صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
وأما البحث الثاني : وهو ما يتعلق بالنبوّة ، فقد ذكره الله تعالى ههنا في غاية الحسن ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال : { نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق } [ آل عمران : 3 ] وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس ، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان ، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقاً لا محالة ، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في كون القرآن نازلاً من عند الله وإذا كان الطريق مشتركاً ، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإله على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وما هو العمدة في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام } [ آل عمران : 4 ] فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط ، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر . (4/95)
ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من الألفاظ .
أما قوله { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبيّن الله تعالى أن أحداً لا يستحق العبادة سواه .
ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال : { الحى القيوم } فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته ، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم ، من الليل والنهار ، والحر والبرد ، والرياح والأمطار ، والنعم التي لا يقدر عليها سواه ، ولا يحصيها غيره ، كما قال تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] وقرأ عمر رضي الله عنه { الحى القيوم } قال قتادة ، الحي الذي لا يموت ، والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم ، وآجالهم ، وأرزاقهم ، وعن سعيد بن جبير : الحي قبل كل حي ، والقيوم الذي لا ند له ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن قولنا : الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلهية ، ولما ثبت أن المعبود يجب أن يكون حياً قيوماً ودلّت البديهة والحسن على أن عيسى عليه السلام ما كان حياً قيوماً ، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت . علمنا قطعاً أن عيسى ما كان إلها ، ولا ولداً للإله تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)
فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه ، وإنما خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ، لأن التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما ، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه ، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة ، فلهذا خصهما بالإنزال ، ولقائل أن يقول : هذا يشكل بقوله تعالى : { الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف : 1 ] وبقوله { وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } [ الإسراء : 105 ] . (4/96)
واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزّل بوصفين :
الوصف الأول : قوله { بالحق } قال أبو مسلم : إنه يحتمل وجوهاً أحدها : أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها : أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها : أنه حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس بالهزل ورابعها : قال الأصم : المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها : أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة ، كما قال : { أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } وقال : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } [ النساء : 82 ] .
والوصف الثاني : لهذا الكتاب قوله { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عزّ وجلّ ، ثم في الآية وجهان الأول : أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب ، لأنه كان أُمياً لم يختلط بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد شيئاً ، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف ، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني : قال أبو مسلم : المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، بقي في الآية سؤالان :
السؤال الأول : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه .
والجواب : أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم .
السؤال الثاني : كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟ .
والجواب : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن ، فكان القرآن مصدقاً لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل .
ثم قال الله تعالى : { وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل } وفيه مسائل : (4/97)
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن { والإنجيل } بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه .
أما لفظ { التوراة } ففيه أبحاث ثلاثة :
البحث الأول : في اشتقاقه ، قال الفرّاء التوراةَ معناها الضياء والنور ، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى : { فالموريات قَدْحاً } [ العاديات : 2 ] ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء } [ الأنبياء : 48 ] .
البحث الثاني : لهم في وزنه ثلاثة أقوال :
القول الأول : قال الفرّاء : أصل التوراة تورية تفعلة بفتح التاء ، وسكون الواو ، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها .
القول الثاني : قال الفرّاء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية ، فيكون أصلها تورية ، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيىء ، فإنهم يقولون في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر :
فما الدنيا بباقاة لحي ... وما حي على الدنيا بباق
والقول الثالث : وهو قول الخليل والبصريين : إن أصلها : وورية ، فوعلة ، ثم قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو : تجاه ، وتراث ، وتخمة ، وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت توراة وكتبت بالياء على أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفرّاء ، أما الأول : فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة فكثير ، نحو : صومعة ، وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيىء ، والقرآن ما نزل بها ألبتة .
البحث الثالث : في التوراة قراءتان : الإمالة والتفخيم ، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير ، والله أعلم .
وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول : قال الزجاج : إنه افعيل من النجل ، وهو الأصل ، يقال : لعن الله ناجليه ، أي والديه ، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم ، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني : قال قوم : الإنجيل مأخوذ من قول العرب : نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل ، ويقال : قد استنجل الوادي ، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلاً لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث : قال أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع ، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه والرابع : أنه من النجل الذي هو سعة العين ، ومنه طعنة نجلاء ، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم .
وأقول : أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء آخر ، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور ، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعاً أولا : حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها ، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا ، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل ، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً ومشتقاً في غاية الشهرة ، وذاك الذي يجعلونه أصلاً في غاية الخفاء ، وأيضاً فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها ، والإنجيل إنما سمي إنجيلاً لكونه أصلاً وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة ، ووجب في كل ما كان أصلاً لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل ، والطين أصل الكوز ، فوجب أن يكون الطين إنجيلاً والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ثم أنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بدّ وأن يتمسكوا بالوضع ، ويقولوا : العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع ، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة ، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات ، وأيضاً فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسُّريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث ، والله أعلم . (4/98)
مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)
أما قوله تعالى : { مِن قَبْلُ هُدًى لّلنَّاسِ } . (4/99)
فاعلم أنه تعالى بيّن أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن ، ثم بيّن أنه إنما أنزلهما هدى للناس ، قال الكعبي : هذه الآية دالة على بطلان قول من يزعم أن القرآن عمى على الكافرين وليس بهدى لهم ، ويدل على معنى قوله { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [ فصلت : 44 ] أن عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز ، كقول نوح عليه السلام { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } [ نوح : 6 ] لما فروا عنده .
واعلم أن قوله { هُدًى لّلنَّاسِ } فيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك عائداً إلى التوراة والإنجيل فقط ، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق ، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان .
فإن قيل : إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدىً للمتقين ، فلم لم يصفه ههنا به؟ .
قلنا : فيه لطيفة ، وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] لأنهم هم المنتفعون به ، فصار من الوجه هدىً لهم لا لغيرهم ، أما ههنا فالمناظرة كانت مع النصارى ، وهم لا يهتدون بالقرآن فلا جرم لم يقل ههنا في القرآنه أنه هدىً بل قال : إنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون بأنا إنما نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا التأويل بأنهما هدىً ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم .
القول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى ، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل ، والله أعلم بمراده .
ثم قال : { وَأَنزَلَ الفرقان } .
ولجمهور المفسرين فيه أقوال الأول : أن المراد هو الزبور ، كما قال : { وَءَاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } [ النساء : 163 ] والثاني : أن المراد هو القرآن ، وإنما أعاده تعظيماً لشأنه ومدحاً بكونه فارقاً بين الحق والباطل أو يقال : إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل ، وعلى هذا التقدير فلا تكرار .
والقول الثالث : وهو قول الأكثرين : أن المراد أنه تعالى كما جعل الكتب الثلاثة هدى ودلالة ، فقد جعلها فارقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع ، فصار هذا الكلام دالاً على أن الله تعالى بيّن بهذه الكتب ما يلزم عقلاً وسمعاً ، هذا جملة ما قاله أهل التفسير في هذه الآية وهي عندي مشكلة أما حمله على الزبور فهو بعيد ، لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام ، بل ليس فيه إلا المواعظ ، ووصف التوراة والإنجيل مع اشتمالهما على الدلائل ، وبيان الأحكام بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك ، وأما القول الثاني : وهو حمله على القرآن فبعيد من حيث إن قوله { وَأَنزَلَ الفرقان } عطف على ما قبله ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه والقرآن مذكور قبل هذا فهذا يقتضي أن يكون هذا الفرقان مغايراً للقرآن ، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث ، لأن كون هذه الكتب فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب وعطف الصفة على الموصوف وإن كان قد ورد في بعض الأشعار النادرة إلا أنه ضعيف بعيد عن وجه الفصاحة اللائقة بكلام الله تعالى ، والمختار عندي في تفسير هذه الآية وجه رابع ، وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب ، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين ، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب ، فالمعجزة هي الفرقان ، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق ، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك ، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق ، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها ، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة ، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية ، وهب أن أحداً من المفسرين ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى عليه يفيد قوة المعنى ، وجزالة اللفظ ، واستقامة الترتيب والنظم ، والوجوه التي ذكروها تنافي كل ذلك ، فكان ما ذكرناه أولى والله أعلم بمراده .
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر في هذه الألفاظ القليلة جميع ما يتعلق بمعرفة الإله ، وجميع ما يتعلق بتقرير النبوّة أتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال : (4/100)
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام } .
واعلم أن بعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى ، فقصر اللفظ العام على سبب نزوله ، والمحققون من المفسرين قالوا : خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله تعالى .
ثم قال : { والله عَزِيزٌ ذُو انتقام } .
والعزيز الغالب الذي لا يغلب والانتقام العقوبة ، يقال انتقم منه انتقاماً أي عاقبه ، وقال الليث يقال : لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه عقوب بما صنع ، والعزيز إشار إلى القدرة التامة على العقاب ، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلاً للعقاب ، فالأول : صفة الذات ، والثاني : صفة الفعل ، والله أعلم .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
إعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين : (4/101)
الاحتمال الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم ، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم ، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما : أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني : أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها ، والأول : لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ، والثاني : لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات ، فقوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات ، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات ، لا يشغله سؤال عن سؤال ، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين ثم قوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } إشارة إلى كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات ، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم ، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات ، ثم فيه لطيفة أخرى ، وهي أن قوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } كما ذكرناه إشارة إلى كمال علمه سبحانه ، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع ، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي ، وذلك هو أن نقول : إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة ، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً ، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا ، فحين ادعى كونه عالماً بكل المعلومات بقوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك ، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة ، والتركيب الغريب ، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة ، فبعضها عظام ، وبعضها غضاريف ، وبعضها شرايين ، وبعضها أوردة ، وبعضها عضلات ، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن ، والتأليف الأكمل ، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون ، ويدل على كونه عالماً من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم ، فكان قوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } دالاً على كونه قادراً على كل الممكنات ، ودالاً على صحة ما تقدم من قوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وقادر على كل الممكنات ، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات ، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولاً من أنه هو الحي القيوم ، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة ، ولا أحسن ترتيباً ، ولا أكثر تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات .
والاحتمال الثاني : أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها ، وذلك لأن النصارى ادعوا إلهية عيسى عليه السلام ، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه ، أحد النوعين شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة ، والنوع الثاني : شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية . (4/102)
أما النوع الأول من الشبه : فاعتمادهم في ذلك على أمرين أحدهما : يتعلق بالعلم والثاني : يتعلق بالقدرة .
أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب ، وكان يقول لهذا : أنت أكلت في دارك كذا ، ويقول لذاك : إنك صنعت في دارك كذا ، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم .
وأما الأمر الثاني من شبههم ، فهو متعلق بالقدرة ، وهو أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة ، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين ، ثم إنه تعالى لما استدل على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله { الحى القيوم } [ آل عمران : 2 ] يعني الإله يجب أن يكون حياً قيوماً ، وعيسى ما كان حياً قيوماً ، لزم القطع إنه ما كان إلها ، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما يكون جواباً عن هاتين الشبهتين :
أما الشبهة الأولى : وهي المتعلقة بالعلم ، وهي قولهم : إنه أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلها ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلها لاحتمال أنه إنما علم ذلك بوحي من الله إليه ، وتعليم الله تعالى له ذلك ، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات يدل دلالة قاطعة على أنه ليس بإله لأن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإن الإله هو الذي يكون خالقاً ، والخالق لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه ، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات ، فكيف والنصارى يقولون : إنه أظهر الجزع من الموت فلو كان عالماً بالغيب كله ، لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله ، وأنه يتأذى بذلك ويتألم ، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه ، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات والإله هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات ، فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلها فثبت أن الاستدلال بمعرفة بعض الغيب لا يدل على حصول الإلهية ، وأما الجهل ببعض الغيب يدل قطعاً على عدم الإلهية ، فهذا هو الجواب عن النوع الأول من الشبه المتعلقة بالعلم .
أما النوع الثاني : من الشبه ، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله تعالى عنها بقوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلها ، لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهاراً لمعجزته وإكراماً له . (4/103)
أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلهية ، وذلك لأن الإله هو الذي يكون قادراً على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب ، والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ما كان قادراً على الإحياء والإماتة على هذا الوجه وكيف ، ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه ، فثبت أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلها ، أما عدم حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلها ، فظهر بما ذكر أن هذه الشبهة الثانية أيضاً ساقطة .
وأما النوع الثاني من الشبه : فهي الشبه المبنية على مقدمات إلزامية ، وحاصلها يرجع إلى نوعين .
النوع الأول : أن النصارى يقولون : أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابناً له فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب .
والنوع الثاني : أن النصارى قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ألست تقول : إن عيسى روح الله وكلمته ، فهذا يدل على أنه ابن الله ، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي ، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز ، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات ، فوجب رده إلى التأويل ، وذلك هو المراد بقوله { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ ءايات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات } [ آل عمران : 7 ] فظهر بما ذكرنا أن قوله { الحى القيوم } إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله ولا ابن له ، وأما قوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } فهو جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم ، وقوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة ، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابناً لله ، وأما قوله { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } [ آل عمران : 7 ] فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح الله وكلمته ، ومن أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلاً من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب ، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وأما كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن أراد ذلك طالع الكتب ، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم بالتثليث ، فقال : { لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب ، وقدرته على الإحياء والإماتة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلها فإن الإله لا بد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز ، وكامل العلم وهو الحكيم ، وبقي في الآية أبحاث لطيفة ، أما قوله { لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } فالمراد أنه لا يخفى عليه شيء .
فإن قيل : ما الفائدة في قوله { فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } مع أنه لو أطلق كان أبلغ . (4/104)
قلنا : الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه ، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السموات والأرض أقوى ، وذلك لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض ، فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله عزّ وجلّ والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل ، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أُريد إيضاحها ذكر لها مثال ، فإن المثال يعين على الفهم .
