صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
المسألة الخامسة : قال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي » ووجه التشبيه أن لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض . وقال آخرون : بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الإنعام وأنه الأصل ، وقال بعضهم : بل كل واحد منهما أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب . (5/39)
المسألة السادسة : دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى . روى مجاهد عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سألكم بالله فأعطوه » وعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : منها ابرار القسم .
المسألة السابعة : دل قوله تعالى : { والأرحام } على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها ، قال تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } [ محمد : 22 ] وقال : { لا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } قيل في الأول : إنه القرابة ، وقال : { وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء : 23 ] وقال : { واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وبالوالدين إحسانا وَبِذِى القربى واليتامى والمساكين } [ النساء : 36 ] وعن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة »
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ان الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه » وقال عليه الصلاة والسلام : « أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح » قيل الكاشح العدو ، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين : إحداهما : أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت ، والعم والخال ، قال لأنه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالإجماع ، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم ، وذلك حرام بناء على هذا الأصل ، فوجب أن لا يبقى الملك ، وثانيهما : أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لان ذلك الرجوع إيحاش يورث قطيعة الرحم ، فوجب أن لا يجوز ، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات . (5/40)
ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال : { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك . ومن هذا صفته فإنه يجب أن يخاف ويرجى ، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وأنه إذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك .
وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)
اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه ، محترزا عن مساخطه ، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف . (5/41)
فالنوع الأول : ما يتعلق بأموال اليتامى ، وهو هذه الآية ، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام ، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام ، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الإشفاق عليهم ، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم ، واليتم الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة ، وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات . قال : وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء ، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال ، فاذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره ، زال عنه هذا الاسم ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب ، إما على القياس ، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : " لا يتم بعد حلم " فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة ، يعني إذا احتلم فإنه لا تجرى عليه أحكام الصغار . وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه : إذا أونس منه الرشد انقطع يتمه ، وفي بعض الروايات : أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد ، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس منه الرشد ، ثم قال أبو بكر : واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «تستأمر اليتيمة» وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة ، قال الشاعر :
ان القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى
فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير ، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير .
المسألة الثانية : ههنا سؤال وهو أن يقال : كيف جمع اليتيم على يتامى؟ واليتيم فعيل ، والفعيل يجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى ، قال صاحب «الكشاف» : فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : جمع اليتيم يتمى ، ثم يجمع فعلى على فعالى ، كأسير وأسرى وأسارى ، والثاني : أن يقال : جمع يتيم يتائم ، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس ، ثم يقلب اليتائم يتامى . قال القفال رحمه الله : ويجوز يتيم ويتامى ، كنديم وندامى ، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف .
المسألة الثالثة : ههنا سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه ، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما ، فكيف قال : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى : { فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } [ الأعراف : 120 ] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة ، بلوغ الأجل في قوله : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ } [ الطلاق : 2 ] والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } [ النساء : 6 ] والإشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ . (5/42)
الطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار ، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان : أحدهما : أن قوله : { وآتُواْ } أمر ، والأمر إنما يتناول المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم ، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة . والثاني : المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم ، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا ، فأباح الله تعالى ذلك ، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم ، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك .
المسألة الرابعة : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك الى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فإخوانكم } [ البقرة : 220 ] قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لأن المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ البقرة : 152 ] و { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وإن تخالطوهم فاخوانكم } فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم .
قال المفسرون : الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ، ودفع ماله اليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره " أي جنته ، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ثبت الأجر وبقي الوزر " فقالوا : يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر ، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال : ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده . (5/43)
المسألة الخامسة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه ، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين ، قال لأن قوله : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن ، شرط في وجوب دفع المال إليه ، وهذا الإجماع لم يوجد بعد هذا السن ، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية .
أجاب أصحابنا عنه : بأن هذه الآية عامة ، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة ، ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله : { وابتلوا اليتامى } [ النساء : 6 ] وبقوله : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } [ النساء : 5 ] حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : ولا تتبدلوا ، أي ولا تستبدلوا ، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ، والتأخر بمعنى الاستئخار . وقال الواحدي رحمه الله : يقال : تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه .
المسألة الثانية : في تفسير هذا التبدل وجوه :
الوجه الأول : قال الفراء والزجاج : لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى ، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض ، فتأكلوه مكانه . الثاني : لا تستبدلوا الأمر الخبيث ، وهو اختزال أموال اليتامى ، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون ، يجعل الزائف بدل الجيد ، والمهزول بدل السمين ، وطعن صاحب «الكشاف» في هذا الوجه ، فقال : ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي . الرابع : هو أن هذا التبدل معناه : أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك ، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } وفيه وجهان : الأول : معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها . والثاني : أن يكون «إلى» بمعنى «مع» قال تعالى :
{ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } [ آل عمران : 52 ] أي مع الله ، والأول : أصح . (5/44)
واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل ، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم ، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة ، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل ، فثبت أن المراد منه التصرف ، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف .
فإن قيل : إنه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها ، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم؟
قلنا : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى ، كان القبح أبلغ والذم أحق .
واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك أن أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال : { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } قال الواحدي رحمه الله : الكناية تعود إلى الأكل ، وذلك لأن قوله : { وَلاَ تَأْكُلُواْ } دل على الأكل والحوب الإثم الكبير . قال عليه الصلاة والسلام : " إن طلاق أم أيوب لحوب " وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء : الحوب لأهل الحجاز ، والحاب لتميم ، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام : " رب تقبل توبتي واغسل حوبتي " قال صاحب «الكشاف» : الحوب والحاب كالقول والقال . قال القفال : وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع ، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه ، وقال البصريون : الحوب بفتح الحاء مصدر ، والحوب بالضم الاسم ، والحوبة ، المرة الواحدة ، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فإنه اسم ، ثم يقال : قد كلمته كلاما فيصير مصدرا . قال صاحب «الكشاف» : قرأ الحسن حوبا ، وقرىء : حابا .
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)
اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي الآية مسائل : (5/45)
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الأقساط العدل ، يقال أقسط الرجل إذا عدل ، قال الله تعالى : { وَأَقْسِطُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } [ الحجرات : 9 ] والقسط العدل والنصفة ، قال تعالى : { كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط } [ النساء : 135 ] قال الزجاج : وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب ، فاذا قالوا : قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه ، ألا ترى أنهم قالوا : قاسطته إذا غلبته على قسطه ، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب ، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل ، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه .
المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ } شرط وقوله : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } جزاء ، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى } فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها ، فقال تعالى : «وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء ، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله تعالى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء } [ النساء : 127 ] قالت : وقوله تعالى : { وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء } [ النساء : 127 ] المراد منه هذه الآية وهي قوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ } .
الوجه الثاني : في تأويل الآية : انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الاقساط في حقوق اليتامى ، فتحرجوا من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر ، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن ، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها ، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء ، فقالوا عدد المنكوحات ، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج .
الوجه الثالث : في التأويل : أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا ، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات .
الوجه الرابع : في التأويل : ما روي عن عكرمة أنه قال : كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام ، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى أموال اليتامى } عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف ، فان خفتم في الأربع أيضاً فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فان خفتم من الأربع فثلاث ، فان خفتم فاثنتان ، فان خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة الى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير . (5/46)
أما قوله تعالى : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء مثنى وثلاث وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم ذلك أدنى أَن لا تَعُولُواْ } .
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن قوله { فانكحوا } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النساء : 25 ] الى قوله : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ العنت مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلا عن أن يقال إنه واجب .
