صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم . (3/244)
أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه :
أحدها : وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل ، فالله تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله : { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئاً عن كون المعطي محقاً أو مبطلاً أو محسناً أو مسيئاً وذلك متعلق بمحض المشيئة ، فقد وسع الدنيا على قارون ، وضيقها على أيوب عليه السلام ، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين ، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج ، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان ، ولهذا قال تعالى : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } [ الزخرف : 33 ] وثانيها : أن المعنى : أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه ، ولا مطالبة ، ولا تبعة ، ولا سؤال سائل ، والمقصود منه أن لا يقول الكافر : لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا؟ وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلاً فلم وسع عليه في الدنيا؟ بل الإعتراض ساقط ، والأمر أمره ، والحكم حكمه { لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] وثالثها : قوله : { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره : لم يكن هذا في حسابي ، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية : أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم ، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب ، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين ، قال القفال رحمه الله : وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود ، وبما فتح على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر .
فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم { عَطَاء حِسَاباً } [ النبأ : 36 ] أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية .
قلنا : أما من حمل قوله : { بِغَيْرِ حِسَابٍ } على التفضل ، وحمل قوله : { عَطَاء حِسَاباً } على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا ، أو بحسب الإستحقاق على ما هو قول المعتزلة ، فالسؤال ساقط ، وأما من حمل قوله : { بِغَيْرِ حِسَابٍ } على سائر الوجوه ، فله أن يقول : إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل ، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حساباً ، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله : { بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)
اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا ، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان ، بل كان حاصلاً في الأزمنة المتقادمة ، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا فهذا هو الكلام في ترتيب النظم . (3/245)
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القفال : الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض ، وهو مأخوذ من الإئتمام .
المسألة الثانية : دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة ، ولكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل ، واختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق ، وهذا قول أكثر المحققين ، ويدل عليه وجوه الأول : ما ذكره القفال فقال : الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ } فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الإختلاف ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا } [ يونس : 19 ] ويتأكد أيضاً بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فاختلفوا فَبَعَثَ الله النبيين -إِلَى قوله - لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ } .
إذا عرفت هذا فنقول : الفاء في قوله : { فَبَعَثَ الله النبيين } تقتضي أن يكون بعثهم بعد الإختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر ، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الإختلاف أولى ، لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقاً وبعضهم مبطلاً ، فلأن يبعثوا حين ماكانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى ، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع وثانيها : أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة ، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه ، وبحسب قراءة ابن مسعود ، ثم قال : { وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ } والظاهر أن المراد من هذا الإختلاف هو الإختلاف الحاصل بعد ذلك الإتفاق المشار إليه ، بقوله : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } ثم حكم على هذا الإختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة ، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت بسبب البغي ، وهذا يدل على أن الإتفاق الذي كان حاصلاً قبل حصول هذا الإختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل ، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل وثالثها : أن آدم عليه السلام لما بعثه الله رسولاً إلى أولاده ، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى ، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين ، إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر ، والآية منطبقة عليه ، لأن الناس هم آدم وأولاده من الذكور والإناث ، كانوا أمة واحدة على الحق ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، كما حكى الله عن ابني آدم
{ إِذْ قَرَّبَا قربانا فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الأخر } [ المائدة : 27 ] فلم يكن ذلك القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر والآية منطبقة عليه ورابعها : أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة ، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر ، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك ، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك ولم يثبت ألبتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل والكفر ، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدلائل . (3/246)
وخامسها : وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر والنظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بها إلى النتائج ، وتلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات ، وكما أن المقدمات يجب إنتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضاً إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج ، فأما إذا عرض له سبب خارجي ، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ ، وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الإستحقاق وبحسب الزمان أيضاً ، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال : كان الناس أمة واحدة في الدين الحق ، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية وهي البغي والحسد ، فهذا دليل معقول ولفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه .
فإن قيل : فما المراد من قوله : { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ } [ هود : 188 ، 119 ] .
قلنا : المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم .
وسادسها : قوله عليه السلام : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة ، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية ، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد وسابعها : أن الله تعالى لما قال :
{ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق ، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب وجماعة من المفسرين ، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثاً كثيرة ، ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه ، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول . (3/247)
أما الوجه الثاني : هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل ، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس ، واحتجوا بالآية والخبر أما الآية فقوله : { فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } وهو لا يليق إلا بذلك ، وأما الخبر فما روي عن النبي عليه السلام : « أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب » .
وجوابه : ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده ، وذلك لأن عند الإختلاف لما وجبت البعثة . فلو كان الإتفاق السابق اتفاقاً على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى ، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الإتفاق كان اتفاقاً على الحق لا على الباطل ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفاراً ، ثم سألوا أنفسهم سؤالاً وقالوا : أليس فيهم من كان مسلماً نحو هابيل وشيث وإدريس ، وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب ، ولا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير ، وقد يقال : دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون .
القول الثالث : وهو اختيار أبي مسلم والقاضي : أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية ، وهي الإعتراف بوجود الصانع وصفاته ، والإشتغال بخدمته وشكر نعمته ، والإجتناب عن القبائح العقلية ، كالظلم ، والكذب ، والجهل ، والعبث وأمثالها .
واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والإستغراق ، وحرف الفاء يفيد التراخي ، فقوله : { فَبَعَثَ الله النبيين } يفيد أن بعثه جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة ، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لا بد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء ، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه ، وأيضاً فالعلم بحسن شكر المنعم ، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق ، والعدل ، مشترك فيه بين الكل ، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه بين الكل ، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك ، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة ، ثم سأل نفسه ، فقال : أليس أول الناس آدم عليه السلام وأنه كان نبياً ، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل ، وأجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولاً ، ثم إن الله تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده ، ويحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرساً ، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية ، واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه ، والكلام فيه مشهور في الأصول .
القول الرابع : أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة ، وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر ، فهو موقوف على الدليل . (3/248)
القول الخامس : أن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام ، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } [ البقرة : 208 ] وذكرنا أن كثيراً من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود ، فقوله تعالى : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة ، على دين واحد ، ومذهب واحد ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، فبعث الله النبيين ، وهم الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام وأنزل معهم الكتاب ، كما بعث الزبور إلى داود ، والتوراة إلى موسى ، والإنجيل إلى عيسى ، والفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها ، وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها ، وليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله : { كَانَ الناس } بقوم معينين خلاف الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضاً للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية .
أما قوله تعالى : { فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } فاعلم أنا ذكرنا أنه لا بد ههنا من الإضمار ، والتقدير كان الناس أمة واحدة - فاختلفوا - فبعث الله النبيين واعلم أنه الله تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث :
الصفة الأولى : كونهم مبشرين .
الصفة الثانية : كونهم منذرين ونظيره قوله تعالى : { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } [ النساء : 165 ] وإنما قدم البشارة على الإنذار ، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة ، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض ، ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر .
الصفة الثالثة : قوله : { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق } فإن قيل : إنزال الكتاب يكون قبل وصول الأمر والنهي إلى المكلفين ، ووصول الأمر والنهي إليهم يكون قبل التبشير والإنذار فلم قدم ذكر التبشير والإنذار على إنزال الكتب؟ أجاب القاضي عنه فقال : لأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما وعندي فيه وجه آخر وهو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق وفي الفرق بين المعجز إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب ، والخوف إنما يقوى ويكمل عند التبشير والإنذار فلا جرم وجب تقديم البشارة والنذارة على إنزال الكتاب في الذكر ثم قال القاضي : ظاهر هذه الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر ودون ذلك الكتاب أو لم يدون وكان ذلك الكتاب معجزاً أو لم يكن كذلك ، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقتضي شيئاً من ذلك .
أما قوله تعالى : { لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس } فاعلم أنه قوله : { لِيَحْكُمَ } فعل فلا بد من استناده إلى شيء تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر أمور ثلاثة ، فأقربها إلى هذا اللفظ : الكتاب ، ثم النبيون ، ثم الله فلا جرم كان إضمار كل واحد منها صحيحاً ، فيكون المعنى : ليحكم الله ، أو النبي المنزل عليه ، أو الكتاب ، ثم إن كل واحد من هذه الإحتمالات يختص بوجه ترجيح ، أما الكتاب فلأنه أقرب المذكورات ، وأما الله فلأنه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا الكتاب ، وأما النبي فلأنه هو المظهر فلا يبعد أن يقال : حمله على الكتاب أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال : الحاكم هو الله ، فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز إلا أن نقول : هذا المجاز يحسن تحمله لوجهين الأول : أنه مجاز مشهور يقال : حكم الكتاب بكذا ، وقضى كتاب الله بكذا ، ورضينا بكتاب الله ، وإذا جاز أن يكون هدى وشفاء ، جاز أن يكون حاكماً قال تعالى : { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ المؤمنين } [ الإسراء : 9 ] والثاني : أنه يفيد تفخيم شأن القرآن وتعظيم حاله . (3/249)
أما قوله تعالى : { فِيمَا اختلفوا فِيهِ } فاعلم أن الهاء في قوله : { فِيمَا اختلفوا فِيهِ } يجب أن يكون راجعاً ، إما إلى الكتاب ، وإما إلى الحق ، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم ، لكن رجوعه إلى الحق أولى ، لأن الآية دلت على أنه تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكماً فيما اختلفوا فيه فالكتاب حاكم ، والمختلف فيه محكوم عليه ، والحاكم يجب أن يكون مغايراً للمحكوم عليه .
أما قوله تعالى : { وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } فالهاء الأولى راجعة إلى الحق والثانية : إلى الكتاب والتقدير : وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب ، ثم قال أكثر المفسرين : المراد بهؤلاء : اليهود والنصارى والله تعالى كثيراً ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ كقوله : { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة : 5 ] { قُلْ ياأهل تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } [ آل عمران : 64 ] ثم المراد باختلافهم يحتمل أن يكون هو تكفير بعضهم بعضاً كقوله تعالى : { وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } [ البقرة : 113 ] ويحتمل أن يكون اختلافهم تحريفهم وتبديلهم ، فقوله : { وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } أي وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب مع أنه كان المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين واعلم أن هذا يدل على أن الإختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء وإنزال الكتب وذلك يوجب أن قبل بعثهم ما كان الإختلاف في الحق حاصلاً ، بل كان الإتفاق في الحق حاصلاً وهو يدل على أن قوله تعالى : { كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } معناه أمة واحدة في دين الحق .
أما قوله تعالى : { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } فهو يقتضي أن يكون إيتاء الله تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا محالة لإيتاء الكتاب وهذه البينات لا يمكن حملها على شيء سوى الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها ، وذلك لأن المتكلمين يقولون كل ما لا يصح إثبات النبوة إلا بعد ثبوته ، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية وإلا وقع الدور ، بل لا بد من إثباتها بالدلائل العقلية فهذه الدلائل هي البينات المتقدمة على إيتاء الله الكتب إياهم . (3/250)
أما قوله تعالى : { بَغْياً بَيْنَهُمْ } فالمعنى أن الدلائل إما سمعية وإما عقلية . أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب ، وأما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فعند ذلك قد تمت البينات ولم يبق في العدول عذر ولا علة ، فلو حصل الإعراض والعدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد والبغي والحرص على طلب الدنيا ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى : { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } [ البينة : 4 ] .
أما قوله تعالى : { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ } فاعلم أنه تعالى لما وصف حال أهل الكتاب وأنهم بعد كمال البينات أصروا على الكفر والجهل بسبب البغي والحسد بين أن حال هذه الأمة بخلاف حال أولئك فإن الله عصمهم عن الزلل وهداهم إلى الحق في الأشياء التي اختلف فيها أهل الكتاب ، يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، ونحن أولى الناس دخولاً الجنة يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا لله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فهذا اليوم الذي هدانا له ، والناس له فيه تبع وغداً لليهود ، وبعد غد للنصارى » قال ابن زيد : اختلفوا في القبلة فصلت اليهود إلي بيت المقدس والنصارى إلى المشرق ، فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام ، فهدانا الله لشهر رمضان ، واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود : كان يهودياً وقالت النصارى : كان نصرانياً ، فقلنا : إنه كان حنيفاً مسلماً واختلفوا في عيسى ، فاليهود فرطوا ، والنصارى أفرطوا ، وقلنا القول العدل ، وبقي في الآية مسائل :
المسألة الأولى : من الأصحاب من تمسك بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق لله تعالى قال : لأن الهداية هي العلم والمعرفة ، وقوله : { فَهَدَى الله } نص في أن الهداية حصلت بفعل الله تعالى ، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق لله تعالى .
واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير ، والاهتداء غير ، والذي يدل ههنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان الأول : أن الهداية إلى الإيمان غير الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير الإيمان والثاني : أنه تعالى قال في آخر الآية : { بِإِذْنِهِ } ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله : { فَهَدَى الله } إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلا بد ههنا من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه ، والتقدير : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه ، وإذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة للاهتداء . (3/251)
المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر ، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه أحدها : أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] ثم قال : { هُدًى لّلنَّاسِ } وثانيها : أن المراد به : الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة وثالثها : هداهم إلى الحق بالألطاف .
المسألة الثالثة : قوله : { لِمَا اختلفوا فِيهِ } أي إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى : { يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } [ المجادلة : 3 ] أي إلى ما قالوا ويقال : هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق .
فإن قيل : لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، ولم يقل : هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف؟
والجواب من وجهين الأول : أنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف لهم بدأ به ، ثم فسره بمن هداه الثاني : قال الفراء : هذا من المقلوب ، أي فهداهم لما اختلفوا فيه .
المسألة الرابعة : قوله : { بِإِذْنِهِ } فيه وجهان أحدها : قال الزجاج بعلمه الثاني : هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال : قطعت بالسكين ، وذلك لأن الحق لم يكن متميزاً عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث : قال بعضهم : لا بد فيه من إضمار والتقدير : هداهم فاهتدوا بإذنه .
