صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
القسم الأول : في تفصيل القول في كل واحد منها ، فالنوع الأول من الدلائل : الاستدلال بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في تفسير قوله تعالى : { الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض فِرَاشاً والسماء بِنَاء } [ البقرة : 22 ] ولنذكر ههنا نمطاً آخر من الكلام : (2/481)
روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري ، فقال بعض الفقهاء يوماً : ما الذي تقرؤنه فقال : أفسر آية من القرآن ، وهي قوله تعالى : { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء فَوْقَهُمْ كَيْفَ } [ ق : 6 ] فأنا أفسر كيفية بنيانها ، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته فنقول : الكلام في أحوال السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول :
الفصل الأول
في ترتيب الأفلاك
قالوا : أقر بها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ثم كرة الشمس ، ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، ثم كرة الثوابت ، ثم الفلك الأعظم .
واعلم أن في هذا الموضوع أبحاثاً :
البحث الأول : ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه . الأول : السير ، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد ، . ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب ، كصفرة عطارد ، وبياض الزهرة وحمرة المريخ ، ودرية المشتري ، وكمودة زحل ، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة ، وكثيراً من الثوابت في طريقه في ممر البروج ، وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به ، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها ، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس ، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس . الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة ، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فقليل جداً ، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين ، وهذا الطريق بين جداً لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب ، وشاهده على الوجه الذي حكيناه ، فأما من لم يمارسه ، فإنه يكون مقلداً فيه ، لا سيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر . الثالث : قال بطليموس : إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد ، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلاً عن سائر الأبعاد ، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين ، وهذا الدليل ضعيف ، فإنه منقوض بالقمر ، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد ، مع أنه تحت الكل .
البحث الثاني : في أعداد الأفلاك ، قالوا إنها تسعة فقط ، والحق أن الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها ، فأما ما عداها ، فلما لم يدل الرصد عليه ، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها ، وذكر ابن سينا في الشفاء : أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة ، أو كرات منطبق بعضها على بعض ، وأقول : هذا الإحتمال واقع ، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال : إن حركاتها متساوية ، وإذا كان كذلك وجب كونها مركوزة في كرة واحدة ، والمقدمتان ضعيفتان .
أما المقدمة الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة ، لكنها في الحقيقة لعلها ليست كذلك ، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ستة وثلاثين ألف سنة ، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان عاشرة ، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة ، لا شك أن حصة كل يوم ، بل كل سنة ، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوساً ، وإذا كان كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت . (2/482)
وأما المقدمة الثانية : وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة في كرة واحدة وهي أيضاً ليست يقينية ، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد اشتراكها في لازم واحد ، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة الثوابت قائم في جميع الكرات ، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ذكرناه وزيفناه ، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جداً لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا ، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل .
ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت ، وتحت الفلك الأعظم ، واحتجوا من وجوه . الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار ، وكل من كان رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم ، فإن بطليموس وجده . ( كج ن ) ثم وجد في زمان المأمون ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة ، وذلك يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى ، وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل ، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل ، ويكون كرة الثوابت يدور أيضاً قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً ، وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج ، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب . وثانيها : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات ، حتى أن بطليموس حكى عن أبرخس أنه كان شاكاً في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو مختلفة .
ثم إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين . أحدهما : قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطتي الإعتدالين لاختلاف بعدهما من الأوج ، فيختلف زمان سير الشمس من أجله . وثانيهما : قول أهل الهند والصين وبابل ، وأكثر قدماء علماء الروم ومصر والشام : أن السبب فيه انتقال فلك البروج ، وارتفاع قطبيه وانحطاطه ، وحكى أبرخس أنه كان يعتقد هذا الرأي ، وذكر باربا الإسكنداني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك أيضاً ، وأن قطب فلك البروج يتقدم عن موضعه ويتأخر ثمان درجات ، وقالوا : إن ابتداء الحركة من ( كب ) درجة من الحوت إلى أول الحمل . وثالثها : أن بطليموس رصد الثوابت فوجدها تقطع في كل مائة سنة درجة واحدة والمتأخرون رصدوها فوجدوها تقطع في كل مائة سنة درجة ونصفاً ، وهذا تفاوت عظيم يبعد حمله على التفاوت في الآلات التي تتخذها المهرة في الصناعة على سبيل الإستقصاء ، فلا بد من حمله على ازدياد الميل ونقصانه ، وذلك يوجب القول بثبوت الفلك الذي ذكرناه .
البحث الثالث : احتجوا على أن الكواكب الثابتة مركوزة في فلك فوق أفلاك هذه الكواكب السبعة ، فقالوا : شاهدنا لهذه الأفلاك السبعة حركات أسرع من حركات هذه الثوابت ، وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة الفلك ، وهذا يقتضي كون هذه الثوابت مركوزة في كرة سوى هذه السبعة ، ولا يجوز أن تكون مركوزة في الفلك الأعظم لأنه سريع الحركة ، يدور في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب ، ثم قالوا : إنها مركوزة في كرة فوق كرات هذه السبعة ، لأن هذه الكواكب السبعة قد تكسف تلك الثوابت ، والكاسف تحت المكسوف ، فكرات هذه السبعة وجب أن تكون دون كرات الثوابت . (2/483)
وهذا الطريق أيضاً ضعيف من وجوه . أحدها : أنا لا نسلم أن الكوكب لا يتحرك إلا بحركة فلكية ، وهم إنما بنوا على امتناع الخرق على الأفلاك ، ونحن قد بينا ضعف دلائلهم على ذلك . وثانيها : سلمنا أنه لا بد لهذه الثوابت من كرات أخرى إلا أن مذهبكم أن كل كرة من هذه الكرات السبعة تنقسم إلى أقسام كثيرة ، ومجموعها هو الفلك الممثل وأن هذه الممثلة بطيئة الحركة على وفق حركة كرة الثوابت ، فلم لا يجوز أن يقال : هذه الثوابت مركوزة في هذه الممثلات البطيئة الحركة ، فأما السيارات فإنها مركوزة في الحوامل التي هي أفلاك خارجة المركز ، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات كرة الثوابت . وثالثها : هب أنه لا بد من كرة أخرى فلم لا يجوز أن يكون هناك كرتان إحداهما فوق كرة زحل ، والأخرى دون كرة القمر ، وذلك لأن هذه السيارات لا تمر إلا بالثوابت الواقعة في ممر تلك السيارات ، فأما الثوابت المقاربة للقطبين فإن السيارات لا تمر بشيء منها ولا تكسفها ، فالثوابت التي تنكسف بهذه السيارات هب أنا حكمنا بكونها مركوزة في كرة فوق كرة زحل ، أما التي لا تنكسف بهذه السيارات فكيف نعلم أنها ليست دون السيارات فثبت أن الذي قالوه غير برهاني بل احتمالي .
البحث الرابع : زعموا أن الفلك الأعظم حركته أسرع الحركات فإنه يتحرك في اليوم والليلة قريباً من دورة تامة ، وأنه يتحرك من المشرق إلى المغرب . (2/484)
وأما الفلك الثامن الذي تحته فإنه في نهاية البطء حتى إنه يتحرك في كل مائة سنة درجة عند بطليموس ، وعند المتأخرين في كل ستة وستين سنة درجة ، وأنه يتحرك من المغرب إلى المشرق على عكس الحركة الأولى ، واحتجوا عليه بأنا لما رصدنا هذه الثوابت وجدنا لها حركة على خلاف الحركة اليومية .