المسألة الثانية : إنما قال : { مَا طَابَ } ولم يقل : من طاب لوجوه : أحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك ، وما تلك الحقيقة التي عندك ، وثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : ان «ما» و«من» ربما يتعاقبان . قال تعالى : { والسماء وَمَا بناها } [ الشمس : 5 ] وقال : { وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } [ الكافرون : 2 ] وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد ، وقال : { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ } [ النور : 45 ] ورابعها : إنما ذكر «ما» تنزيلا للاناث منزلة غير العقلاء . ومنه : قوله : { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المعارج : 30 ] .
المسألة الثالثة : قال الواحدي وصاحب «الكشاف» : قوله { مَا طَابَ لَكُمْ } أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم } [ النساء : 23 ] وهذا عندي فيه نظر ، وذلك لأنا بينا أن قوله : { فانكحوا } أمر إباحة . فلو كان المراد بقوله : { مَا طَابَ لَكُمْ } أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج الآية عن الفائدة ، وأيضاً فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاما دخله التخصيص . وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا يكون حجة أصلا .
المسألة الرابعة : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } معناه : اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف ، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامراً وزافرا ، فكذا ههنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا ، وأما أنه وصف ، فدليله قوله تعالى : { أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع } [ فاطر : 1 ] ولا شك أنه وصف . (5/47)
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه ، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد بقولك : مثنى ثنتين فقط ، بل ثنتين ثنتين ، فاذا قلت : جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط ، أما إذا قلت : جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين ، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف ، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف ، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم .
المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن مولاه ، ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } [ النحل : 75 ] فقوله : { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } ينفي كونه مستقلا بالنكاح ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : « أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر » فثبت بما ذكرناه أن هذه الآية لا يندرج فيها العبد .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد ، وقال مالك : يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية .
والجواب الذي يعتمد عليه : أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه : الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } وهذا لا يكون إلا للأحرار ، والثاني : أنه تعالى قال :
{ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } [ النساء : 4 ] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر ، بل يكون لسيده قال مالك : إذا ورد عمومان مستقلان ، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق . (5/48)
أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك ، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس ، قالوا : أجمعنا على أن للرق تأثيراً في نقصان حقوق النكاح ، كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر ، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم .
المسألة السادسة : ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد ، واحتجوا بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا . والثاني : أن قوله : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } لا يصلح تخصيصا لذلك العموم ، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي ، بل نقول : ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا ، فان الانسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان ، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة اليه مطلقاً ، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقاً ، ولا يكون ذلك تخصيصاً للاذن بتلك الأشياء المذكورة ، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا ، وأيضاً فذكر جميع الأعداد متعذر ، فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله : { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد . والثالث : أن الواو للجمع المطلق فقوله : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } يفيد حل هذا المجموع ، وهو يفيد تسعة ، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر ، لان قوله : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية . وأما الخبر فمن وجهين : الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ، ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال : { فاتبعوه } وأقل مراتب الأمر الاباحة . الثاني : أن سنة الرجل طريقته ، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكان ذلك سنة له ، ثم انه عليه السلام قال : « فمن رغب عن سنتي فليس مني »
فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة ، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز . (5/49)
واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر ، وهو ما روي ان غيلان أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق باقيهن ، وروي ان نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام : " أمسك أربعا وفارق واحدة " واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول : أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز . والثاني : وهو أن الخبر واقعة حال ، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز ، إما بسبب النسب ، أو بسبب الرضاع ، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله .
الطريق الثاني : وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد ، وفيه سؤالان : الأول : أن الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ ، فكيف يقال : الاجماع نسخ هذه الآية . الثاني : أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع ، والاجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد .
والجواب عن الأول : الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن الثاني ، أن مخالف هذا الاجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته .
فان قيل : فاذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال : مثنى أو ثلاث أو رباع ، فلم جاء بواو العطف دون «أو»؟
قلنا : لو جاء بكلمة «أو» لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك الا على أحد هذه الأقسام ، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام ، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية ، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع ، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام ، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف ، درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين ، ولبعض آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة ، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة ، فكذا ههنا الفائدة في ترك «أو» وذكر الواو ما ذكرناه والله أعلم .
المسألة السابعة : قوله : { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } محله النصب على الحال مما طاب ، تقديره : فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ، ثنتين ثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا .
قوله تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المعنى : فان خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها ، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة ، سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر ، ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر ، لا عليك أكثرت منهم أم أقللت ، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهن أم لم تعزل .
المسألة الثانية : قرىء { فواحدة } بنصب التاء والمعنى : فالتزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسا ، فان الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به ، وقرىء { فواحدة } بالرفع والتقدير : فكفت واحدة ، أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم . (5/50)
المسألة الثالثة : للشافعي رحمه الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح ، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري ، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، كما اذا قال الطبيب : كل التفاح أو الرمان ، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض ، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية ، فكذلك العقل يدل عليها ، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ذلك حاصل بالطريقين ، وأيضاً إن فرضنا الكلام فيما اذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها ، فههنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري ، واذا ثبت بهذه الآية ان التزوج والتسري متساويان . فنقول : أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح؛ لان الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة .
ثم قال تعالى : { ذَلِكَ أدنى أَن لا تَعُولُواْ } وفيه مسألتان .
المسألة الأولى : المراد من الادنى ههنا الاقرب ، والتقدير : ذلك أقرب من أن لا تعولوا وحسن حذف «من» لدلالة الكلام عليه .
المسألة الثانية : في تفسير { أَن لا تَعُولُواْ } وجوه : الأول : معناه : لا تجوروا ولا تميلوا ، وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين ، وروي ذلك مرفوعا ، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } قال : ( لا تجوروا ) وفي رواية أخرى «أن لا تميلوا» قال الواحدي رحمه الله : كلا اللفظين مروي ، وأصل العول الميل يقال : عال الميزان عولا ، اذا مال ، وعال الحاكم في حكمه اذا جار ، لانه اذا جار فقد مال . وأنشدوا لأبي طالب .
بميزان قسط لا يغل شعيرة فصل ووزان صدق وزنه غير عائل
وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم ، فقال له : أتعول علي ، ويقال : عالت الفريضة اذا زادت سهامها ، وقد أعلتها أنا اذا ازدت في سهامها ، ومعلوم أنها اذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل ، ثم اختص بحسب العرف بالميل الى الجور والظلم . فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب اليه الأكثرون .
الوجه الثاني : قال بعضهم : المراد أن لا تفتقروا ، يقال : رجل عائل أي فقير ، وذلك لأنه اذا قل عياله قلت نفقاته ، واذا قلت نفقاته لم يفتقر . (5/51)
الوجه الثالث : نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : { ذلك أدنى أن لا تعولوا } معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما ، فأما تفسير { تَعُولُواْ } بتعيلوا فانه خطأ في اللغة ، وثالثها : أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والاماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين ، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال . وزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا ، وهو أنه تعالى قال في أول الآية : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فواحدة } ولم يقل أن تفتقروا ، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط ، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل ، وذلك هو الجور لا كثرة العيال . وأنا أقول :
أما السؤال الأول : فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية : أن لا تجوروا ولا تميلوا ، ولكنه ذكر فيه وجها آخر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها ، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة ، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف ، وأيضا : فمن الذي أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد من الصحابة والتابعين ، وكيف لا نقول ذلك ، ومن المشهور أن طاوساً كان يقرأ : ذلك أدنى أن لا تعيلوا ، واذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة ، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى ، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن .
وأما السؤال الثاني : فنقول : انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد ، لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام ، وشدة بلادتك ، ما عرفت ان هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد ، وبيان فساده من وجوه : الأول : أنه يقال : عالت المسألة اذا زادت سهامها وكثرة ، وهذا المعنى قريب من الميل لانه اذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الارادة واذا كان كذلك كان معنى الآية : ذلك أدنى أن لا تكثروا ، واذا لم تكثروا لم يقع الانسان في الجور والظلم لان مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة ، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير الى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور .
الوجه الثاني : ان الانسان اذا قال : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، فاذا قيل له ما معناه؟ حسن أن يقال : معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة ، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة ، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى . وهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض ، وحاصله يرجع الى حرف واحد وهو الاشارة الى الشيء بذكر لوازمه ، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور ، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور ، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور ، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل الكناية والاستلزام ، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله ، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب المطابقة ، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام ، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب ، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه . (5/52)
الوجه الثالث : ما ذكره صاحب «الكشاف» وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك : عال الرجل عياله يعولهم . كقولهم : مانهم يمونهم اذا أنفق عليهم ، لان من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن ، وأن الطعن لا يصدر الا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة .
وأما السؤال الثالث : وهو قوله : إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو مملوكة فجوابه من وجهين : الأول : ما ذكره القفال رضي الله عنه ، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب ، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا ، وحينئذ تقل العيال أما اذا كانت المرأة حرة لم يكن الامر كذلك فظهر الفرق . الثاني : ان المرأة اذا كانت مملوكة فاذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها ، أما اذا كانت حرة فلا بد له من الانفاق عليها ، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فانها لا تطالبه بالمهر ، فاذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة .
وأما السؤال الرابع : وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم ، فالجواب عنه من وجهين : الأول : ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح ، لانه لو حمل على الجور لكان تكراراً لانه فهم ذلك من قوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ } أما اذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى . الثاني : أن نقول : هب أن الامر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق الى ذكر التفسير الأول ، لكن على سبيل الكناية والتعريض ، واذا كان الامر كذلك فقد زال هذا السؤال ، فهذا تمام البحث في هذا الموضع ، وبالله التوفيق .
وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)
في الآية مسائل : (5/53)
المسألة الأولى : قوله : { وَءاتُواْ النساء } خطاب لمن؟ فيه قولان : أحدهما : ان هذا خطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك النافجة ، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها الى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه ، وقال ابن الأعرابي : النافجة يأخذه الرجل من الحلوان اذا زوج ابنته ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر بدفع الحق الى أهله ، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة .
القول الثاني : ان الخطاب للأزواج . أمروا بايتاء النساء مهورهن ، وهذا قول : علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج ، قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا ، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج .
المسألة الثانية : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة ، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام ، قال تعالى : { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ } [ التوبة : 29 ] والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها ، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن ، وعلى التقدير الثاني : كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم ، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة ، ثم قال رحمه الله : ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف» : { صدقاتهن } مهورهن ، وفي حديث شريح : قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ { صدقاتهن } بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و { صدقاتهن } بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة ، وقرىء { صدقاتهن } بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة : ظلمة ، قال الواحدي : موضوع ( ص د ق ) على هذا الترتيب للكمال والصحة ، فسمي المهر صداقاً وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل .
المسألة الرابعة : في تفسير النحلة وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد : فريضة ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة ، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب ، يقال : فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به ، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه ، فقوله : { آتَوْا النساء صدقاتهن نِحْلَةً } أي آتوهن مهورهن ، فانها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة . الثاني : قال الكلبي : نحلة أي عطية وهبة ، يقال : نحلت فلانا شيئاً أنحله نحلة ونحلا ، قال القفال : وأصله إضافة الشيء إلى غير من هوله ، يقال : هذا شعر منحول ، أي مضاف إلى غير قائله ، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك ، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن؟ فيه احتمالان : أحدهما : أنه عطية من الزوج ، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله ، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه ، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل ، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك ، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين ، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء .
والقول الثالث : في تفسير النحلة قال أبو عبيدة : معنى قوله { نِحْلَةً } أي عن طيب نفس ، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض ، كما ينحل الرجل لولده شيئاً من ماله ، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس ، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة ، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة . (5/54)
المسألة الخامسة : إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان : أحدهما : أن يكون مفعولا له ، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة . والثاني : أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه ، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضاً وجهان : أحدهما : أنه نصب على المصدر ، وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء ، فكأنه قيل : وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم . والثاني : أنها نصب على الحال ، ثم فيه وجهان : أحدهما : على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالاعطاء . والثاني : على الحال من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس .
المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : الخلوة الصحيحة تقرر المهر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية ، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا ، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة ، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية .
أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى : { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [ البقرة : 237 ] يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر ، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام .
قوله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } .
اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له ، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : نفسا : نصب على التمييز والمعنى : طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن ، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا : أنت حسن وجها ، والفعل في الأصل للوجه ، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسراً لموقع الفعل ، ومثله : قررت به عيناً وضقت به ذرعا .
المسألة الثانية : إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما . قال الفراء : لو جمعت كان صوابا كقوله : { الأخسرين أعمالا } [ الكهف : 103 ] . (5/55)
المسألة الثالثة : من : في قوله : { مِنْهُ } ليس للتبعيض ، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية .
المسألة الرابعة : منه : أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى : { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } [ آل عمران : 15 ] بعد ذكر الشهوات . وروي أنه لما قال رؤبة :
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
فقيل له : الضمير في قوله «كأنه» ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : كأنها ، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق .
المسألة الخامسة : معنى الآية : فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب ، ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : { فَإِن طِبْنَ } ولم يقل : فان وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة .
المسألة السادسة : الهنيء والمريء : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل : الهنىء ما يستلذه الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة : المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنيء شفاء من الجرب ، قال المفسرون : المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة .
المسألة السابعة : قوله : { هَنِيئاً مَّرِيئاً } وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله : { فَكُلُوهُ } ثم يبتدأ بقوله : { هَنِيئاً مَّرِيئاً } على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ .
المسألة الثامنة : دلت هذه الآية على أمور : منها : ان المهر لها ولا حق للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله : { فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين .
وههنا بحث وهو أن قوله : { فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } يتناول ما إذ كان المهر عينا ، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له ، فانه لا يقال لما في الذمة : كله هنيئاً مريئاً . (5/56)
قلنا : المراد بقوله : { فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } ليس نفس الأكل ، بل المراد منه حل التصرفات ، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل ، ونظيره قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] وقال : { لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } [ البقرة : 188 ] .
المسألة التاسعة : قال بعض العلماء : ان وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفساً ، وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء } فقال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه . وروي عنه أيضا : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن ، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه ، فلبث شهرا ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : أعطتني طيبة به نفسها ، فقال عبد الملك : فان الآية التي بعدها { فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً } اردد عليها . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : ان النساء يعطين رغبة ورهبة ، فايما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها ، والله أعلم .
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)
واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة . (5/57)
واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول : إني وإن كنت أمرتكم بايتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن ، فانما قلت ذلك إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير بالغين ، أو غير عقلاء ، أو ان كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء مسرفين ، فلا تدفعوا اليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه ، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال : أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم . والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله : { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم } وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه .
فان قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم ، فلم قال أموالكم؟
قلنا : في الجواب وجهان : الأول : أنه تعالى أضاف المال اليهم لا لأنهم ملكوه ، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه ، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب ، الثاني : إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونظيره قوله تعالى : { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] وقوله : { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النساء : 36 ] وقوله : { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } وقوله : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 85 ] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا ، وكان الكل من نوع واحد ، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الانسان ويحتاج اليه . فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء الى أوليائهم .