أما قوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ } قال الواحدي : التصوير جعل الشيء على صورة ، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره يصوره إذا أماله ، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ذكرناه في قوله تعالى : { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } [ البقرة : 260 ] وأما الأرحام فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة ، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة والعطف ، فلهذا سمي ذلك العضو رحماً ، والله أعلم .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)
إعلم أن في هذه الآية مسائل : (4/105)
المسألة الأولى : قد ذكرنا في اتصال قوله { إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَىْء فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } بما قبله احتمالين أحدهما : أن ذلك كالتقرير لكونه قيوماً والثاني : أن ذلك الجواب عن شبه النصارى ، فأما على الاحتمال الأول فنقول : إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان : جسمانية وروحانية ، أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية ، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال ، وهو المراد بقوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام } [ آل عمران : 6 ] وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } وأما على الاحتمال الثاني فقد ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في صفة عيسى عليه السلام : إنه روح الله وكلمته ، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه ، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم ، هو في غاية الحسن والاستقامة .
المسألة الثانية : إعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم ، ودل على أنه بكليته متشابه ، ودل على أن بعضه محكم ، وبعضه متشابه .
أما ما دل على أنه بكليته محكم ، فهو قوله { الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } [ يونس : 1 ] { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته } [ هود : 1 ] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم ، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين ، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله : محكم ، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم .
وأما ما دل على أنه بكليته متشابه ، فهو قوله تعالى : { كتابا متشابها مَّثَانِيَ } [ الزمر : 23 ] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } [ النساء : 82 ] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر ، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة .
وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها ، ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة : أما المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث النخعي : احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد ، وقال جرير : أحكموا سفهاءكم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له ، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي ، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز ، قال الله تعالى :
{ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } [ البقرة : 70 ] وقال في وصف ثمار الجنة { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } [ البقرة : 25 ] أي متفق المنظر مختلف الطعوم ، وقال الله تعالى : { تشابهت قُلُوبُهُمْ } [ البقرة : 118 ] ومنه يقال : اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، وقال عليه السلام : « الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات » وفي رواية أخرى مشتبهات . (4/106)
ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال : إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن ، ومشابهاً له ، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول :
الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول :
اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى ، فإما أن يكون محتملاً لغير ذلك المعنى ، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملاً لغيره فهذا هو النص ، وأما إن كان محتملاً لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولاً ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملاً ، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً ، أو ظاهراً ، أو مؤولاً ، أو مشتركاً ، أو مجملاً ، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم .
وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة ، وإن لم يكن راجحاً لكنه غير مرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً وقد بينا أن ذلك يسمى متشابهاً إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن ، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب ، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه ، ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ، فههنا يتوقف الذهن ، مثل : القرء ، بالنسبة إلى الحيض والطهر ، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المعنيين ، ومرجوحاً في الآخر ، ثم كان الراجح باطلاً ، والمرجوح حقاً ، ومثاله من القرآن قوله تعالى :
{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القول } [ الإسراء : 16 ] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } [ الأعراف : 28 ] رداً على الكفار فيما حكى عنهم { وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف : 28 ] وكذلك قوله تعالى : { نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة : 67 ] وظاهر النسيان ما يكون ضداً للعلم ، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [ مريم : 64 ] وقوله تعالى : { لاَ يَضِلُّ رَبّى وَلاَ يَنسَى } [ طه : 52 ] . (4/107)
واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول : إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، فالمعتزلي يقول قوله { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] محكم ، وقوله { وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله رَبُّ العالمين } [ التكوير : 29 ] متشابه والسني يقلب الأمر في ذلك فلا بد ههنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب فنقول : اللفظ إذا كان محتملاً لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً ، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحاً ، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح ، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح ، فهذا هو المتشابه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون عقلياً .
أما القسم الأول : فنقول : هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس ، اللّهم إلا أن يقال : إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان ، أو يقال : كل واحد منهما وإن كان راجحاً إلا أن أحدهما يكون أرجح ، وحينئذ يحصل الرجحان إلا أنا نقول :
أما الأول فباطل ، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة ، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات ، ونقل وجوه النحو والتصريف ، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز ، وعدم التخصيص ، وعدم الإضمار ، وعدم المعارض النقلي والعقلي ، وكان ذلك مظنون ، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً ، فثبت أن شيئاً من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعاً .
وأما الثاني وهو أن يقال : أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل الاحتمال قائماً فيهما معاً ، فهذا صحيح ، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنياً ، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية ، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهيه فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال ، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره ، فعنذ هذا يتعين التأويل ، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلاً ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ظاهره ، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل ، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف ، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهباً أن بعد إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل ، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب ، والله ولي الهداية والرشاد .
المسألة الثالثة : في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه فالأول : ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام { قُلْ تَعَالَوْاْ } [ الأنعام : 151 ] إلى آخر الآيات الثلاث ، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود ، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في أوائل السور ، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه ، وأقول : التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع ، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى ، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق ، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك ، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس ، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم . (4/108)
وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل ، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية ، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة .
القول الثاني : وهو أيضاً مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو الناسخ ، والمتشابه هو المنسوخ . (4/109)
والقول الثالث : قال الأصم : المحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحاً ، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } [ المؤمنون : 14 ] وقوله { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ } [ الأنبياء : 30 ] وقوله { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } [ البقرة : 22 ] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكماً لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانياً .
واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله : المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ، فهذا هو الذي ذكرناه أولاً ، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهاً ، لأن قوله { فَخَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون : السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل ، ولعلّ الأصم يقول : هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً ، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول : هو المحكم والثاني : هو المتشابه .
القول الرابع : أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي ، أو بدليل خفي ، فذاك هو المحكم ، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة ، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين ، ونظيره قوله تعالى : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها } [ الأعراف : 187 ] [ النازعات : 42 ] .
المسألة الرابعة : في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً .
إعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبري يتمسك بآيات الجبر ، كقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً } [ الأنعام : 25 ] والقدري يقول : بل هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله
{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ } [ فصلت : 5 ] وفي موضع آخر { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } [ البقرة : 88 ] وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة : 22 ، 23 ] والنافي يتمسك بقوله { لاَ تُدْرِكُهُ الأبصار } [ الأنعام : 103 ] ومثبت الجهة يتمسك بقوله { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] وبقوله { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] والنافي يتمسك بقوله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه : محكمة ، والآيات المخالفة لمذهبه : متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ، ووجوه ضعيفة ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام الساعة هكذا ، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقياً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض . (4/110)
واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوهاً :
الوجه الأول : أنه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، قال الله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ آل عمران : 142 ] .
الوجه الثاني : لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق .
الوجه الثالث : أن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة ، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد .
الوجه الرابع : لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه ، افتقروا إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة .
الوجه الخامس : وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده .
وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير . (4/111)
أما قوله تعالى : { هُوَ الذى أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } فالمراد به هو القرآن { مِنْهُ آيات محكمات } وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية ، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها .
ثم قال : { هُنَّ أُمُّ الكتاب } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : ما معنى كون المحكم أماً للمتشابه؟ .
الجواب : الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل : أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال : إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم : 35 ] محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم .
السؤال الثاني : لم قال : { أُمُّ الكتاب } ولم يقل : أمهات الكتاب؟ .
الجواب : أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } [ المؤمنون : 50 ] ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا .
ثم قال : { وَأُخَرُ متشابهات } وقد عرفت حقيقة المتشابهات ، قال الخليل وسيبويه : أن { أُخر } فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أُخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأُخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع من أو بالألف واللام ، فيقال : زيد أفضل من عمرو ، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل ، فكان القياس أن يقال : زيد آخر من عمرو ، أو يقال : زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ من لأن لفظه اقتضى معنى من فاسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن ، فسقط الألف واللام أيضاً فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أُخر فأخر جمعه ، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها .
ثم قال : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } إعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه ، والزيغ الميل عن الحق ، يقال : زاغ زيغاً : أي مال ميلاً واختلفوا في هؤلاء الذين أُريدوا بقوله { فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } فقال الربيع : هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروح منه قال : بلى . فقالوا : حسبنا . فأنزل الله هذه الآية ، ثم أنزل
{ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ } [ آل عمران : 59 ] وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج : هم الكفار الذين ينكرون البعث ، لأنه قال في آخر الآية { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام . (4/112)
وقال المحققون : إن هذا يعم جميع المبطلين ، وكل من احتج لباطله بالمتشابه ، لأن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون { ائتنا بِعَذَابِ الله } [ العنكبوت : 29 ] { ومتى تَأْتِينَا الساعة } [ سبأ : 3 ] { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة } [ الحجر : 7 ] فموهوا الأمر على الضعفة ، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى : { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصاً بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث ، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان ، فيكون قوله { الرحمن عَلَى العرش استوى } متشابهاً ، فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد ، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى ، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجباً ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً ، فحينئذ يبطل ذلك التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته ، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالاً بالمتشابهات ، فبيّن الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل .
واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات .
وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } [ طه : 85 ] { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } [ طه : 79 ] { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة : 26 ] وفسروا أيضاً قوله { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا } [ الإسراء : 16 ] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة : 185 ] { وَيُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ } [ النساء : 26 ] وتأولوا قوله تعالى : { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ } [ النمل : 4 ] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } [ الرعد : 11 ] { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون } [ القصص : 59 ] وقال : { وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت : 17 ] وقال : { فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } [ يونس : 108 ] وقال : { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] فكيف يزين النعمة؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دلّ على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالماً ، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة . (4/113)
وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقاً وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابهاً بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده .
واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الزائغين يتبعون المتشابه ، بيّن أن لهم فيه غرضين ، فالأول : هو قوله تعالى : { ابتغاء الفتنة } والثاني : هو قوله { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } . (4/114)
فأما الأول : فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه ، يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا ، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر ، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوهاً : أولها : قال الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين ، صار بعضهم مخالفاً للبعض في الدين ، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة وثانيها : أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً بذلك الباطل عاكفاً عليه لا ينقلع عنه بحيلة ألبتة وثالثها : أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه .
وأما الغرض الثاني لهم : وهو قوله تعالى : { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } فاعلم أن التأويل هو التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير ، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه ، هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلاً ، قال تعالى : { سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } [ الكهف : 78 ] وقال تعالى : { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [ النساء : 59 ] وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى ، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون؟ قال القاضي : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما : أن يحملوه على غير الحق : وهو المراد من قوله { ابتغاء الفتنة } والثاني : أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه ، وهو المراد من قوله { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } ثم بيّن تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله } واختلف الناس في هذا الموضع ، فمنهم من قال : تم الكلام ههنا ، ثم الواو في قوله { والراسخون فِي العلم } واو الابتداء ، وعلى هذا القول : لا يعلم المتشابه إلا الله ، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفرّاء ، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا .
والقول الثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله { والرسخون فِي العلم } وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلاً عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضاً مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه :
الحجة الأولى : أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد ، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة ، وفي المجازات كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف ، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية ، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز ، مثاله قال الله تعالى :
{ لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] ثم قال الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات ، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلاً ، وأيضاً قال الله تعالى : { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] دلّ الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان ، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها ، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية ، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين ، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه ، والفطرة الأصلية تشهد بصحته ، وبالله التوفيق . (4/115)
الحجة الثانية : وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم ، حيث قال : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ } ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزاً لما ذم الله تعالى ذلك .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة ، كما في قوله { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها ، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } [ الأعراف : 178 ] وأيضاً طلب مقادير الثواب والعقاب ، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة } [ الحجر : 7 ] .
قلنا : إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ، ودلّ العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم ، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه ، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركاً للظاهر ، وأنه لا يجوز .
الحجة الثالثة : أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، وقال في أول سورة البقرة { فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق } فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأن كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به ، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى ، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث ، فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه ، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن .
الحجة الرابعة : لو كان قوله { والراسخون فِي العلم } معطوفاً على قوله { إِلاَّ الله } لصار قوله { يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون آمنا به . (4/116)
فإن قيل : في تصحيحه وجهان الأول : أن قوله { يَقُولُونَ } كلام مبتدأ ، والتقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني : أن يكون { يَقُولُونَ } حالا من الراسخين .
قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني : أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله { يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } حالا من الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركاً للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى .
الحجة الخامسة : قوله تعالى : { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة .
الحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحداً جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى .
وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق .
ثم قال تعالى : { والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء .
واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئاً متشابهاً ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن .
ثم حكي عنهم أيضاً أنهم يقولون { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } والمعنى : أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان : (4/117)
السؤال الأول : لو قال : كل من ربنا كان صحيحاً ، فما الفائدة في لفظ { عِندَ } ؟ .
الجواب؛ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة { عِندَ } لمزيد التأكيد .
السؤال الثاني : لم جاز حذف المضاف إليه من { كُلٌّ } ؟ .
الجواب : لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل .
ثم قال : { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به ، ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن ، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً ، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى ، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ، وتوافق اللغة والإعراب .
واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس ، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه ، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول ، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » .
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)
واعلم أنه تعالى كما حكى عن الراسخين أنهم يقولون آمنا به حكي عنهم أنهم يقولون { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا } وحذف { يَقُولُونَ } لدلالة الأول عليه ، وكما في قوله { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران : 191 ] وفي هذه الآية اختلف كلام أهل السنة وكلام المعتزلة . (4/118)
أما كلام أهل السنة فظاهر ، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان ، وصالح لأن يميل إلى الكفر ، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى ، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر ، فهي الخذلان ، والإزاغة ، والصد ، والختم ، والطبع ، والرين ، والقسوة ، والوقر ، والكنان ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي : التوفيق ، والرشاد ، والهداية ، والتسديد ، والتثبيت ، والعصمة ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن » والمراد من هذين الأصبعين الداعيتان ، فكما أن الشيء الذي يكون بين أصبعي الإنسان يتقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الأصبعين ، فكذلك القلب لكونه بين الداعيتين يتقلب كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين ، ومن أنصف ولم يتعسف ، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس ، ولو جوّز حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ومؤثر لزمه نفي الصانع وكان صلى الله عليه وسلم يقول : « يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك » ومعناه ما ذكرنا فلما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إليه سبحانه وتعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن جعلها مائلة إلى الحق ، فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني .
ومما يؤكد ما ذكرناه أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتبعون المتشابهات ، بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ، وترك الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه فلا بد وأن يكونوا قد تكلموا بهذا الدعاء لاعتقادهم أن من المحكمات ، ثم إن الله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم بسبب أنهم قالوا ذلك ، وهذا يدل على أن هذه الآية من أقوى المحكمات ، وهذا كلام متين .
وأما المعتزلة فقد قالوا : لما دلّت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يكون بفعل الله تعالى ، وجب صرف هذه الآية إلى التأويل ، فأما دلائلهم فقد ذكرناها في تفسير قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 6 ] .
ومما احتجوا به في هذا الموضع خاصة قوله تعالى : { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ }
[ الصف : 5 ] وهو صريح في أن ابتداء الزيغ منهم ، وأما تأويلاتهم في هذه الآية فمن وجوه الأول : وهو الذي قاله الجبائي واختاره القاضي : أن المراد بقوله { لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } يعني لا تمنعها الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان ، وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند استحقاقهم منع ذلك جاز أن يقال : أزاغهم ويدل على هذا قوله تعالى : { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] والثاني : قال الأصم : لا تبلنا ببلوى تزيغ عندها قلوبنا فهو كقوله { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } [ النساء : 66 ] وقال : { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } [ الزخرف : 33 ] والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ ، وقد يقول القائل : لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك الثالث : قال الكعبي { لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } أي لا تسمنا باسم الزائغ ، كما يقال : فلان يكفر فلاناً إذا سماه كافراً ، والرابع : قال الجبائي : أي لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك بعد إذ هديتنا؛ وهذا قريب من الوجه الأول إلا أن يحمل على شيء آخر ، وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال ، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر ، فقوله { لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } محمول على أن يميته قبل أن يصير كافراً ، وذلك لأن إبقاءه حياً إلى السنة الثانية يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة الخامس : قال الأصم { لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل السادس : قال أبو مسلم : احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ ، فهذا جمل ما ذكروه في تأويل هذه الآية وهي بأسرها ضعيفة . (4/119)
أما الأول : فلأن من مذهبم أن كل ما صحّ في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم لطفاً وجب عليه ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته ، ولصار جاهلاً ومحتاجاً والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجة إلى الدعاء في طلبه بل هذا القول يستمر على قول بشر بن المعتمر وأصحابه الذين لا يوجبون على الله فعل جميع الألطاف .
وأما الثاني : فضعيف ، لأن التشديد في التكليف إن علم الله تعالى له أثراً في حمل المكلف على القبيح قبح من الله تعالى ، وإن علم الله تعالى أنه لا أثر له ألبتة في حمل المكلف على فعل القبيح كان وجوده كعدمه فيما يرجع إلى كون العبد مطيعاً وعاصياً ، فلا فائدة في صرف الدعاء إليه .
وأما الثالث : فهو أن التسمية بالزيغ والكفر دائر مع الكفر وجوداً وعدماً والكفر والزيغ باختيار العبد ، فلا فائدة في قوله لا تسمنا باسم الزيغ والكفر .
وأما الرابع : فهو أنه لو كان علمه تعالى بأنه يكفر في السنة الثانية ، يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأن لا يؤمن قط ويكفر طول عمره يوجب عليه لا يخلقه .
وأما الخامس : وهو حمله على إبقاء العقل فضعيف ، لأن هذا متعلق بما قال قبل هذه الآية { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } [ آل عمران : 7 ] . (4/120)
وأما السادس : وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدوراً وجب فعله ، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدوراً تعذر فعله فلا فائدة في الدعاء ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الوجوه ، وأن الحق ما ذهبنا إليه .
فإن قيل : فعلى ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى : { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } [ الصف : 5 ] .
قلنا : لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون ، ثم يترتب على هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا منافاة فيه .
أما قوله تعالى : { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } أي بعد أن جعلتنا مهتدين ، وهذا أيضاً صريح في أن حصول الهداية في القلب بتخليق الله تعالى .
ثم قال : { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } واعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره مما ينبغي ، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولاً أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة ، ثم أنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة ، وإنما قال : { رَحْمَةً } ليكون ذلك شاملاً لجميع أنواع الرحمة ، فأولها : أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة ، وثانيها : أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة ، وثالثها : أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية ورابعها : أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت وخامسها : أن يحصل في القبر سهولة السؤال ، وسهولة ظلمة القبر .
وسادسها : أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح الحسنات فقوله { مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } يتناول جميع هذه الأقسام ، ولما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو ، ولا كريم إلا هو ، لا جرم أكد ذلك بقوله { مِن لَّدُنْكَ } تنبيهاً للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه ، ولما كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير ، كأنه يقول : أطلب رحمة وأية رحمة ، أطلب رحمة من لدنك ، وتليق بك ، وذلك يوجب غاية العظمة .
ثم قال : { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } كأن العبد يقول : إلهي هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلي ، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ، وغاية جودك ورحمتك ، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك وكرمك ، يا دائم المعروف ، يا قديم الإحسان ، لا تخيب رجاء هذا المسكين ، ولا ترد دعاءه ، واجعله بفضلك أهلاً لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين .
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
واعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة ، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية منقرضة ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفاً وكلامك لا يكون كذباً ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين ، بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد ، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة ، بقي في الآية مسائل : (4/121)
المسألة الأولى : قوله { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } تقديره : جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه ، فحذف لكون المراد ظاهراً .
المسألة الثانية : إن كلام المؤمنين تم عند قوله { لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } فأما قوله { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } فهو كلام الله عزّ وجلّ ، كأن القوم لما قالوا { إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } صدقهم الله تعالى في ذلك وأيد كلامهم بقوله { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } كما قال حكاية عن المؤمنين في آخر هذه السورة { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران : 194 ] ومن الناس من قال : لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في الكلام من الغيبة إلى الحضور ، ومثله في كتاب الله تعالى كثير ، قال تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس : 22 ] .
فإن قيل : فلم قالوا في هذه الآية { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } وقالوا في تلك الآية { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .
قلت : الفرق - والله أعلم - أن هذه الآية في مقام الهيبة ، يعني أن الإلهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين ، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام ، أما قوله في آخر السورة { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران : 194 ] فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله ، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة ، فلا جرم قال : { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .
المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، قال : وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، بدليل قوله تعالى : { أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } [ الأعراف : 44 ] والوعد والموعد والميعاد واحد ، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان هذا دليلاً على أنه لا يخلف في الوعيد .
والجواب : لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقاً ، بل ذلك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو ، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة ، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل ، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل ، سلمنا أنه يوعدهم ، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، أما قوله تعالى : { فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } . (4/122)
قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] وقوله { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان : 49 ] وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله ، فكان المراد من الوعد تلك المنافع ، وتمام الكلام في مسألة الوعيد قد مرّ في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بَل مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 81 ] وذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى ، فقال : لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء ، دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب ، قال : والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك ، قال الشاعر :
إذ وعد السراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه
وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء ، وبين عمرو بن عبيد ، قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد : ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال : أقول إن الله وعد وعداً ، وأوعد إيعاداً ، فهو منجز إيعاده ، كما هو منجز وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء : إنك رجل أعجم ، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب ، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد :
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له عمرو بن عبيد : يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال : لا ، فقال عمرو بن عبيد : فقد سقطت حجتك ، قالوا : فانقطع أبو عمرو بن العلاء .
وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين ، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم ، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد ، وبطل قياسك ، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق ، فأما قولك : لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه ، فجوابه : أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط ، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو ، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى ، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية ، والله أعلم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)
إعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم ، حكى كيفية حال الكافرين وشديد عقابهم ، فهذا هو وجه النظم ، وفي الآية مسائل : (4/123)
المسألة الأولى : في قوله { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا } قولان الأول : المراد بهم وفد نجران ، وذلك لأنا روينا في بعض قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه : إني لأعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال والجاه ، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة .
والقول الثاني : أن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ .
المسألة الثانية : إعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة .
أما الأول : فهو المراد بقوله { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم } وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد ، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم ، فما عداه بالتعذر أولى ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88 ، 89 ] وقوله { المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } [ الكهف : 46 ] وقوله { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً } [ مريم : 80 ] وقوله { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ } [ مريم : 80 ] .
وأما القسم الثاني : من أسباب كمال العذاب ، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وأولئك هُمْ وَقُودُ النار } وهذا هو النهاية في شرح العذاب فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس ، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار ، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله : وردت وروداً .
المسألة الثالثة : في قوله { مِنَ الله } قولان أحدهما : التقدير : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه والثاني : قال أبو عبيدة { مِنْ } بمعنى عند ، والمعنى لن تغني عند الله شيئاً .
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
يقال : دأبت الشيء أدأب دأبا ودؤبا إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه ، قال الله تعالى : { سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } [ يوسف : 47 ] أي بجد واجتهاد ودوام ، ويقال : سار فلان يوماً دائباً ، إذا أجهد في السير يومه كله ، هذا معناه في اللغة ، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة ، يقال : هذا دأب فلان أي عادته ، وقال بعضهم : الدؤب والدأب الدوام . (4/124)
إذا عرفت هذا فنقول : في كيفية التشبيه وجوه الأول : أن يفسر الدأب بالاجتهاد ، كما هو معناه في أصل اللغة ، وهذا قول الأصم والزجاج ، ووجه التشبيه أن دأب الكفار ، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام ، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم ، فكذا نهلك هؤلاء .
الوجه الثاني : أن يفسر الدأب بالشأن والصنع ، وفيه وجوه الأول : { كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ، كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى ، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد ، وفي هذا الوجه على الصنع والعادة والثاني : أن تقدير الآية : أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم ، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل ، وتارة إلى المفعول ، والمراد ههنا ، كدأب الله في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم ، ونظيره قوله تعالى : { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله } [ البقرة : 165 ] أي كحبهم الله وقال : { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } [ الإسراء : 77 ] والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك والثالث : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى ، والعادة المضافة إلى الكفار ، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم ، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء ، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين ، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم .
الوجه الثالث : في تفسير الدأب والدؤب ، وهو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء ، وتقدير الآية ، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون ، أي دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون .
والوجه الرابع : أن الدأب هو الاجتهاد ، كما ذكرناه ، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به ، فإنه تعالى بيّن أن عذابهم حصل في غاية القرب ، وهو قوله تعالى : { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } [ نوح : 25 ] وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله
{ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } [ غافر : 46 ] . (4/125)
الوجه الخامس : أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب ، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلاً في هذين الوجهين ، والمعنى : أنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد ، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم في أنه ينزل بكم مثل ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغني عنكم الأموال والأولاد .
الوجه السادس : يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك من القتل والسبي وسلب الأموال ويكون قوله تعالى : { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ } [ آل عمران : 12 ] كالدلالة على ذلك فكأنه تعالى بيّن أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل ، ثم يصيرون إلى دوام العذاب ، فسينزل بمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أمران أحدهما : المحن المعجلة وهي القتل والسبي والإذلال ، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم ، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي رحمه الله تعالى .
أما قوله تعالى : { والذين مِن قَبْلِهِمْ } فالمعنى : والذين من قبلهم من مكذبي الرسل ، وقوله { كَذَّبُواْ بئاياتنا } المراد بالآيات المعجزات ومتى كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء .
ثم قال : { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص .
ثم قال : { والله شَدِيدُ العقاب } وهو ظاهر .
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)
وفي الآية مسائل : (4/126)
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { سَيَغْلِبُونَ وَيُحْشَرون } بالياء فيهما ، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما ، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت ، فالمعنى : بلغهم أنهم سيغلبون ، ويدل على صحة الياء قوله تعالى : { قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } [ الجاثية : 14 ] و { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ } [ النور : 30 ] ولم يقل غضوا ، ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة ، ويدل على حسن التاء قوله { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب } [ آل عمران : 81 ] والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم ، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم .
المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً الأول : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
الرواية الثانية : أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر ، قالوا : والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد له راية ، ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا : ليس هذا هو ذاك ، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والرواية الثالثة : أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم .
المسألة الثالثة : احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية ، فقال : إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم ، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذباً وذلك محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان الإيمان والطاعة محالاً منهم ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق ، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 6 ] .
المسألة الرابعة : قوله { سَتُغْلَبُونَ } إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع مخبره على موافقته ، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز ، ونظيره قوله تعالى : { غُلِبَتِ الروم * فِى أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } الروم : 2 ، 3 ) الآية ، ونظيره في حق عيسى عليه السلام { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } [ آل عمران : 49 ] .
المسأُلة الخامسة : دلّت الآية على حصول البعث في القيامة ، وحصول الحشر والنشر ، وأن مرد الكافرين إلى النار .
ثم قال : { وَبِئْسَ المهاد } وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال : { بِئْسَ المهاد } والمهاد : الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش ، قال الله تعالى : { والأرض فرشناها فَنِعْمَ الماهدون } [ الذاريات : 48 ] فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة ، قال الله تعالى : { وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [ الأعراف : 165 ] أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله .
قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
إعلم أن في الآية مسائل : (4/127)
/المسألة الأولى : لم يقل : قد كانت لكم آية ، بل قال : { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } وفيه وجهان :
الأول : أنه محمول على المعنى ، والمراد : قد كان لكم إتيان هذا آية .
والثاني : قال الفرّاء : إنما ذكر للفصل الواقع بينهما ، وهو قوله { لَكُمْ } .
المسألة الثانية : وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة ، وهي قوله تعالى : { سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } نزلت في اليهود ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم ، فقال : { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ } يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره ، ومن كان كذلك فإنه يكون غالباً لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة ، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } الآية ، فهذا هو الكلام في وجه النظم .
المسألة الثالثة : { الفئة } الجماعة ، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير ، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ، ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة .
واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً الأول : أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ، منها : قل العدد ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا ، ومنها قلة السلاح والفرس ، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها : كثرة العدد ، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم ، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة ، والمقاتلة في الأزمنة الماضية ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً .
والوجه الثاني : في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ } [ الأنفال : 7 ] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب ، فكان معجزاً . (4/128)
والوجه الثالث : في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين } والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز .
فإن قيل : تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة .
قلنا : نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة .
والوجه الرابع : في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن : إن الله تعالى أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال : { فاستجاب لَكُمْ أنّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ } [ الأنفال : 9 ] وقال : { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة } [ آل عمران : 125 ] والألف مع الأربعة آلاف : خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } والله أعلم .
ثم قال الله تعالى : { فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : القراءة المشهورة { فِئَةٌ } بالرفع ، وكذا قوله { وأخرى كَافِرَةٌ } وقرىء { فِئَةٌ فَقَاتِلْ وأخرى كَافِرَةٌ } بالجر على البدل من فئتين ، وقرىء بالنصب إما على الاختصاص ، أو على الحال من الضمير في التقتا ، قال الواحدي رحمه الله : والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام .
المسألة الثانية : المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله .
وقوله { وأخرى كَافِرَةٌ } المراد بها كفار قريش .
ثم قال تعالى : { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ العين } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ نافع وأبان عن عاصم { تَرَوْنَهُمْ } بالتاء المنقطة من فوق ، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود ، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا ، أو مثلي الفئة الكافرة ، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة ، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب ، وهو قوله { فِئَةٌ تقاتل فِى سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } فقوله { يَرَوْنَهُمْ } يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين . (4/129)
المسألة الثانية : إعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله { يرونهم مثليهم } يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة ، والمرئيون هم الفئة المسلمة ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان ، وأيضاً فقوله { مّثْلَيْهِمْ } يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة الأول : أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين .
والاحتمال الثاني : أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين ، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم .
فإن قيل : هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال { وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } [ الأنفال : 44 ] .
فالجواب : أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ، فقللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم ، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين ، ثم إن تقليلهم في أول الأمر ، وتكثيرهم في آخر الأمر ، أبلغ في القدرة وإظهار الآية .
والاحتمال الثالث : أن الرائين هم المسلمون ، والمرئيين هم المشركون ، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد ، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى : { إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } [ الأنفال : 66 ] .
فإن قيل : كيف يرونهم مثليهم رأي العين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟ .
الجواب : أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم ، وذلك لأنه تعالى قال : { إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم ، وإزالة للخوف عن صدورهم .
والاحتمال الرابع : أن الرائين هم المسلمون ، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد ، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين ، والآية تنافي ذلك ، وفي الآية احتمال خامس ، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود ، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة .
فإن قيل : كيف رأوهم مثليهم فقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه .
بقي من مباحث هذا الموضع أمران : (4/130)
البحث الأول : أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً ، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئياً أما الأول : فهو محال عقلاً ، لأن المعدوم لا يرى ، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي ، وأما الثاني : فهو جائز عند أصحابنا ، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزاً لا واجباً ، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات ، فلم يبعد أن يقال : إنه حصل ذلك المعجز ، وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد ، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه أحدها : أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام ، فلا جرم يرى البعض دون البعض وثانيها : لعلّه يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعاً عن إدراك البعض وثالثها : يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعاً عن إدراك ثلث العسكر ، وكل ذلك محتمل .
البحث الثاني : اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون ، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل : إن كون المشرك رائياً أولى ، ويدل عليه وجوه الأول : أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلاً ، وأبعدهما مفعولاً أولى من العكس ، وأقرب المذكورين هو قوله { وأخرى كَافِرَةٌ } والثاني : أن مقدمة الآية وهو قوله { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً الثالث : أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار ، حيث قال : { قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا } فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم .
واحتج من قال : الراؤن هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله أعلم .
ثم قال : { رَأْىَ العين } يقال : رأيته رأياً ورؤية ، ورأيت في المنام رؤيا حسنة ، فالرؤية مختص بالمنام ، ويقول : هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري ، فقوله { رَأْىَ العين } يجوز أن ينتصب على المصدر ، ويجوز أن يكون ظرفاً للمكان ، كما تقول : ترونهم أمامكم ، ومثله : هو مني مناط العنق ومزجر الكلب .
ثم قال : { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } نصر الله المسلمين على وجهين : نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال : هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح .
ثم قال : { إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً } والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر ، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب ، وعبارة الرؤيا من ذلك ، لأنها تعبير لها ، وقوله { لأُوْلِى الأبصار } أي لأولي العقول ، كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر ، أي علم ومعرفة ، والله أعلم . (4/131)
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)
في الآية مسائل : (4/132)
المسألة الأولى : في كيفية النظم قولان الأول : ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفاً من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه ، وأيضاً روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح ، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة ، وأن الآخرة خير وأبقى .
القول الثاني : وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأبصار } ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بيّن أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية ، واللذات الدنيوية ، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها ، وتبقى تبعاتها ، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } [ آل عمران : 15 ] ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله { زُيّنَ لِلنَّاسِ } من الذي زين ذلك؟ أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر ، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضاً قالوا : لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان ، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل ، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان ، وإن كان من الله تعالى ، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك ، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله { رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا } [ القصص : 63 ] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا ، وهذا الكلام ظاهر جداً .
أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال :
القول الأول : حكي عن الحسن أنه قال : الشيطان زين لهم ، وكان يحلف على ذلك بالله ، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها : أنه تعالى أطلق حب الشهوات ، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها : أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ، ومنتهى مقصوده ، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها : قوله تعالى : { ذلك متاع الحياة الدنيا } ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له ورابعها : قوله بعد هذه الآية { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم }
[ آل عمران : 15 ] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه . (4/133)
والقول الثاني : قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى ، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة ، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها وثانيها : أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، والله تعالى قد ندب إليها ، فكان مزيناً لها ، وإنما قلنا : إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول : أن يتصدق بها والثاني : أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث : أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سبباً لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول : شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه والرابع : أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً ، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس : قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } [ البقرة : 29 ] وقال : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق } [ الأعراف : 32 ] وقال : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا } [ الكهف : 7 ] وقال : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } [ الأعراف : 31 ] وقال في سورة البقرة { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } [ البقرة : 22 ] وقال { كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا طَيّباً } [ البقرة : 168 ] وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد { زُيّنَ لِلنَّاسِ } على تسمية الفاعل .
والقول الثالث : وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل ، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى ، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي ، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم ، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى ، أو من الشيطان .