واعلم أن هذا أيضاً ضعيف ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الفلك الأعظم يتحرك من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة تامة ، والفلك الثامن أيضاً يتحرك من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة إلا بمقدار نحو عشر ثانية فلا جرم نرى حركة الكواكب في الحس مختلفة عن الحركة الأولى بذلك القدر القليل في خلاف جهة الحركة الأولى ، فإذا اجتمعت تلك المقادير أحس كأن الكوكب الثابت يرجع بحركة بطيئة إلى خلاف جهة الحركة اليومية ، فهذا الاحتمال واقع ، وهم ما أقاموا الدلالة على إبطاله ، ثم الذي يدل على أنه هو الحق وجهان . الأول : وهو برهاني ، أن حركة الفلك الثامن لو كانت إلى خلاف حركة الفلك الأعظم لكان حينما يتحرك بحركة الفلك الأعظم إلى جهة إما أن يتحرك بحركة نفسه إلى خلاف تلك الجهة أو لا يتحرك في ذلك الوقت بمقتضى حركة نفسه ، فإن كان الأول لزم كون الشيء الواحد دفعة واحدة متحركاً إلى جهتين ، والحركة إلى جهتين تقتضي الحصول في الجهتين دفعة وذلك محال ، وإن كان القسم الثاني لزم انقطاع الحركات الفلكية ، وهم لا يرضون بذلك . الثاني : أن نهاية الحركة حاصلة للفلك الأعظم ، ونهاية السكون حاصلة للأرض ، والأقرب إلى العقول أن يقال : كل ما كان أقرب من الفلك الأعظم كان أسرع حركة ، وكل ما كان أبعد كان أبطأ حركة ، ففلك الثوابت أقرب الأفلاك إليه ، فلا جرم لا تفاوت بين الحركتين إلا بقدر قليل ، وهو الذي يحصل من اجتماع مقادير التفاوت في كل مائة سنة درجة واحدة ، ويليه فلك زحل فإنه أبطأ من فلك الثوابت فلا جرم كان تخلفه عن الفلك الأعظم أكثر حتى إن مقادير التفاوت إذا اجتمعت بلغت في كل ثلاثين سنة إلى تمام الدور ، وعلى هذا القول كل ما كان أبعد عن الفلك الأعظم كان أبطأ حركة ، فكان تفاوته أكثر حتى يبلغ إلى فلك القمر الذي هو أبطأ الأفلاك حركة ، فهو في كل يوم يتخلف عن الفلك الأعظم ثلاث عشرة درجة ، فلا جرم يتمم دوره في كل شهر ، ولا يزال كذلك حتى ينتهي إلى الأرض التي هي أبعد الأشياء عن الفلك ، فلا جرم كانت في نهاية السكون ، فثبت أن كلامهم في هذه الأصول مختل ضعيف والعقل لا سبيل له إلى الوصول إليها .
الفصل الثاني (2/485)
في معرفة الأفلاك
القوم وضعوا لأنفسهم مقدمتين ظنيتين . إحداهما : أن حركات الأجرام السماوية متساوية متصلة ، وأنها لا تبطىء مرة وتسرع أخرى ، وليس لها رجوع عن متوجهاتها . والثانية : أن الكواكب لا تتحرك بذاتها بل بتحرك الفلك ، ثم إنهم بنوا على هاتين المقدمتين مقدمة أخرى فقالوا : الفلك الذي يحمل الكواكب إما أن يكون مركزه مركز الأرض أو لا يكون ، فإن كان مركزه مركز الأرض ، فإما أن يكون الكوكب مركوزاً في ثخنه أو مركوزاً في جرم مركوز في ثخن ذلك الفلك ، فإن كان الأول استحال أن يختلف قرب الكوكب وبعده من الأرض ، وأن يختلف قطعه للقسى من ذلك الفلك والأعراض الإختلاف في حركة الفلك ، أو حركة الكوكب ، وقد فرضنا أنهما لا يوجدان ألبتة ، فبقي القسمان الآخران . أحدهما : أن يكون الكوكب مركوزاً في جرم كري مستدير الحركة ، مغروز في ثخن الفلك المحيط بالأرض ، وذلك الجرم نسميه بالفلك المستدير ، فحينئذ يعرض بسبب حركته اختلاف حال الكوكب بالنسبة إلى الأرض تارة بالقرب والبعد وتارة بالرجوع والإستقامة ، وتارة بالصغر والكبر في المنظر وإما أن يكون الفلك الميحط بالأرض ليس مركزه موافقاً لمركز الأرض ، فهو الفلك الخارج المركز ، ويلزم أن يكون الحامل في أحد نصفي فلك البروج من ذلك الفلك أعظم من النصف ، وفي نصفه الآخر أقل من النصف ، فلا جرم يحصل بسببه : القرب والبعد من الأرض ، وأن يقطع أحد نصفي فلك البروج في زمان أكثر من قطعه النصف الآخر ، فظهر أن اختلاف أحوال الكواكب في صغرها وكبرها ، وسرعتها وبطئها ، وقربها وبعدها ، من الأرض لا يمكن حصوله إلا بأحد هذين الشيئين ، أعني التدوير ، والفلك الخارج المركز .
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى التفصيل قولهم في الأفلاك ، فقالوا : هذه الأفلاك التسعة ، منها ما هو كرة واحدة ، وهو الفلك الأعظم ، وفلك الثوابت ، ومنها ما ينقسم إلى كرتين ، وهو فلك الشمس ، وذلك أنه ينفصل منه فلك آخر مركزه غير مركز العالم ، بحيث يتماس سطحاهما المحدبان على نقطة تسمى الأوج ، وهو البعد الأبعد من الفلك المنفصل ، ويتماس سطحاهما المقعران على نقطة تسمى الحضيض ، وهو البعد الأقرب منه ، وهما في الحقيقة فلك واحد ، منفصل عنه فلك آخر ، إلا أنه يقال : فلكان ، توسعا ، ويسمى المنفصل عنه : الفلك الممثل ، والمنفصل الخارج المركز فلك الأوج ، وجرم الشمس مغرق فيه بحيث يماس سطحه سطحيه ، ومنها ما ينقسم إلى ثلاث أكر ، وهي أفلاك الكواكب العلوية والزهرة ، فإن لكل واحد منهما فلكين مثل فلك الشمس ، وفلكاً آخر موقعه من خارج المركز مثل موقع جرم الشمس من فلكه ويسمى : فلك التدوير والكوكب مغرق فيه بحيث يماس سطحه ويسمى الخارج المركز : الفلك الحامل ، ومنها ما ينقسم إلى أربع أكر وهو فلك عطارد والقمر ، أما عطارد فإن له فلكين مثل فلكي الشمس وينفصل من الثاني فلك آخر انفصال الخارج المركز عن الممثل بحيث يقع مركزه خارجاً عن المركزين وبعده عن مركز الخارج المركز مثل نصف بعد ما بين مركزي الخارج المركز والممثل ويسمى المنفصل عنه الفلك المدير والمنفصل الفلك الحامل ، ومنه فلك التدوير وعطارد فيه كما سبق في الكرات الأربعة ، وأما القمر فإن فلكه ينقسم إلى كرتين متوازيتين والعظمى تسمى الفلك المثل والصغرى الفلك المائل وينقسم المائل إلى ثلاث أكر كما في الكواكب الأربعة ، وكل فلك ينفصل عنه فلك آخر على الصورة التي عرفتها في فلك الشمس ، فإنه يبقى من المنفصل عنه كرتان مختلفتا الثخن يسميان متممين لذلك الفلك المنفصل وكل واحد من هذه الأفلاك يتحرك على مركزه حركة دائمة متصلة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا والناس إنما وصلوا إلى معرفة هذه الكرات بناء على المقدمة التي قررناها ولا شك أنها لو صحت لصح القول بهذه الأشياء إنما الشأن فيها .