أما قوله : { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فاستدلال الأصحاب به معلوم ، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها : المراد بالهداية البيان ، فالله تعالى خص المكلفين بذلك والثاني : المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث : المراد به اللطف فيكون خاصاً لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبي بكر الرازي .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
في النظم وجهان الأول : أنه تعالى قال في الآية السالفة : { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } الآية الثاني : أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن . (3/252)
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : استقصينا الكلام في لفظ { أَمْ } في تفسير قوله تعالى : { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } [ البقرة : 133 ] والذي نريده ههنا أن نقول { أَمْ } استفهام متوسط كما أن ( هل ) استفهام سابق ، فيجوز أن يقول : هل عندك رجل ، أعندك رجل؟ ابتداء ، ولا يجوز أن يقال : أم عندك رجل ، فأما إذا كان متوسطاً جاز سواء كان مسبوقاً باستفهام آخر أو لا يكون ، أما إذاكان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجل لا تنصف ، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟ وأما الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام فهو كقوله : { الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ العالمين * أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ السجدة : 1 3 ] وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول ، والتقدير : أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه؟ فكذا تقدير هذه الآية : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، أفتسلكون سبيلهم ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟ هذا ما لخصه القفال رحمه الله ، والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن { لَّمّاً } إنما هي { لَمْ } و { مَا } زائدة وقال سيبويه : { مَا } ليست زائدة لأن { لَّمّاً } تقع في مواضع لا تقع فيها { لَمْ } يقول الرجل لصاحبه : أقدم فلان؟ فيقول : { لَّمّاً } ولا يقول : { لَمْ } مفردة ، قال المبرد : إذا قال القائل : لم يأتني زيد ، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال : لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة :
أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
فعلى هذا قوله : { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر .
المسألة الثالثة : قال ابن عباس : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، اشتد الضرر عليهم ، لأنهم خرجوا بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم { أَمْ حَسِبْتُمْ } وقال قتادة والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن ، وكان كما قال سبحانه وتعالى :
{ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } [ الأحزاب : 10 ] وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبياً لما سلط الله عليكم الأسر والقتل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . (3/253)
واعلم أن تقدير الآية : أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي ، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به ، وابتلاكم بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر والفاقة ، ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو ، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين ، وهو المراد من قوله : { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } والمثل هو المثل وهو الشبه ، وهما لغتان : مثل ومثل كشبه وشبه ، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى : { وَلِلَّهِ المثل الأعلى } [ النحل : 60 ] أي الصفة التي لها شأن عظيم .
واعلم أن في الكلام حذفاً تقديره : مثل محنة الذين من قبلكم ، وقوله : { مَسَّتْهُمْ } بيان للمثل ، وهو استئناف كأن قائلاً قال : فكيف كان ذلك المثل؟ فقال : { مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ } .
أما { البأساء } فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة .
وأما { الضراء } فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف ، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه .
وأما قوله : { وَزُلْزِلُواْ } أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا قال الزجاج : أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه فإذا قلت : زلزلته فتأويله أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه ، وكل ما كان فيه تكرير كررت فيه فاء الفعل ، نحو صر ، وصرصر ، وصل وصلصل ، وكف ، وكفكف ، وأقل الشيء ، أي رفعه من موضعه ، فإذا كرر قيل : قلقل ، وفسر بعضهم { زلزلوا } ههنا بخوفوا ، وحقيقته غير ما ذكرنا ، وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه ، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد ، لأنه يذهب السكون ، فيجب أن يكون زلزلوا ههنا مجازاً ، والمراد : خوفوا ، ويجوز أن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف ، ثم أنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئاً آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة ، فقال : { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله } وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا ، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة ، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } إجابة لهم إلى طلبهم ، فتقدير الآية هكذا : كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم ، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق ، فإن نصر الله قريب ، لأنه آت ، وكل ما هو آت قريب ، وهذه الآية مثل قوله :
{ الم * أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله } [ العنكبوت : 1 3 ] وقال : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } [ آل عمران : 142 ] والمقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود ، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والنفوس ما لا يخفى ، فعزاهم الله في ذلك وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك ، والمصيبة إذا عمت طابت ، وذكر الله من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار ، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به ، ومن أمر سائر الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين . (3/254)
روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين ، فقال : « إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم ، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه ، وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون »
المسألة الرابعة : قرأ نافع { حتى يَقُولَ } برفع اللام والباقون بالنصب ، ووجهه أن { حتى } إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما : أن تكون بمعنى : إلى ، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل { حتى } والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، فالسير والدخول قد وجدا مضياً ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون بمعنى : كي ، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد { حتى } لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله :
{ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوّهِ } [ القصص : 15 ] وفي قوله : { وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } [ الكهف : 18 ] لأن هذا لا يصح إلا على سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة ، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى . (3/255)
المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد { متى نَصْرُ الله } .
والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [ الحجر : 97 ] وقال تعالى : { لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 3 ] وقال تعالى : { حتى إِذَا استيئس الرسل وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّىَ } [ يوسف : 110 ] وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : { متى نَصْرُ الله } حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعاً عن القرب ، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد .
والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكر كلامين أحدهما : { متى نَصْرُ الله } والثاني : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : فالذين آمنوا قالوا : { متى نَصْرُ الله } والرسول صلى الله عليه وسلم قال : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله :
{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [ القصص : 73 ] والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرىء القيس : (3/256)
كأن قلوب الطير رطباًويابسا ... لدي وكرها العناب والحشف البالي
فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جداً .
المسألة السادسة : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } يحتمل أن يكون جواباً من الله تعالى لهم ، إذ قالوا : { متى نَصْرُ الله } فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : { متى نَصْرُ الله } ثم قال الله عند ذلك { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } ويحتمل أن يكون ذلك قولاً لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : { متى نَصْرُ الله } رجعوا إلى أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك .
فإن قيل : قوله : { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت .
قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاماً في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريباً لأن الموت قريب .
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضاً عن طلب العاجل ، وأن يكون مشتغلاً بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } [ البقرة : 243 ] لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له . (3/257)
الحكم الأول
فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل
المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي ديناراً فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي / عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً هرماً ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : للنحويين في { مَاذَا } قولان أحدهما : أن يجعل ( مَا ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصباً بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل؟ بإثبات الألف في { مَا } فلولا أن ( مَا ) مع ( ذَا ) بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : { عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } [ النبأ : 1 ] وقوله : { فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } [ النازعات : 43 ] فلما لم يحذفوا الألف من آخر ( مَا ) علمت أنه مع ( ذَا ) بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخراً إلا أن يكون في شعر كقوله :
غلاماً قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد
والقول الثاني : أن يجعل ( ذَا ) بمعنى الذي ويكون ( مَا ) رفعاً بالابتداء خبرها ( ذَا ) والعرب قد يستعملون ( ذَا ) بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ذاك؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذ يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون؟ .
المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا؟ .
والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : { مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ } جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفاً إلى جهة الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلاً للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال وارداً بلفظ { مَا } إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوماً لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مراداً تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال ، ونظيره قوله تعالى :
{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا . . . قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ } [ البقرة : 70 ، 71 ] وإنما كان هذا الجواب موافقاً لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله : { مَا هِىَ } لا يمكن حمله على طلب الماهية ، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم : { مَاذَا يُنفِقُونَ } ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالاً حلالاً وبشرط أن يكون مصروفاً إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك . (3/258)
المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدم الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين } [ الإسراء : 23 ] وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سبباً للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً كان اطلاع الفقير على الغني أتم ، واطلاع الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو لم يراع جانب الفقير ، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعاً للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد ، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب .
وأشرب على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } أي وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلباً لجزيل ثوابه وهرباً من أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالماً يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال : { لإنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } [ آل عمران : 195 ] وقال : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } [ الزلزلة : 7 ] . (3/259)
المسألة الخامسة : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ } [ العاديات : 8 ] وقال : { إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية } [ البقرة : 180 ] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة ، وهذا أولى .
المسألة السادسة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها : قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضاً فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع وثالثها : أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
الحكم الثاني (3/260)
فيما يتعلق بالقتال
وفيه مسائل :
/المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : { كُتِبَ } يقتضي الوجوب وقوله : { عَلَيْكُمْ } يقتضيه أيضاً ، والخطاب بالكاف في قوله : { عَلَيْكُمْ } لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص } [ البقرة : 178 ] ، { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة : 183 ] .
فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان أو على الكفاية .
قلنا : بل يقتضي أن يكون واجباً على الأعيان لأن قوله : { عَلَيْكُمْ } أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } حجة عطاء أن قوله : { كُتِبَ } يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : { عَلَيْكُمْ } يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } [ النساء : 95 ] ولو كان القاعد مضيعاً فرضاً لما كان موعوداً بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتاً ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : { وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } [ التوبة : 122 ] والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله : { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضاً لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : { وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارهاً لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطاً لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده .
والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقاً على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . (3/261)
المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء :
فإنما هي إقبال وإدبار ... كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلاً بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } [ الأحقاف : 15 ] والله أعلم وقال بعضهم : الكره ، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح .
أما قوله : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : { عَسَى } فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه ، عسيتما وعسيتم قال تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ } [ محمد : 22 ] ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى : { قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } [ النمل : 72 ] أي قرب ، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد .
المسألة الثانية : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدوا المرء في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء .
أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقرباً وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلباً لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقناً بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان . (3/262)
فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله : { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } .
المسألة الثالثة : { الشر } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله :
وحتى أشرت بالأكف المصاحف ... والشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة .
المسألة الرابعة : { عَسَى } توهم الشك مثل { لَعَلَّ } وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى { لَعَلَّ } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 183 ] قال الخليل : { عَسَى } من الله واجب في القرآن قال : { فَعَسَى الله أَن يَأْتِىَ بالفتح } [ المائدة : 52 ] وقد وجد { وَعَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } [ يوسف : 83 ] وقد حصل والله أعلم .
أما قوله تعالى : { والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعاً أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروهاً للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)
في الآية مسائل : (3/263)
المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع؟ فنزلت الآية ، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين .
الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين ، وبعد سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة في ثمانية رهط ، وكتب له كتاباً وعهداً ودفعه إليه ، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ، ويقرأه على أصحابه ، ويعمل بما فيه ، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل ، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير ، فقال عبد الله : سمعاً وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره ، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف ، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه ، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار ، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام ، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء ، والمسلمون أيضاً قد استبعدوا ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى ، فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة ، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } وهو خطاب مع المسلمين وقوله :
{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر . . . ويسألونك عن اليتامى } [ البقرة : 219 ، 220 ] وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } . (3/264)
والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال { وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { قِتَالٍ فِيهِ } خفض على البدل من الشهر الحرام ، وهذا يسمى بدل الاشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى : { قُتِلَ أصحاب الأخدود * النار ذَاتِ الوقود } [ البروج : 4 ، 5 ] وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى : { لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] وقرأ عكرمة { قَتْلَ فِيهِ } .
أما قوله تعالى : { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : { قِتَالٌ فِيهِ } مبتدأ و { كَبِيرٌ } خبره ، وقوله : { قِتَالٌ } وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله : { فِيهِ } فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله : { كَبِيرٌ } أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } [ الكهف : 5 ] .
فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : { قِتَالٌ فِيهِ } ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : { إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } [ الشرح : 6 ] .
قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ } ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى : { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه ، وباطنه يكون موافقاً للحق ، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير ، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب .
المسألة الثانية : اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، إلا على سبيل الدفع ، روى جابر قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال نعم ، قال أبو عبيد : والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها ، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز . (3/265)
والحجة في إباحته قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام ، والذي عندي أن قوله تعالى : { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فرداً واحداً ، ولا يتناول كل الأفراد ، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقاً في الشهر الحرام ، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه .
أما قوله تعالى : { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ الله } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : للنحويين في هذه الآية وجوه الأول : قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج ، أن قوله : { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } كلها مرفوعة بالابتداء ، وخبرها قوله : { أَكْبَرُ عِندَ الله } والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه ، وإن كان كبيراً ، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه ، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام ، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذراً ظاهراً ، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعاً في جمادى الآخرة ، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل : { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أنفسكم } [ البقرة : 44 ] ، { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }
[ الصف : 2 ] وهذا وجه ظاهر ، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله : { والمسجد الحرام } وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على الهاء في به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على { سَبِيلِ الله } قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام } [ الحج : 25 ] . (3/266)
واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، فقوله : عن المسجد الحرام صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزاً .
أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام ، والإضمار في كلام الله ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة { تَسَاءلُونَ بِهِ والأرحام } [ النساء : 1 ] على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولاً بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولاً ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله : { وَكُفْرٌ بِهِ } عقيب قوله : { والمسجد الحرام } إلا أنه قدم عليه لفرط العناية ، كقوله تعالى : { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدًا } [ الإخلاص : 4 ] كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفواً إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا .
الوجه الثاني : في هذه الآية ، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى : { والمسجد الحرام } عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله : { قِتَالٌ فِيهِ } مبتدأ ، وقوله : { كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ } خبر بعد خبر ، والتقدير : إن قتلاً فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله ، وبأنه كفر بالله .
والطريق الثاني : أن يكون قوله : { قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } جملة مبتدأ وخبر ، وأما قوله : { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله : { وَكُفْرٌ بِهِ } والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير ، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو ، تقديره : وعمرو منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعاً عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً بالله ، وهو خطأ بالإجماع ، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك : { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ } أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر ، وهو خطأ بالإجماع .
وأقول : للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد الحرام ، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وكان أحدهما كالآخر في القبح عند القوم ، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال ، وقولهم على الوجه الأول يلزم أن يكون القتال في الشهر الحرام كفراً . (3/267)
قلنا : يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفراً ونحن نقول به ، لأن النكرة في الإثبات لا تفيد العموم ، وعندنا أن قتالاً واحداً في المسجد الحرام كفر ، ولا يلزم أن كل قتال كذلك ، وقولهم على الوجه الثاني يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، قلنا : المراد من أهل المسجد هم الرسول عليه السلام والصحابة ، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال لا شك أنه كفر وهو مع كونه كفراً فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم سابق وعرض لاحق ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلماً وكفراً ، أكبر وأقبح عند الله مما يكون كفراً وحده ، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء .
القول الثالث : في الآية قوله : { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سبيل الله وَكُفْرٌ بِهِ } وجهه ظاهر ، وهو أن قتالاً فيه موصوف بهذه الصفات ، وأما الخفض في قوله : { والمسجد الحرام } فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا القول وزناً .
المسألة الثانية : أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه أحدها : أنه صد عن الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام وثانيها : صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام وثالثها : صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت ، ولقائل أن يقول : الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش ، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع ، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلاً للرسل ، مستحقاً للعبادة ، قادراً على البعث ، وأما قوله : { والمسجد الحرام } فإن عطفناه على الضمير في { بِهِ } كان المعنى : وكفر بالمسجد الحرام ، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به ، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع ، ومن قال : إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى : وصد عن المسجد الحرام ، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود .
وأما قوله تعالى : { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [ الفتح : 26 ] وقال تعالى : { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } [ الأنفال : 34 ] فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج ، وإنما قلنا : إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين : أحدهما : أن كل واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم من القتال والثاني : أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعاً بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر . (3/268)
أما قوله تعالى : { والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما : هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال : { وَكُفْرٌ بِهِ أَكْبَر } فحمل الفتنة على الفكر يكون تكراراً ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء .
والقول الثاني : أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى : { إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } [ التغابن : 15 ] أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعاً له عن الإنفاق ، وقال تعالى : { الم * أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت : 1 ، 2 ] أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال : { وفتناك فُتُوناً } [ طه : 40 ] وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال : { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } [ العنكبوت : 10 ] والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } [ البروج : 10 ] والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } [ النساء : 101 ] وقال : { مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم }
[ الصافات : 162 ، 163 ] وقال : { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة } [ آل عمران : 7 ] أي المحنة في الدين وقال : { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } [ المائدة : 49 ] وقال : { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الممتحنة : 5 ] وقال : { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين } [ يونس : 85 ] والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال : { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيّكُمُ المفتون } [ القلم : 5 ، 6 ] قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول . (3/269)
فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي .
روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة : إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، ومنع المؤمنين عن البيت الحرام قال : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى : { وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [ البقرة : 120 ] .
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ما زال يفعل كذا ، ولا يزال يفعل كذا ، قال الواحدي : هذا فعل لا مصدر له ، ولا يقال منه : فاعل ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال كثير نحو { عَسَى } ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك : ذو ، وما فتىء ، وهلم ، وهاك ، وهات ، وتعال ، ومعنى : { لا يَزَالُونَ } أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه : ما ، كان ذلك نفياً للنفي فيكون دليلاً على الثبوت الدائم .
المسألة الثانية : قوله : { حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } أي إلى أن يردوكم وقيل المعنى : ليردوكم .
المسألة الثالثة : قوله : { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } استبعاد لاستطاعتهم ، كقول الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق عليِّ وهو واثق بأنه لا يظفر به .
ثم قال تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي قوله : { وَمَن يَرْتَدِدْ } أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني : وهو أكثر في اللغة من الإدغام ، وقوله : { فَيَمُتْ } هو جزم بالعطف على { يَرْتَدِدْ } وجوابه { فَأولَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } .
المسألة الثانية : لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم ، ذكر بعده وعيداً شديداً على الردة ، فقال : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة } واستوجب العذاب الدائم في النار .
المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر ، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام ، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي ، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة ، فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه ، قالوا : لأن من كان مؤمناً ثم ارتد والعياذ بالله فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي ، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى الاستحقاقان وهو محال ، وإما أن يقال : إن الطارىء يزيل السابق وهذا محال لوجوه أحدها : أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارىء ، فليس كون الطارىء مزيلاً للسابق أولى من كون السابق دافعاً للطارىء ، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وثانيها : أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين ، كان شرط طريان الطارىء زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال وثالثها : أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارىء ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر ، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر ، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب وهو باطل بالإجماع ، وإن ازداد أحدهما على الآخر ، فلنفرض أن السابق أزيد ، فعند طريان الطارىء لا يزول إلا ما يساويه ، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية ، فيكون ذلك ترجيحاً من غير مرجح وهو محال ، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارىء الزائد ، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة وهو محال ، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارىء دون البعض ، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحاً للمثل من غير مرجح وهو محال ، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمناً ثم كفر ، فذلك الإيمان السابق ، وإن كنا نظنه إيماناً إلا أنه ما كان عند الله إيماناً ، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيماناً ، والكفر كفراً ، وهذا هو الذي دلت الآية عليه ، فإنها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن يموت المرتد على تلك الردة .
أما البحث الفروعي : فهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت قال الشافعي رحمه الله : لا إعادة عليه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج ، حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه قوله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } شرط في حبوط العمل أن يموت وهو كافر ، وهذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط ، فوجب أن لا يصير عمله محبطاً ، فإن قيل : هذا معارض بقوله : (3/270)
{ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام : 88 ] وقوله : { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [ المائدة : 5 ] لا يقال : حمل المطلق على المقيد واجب . (3/271)
لأنا نقول : ليس هذا من باب المطلق والمقيد ، فإنهم أجمعوا على أن من علق حكماً بشرطين ، وعلقه بشرط أن الحكم ينزل عند أيهما وجد ، كمن قال لعبده : أنت حر إذا جاء يوم الخميس ، أنت حر إذا جاء يوم الخميس والجمعة : لا يبطل واحد منهما ، بل إذا جاء يوم الخميس عتق ، ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه ، ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة وهو في ملكه عتق بالتعليق الأول .
والسؤال الثاني : عن التمسك بهذه الآية أن هذه الآية دلت على أن الموت على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية ، ونحن نقول به فإن من جملة هذه الأحكام : الخلود في النار وذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط ، وإنما الخلاف في حبط الأعمال ، وليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط فيه .
والجواب : أن هذا من باب المطلق والمقيد لا من باب التعليق بشرط واحد وبشرطين ، لأن التعليق بشرط وبشرطين إنما يصح لو لم يكن تعليقه بكل واحد منهما مانعاً من تعليقه بالآخر ، وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلاً في شيء من الأوقات ، فعلمنا أن هذا ليس من باب التعليق بشرط وبشرطين بل من باب المطلق والمقيد .
وأما السؤال الثاني : فجوابه أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة ، وإنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة ، وعلى هذا التقدير فذلك السؤال ساقط .
أما قوله تعالى : { فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والأخرة } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك وفي الحديث « وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم » فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه .
المسألة الثانية : المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل ، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال ، وإعدام المعدوم محال ، ثم اختلف المتكلمون فيه ، فقال المثبتون للإحباط والتكفير : المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق ، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة أولاً بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي ، وقال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثواباً فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعاً بل يستفيد منه أعظم المضار يقال : إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة ، ثم قال المنكرون للإحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط ، إما أن يكون حقيقة في لفظ الإحباط ، وإما أن لا يكون ، فإن كان حقيقة فيه وجب المصير إليه ، وإن كان مجازاً وجب المصير إليه ، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان ، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث يزيل أثر الفعل السابق محال .
المسألة الثالثة : أما حبوط الأعمال في الدنيا ، فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً ، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين ، ويجوز أن يكون المعنى في قوله : { حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا } أن ما يريدونه بعد الردة من الإضرار بالمسلمين ومكايدتهم بالإنتقال عن دينهم يبطل كله ، فلا يحصلون منه على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة ، وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالإحباط معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة ، وعند المنكرين لذلك معناه : أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثواباً ونفعاً في الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار ، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى : { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } . (3/272)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)
في الآية مسألتان : (3/273)
/ المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا ، فهل نطمع منه أجراً وثواباً فنزلت هذه الآية ، لأن عبد الله كان مؤمناً ، وكان مهاجراً ، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهداً والثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل بقوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 216 ] وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله } ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد .
المسألة الثانية : { هاجروا } أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم ، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل ، ومنه قيل للكلام القبيح : هجر ، لأنه مما ينبغي أن يهجر ، والهاجرة وقت يهجر فيه العمل ، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة ، وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين ، وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب ، فكان ذلك مهاجرة ، وأما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة ، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في نصرة دين الله ، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ليحصل التأييد والقوة ، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في قتال العدو ، وعند فعل العدو ، ومثل ذلك فتصير مفاعلة .
ثم قال تعالى : { أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله } وفيه قولان : الأول أن المراد منه الرجاء ، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها ، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالفوز والثواب في عمله ، بل كان يتوقعه ويرجوه .
فإن قيل : لم جعل الوعد مطلقاً بالرجاء ، ولم يقع به كما في سائر الآيات؟ .
قلنا : الجواب من وجوه أحدها : أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب عقلاً ، بل بحكم الوعد ، فلذلك علقه بالرجاء وثانيها : هب أنه واجب عقلاً بحكم الوعد ، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن ، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع وثالثها : أن المذكور ههنا هو الإيمان ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال ، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها ، كما وفقه لهذه الثلاثة ، فلا جرم علقه على الرجاء ورابعها : ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة ، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد ، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى ، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته ، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه ، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء ، كما قال : { والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون } [ المؤمنون : 60 ] .
القول الثاني : أن المراد من الرجاء : القطع واليقين في أصل الثواب ، والظن إنما دخل في كميته وفي وقته ، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى : { الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } [ البقرة : 46 ] .
ثم قال تعالى : { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح ، وأنه غفور رحيم ، غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)
الحكم الثالث (3/274)
في الخمر
اعلم أن قوله : { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا ، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعاً عن الحل والحرمة .
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات ، نزل بمكة قوله تعالى : { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } [ النحل : 67 ] وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر ، فإنها مذهبة للعقل ، مسلبة للمال ، فنزل فيها قوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ومنافع لِلنَّاسِ } فشربها قوم وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم ، فشربوا وسكروا ، فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، فنزلت : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] فقل من شربها ، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص ، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار ، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة ، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل : { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة : 91 ] فقال عمر : انتهينا يا رب ، قال القفال رحمه الله : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم بذلك كثيراً ، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم ، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج ، وهذا الرفق ، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية ، ثم نزل قوله تعالى : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة ، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر ، فكان المنع من ذلك منعاً من الشرب ضمناً ، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم ، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر .
المسألة الثانية : اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر .
أما المقام الأول : في بيان أن الخمر ما هو؟ قال الشافعي رحمه الله : كل شراب مسكر فهو خمر ، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد ، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها : ما روى أبو داود في «سننه» : عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب ، والتمر ، والحنطة ، والشعير ، والذرة ، والخمر ما خامر العقل ، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها : أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير ، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر ، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمراً وثانيها : أنه قال : حرمت الخمر يوم حرمت ، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمس ، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة وثالثها : أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب ، ولا شك أن عمر كان عالماً باللغة ، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره .
الحجة الثانية : روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من العنب خمراً ، وإن من التمر خمراً ، وإن من العسل خمراً ، وإن من البر خمراً ، وإن من الشعير خمراً » والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني : أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات ، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها ، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب ، فوجب أن يكون ثابتاً في هذه الأشربة ، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها ، وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان ، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة ، فحكمها حكم هذه الخمسة ، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها . (3/275)
الحجة الثالثة : روى أبو داود أيضاً عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام » قال الخطابي : قوله عليه السلام « كل مسكر خمر » دل على وجهين أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها ، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر ، وكان مسمى الخمر مجهولاً للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية ، أو على سبيل أن يضع اسماً شرعياً على سبيل الاحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما .
والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمراً فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازاً على المشابهة في الحكم ، الذي هو خاصية ذلك الشيء . (3/276)
الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع ، فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل ، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة ، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح ، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس ، فيدخل فيه القليل والكثير منها ، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله .
الحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أسكر كثيره فقليله حرام "
الحجة السادسة : روي أيضاً عن القاسم عن عائشة ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " قال الخطابي : «الفرق» مكيال يسع ستة عشر رطلاً ، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب .
الحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ، قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء ، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر ، وهو حرام .
النوع الثاني : من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات ، قال أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية ، سمي الخمار خماراً لأنه يغطي رأس المرأة ، والخمر ما واراك من شجر وغيره ، من وهدة وأكمة ، وخمرت رأس الإناء أي غطيته ، والخامر هو الذي يكتم شهادته ، قال ابن الأنباري : سميت خمراً لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه ، يقال : خامره الداء إذا خالطه ، وأنشد لكثير :
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له ، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساتراً للعقل ، كما سميت مسكراً لأنها تسكر العقل أي تحجزه ، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمراً إذا ستره للمبالغة ، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر ، لأن السكر يغطي العقل ، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء ، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر ، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس ، وهو غير جائز ، لأنا نقول : ليس هذا إثباتاً للغة بالقياس ، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات ، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات ، ومسمى الصوم هو الإمساك ، ويثبتونه بالاشتقاقات .
النوع الثالث : من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر ، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما : هذه الآية والثانية : آية المائدة والثالثة : وردت في السكر وهو قوله : { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } [ النساء : 43 ] وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر . (3/277)
النوع الرابع : من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذاً قالا : يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل ، مذهبة للمال ، فبين لنا فيه ، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل ، فوجب أن يكون كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في هذا الحكم .
النوع الخامس : من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } [ المائدة : 91 ] ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر ، وهذا التعليل يقيني ، فعلى هذا تكون هذه الآية نصاً في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة ، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر ، وكل من أنصف وترك العناد ، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه أحدها : قوله تعالى : { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } [ النحل : 67 ] من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن ، وما نحن فيه سكر ورزق حسن ، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح .
والحجة الثانية : ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها ، وقال : اسقوني ، فقال العباس : ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا؟ فقال : ما تسقي الناس ، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه ، فقطب وجهه ورده ، فقال العباس : يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم ، فقال : ردوا علي القدح ، فردوه عليه ، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب ، وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا متنها بالماء .
وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد ، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص ، ولأن اغتلام الشراب شدته ، كاغتلام البعير سكره .
الحجة الثالثة : التمسك بآثار الصحابة .
والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } نكرة في الإثبات ، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر ، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة ، أو مخصصة لها .
وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماءً نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلاً إلى الحموضة ، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة ، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم ، فلذلك قطب وجهه ، وأيضاً كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز . (3/278)
وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة ، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام ، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر .
المقام الثاني : في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من وجوه الأول : أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم ، والإثم حرام لقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغى } [ الأعراف : 33 ] فكان مجموع هاتين الآيتين دليلاً على تحريم الخمر الثاني : أن الإثم قد يراد به العقاب ، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب ، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث : أنه تعالى قال : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } صرح برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب التحريم .
فإن قيل : الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثماً ، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم : إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراماً؟ .
قلنا : لأن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر ، فلما بين تعالى أن فيه إثماً ، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات ، فكان شرب الخمر مستلزماً لهذه الملازمة المحرمة ، ومستلزم المحرم محرم ، فوجب أن يكون الشرب محرماً ، ومنهم من قال : هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر ، واحتج عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس ، والمحرم لا يكون فيه منفعة والثاني : لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة؟ الثالث : أنه تعالى أخبر أن فيهما إثماً كبيراً فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلاً ما داما موجودين ، فلو كان ذلك الإثم الكبير سبباً لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع .
والجواب عن الأول : أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرماً ، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعاً من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام .
والجواب عن الثاني : أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ، والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم ، كما التمس إبراهيم صلوات الله عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكوناً وطمأنينة .
والجواب عن الثالث : أن قوله : { فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } إخبار عن الحال لا عن الماضي ، وعندنا أن الله تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان ، وعلم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب . (3/279)
المسألة الثالثة : في حقيقة الميسر فنقول : الميسر القمار ، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال يسرته إذا قمرته ، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه أحدها : قال مقاتل : اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب ، كانوا يقولون : يسروا لنا ثمن الجزور ، أو من اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله وثانيها : قال ابن قتيبة : الميسر من التجزئة والاقتسام ، يقال : يسروا الشيء ، أي اقتسموه ، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، والياسر الجازر ، لأنه يجزىء لحم الجزور ، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور وثالثها : قال الواحدي : إنه من قولهم : يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح ، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة .
وأما صفة الميسر فقال صاحب «الكشاف» : كانت لهم عشرة قداح ، وهي الأزلام والأقلام الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام ، والمسبل ، والمعلى ، والنافس ، والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء ، وقيل : ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة ، وهي : المنيح والسفيح ، والوعد ، ولبعضهم في هذا المعنى شعر :
لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح
وأساميهن وغد ... وسفيح ومنيح
فللفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل ستة ، وللمعلى سبعة ، يجعلونها في الربابة ، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل ، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً ، وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ، ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين ، أو هو اسم لجميع أنواع القمار ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم "
وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان ، لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قماراً ولا ميسراً ، والله أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه . (3/280)
المسألة الخامسة : الإثم الكبير ، فيه أمور أحدها : أن عقل الإنسان أشرف صفاته ، والخمر عدو العقل ، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس ، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور ، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يجري مجرى عقال الناقة ، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح ، كان عقله مانعاً له من الإقدام عليه ، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خالياً عن العقل المانع منها ، والتقريب بعد ذلك معلوم ، ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ، ويقول : الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً ، وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم وثانيها : ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وثالثها : أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس عليها أقوى . بخلاف سائر المعاصي ، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل ، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم ، بخلاف الشرب ، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر ، كان نشاطه أكثر ، ورغبته فيه أتم . فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقاً في اللذات البدنية ، معرضاً عن تذكر الآخرة والمعاد ، حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، وبالجملة فالخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « الخمر أم الخبائث » وأما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة ، وأيضاً لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضاً يورث العداوة ، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجاناً أبغضه جداً ، وهو أيضاً يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، وأما المنافع المذكورة في قوله تعالى : { ومنافع لِلنَّاسِ } فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي ، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة ، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب ، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه ، ويسلي المحزون ، ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ويصفي اللون ، وينعش الحرارة الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء ومن منافع الميسر : التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور ، وإنما كان يفرقه في المحتاجين وذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير ، فيحصل له مال من غير كد وتعب ، ثم يصرفه إلى المحتاجين ، فيكتسب منه المدح والثناء .
المسألة السادسة : قرأ حمزة والكسائي { كَثِيرٍ } بالثاء المنقوطة من فوق والباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي ، أن الله وصف أنواعاً كثيرة من الإثم في الخمر والميسر وهو قوله : { إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِى الخمر والميسر } [ المائدة : 91 ] فذكر أعداداً من الذنوب فيهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عشرة بسبب الخمر ، وذلك يدل على كثرة الإثم فيهما ، ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع لأنه قال : فيهما إثم ومنافع ، وكما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال : فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيراً يدل عليه قوله تعالى : { كبائر الإثم } [ النجم : 32 ] ، { كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء : 31 ] ، { إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً } [ النساء : 2 ] وأيضاً القراء اتفقوا على قوله : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ } بالباء المنقوطة من تحت ، وذلك يرجح ما قلناه . (3/281)
الحكم الرابع
في الإنفاق
قوله تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) } .
اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد ههنا فأجيب عنه بذكر الكمية ، قال القفال : قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه ما فلان هذا؟ فيقول : هو رجل من مذهبه كذا ، ومن خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول : كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه ، سألوا عن مقدار ما كلفوا به ، هل هو كل المال أو بعضه ، فأعلمهم الله أن العفو مقبول ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : أصل العفو في اللغة الزيادة ، قال تعالى : { خُذِ العفو } [ الأعراف : 199 ] أي الزيادة ، وقال أيضاً : { حتى عَفَواْ } [ الأعراف : 95 ] أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال القفال : العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلاً عن الكفاية يقال : خذ ما عفا لك ، أي ما تيسر ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسر والتسهيل ، قال عليه الصلاة والسلام : « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم » معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق ، ويقال : أعفى فلان فلاناً بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة ، وهو راجع إلى التخفيف ويقال : أعطاه كذا عفواً صفواً ، إذا لم يكدر عليه بالأذى ، ويقال : خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر ، ومنه قوله تعالى :
{ خُذِ العفو } [ الأعراف : 199 ] أي ما سهل لك من الناس ، ويقال للأرض السهلة : العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال : العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } [ الإسراء : 26 ، 27 ] وقال : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء : 29 ] وقال : { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } [ الفرقان : 67 ] وقال صلى الله عليه وسلم : « إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا » وقال عليه الصلاة والسلام : « خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف » وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول الله خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال : هاتها مغضباً فأخذها منه ، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته ، ثم قال : « يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها » ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة ، وقال الحكماء : الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط ، فالإنفاق الكثير هو التبذير ، والتقليل جداً هو التقتير ، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله : { قُلِ العفو } ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة ، وشرع النصارى على المسامحة التامة ، وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور ، فلذلك كان أكمل من الكل . (3/282)
المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو ( العفو ) بضم الواو والباقون بالنصب ، فمن رفع جعل ( ذَا ) بمعنى ( الذى ) وينفقون صلته كأنه قال : ما الذي ينفقون؟ فقال : هو العفو ومن نصب كان التقدير : ما ينفقون وجوابه : ينفقون العفو .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع ، أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب ، فلهم قولان الأول : قول أبي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها ههنا على سبيل الإجمال ، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني : أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ، ثم ينفقوا الباقي ، ثم صار هذا منسوخاً بآية الزكاة فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة .
القول الثاني : أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع وهو الصدقة واحتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضاً لبين الله تعالى مقداره فلما لم يبين بل فوضه إلى رأي المخاطب علمنا أنه ليس بفرض . (3/283)
وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن يوجب الله شيئاً على سبيل الإجمال ، ثم يذكر تفصيله وبيانه بطريق آخر .
أما قوله : { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } فمعناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون .
وقوله : { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِى الدنيا والأخرة } فيه وجوه الأول : قال الحسن : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون والثاني : { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } فيعرفكم أن الخمر والميسر فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا الثالث : يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة وإمساكه لأجل الدنيا فتتفكرون في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا .
واعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ففرض التقديم والتأخير على ما قاله الحسن يكون عدولاً عن الظاهر لا لدليل وأنه لا يجوز .
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)
الحكم الخامس (3/284)
في اليتامى
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : أن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا يخرج مالها من يده ، ثم إن الله تعالى أنزل قوله : { إِنَّ الذين يَأْكُلُون أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] وأنزل في الآيات : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] وقوله : { ويستفتونك في النساء قل الله بفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللآتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ، والمستضعفين من الولدان ، وأن تقوموا لليتامى بالقسط ، وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليماً } [ النساء : 127 ] وقوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ الأنعام : 152 ] فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى ، والمقاربة من أموالهم ، والقيام بأمورهم ، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم ، فثقل ذلك على الناس ، وبقوا متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم ، استعدوا للوعيد الشديد ، وإن تركوا وأعرضوا عنهم ، اختلت معيشة اليتامى ، فتحير القوم عند ذلك .
ثم ههنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة ، يحتمل أن السؤال كان في قلبهم ، وأنهم تمنوا أن يبين الله لهم كيفية الحال في هذا الباب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويروى أنه لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال اليتامى ، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء ، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلاً وطعاماً وشراباً فعظم ذلك على ضعفة المسلمين ، فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله مالكنا منازل تسكنها الأيتام ولا كلنا يجد طعاماً وشراباً يفردهما لليتيم ، فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : قوله : { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } فيه وجوه أحدها : قال القاضي : هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما ، لكي ينشأ على علم وأدب وفضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيراً فيه من إصلاح حاله بالتجارة ، ويدخل فيه أيضاً إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة ، ويدخل فيه أيضاً معنى قوله تعالى : { وَءاتُواْ اليتامى أموالهم وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } [ النساء : 2 ] ومعنى قوله : { خَيْرٌ } يتناول حال المتكفل ، أي هذا العمل خير له من أن يكون مقصراً في حق اليتيم ، ويتناول حال اليتيم أيضاً ، أي هذا العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح نفسه ، وصلاح ماله ، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي .
فإن قيل : ظاهر قوله : { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } لا يتناول إلا تدبير أنفسهم دون مالهم .
قلنا : ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية والزيادة يكون إصلاحاً له ، فلا يمتنع دخوله تحت الظاهر ، وهذا القول أحسن الأقوال المذكورة في هذا الموضع وثانيها : قول من قال : الخبر عائد إلى الولي ، يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً له ، والثالث : أن يكون الخبر عائداً إلى اليتيم ، والمعنى أن مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن مخالطتهم ، والقول الأول أولى ، لأن اللفظ مطلق فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ، ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز ، فوجب حمله على الخيرات العائدة إلى الولي ، وإلى اليتيم في إصلاح النفس ، وإصلاح المال ، وبالجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة ، فينبغي أن يكون عين المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه ، واليتيم في ماله وفي نفسه ، فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات بالكلية .
أما قوله تعالى : { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } ففيه مسائل : (3/285)
المسألة الأولى : المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز ، ومنه يقال للجماع : الخلاط ويقال : خولط الرجل إذا جن ، والخلاط الجنون لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله .
المسألة الثانية : في تفسير الآية وجوه أحدها : المراد : وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم ، والمعنى : أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم ، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم ، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين ، والاجتماع في المسكن الواحد ، كما يفعله المرء بمال ولده ، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة ، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز وثانيها : أن يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنياً أو فقيراً ، ومنهم من قال : إذا كان القيم غنياً لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } وأما إن كان القيم فقيراً فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر ، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم : إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت قرضاً بالمعروف ثم قضيت ، وعن مجاهد أنه إذا كان فقيراً وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه .
القول الثالث : أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي .
والقول الرابع : وهو اختيار أبي مسلم : أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح ، على نحو قوله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا تُقْسِطُواْ فِى اليتامى فانكحوا } [ النساء : 3 ] وقوله عز من قائل : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النساء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِى الكتاب فِى يتامى النساء }
[ النساء : 127 ] قال وهذا القول راجح على غيره من وجوه أحدها : أن هذا القول خلط لليتيم نفسه والشركة خلط لماله وثانيها : أن الشركة داخلة في قوله : { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } والخلط من جهة النكاح ، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك ، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب وثالثها : أن قوله تعالى : { فَإِخوَانُكُمْ } يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط ، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلماً ، فوجب أن تكون الإشارة بقوله : { فَإِخوَانُكُمْ } إلى نوع آخر من المخالطة ورابعها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } [ البقرة : 221 ] فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة ، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك . (3/286)
المسألة الثالثة : قوله : { فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانكم ، قال الفراء : ولو نصبته كان صواباً ، والمعنى فإخوانكم تخالطون .
أما قوله : { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح } فقيل : المفسد لأموالهم من المصلح لها ، وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح ، يعني : إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضاً آخر فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم ، وهذا تهديد عظيم ، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه ، وليس له / أحد يراعيها فكأنه تعالى قال : لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه ، وقيل : والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئاً من غير إصلاح منكم لمالهم .
أما قوله تعالى : { وَلَوْ شَاءَ الله لأَعْنَتَكُمْ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : «الإعنات» الحمل على مشقة لا تطاق يقال : أعنت فلان فلاناً إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتاً إذا لبس عليه في سؤاله ، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل { العنت } من المشقة ، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدوداً ، ومنه قوله تعالى : { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } [ التوبة : 128 ] أي شديد عليه ما شق عليكم ، ويقال أعنتني في السؤال أي شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً وقال عطاء : ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم ، وقال الزجاج : ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم .