صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
يهل بالفدفد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر (3/24)
هذا معنى الإهلال في اللغة ، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام ، هذا معنى الإهلال ، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها ، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والذابح مهل ، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح ، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل الصبي ، فمعنى قوله : { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } يعني ما ذبح للاصنام ، وهو قول مجاهد ، والضحاك وقتادة ، وقال الربيع بن أنس وابن زيد : يعني ما ذكر عليه غير اسم الله ، وهذا القول أولى ، لأنه أشد مطابقة للفظ ، قال العلماء : لو أن مسلماً ذبح ذبيحة ، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً وذبيحته ذبيحة مرتد ، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب ، أما ذبائح أهل الكتاب ، فتحل لنا لقوله تعالى : { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة : 5 ] .
أما قوله تعالى : { فَمَنِ اضطر } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر والكسائي : { فَمَنِ اضطر } بضم النون والباقون بالكسر ، فالضم للاتباع ، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين .
المسألة الثانية : اضطر : أحوج وألجىء ، وهو افتعل من الضرورة ، وأصله من الضرر ، وهو الضيق .
المسألة الثالثة : لما حرم الله تعالى تلك الأشياء ، استثنى عنها حال الضرورة ، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما : الجوع الشديد ، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق ، فعند ذلك يكون مضطراً الثاني : إذا أكرهه على تناوله مكره ، فيحل له تناوله .
المسألة الرابعة : أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف ، حتى يقال إنه { لا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة : 184 ] أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ } [ البقرة : 196 ] ومعناه فحلق ففدية ، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف ، ولدلالة الخطاب عليه .
أما قوله تعالى : { غَيْرَ بَاغٍ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء { غَيْرِ } ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء ، لأن غير ههنا بمعنى النفي ، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى : لا ، وهي ههنا حال للمضطر ، كأنك قلت : فمن اضطر باغياً ، ولا عادياً فهو له حلال .
المسألة الثانية : أصل البغي في اللغة الفساد ، وتجاوز الحد قال الليث : البغي في عدو الفرس اختيال ومروح ، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال : فرس باغ ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى :
{ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ } [ الشورى : 39 ] وقال الأصمعي : بغي الجرح يبغي بغيا ، إذا بدأ بالفساد ، وبغت السماء ، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد ، وبغى الجرح والبحر والسحاب إذا طغى . (3/25)
أما قوله تعالى : { وَلاَ عَادٍ } فالعدو هو التعدي في الأمور ، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه ، يقال عدا عليه عدوا ، وعدوانا ، واعتداء وتعديا ، إذا ظلمه ظلماً مجاوزاً للحد ، وعدا طوره : جاوز قدره .
المسألة الثالثة : لأهل التأويل في قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } قولان أحدهما : أن يكون قوله { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } مختصاً بالأكل والثاني : أن يكون عاما في الأكل وغيره ، أما على القول الأول ففيه وجوه الأول : { غَيْرَ بَاغٍ } وذلك بأن يجد حلالاً تكرهه النفس ، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ { وَلاَ عَادٍ } أي متجاوز قدر الرخصة الثاني : غير باغ للذة أي طالب لها ، ولا عاد متجاوز سد الجوعة ، عن الحسن ، وقتاد ، والربيع ، ومجاهد ، وابن زيد الثالث : غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه ، ولا عاد في سد الجوعة .
القول الثاني : أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي ، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين ، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى .
أما قوله : { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ففيه سؤالان أحدهما : أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله : { لا إِثْمَ عَلَيْهِ } يفيد الإباحة الثاني : أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه ، قلنا : قد بينا في تفسير قوله : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } [ البقرة : 158 ] أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح ، وأيضاً فقوله تعالى : { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } معناه رفع الحرج والضيق ، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة ، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك ، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار ، وههنا يتحقق معنى الوجوب .
أما قوله تعالى : في آخر الآية : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ففيه إشكال وهو أنه لما قال : { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فكيف يليق أن يقول بعده : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم .
والجواب : من وجوه أحدها : أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم ، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض ، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة ، ثم ذكر بعده أنه رحيم ، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها : لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة ، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة ، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها : أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفوراً رحيماً لأنه غفور للعصاة إذا تابوا ، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى .
النوع الثاني : من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها وهي مرتبة على فصول : (3/26)
الفصل الأول
فيما يتعلق بالميتة
والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد :
أما المقدمة : ففيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان ، هل يقتضي الإجمال؟ فقال الكرخي : إنه يقتضي الإجمال ، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل والحرمة ، فلا بد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها ، وليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها ، وهو غير محرم ، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص ، وليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة ، وأما أكثر العلماء فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها ، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا ، وقد استقصينا الكلام فيه من كتاب المحصول في علم الأصول .
المسألة الثانية : لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص ، فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل ، والذي يدل عليه وجوه أحدها : أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وثانيها : أنه ورد عقيب قوله : { كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } [ البقرة : 57 ] وثالثها : ما روي عن الرسول عليه السلام في خبر شاة ميمونة ، إنما حرم من الميتة أكلها .
والجواب عن الأول : لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وعن الثاني : أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم ، بل يجب إجراؤها على ظاهرها وعن الثالث : أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد ، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية ، فدل إنعقاد اجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل ، وللسائل أن يمنع هذا الإجماع .
المسألة الثالثة : الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنية ولذلك فرقوا بين المقتول والميت ، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكي إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الزكاة في موضعه ، فإن قيل : كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة :
{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } [ المائدة : 3 ] ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك ، قلنا لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة ، وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه والله أعلم . (3/27)
أما المقاصد فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين أحدهما : ما أخرجوه عن الآية وهو داخل فيها والثاني : ما أدخلوه فيها وهو خارج عنها .
أما القسم الأول ففيه مسائل :
المسألة الأولى : ذهب الشافعي رضي الله عنه في أظهر أقواله إلى أنه يحرم الانتفاع بصوف الميتة وشعرها وعظمها وقال مالك : يحرم الانتفاع بعظمها خاصة وجل الفقهاء اتفقوا على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير ، واحتج هؤلاء بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع بها ، إنما قلنا إنها ميتة لقوله عليه السلام : « ما أبين من حي فهو ميت » وهذا الخبر يعم الشعر والعظم والكل وأما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى : { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ ياس : 78 ] فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة وإذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها لقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } اعترض المخالف عليه بأن الشعر والصوف لا حياة فيه ، لأن حكم الحياة الإدراك والشعور وذلك مفقود في الشعر ولأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى تنجيس العظام دون الشعور .
والجواب : أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك والشعور بدليل الآية والخبر أما الآية فقوله تعالى : { كَيْفَ يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } [ الروم : 50 ] وأما الخبر فقوله عليه السلام : « من أحيا أرضاً ميتة فهي له » والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست عبارة عما ذكرتموه ، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحا في مزاجه معتدلا في حاله غير معترض للفساد والتعفن والتفرق ، وإذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية ، واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر والإجماع والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أثاثا ومتاعا إلى حِينٍ } [ النحل : 80 ] حيث ذكرها في معرض المنة ، والامتنان لا يقع بالنجس الذي لا يحل الانتفاع به ، وأما الخبر فقوله عليه السلام في شاة ميمونة « إنما حرم من الميتة أكلها » وأما الإجماع ، فهو أنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب ، ويجعلون منها القلانس ، وعن النخعي : كانوا لا يرون بجلود السباع وجلود الميتة إذا دبغت بأساً ، وما خصوا حال الشعر وعدمه وقول الشافعي : كانوا إشارة إلى الصحابة وليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي الله عنه حلال ، فلهذا يقول بإباحته لأن الزكاة شرط بالاتفاق وهو غير حاصل في هذه الثعالب ، وأما القياس فلأن هذه الشعور والعظام أجسام منتفع بها غير متعرضة للتعفن والفساد ، فوجب أن يقضي بطهارتها كالجلود المدبوغة ، وأما النفع بشعر الخنزير : ففي الفقهاء من منع نجاسته وهو الأسلم ، ثم قالوا : هب أن عموم قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } يقتضي حرمة الانتفاع بالصوف والعظم وغيرهما إلا أن هذه الدلائل تنتج الانتفاع بها ، والخاص مقدم على العام فكان هذا الجانب أولى بالرعاية .
المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : إذا مات في الماء دابة ليس لها نفس سائلة لم يفسد الماء قل أو كثر ، وللشافعي رضي الله عنه قولان في الماء القليل ، واحتجوا للشافعي ، بأنها حيوانات فإذا ماتت صارت ميتة فيحرم استعمالها بمقتضى الآية ، وإذا حرم استعمالها بمقتضى الآية وجب الحكم بنجاستها ، وإذا ثبت الحكم بنجاستها ، وجب الحكم بنجاسة الماء القليل الذي وقعت هي فيه ، وأجابوا عنه بأنه ميتة ، ويحرم الانتفاع بها ولكن لم قلتم إنها متى كانت كذلك كانت نجسة ، ثم لم يلزم من نجاستها تنجس الماء بها ، واحتجوا على القول الثاني للشافعي رضي الله عنه بقوله عليه السلام : « إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء » وأمر بالمقل فربما كان الطعام حاراً فيموت الذباب فيه فلو كان ذلك سبباً للتنجيس لما أمر النبي عليه السلام به . (3/28)
المسألة الثالثة : للفقهاء مذاهب سبعة في أمر الدباغ ، فأوسع الناس فيه قولا الزهري ، فإنه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ ، ويليه داود فإنه قال تطهر كلها بالدباغ ، ويليه مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها ، ويليه أبو حنيفة فإنه قال يطهر كلها إلا جلد الخنزير ، ويليه الشافعي فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير ، ويليه الأوزاعي وأبو ثور فإنهما يقولان : يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط ، ويليه أحمد بن حنبل رضي الله عنهم فإنه قال : لا يطهر منها شيء بالدباغ ، واحتج أحمد بالآية والخبر أما الآية فقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } [ المائدة : 3 ] أطلق التحريم وما قيده بحال دون حال ، وأما الخبر فقول عبد الله بن حكيم : أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ، أجابوا عن التمسك بالآية ، بأن تخصيص العموم بخبر الواحد وبالقياس جائز ، وقد وجدا ههنا خبر الواحد فقوله عليه الصلاة والسلام : « أيما إهاب دبغ فقد طهر » وأما القياس : فهو أن الدباغ يعود الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة وكما كان حال الحياة طاهراً كذلك بعد الدباغ وهذا القياس والخبر هما معتمد الشافعي رحمه الله .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة ، بإطعام البازي والبهيمة ، فمنهم من منع منه لأنه إذا أطعم البازي ذلك فقد انتفع بتلك الميتة والآية دالة على تحريم الانتفاع بالميتة فاما إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة فهل يجب علينا منعه أم لا فيه احتمالان .
المسألة الخامسة : اختلفوا في دهن الميتة وودكها هل يجوز الاستصباح به أم لا ، وهذا ينظر فيه فإن كان ذلك مما حلته الحياة ، أو في جملته ما هو هذا حاله ، فالظاهر يقتضي المنع منه وإن لم يكن كذلك فهو خارج من جملة الميتة ، وإنما يحرم ذلك الدليل سوى الظاهر ، وعن عطاء بن جابر قال لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مكة أتاه الذين يجمعون الأوداك ، فقالوا يا رسول الله إنا نجمع الأوداك وهي من الميتة وغيرها وإنما هي للأديم والسفن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها » فنهاهم عن ذلك وأخبرهم بأن تحريمه إياها على الإطلاق أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها . (3/29)
المسألة السادسة : الظاهر يقتضي حرمة السمك والجراد إلا أنهما خصا بالخبر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : « أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والنون وأما الدمان فالطحال والكبد » وعن جابر في قصة طويلة : أن البحر ألقى إليهم حوتاً فأكلوا منه نصف شهر ، فلما رجعوا أخبروا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : هل عندكم منه شيء تطعموني ، وقال عليه الصلاة والسلام في صفة البحر « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » وأيضاً فإنه ثبت بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام : حل السمك ، واختلفوا في السمك الظافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه ، فقال مالك والشافعي رضي الله عنهما لا بأس به ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح إنه مكروه واختلف الصحابة في هذه المسألة فعن علي رضي الله عنه أنه قال : ما طفا من صيد البحر فلا نأكله ، وهذا أيضاً مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأبي أيوب إباحته ، وروى أبو بكر الرازي روايات مختلفة عن جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال : « ما ألقى البحر أو جرد عنه فكلوه ، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه » وأما الشافعي رضي الله عنه فقد احتج بالآية والخبر والمعقول ، أما الآية فقوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ } [ المائدة : 96 ] وهذا السمك الطافي من طعام البحر فوجب حله ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : « أحلت لنا ميتتنان السم والجراد » وهذا مطلق ، وقوله في البحر : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » وهذا عام وروي عن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال :
« كل ما طفا على البحر » (3/30)
المسألة السابعة : قال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما : لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما وجدته ، وروي عن مالك رضي الله عنه أن ما وجد ميتاً لا يحل ، وأما ما أخذ حيا ثم قطع رأسه وشوي أكل ، وما أخذ حيا فغفل عنه حتى يموت لم يؤكل حجة مالك ظاهر الآية ، وحجة الشافعي وأبي حنيفة قوله عليه السلام : « أحلت لنا ميتتان السمك والجراد » فوجب حملهما على الإطلاق فتبين بذلك أن قطع رأسه إن جعل له ذكاة فهو كالشاة المذكاة في أنه لا يكون ميتة ، فلا يكون لقوله عليه السلام « أحلت لنا ميتتان » فائدة وقال عبد الله بن أبي أوفى : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ولا نأكل غيره ، فلم يفرق بين ميتة وبين مقتولة .
المسألة الثامنة : اختلفوا في الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذبح الأم ، فقال أبو حنيفة ، لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح ، وهو قول حماد ، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : أنه يؤكل وهذا هو المروى عن علي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وقال مالك : إن تم خلقه ونبت شعره أكل ، وإلا لم يؤكل ، وهو قول سعيد بن المسيب ، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية وهو أنه ميتة ، فوجب أن يحرم ، قال الشافعي ، أخصص هذا العموم بالخبر والقياس ، أما الخبر فهو أنا أجمعنا على أن المذكى مباح وهذا مذكى ، لما روى أبو سعيد الخدري ، وأبو الدرداء ، وأبو أمامة ، وكعب بن مالك ، وابن عمر وأبو أيوب ، وأبو هريرة رضي الله عنهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ذكاه الجنين ذكاة أمه » وتقريره أن كون الذكاة سبباً للإباحة حكم شرعي ، فجاز أن تكون ذكاة الجنين حاصلة شرعاً بتحصيل ذكاة أمه ، أجاب الحنفيون بأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه ، يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له ، ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكي أمه ، وأنه لا يؤكل بغير ذكاة ، كقوله تعالى : { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض } [ آل عمران : 133 ] ومعناه كعرض السموات والأرض ، وكقول القائل : قولي قولك ، ومذهبي مذهبك ، وإنما المعنى : قولي كقولك ، ومذهبي كمذهبك ، وقال الشاعر :
فعيناك عيناها ... وجيدك جيدها
وإذا ثبت ما ذكرنا كان أحد ، الإحتمالين إيجاب تذكيته ، وأنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه ، والآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله ، وإذا كان كذلك لم يجز تخصيص الأمر بل يجب حمله على المعنى الموافق للآية ، أجاب الشافعي رضي الله عنه من وجوه أحدها : أن على الإحتمال الذي ذكرتموه لا بد فيه من إضمار وهو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه ، والإضمار خلاف الأصل وثانيها : أنه لا يسمى جنيناً إلا حال كونه في بطن أمه ، ومتى ولد لا يسمى جنيناً ، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنيناً ، فوجب أن يكون في تلك الحالة مذكي بذكاتها وثالثها : أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ذكاته إذا خرج حياً تسقط فائدته ، لأن ذلك معلوم قبل وروده ورابعها : ما روي عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الجنين يخرج ميتاً ، قال : إن شئتم فكلوه ، فإن ذكاته ذكاة أمه ، وأما القياس فمن وجوه أحدهما : أنا أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت وألقيت جنيناً ميتاً ، لم ينفرد الجنين بحكم نفسه ، ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في إيجاب الغرة ، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه وخرج ميتاً ، كان تبعاً للأم في الذكاة ، وإذا خرج حياً لم يؤكل حتى يذكى وثانيها : أن الجنين حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها فوجب أن يحل بذكاتها كسائل الأعضاء وثالثها : الواحب في الولد أن يتبع الأم في الذكاة ، كما يتبع الولد الأم في العتاق والإستيلاد والكتابة ونحوها .
المسألة التاسعة : ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة ، فوجب أن يكون حراماً إنما قلنا : إنه ميتة ، للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام : « ما أبين من حي فهو ميت » وأما المعقول فهو أن ذلك البعض كان حياً لأنه يدرك الألم واللذة ، وبالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتاً ، فوجب أن يحرم لقوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } [ المائدة : 3 ] . (3/31)
المسألة العاشرة : اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة الجلد ، فعند الشافعي رضي الله عنه ، لا يستعقبه ، لأن هذا الذبح لا يستعقب حل الأكل فوجب أن لا يستعقب الطهارة كذبح المجوسي ، وعند أبي حنيفة يستعقبه .
القسم الثاني : مما دخل في الآية وليس منها ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن قوله تعالى : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } و { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } لا يقتضي تحريم ما مات فيه من المائعات ، وإنما يقتضي تحريم عين الميتة ، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة ، فلا يتناوله لفظ التحريم ، كالسمن إذا وقعت فيه فأرة وماتت فإنه لا يتناولها ، هذا الظاهر وجملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين أحدهما : أما الذي ينجس بمجاورته الميتة فيحرم ، وأما الذي لا ينجس فلا يحرم والثاني : أن الذي ينجس كيف الطريق إلى تطهيره؟
المسألة الثانية : سأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات ، فقال أبو حنيفة لأصحابه : ما ترون فيها؟ فذكروا له عن ابن عباس : أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل ويراق المرق ، فقال أبو حنيفة بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها كما في هذه الرواية وإن كان وقع في حال غليانها : لم يؤكل اللحم ولا المرق ، قال ابن المبارك : ولم ذاك؟ قال : لأنه إذا سقط فيها في غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم ، وإذا وقع فيها حال سكونها فمات فإنما رشحت الميتة اللحم ، قال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين : هذا زرين ، بالفارسية يعني المذهب ، وروى ابن المبارك مثل هذا عن الحسن .
المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة لبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهرتان ، وقال الشافعي ومالك : لا يحل هذا اللبن والأنفحة ، وقال الليث : لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة ، واعلم أن الشافعي رضي الله عنه لا يتمسك في هذه المسألة بظاهر قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } [ المائدة : 3 ] لأن اللبن لا يوصف بأنه ميتة ، فوجب الرجوع فيه نفياً وإثباتاً إلى دليل آخر ، ومعتمد الشافعي أن اللبن لو كان مجموعاً في إناء فسقط فيه شيء من الميتة ينجس فكذلك إذا ماتت وهو في ضرعها ، وهكذا الخلاف في الأنفحة ، أما البيض إذا أخرج من جوف الدجاج فهو طاهر إذا غسل ، ويحل أكله لأن القشرة إذا صلبت حجزت بين المأكول وبين الميتة فتحل ، ولذلك لو كانت البيضة غير منعقدة لحرمت . (3/32)
ولنختم هذا الفصل بمسائل مشتركة بين القسمين .
المسألة الأولى : اختلف المتكلمون في أن الميتة هل تكون ميتة بمعنى الموت ، فمنهم من أثبت الموت بمعنى مضاد للحياة ، على ما قال تعالى : { الذى خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك : 2 ] ومنهم من قال : إنه عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة وهذا أقرب .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن حرمة الميتة هل تقتضي نجاستها ، والحق أن حرمة الانتفاع لا تقتضي النجاسة ، لأن لا يمتنع في العقل أن يحرم الانتفاع بها ، ويحل الانتفاع بما جاورها ، إلا أنه قد ثبت بالإجماع أن الميتة نجسة .
الفصل الثاني
في تحريم الدم ، وفيه مسألتان
المسألة الأولى : الشافعي رضي الله عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح وقال أبو حنيفة : دم السمك ليس بمحرم ، أما الشافعي فإنه تمسك بظاهر هذه الآية ، وهو قوله : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير } وهذا دم فوجب أن يحرم ، وأبو حنيفة تمسك بقوله تعالى : { قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } [ الأنعام : 145 ] فصرح بأنه لم يجد شيئاً من المحرمات إلا هذه الأمور ، فالدم الذي لا يكون مسفوحاً وجب أن لا يكون محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة وقوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } عام والخاص مقدم على العام ، أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قوله : { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية ، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء ، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها ، فلعل قوله تعالى : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة } نزلت بعد ذلك ، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح ، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جيمع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما أمكن ، وكذا في السمك ، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود .
المسألة الثانية : اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام : « أحلت لنا ميتتان ودمان الطحال والكبد » هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما يوصفان بذلك تشبيهاً ، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث . (3/33)
الفصل الثالث
في الخنزير ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم ، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الإنتفاع متعلق به ، وهو كقوله : { إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وذروا البيع } [ الجمعه : 9 ] فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم ، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمة وتنجيسه ، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يجوز ، وقال الشافعي رحمه الله : لا يجوز ، وقال أبو يوسف : أكره الخرز به ، وروي عنه الإباحة ، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر منهم ، ولأن الحاجة ماسة إليه ، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث ، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الإحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به؟ .
المسألة الثانية : اختلفوا في خنزير الماء ، قال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي : لا بأس بأكل شيء يكون في البحر ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يؤكل ، حجة الشافعي قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ } [ المائدة : 96 ] وحجة أبي حنيفة أن هذا خنزيرفيحرم لقوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير } [ المائدة : 3 ] وقال الشافعي : الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر ، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء .
المسألة الثالثة : للشافعي رضي الله عنه قولان : في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً؟ أحدها : نعم تشبيها له بالكلب والثاني : لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب وهم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق .
الفصل الرابع
في تحريم ما أهل به لغير الله
من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم ، كقوله تعالى : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } [ المائدة : 3 ] وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح ، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه لا يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله ، فوجب أن يحرم وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فقلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم ، وهو يعلم ما يقولون ، واحتج المخالف بوجوه الأول : إنه تعالى قال : { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة : 5 ] وهذا عام ، الثاني : أنه تعالى قال : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } فدل على أن المراد بقوله : { وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } هو المراد بقوله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } الثالث : أن النصراني إذا سمى الله تعالى وإنما يريد به المسيح فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير الله فكذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله وإرادته المسيح . (3/34)
والجواب عن الأول : أن قوله : { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } عام وقوله : { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } خاص والخاص مقدم على العام وعن الثاني : أن قوله : { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } لا يقتضي تخصيص قوله : { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } لأنهما آيتان متباينتان ولا مساواة بينهما وعن الثالث : أنا إنما كلفنا بالظاهر لا بالباطن ، فإذا ذبحه على اسم الله وجب أن يحل ، ولا سبيل لنا إلى الباطن .
الفصل الخامس
القائلون بأن كلمة { إِنَّمَا } للحصر اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضي أن لا يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات فتصير كلمة { إِنَّمَا } متروكة الظاهر في العمل ومن قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل .
الفصل السادس
في «المضطر» وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : قوله تعالى : { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } معناه أن من كان مضطراً ولا يكون موصوفاً بصفة البغي ، ولا بصفة العدوان ألبتة فأكل ، فلا إثم عليه وقال أبو حنيفة معناه فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟ فقال الشافعي رضي الله عنه لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية وقال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية ، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول ، أما الآية فهي أنه سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله :
{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } [ المائدة : 3 ] ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفاً بإنه غير باغ ولا عاد ، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا : فلان ليس بمتعد نقيض لقولنا : فلان متعد ويكفي في صدقة كونه متعدياً في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر ، أو في الأكل ، أو في غيرهما ، وإذا كان اسم المتعدي يصدق بكونه متعدياً في أمر ما أي أمر كان وجب أن يكون قولنا : فلان غير معتدلا يصدق إلا إذا لم يكن متعدياً في شيء من الأشياء ألبتة ، فاذن قولنا : غير باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه ، والعاصي بسفره متعد بسفره ، فلا يصدق عليه كونه غير عاد ، وإذا لم يصدق عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم } أقصى ما في الباب أن يقال : هذا يشكل بالعاصي في سفره ، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان لكنا نقول : إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة ، والفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية ، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية فظهر الفرق ، واعلم أن القاضي وأبا بكر الرازي نقلاً عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } أي باغ على إمام المسلمين ، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية ، ثم قالا . تفسير الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه ، وذلك لأن قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } شرط والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وإذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقاً بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو ألبتة غير مذكور . (3/35)
واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وذلك لأنا بينا أن قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور ، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا ، ولا نقول : اللفظ يدل على التعيين وأما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة ، فكان على خلاف الأصل ، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوه أحدها : أن قوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } حال من الاضطرار ، فلا بد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء كونه غير باغ ولا عاد فلو كان المراد بكونه غير باغ ولا عاد كونه كذلك في الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار وثانيها : أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم ، وما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة وثالثها : أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان ، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية وكذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها فاذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان تخصيصه بالأكل غير جائز ، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره ، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه ، ويستلزم نفي العدوان في السفر وحينئذ يتحقق مقصوده ورابعها : أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى :
{ فَمَنِ اضطر فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } [ المائدة : 3 ] وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفاً بالبغي والعدوان في أمر من الأمور ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجوه أحدها : قوله تعالى في آية أخرى { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } [ الأنعام : 119 ] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص وثانيها : قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } [ النساء : 29 ] وقال : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة : 195 ] والامتناع من الأكل سعى في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة ، فوجب أن يحرم وثالثها : روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوماً وليلة ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع ورابعها : أن العاصي بسفره إذا كان نائماً فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى وخامسها : أن يدفع أسباب الهلاك ، كالفيل ، والجمل الصؤل ، والحية ، والعقرب ، بل يجب عليه ، فكذا ههنا وسادسها : أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه فكذا ههنا والجامع دفع الضرر عن النفس وسابعها : أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه ، فكذلك يدفع ضررالهلاك عن نفسه بهذا الأكل وإن كان عاصياً ، وثامنها : أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر ، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة والخاص مقدم على العام ، وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة وإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه ، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك محال لأن المعصية ممنوع منها والإعانة سعي في تحصيلها والجمع بينهما متناقص والله أعلم . (3/36)
المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه : لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ، وقال عبد الله بن الحسن العنبري : يأكل منها ما يسد جوعه ، وعن مالك : يأكل منها حتى يشبع ويتزود ، فإن وجد غني عنها طرحها ، والأقرب في دلالة الآية ما ذكرناه أولا لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة ، كما لو وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال ، فكذلك إذا زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم ، ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة على ما قاله العنبري ، لأن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه ، فكذا ههنا ، ويدل عليه أيضاً أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة ، فإذا أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة ، فكذا إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأكل بعد ذلك . (3/37)
المسألة الثالثة : اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات ، فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة والدم ولحم الخنزير سواء في التحريم والاضطرار ، فوجب أن يكون مخيراً في الكل وهذا هو الأليق بظاهر هذه الآية وهو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم شأناً في التحريم .
المسألة الرابعة : اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمراً ، أو من غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر ، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة ، فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعاً للهلاك عنها ، فكذلك في هذه الصورة وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، والقياس وهو قول سعيد بن جبير وأبي حنيفة ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يشرب لأنه يزيده عطشاً وجوعاً ويذهب عقله ، وأجيب عنه بأن قوله : لا يزيده إلا عطشاً وجوعاً مكابرة ، وقوله : يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك .
المسألة الخامسة : اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة ، فأباحه بعضهم للنص والمعنى ، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي ، وأما المعنى فمن وجوه الأول : أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل لقوله تعالى :
{ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } [ المائدة : 4 ] غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص ولكن لا يقدح في كونه حجة الثاني : أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة ، والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة الثالث : أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا ههنا ، ومن الناس من حرمه واحتج بقوله عليه السلام : « إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم » وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله ، والنزاع ليس إلا فيه . (3/38)
المسألة السادسة : اختلفوا في التداوي بالخمر ، واعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة ، فإن لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة :
الحكم الثاني
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)
اعلم أن في قوله : { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } مسائل : (3/39)
المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وحيي بن أخطب ، وأبي ياسر بن أخطب ، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع ، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون؟ فقيل : كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به ، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم ، وقال الحسن : كتموا الأحكام وهو قوله تعالى : { إِنَّ كَثِيراً مّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } [ التوبة : 34 ] .
المسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية الكتمان ، فالمروى عن ابن عباس : أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل ، وعند المتكلمين هذا ممتنع ، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما ، بل كانوا يكتمون التأويل ، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، فهذا هو المراد من الكتمان ، فيصير المعنى : إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب .
أما قوله تعالى : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الكناية في : به ، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم .
المسألة الثانية : معنى قوله : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } كقوله : { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً } [ البقرة : 41 ] وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان : أخذ الأموال بسبب ذلك ، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمناً قليلاً .
المسألة الثالثة : إنما سماه قليلاً إما لأنه في نفسه قليل ، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل .
المسألة الرابعة : من الناس من قال : كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم ، وقال آخرون : بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب ، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل ، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه ، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل ، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها : قوله تعالى : { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال بعضهم : ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون : بل فيه فائدة فقوله : { فِي بُطُونِهِمْ } أي ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه . (3/40)
المسألة الثانية : قيل : إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم ، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار ، كما روي في حديث آخر « الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم » وقوله : { إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } [ يوسف : 36 ] أي عنباً فسماه بإسم ما يؤول إليه وقيل : إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم وثانيها : قوله تعالى : { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله } فظاهره : أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم ، وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول : أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم ، وذلك قوله : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الحجر : 92 93 ] وقوله : { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } [ الأعراف : 6 ] فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين ، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا : وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] الثاني : أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 92 ] فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكوراً في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه ، وضده في أعدائه ، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث : أن قوله : { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث وثالثها : قوله : { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } وفيه وجوه الأول : لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث : لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها : قوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم ، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول ، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل :
المسألة الأولى : أن علماء الأصول قالوا : العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله : { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يُزَكّيهِمْ } إشارة إلى الإهانة والاستخفاف ، وقوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيهاً على أن الإهانة أشق وأصعب .
المسألة الثانية : دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره .
المسألة الثالثة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم .
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)
اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه ، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم ، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة ، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا ، ورضوا بالضلال والجهل ، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا ، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة ، وأخسرها العذاب ، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب ، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه ، كانوا لا محالة أعظم الناس خساراً في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة ، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق ، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب ، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب ، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة . (3/41)
أما قوله : { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن في هذه اللفظة قولان أحدهما : أن { مَا } في هذه الآية استفهام التوبيخ معناه : ما الذي أصبرهم وأي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وهذا قول عطاء وابن زيد وقال ابن الأنباري : وقد يكون أصبر بمعنى صبر وكثيراً ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم وكرم ، وأخبر وخبر الثاني : أنه بمعنى التعجب وتقريره أن الراضي بموجب الشيء لا بد وأن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب النار ويقتضي عذاب الله مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى ، والصابرين عليه ، فلهذا قال تعالى : { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } وهو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن إذا عرفت هذا ظهر أنه يجب حمل قوله : { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } على حالهم في الدنيا لأن ذلك وصف لهم في حال التكليف ، وفي حال اشترائهم الضلالة بالهدى ، وقال الأصم : المراد أنه إذا قيل لهم { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص ، وهذا ضعيف لوجوه أحدها : أن الله تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم سيصيرون كذلك خلاف الظاهر وثانيها : أن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة .
المسألة الثانية : في حقيقة التعجب وفي الألفاظ الدالة عليه في اللغة وههنا بحثان :
البحث الأول : في التعجب : وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل ، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول ، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ
{ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } [ الصافات : 12 ] بضم التاء من عجبت ، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي : معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام ، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى ، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد . (3/42)
البحث الثاني : اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما : ما أفعله كقوله تعالى : { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } والثاني : أفعل به كقوله : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } [ مريم : 38 ] .
أما العبارة الأولى : وهي قولهم؛ ما أصبره ففيها مذاهب .
القول الأول : وهو اختيار البصريين أن { مَا } اسم مبهم يرتفع بالابتداء ، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيداً مفعول وتقديره : شيء حسن زيدا أي صيره حسناً .
واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسداً واحتجوا عليه بوجوه الأول : أنه يصح أن يقال ما أكرم الله ، وما أعظمه وما أعلمه ، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل أن يقال : شيء جعل الله كريما وعظيماً وعالماً ، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل . هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب ، قلنا : إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة { مَا } ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ ، ولا يكون أعظم خبراً عنه ، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر ، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح .
الحجة الثانية : أنه لو كان معنى قولنا . ما أحسن زيداً شيء حسن زيداً ، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام ، ومعلوم أنا إذا قلنا : شيء حسن زيداً فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب ألبتة ، بل كان ذلك كالهذيان ، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً .
الحجة الثالثة : أن الذي حسن زيداً والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكن التعبير عنه سبحانه بمن أولى ، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيداً أن يبقى معنى التعجب ، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه .
الحجة الرابعة : أن على التفسير الذي قالوا لا فرق بين قوله : ما أحسن زيداً وبين قوله زيداً ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك .
الحجة الخامسة : أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء صيره حسناً ، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره ، فإذن العلم بأن شيئاً صيره حسناً علم ضروري والعلم بكونه متعجباً منه غير ضروري ، فاذن لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً .
الحجة السادسة : أنهم قالوا : المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا ههنا أشد الأشياء تنكيراً مبتدأ؟ وقالوا : لا يجوز أن يقال : رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلاً كاتباً فلا يكون هذا الكلام مفيداً : وكذا كل أحد يعلم أن شيئاً ما هو الذي حسن زيداً فأي فائدة في هذا الإخبار؟ (3/43)
الحجة السابعة : دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك : ما أحسن زيداً ، فإن قيل : جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة ، فصار مشابهاً للاسم فأخذ خاصيته وهو التصغير قلنا : لا شك أن للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان : إما أن يكونا متنافيتين ، أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما ههنا علمنا أن هذا ليس بفعل ، وإن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم .
الحجة الثامنة : تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب : ما أقوم زيداً بتصحيح الواو كما تقول : زيد أقوم من عمرو ، ولو كانت فعلا لكانت واوه ألفاً لفتحة ما قبلها ، ألا تراهم يقولون : أقام يقيم فإن قيل : هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم ، وتمام التقرير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة الإسمية ، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف ، وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح والإمتناع من الإعلال قلنا : لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة ، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل .
الحجة التاسعة : أن قولك : أحسن لو كان فعلاً ، وقولك : زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما /با لظرف ، فيقال : ما أحسن عندك زيداً ، وما أجمل اليوم عبد الله ، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز ، فبطل ما ذهبتم إليه .
الحجة العاشرة : أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً ، ثلاثياً كان أو رباعياً ، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول ، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا ، ما أحسن زيداً فعل بوجوه أولها : بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه وثانيها : أن أحسن مفتوح الآخر ، ولو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ وثالثها : الدليل على كونه فعلاً اتصال الضمير المنصوب به ، وهو قولك : ما أحسنه .
والجواب عن الأول : أن أحسن كما أنه قد يكون فعلاً ، فهو أيضاً قد يكون اسماً ، حين ما يكون كلمة تفضيل ، وأيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلاً وأنتم ماطلبتمونا إلا بالدلالة . (3/44)
والجواب عن الثاني : أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة .
والجواب عن الثالث : أنه منتقض بقولك : لعلي وليتني ، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الإستدلال بهذا الضمير على الفعلية ، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي ، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى ، فهذا جملة الكلام في هذا القول .
القول الثاني : وهو اختيار الأخفش قال : القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة { مَا } وهو قولك : أحسن صلة لما ، ويكون خبر { مَا } مضمراً ، وهذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت : الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم ، وقولك : ما أحسن زيداً كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه .
القول الثالث : وهو اختيار الفراء : أن كلمة { مَا } للاستفهام وأفعل اسم ، وهو للتفضيل ، كقولك : زيد أحسن من عمرو ، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه ، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر : ومن أعلم من فلان؟ إظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق ، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل ، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك : ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه ، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا ، فإن هناك معنى قولك : ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن ، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد ، وبينهما فرق كما ترى ، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض لأنه أضيف أحسن إليه ، ونصب هنا للفرق ، وأيضاً ففي كل تفضيل معنى الفعل ، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول ، فإن معنى قولك : زيد أعلم من عمرو ، أن زيداً جاوز عمراً في العلم ، فجعل هذا المعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق .
القول الرابع : وهو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن { مَا } للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون ، معناه : أي شيء حسن زيداً ، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن ، ثم تقول : إن عقلي لا يحيط بكنه كماله ، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب .
وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } [ مريم : 38 ] .
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)
اعلم أن في الآية مسائل : (3/45)
المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : { ذلك } إشارة إلى ماذا؟ فذكروا وجهين :
الأول : أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : أحدها : أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها : اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها : أن لهم عذاباً أليماً ورابعها : أن الله لا يزكيهم وخامسها : أن الله لا يكلمهم فقوله : { ذلك } يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها .
الثاني : أن { ذلك } إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى ، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون ، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر ، كما قال : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 6 ] .
المسألة الثانية : قوله : { ذلك } يحتمل أن يكون في محل الرفع أو في محل النصب ، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ ، ولا محالة له خبر ، وذلك الخبر وجهان الأول : التقدير ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق ، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوماً لهم لا محالة الثاني : التقدير : ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية ، وأما في محل النصب فلأن التقدير : فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه .
المسألة الثالثة : المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون هو القرآن ، فإن كان الأول كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد ، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقاً منزلاً من عند الله لفي شقاق بعيد .
المسألة الرابعة : قوله : { بالحق } أي بالصدق ، وقيل ببيان الحق .
وقوله تعالى : { وَإِنَّ الذين اختلفوا } فيه مسألتان :
المسألة الأولى : إن الذين اختلفوا قيل : هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن ، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله ، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم ، أما قوله : { بالحق } فقيل : بالصدق ، وقيل : ببيان الحق ، وأما قوله : { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِى الكتاب } فاعلم أنا وإن قلنا : المراد من الكتاب هو القرآن ، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال : إنه كهانة ، وآخرون قالوا : إنه سحر ، وثالث قال : رجز ، ورابع قال : إنه أساطير الأولين وخامس قال : إنه كلام منقول مختلق ، وإن قلنا : المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوهاً أحدها : أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح ، فاليهود قالوا : إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها : أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فذكر كل واحد منهم له تأويلاً آخر فاسداً لأن الشيء إذا لم يكن حقاً واجب القبول بل كان متكلفاً كان كل أحد يذكر شيئاً آخر على خلاف قول صاحبه ، فكان هذا هو الإختلاف وثالثها : ما ذكره أبو مسلم فقال : قوله : { اختلفوا } من باب افتعل الذي يكون مكان فعل ، كما يقال : كسب واكتسب ، وعمل واعتمل ، وكتب واكتتب ، وفعل وافتعل ، ويكون معنى قوله : { الذين اختلفوا فِى الكتاب } الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله :
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } [ الأعراف : 169 ] وقوله : { إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار } [ يونس : 6 ] أي كل واحد يأتي خلف الآخر ، وقوله : { وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } [ الفرقان : 62 ] أي كل واحد منهما يخلف الآخر ، وفي الآية تأويل ثالث ، وهو أن يكون المراد بالكتاب جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب ، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن . (3/46)
أما قوله : { لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } ففيه وجوه أحدها : أن هؤلاء الذين يختلفون في كيفية تحريف التوراة والإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ومنازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة وثانيها : كأنه تعالى يقول لمحمد هؤلاء وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم كالمتفقين على عداوتك وغاية المشاقة لك فلهذا خصهم الله بذلك الوعيد وثالثها : أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف واختلفوا في كيفية التحريف فإن كل واحد منهم يكذب صاحبه ويشاقه وينازعه ، وإذا كان كذلك فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحاً فيك ألبتة ، والله أعلم .
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
اعلم أن في هذه الآية مسائل : (3/47)
المسألة الأولى : اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم : أراد بقوله : { لَّيْسَ البر } أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى : ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله وقال بعضهم : بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام ، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات ، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً ، وإنما البر كيت وكيت ، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة ، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها .
المسألة الثانية : الأكثرون على أن { لَّيْسَ } فعل ومنهم من أنكره وزعم أنه حرف ، حجة من قال : إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال كقولك : لست ولسنا ولستم والقوم ليسوا قائمين ، وهذه الحجة منقوضة بقوله : إنني وليتني ولعل وحجة المنكرين أولها : أنها لو كانت فعلاً لكانت ماضياً ولا يجوز أن تكون فعلاً ماضياً ، فلا يجوز أن تكون فعلاً ، بيان الملازمة أن كل من قال إنه فعل قال : إنه فعل ماض وبيان أنه لا يجوز أن يكون فعلاً ماضياً اتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال ، ولو كان ماضياً لكان لنفي الماضي لا لنفي الحال وثانيها : أنه يدخل على الفعل ، فنقول : ليس يخرج زيد ، والفعل لا يدخل على الفعل عقلاً ونقلاً ، وقول من قال إن { لَّيْسَ } داخل على ضمير القصة والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف ، فإنه لو جاز ذلك جاز مثله في { مَا } وثالثها : أن الحرف { مَا } يظهر معناه في غيره ، وهذه الكملة كذلك فإنك لو قلت : ليس زيد لم يتم الكلام ، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائماً ورابعها : أن { لَّيْسَ } لو كان فعلاً لكان { مَا } فعلاً وهذا باطل ، فذاك باطل بيان الملازمة أن { لَّيْسَ } لو كان فعلاً لكان ذلك لدلالته على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص وهو الحال ، وهذا المعنى قائم في { مَا } فوجب أن يكون { مَا } فعلاً فلما لم يكن هذا فعلاً فكذا القول ذلك ، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول : { لَّيْسَ } كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت { مَا } في نفي الفعلية وخامسها : إنك تصل { مَا } بالأفعال الماضية فتقول : ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل { مَا } بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك وسادسها : أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل ، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل .
فإن قيل : أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف / للزومه حالة واحدة ، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها ، وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضياً ، لأنه أخف الأبنية . (3/48)
قلنا : هذا كله خلاف الأصل ، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف ، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات ، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً وسابعها : ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا ، و : أيس ، أي موجود قال ولذلك يقولون : أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود ، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب ، قال وذكر الخليل أن { لَّيْسَ } كلمة جحود معناها : لا أيس ، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام ، والدليل عليه قول العرب : ائتني به من حيث أيس وليس ، ومعناه : من حيث هو ولا هو وثامنها : الإستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر ، وهذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلاً ، فإن قيل : ينتقض قولكم بقوله : نفى زيداً وأعدمه ، قلنا : قولك نفى زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها ، فلم يكن السؤال وارداً ، وأما القائلون بأن { لَّيْسَ } فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن { لَّيْسَ } قد يجيء لنفي الماضي كقولهم : جاءني القوم ليس زيداً ، وعن الثاني أنه منقوض بقولهم : أخذ يفعل كذا وعن الثالث : أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة وعن الرابع : أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة وعن الخامس : أن لك إنما امتنع من قبل أن : ما ، للحال { وَلَيْسَ } للماضي ، فلا يكون الجمع بينهما وعن السادس : أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل وعن السابع : أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم ، وأما قوله : من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً ، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن : أن { ليس } مشتق من الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم ، وأما قوله : من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً ، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن : أن { لَّيْسَ } مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية ، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن كانت هذه الجوابات مختلفة .
المسألة الثالثة : قرأ حمزة وحفص عن عاصم { لَّيْسَ البر } بنصب الراء ، والباقون بالرفع ، قال الواحدي : وكلا القراءتين حسن لأن اسم { لَّيْسَ } وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسماً ، والآخر خبراً ، وحجة من رفع { البر } أن اسم { لَّيْسَ } مشبه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول ، ومن نصب { البر } ذهب إلى أن بعض النحويين قال : { أن } مع صلتها أولى أن تكون اسم { لَّيْسَ } لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر ، فكان ههنا اجتمع مضمر ومظهر ، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر ، وعلى هذا قرىء في التنزيل قوله : { كَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِى النار } [ الحشر : 12 ] وقوله : { مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ } [ الأعراف : 82 ] { وَمَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ الجاثية : 25 ] والاختيار رفع البر لأنه روي عن ابن مسعور أنه قرأ : { لَّيْسَ البر بِأَنَّ } والباء تدخل في خبر ليس . (3/49)
المسألة الرابعة : البر اسم جامع للطاعات ، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى ، ومن هذا بر الوالدين ، قال تعالى : { إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } [ الإنفطار : 13 14 ] فجعل البر ضد الفجور وقال : { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } [ المائدة : 2 ] فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه .
المسألة الخامسة : قال القفال : قد قيل في نزول هذه الآية أقوال ، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فقال الله تعالى : إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب ، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها : الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك ، أما اليهود فقولهم : بالتجسيم ولقولهم : بأن عزيراً ابن الله ، وأما النصارى ، فقولهم : المسيح ابن الله ، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل ، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله : { قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] وثانيها : الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا : { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 111 ] وقالوا : { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني ، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر وثالثها : الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبرل عليه السلام ورابعها : الإيمان بكتب الله ، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك ، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى :
{ وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } [ البقرة : 85 ] وخامسها : الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء ، على ما قال تعالى : { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } [ البقرة : 61 ] وحيث طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وسادسها : بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود وأخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قال { واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } [ البقرة : 187 ] وسابعها : إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنعون الناس منها وثامنها : الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد حيث قال : { أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة : 40 ] وههنا سؤال : وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براً ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول : أن قوله : { لَّيْسَ البر } نفي لكمال البر وليس نفياً لأصله كأنه قال ليس البر كله هو هذا ، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها ، فلا يكون ذلك تمام البر الثاني : أن يكون هذا نفياً لأصل كونه براً ، لأن استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك ، بل كان ذلك إثماً وفجوراً لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه ، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث : أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم يقارنه معرفة الله ، وإنما يكون براً إذا أتي به مع الإيمان ، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر ، إلا إذا أتي بها مع الإيمان بالله ورسوله ، فأما إذا أتي بها بدون هذا الشرط ، فإنها لا تكون من أفعال البر ، روي أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا الإستقبال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين . (3/50)
المسألة السادسة : قوله : { ولكن البر مَنْ آمن بالله } فيه حذف وفي كفيته وجوه أحدها : ولكن البر بر من آمن بالله ، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام كقوله : { وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل } [ البقرة : 93 ] أي حب العجل ، ويقولون : الجود حاتم والشعر زهير ، والشجاعة عنترة ، وهذا اختيار الفراء ، والزجاج ، وقطرب ، قال أبو علي : ومثل هذه الآية قوله : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج } [ التوبة : 19 ] ثم قال { كَمَنْ ءامَنَ } [ التوبة : 19 ] وتقديره ، أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين ، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر وفاعل وثانيها : قال أبو عبيدة البر ههنا بمعنى الباء كقوله :
{ والعاقبة للتقوى } [ طه : 132 ] أي للمتقين ومنه قوله : { إِنْ أَصْبَحَ مَاؤكم غَوْرًا } [ الملك : 30 ] أي غائراً ، وقالت الخنساء : (3/51)
فإنما هي إقبال وإدبار ... أي مقبلة ومدبرة معاً وثالثها : أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم : هم درجات عند الله أي ذووا درجات عن الزجاج ورابعها : التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل .
واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه : ولكن البر الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن بالله ، وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت { ولكن البر } بفتح الباء ، وقرأ نافع وابن عامر { ولكن } مخففة { البر } بالرفع ، والباقون { لَكِنِ } مشددة { البر } بالنصب .
المسألة السابعة : اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراً الأول : الإيمان بأمور خمسة أولها : الإيمان بالله ، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ، ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه ، وكونه عالماً بكل المعلومات ، قادراً على كل الممكنات حياً مريداً سمعياً بصيراً متكلماً ، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية ، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثة الرسل وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، وهذا الإيمان مفرع على الأول ، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ولم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر وثالثها : الإيمان بالملائكة ورابعها : الإيمان بالكتب وخامسها : الإيمان بالرسل ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل ، فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة والكتب فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل؟ .
الجواب : أن الأمل وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا ، إلا أن ترتيب الوجود على العكس من ذلك ، لأن الملك يوجد أولاً ، ثم يحصل بواسطة تبليغة نزول الكتب ، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول ، فالمراعي في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي ، لا ترتيب الاعتبار الذهني .
السؤال الثاني : لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة؟
الجواب : لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به ، فقد دخل تحت الإيمان بالله : معرفته بتوحيده وعدله وحكمته ، ودخل تحت اليوم الآخر : المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد ، إلى سائر ما يتصل بذلك ، ودخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة ، ودخل تحت الكتاب القرآن ، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه ، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم ، وصحة شرائعهم ، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به إلا دخل تحت هذه الآية ، وتقرير آخر : وهو أن للمكلف مبدأ ووسطاً ونهاية ، ومعرفة المبدأ والمنتهي هو المقصود بالذات ، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة : الملائكة الآتين بالوحي ، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب ، والموحى إليه وهي الرسول؟
السؤال الثالث : لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح ، وهو إيتاء المال ، والصلاة ، والزكاة . (3/52)
الجواب : للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح ، الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله : { وآتى المال على حبه } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { على حُبّهِ } إلى ماذا يرجع؟ وذكروا فيه وجوهاً الأول : وهو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال ، والتقدير : وآتى المال على حب المال ، قال ابن عباس وابن مسعود : وهو أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وهذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت ، والعقل يدل على ذلك أيضاً من وجوه أحدها : أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال ، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] وثانيها : أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت وثالثها : أن إعطاءه حال الصحة أشق ، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني ورابعها : أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعاً وراغباً فكذا ههنا وخامسها : أنه متأيد بقوله تعالى : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] وقوله : { وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ } [ الإنسان : 80 ] أي على حب الطعام ، وعن أبي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال : « مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعدما شبع »
القول الثاني : أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل : يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله .
القول الثالث : أن الضمير عائد على اسم الله تعالى ، يعني يعطون المال على حب الله أي على طلب مرضاته .
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم : إنها الزكاة وهذا ضعيف وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله : { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا ، فثبت أن المراد به غير الزكاة ، ثم إنه لا يخلوا إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات ، لا جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية : { أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } وقف التقوى عليه ، ولو كان ذلك ندباً لما وقف التقوى عليه ، فثبت أن هذا الإيتاء ، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ثم فيه قولان : (3/53)
القول الأول : أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر ، ومما يدل على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام « لايؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره طاو إلى جنبه » وروي عن فاطمة بنت قيس : أن في المال حقاً سوى الزكاة ، ثم تلت { وآتى المال على حبه } وحكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته فهل عليه شيء سواه؟ فقال : نعم يصل القرابة ، ويعطي السائل ، ثم تلا هذه الآية ، وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة ، وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً ، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب ، واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الزكاة نسخت كل حق .
والجواب : من وجوه الأول : أنه معارض بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « في المال حقوق سوى الزكاة » وقول الرسول أولى من قول علي الثاني : أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر ، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال الثالث : المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة ، أما الذي لا يكون مقدراً فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة ، ويلزم النفقة على الأقارب ، وعلى المملوك ، وذلك غير مقدر ، فإن قيل : هب أنه صح هذا التأويل لكن ما الحكمة في هذا الترتيب؟ قلنا فيه وجوه أحدها : أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريباً فهو أولى بالصدقة من غيره من حيث أنه يكون ذلك جامعاً بين الصلة والصدقة ، ولأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه وذلك يستحق به الإرث ويحجر بسببه على المالك في الوصية ، حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث ، ولذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت }
[ آل عمران : 180 ] الآية ، وإن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند بعضهم ، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى ، ثم أتبعه تعالى باليتامى ، لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه ، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم ، ثم ذكر ابن السبيل إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله ، ثم ذكر السائلين وفي الرقاب لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره وثانيها : أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه الفرق تقوى وتضعف ، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة حاجة من يقرب إليه أقرب ، ثم بحاجة الأيتام ، ثم بحاجة المساكين ، ثم على هذا النسق وثالثها : أن ذا القربى مسكين ، وله صفة زائدة تخصه لأن شدة الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه ، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى ، ثم باليتامى ، وأخر المساكين لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما فأما ابن السبيل فقد يكون غنياً ، وقد تشتد حاجته في الوقت ، والسائل قد يكون غنياً ويظهر شدة الحاجة وأخر المكاتب لأن إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة . (3/54)
القول الثاني : أن المراد بإيتاء الماء ما روي أنه عليه الصلاة والسلام عند ذكره للإبل قال : « إن فيها حقاً » هو إطراق فحلها وإعارة ذلولها ، وهذا بعيد لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والسائل والمكاتب .
القول الثالث : أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجباً ، ثم إنه صار منسوخاً بالزكاة ، وهذا أيضاً ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة .
المسألة الثالثة : أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل والغنيمة والأكثرون من المفسرين على ذوي القربى للمعطين ، وهو الصحيح لأنهم به أخص ، ونظيره قوله تعالى : { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى القربى } [ النور : 22 ] .
واعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدين ، فلا وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن المحرمية حكم شرعي أما القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب وإن كان من يختص بذلك يتفاضل ويتفاوت في القرب والبعد ، أما اليتامى ففي الناس من حمله على ذوي اليتامى ، قال : لأنه لا يحسن من المتصدق أن يدفع المال إلى اليتيم الذي لا يميز ولا يعرف وجوه منافعه ، فإنه متى فعل ذلك يكون مخطئاً بل إذا كان اليتيم مراهقاً عارفاً بمواقع حظه ، وتكون الصدقة من باب ما يؤكل ويلبس ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه ، هذا كله على قول من قال : اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر ، وعند أصحابنا هذا الإسم قد يقع على الصغير وعلى البالغ والحجة فيه قوله تعالى :
{ وَءاتُواْ اليتامى أموالهم } [ النساء : 20 ] ومعلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا بلغوا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى : يتيم أبي طالب بعد بلوغه ، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغاً دفع المال إليه ، وإلا فيدفع إلى وليه ، وأما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في سورة التوبة والذي نقوله هنا : إن المساكين أهل الحاجة ، ثم هم ضربان منهم من يكف عن السؤال وهو المراد ههنا ، ومنهم من يسأل وينبسط وهو المراد بقوله : { والسائلين } وإنما فرق تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله ، وليس كذلك السائل لأنه بمسألته يعرف فقره وحاجته ، وأما ابن السبيل فروي عن مجاهد أنه المسافر ، وعن قتادة أنه الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل ، والأول أشبه لأن السبيل اسم للطريق وجعل المسافر ابناً له للزومه إياه كما يقال لطير الماء : ابن الماء ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون : ابن الأيام . وللشجعان : بنو الحرب . وللناس : بنو الزمان . قال ذو الرمة : (3/55)
وردت عشاء والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
وأما قوله : { والسائلين } فعني به الطالبين ، ومن جعل الآية في غير الزكاة أدخل في هذه الآية المسلم والكافر ، روى الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : « للسائل حق حتى ولو جاء على فرس » وقال تعالى : { فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ المعارج : 24 ] .
أما قوله : { وَفِي الرقاب } ففيه مسألتان .
المسألة الأولى : { الرقاب } جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق ، واشتقاقها من المراقبة ، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ولهذا المعنى يقال : أعتق الله رقبته ولا يقال أعتق الله عنقه ، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها : رقوب ، لأجل مراعاتها موت ولدها .
المسألة الثانية : معنى الآية : ويؤتي المال في عتق الرقاب ، قال القفال : واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات ، فقال قائلون : إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه ، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته ، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة ، وقال قائلون : لا يجوز صرف الزكاة إلا في اعانة المكاتبين ، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف ، ومن حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعاً ، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو فداء الأسارى .
واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة التوبة في تفسير الصدقات .
الأمر الثالث : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله : { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } وذلك قد تقدم ذكره . (3/56)
الأمر الرابع : قوله تعالى : { والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في رفع والموفون قولان أحدها : أنه عطف على محل { من آمن } تقديره لكن البر المؤمنون والموفون ، عن الفراء والأخفش الثاني : رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهم الموفون .
المسألة الثانية : في المراد بهذا العهد قولان الأول : أن يكون المراد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم ، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده ، والعمل بطاعته ، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب ، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم بالوفاء بها فقال : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } [ البقرة : 40 ] فكان المعنى في هذه الأية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله ، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه ، واعترض القاضي على هذا القول وقال : إن قوله تعالى : { والموفون بِعَهْدِهِمْ } صريح في إضافة هذا العهد إليهم ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { إِذَا عاهدوا } فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى .
الجواب عنه : أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام والتزموه ، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم .
القول الثاني : أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه . واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله ، أو بينه وبين رسول الله ، أو بينه وبين سائر الناس أما الذي بينه وبين الله فهو ما يلزمه بالنذور والإيمان ، وأما الذي بينه وبين رسول الله فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وأما الذي بينه وبين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم ، وكذا الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن ، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة ، فقوله تعالى : { والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض ، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر المفسرون فقالوا : هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، ومنهم من حمله على قوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ } [ التوبة : 75 ] الآية .
الأمر الخامس : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى : { والصابرين فِى البأساء والضراء وَحِينَ البأس } [ البقرة : 177 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في نصب الصابرين أقوال . الأول : قال الكسائي هو معطوف على { ذَوِى القربى } كأنه قال : وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين : قال النحويون : إن تقدير الآية يصير هكذا : ولكن البر من آمن بالله وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين ، فعلى هذا قوله : { والصابرين } من صلة من قوله : { والموفون } متقدم على قوله : { والصابرين } فهو عطف على { مِنْ } فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئاً ، وهذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد ، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه ، أما إن جعلت قوله : { والموفون } رفعاً على المدح ، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز ، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى . (3/57)
فإن قيل : أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل : إن زيداً فافهم ما أقول رجل عالم ، وكقوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [ الكهف : 30 ] ثم قال : { أولئك } ففصل بين المتبدأ والخبر بقوله : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ } قلنا : الموصول مع الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ والخبر ، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة .
القول الثاني : قول الفراء : إنه نصب على المدح ، وإن كان من صفة من ، وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح ، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد ، وأنشد الفراء :
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
وقالوا فيمن قرأ : { حَمَّالَةَ الحطب } [ المسد : 4 ] بنصب { حَمَّالَةَ } أنه نصب على الذم ، قال أبو علي الفارسي : وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها ، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول ، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل ، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان ، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً . ، وجملة واحدة . ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لم صارا علتين لاختلاف الحركة؟ فقال الفراء : أصل المدح والذم من كلام السامع ، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له : قام زيد فربما أثنى السامع على زيد ، وقال ذكرت والله الظريف ، ذكرت العاقل ، أي هو والله الظريف هو العاقل ، فأراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع ، فجرى الإعراب على ذلك ، وقال الخليل : المدح والذم ينصبان على معنى أعني الظريف ، وأنكر الفراء ذلك لوجهين الأول : أن أعني إنما يقع تفسيراً للاسم المجهول ، والمدح يأتي بعد المعروف الثاني : أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقول : قام زيد أخاك ، على معنى : أعني أخاك ، وهذا مما لم تقله العرب أصلاً .
واعلم أن من الناس من قرأ { والموفين ، والصابرين } ومنهم من قرأ { والموفون ، والصابرون } . (3/58)
أما قوله : { فِى البأساء } قال ابن عباس : يريد الفقر ، وهو اسم من البؤس { والضراء } قال : يريد به المرض ، وهما اسمان على فعلاء ولا أفعل لهما ، لأنهما ليسا بنعتين { وَحِينَ البأس } قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد القتال في سبيل الله والجهاد ، ومعنى البأس في اللغة الشدة يقال : لا بأس عليك في هذا ، أي لا شدة { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [ الأعراف : 165 ] شديد ثم تسمى الحرب بأساً لما فيها من الشدة والعذاب يسمى بأساً لشدته قال تعالى : { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 84 ] { فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } [ الأنبياء : 12 ] { فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله } [ غافر : 29 ] .
ثم قال تعالى : { أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم ، وذكر الواحدي رحمه الله في آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع ، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف ، ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر ، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائماً بالبر ، إلا عند استجماع هذه الخصال ، ولذلك قال بعضهم : هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام ، لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها ، وقال آخرون : هذه عامة في جميع المؤمنين ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)
الحكم الرابع (3/59)
قبل الشروع في التفسير لا بد من ذكر سبب النزول وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام ، وذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط ، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط ، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل ، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين ، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى ، فالأشراف كانوا يقولون : لنقتلن بالعبد منا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، وبالرجل منا الرجلين منهم ، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم ، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن واحداً قتل إنساناً من الأشراف ، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول ، وقالوا : ماذا تريد؟ فقال إحدى ثلاث قالوا : وما هي؟ قال : إما تحيون ولدي ، أو تملأون داري من نجوم السماء ، أو تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم ، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً .
وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس ، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية .
والرواية الثانية : في هذا المعنى وهو قول السدي : إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي .
والرواية الثالثة : أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه .
والرواية الرابعة : ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن علي بن أبي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط ، فأما إذا كان القاتل للعبد حراً ، أو للحر عبداً فإنه يجب مع القصاص التراجع ، وأما حر قتل عبداً فهو قوده ، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن قتل عبداً حراً فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر ، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن شاؤا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد ، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود ، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية ، وإن قتلت المرأة رجلاً فهي به قود ، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإن شاؤا أعطوا كل الدية وتركوها ، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والانثيين والذكرين فأما عند إخلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } فمعناه : فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين : أحدهما : أن قوله تعالى : { كتب } يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } وقال : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية } [ البقرة : 180 ] وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات ، وقال عليه السلام : « ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم » والثاني : لفظة { عَلَيْكُمْ } مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى : { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } [ آل عمران : 97 ] وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل ، من قولك : اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله ، قال تعالى { فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا } [ الكهف : 64 ] وقال تعالى : { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ } [ القصص : 11 ] أي اتبعي أثره ، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي ، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس ، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه . (3/60)
أما قوله تعالى : { فِي القتلى } أي بسبب قتل القتلى ، لأن كلمة { فِى } قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام : « في النفس المؤمنة مائة من الإبل » إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى ، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى ، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كثيرة ، وهي إذا قتل الوالد ولده ، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربياً أو معاهداً ، وفيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه .
فإن قيل : قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول : أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل ، أو على ولي الدم ، أو على ثالث ، والأقسام الثلاثة باطلة ، وإنما قلنا : إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه ، بل يحرم عليه ذلك ، وإنما قلنا : إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك ، بل هو مندوب إلى الترك بقوله : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] والثالث أيضاً باطل لأنه يكون أجنبياً عن ذلك القتل والأجنبي عن الشي لا تعلق له به .
السؤال الثاني : إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة ، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعاً وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعاً بسبب القتل .
والجواب عن السؤال الأول : من وجهين الأول : أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه ، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين ، والتقدير : يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني : أنه خطاب مع القاتل والتقدير : يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر ، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله ولا يقرأ ، والفرق أن ذلك حق الآدمي .
وأما الجواب عن السؤال الثاني : فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات ، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل : (3/61)
المسألة الأولى : ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص ، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف ، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل على التعيين ، وعندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص متعيناً ، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية وليس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك .
المسألة الثانية : اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال الشافعي : يراعي جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرة وإلا حزت رقبته ، وكذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني ، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة ، حجة الشافعي رحمه الله أن الله تعالى أوجب التسوية بين الفعلين وذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة ، ويدل عليه وجوه أحدها : أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص وثانيها : أنا لو لم نحكم بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم كانت الآية مفيدة ، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور والتخصيص أهون من الإجمال وثالثها : أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور ، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء ألبتة ، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت أن هذه الآية تفيد وجوب التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية لوجوب المماثلة ، كقوله تعالى :
{ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } [ غافر : 40 ] ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله : « من حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه » ومما يروى أن يهودياً رضخ رأس صبيه بالحجارة فقتلها ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة ، وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات ، ومع هذه الأحاديث على قول الشافعي مبلغاً قوياً ، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام : « لا قود إلا بالسيف » وبقوله عليه السلام : « لا يعذب بالنار إلا ربها » والجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات والله أعلم . (3/62)
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائباً فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى : { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عباده ويعفو عن السيآت } [ الشورى : 25 ] وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقاً لعقاب ، ولأنه عليه السلام قال : « التوبة تمحو الحوبة » فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا : يفعل الله ما يشاء ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفاً به ثم سألوا أنفسهم فقالوا : إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفاً به؟ وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل ، ومنفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد .
أما قوله تعالى : { الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } ففيه قولان :
القول الأول : إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين .
واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الألف واللام في قوله : { الحر } تفيد العموم فقوله : { الحر بِالْحُرّ } يفيد أن يقتل كل حر بالحر ، فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولاً بالحر الثاني : أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقاً لا محالة بفعل ، فيكون التقدير : الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر ، بل إما أن يكون مساوياً له أو أخص منه ، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولاً بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولاً بالعبد الثالث : وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } فلما ذكر عقيبة قوله : { الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد } دل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية والعبدية معتبرة ، لأن قوله : { الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد } خرج مخرج التفسير لقوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى ، فوجب أن لا يكون مشروعاً فإن احتج الخصم بقوله تعالى :
{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس } [ المائدة : 45 ] فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين أحدهما : أن قوله : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس } شرع لمن قبلنا ، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا وثانيهما : أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام النفوس على التفصيل والتخصيص ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام ، ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد ، وأن لا تقتل الأثنى إلا بالأنثى ، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع ، وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية ، وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد ، فوجب أن يبقى ههنا على ظاهر اللفظ ، أما الإجماع فظاهر ، وأما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه كان أولى ، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه ، وكذا القول في قتل الأثنى بالذكر ، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع والله أعلم . (3/63)
القول الثاني : أن قوله تعالى : { الحر بِالْحُرّ } لا يفيد الحصر ألبتة ، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أن قوله : { والأنثى بالأنثى } يقتضي قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة ، فلو كان قوله : { الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد } مانعاً من ذلك لوقع التناقض الثاني : أن قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله : { الحر بِالْحُرّ } تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وإذا تقدم ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور ، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل ، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك .
واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة ، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائد عليه في الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب أن لا يكون مشروعاً ، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل والشريف بالخسيس ، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل ، ثم إن سلمنا أن قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } يوجب قتل الحر بالعبد ، إلا أنا بينا أن قوله : { بِالْحُرّ والعبد بالعبد } يمنع من جواز قتل الحرب بالعبد؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان الخاص متصلاً بالعام في اللفظ فإنه يكون جارياً مجرى الاستثناء ولا شك في وجوب تقديمه على العام . (3/64)
الوجه الثاني : في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن أبي طالب والحسن البصري ، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص ، أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد ، وبين الذكر والأنثى ، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لا بد فيه من التراجع ، وقد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية ، إلا أن كثيراً من المحققين زعموا أن هذا النقل لم يصح عن علي بن أبي طالب وهو أيضاً ضعيف عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع ، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى ولا تراجع ، ولأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه .
أما قوله تعالى : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان } فاعلم أن الذين قالوا : موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافياً ومعفواً عنه ، وليس ههنا إلا ولي الدم والقاتل ، فيكون العافي أحدهما ولا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من الولي الذي له الحق على القتل ، فصار تقدير الآية : فإذا عفي ولي الدم عن شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف ، وقوله : { شَىْء } مبهم فلا بد من حمله على المذكور السابق وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام ، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص ، فليتبع القاتل العافي بالمعروف ، وليؤد إليه مالاً بإحسان ، وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية ، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية ، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال ، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجباً عند العفو عن القود ، ومما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : { ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية ، وفي القصاص رحمة من الله عليكم ، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير بين القصاص والدية ، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجاً إلى المال ، وقد يكون القود آثر إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه ، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من الله في حقه .
فإن قيل : لا نسلم أن العافي هو ولي الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا يليق إلا بولي الدم . (3/65)
قلنا : لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق ، بل المراد من قوله : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } أي فمن سهل له من أخيه شيء ، يقال : أتاني هذا المال عفواً صفواً ، أي سهلاً ، ويقال : خذ ما عفا ، أي ما سهل ، قال الله تعالى : { خُذِ العفو } فيكون تقدير الآية : فمن كان من أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة ، فيكون معنى الآية على هذا التقدير : إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود .
سلمنا أن العافي هو ولي الدم ، لكن لم لا يجوز أن يقال : المراد هو أن يكون القصاص مشتركاً بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالاً فالله تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف ، وأمر القاتل بالأداء إليه بإحسان .
سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن ، لكن لم لا يجوز أن يقال : إن هذا مشروط برضا القاتل ، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتاً لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس ولا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس ، فلما كان هذا الرضا حاصلاً في الأعم الأغلب لا جرم ترك ذكره وإن كان معتبراً في النفس الأمر .
والجواب : حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن يبعث القاتل المال إلى ولي الدم ، وبيانه من وجهين الأول : أن حقيقة العفو إسقاط الحق ، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعاً للاشتراك ، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ذكرتم ، لأنه لما تقدم قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } كان حمل قوله : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } على إسقاط حق القصاص أولى ، لأن قوله : { شَىْء } لفظ مبهم وحمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى الثاني : أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم ، لكان قوله : { فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان } عبثاً لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة واليسر لا حاجة به إلى اتباعه ، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان .
وأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين الأول : أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة ، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركاً بين شخصين ثم عفا أحدهما وسكت الآخر ، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق ، فحمل اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر والثاني : أن الهاء في قوله : { وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان } ضمير عائد إلى مذكور سابق ، والمذكور السابق هو العافي ، فوجب أداء هذا المال إلى العافي ، وعلى قولكم : يجب أداؤه إلى غير العافي فكان قولكم باطلاً . (3/66)
وأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال ، أو كان ممكن الزوال ، فإن كان ممتنع الزوال ، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي الدم على الإطلاق ، وإن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه غير جائز ولما تلخص هذا البحث فنقول : الآية بقيت فيها أبحاث لفظية نذكرها في معرض السؤال والجواب .
البحث الأول : كيف تركيب قوله : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } .
الجواب : تقديره : فمن له من أخيه شيء من العفو ، وهو كقوله : سير بزيد بعض السير وطائفة من السير .
البحث الثاني : أن { عُفِىَ } يتعدى بعن لا باللام ، فما وجه قوله : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ } .
الجواب : أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب ، فيقال عفوت عن فلان وعن ذنبه قال الله تعالى : { عَفَا الله عَنكَ } [ التوبة : 43 ] فإذا تعدى إلى الذنب قيل : عفوت عن فلان عما جنى ، كما تقول : عفوت له عن ذنبه ، وتجاوزت له عنه ، وعليه هذه الآية ، كأنه قيل : فمن عفى له من جنايته ، فاستغنى عن ذكر الجناية .
البحث الثالث : لم قيل شيء من العفو؟ .
والجواب : من وجهين أحدهما : أن هذا إنمايشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط ، فحينئذ يقال : القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله : { شَىْء } فائدة ، أما إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضاً لأن له أن يعفو عن القود دون المال ، وله أن يعفو عن الكل ، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } .
والجواب الثاني : أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة ، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر في سقوط القود ، إلا أن يكون عفواً عن جميعه ، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود ، وعفو بعض الأولياء عن حقه ، كعفو جميعهم عن خلقهم ، فلو عرف الشيء كان لا يفهم منه ذلك ، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوماً منه ، فلذلك قال تعالى : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } . (3/67)
البحث الرابع : بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة .
والجواب : قيل : إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمناً من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى سماه مؤمناً حال ما وجب القصاص عليه ، وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من الكبائر ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني : أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم ، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين ، لقوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات : 15 ] فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق وإلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث : أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل ، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن ، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا : إن قلنا المخاطب بقوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } هم الأئمة فالسؤال زائل ، وإن قلنا : إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما : أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً ، فسماه الله تعالى مؤمناً بهذا التأويل والثاني : أن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً ، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب .
وأما الوجه الثاني : وهو ذكر الأخوة ، فأجابوا عنه من وجوه الأول : أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً ، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل والثاني : الظاهر أن الفاسق يتوب ، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له والثالث : يجوز أن يكون جعله أخاً له في النسب كقوله تعالى : { وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } [ الأعراف : 65 ] والرابع : أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق واختصاص ، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة ، كم تقول للرجل ، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس : ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد .
والجواب : أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان ، وبصفة دون صفة ، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق .
وأما قوله تعالى : { فاتباع بالمعروف وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بإحسان } ففيه أبحاث :