الفصل الثالث (2/486)
في مقادير الحركات
قال الجمهور : إن جميع الأفلاك تتحرك من المغرب إلى المشرق سوى الفلك الأعظم ، والمدير لعطارد والفلك الممثل والمائل والمدير للقمر فالحركة الشرقية تسمى : الحركة إلى التوالي والغربية إلى خلاف التوالي ، والفلك الأعظم يتحرك حركة سريعة في كل يوم بليلته دورة واحدة على قطبين يسميان قطبي العالم ويحرك جميع الأفلاك والكواكب ، وبهذه الحركة يقع للكواكب الطلوع والغروب وتسمى الحركة الأولى ، وفلك الثوابت يتحرك حركة بطيئة في كل ست وستين سنة عند المتأخرين درجة واحدة على قطبين يسميان قطبي فلك البروج ، وهما يدوران حول قطبي العالم بالحركة الأولى وتتحرك على وفق هذه الحركة جميع الأفلاك المتحركة ، وبهذه الحركة تنتقل الأوجات عن موضعها من فلك البروج وتسمى الحركة الثانية وحركة الأوج وهي حركة الثوابت والثوابت إنما سميت ثوابت لأسباب . أحدها : كونها بطيئة لأنها بإزاء السيارة تشبه الساكنة . وثانيها : السيارة تتحرك إليها وهي لا تتحرك إلى السيارة فكأن الثوابت ثابتة لانتظارها . وثالثها : عروضها ثابتة على مقدار واحد لا يتغير . ورابعها : أبعاد ما بينها ثابتة على حال واحد لا تتغير الصورة المتوهمة عليها من الصور الثماني والأربعين . وخامسها : الأزمنة عند أكثر عوام الأمم منوطة بطلوعها وأفولها بحيث لا يتفاوت إلا في القرون والأحقاب .
وأما الأفلاك الخارجة المركز فإنها تتحرك في كل يوم هكذا : زحل ( ب أ ) المشتري ( دنط ) المريخ بدلالة الشمس ( لاكر ) الزهرة ( نط ج ) عطارد ( نط ح ) والقمر ( يج يج مو ) وتسمى حركة المركز ، وحركة الوسط ، وهي حركات مراكز أفلاك التداوير ومركز الشمس والأفلاك التداوير تتحرك بهذا المقدار زحل ( نرح ) المشتري ( ند ط ) المريخ ( كرمب ) الزهرة ( لونط ) عطارد ( ج وكد ) القمر ( يج ج ند ) وتسمى : الحركة الخاصة ، وحركة الاختلاف وهي حركات مراكز الكواكب . واعلم أن بسبب هذه الحركات المختلفة يعرض لهذه الكواكب أحوال مختلفة . أحدها : أنه يحصل للقمر مثلاً أبعاد مختلفة غير مضبوطة بالنسبة إلى هذا العالم والأنواع المضبوطة منها أربعة . الأول : أن يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز ويقال له البعد الأقرب ، وهو الثلاث وثلاثون مرة مثل نصف قطر الأرض بالتقريب . الثاني : أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأقرب للأبعد وهو ثلاث وأربعون مرة مثل نصف قطر الأرض . الثالث : أن يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد للأقرب وهو أربعة وخمسون مرة مثل نصف قطر الأرض . الرابع : أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد وهو أربعة وستون مرة مثل نصف قطر الأرض ، ثم إن ما بين هذه النقط الأربعة الأحوال مختلفة على ما أتى على شرحها أبو الريحان . وثانيها : أن جميع الكواكب مرتبطة بالشمس ارتباطاً ما ، فأما العلوية فإن بعد مراكزها عن ذرى أفلاك تداويرها أبداً تكون بمقدار بعد مركز الشمس عن مراكز تداويرها وحينئذ تكون محترقة ومتى كانت في الحضيض كانت في مقابلتها وحينئذ تكون مقابلة للشمس وذلك يقارن الشمس في منتصف الاستقامة ويقابلها في منتصف الرجوع وقيل : إن نصف قطر فلك تدوير المريخ أعظم من نصف قطر فلك ممثل الشمس فيلزم أنه إذا كان مقارناً للشمس يكون بعد مركزه عن مركز الشمس أعظم منه إذا كان مقابلاً لها ، وأما السلفيات فإن مراكز أفلاك تدويرها أبداً يكون مقارناً للشمس فيلزم أن تقارن الشمس الذروة والحضيض في منتصفي الاستقامة ، والرجوع غاية بعد كل واحد منهما عن الشمس بمقدار نصف قطر فلك تدويرهما ، وهو للزهرة ( مه ) ولعطارد ( كه ) بالتقريب وأما القمر فإن مركز الشمس أبداً يكون متوسطاً بين بعده الأبعد وبين مركز تدويره ولذلك يقال لبعدمركز تدويره عن البعد الأبعد البعد المضاعف لأنه ضعف بعد مركز تدويره من الشمس فلزم أنه متى كان مركز تدويره في البعد الأبعد ، فإما أن يكون مقابلاً للشمس أو مقارناً لها ، ومتى كان في البعد الأقرب تكون الشمس في تربيعه فلذلك يكون اجتماعه واستقباله في البعد الأبعد وتربيعه مع الشمس في الأقرب .
الفصل الرابع (2/487)
في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال على وجود الصانع
وهي من وجوه . أحدها : النظر إلى مقادير هذه الأفلاك ، فإنها مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية ، اختص كل واحد منها بمقدار خاص ، مع أنه لا يمتنع في العقل وقوعها على أزيد من ذلك المقدار أو أنقص منه بذرة ، فلما قضى صريح العقل بأن المقادير بأسرها على السوية ، قضى بافتقارها في مقاديرها إلى مخصص مدبر . وثانيها : النظر إلى أحيازها ، فإن كل فلك مماس بمحدبه فلكاً آخر فوقه وبمقعره فلكاً آخر تحته ، ثم ذلك الفلك إما أن يكون متشابه الأجزاء أو ينتهي بالآخرة إلى جسم متشابه الأجزاء ، وذلك الجسم المتشابه الأجزاء لا بد وأن تكون طبيعة كل واحد من طرفيه مساوية لطبيعة طرفه الآخر ، فكما صح على محدبه أن يلقى جسماً وجب أن يصح على مقعره أن يلقى ذلك الجسم ، ومتى كان كذلك صح أن العالي يمكن وقوعه سافلاً ، والسافل يمكن وقوعه عالياً ، ومتى كان كذلك كان اختصاص كل واحد منها بحيزه المعين أمراً جائزاً يقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى . وثالثها : أن كل كوكب حصل في مقعره اختص به أحد جوانب ذلك الفلك دون سائر الجوانب ، ثم إن ذلك الموضع المنتفي من ذلك الفلك مساو لسائر جوانبه ، لأن الفلك عنده جسم متشابه الأجزاء ، فاختصاص ذلك المقعر بذلك الكوكب دون سائر الجوانب يكون أمراً ممكناً جائزاً فيقضي العقل بافتقاره إلى المخصص . ورابعها : أن كل كرة فإنها تدور على قطبين معينين ، وإذا كان الفلك متشابه الأجزاء كان جميع النقط المفترضة عليه متساوية ، وجميع الدوائر المفترضة عليه أيضاً متساوية ، فاختصاص نقطتين معينتين بالقطبية دون سائر النقط مع استوائها في الطبيعة يكون أمراً جائراً ، فيقضي العقل بافتقاره إلى المقتضى ، وهكذا القول في تعين كل دائرة معينة من دوائرها بأن تكون منطقة . وخامسها : أن الأجرام الفلكية مع تشابهها في الطبيعة الفلكية كل واحد منها مختص بنوع معين من الحركة في البطء والسرعة ، فانظر إلى الفلك الأعظم مع نهاية اتساعه وعظمه ثم إنه يدور دورة تامة في اليوم والليلة ، والفلك الثامن الذي هو أصغر منه لا يدور الدورة التامة إلا في ستة وثلاثين سنة على ما هو قول الجمهور ، ثم إن الفلك السابع الذي تحته يدور في ثلاثين سنة ، فاختصاص الأعظم بمزيد السرعة ، والأصغر بمزيد البطء مع أنه على خلاف حكم العقل فإنه كان ينبغي أن يكون الأوسع أبطأ حركة لعظم مداره ، والأصغر أسرع استدارة لصغر مداره ليس إلا لمخصص ، والعقل يقضي بأن كل واحد منها إنما اختص بما هو عليه بتقدير العزيز العليم . وسادسها : أن الفلك الممثل إذا انفصل عنه الفلك الخارج المركز بقي متممان : أحدهما : من الخارج ، والآخر : من الداخل ، وأنه جرم متشابه الطبيعة ، ثم اختص أحد جوانبهما