المسألة الثالثة : قوله { حُبُّ الشهوات } فيه أبحاث ثلاثة :
البحث الأول : أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال ، كما يقال للمقدور قدرة ، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم ، وهذه استعارة مشهورة في اللغة ، يقال : هذه شهوة فلان ، أي مشتهاه ، قال صاحب «الكشاف» : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان : إحداهما : أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها والثانية : أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها .
البحث الثاني : قال المتكلمون : دلّت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه ، والشهوة من فعل الله تعالى ، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات . (4/134)
البحث الثالث : قال الحكماء : الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب ، وأما من أحب شيئاً وأحب إن يحبه فذاك هو كمال المحبة ، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة ، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام { إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير } [ ص : 32 ] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير ، وإن كان ذلك في جانب الشر ، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات وثانيها : أنه يحب شهوته لها وثالثها : أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة ، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة ، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس ، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق ، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس ، والعقل أيضاً يدل عليه ، وهو أن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان : جسماني وروحاني ، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر ، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة ، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية ، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة ، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر ، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة ، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال : { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } .
وأما قوله تعالى : { مِنَ النساء والبنين } ففيه بحثان :
البحث الأول : { مِنْ } في قوله { مِنَ النساء والبنين } كما في قوله { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج : 30 ] فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضاً معنى هذه الآية : زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة .
البحث الثاني : إعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أموراً سبعة أولها : النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى : { خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } [ الروم : 21 ] ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة . (4/135)
المرتبة الثانية : حب الولد : ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى ، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر ، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك .
واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة ، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل ، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات ، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل .
المرتبة الثالثة والرابعة : { القناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة } وفيه أبحاث :
البحث الأول : قال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق ، فالقنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب ، وحكى أبو عبيد عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد ، واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده ، وفيه روايات : فروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « القنطار إثنا عشر ألف أوقية » وروى أنس عنه أيضاً أن القنطار ألف دينار ، وروى أُبي بن كعب أنه عليه السلام قال : « القنطار ألف ومائتا أوقية » وقال ابن عباس : القنطار ألف دينار أو إثنا عشر ألف درهم ، وهو مقدار الدية ، وبه قال الحسن ، وقال الكلبي : القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة ، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير مقصودة بحجة ألبتة .
البحث الثاني : { المقنطرة } منفعلة من القنطار ، وهو للتأكيد ، كقولهم : ألف مؤلفة ، وبدرة مبدرة ، وإبل مؤبلة ، ودراهم مدرهمة ، وقال الكلبي : القناطير ثلاثة ، والمقنطرة المضاعفة ، فكان المجموع ستة .
البحث الثالث : الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء ، وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب ، لا جرم كانا محبوبين .
المسألة الخامسة : { الخيل المسومة } قال الواحدي : الخيل جمع لا واحد له من لفظه ، كالقوم والنساء والرهط ، وسميت الأفراس خيلاً لخيلائها في مشيها ، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا ، وسمي الخيال خيالا ، والتخيل تخيلا ، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة ، والأخيل الشقراق ، لأنه يتخيل تارة أخضر ، وتارة أحمر ، واختلفوا في معنى { المسومة } على ثلاثة أقوال الأول : أنها الراعية ، يقال : أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي ، كما يقال : أقمت الشيء وقومته ، وأجدته وجودته ، وأنمته ونومته ، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسناً ، ومنه قوله تعالى :
{ فِيهِ تُسِيمُونَ } [ النحل : 10 ] . (4/136)
والقول الثاني : المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد ، ومعناه واحد ، وهو الهيئة الحسنة ، قال الله تعالى : { سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود } [ الفتح : 29 ] ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة ، فقال أبو مسلم : المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل ، وهي أن تكون الأفراس غراً محجلة ، وقال الأصم : إنما هي البلق ، وقال قتادة : الشية ، وقال المؤرج : الكي ، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال ، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا ، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفاً في الفرس .
القول الثالث : وهو قول مجاهد وعكرمة : أنها الخيل المطهمة الحسان ، قال القفال : المطهمة المرأة الجميلة .
المرتبة السادسة : { الأنعام } وهي جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، ولا يقال للجنس الواحد منها : نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها .
المرتبة السابعة : { الحرث } وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله { وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } [ البقرة : 205 ] .
ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال : { ذلك متاع الحياة الدنيا } قال القاضي : ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى ، ثم قال للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه : منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموماً ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضاً مذموماً ، ومنها أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم ، ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح .
ثم قال تعالى : { والله عِندَهُ حُسْنُ المأب } اعلم أن المآب في اللغة المرجع ، يقال : آب الرجل إياباً وأوبة وأبية ومآبا ، قال الله تعالى : { إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته ، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن .
فإن قيل : المآب قسما : الجنة وهي في غاية الحسن ، والنار وهي خالية عن الحسن ، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن .
قلنا : المآب المقصود بالذات هو الجنة ، فأما النار فهي المقصود بالغرض ، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، كما قال : سبقت رحمتي غضبي ، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة .
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)
في الآية مسائل : (4/137)
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي { أَؤُنَبّئُكُمْ } بهمزتين واختلفت الرواية عن نافع وأبي عمرو .
المسألة الثانية : ذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه الأول : أن يكون المعنى : هل أؤنبئكم بخير من ذلاكم ، ثم يبتدأ فيقال : للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذا والثاني : هل أؤنبئكم بخير من ذلاكم للذين اتقوا ، ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنّات تجري والثالث : هل أنبئكم بخير من ذلاكم للذين اتقوا عند ربهم ، ثم يبتدى فيقال : جنّات تجري .
المسألة الثالثة : في وجه النظم وجوه الأول : أنه تعالى لما قال : { والله عِندَهُ حُسْنُ المأب } [ آل عمران : 14 ] بيّن في هذه الآية أن ذلك المآب ، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا ، فقال { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } الثاني : أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى { والأخرة خَيْرٌ وأبقى } [ الأعلى : 17 ] الثالث : كأنه تعالى نبّه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل ، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم ، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا .
المسألة الرابعة : إنما قلنا : إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا ، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة ، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية ، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة ، ونعم الآخرة باقية لا محالة .
أما قوله تعالى : { لّلَّذِينَ اتقوا } فقد بينا في تفسير قوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] أن التقوى ما هي وبالجملة ، فإن الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات ، متحرزاً عن المحظورات ، وقال بعض أصحابنا : التقوى عبارة عن اتقاء الشرك ، وذلك لأن التقوى صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان ، قال تعالى : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } [ الفتح : 26 ] وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له ، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات ، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات ، لأن ماهية الاشتراك لا تدل على ماهية الامتياز ، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك ، وعرف القرآن مطابق لذلك ، فوجب حمله عليه فكان قوله { لّلَّذِينَ اتقوا } محمولاً على كل من اتقى الكفر بالله .
أما قوله تعالى : { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ } ففيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك صفة للخير ، والتقدير : هل أنبئكم بخير من ذلاكم عند ربهم للذين اتقوا والثاني : أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير : للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى ، فيخرج عنه المنافق ، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم الله .