كانت ذات زوج ، وقوله : { والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } يعني ذوات الأزواج ، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات ، فلا بد وأن يكون الاحصان سببا للحرمة ، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا تأثير له في ذلك ، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة ، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير .
واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللُّغَويّ ، وهو المَنْع ، وذلك لأنا ذكرنا أن الاحصان عبارة عن المنع ، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه ، والعفة أيضا مانعة للانسان عن الشروع فيما لا ينبغي ، وكذلك الاسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة ، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور ، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « من تزوج فقد حصن ثلثي دينه » فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم .
المسألة الثانية : قال الواحديّ : اختلف القُراء في { المحصنات } فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فانهم أجمعوا على الفتح فيها ، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني : أسلمن واخترن العفاف ، وتزوجن وأحسن أنفسهن بسبب هذه الأمور . ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن ، يعني أحصنهن أزواجهن ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قال الشافعي- رحمة الله عليه- : الثَّيّب الذمي إذا زنى يُرْجَم ، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه- : لا يرجم . حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الاحصان وذلك علة لاباحة الدم ، فوجب أن يثبت إباحة الدم ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم . أما قولنا : حصل الزنا مع الاحصان ، فهذا يعتمد اثبات قيدين : أحدهما : حصول الزنا ولا شك فيه . الثاني : حصول الاحصان وهو حاصل ، لأن قوله تعالى : { والمحصنات مِنَ النساء } يدل على أن المراد من المحصنة : المزوجة ، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة ، فثبت أنه حصل الزنا مع الاحصان ، وإنما قلنا : ان الزنا مع الاحصان علة لاباحة الدم لقوله عليه الصلاة والسلام :

(5/145)


« لا يحل دم امرىء مسلم الا لاحدى معان ثلاثة » ومنها قوله : « وزنا بعد إحصان » جعل الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم في حق المسلم ، والمسلم محل لهذا الحكم ، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الإحصان ، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه . أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم ، أن الزنا بعد الإحصان علة لاباحة الدم ، إلا أن كونه مسلما محل الحكم ، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل ، والا لبطل القياس بالكلية . وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل ، وهي ماهية الزنا بعد الاحصان ، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي ، وجب أن يحصل في حقه اباحة الدم ، فثبت أنه مباح الدم . ثم ههنا طريقان : ان شئنا اكتفينا بهذا القدر ، فانا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به ، فصار محجوجا ، أو نقول : لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق .
فان قيل : ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن ، فههنا ما يدل على أنه غير محصن ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « من أشرك بالله فليس بمحصن » .
قلنا : ثبت بالدليل الذي ذكرناه ان الذمي محصن ، وثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن ، فنقول : إنه محصن بمعنى أنه لعله ذو زوج ، وغير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفه ، وقوله : من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه ، لا على أنه لا يحد على الزنا ، لأنه وصفه بوصف الشرك وذلك جناية ، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة ، وقولنا : انه لا يحد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة ، أما قولنا : لا يحد على الزنا ، لا يصلح أن يكون عقوبة له ، فكان المراد من قوله : من أشرك بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم .
المسألة الرابعة : في قوله : { والمحصنات مِنَ النساء } قولان : أحدهما : المراد منها ذوات الأزواج ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } وجهان : الأول : أن المرأة اذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها ، إلا اذا صارت ملكا لانسان فانها تحل للمالك ، الثاني : أن المراد بملك اليمين ههنا ملك النكاح ، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا اذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البنيوية بينهن وبين أزواجهن ، والمقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد ، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة ، وعبر عن ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح وفي الملك .

(5/146)


القول الثاني : أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النساء : 25 ] ذكر ههنا المحصنات ثم قال بعده : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات } كان المراد بالمحصنات ههنا ما هو المراد هناك ، ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر ، فكذا ههنا . وعلى هذا التقدير ففي قوله : { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } وجهان : الأول : المراد منه إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع ، فصار التقدير : حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع ، الثاني : الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن ، وذلك عند حضور الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة ، فهذا الأول في تفسير قوله : { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } هو المختار ، ويدل عليه قوله تعالى : { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون * إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المعارج : 29 30 ] جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها ، فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك ، لأن تفسير كلام الله تعالى بكلام الله أقرب الطرق الى الصدق والصواب ، والله أعلم .
المسألة الخامسة : اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الأخر وأخرج إلى دار الاسلام وقعت الفرقة . أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي الله عنه : ههنا تزول الزوجية ، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها ، أو بالحيض . وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا تزول . حجة الشافعي رضي الله عنه أن قوله : { والمحصنات مِنَ النساء } يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله : { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة ويحصل الحل ، قال أبو بكر الرازي : لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فيقال له : كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي ، وأيضا : فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها ، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى ، فظهر الفرق .
المسألة السادسة : مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق ، وعليه إجماع الفقهاء اليوم ، وقال أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس : إنها إذا بيعت طلقت . حجة الجمهور : أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مزوجة ، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة . ومنهم من روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :

(5/147)


" بيع الأمة طلاقها " وحجة أبي كعب وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله : { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله : { كتاب الله عَلَيْكُمْ } وفيه وجهان : الأول : أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } يدل على معنى الكتبة فالتقدير : كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله } [ النمل : 88 ] الثاني : قال الزجاج : ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر ، ويكون «عليكم» مفسرا له فيكون المعنى : الزموا كتاب الله .
ثم قال : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وَأُحِلَّ لَكُمْ } على ما لم ُيسَمَّ فاعِلُه ، عطفا على قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على { كتاب الله } يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها .
المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر قوله تعالى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة . إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها .
الصنف الأول : لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " وهذا خبر مشهور مستفيض ، وربما قيل : إنه بلغ مبلغ التواتر ، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة ، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة ، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن ، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز . الثاني : من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال : بم تحكم؟ قال بكتاب الله ، قال : فان لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة ، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب ، وأيضا فانه قال : فان لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة «إن» وهي للاشتراط ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط .

(5/148)


الثالث : أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه » فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد إلا عند موافقة الكتاب ، فاذا كان خبر العمة والخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده . الرابع : أن قوله تعالى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } مع قوله عليه السلام : لا تنكح المرأة على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه : إما أن يقال : الآية نزلت بعد الخبر ، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد الخاص كان العام ناسخا للخاص ، وإما أن يقال : الخبر ورد بعد الكتاب ، فهذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، وإما أن يقال : وردا معا ، وهذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة ، ويكون موضع الحجة مجموع الآية مع الخبر ، ولا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير الشبهة ولا يسعى في تشهير الحجة ، فكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر ، وأن يوجب إيجابا ظاهرا على جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر ، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم .
الوجه الخامس : أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا ، إلا أن التمسك بالآية راجح على التمسك بالخبر . وبيانه من وجهين : الأول : أن قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } نص صريح في التحليل كما أن قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } نص صريح في التحريم . وأما قوله : « لا تنكح المرأة على عمتها » فليس نصا صريحا لأن ظاهره إخبار ، وحمل الاخبار على النهي مجاز ، ثم بهذا التقدير فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الاحلال على معنى الاباحة . الثاني : أن قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات ، وقوله : « لا تَنْكِحَ المرأة على عمتها » ليس صريحا في العموم ، بل احتماله للمعهود السابق أظهر .
الوجه السادس : أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا ، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا ، وذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين ، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب .
والجواب على وجوه : الأول : ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم ، وهو أن قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يقتضى إثبات الحل على سبيل التأبيد ، وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأبيد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد التأبيد : أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد ، فيقال تارة : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أبداً ، وأخرى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إلى الوقت الفلاني ، ولو كان قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } صريحا في التأييد لما كان هذا التقسيم ممكنا ، ولأن قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الاحلال أعم من الاحلال المؤبد ومن الاحلال المؤقت ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والاثبات ، وقد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له ، فهذا وجه حسن معقول مقرر . وبهذا الطريق نقول أيضا : إن قوله :

(5/149)


{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } [ النساء : 23 ] ليس نصا في تأبيد هذا التحريم ، وإن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، لا من هذا اللفظ ، فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الموضع .
الوجه الثاني : انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها غير مذكورة في الآية وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى حرم الجمع بين الأختين ، وكونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة ، والقرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة والشفقة والكرامة ، وكون إحداهما ضرة الأخرى يوجب الوحشة العظيمة والنفرة الشديدة ، وبين الحالتين منافرة عظيمة ، فثبت أن كونها أختاً لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح ، وقد ثبت في أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له ، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين } [ النساء : 23 ] يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح ، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها ، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة ، بل ههنا أولى ، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت ، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة ، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة ، فكان قوله : { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين } مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى .

(5/150)


الثاني : أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال : { وأمهات نِسَائِكُمْ } [ النساء : 23 ] ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام : { نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل } [ البقرة : 133 ] فأطلق لفظ الأب على اسمعيل مع أنه كان عما ، وإذا كان العم أباً لزم أن تكون العمة أماً ، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش } [ يوسف : 100 ] والمراد أبوه وخالته ، فان أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت ، فثبت بما ذكرنا أن لفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، فكان قوله : { وأمهات نِسَائِكُمْ } متناولا للعمة والخالة من بعض الوجوه .
وإذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } المراد ما وراء هؤلاء المذكورات سواء كن مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية ، أو بدلالة خفية ، وإذا كان كذلك لم تكن العمة والخالة خارجة عن المذكورات .
الوجه الثالث : في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول : قوله تعالى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } عام ، وقوله : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» خاص ، والخاص مقدم على العام ، ثم ههنا طريقان : تارة نقول : هذا الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر ، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز ، وعندي هذا الوجه كالمكابرة ، لأن هذا الخبر وإن كان في غاية الشهرة في زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون من باب الآحاد . وتارة نقول : تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز ، وتقريره مذكور في الأصول ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، والمعتمد في الجواب عندنا الوجه الأول .
الصنف الثالث : من التخصيصات الداخلة في هذا العموم : أن المطلقة ثلاثا لا تحل ، إلا أن هذا التخصيص ثبت بقوله تعالى : { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } [ البقرة : 230 ] .
الصنف الرابع : تحريم نكاح المعتدة ، ودليله قوله تعالى : { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء } [ البقرة : 228 ] .
الصنف الخامس : من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة ، وهذا بالاتفاق . وعند الشافعي : القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة ، ودليل هذا التخصيص قوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النساء : 25 ] وسيأتي بيان دلالة هذه الآية على هذا المطلوب .
الصنف السادس : يحرم عليه التزوج بالخامسة ، ودليله قوله تعالى : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } [ النساء : 3 ]
الصنف السابع : الملاعنة : ودليله قوله عليه الصلاة والسلام : " المتلاعنان لا يجتمعان أبداً " . قوله تعالى : { أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } .
فيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { أَن تَبْتَغُواْ } في محله قولان : الأول : أنه رفع على البدل من «ما» والتقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم وأحل لكم أن تبتغوا ، على قراءة من قرأ ( وأحل ) بضم الألف . ومن قرأ بالفتح كان محل «أن تبتغوا» نصبا . الثاني : أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض كأنه قيل : لأن تبتغوا ، والمعنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوا بأموالكم وقوله : { مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } أي في حال كونكم محصنين غير مسافحين ، وقوله : { مُّحْصِنِينَ } أي متعففين عن الزنا ، وقوله : { غَيْرَ مسافحين } أي غير زانين ، وهو تكرير للتأكيد . قال الليث : السفاح والمسافحة الفجور ، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب يقال : دموع سوافح ومسفوحة ، قال تعالى :

(5/151)


{ أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } [ الانعام : 145 ] وفلان سفاح للدماء أي سفاك ، وسمي الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة .
فان قيل : أين مفعول تبتغوا؟
قلنا : التقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوهن ، أي تبتغوا ما وراء ذلكم ، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه والله أعلم .
المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا مهر أقل من عشرة دراهم ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد ، وهو الابتغاء بأموالهم ، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا ، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا .
فان قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال ، مع أنكم تجوزون كونها مهرا .
قلنا : ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية ، إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الاجماع على جوازه ، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية .
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز ، وليس فيها دلالة على أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز ، إلا على سبيل المفهوم ، وأنتم لا تقولون به . ثم نقول : الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه :
الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : { بأموالكم } مقابلة الجمع بالجمع ، فيقتضي توزع الفرد على الفرد ، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا ، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا الاسم سواء ، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من غير تقدير .
الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [ البقرة : 237 ] دلت الآية على سقوط النصف عن المذكور ، وهذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا يجب عليه إلا نصف درهم ، وأنتم لا تقولون به .
الحجة الثالثة : الأحاديث : منها ما روي أن امرأة جيء بها الى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تزوج بها رجل على نعلين ، فقال عليه الصلاة والسلام : « رضيت من نفسك بنعلين »

(5/152)


فقالت : نعم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ، والظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم ، فان مثل هذا الرجل والمرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر ، ونعل هذا الانسان يكون قليل القيمة جدا . ومنها ما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعام فقد استحل » ومنها ما روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن أراد التزوج بها : « التمس ولو خاتما من حديد » وذلك لا يساوي عشرة دراهم .
المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو تزوج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها ، ثم قال : اذا تزوج امرأة على خدمته سنة ، فان كان حراً لها مهر مثلها ، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة . وقال الشافعي رحمة الله عليه : يجوز جعل ذلك مهرا ، احتج أبو حنيفة على قوله بوجوه : الأول : هذه الآية وذلك أنه تعالى شرط في حصول الحل أن يكون الابتغاء بالمال ، والمال اسم للأعيان لا للمنافع ، الثاني : قال تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } [ النساء : 4 ] وذلك صفة الأعيان .
أجاب الشافعي عن الأول بأن الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز ، وليس فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا ، وعن الثاني : أن لفظ الايتاء كما يتناول الأعيان يتناول المنافع الملتزمة ، وعن الثالث : أنه خرج الخطاب على الأعم الأغلب ، ثم احتج الشافعي رضي الله عنه على جواز جعل المنفعة صداقا لوجوه :
الحجة الأولى : قوله تعالى في قصة شعيب : { إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ } [ القصص : 27 ] جعل الصداق تلك المنافع والأصل في شرع من تقدمنا البقاء الى أن يطرأ الناسخ .
الحجة الثانية : ان التي وهبت نفسها ، لما لم يجد الرجل الذي أراد أن يتزوج بها شيئا ، قال عليه الصلاة والسلام : « هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا ، قال زوجتكها بما معك من القرآن » والله أعلم .
المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي : دلت الآية على أن عتق الأمة لا يكون صداقا لها ، لأن الآية تقتضي كون البضع مالا ، وما روي أنه عليه السلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ، فذاك من خواص الرسول عليه السلام .
المسألة الخامسة : قوله : { مُّحْصِنِينَ } فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد أنهم يصيرون محصنين بسبب عقد النكاح ، والثاني : أن يكون الاحصان شرطا في الاحلال المذكور في قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } والأول أولى ، لأن على هذا التقدير تبقى الآية عامة معلومة المعنى ، وعلى هذا التقدير الثاني تكون الآية مجملة ، لأن الاحصان المذكور فيه غير مبين ، والمعلق على المجمل يكون مجملا ، وحمل الآية على وجه يكون معلوما أولى من حملها على وجه يكون مجملا .

(5/153)


قوله تعالى : { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } .
فيه مسائل :
المسألة الأولى : الاستمتاع في اللغة الانتفاع ، وكل ما انتفع به فهو متاع ، يقال : استمتع الرجل بولده ، ويقال فيمن مات في زمان شبابه : لم يتمتع بشبابه . قال تعالى : { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } [ الأنعام : 128 ] وقال : { أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِى حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا } [ الأحقاف : 20 ] يعني تعجلتم الانتفاع بها ، وقال : { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم } [ التوبة : 69 ] يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا . وفي قوله : { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } وجهان : الأول : فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن ، فآتوهن أجورهن عليه ، ثم أسقط الراجع إلى «ما» لعدم الالتباس كقوله : { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الامور } [ الشورى : 43 ] فأسقط منه . والثاني : أن يكون «ما» في قوله : { مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } بمعنى النساء و«من» في قوله : { مِنْهُنَّ } للتبعيض ، والضمير في قوله : { بِهِ } راجع إلى لفظ { مَا } لأنه واحد في اللفظ ، وفي قوله : { فآتوهن أجورهن } إلى معنى «ما» لأنه جمع في المعنى ، وقوله : { أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن ، قال تعالى : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } إلى قوله : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } [ النساء : 25 ] وهي المهور ، وكذا قوله : { فآتوهن أجورهن } ههنا ، وقال تعالى في آية أخرى : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } [ الممتحنة : 10 ] وإنما سمي المهر أجراً لأنه بدل المنافع ، وليس ببدل من الأعيان ، كما سمي بدل منافع الدار والدابة أجرا ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قال الشافعي : الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر . وقال أبو حنيفة تقرره . واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية لأن قوله : { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مشعر بأن وجوب إيتائهن مهورهن كان لأجل الاستمتاع بهن ، ولو كانت الخلوة الصحيحة مقررة للمهر كان الظاهر أن الخلوة الصحيحة تتقدم الاستمتاع بهن ، فكان المهر يتقرر قبل الاستمتاع ، وتقرره قبل الاستمتاع يمنع من تعلق ذلك التقرر بالاستمتاع ، والآية دالة على أن تقرر المهر يتعلق بالاستمتاع ، فثبت أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر .
المسألة الثالثة : في هذه الآية قولان : أحدهما : وهو قول أكثر علماء الأمة أن قوله : { أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم } المراد منه ابتغاء النساء بالأموال على طريق النكاح ، وقوله : { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فان استمتع بالدخول بها آتاها المهر بالتمام ، وإن استمتع بعقد النكاح آتاها نصف المهر .
والقول الثاني : أن المراد بهذه الآية حكم المتعة ، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين فيجامعها ، واتفقوا على أنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة ، فشكا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم طول العزوبة فقال :

(5/154)


« استمتعوا من هذه النساء » ، واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها صارت منسوخة ، وقال السواد منهم : إنها بقيت مباحة كما كانت وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين ، أما ابن عباس فعنه ثلاث روايات : احداها : القول بالاباحة المطلقة ، قال عمارة : سألت ابن عباس عن المتعة : أسفاح هي أم نكاح؟ قال : لا سفاح ولا نكاح ، قلت : فما هي؟ قال : هي متعة كما قال تعالى ، قلت : هل لها عدة؟ قال نعم عدتها حيضة ، قلت : هل يتوارثان؟ قال لا .
والرواية الثانية عنه : أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال ابن عباس : قاتلهم الله إني ما أفتيت باباحتها على الاطلاق ، لكني قلت : إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير له .
والرواية الثالثة : أنه أقر بأنها صارت منسوخة . روى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله : { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } قال صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } [ الطلاق : 1 ] وروي أيضا أنه قال عند موته : اللهم إني أتوب اليك من قولي في المتعة والصرف وأما عمران بن الحصين فانه قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا بها ، ومات ولم ينهنا عنه ، ثم قال رجل برأيه ما شاء . وأما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فالشيعة يروون عنه إباحة المتعة ، وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : لولا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلا شقي ، وروى محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية أن عليا رضي الله عنه مر بابن عباس وهو يفتي بجواز المتعة ، فقال أمير المؤمنين : إنه صلى الله عليه وسلم نهى عنها وعن لحوم الحمر الأهلية ، فهذا ما يتعلق بالروايات . واحتج الجمهور على حرمة المتعة بوجوه : الأول : أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة أو المملوكة لقوله تعالى : { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المعارج : 29 ، 30 ] وهذه المرأة لا شك أنها ليست مملوكة ، وليست أيضا زوجة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم } [ النساء : 12 ] وبالاتفاق لا توارث بينهما ، وثانيها : ولثبت النسب ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « الولد للفراش » وبالاتفاق لا يثبت ، وثالثها : ولوجبت العدة عليها ، لقوله تعالى : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا }

(5/155)


[ البقرة : 234 ] واعلم أن هذه الحجة كلام حسن مقرر .
الحجة الثانية : ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما ، ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد ، فالحال ههنا لا يخلو إما أن يقال : انهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا ، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة ، أو ما عرفوا إباحتها ولا حرمتها . فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك ، والأول هو المطلوب ، والثاني يوجب تكفير عمر ، وتكفير الصحابة لأن من علم أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم باباحة المتعة ، ثم قال : إنها محرمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر بالله ، ومن صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئا كافرا ، كان كافرا أيضا . وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضد قوله : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [ آل عمران : 110 ] .
والقسم الثالث : وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا ، فهذا أيضا باطل ، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح ، واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل ، ومثل هذا يمنع أن يبقى مخفيا ، بل يجب أن يشتهر العلم به ، فكما أن الكل كانوا عارفين بأن النكاح مباح ، وأن إباحته غير منسوخة ، وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك ، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الانكار على عمر رضي الله عنه لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الاسلام .
فان قيل : ما ذكرتم يبطل بما أنه روي أن عمر قال : لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته ، ولا شك أن الرجم غير جائز ، مع أن الصحابة ما أنكروا عليه حين ذكل ذلك ، فدل هذا على أنهم كانوا يسكتون عن الانكار على الباطل .
قلنا : لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد والزجر والسياسة ، ومثل هذه السياسات جائزة للامام عند المصلحة ، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام قال : « من منع منا الزكاة فانا آخذوها منه وشطر ماله » ثم أن أخذ شطر المال من مانع الزكاة غير جائز ، لكنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للمبالغة في الزجر ، فكذا ههنا والله أعلم .
الحجة الثالثة على أن المتعة محرمة : ما روى مالك عن الزهري عن عبدالله والحسن ابني محمد ابن علي عن أبيهما عن علي : أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الانسية . وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال : غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول :

(5/156)


« يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا وإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً » وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « متعة النساء حرام » وهذه الأخبار الثلاثة ذكرها الواحدي في البسيط ، وظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا ، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ ، ومجرد النكاح ليس كذلك ، أما القائلون باباحة المتعة فقد احتجوا بوجوه .
الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية أعني قوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن } وفي الاستدلال بهذه الآية طريقان :
الطريق الأول : أن قول : نكاح المتعة داخل في هذه الآية ، وذلك لأن قوله : { أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم } يتناول من ابتغى بماله الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأييد ، ومن ابتغى بماله على سبيل التأقيت ، وإذا كان كل واحد من القسمين داخلا فيه كان قوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم } يقتضي حل القسمين ، وذلك يقتضي حل المتعة .
الطريق الثاني : أن نقول : هذه الآية مقصورة على بيان نكاح المتعة ، وبيانه من وجوه : الأول : ما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فآتوهن أجورهن } وهذا أيضا هو قراءة ابن عباس ، والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة ، فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة ، وتقريره ما ذكرتموه في أن عمر رضي الله عنه لما منع من المتعة والصحابة ما أنكروا عليه كان ذلك إجماعا على صحة ما ذكرنا ، وكذا ههنا ، واذا ثبت بالاجماع صحة هذه القراءة ثبت المطلوب . الثاني : أن المذكور في الآية إنما هو مجرد الابتغاء بالمال ، ثم انه تعالى أمر بايتائهن أجورهن بعد الاستمتاع بهن ، وذلك يدل على أن مجرد الابتغاء بالمال يجوز الوطء ، ومجرد الابتغاء بالمال لا يكون إلا في نكاح المتعة ، فأما في النكاح المطلق فهناك الحل إنما يحصل بالعقد ، ومع الولي والشهود ، ومجرد الابتغاء بالمال لا يفيد الحل ، فدل هذا على أن هذه الآية مخصوصة بالمتعة . الثالث : أن في هذه الآية أوجب إيتاء الأجور بمجرد الاستمتاع ، والاستمتاع عبارة عن التلذذ والانتفاع ، فأما في النكاح فايتاء الأجور لا يجب على الاستمتاع ألبتة ، بل على النكاح ، ألا ترى أن بمجرد النكاح يلزم نصف المهر ، فظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا ، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ . ومجرد النكاح ليس كذلك . الرابع : أنا لو حملنا هذه الآية على حكم النكاح لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة ، لأنه تعالى قال في أول هذه السورة : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } [ النساء : 3 ] ثم قال : { وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً }

(5/157)


[ النساء : 4 ] أما لو حملنا هذه الآية على بيان نكاح المتعة كان هذا حكما جديدا ، فكان حمل الآية عليه أولى والله أعلم .
الحجة الثانية على جواز نكاح المتعة : أن الأمة مجمعة على أن نكاح المتعة كان جائزا في الاسلام ، ولا خلاف بين أحد من الأمة فيه ، إنما الخلاف في طريان الناسخ ، فنقول : لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ إما أن يكون معلوما بالتواتر ، أو بالآحاد ، فان كان معلوما بالتواتر ، كان علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب تكفيرهم ، وهو باطل قطعا ، وإن كان ثابتا بالآحاد فهذا أيضا باطل ، لأنه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوما بالاجماع والتواتر ، كان ثبوته معلوما قطعا ، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعاً للمقطوع وإنه باطل . قالوا : ومما يدل أيضا على بطلان القول بهذا النسخ أن أكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر ، وأكثر الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح ، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر ، وذلك يدل على فساد ما روي أنه عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر ، لأن الناسخ يمتنع تقدمه على المنسوخ ، وقول من يقول : انه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف ، لم يقل به أحد من المعتبرين ، إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات .
الحجة الثالثة : ما روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر : متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا أنهي عنهما : متعة الحج ، ومتعة النكاح ، وهذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله : وأنا أنهي عنهما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما نسخه ، وإنما عمر هو الذي نسخه . وإذا ثبت هذا فنقول : هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه عليه السلام ما نسخه ، وأنه ليس ناسخ الا نسخ عمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا لأن ما كان ثابتا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وما نسخه الرسول ، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ عمر ، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال : ان الله أنزل في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء ، يريد أن عمر نهى عنها ، فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة .
والجواب عن الوجه الأول أن نقول : هذه الآية مشتملة على أن المراد منها نكاح المتعة وبيانه من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى ذكر المحرمات بالنكاح أولا في قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم } ثم قال في آخر الآية : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } فكان المراد بهذا التحليل ما هو المراد هناك بهذا التحريم ، لكن المراد هناك بالتحريم هو النكاح ، فالمراد بالتحليل ههنا أيضا يجب أن يكون هو النكاح . الثاني : أنه قال : { مُّحْصِنِينَ } والاحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح . والثالث : قوله : { غَيْرَ مسافحين } سمى الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء ، ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح ، والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا ، هذا ما قاله أبو بكر الرازي . أما الذي ذكره في الوجه الأول : فكأنه تعالى ذكر أصناف من يحرم على الانسان وطؤهن ، ثم قال : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أي وأحل لكم وطء ما وراء هذه الأصناف ، فأي فساد في هذا الكلام؟ وأما قوله ثانياً : الاحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح فلم يذكر عليه دليلا ، وأما قوله ثالثاً : الزنا إنما سمي سفاحا ، لأنه لا يراد منه إلا سفح الماء ، والمتعة ليست كذلك ، فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله ، فان قلتم : المتعة محرمة ، فنقول : هذا أول البحث ، فلم قلتم : إن الأمر كذلك ، فظهر أن الكلام رخو ، والذي يجب أن يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول : إنا لا ننكر أن المتعة كانت مباحة ، إنما الذي نقوله : إنها صارت منسوخة ، وعلى هذا التقدير فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة لم يكن ذلك قادحا في غرضنا ، وهذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة أبي وابن عباس ، فان تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة ، ونحن لا ننازع فيه ، إنما الذي نقوله : إن النسخ طرأ عليه ، وما ذكرتم من الدلائل لا يدفع قولنا ، وقولهم : الناسخ إما أن يكون متواتراً أو آحادا .

(5/158)


قلنا : لعل بعضهم سمعه ثم نسيه ، ثم إن عمر رضي الله عنه لما ذكر ذلك في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه فسلموا الأمر له .
قوله : إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه .
قلنا : قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنه لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه وينازعه ، ويفضي ذلك إلى تكفير أمير المؤمنين حيث لم يحاربه ولم يرد ذلك القول عليه ، وكل ذلك باطل ، فلم يبق إلا أن يقال : كان مراده أن المتعة كانت مباحة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنا أنهي عنها لما ثبت عندي أنه صلى الله عليه وسلم نسخها ، وعلى هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوبنا والله أعلم .

(5/159)


ثم قال تعالى : { فآتوهن أجورهن فريضة } والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة ، وذكر صاحب «الكشاف» في قوله : { فَرِيضَةً } ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال من الأجور بمعنى مفروضة . وثانيها : أنها وضعت موضع إيتاء ، لأن الايتاء مفروض . وثالثها : أنه مصدر مؤكد ، أي فرض ذلك فريضة .
ثم قال تعالى : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان حكم النكاح قالوا : المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين ، فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر أو تبرئه عنه بالكلية ، فعلى هذا : المراد من التراضي الحط من المهر أو الابراء عنه ، وهو كقوله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } [ النساء : 4 ] وقوله : { إَّلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يعفوالذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } [ البقرة : 237 ] وقال الزجاج معناه : لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها ، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول . وأما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا : المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل ألبتة ، فان قال لها : زيديني في الأيام وأزيدك في الأجرة كانت المرأة بالخيار ، إن شاءت فعلت ، وإن شاءت لم تفعل ، فهذا هو المراد من قوله : { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } أي من بعد المقدار المذكور أولا من الأجر والأجل .
المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : إلحاق الزيادة في الصداق جائز ، وهي ثابتة ان دخل بها أو مات عنها ، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة ، وكان لها نصف المسمى في العقد . وقال الشافعي رحمة الله عليه : الزيادة بمنزلة الهبة ، فإن أقبضها ملكته بالقبض ، وإن لم يقبضها بطلت . احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقوله : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } يتناول ما وقع التراضي به في طرفي الزيادة والنقصان ، فكان هذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة بالصداق ، قال : بل هذه الآية بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما ، والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج ، والزيادة لا تصح إلا بقبوله ، فاذا علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد هو الزيادة .
والجواب : لم لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة عما ذكره الزجاج؟ وهو أنه إذا طلقها قبل الدخول ، فإن شاءت المرأة أبرأته عن النصف ، وان شاء الزوج سلم اليها كل المهر ، وبهذا التقدير يكون قد زادها عما وجب عليه تسليمه اليها ، وأيضا عندنا أنه لا جناح في تلك الزيادة إلا أنها تكون هبة . والدليل القاطع على بطلان هذه الزيادة أن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إما مع بقاء العقد الأول ، أو بعد زوال العقد ، والأول باطل ، لأن العقد لما انعقد على القدر الأول ، فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني ، لكان ذلك تكوينا لذلك العقد بعد ثبوته ، وذلك يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال . والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا يرتفع العقد الأول ، فثبت فساد ما قالوه والله أعلم . ثم إنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنواعا كثيرة من التكاليف والتحريم والاحلال ، بين أنه عليم بجميع المعلومات لا يخفى عليه منها خافية أصلا ، وحكيم لا يشرع الأحكام إلا على وفق الحكمة ، وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه والله أعلم .

(5/160)


النوع السابع : من التكاليف المذكورة في هذه السورة قوله تعالى .

(5/161)


وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل : بين فيمن يحل أنه متى يحل ، وعلى أي وجه يحل فقال : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الكسائي { المحصنات } بكسر الصاد ، وكذلك { محصنات غَيْرَ مسافحات } وكذلك { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } كلها بكسر الصاد ، والباقون بالفتح ، فالفتح معناه ذوات الأزواج ، والكسر معناه العفائف والحرائر ، والله أعلم .
المسألة الثانية : الطول : الفضل ، ومنه التطول وهو التفضل ، وقال تعالى : { ذِى الطول } [ غافر : 3 ] ويقال : تطاول لهذا الشيء أي تناوله ، كما يقال : يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة ، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان ، وسمي الغنى أيضاً طولا ، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر ، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر .
إذا عرفت هذا فنقول : الطول القدرة ، وانتصابه على أنه مفعول «يستطع» و«أَن يَنكِحَ » في موضع النصب على أنه مفعول القدرة .
فان قيل : الاستطاعة هي القدرة ، والطول أيضا هو القدرة ، فيصير تقدير الآية : ومن لم يقدر ، منكم على القدرة على نكاح المحصنات ، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة؟
قلنا : الأمر كما ذكرت ، والأولى أن يقال : المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات ، وعلى هذا الوجه يزول الاشكال ، فهذا ما يتعلق باللغة .
أما ما قاله المفسرون فوجوه : الأول : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة . الثاني : أن يفسر النكاح بالوطء ، والمعنى : ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة ، وعلى هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة . وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة ، فان مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له التزوج بالأمة . وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة ، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة ، سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر . والثالث : الاكتفاء بالحرة ، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن ، كل هذه الوجوه إنما حصلت ، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه .
المسألة الثالثة : المراد بالمحصنات في قوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات } هو الحرائر ، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الاماء ، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء ، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد : أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء ، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة ، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات ، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد ، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن .

(5/162)


المسألة الرابعة : مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة ، اثنان منها في الناكح ، والثالث في المنكوحة ، أما اللذان في الناكح . فأحدهما : أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق ، وهو معنى قوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات } فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة .
فان قيل : الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة ، فمن أين هذا التفاوت؟
قلنا : كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات ، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت .
وأما الشرط الثاني : فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } [ النساء : 25 ] أي بلغ الشدة في العزوبة .
وأما الشرط الثالث : المعتبر في المنكوحة ، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة ، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين : الرق والكفر ، ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق ، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر ، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر ، فهذه الشرائط الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة .
وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فيقول : إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة ، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك ، سواء قدر على نكاح الحرة أو لم يقدر ، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وتقريره من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة ، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة ، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الانسان قد يحتاج الى الجماع ، فاذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها ، وجب أن يؤذن له في نكاح الأمة ، اذا ثبت هذا فنقول : الحكم اذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه ، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، اذا ثبت هذا فنقول : لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم ألبتة ، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم ، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة . الثاني : أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم ، وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه ، والدليل عليه أن القائل اذا قال : الميت اليهودي لا يبصر شيئا ، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول : إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا ، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة ، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد . قال أبو بكر الرازي : تخصيص هذه الحالة بذكر الاباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه ، كقوله تعالى :

(5/163)


{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] ولا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحالة ، وقوله : { لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } [ آل عمران : 130 ] لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة ، وقوله : { لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة ، فيقال له : ظاهر اللفظ يقتضي ذلك ، إلا أنه ترك العمل به بدليل منفصل ، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب ، وقد يترك العمل به في صور كثيرة لدليل منفصل ، والسؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه ، حيث قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء ، والتقدير : ومن لم يستطع منكم وطء الحرة ، وذلك عند من لا يكون تحته حرة ، فإنه يجوز له نكاح الأمة ، وعلى هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة .
وجوابه : أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى ، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد ، لا في عدم القدرة على الوطء . واحتج أبو بكر الرازي على صحة قوله بالعمومات ، كقوله تعالى : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] وقوله : { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ } وقوله : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } وقوله : { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } [ المائدة : 5 ] وهو متناول للاماء الكتابيات . والمراد من هذا الإحصان العفة .
والجواب : أن آيتنا خاصة ، والخاص مقدم على العام ، ولأنه دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرة ، وإنما خصت صونا للولد ، عن الارقاق ، وهو قائم في محل النزاع .
المسألة الخامسة : ظاهر قوله : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات } يقتضي كون الإيمان معتبرا في الحرة ، فعلى هذا : لو قدر على حرة كتابية ولم يقدر على طول حرة مسلمة فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة ، وأكثر العلماء أن ذكر الإيمان في الحرائر ندب واستحباب ، لأنه لا فرق بين الحرة الكتابية وبين المؤمنة في كثرة المؤنة وقلتها .
المسألة السادسة : من الناس من قال : انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ألبتة ، واحتجوا بهذه الآيات ، فقالوا : إنه تعالى بين أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة ، ولو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا ، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة ، وذلك ينفي دلالة الآية . ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] وقد بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة .

(5/164)


المسألة السابعة : الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء ، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة ، والسبب فيه وجوه : الأول : أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية ، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا ، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الانسان وفي حق ولده . والثاني : أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة ، وربما تعودت الفجور ، وكل ذلك ضرر على الأزواج . الثالث : أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج ، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة ، فربما احتاج الزوج إليها جدا ولا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها . الرابع : أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر ، فعلى قول من يقول : بيع الأمة طلاقها ، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى ، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها ، وذلك من أعظم المضار . الخامس : أن مهرها ملك لمولاها ، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها ، ولا على إبرائه عنه ، بخلاف الحرة ، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة ، والله أعلم .
قوله تعالى : { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } فيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم . قال ابن عباس : يريد جارية أختك ، فِِإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه .
المسألة الثانية : الفتيات : المملوكة جمع فتاة ، والعبد فتى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي » ويقال للجارية الحديثة : فتاة ، وللغلام فتى ، والأمة تسمى فتاة ، عجوزاً كانت أو شابة ، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير .
المسألة الثالثة : قوله : { مّن فتياتكم المؤمنات } يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، سواء كان الزوج حراً أو عبدا ، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ، وقول مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : يجوز التزوج بالأمة الكتابية .
حجة الشافعي رضي الله عنه : أن قوله : { مّن فتياتكم المؤمنات } تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة ، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة ، وأيضا قال تعالى : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] .
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه : النص والقياس : أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة ، وآكدها قوله : { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } [ المائدة : 5 ] وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة ، والكتابية المملوكة أيضا مباحة ، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز .
والجواب عن العمومات : أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات ، وعن القياس : أن الشافعي قال : إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد ، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص : الرق والكفر ، فظهر الفرق .

(5/165)


ثم قال تعالى : { والله أَعْلَمُ بإيمانكم } قال الزجاج : معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور ، والله يتولى السرائر والحقائق .
ثم قال تعالى : { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } وفيه وجهان : الأول : كلكم أولاد آدم فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الإماء عند الضرورة . والثاني : ان المعنى : كلكم مشتركون في الإيمان ، والإيمان أعظم الفضائل ، فإذا حصل الاشتراك في أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت إليه ، ونظيره قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] وقوله : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] قال الزجاج : فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات ، أو لأن الشرف بشرف الإسلام أولى منه بسائر الصفات ، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه : إن الإيمان شرط لجواز نكاح الأمة .
واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب ، فاعلم في ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر و يلتفت اليه . روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ثلاث من أمر الجاهلية : الطعن في الأنساب ، والفخر بالأحساب ، والاستسقاء بالانواء ، ولا يدعها الناس في الاسلام » وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين ، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية .
ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل ، ويدل عليه القرآن والقياس . أما القرآن فهو هذه الآية فان قوله تعالى : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح ، وان لم يكن النكاح واجبا . وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : « من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم » فالسلم ليس بواجب ، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط ، كذلك النكاح وان لم يكن واجبا ، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة ، وجب أن لا يتزوجها إلا باذن سيدها . وأما القياس : فهو أن الأمة ملك للسيد ، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها ، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا باذنه . واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة ، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر » .
المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا باذن الولي . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يصح ، احتج الشافعي بهذه الآية ، وتقريره أن الضمير في قوله : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } عائد إلى الاماء ، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الاشارة إلى تلك الصفة ، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه ، فثبت أن الاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة ، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } اشارة إلى الاماء ، فهذه الاشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن ، وحصول صفة الحرية لهن ، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها ، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق . احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي في هذه المسألة فقال : مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح ، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها ، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها . قال : وهذه الآية تبطل ذلك ، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها ، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية .

(5/166)


والجواب من وجوه : الأول : أن المراد بالإذن الرضا . وعندنا أن رضا المولى لا بد منه ، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه ، وثانيها : أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن ، وذلك إما المولى أن كان رجلا ، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة . وثالثها : هب أن الأهل عبارة عن المولى ، لكنه عام يتناول الذكور والإناث ، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام : « العاهر هي التي تنكح نفسها » فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها ، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم .
ثم قال تعالى : { وآتوهن أجورهن بالمعروف } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسير الآية قولان : الأول : ان المراد من الأجور : المهور ، وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها ، سمي لها المهر أو لم يسم ، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى ، وبين من لم يسم في إيجاب المهر ، ويدل على أنه قد أراد مهر لمثل قوله تعالى : { بالمعروف } وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله تعالى : { وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف } [ البقرة : 233 ] الثاني : قال القاضي : ان المراد من أجورهن النفقة عليهن ، قال هذا القائل : وهذا أولى من الأول ، لأن المهر مقدر ، ولا معنى لاشتراط المعروف فيه ، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة ، ثم قال القاضي : اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر ، وحملوا قوله : { بالمعروف } على ايصال المهر اليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل وتأخير .

(5/167)


المسألة الثانية : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها ، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية ، وهو قوله : { وآتوهن أجورهن بالمعروف } وأما الجمهور فانهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } [ النحل : 75 ] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا ، وأما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع ، وتلك المنافع مملوكة للسيد ، وهو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح ، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها .
والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه : الأول : أنا إذا حملنا الأجور في الآية على النفقة زال السؤال بالكلية . الثاني : أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن وليس في قوله : { وَءاتُوهُنَّ } ما يوجب كون المهر ملكا لهن ، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال : « العبد وما في يده لمولاه » فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق والله أعلم .
ثم قال تعالى : { محصنات غَيْرَ مسافحات وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : محصنات أي عفائف ، وهو حال من قوله : { فانكحوهن } باذن أهلهن ، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء ، واختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟ وسنذكره في قوله : { الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } [ النور : 3 ] والأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله : { غَيْرَ مسافحات } أي غير زوان { وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } جمع خدن ، كالأتراب جمع ترب ، والخدن الذي يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن . قال أكثر المفسرين : المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها ، والتي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدنا معينا ، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين ، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية ، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر ، ونص على حرمتهما معاً ، ونظيره أيضاً قوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ الأعراف : 33 ] .
المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا ، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضاً شرطا ، وهذا ليس بشرط .
وجوابه : أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات ، بل على قوله : { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ولا شك أن كل ذلك واجب ، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا ، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم .

(5/168)


ثم قال تعالى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب } . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { أُحْصِنَّ } بالفتح في الألف ، والباقون بضم الألف ، فمن فتح فمعناه : أسلمن ، هكذا قاله عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي ، ومن ضم الألف فمعناه : أنهن أحصن بالازواج . هكذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد . ومنهم من طعن في الوجه الأول فقال : انه تعالى وصف الاماء بالايمان في قوله : { فتياتكم المؤمنات } ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات ، ثم يقال : فاذا آمن ، فان حالهن كذا وكذا ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين : الأول : حال نكاح الاماء ، فاعتبر الايمان فيه بقوله : { مّن فتياتكم المؤمنات } والثاني : حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة ، فذكر حال إيمانهن أيضا في هذا الحكم ، وهو قوله : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } .
المسألة الثانية : في الآية إشكال قوي ، وهو أن المحصنات في قوله : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات ، أو المراد منه الحرائر الأبكار . والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن . والأول مشكل ، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا : الرجم ، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الاماء نصف الرجم ، ومعلوم أن ذلك باطل . والثاني : وهو أن يكون المراد : الحرائر الأبكار ، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن ، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين : الاحصان والزنا ، لأن قوله : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة } شرط بعد شرط ، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا ، فهذا إشكال قوي في الآية .
والجواب : أنا نختار القسم الثاني ، وقوله : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } ليس المراد منه جعل هذا الاحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة ، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج ، فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه ، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضاً أولى ، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص ، لأن عند حصول ما يغلظ الحد ، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق ، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى والله أعلم .
المسألة الثالثة : الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم ، واحتجوا بهذه الآية ، وهو أنه تعالى أوجب على الأَمَةِ نصف ما على الحُرَّة المُحْصَنَة ، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم ، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل ، فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد ، والجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة ، وتمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله :

(5/169)


{ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } [ النور : 2 ] .
المسألة الرابعة : اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلا في نقصان حكم العبد عن حكم الحر في غير الحد ، وإن كان في الأمور مالا يجب ذلك فيه والله أعلم .
ثم قال تعالى : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ } ولم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح الاماء فكأنه قال : فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشي العنت منكم ، والعنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه مخالطة اليتامى : { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح وَلَوْ شَاء الله لاعْنَتَكُمْ } [ البقرة : 220 ] أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال : { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } [ آل عمران : 118 ] ، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد . وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة ، فهذا هو العنت . والثاني : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى الأمراض الشديدة ، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم ، وأما في حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر . وأكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن .
ثم قال تعالى : { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد أن نكاح الاماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على التزوج بالحرة ، ووجود العنت ، وكون الأمة مؤمنة : الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح .
المسألة الثانية : مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بالنوافل ، فإن كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقاً أفضل من الاشتغال بالنوافل ، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة ، فهذه الآية نص صريح في بطلان قولهم ، وإن قالوا : إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة ، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال ، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء من كتبهم والله أعلم .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح ، يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه ، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة ، والله أعلم .

(5/170)


يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)

فيه مسائل :
المسألة الأولى : اللام في قوله : { لِيُبَيّنَ لَكُمْ } فيه وجهان : الأول : قالوا : إنه قد تُقام اللامُ مقام «أن» في أردت وأمرت ، فيقال : أردت أن تذهب ، وأردت لتذهب ، وأمرتك أن تقوم ، وأمرتك لتقوم ، قال تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله } [ الصف : 8 ] يعني يريدون أن يطفؤا ، وقال : { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } [ الأنعام : 71 ] .
والوجه الثاني : أن نقول؛ إن في الآية إضمارا ، والتقدير : يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم ، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها ، فقوله : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله } يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا ، وأمرنا بما أمرنا لنسلم .
المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : قوله : { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ } معناهما شي واحد ، والتكرير لأجل التأكيد ، وهذا ضعيف ، والحق أن المراد من قوله : { لِيُبَيّنَ لَكُمْ } هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف ، وميز فيها الحلال من الحرام والحَسَن من القبيح .
ثم قال : { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ } وفيه قولان : أحدهما : أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة ، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والمِلَل ، والثاني : أنه ليس المراد ذلك ، بل المراد أنه تعالى يهديكم سُنَنَ الذين من قبلكم في بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم ، فان الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها ، إلا أنها متفقة في باب المصالح ، وفيه قول ثالث : وهو أن المعنى : أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق .
ثم قال تعالى : { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } قال القاضي : معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة ، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها ، كذلك وقع التقصير والتفريط منا ، فيريد أن يتوب علينا ، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب ، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة .
واعلم أن في الآية إشكالا : وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى ، والآية مشكلة على كلا القولين . أما على القول الأول : فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فانه يحصل ، فاذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، وأما على القول الثاني : فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا ، وقوله : { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه التوبة ، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين .
والجواب أن نقول : إن قوله : { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل التوبة فينا . والعقل أيضا مؤكد له ، لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي ، والعزم على عدم العَوْد في المستقبل ، والندم والعزم من باب الإرادات ، والإرادة لا يمكن إرادتها ، وإلا لزم التسلسل ، فاذن الارادة يمتنع أن تكون فعل الانسان ، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى ، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة ما أشعر به ظاهر القرآن ، وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا ، فأما قوله : لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة ، فنقول : قوله : { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } خطاب مع الأمة ، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات ، وحصلت هذه التوبة لهم ، فزال الإشكالُ ، والله أعلم .

(5/171)


ثم قال تعالى : { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي عليم بأحوالكم ، حكيم في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم .

(5/172)


وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)

فيه مسألتان :
المسألة الأولى : قيل : المجوس كانوا يحلون الأخوات وبنات الاخوة والأخوات ، فلما حرمهن الله تعالى قالوا : إنكم تحلون بنت الخالةِ والعمةِ ، والخالةُ والعمةُ عليكم حرامٌ ، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت ، فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : قوله : { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } يدل على أنه تعالى يريد التوبة من الكل ، والطاعة من الكل . قال أصحابنا : هذا محالٌ لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان ، وذلك العلم ممتنع الزوال ، ومع وجوب أحد الضدين كانت إرادة الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالا ، وذلك محال ، وأيضاً إذا كان هو تعالى يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما ، ثم يحصل مراد الشيطان لا مراد الرحمن ، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ الرحمن في ملك نفسه ، وذلك محال ، فثبت أن قوله : { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التوبة لهم .

(5/173)


يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في التخفيف قولان : الأول : المراد منه إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل ، والباقون قالوا : هذا عام في كل أحكام الشرع ، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا ، إحسانا منه الينا ، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل ، ونظيره قوله تعالى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [ الأعراف : 157 ] وقوله : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة : 185 ] وقوله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : « جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة » . المسألة الثانية : قال القاضي : هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى ، إذ لو كان كذلك فالكافر يخلق فيه الكفر ، ثم يقول له : لا تكفر ، فهذا أعظم وجوه التثقيل ، ولا يخلق فيه الايمان ، ولا قدرة للعبد على خلق الايمان . ثم يقول له : آمن ، وهذا أعظم وجوه التثقيل . قال : ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، لأنه أعظم وجوه التثقيل .
والجواب : أنه معارض بالعلم والداعي ، وأكثر ما ذكرناه .
ثم قال : { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } والمعنى أنه تعالى لضعف الانسان خفف تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة ، بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة ، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه . وإنما قلنا : ان هذا الوجه أولى ، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف ، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها ، لا لضعف البدن وقوته ، هذا كله كلام القاضي ، وهو كلام حسن ، ولكنه يهدم أصله ، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل وعدمه ، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لا بد له من سبب ، فان كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم التسلسل ، وإن كان الكل من الله ، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه ، وبطل القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم .
المسألة الثالثة : روي عن ابن عباس أنه قال : ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } [ النساء : 26 ] { والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُم } [ النساء : 27 ] { يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } [ النساء : 28 ] { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } [ النساء : 116 ] { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [ النساء : 40 ] { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } [ النساء : 110 ] { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ } [ آل عمران : 147 ] .
ويقول محمد الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالحسنى : اللهم اجعلنا بفضلك ورحمتك أهلا لها يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين .
النوع الثامن : من التكاليف المذكورة في هذه السورة .

(5/174)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

اعلم أن في كيفية النظم وجيهن : الأول : أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال . والثاني : قال القاضي : لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات ، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة ، لما أن المقصود الأعظم من الأموال : الأكل ، ونظيره قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] .
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الباطل وجهين : الأول : أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع ، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق . وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة ، لأنه يصير تقدير الآية : لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع ، فان الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة ههنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة . والثاني : ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله عنهم : أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الانسان بغير عوض ، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة ، لكن قال بعضهم : إنها منسوخة ، قالوا : لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا ، وشق ذلك على الخلق ، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور : { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } [ النور : 61 ] الآية . وأيضا : ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه ، تحرم الصدقات والهبات ، ويمكن أن يقال : هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص ، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال : هذه الآية محكمة ما نسخت ، ولا تنسخ إلى يوم القيامة .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل؛ لأن قوله : { أموالكم } يدخل فيه القسمان معا ، كقوله : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل . أما أكل مال نفسه بالباطل . فهو إنفاقه في معاصي الله ، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه .
ثم قال : { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع . أما من نصب فعلى «كان» الناقصة ، والتقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة ، وأما من رفع فعلى «كان» التامة ، والتقدير : إلا أن توجد وتحصل تجارة . وقال الواحدي : والاختيار الرفع ، لأن من نصب أضمر التجارة فقال : تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا .

(5/175)