بغاية الثخن ، والآخر بغاية الرقة بالنسبة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون نسبة ذلك الثخن والرقة إلى طبيعته على السوية ، فاختصاص أحد جانبيه بالرقة والآخر بالثخن ، لا بد وأن يكون بتخصيص المخصص المختار . وسابعها : أنها مختلفة في جهات الحركات ، فبعضها من المشرق إلى المغرب ، وبعضها من المغرب إلى المشرق ، وبعضها شمالية ، وبعضها جنوبية ، مع أن جميع الجهات بالنسبة إليها على السوية ، فلا بد من الإفتقار إلى المدبر . وثامنها : أنا نراها الآن متحركة ومحال أن يقال إنها كانت أزلاً متحركة ، أو ما كانت متحركة ، ثم ابتدأت بالحركة ، ومحال أن يقال : إنها كانت أزلاً متحركة لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، لأن الحركة انتقال من حالة إلى حالة والأزل ينافي المسبوقية بالغير ، فالجمع بين الحركة والأزلية محال ، وإن قلنا إنها ما كانت متحركة أزلاً سواء قلنا إنها كانت قبل تلك الحركة موجودة أو كانت ساكنة ، أو قلنا : إنها كانت قبل تلك الحركة معدومة أصلاً ، فالإبتداء بالحركة بعد عدم الحركة يقتضي الإفتقار إلى مدبر قديم سبحانه وتعالى ليحركها بعد أن كانت معدومة ، أو بعد أن كانت ساكنة ، وهذا المأخذ أحسن المآخذ وأقواها . وتاسعها : أن يقال : إن حركاتها إما أن تكون من لوازم جسمانيتها المعينة ، لكنا نرى جسمانياتها المعينة منفكة عن كل واحد من أجزاء تلك الحركة ، فإذن كل واحد من أجزاء حركته ليس من لوازمه ، فافتقرت الأفلاك في حركاتها إلى محرك من خارج ، وذلك هو محرك المتحركات ، ومدبر الثوابت والسيارات ، وهو الحق سبحانه وتعالى . وعاشرها : أن هذا الترتيب العجيب في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركاتها أترى أنها مبنية على حكمة ، أم هي واقعة بالجزاف والعبث؟ أما القسم الثاني : فباطل وبعيد عن العقل ، فإن جوز في بناء رفيع ، وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر ، ثم تولد منهما لبنات ، ثم تركبها قصر مشيد وبناء عال ، فإنه يقضي عليه بالجنون ، ونحن نعلم أن تركيب هذه الأفلاك وما فيها من الكواكب ، وما لها من الحركات ليس أقل من ذلك البناء ، فثبت أنه لا بد فيها من رعاية حكمة ، ثم لا يخلو إما أن يقال : إنها أحياء ناطقة فهي تتحرك بأنفسها أو يقال : إنه يحركها مدبر قاهر ، والأول باطل لأن حركتها إما أن تكون لطلب استكمالها أو لا لهذا الغرض ، فإن كانت طالبة بحركتها لتحصيل كمال فهي ناقصة في ذواتها ، طالبة للاستكمال أو لا لهذا الغرض ، والناقص بذاته لا بد له من مكمل ، فهي مفتقرة محتاجة ، وإن لم تكن طالبة بحركتها للاستكمال ، فهي عابثة في أفعالها ، فيعود الأمر إلى أنه يبعد في العقول أن يكون مدار هذه الأجرام المستعظمة ، والحركات الدائمة ، على العبث والسفه ، فلم يبق في العقول قسم هو الأليق بالذهاب إليه إلا أن مدبراً قاهراً غالباً على الدهر والزمان يحركها لأسرار مخفية ، ولحكم لطيفة هو المستأثر بها ، والمطلع عليها ، وليس عندنا إلا الإيمان بها على الإجمال على ما قال :
{ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران : 191 ] . (2/488)
والحادي عشر : أنا نراها مختلفة في الألوان ، مثل صفرة عطارد ، وبياض الزهرة وضوء الشمس وحمرة المريخ ودرية المشتري ، وكمودة زحل واختلاف كل واحد من الكواكب الثابتة بعظم خاص ولون خاص وتركيب خاص ، ونراها أيضاً مختلفة بالسعادة والنحوسة ، ونرى أعلى الكواكب السيارة أنحسها ونرى ما دونها أسعدها ، ونرى سلطان الكواكب سعيداً في بعض الاتصالات نحساً في بعض ونراها مختلفة في الوجوه والخدود واللثات والذكورة والأنوثة وكون بعضها نهارياً وليلياً وسائراً وراجعاً ومستقيماً وصاعداً وهابطاً مع اشتراكها بأسرها في الشفافية والصفاء والنقاء في الجوهر فيقضي العقل بأن اختصاص كل واحد منها بما اختص به لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص .
والثاني عشر : وهو أن هذه الكواكب وكان لها تأثير في هذا العالم فهي إما أن تكون متدافعة أو متعاونة ، أو لا متدافعة ولا متعاونة ، فإن كانت متدافعة فإما أن يكون بعضها أقوى من بعض أو تكون متساوية في القوة وإن كان بعضها أقوى من بعض كان القوي غالباً أبداً والضعيف مغلوباً أبداً ، فوجب أن تستمر أحوال العالم على طبيعة ذلك الكوكب لكنه ليس الأمر كذلك وإن كانت متساوية في القوة وهي متدافعة وجب تعذر الفعل عليها بأسرها فتكون الأفعال الظاهرة في العالم صادرة عن غيرها فلا يكون مدبر العالم هو هذه الكواكب ، بل غيرها وإن كانت متعاونة لزم بقاء العالم أيضاً على حالة واحدة من غير تغير أصلاً وإن كانت تارة متعاونة وتارة متدافعة كان انتقالها من المحبة إلى البغضة وبالعكس تغيراً لها في صفاتها فتكون هي مفتقرة في تلك التغيرات إلى الصانع المستولي عليها بالقهر والتسخير .
والثالث عشر : أنها أجسام وكل جسم مركب وكل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل جسم هو مفتقر إلى غيره ممكن وكل ممكن مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فله مؤثر وكل ماله مؤثر فافتقاره إلى مؤثره إما أن يكون حال بقائه ، أو حال حدوثه أو حال عدمه ، والأول باطل لأنه يقتضي إيجاد الموجود وهو محال ، فبقي القسمان الآخران وهما يقتضيان الحدوث الدال على وجود الصانع .
والرابع عشر : أن الأجسام متساوية في الجسمية لأنه يصح تقسيم الجسم إلى الفلكي والعنصري والكثيف واللطيف ، والحار والبارد ، والرطب واليابس ، ومورد التقسيم مشترك بين كل الأجسام . فالجسمية قدر مشترك بين هذه الصفات ، والأمور المتساوية في الماهية يجب أن تكون متساوية في قالمية الصفات ، فإذن كل ما صح على جسم صح على غيره ، فإذن اختصاص كل جسم بما اختص به من المقدار ، والوضع ، والشكل ، والطبع ، والصفة ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، وذلك يقضي بالافتقار إلى الصانع القديم جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ولا إله غيره ، فهذا هو الإشارة إلى معاقد الدلائل المستنبطة من أجسام السموات والأرض ، على إثبات الصانع :
{ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } [ لقمان : 27 ] . (2/489)
النوع الثاني : من الدلائل أحوال الأرض وفيه فصلان :
الفصل الأول
في بيان أحوال الأرض
اعلم أن لاختلاف أحوال الأرض أسباباً :
السبب الأول : اختلاف أحوالها بسبب حركة الفلك ، وهي أقسام :
القسم الأول : المواضع العديمة العرض ، وهي التي على خط الاستواء بموافقتها قطبي العالم ، تقاطع معدل النهار على زوايا قائمة ، وتقطع جميع المدارات اليومية بنصفين ، وتكون حركة الفلك دولابية ، ولم يختلف هناك ليل كوكب مع نهاره ، ولم يتصور كوكب أبدي الظهور ، ولا أبدي الخفاء ، بل يكون لكل نقطة سوى القطبين : طلوع وغروب ، ويمر فلك البروج بسمت الرأس في الدورة مرتين ، وذلك عند بلوغ قطبية دائرة الأفق ، وتمر الشمس بسمت الرأس مرتين في السنة ، وذلك عند بلوغها نقطتي الإعتدالين .