والقول الثاني : أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى اذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها اليهم ، لما كان في ذلك من الافساد ، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال اليهم حقيقة ، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك ، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها ، واذا قرب أجله فانه يجب عليه أن يوصي بماله الى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته ، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين ، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم ، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله ، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع الى السفهاء أموالهم ، واذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم . الثاني : أنه قال في آخر الآية : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه ، لان المرء مشفق بطبعه على ولده ، فلا يقول له إلا المعروف ، وإنما يحتاج الى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب ، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين . قال القاضي : هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله : { أموالكم } على الحقيقة والمجاز جميعا ، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : { أموالكم } يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها ، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له ، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي ، إلا أنه يجب تصرفه ، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله : { أموالكم } واذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما .
المسألة الثانية : ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها : الأول : قال مجاهد وجويبر عن الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات . وهذا مذهب ابن عمر ، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا انما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء النساء الا امرأة أطاعت قيمها » (5/58)
فان قيل : لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال : السفائه . أو السفيهات في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة .
أجاب الزجاج : بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع الفقيرة جائز .
والقول الثاني : قال الزهري وابن زيد : عني بالسفهاء ههنا السفهاء من الأولاد ، يقول : لا تعط مالك الذي هو قيامك ، ولدك السفيه فيفسده .
القول الثالث : المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير ، قالوا اذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ، وان ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده .
والقول الرابع : أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال ، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، وهذا القول أولى لان التخصيص بغير دليل لا يجوز ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن السفه خفة العقل ، ولذلك سمي الفاسق سفيها لانه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله .
المسألة الثالثة : أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم ، ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى ، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ الاموال .
المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال ، قال تعالى : { وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } [ الإسراء : 26 ، 27 ] وقال تعالى :
{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً } [ الإسراء : 29 ] وقال تعالى : { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } [ الفرقان : 67 ] وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن ، والعقل أيضاً يؤيد ذلك ، لأن الانسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة ، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة . (5/59)
المسألة الخامسة : قوله تعالى : { التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } معناه أنه لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال ، فلما كان المال سببا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة ، يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم ، وقرأ نافع وابن عامر { التى جَعَلَ الله لَكُمْ قَيِّماً } وقد يقال : هذا قيم وقيم ، كما قال : { دينا قيما ملة إبراهيم } [ الأنعام : 161 ] وقرأ عبدالله بن عمر ( قواما ) بالواو ، وقوام الشيء ما يقام به كقولك : ملاك الأمر لما يملك به .
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : البالغ إذا كان مبذراً للمال مفسداً له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يحجر عليه . حجة الشافعي : أنه سفيه ، فوجب أن يحجر عليه ، إنما قلنا إنه سفيه ، لأن السفيه في اللغة ، هو من خف وزنه . ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسداً له من غير فائدة ، فانه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء ، فكان خفيف الوزن عندهم ، فوجب أن يسمى بالسفيه ، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } .
ثم قال تعالى : { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } .
واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء : أولها : قوله : { وارزقوهم } ومعناه : وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال : فلان رزق عياله أي أجرى عليهم ، وإنما قال : { فِيهَا } ولم يقل : منها لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال ، وثانيها : قوله : { واكسوهم } والمراد ظاهر ، وثالثها : قوله : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } .
واعلم انه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل السفه ، أما خلاف القول المعروف فانه يزيد السفيه سفهاً ونقصانا .
والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف وجوها : أحدها : قال ابن جريج ومجاهد : انه العدة الجميلة من البر والصلة ، وقال ابن عباس : هو مثل أن يقول : اذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله ، وان غنمت في غزاتي أعطيتك ، وثانيها : قال ابن زيد : انه الدعاء مثل أن يقول : عافانا الله وإياك بارك الله فيك ، وبالجملة كل ما سكنت اليه النفوس وأحبته من قول وعمل فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر ، وثالثها : قال الزجاج : المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل ، ورابعها : قال القفال رحمه الله القول المعروف هو أنه ان كان المولى عليه صبيا ، فالولي يعرفه ان المال ماله وهو خازن له ، وأنه اذا زال صباه فانه يرد المال اليه ، ونظير هذه الآية قوله :
{ فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ } [ الضحى : 9 ] معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد ، وكذا قوله : { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } [ الإسراء : 28 ] وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ، ورغبه في ترك التبذير والاسراف ، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج الى الخلق الى ما يشبه هذا النوع من الكلام ، وهذا الوجه أحسن من سائر الوجوه التى حكيناها . (5/60)
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)
واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم اليه بقوله : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ] بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم ، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم اليهم شرطين : أحدهما : بلوغ النكاح ، والثاني : إيناس الرشد ، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم اليهم ، وفي الآية مسائل : (5/61)
المسألة الأولى : قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : تصرفات الصبي العاقل المميز باذن الولي صحيحة ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : غير صحيحة ، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية ، وذلك لان قوله : { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } يقتضي ان هذا الابتلاء انما يحصل قبل البلوغ ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح للبيع والشراء ، وهذا الاختبار انما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء ، وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار ، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح الاستثناء ، يقال : وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله : { فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم .
أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال : ليس المراد بقوله : { وابتلوا اليتامى } الاذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك : { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ } فانما أمر بدفع المال اليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال اليه حال الصغر ، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر ، لأنه لا قائل بالفرق ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي ، وأما الذي احتجوا به ، فجوابه : أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله ، في أنه هل له فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد ، وذلك إذا باع الولي واشترى بحضور الصبي ، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء ، وأيضا : هب أنا سلمنا أنه يدفع اليه شيئا ليبيع أو يشتري ، فلم قلت إن هذا القدر يدل على صحة ذلك البيع والشراء ، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله ، فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء ، وهذا محتمل والله أعلم .
المسألة الثانية : المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله : { وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم } [ النور : 59 ] وهو في قول عامة الفقهاء عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود والأحكام ، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي يكون في الجماع .
واعلم أن للبلوغ علامات خمسة : منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والاناث ، وهو الاحتلام والسن المخصوص ، ونبات الشعر الخشن على العانة ، واثنان منها مختصان بالنساء ، وهما : الحيض والحبل . (5/62)
المسألة الثالثة : أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الايناس ومن تفسير الرشد ، أما الايناس فقوله : { ءانَسْتُمْ } أي عرفتم وقيل : رأيتم ، وأصل الايناس في اللغة الابصار ، ومنه قوله : { ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً } [ القصص : 29 ] وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله ، بل لا بد وأن يكون هذا مراداً ، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته ، ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر ، والأول أولى ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن أهل اللغة قالوا : الرشد هو إصابة الخير ، والمفسد في دينه لا يكون مصيباً للخير . وثانيها : أن الرشد نقيض الغي قال تعالى : { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } [ البقرة : 256 ] والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى : { وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى } [ طه : 121 ] فجعل العاصي غويا ، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين ، وثالثها : أنه تعالى قال : { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } [ هود : 97 ] نفي الرشد عنه لأنه ما كان يراعي مصالح الدين ، والله أعلم .
إذا عرفت هذا فنقول : فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر على الفاسق ، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه .
المسألة الرابعة : اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فانه لا يدفع اليه ماله ، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة ، فاذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال ، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة ، فاذا زاد عليه سبع سنين وهي مدة معتبر في تغير أحوال الانسان لقوله عليه الصلاة والسلام : « مروهم بالصلاة لسبع » فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال ، فعندها يدفع اليه ماله ، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله .
احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال : لا شك أن اسم الرشد واقع على العقل في الجملة ، والله تعالى شرط رشداً منكرا ولم يشترط سائر ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط المذكور في هذه الآية ، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون خمس وعشرين سنة ، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال : { فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا } ولا شك أن المراد ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، ثم قال : { وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ } ويجب أن يكون المراد : فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط مصالحه ، فانه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية مصالح المال ، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي ، بل تنقلب هذه الآية دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه ، فاذا كان هذا الشرط مفقوداً بعد خمس وعشرين سنة ، وجب أن لا يجوز دفع المال اليه ، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص ، لأن الصبي إنما منع منه المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به ، فاذا كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي ، فثبت أنه لا وجه لقول من يقول : انه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع اليه ماله وان لم يؤنس منه الرشد .
المسألة الخامسة : إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند الشافعي ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } [ النساء : 5 ] والقياس الجلي أيضا يدل عليه ، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير رشيد لم يدفع اليه ماله ، وإنما لم يدفع اليه ماله لئلا يصير المال ضائعا فيكون باقيا مرصداً ليوم حاجته ، وهذا المعنى قائم في السفه الطارىء ، فوجب اعتباره والله أعلم . (5/63)
المسألة السادسة : قال صاحب «الكشاف» : الفائدة في تنكير الرشد التنبيه على ان المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة ، أو على أن المعتبر هو حصول طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد .
المسألة السابعة : قال صاحب «الكشاف» : قرأ ابن مسعود فان أحستم ، بمعنى أحسستم قال :
أحسن به فهن اليه شوس ... وقرىء رشدا بفتحتين ورشداً بضمتين .
ثم قال تعالى : { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } والمراد أن عند حصول الشرطين أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال اليهم ، وإنما لم يذكر تعالى مع هذين الشرطين كمال العقل ، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر زائد على العقل .
ثم قال تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا ، ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } قال الواحدي رحمه الله : استعف عن الشيء وعف اذا امتنع منه وتركه ، وقال صاحب «الكشاف» : استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال : { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟ وفي هذه المسألة أقوال : أحدهما : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله ، واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : الأول : أن قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً } مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة ، وثانيها : أنه قال : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } فقوله : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } ليس المراد منه نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه ، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله : { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة ، وثالثها : قوله :
{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } [ النساء : 10 ] وهذا دليل على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } فائدة ، وهذا يدل على أن للوصي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف ، ورابعها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : ان تحت حجري يتيما أآكل من ماله؟ « قال : بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله ، » قال : أفأضربه؟ « قال : مما كنت ضاربا منه ولدك ، » وخامسها : ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف : سلام عليكم أما بعد : فاني رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار ، وربعها لعبدالله ابن مسعود ، وربعها لعثمان ، ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم : من كان غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . وعن ابن عباس أن ولي يتيم قال له : أفأشرب من لبن إبله؟ قال : إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها ، فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب وعنه أيضا : يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها ، وسادسها : أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها ، فانه يضرب له في تلك الصدقات بسهم ، فكذا ههنا ، فهذا تقرير هذا القول . (5/64)
والقول الثاني : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم قرضا ، ثم إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية ، وأكثر الروايات عن ابن عباس . وبعض أهل العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها ، فأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب ، فمباح له إذا كان غير مضر بالمال ، وهذا قول أبي العالية وغيره ، واحتجوا بأن الله تعالى قال : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم } فحكم في الأموال بدفعها اليهم .
والقول الثالث : قال أبو بكر الرازي : الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء ، سواء كان غنيا أو فقيرا . واحتج عليه بآيات : منها : قوله تعالى : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } [ النساء : 2 ] إلى قوله : { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [ النساء : 2 ] ومنها : قوله : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [ النساء : 10 ] ومنها : قوله { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط } [ النساء : 127 ] ومنها : قوله : { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل } [ البقرة : 188 ] قال : فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر ، وقوله : { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } متشابه محتمل فوجب رده لكونه متشابها إلى تلك المحكمات ، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي اليه . أما قوله : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } فهو عام وهذه الآية التي نحن فيها خاصة ، والخاص مقدم على العام . وقوله : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال الصبي بالمعروف ظلم ، وهل النزاع الا فيه ، وهو الجواب بعينه عن قوله : { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل } أما قوله : { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط } فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط ، والنزاع ليس إلا فيه ، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك ، والله أعلم . (5/65)
ثم قال تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } .
واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغا ، فان الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه : أحدها : أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له ، وثانيها : أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله اليه . ثالثها : أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته ، ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب » فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه ، فثبت بما ذكرنا من الاجماع والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد . واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم انه قد دفع المال اليه هل هو مصدق؟ وكذلك لو قال : أنفقت عليه في صغره هل هو مصدق؟ قال مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : يصدق ، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله : { فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } أمر ، وظاهر الأمر الوجوب ، وأيضا قال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم ، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع ، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة الشديدة وقال : لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم : قد دفعت اليك لأنه لم يأتمنه ، وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي : قد دفعت مالك اليك أن لا يصدق لأنه لم يأتمنه ، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه ، فيقال له : ان قولك هذا لبعيد عن معاني الفقه ، أما النقض بالقاضي فبعيد ، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا ، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة ، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر ، ويلزم التسلسل ، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم ، وأما الأب فالفرق ظاهر لوجين : أحدهما : ان شفقته أتم من شفقة الاجنبي ، ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي ، وأما إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك فنقول : ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره فههنا يلزمه الضمان ، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره ، فههنا يجب أن يقبل قوله ، والا لصار ذلك مانعاً للناس من قبول الوصاية ، فيقع الخلل في هذا المهم العظيم ، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فانه لا يفضي إلى هذه المفسدة فظهر الفرق ، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة ، وهو قوله : { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام الولي على ظلم الايتام والصبيان ، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات التهمة في حق ولي اليتيم .
ثم قال بعده : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ } أشعر ذلك بأن الغرض منه رعاية جانب الصبي؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا عند حضور الشاهد ، صار ذلك مانعاً له من الظلم والبخس والنقصان ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن قوله : { فَأَشْهِدُواْ } كما أنه يجب لظاهر الايجاب ، فكذلك يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الايجاب ، ثم قال هذا الرازي ، ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد ، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه ، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات ، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة ، فيقال له : أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله تعالى عنه ، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله ، وأيضاً فعادتك ترك الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله ، ومثل هذا الفقه مسلم لك ، ولا يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق . (5/66)
ثم قال تعالى : { وكفى بالله حَسِيباً } قال ابن الانباري والأزهري : يحتمل أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم للرجل للتهديد : حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم ، ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب ، قولنا الشريب بمعنى المشارب ، ومن الثاني قولهم : حسيبك الله أي كافيك الله . (5/67)
واعلم أن هذا وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل ، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل اليه ماله ، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي .
واعلم أن الباء في قوله : { وكفى بالله } { وكفى بِرَبّكَ } [ الإسراء : 65 ] في جميع القرآن زائدة ، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و { حَسِيباً } نصب على الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا ، وحال كونه كافيا .
لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل : (5/68)
المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس : ان أوس بن ثابت الانصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما : سويد ، وعرفجة وأخذا ماله . فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة ، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا ، وما دفعا إلى بناته شيئا من المال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك » فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا ، ولكنه تعالى لم يبين المقدار في هذه الآية ، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال : « لا تقربا من مال أوس شيئا » ثم نزل بعد : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } [ النساء : 11 ] ونزل فرض الزوج وفرض المرأة ، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه اليها ، فهذا هو الكلام في سبب النزول .
المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فبين تعالى أن الارث غير مختص بالرجال ، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ، فذكر في هذه الآية هذا القدر ، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء ، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن تلك العادة قليلا قليلاً على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على الطبع ، فاذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل ، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ، ثم أردفه بالتفصيل .
المسألة الثالثة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الارحام قال : لأن العمات والخالات والاخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب دخولهم تحت قوله : { لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية ، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل .
وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : أحدهما : انه تعالى قال في آخر الآية { نَصِيباً مَّفْرُوضاً } أي نصيبا مقدرا ، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين؟ وتحقيقه أنه إما أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو المراد منه من كان أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ، لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب إلى آدم عليه السلام ، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده ، فيلزم دخول كل الخلق في هذا النص وهو باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه ، وما ذاك إلا الوالدان والأولاد ، فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام ، لا يقال : لو حملنا الأقربين على الوالدين لزم التكرار ، لأنا نقول : الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد ، ثم ذكر الأقربين ، فيكون المعنى أنه ذكر النوع ، ثم ذكر الجنس فلم يلزم التكرار .
المسألة الرابعة : قوله : { نَصِيباً } في نصبه وجوه : أحدها : أنه نصب على الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا ، والثاني : يجوز أن ينتصب انتصاب المصدر ، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل : قسما واجبا ، كقوله : { فَرِيضَةً مّنَ الله } [ التوبة : 60 ، النساء : 11 ] أي قسمة مفروضة . (5/69)
المسألة الخامسة : أصل الفرض الحز ، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس فرضاً ، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضاً ، وهو علامة لها تميز بينها وبين غيرها ، والفرضة العلامة في مقسم الماء ، يعرف بها كل ذي حق حقه من الشرب ، فهذا هو أصل الفرض في اللغة ، ثم ان أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون ، قالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فانه عبارة عن السقوط ، يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط ، وسمعت وجبة يعني سقطة قال الله تعالى : { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } [ الحج : 36 ] يعني سقطت ، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأن الوجوب عبارة عن السقوط ، ولا شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط . فلهذا السبب خصص أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون .
إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة ، فلم يكن توريثهم فرضاً ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ، فلزم القطع بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام ، والله أعلم .
وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)
وفي الآية مسائل : (5/70)
المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { وَإِذَا حَضَرَ القسمة } ليس فيه بيان أي قسمة هي ، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال : الأول : أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظاً من الميراث ، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث ، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة ، فان تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم ، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع اليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن ذلك واجب ، ومنهم من قال : إنه مندوب ، أما القائلون بالوجوب ، فقد اختلفوا في أمور : أحدها : أن منهم من قال : الوارث إن كان كبيراً وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به ، وإن كان صغيراً وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال ، ومنهم من قال : إن كان الوارث كبيراً ، وجب عليه الاعطاء من ذلك المال ، وإن كان صغيراً وجب على الولي أن يعتذر إليهم ، ويقول : إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق ، وان يكبروا فسيعرفون حقكم ، فهذا هو القول المعروف ، وثانيها : قال الحسن والنخعي : هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ، فاذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك ، قال لهم قولا معروفا ، مثل أن يقول لهم : ارجعوا بارك الله فيكم ، وثالثها : قالوا : مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل ، ولا تقدير فيه بالاجماع . ورابعها : أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة . قال ابن عباس في رواية عطاء : وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول سعيد بن المسيب والضحاك وقال في رواية عكرمة : الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير ، فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة . روي أن عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية ، فلم يترك في الدار أحدا إلا أعطاه ، وتلا هذه الآية ، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب ، ومنهم من قال : انه ثبت على سبيل الندب والاستحباب ، لا على سبيل الفرض والايجاب ، وهذا الندب أيضا إنما يحصل اذا كانت الورثة كباراً ، أما اذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف ، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار . واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب ، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره ، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب .
القول الثاني : في تفسير الآية : أن المراد بالقسمة الوصية ، فاذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ، ويقول لهم مع ذلك : قولا معروفا في الوقت ، فيكون ذلك سببا لوصول السرور اليهم في الحال والاستقبال ، والقول الأول أولى ، لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية ، ويمكن أن يقال : هذا القول أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية . (5/71)
القول الثالث : في تفسير الآية أن قوله : { وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى } فالمراد من أُوْلِى القربى الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين الذين لا يرثون .
ثم قال : { فارزقوهم مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } فقوله : { فارزقوهم } راجع الى القربى الذين يرثون وقوله : { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } راجع الى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ، وهذا القول محكي عن سعيد بن جبير .
المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : الضمير في قوله : { فارزقوهم مّنْهُ } عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون ، وقال الواحدي : الضمير عائد الى الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة ، لا الى لفظها كقوله : { ثُمَّ استخرجها مِن وِعَاء أَخِيهِ } [ يوسف : 76 ] والصواع مذكر لا يكنى عنه بالتأنيث ، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية الى المعنى لا الى اللفظ ، وعلى هذا التقدير فالمراد بالقسمة المقسوم ، لأنه إنما يكون الرزق من المقسوم لا من نفس القسمة .
المسألة الثالثة : إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر ، وحاجتهم أشد ، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر .
المسألة الرابعة : الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئا .
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
وفي الآية مسائل : (5/72)
المسألة الأولى : الجملة الشرطية وهو قوله : { لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ } هي صلة لقوله : { الذين } والمعنى : وليخش الذين من صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه ، وسنذكر وجوه المفسرين فيه .
المسألة الثانية : لا شك أن قوله : { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ } يوجب الاحتياط للذرية الضعاف ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون : ان ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك لفلان وفلان ، ولا يزالون يأمرونه بالوصية الى الأجانب الى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا ، فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله . وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم . عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » . والقول الثاني : قال حبيب بن أبي ثابت : سألت مقسما عن هذه الآية فقال : هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب ، فيقول له من كان عنده : اتق الله وأمسك على ولدك مالك ، مع أن ذلك الانسان يحب أن يوصي له ، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية ، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية ، والأولى أولى ، لأن قوله : { لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا } أشبه بالوجه الأول وأقرب اليه .
والقول الثالث : يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله ، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته ، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث . كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث ، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك ، وكانوا يقولون : الخمس أفضل من الربع ، والربع أفضل من الثلث ، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس » . والقول الرابع : أن هذا أمر لأولياء اليتيم ، فكأنه تعالى قال : وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره ، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله ، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا . قال القاضي : وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام ، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود .
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف» : قرىء ضعفاء ، وضعافى ، وضعافى : نحو سكارى وسكارى . قال الواحدي : قرأ حمزة { ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ } بالامالة فيهما ثم قال : ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال ، وكان أوله حرفا مستعلياً مكسوراً نحو ضعاف ، وغلاب ، وخباب ، يحسن فيه الامالة ، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة ، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة ، وأما الامالة في { خَافُواْ } فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت ، ثم قال : { فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } وهو كالتقرير لما تقدم ، فكأنه قال : فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه ، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل ، والقول السديد هو العدل والصواب من القول . قال صاحب «الكشاف» : القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني ، يا ولدي ، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا : إذا أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك ، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون ، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالاكرام . (5/73)
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)
اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك ، كقوله : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [ النساء : 2 ] { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا } [ النساء : 9 ] ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى . وفي الآية مسائل : (5/74)
المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم ، والا لم يكن لهذا التخصيص فائدة ، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف .
المسألة الثانية : قوله : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } فيه قولان : الأول : أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي : إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه ، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم . وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء : فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما » . والقول الثاني : ان ذلك توسع ، والمراد : ان أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث انه يفضي اليه ويستلزمه ، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر ، كقوله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] قال القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } الاشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى .
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } .
وجوابه : أنه كقوله : { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِم } [ آل عمران : 167 ] والقول لا يكون إلا بالفهم ، وقال : { ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } [ الحج : 46 ] والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال : { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة .
المسألة الرابعة : انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الاتلافات ، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه : أحدها : أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها . فخرج الكلام على عادتهم . وثانيها : أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا ، أنه يقال : إنه أكل ماله . وثالثها : أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات .
المسألة الخامسة : قالت المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل ، سواء كان مسلما أو لم يكن؛ لأن قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله : { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة ، ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : { والكافرون هُمُ الظالمون } [ البقرة : 254 ] ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية ، وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة ، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله ، فقال أبو علي الجبائي : قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة ، هذا جملة ما ذكره القاضي ، فيقال له : فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : أنك زدت فيه شرط عدم التوبة . والثاني : أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟ أقصى ما في الباب أن يقال : ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو ، لكنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو ، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة . والثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود ، بل يبقى الاحتمال ، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم ، والله أعلم . (5/75)
المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : { يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } [ التوبة : 35 ] وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد أشد ، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب ، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب ، أما اليتيم فانه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد .
ثم قال تعالى : { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } وفيه مسائل : (5/76)
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { وَسَيَصْلَوْنَ } بضم الياء ، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال : صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالي النار ، وقوم صالون وصلاء قال تعالى : { إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } [ الصافات : 163 ] وقال : { أولى بِهَا صِلِيّاً } [ مريم : 70 ] وقال : { جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا } [ إبراهيم : 29 ، ص : 56 ، المجادلة : 8 ] قال الفراء : الصلي : اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر النار اصلاء . قال : { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } [ النساء : 30 ] وقال تعالى : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : 26 ] قال صاحب «الكشاف» : قرىء { سيصلون } بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها .
المسألة الثانية : السعير : هو النار المستعرة يقال : سعرت النار أسعرها سعراً فهي مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة ، وإنما قال : { وَسَيَصْلَوْنَ } لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى .
المسألة الثالثة : روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } [ البقرة : 220 ] ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا ، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } ، والله أعلم .
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
وفي الآية مسائل : (5/77)
المسألة الأولى : اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين : أحدهما : النسب ، والآخر العهد ، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث . وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون الغنيمة ، وأما العهد فمن وجهين : الأول : الحلف ، كان الرجل في الجاهلية يقول لغيره : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، فاذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال الميت ، والثاني : التبني ، فان الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه ، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة ، ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في الجاهلية ، ومن العلماء من قال : بل قررهم الله على ذلك فقال : { وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } [ النساء : 33 ] والمراد التوارث بالنسب . ثم قال : { والذين عَقَدَتْ أيمانكم فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } [ النساء : 33 ] والمراد به التوارث بالعهد ، والأولون قالوا المراد بقوله : { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } ليس المراد منه النصيب من المال ، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة ، فهذا شرح أسباب التوارث في الجاهلية .
وأما أسباب التوارث في الاسلام ، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف والتبني ، وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة ، فكان المهاجر يرث من المهاجر . وان كان أجنبيا عنه ، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد المخالطة والمخالصة ، ولا يرثه غير المهاجر ، وإن كان من أقاربه . والثاني : المؤاخاة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم ، وكان ذلك سببا للتوارث ، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله : { وَأُوْلُواْ الارحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله } [ الأحزاب : 6 ] والذي تقرر عليه دين الاسلام أن أسباب التوريث ثلاثة : النسب ، والنكاح ، والولاء .
المسألة الثانية : روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين وامرأة وأخا ، فأخذ الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما ، فقال عليه الصلاة والسلام : « ارجعي فلعل الله سيقضي فيه » ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال : « أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك » . فهذا أول ميراث قسم في الاسلام المسألة الثالثة : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالارث ، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث ، الثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله :
{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } [ النساء : 7 ] فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل فقال : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } . (5/78)
المسألة الرابعة : قال القفال : قوله : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } أي يقول الله لكم قولا يوصلكم الى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الايصاء هو الايصال يقال : وصى يصي اذا وصل ، وأوصى يوصي اذا أوصل ، فاذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني الى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا : { يُوصِيكُمُ } أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله : { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ } ولا شك في كون ذلك واجبا علينا .
فان قيل : انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } .
قلنا : لما كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله : { يُوصِيكُمُ الله } خبرا مستأنفا وقال : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } ونظيره قوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } [ الفتح : 29 ] أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول .
المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الانسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " فاطمة بضعة مني " فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم .
واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا ، وإما أن يخلف الاناث فقط ، أو الذكور فقط .
القسم الأول : ما اذا خلف الذكران والاناث معا ، وقد بين الله الحكم فيه بقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } .
واعلم أن هذا يفيد أحكاما : أحدهما : اذا خلف الميت ذكراً واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان ، ولك أنثى سهم . وثالثها : إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } يفيد هذه الأحكام الكثيرة .
القسم الثاني : ما إذا مات وخلف الاناث فقط : بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح . واختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا ، وأما فرض البنتين فهو النصف ، واحتج عليه بأنه تعالى قال : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } وكلمة «إن» في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعداً ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين .
والجواب من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس ، لأنه تعالى قال : { وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف } فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة ، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين ، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله . الثاني : أنا لا نسلم أن كلمة «ان» تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف ، وإما الثلثان ، وبتقدير أن يكون كلمة «إن» للاشتراط وجب القول بفسادهما ، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا ، ولأنه تعالى قال : { وَإِن لَّمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ } [ البقرة : 283 ] وقال : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } [ النساء : 101 ] ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات . (5/79)
الوجه الثالث : في الجواب : هو أن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير : فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان ، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس ، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان ، قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم الاصفهاني : عرفناه من قوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } فاذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين ، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين الثلثين ، الثاني : قال أبو بكر الرازي : اذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } فاذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث ، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى ، لأن الذكر أقوى من الأنثى . الثالث : أن قوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } يفيد أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة ، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص ، واذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق ، والرابع : أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه . الخامس : أنه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ، ولم يذكر حكم الثنتين ، وقال في شرح ميراث الأخوات : { إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } { فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ }
[ النساء : 176 ] فههنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه ، فنقول : لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بذلك ، لأنهما أقرب الى الميت من الأختين ، ولما كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب الأخوات الكثيرة على ذلك ، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل الأضعف زائدا على الأقوى ، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب ، فالوجوه الثلاثة الاول مستنبطة من الآية ، والرابع مأخوذ من السنة ، والخامس من القياس الجلي . (5/80)
أما القسم الثالث : وهو اذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول : أما الابن الواحد فانه اذا انفرد أخذ كل المال ، وبيانه من وجوه : الاول من دلالة قوله تعالى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } [ النساء : 176 ] فان هذا يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين .
ثم قال تعالى في البنات : { وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف } فلزم من مجموع هاتين الآيتين ان نصيب الابن المفرد جميع المال . الثاني : أنا نستفيد ذلك من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام : « ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ذكر » ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر ، ولما كان الابن آخذاً لكل ما بقي بعد السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل . الثالث : ان أقرب العصبات إلى الميت هو الابن ، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث ، فاذا لم يكن معه صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد ، فوجب أن يأخذ الكل .
فان قيل : حظ الانثيين هو الثلثان فقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } يقتضي أن يكون حظ الذكر مطلقا هو الثلث ، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال .
قلنا : المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : ان قوله : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } يقتضي حصول الأولاد ، وقوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } يقتضي حصول الذكر والانثى هناك . والثاني : أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد ، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط ، أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان ، فوجب قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم .
بقي في الآية سؤالان :
السؤال الأول : لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه : أما أولا فلعجزها عن الخروج والبروز ، فان زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك . وأما ثانيا : فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها . وأما ثالثا : فلأنها متى خالطت الرجال صارت متهمة ، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر ، فان لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة ، فما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أن خروج المرأة أقل ، لأن زوجها ينفق عليها ، وخروج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته ، ومن كان خروجه أكثر فهو إلى المال أحوج . الثاني : أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية ، مثل صلاحية القضاء والامامة ، وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، ومن كان كذلك وجب أن يكون الانعام عليه أزيد . الثالث : ان المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة ، فاذا انضاف اليها المال الكثير عظم الفساد قال الشاعر : (5/81)
إن الفراغ والشباب والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده
وقال تعالى : { إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى } [ العلق : 6 ، 7 ] وحال الرجل بخلاف ذلك . والرابع : أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، نحو بناء الرباطات ، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل ، وإنما يقدر الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا ، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا تقدر على ذلك . الخامس : روي أن جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال : إن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها ، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ، ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم ، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها ، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل .
السؤال الثاني : لم لم يقل : للأنثيين مثل حظ الذكر ، أو للأنثى مثلا نصف حظ الذكر؟
والجواب من وجوه : الأول : لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ذكر الأنثى ، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى . الثاني : أن قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام ، ولو قال : كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر بالالتزام ، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل ، ولهذا قال : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] فذكر الاحسان مرتين والاساءة مرة واحدة . الثالث : أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو السبب لورود هذه الآية ، فقيل : كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى ، فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية ، والله أعلم .
المسألة السادسة : لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل الحقيقة ، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى : { يا بني آدم } [ الأعراف : 26 ] وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام : { يا بَنِى إسراءيل } [ البقرة : 40 ] الا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ولد الابن مجازاً أو حقيقة .
فان قلنا : إنه مجاز فنقول : ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا ، فحينئذ يمتنع أن يريد الله بقوله : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } ولد الصلب وولد الابن معا .
واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال : انا لا نستفيد حكم ولد الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس ، وأما ان أردنا أن نستفيده من هذه الآية فنقول : الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا ، وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين ، إما عند عدم ولد الصلب رأسا ، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث ، فحينئذ يقتسمون الباقي ، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك ، وعلى هذا لا يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا ، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد الابن ، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب ، فالحاصل ان هذه الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن ، وفي كل واحدة من هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحداً ، أما إذا قلنا : ان وقوع اسم الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة ، فان جعلنا اللفظ مشتركا بينهما عاد الاشكال ، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة معنييه معا ، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى الانسان والفرس . والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى : { وحلائل أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أصلابكم } [ النساء : 23 ] وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد الابن ، فعلمنا أن لفظ الابن متواطىء بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . (5/82)
واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الأجداد والجدات؟ ولا شك أن ذلك واقع بدليل قوله تعالى : { نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } [ البقرة : 133 ] والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة ، فإن الصحابة اتفقوا على أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن ، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم .
المسألة السابعة : اعلم أن عموم قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } زعموا أنه مخصوص في صور أربعة : أحدها : أن الحر والعبد لا يتوارثان . وثانيها : أن القاتل على سبيل العمد لا يرث . وثالثها : أنه لا يتوارث أهل ملتين ، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض ، ويتفرع عليه فرعان :
الفرع الأول : اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم ، أما المسلم فهل يرث من الكافر؟ ذهب الأكثرون إلى أنه أيضاً لا يرث ، وقال بعضهم : إنه يرث قال الشعبي : قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد ، فأرسل ذلك زياد إلى شريح القاضي وأمره به ، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث ، فلما أمره زياد بذلك كان يقضي به ويقول : هكذا قضى أمير المؤمنين .
حجة الأولين عموم قوله عليه السلام : « لا يتوارث أهل ملتين » وحجة القول الثاني : ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا مسلما فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « الاسلام يزيد ولا ينقص » ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله : { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } يقتضي توريث الكافر من المسلم ، والمسلم من الكافر ، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام : « لا يتوارث أهل ملتين » لأن هذا الخبر أخص من تلك الآية ، والخاص مقدم على العام فكذا ههنا قوله : « الاسلام يزيد ولا ينقص » أخص من قوله : « لا يتوارث أهل ملتين » فوجب تقديمه عليه ، بل هذا التخصيص أولى ، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية ، والخبر الأول ليس كذلك ، وأقصى ما قيل في جوابه : أن قوله : « الاسلام يزيد ولا ينقص » ليس نصا في واقعة الميراث ، فوجب حمله على سائر الأحوال . (5/83)
الفرع الثاني : المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل ، فالمال الذي اكتسبه في زمان الردة أجمعوا على أنه لا يورث ، بل يكون لبيت المال ، أما المال الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان : قال الشافعي : لا يورث بل يكون لبيت المال ، وقال أبو حنيفة : يرثه ورثته من المسلمين ، حجة الشافعي أنا أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام : « لا يتوارث أهل ملتين » على عموم قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين ، فوجب أن لا يحصل التوارث .
فان قيل : لا يجوز أن يقال : إن المرتد زال ملكه في آخر الاسلام وانتقل إلى الوارث ، وعلى هذا التقدير فالمسلم انما ورث عن المسلم لا عن الكافر .
قلنا : لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد مماته ، والأول باطل ، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى : { إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } [ المؤمنون : 6 ] وهو بالاجماع باطل . والثاني : باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين أهل ملتين ، وهو خلاف الخبر . ولا يبقى ههنا إلا أن يقال : إنه يرثه بعد موته مستنداً إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه ، إلا أن القول بالاستناد باطل ، لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد ، فلو حصل بعد موته على وجه صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي ، وذلك باطل في بداهة العقول ، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه من المرتد حال حياة المرتد ، وقد أبطلناه ، والله أعلم .
الموضع الرابع : من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون ، والشيعة خالفوا فيه ، روي أن فاطمة عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه ، احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » فعند هذا احتجت فاطمة عليها السلام بعموم قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } وكأنها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ، ثم ان الشيعة قالوا : بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز ههنا ، وبيانه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على خلاف قوله تعالى : حكاية عن زكريا عليه السلام { يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } [ مريم : 6 ] وقوله تعالى : { وَوَرِثَ سليمان دَاوُودُ } [ النمل : 16 ] قالوا : ولا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة . بل يكون كسباً جديداً مبتدأ ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة ، وثانيها : أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين ، وأما أبو بكر فانه ما كان محتاجا الى معرفة هذه المسألة البتة ، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة ، وثالثها : يحتمل أن قوله : « ما تركناه صدقة » صلة لقوله : « لا نورث » والتقدير : أن الشيء الذي تركناه صدقة ، فذلك الشيء لا يورث . (5/84)
فان قيل : فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك .
قلنا : بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم ، وهذا المعنى مفقود في حق غيرهم .
والجواب : أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة ، وانعقد الاجماع على صحة ما ذهب اليه أبو بكر فسقط هذا السؤال ، والله أعلم .
المسألة الثامنة : من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } معناه للذكر منهم ، فحذف الراجع اليه لأنه مفهوم ، كقولك : السمن منوان بدرهم ، والله أعلم .
أما قوله تعالى : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } المعنى إن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن ، وقوله : { فَوْقَ اثنتين } يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان ، وأن يكون صفة لقوله : { نِسَاء } أي نساء زائدات على اثنتين . وههنا سؤالات .