القسم الثاني : المواضع التي لها عرض ، فإن قطب الشمال يرتفع فيها من الأفق ، وقطب الجنوب ينحط عنه ويقطع الأفق معدل النهار فقط على نصفين ، فأما سائر المدارات فيقطعها بقسمين مختلفين ، الظاهر منهما في الشمالية أعظم من الخافي وفي الجنوبية بخلاف ذلك ، ولهذا يكون النهار في الشمالية أطول من الليل ، وفي الجنوبية بالخلاف ، وتصير الحركة ههنا حمائلية ، ولم يتفق ليل كوكب مع نهاره ، إلا ما كان في معدل النهار ، وتصير الكواكب التي بالقرب من قطب الشمال أبدية الظهور ، والتي بالقرب من قطب الجنوب أبدية الخفاء ، وتمر الشمس بسمت الرأس في نقطتين بعدهما عن معدل النهار إلى الشمال مثل عرض الموضع .
القسم الثالث : وهو الموضع الذي يصير ارتفاع القطب فيه مثل الميل الأعظم ، وههنا يبطل طلوع قطبي فلك البروج وغروبهما إلا أنهما يماسان الأفق ، وحينئذ يمر فلك البروج بسمت الرأس ، ولم تمر الشمس بسمت الرأس إلا في الإنقلاب الصيفي .
القسم الرابع : وهو أن يزداد العرض على ذلك ، وههنا يبطل مرور فلك البروج والشمس بسمت الرأس ، ويصير القطب الشمالي من فلك البروج أبدي الظهور ، والآخر أبدي الخفاء .
القسم الخامس : أن يصير العرض مثل تمام الميل ، وههنا ينعدم غروب المنقلب الصيفي وطلوع الشتوي لكنهما يماسان الأفق ، وعند بلوغ الاعتدال الربيعي أفق المشرق ، والخريفي أفق المغرب يكون المنقلب الصيفي في جهة الشمال والشتوي في جهة الجنوب وحينئذ ينطبق فلك البروج على الأفق ، ثم يطلع من أول الجدي ، إلى أول السرطان دفعة ، ويغرب مقابله كذلك ثم تأخذ البروج الطالعة في الغروب ، والغاربة في الطلوع ، إلى أن تعود الحالة المتقدمة ، وينعدم الليل هناك في الإنقلاب الصيفي ، والنهار في الشتوي .
القسم السادس : أن يزداد العرض على ذلك ، فحينئذ يصير قوس من فلك البروج أبدي الظهور مما يلي المنقلب الصيفي ، بحيث يكون المنقلب في وسطها ، ومدة قطع الشمس إياها يكون نهاراً ، ويصير مثلها مما يلي المنقلب الشتوي أبدي الخفاء ، ومدة قطع الشمس إياها يكون ليلاً ، ويعرض هناك لبعض البروج نكوس ، فإذا وافى الجدي نصف النهار من ناحية الجنوب ، كان أول السرطان عليه من ناحية الشمال ، ونقطة الإعتدال الربيعي على أفق المشرق ، فإذن قد طلع السرطان قبل الجوزاء ، والجوزاء قبل الثور ، والثور قبل الحمل ، ثم إذا تحرك الفلك يطلع بالضرورة آخر الحوت وأوله تحت الأرض ، وكل جزء يطلع فإنه يغيب نظيره ، فالبروج التي تطلع منكوسة يغيب نظيرها كذلك .
القسم السابع : أن يصير ارتفاع القطب تسعين درجة ، فيكون هناك معدل النهار منطبقاً على الأفق ، وتصير الحركة رحوية ، ويبطل الطلوع والغروب أصلاً ، ويكون النصف الشمالي من فلك البروج أبدي الظهور ، والنصف الجنوبي أبدي الخفاء ، ويصير نصف السنة ليلاً ونصفها نهاراً . (2/490)
السبب الثاني : لاختلاف أحوال الأرض اختلاف أحوالها بسبب العمارة : اعلم أن خط الاستواء يقطع الأرض نصفين : شمالي وجنوبي ، فإذا فرضت دائرة أخرى عظيمة مقاطعة لها على زوايا قائمة ، انقسمت كرة الأرض بهما أرباعاً ، والذي وجد معموراً من الأرض أحد الربعين الشماليين مع ما فيه من الجبال والبحار والمفاوز ، ويقال والله أعلم أن ثلاثة الأرباع ماء ، فالموضع الذي طوله تسعون درجة على خط الإستواء ، يسمى : قبة الأرض ، ويحكى عن الهند أن هناك قلعة شامخة في جزيرة هي مستقر الشياطين ، فتسمى لأجلها : قبة ، ثم وجد طول العمارة قريباً من نصف الدور ، وهو كالمجمع عليه ، واتفقوا على أن جعلوا ابتداءها من المغرب ، إلا أنهم اختلفوا في التعيين ، فبعضهم يأخذه من ساحل البحر المحيط وهو بحر أوقيانوس ، وبعضهم يأخذه من جزائر وغلة فيه تسمى : جزائر الخالدات ، زعم الأوائل أنها كانت عامرة في قديم الدهر ، وبعدها عن الساحل عشرة أجزاء ، فيلزم من هذا وقوع الاختلاف في الإنتهاء أيضاً ، ولم يوجد عرض العمارة إلا إلى بعد ست وستين درجة من خط الإستواء ، إلا أن بطليموس زعم أن وراء خط الإستواء عمارة إلى بعد ست عشرة درجة ، فيكون عرض العمارة قريباً من اثنتين وثمانين درجة ، ثم قسموا هذا القدر المعمور سبع قطع مستطيلة على موازاة خط الإستواء ، وهي التي تسمى : الأقاليم وابتداؤه من خط الإستواء ، وبعضهم يأخذ أول الأقاليم من عند قريب من ثلاث عشرة درجة من خط الإستواء ، وآخر الأقليم السابع إلى بعد خمسين درجة ولا يعد ما وراءها من الأقاليم ، لقلة ما وجدوا فيه من العمارة .
السبب الثالث : لاختلاف أحوال الأرض ، كون بعضها برياً وبحرياً ، وسهلياً وجبلياً ، وصخرياً ورملياً وفي غور وعلى نجد ويتركب بعض هذه الأقسام ببعض فتختلف أحوالها اختلافاً شديداً ، وما يتعلق بهذا النوع فقد استقصيناه في تفسير قوله تعالى :
{ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَاءً } [ البقرة : 22 ] ومما يتعلق بأحوال الأرض أنها كرة وقد عرفت أن امتداد الأرض فيما بين المشرق والمغرب يسمى طولاً وامتدادها بين الشمال والجنوب يسمى عرضاً فنقول : طول الأرض إما أن يكون مستقيماً أو مقعراً أو محدباً والأول باطل وإلا لصار جميع وجه الأرض مضيئاً دفعة واحدة عند طلوع الشمس ولصار جميعه مظلماً دفعة واحدة عند غيبتها ، لكن ليس الأمر كذلك لأنا لما اعتبرنا من القمر خسوفاً واحداً بعينه ، واعتبرنا معه حالاً مضبوطاً من أحواله الأربعة التي هي أول الكسوف وتمامه ، وأول انجلائه وتمامه لم يوجد ذلك في البلاد المختلفة الطول في وقت واحد ووجد الماضي من الليل في البلد الشرقي منها أكثر مما في البلد الغربي والثاني أيضاً باطل وإلا لوجد الماضي من الليل في البلد الغربي أكثر منه في البلد الشرقي لأن الأول يحصل في غرب المقعر أولاً ثم في شرقه ثانياً ولما بطل القسمان ثبت أن طول الأرض محدب ، ثم هذا المحدب إما أن يكون كرياً أو عدسياً ، والثاني باطل لأنا نجد التفاوت بين أزمنة الخسوف الواحد بحسب التفاوت في أجزاء الدائرة حتى أن الخسوف الذي يتفق في أقصى عمارة المشرق في أول الليل ، يوجد في أقصى عمارة المغرب في أول النهار فثبت أنها كرة في الطول ، فأما عرض الأرض فإما أن يكون مسطحاً أو مقعراً أو محدباً ، والأول : باطل وإلا لكان السالك من الجنوب على سمت القطب لا يزداد ارتفاع القطب عليه ، ولا يظهر له من الكواكب الأبدية الظهور ما لم يكن كذلك ، لكنا بينا أن أحوالها مختلفة بحسب اختلاف عروضها ، والثاني : أيضاً باطل وإلا لصارت الأبدية الظهور خفية عنه على دوام توغله في ذلك المقعر ، ولا ننقص ارتفاع القطب والتوالي كاذبة على ما قطعنا في بيان المراتب السبعة الحاصلة بحسب اختلاف عروض البلدان وهذه الحجة على حسن تقريرها إقناعية . (2/491)
الحجة الثانية : ظل الأرض مستدير فوجب كون الأرض مستديرة .
بيان الأول : أن انخساف القمر نفس ظل الأرض ، لأنه لا معنى لانخسافه إلا زوال النور عن جوهره عند توسط الأرض بينه وبين الشمس ثم نقول : وانخساف القمر مستدير لأنا نحس بالمقدار المنخسف منه مستديراً ، وإذا ثبت ذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة لأن امتداد الظل يكون على شكل الفصل المشترك بين القطعة المستضيئة بإشراق الشمس عليها ، وبين القطعة المظلمة منها فإذا كان الظل مستديراً وجب أن يكون ذلك الفصل المشترك الذي شكل كل الظل مثل شكله مستديراً فثبت أن الأرض مستديرة ثم إن هذا الكلام غير مختص بجانب واحد من جوانب الأرض لأن المناظر الموجبة للكسوف تتفق في جميع أجزاء فلك البروج مع أن شكل الخسوف أبداً على الاستدارة فإذن الأرض مستديرة الشكل من كل الجوانب .
الحجة الثالثة : أن الأرض طالبة للبعد من الفلك ومتى كان حال جميع أجزائها كذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة ، لأن امتداد الظل كرة ، واحتج من قدح في كرية الأرض بأمرين ، أحدهما : أن الأرض لو كانت كرة لكان مركزها متطبقاً على مركز العالم ، ولو كان كذلك لكان الماء محيطاً بها من كل الجوانب ، لأن طبيعة الماء تقتضي طلب المركز فيلزم كون الماء محيطاً بكل الأرض . الثاني : ما نشاهد في الأرض من التلال والجبال العظيمة والأغوار المقعرة جداً . (2/492)
أجابوا عن الأول بأن العناية الإلهية اقتضت إخراج جانب من الأرض عن الماء بمنزلة جزيرة في البحر لتكون مستقراً للحيوانات ، وأيضاً لا يبعد سيلان الماء من بعض جوانب الأرض إلى المواضع الغائرة منها وحينئذ يخرج بعض جوانب الأرض من الماء .
وعن الثاني أن هذه التضاريس لا تخرج الأرض عن كونها كرة ، قالوا : لو اتخذنا كرة من خشب قطرها ذراع مثلاً ، ثم أثبتنا فيها أشياء بمنزلة جاروسات أو شعيرات ، وقورنا فيها كأمثالها فإنها لا تخرجها عن الكرية ونسبة الجبال والغيران إلى الأرض دون نسبة تلك الثابتات إلى الكرة الصغيرة .
الفصل الثاني
في بيان الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع
اعلم أن الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع أسهل من الاستدلال بأحوال السموات على ذلك وذلك لأن الخصم يدعى أن اتصاف السموات بمقاديرها وأحيازها وأوضاعها أمر واجب لذاته ، ممتنع التغير فيستغني عن المؤثر ، فيحتاج في إبطال ذلك إلى إقامة الدلالة على تماثل الأجسام الأرضية فإنا نشاهد تغيرها في جميع صفاتها أعني حصولها في أحيازها وألوانها وطعومها وطباعها ونشاهد أن كل واحد من أجزاء الجبال والصخور الصم يمكن كسرها وإزالتها عن مواضعها وجعل العالي سافلاً والسافل عالياً وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن اختصاص كل واحد من أجزاء الأرض بما هو عليه من المكان والحيز والمماسة والقرب من بعض الأجسام والبعد من بعضها ممكن التغير والتبدل وإذا ثبت أن اتصاف تلك الأجرام بصفاتها أمر جائز وجب افتقارها في ذلك الاختصاص إلى مدبر قديم عليم سبحانه وتعالى عن قول الظالمين ، وإذا عرفت مأخذ الكلام سهل عليك التفريع .
النوع الثالث : من الدلائل اختلاف الليل والنهار وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا للاختلاف تفسيرين . أحدها : أنه افتعال من قولهم : خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني ، فاختلاف الليل والنهار تعاقبهما في الذهاب والمجيء ، ومنه يقال : فلان يختلف إلى فلان إذا كان يذهب إليه ويجيء من عنده فذهابه يخلف مجيئه ومجيئه يخلف ذهابه وكل شيء يجيء بعد شيء آخر فهو خلفه ، وبهذا فسر قوله تعالى : { وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } [ الفرقان : 62 ] . والثاني : أراد اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان قال الكسائي : يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان .
وعندي فيه وجه ثالث ، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في الأزمنة ، فهما يختلفان بالأمكنة ، فإن عند من يقول : الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح ، وفي موضع آخر ظهر ، وفي موضع ثالث عصر ، وفي رابع مغرب ، وفي خامس عشاء وهلم جرا هذا إذا اعتبرنا البلاد المخالفة في الأطوال ، أما البلاد المختلفة بالعرض ، فكل بلد تكون عرضه الشمالي أكثر كانت أيامه الصيفية أطول ولياليه الصيفية أقصر وأيامه الشتوية بالضد من ذلك فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلدان وعرضها أمر مختلف عجيب ، ولقد ذكر الله تعالى أمر الليل والنهار في كتابه في عدة مواضع فقال في بيان كونه مالك الملك : { يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل } [ الحديد : 6 ] وقال في القصص : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غير الله يَأتِيكُم بِضِياءٍ أفلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفلا تبصرون * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ القصص : 71 73 ] وفي الروم : { وَمِنْ ءاياته مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغاؤكم مّن فَضْلِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } [ الروم : 23 ] وفي لقمان : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى إلى أَجَلٍ } [ لقمان : 29 ] وفي الملائكة : { يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } [ فاطر : 13 ] وفي يس : { وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } [ ياس : 37 ] وفي الزمر : { يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى } [ غافر : 5 ] وفي حم غافر : { الله الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً } [ غافر : 61 ] وفي عم : { وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } [ النبأ : 10 11 ] والآيات من هذا الجنس كثيرة وتحقيق الكلام أن يقال : إن اختلاف أحوال الليل والنهار يدل على الصانع من وجوه . الأول : أن اختلاف أحوال الليل والنهار مرتبط بحركات الشمس ، وهي من الأيات العظام . الثاني : ما يحصل بسبب طول الأيام تارة ، وطول الليالي أخرى من اختلاف الفصول ، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء ، وهو من الآيات العظام . الثالث : أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة في الأيام وطلب النوم والراحة في الليالي من الآيات العظام . الرابع : أن كون الليل والنهار متعاونين على تحصيل مصالح الخلق مع ما بينهما من التضاد والتنافي من الآيات العظام ، فإن مقتضى التضاد بين الشيئين أن يتفاسدا لا أن يتعاونا على تحصيل المصالح . الخامس : أن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولاً عند النفخة الأولى في الصور ويقظتهم عند طلوع الشمس شبيهة بعود الحياة إليهم عند النفخة الثانية ، وهذا أيضاً من الآيات العظام المنبهة على الآيات العظام . (2/493)
السادس : أن انشقاق ظلمة الليل بظهور الصبح المستطيل فيه من الآيات العظام كأنه جدول ماء صاف يسيل في بحر كدر بحيث لا يتكدر الصافي بالكدر ولا الكدر بالصافي ، وهو المراد بقوله تعالى : { فَالِقُ الإصباح وَجَاعِلُ الليل سكنا } [ الأنعام : 96 ] . السابع : أن تقدير الليل والنهار بالمقدار المعتدل الموافق للمصالح من الآيات العظام كما بينا أن في الموضع الذي يكون القطب على سمت الرأس تكون السنة ستة أشهر فيها نهاراً وستة أشهر ليلاً وهناك لا يتم النضج ولايصلح المسكن لحيوان ولا يتهيأ فيه شيء من أسباب المعيشة . الثامن : أن ظهور الضوء في الهواء لو قلنا إنه حصل بقدرة الله تعالى ابتداء عند طلوع الشمس ، من حيث إنه تعالى أجرى عادته بخلق ضوء في الهواء عند طلوع الشمس فلا كلام وإن قلنا الشمس توجب حصول الضوء في الجرم المقابل له كان اختصاص الشمس بهذه الخاصية دون سائر الأجسام مع كون الأجسام بأسرها متماثلة ، يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى . (2/494)
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المحرك لأجرام السموات ملك عظيم الجثة والقوة ، وحينئذ لا يكون اختلاف الليل والنهار دليلاً على أنه الصانع قلنا : أما على قولنا فلما دل الدليل على أن قدرة العبد غير صالحة للإيجاد ، فقد زال السؤال ، وأما على قول المعتزلة فقد نفى أبو هاشم هذا الاحتمال بالسمع .
النوع الرابع من الدلائل : قوله تعالى : { والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنفَعُ الناس } [ البقرة : 164 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي : الفلك أصله من الدوران وكل مستدير فلك ، وفلك السماء اسم لا طواق سبعة تجري فيها النجوم ، وفلكت الجارية إذا استدار ثديها وفلكة المغزل من هذا والسفينة سميت فلكاً لأنها تدور بالماء أسهل دوران قال : والفلك واحد وجمع فإذا أراد بها الواحد ذكر ، وإذا أريد به الجمع أنث ومثاله قولهم : ناقة هجان ونوق هجان ودرع دلاص ودروع دلاص قال سيبويه : الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة باء برد وخاء خرج ، وإذا أريد به الجمع فضمة الفاء فيه بمنزلة الحاء من حمر والصاد من صفر فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فهما مختلفتان في المعنى .
المسألة الثانية : قال الليث سمي البحر بحراً لاستبحاره ، وهو سعته وانبساطه ويقال استبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه والراعي وتبحر فلان في المال وقال غيره سمي البحر بحراً لأنه شق في الأرض والبحر الشق ومنه البحيرة .
المسألة الثالثة : ذكر الجبائي وغيره من العلماء بمواضع البحور أن البحور المعروفة خمسة أحدها : بحر الهند ، وهو الذي يقال له أيضاً بحر الصين . والثاني : بحر المغرب . والثالث : بحر الشام والروم ومصر . والرابع : بحر نيطش . والخامس : بحر جرجان .
فأما بحر الهند فإنه يمتد طوله من المغرب إلى المشرق ، من أقصى أرض الحبشة إلى أقصى أرض الهند والصين ، يكون مقدار ذلك ثمانمائة ألف ميل ، وعرضه ألفي وسبعمائة ميل ويجاوز خط الإستواء ألفاً وسبعمائة ميل ، وخلجان هذا البحر . الأول؛ خليج عند أرض الحبشة ، ويمتد إلى ناحية البربر ، ويسمى الخليج البربري ، طول مقدار خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل . والثاني : خليج بحر أيلة وهو بحر القلزم ، طوله ألف وأربعمائة ميل ، وعرضه سبعمائة ميل ، ومنتهاه إلى البحر الذي يسمى البحر الأخضر ، وعلى طرفه القلزم ، فلذلك سمي به ، وعلى شرقيه أرض اليمن وعدن ، وعلى غربيه أرض الحبشة . الثالث : خليج بحر أرض فارس ، ويسمى : الخليج الفارسي ، وهو بحر البصرة وفارس ، الذي على شرقيه تيز ومكران ، وعلى غربيه عمان طوله ألف وأربعمائة ميل ، وعرضه خمسماية ميل ، وبين هذين الخليجين أعني خليج أيلة وخليج فارس أرض الحجاز واليمن وسائر بلاد العرب ، فيما بين مسافة ألف وخمسائة ميل . الرابع : يخرج منه خليج آخر إلى أقصى بلاد الهند ويسمى الخليج الأخضر طوله ألف وخمسمائة ميل قالوا : وفي جزيرة بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة : ألف وثلثمائة وسبعون جزيرة منها جزيرة ضخمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق عند بلاد الصين وهي : سرنديب ، يحيط بها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر ، وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة ، فيها مدائن عامرة وقرى كثيرة ومن جزائر هذا البحر جزيرة كله ، التي يجلب منها الرصاص القلعي ، وجزيرة سريرة التي يجلب منها الكافور . (2/495)
وأما بحر المغرب : فهو الذي يسمى بالمحيط وتسميه اليونانيون : أوقيانوس ، ويتصل به بحر الهند ولا يعرف طرفه إلا في ناحية المغرب والشمال ، عند محاذاة أرض الروس والصقالبة فيأخذ من أقصى المنتهى في الجنوب ، محاذياً لأرض السودان ، ماراً على حدود السوس الأقصى وطنجة ، وتاهرت ، ثم الأندلس ، والجلالقة والصقالبة ثم يمتد من هناك وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي غير المسكونة نحو بحر المشرق وهذا البحر لا تجري فيه السفن وإنما تسلك بالقرب من سواحله وفيه ست جزائر مقابل أرض الحبشة تسمى : جزائر الخالدات ، ويخرج من هذا البحر خليج عظيم في شمال الصقالبة ، ويمتد هذا الخليج إلى أرض بلغار المسلمين ، طوله من المشرق إلى المغرب ثلثمائة ميل وعرضه مائة ميل .
وأما بحر الروم وأفريقية ومصر والشام : فطوله مقدار خمسة آلاف ميل ، وعرضه ستمائة ميل ، ويخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية ، طوله خمسمائة ميل ، وعرضه ستمائة ، ويخرج منه خليج آخر إلى أرض سرين ، طوله مائتا ميل ، وفي هذا البحر مائة واثنتان وستون جزيرة عامرة ، منها خمسون جزيرة عظام .
وأما بحر نيطش فإنه يمتد من اللاذقية إلى خلف قسطنطينية ، في أرض الروس والصقالبة طوله ألف وثلثمائة ميل ، وعرضه ثلثمائة ميل . (2/496)
وأما بحر جرجان فطوله من المغرب إلى المشرق ثلثمائة ميل ، وعرضه ستمائة ميل ، وفيه جزيرتان كانتا عامرتين فيمن مضى من الزمان ويعرف هذا البحر ببحر آبسكون ، لأنها على فرضته ثم يمتد إلى طبرستان ، والديلم ، والنهروان ، وباب الأبواب ، وناحية أران ، وليس يتصل ببحر آخر ، فهذه هي البحور العظام ، وأما غيرها فبحيرات وبطائح ، كبحيرة خوارزم ، وبحيرة طبرية .
وحكي عن أرسطاطاليس : أن بحر أوقيانوس ميحط بالأرض بمنزلة المنطقة لها ، فهذا هو الكلام المختصر في أمر البحور .
المسألة الرابعة : في كيفية الإستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصانع تعالى وتقدس ، وهي من وجوه . أحدها : أن السفن وإن كانت من تركيب الناس إلا أنه تعالى هو الذي خلق الآلات التي بها يمكن تركيب هذه السفن ، فلولا خلقه لها لما أمكن ذلك . وثانيها : لولا الرياح المعينة على تحريكها لما تكامل النفع بها . وثالثها : لولا هذه الرياح وعدم عصفها لما بقيت ولما سلمت . ورابعها : لولا تقوية قلوب من يركب هذه السفن لما تم الغرض فصيرها الله تعالى من هذه الوجوه مصلحة للعباد ، وطريقاً لمنافعهم وتجاراتهم . وخامسها : أنه خص كل طرف من أطراف العالم بشيء معين ، وأحوج الكل إلى الكل فصار ذلك داعياً يدعوهم إلى اقتحامهم هذه الأخطار في هذه الأسفار ولولا أنه تعالى خص كل طرف بشيء وأحوج الكل إليه لما ارتكبوا هذه السفن ، فالحامل ينتفع به لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه . وسادسها : تسخير الله البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان البحر إذا هاج ، وعظم الهول فيه إذا أرسل الله الرياح فاضطربت أمواجه وتقلبت مياهه . وسابعها : أن الأودية العظام ، مثل : جيحون ، وسيحون ، تنصب أبداً إلى بحيرة خوارزم على صغرها ، ثم إن بحيرة خوارزم لا تزداد ألبتة ولا تمتد ، فالحق سبحانه وتعالى هو العالم بكيفية حال هذه المياه العظيمة التي تنصب فيها . وثامنها : ما في البحار من الحيوانات العظيمة ثم إن الله تعالى يخلص السفن عنها ، ويوصلها إلى سواحل السلامة . وتاسعها : ما في البحار من هذا الأمر العجيب ، وهو قوله تعالى : { مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ } [ الرحمن : 19 20 ] وقال : { هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } [ فاطر : 12 ] ثم إنه تعالى بقدرته يحفظ البعض عن الإختلاط بالبعض ، وكل ذلك مما يرشد العقول والألباب إلى افتقارها إلى مدبر يدبرها ومقدر يحفظها .
المسألة الخامسة : دل قوله على صفة الفلك : { بِمَا يَنفَعُ الناس } على إباحة ركوبها ، وعلى إباحة الاكتساب والتجارة وعلى الانتفاع باللذات .
النوع الخامس : قوله تعالى : { وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا }
[ البقرة : 164 ] . (2/497)
واعلم أن دلالته على الصانع من وجوه . أحدها : أن تلك الأجسام ، وما قام بها من صفات الرقة ، والرطوبة ، والعذوبة ، ولا يقدر أحد على خلقها إلا الله تعالى ، قال سبحانه : { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ } [ الملك : 30 ] . وثانيها : أنه تعالى جعله سبباً لحياة الإنسان ، ولأكثر منافعه قال تعالى : { أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ * أأنتم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون } [ الواقعة : 68 ، 69 ] وقال : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنبياء : 30 ] . وثالثها : أنه تعالى كما جعله سبباً لحياة الإنسان ، جعله سبباً لرزقه قال تعالى : { وَفِى السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات : 22 ] . ورابعها : أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة ، التي تسيل منها الأودية العظام تبقى معلقة في جو السماء وذلك من الآيات العظام . وخامسها : أن نزولها عند التضرع واحتياج الخلق إليه مقدراً بمقدار النفع من الآيات العظام ، قال تعالى حكاية عن نوح : { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } [ نوح : 10 ، 11 ] . وسادسها : ما قال : { فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ } [ فاطر : 9 ] وقال : { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [ الحج : 5 ] فإن قيل : أفتقولون : إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الأرض فيخرج منها أبخرة متصاعدة فإذا وصلت إلى الجو البارد بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فاتصلت فتولدت من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر .
قلنا : بل نقول إنه ينزل من السماء كما ذكره الله تعالى وهو الصادق في خبره ، وإذا كان قادراً على إمساك الماء في السحاب ، فأي بعد في أن يمسكه في السماء ، فأما قول من يقول : إنه من بحار الأرض فهذا ممكن في نفسه ، لكن القطع به لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار ، وقدم العالم ، وذلك كفر ، لأنا متى جوزنا الفاعل المختار القادر على خلق الجسم ، فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه .
أما قوله : { فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } [ الجاثية : 5 ] فاعلم أن هذه الحياة من جهات . أحدها : ظهور النبات الذي هو الكلأ والعشب وما شاكلهما ، مما لولاه لما عاشت دواب الأرض . وثانيها : أنه لولاه لما حصلت الأقوات للعباد . وثالثها : أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة ، لأنه تعالى ضمن أرزاق الحيوانات ، بقوله : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } [ هود : 6 ] . ورابعها : أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح للملابس ، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله . وخامسها : يحصل للأرض بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة .
واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز ، لأن الحياة لا تصح إلى على من يدرك ويصح أن يعلم ، وكذلك الموت ، إلا أن الجسم إذا صار حياً حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء ، والنشور والنماء ، فأطلق لفظ الحياة على حصول هذه الأشياء ، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع المعاني الكثيرة .
واعلم أن إحياء الأرض بعد موتها يدل على الصانع من وجوه . أحدها : نفس الزرع ، لأن ذلك ليس في مقدور أحد على الحد الذي يخرج عليه . وثانيها : اختلاف ألوانها على وجه لا يكاد يحد ويحصى . وثالثها : اختلاف طعوم ما يظهر على الزرع والشجر . ورابعها : استمرار العادات بظهور ذلك في أوقاتها المخصوصة . (2/498)
النوع السادس من الآيات : قوله تعالى : { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } [ البقرة : 164 ] ونظيره جميع الآيات الدالة على خلقة الإنسان ، وسائر الحيوانات ، كقوله : { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءَ } [ النساء : 1 ] .
واعلم أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد ، وقد يكون بالتوالد ، وعلى التقديرين فلا بد فيهما من الصانع الحكيم فلنبين ذلك في الناس ثم في سائر الحيوانات .
أما الإنسان فالذي يدل على افتقاره في حدوثه إلى الصانع وجوه . أحدها : يروى أن واحداً قال عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أتعجب من أمر الشطرنج ، فإن رقعته ذراع في ذراع ، ولو لعب الإنسان ألف ألف مرة ، فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد فقال عمر بن الخطاب ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر ، ثم إن موضع الأعضاء التي فيها كالحاجبين والعينين والأنف والفم ، لا يتغير ألبتة ثم إنك لا ترى شخصين في الشرق والغرب يشتبهان ، فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها . وثانيها : أن الإنسان متولد من النطفة ، فالمؤثر في تصوير النطفة وتشكيلها قوة موجودة في النطفة أو غير موجودة فيها فإن كانت القوة المصورة فيها ، فتلك القوة إما أن يكون لها شعور وإدراك وعلم وحكمة حتى تمكنت من هذا التصوير العجيب ، وأما أن لا تكون تلك القوة كذلك ، بل يكون تأثيرها بمجرد الطبع والعلية ، والأول ظاهر الفساد لأن الإنسان حال استكماله أكثر علماً وقدرة ، ثم إنه حال كماله لو أراد أن يغير شعرة عن كيفيتها لا يقدر على ذلك ، فحال ما كان في نهاية الضعف كيف يقدر على ذلك ، وأما إن كانت تلك القوة مؤثرة بالطبع ، فهذا المعنى إما أن يكون جسماً متشابه الأجزاء في نفسه ، أو يكون مختلف الأجزاء ، فإن كان متشابه الأجزاء فالقوة الطبيعية إذا عملت في المادة البسيطة ، لا بد وأن يصدر منه فعل متشابه ، وهذا هو الكرة فكان ينبغي أن يكون الإنسان على صورة كرة ، وتكون جميع الأجزاء المفترضة في تلك الكرة متشابهة في الطبع ، وهذا هو الذي يستدلون به على أن البسائط لا بد وأن تكون كرات ، فثبت أنه لا بد للنطفة في انقلابها لحماً ودماً وإنساناً من مدبر ومقدر لأعضائها وقواها وتراكيبها ، وما ذاك إلا الصانع سبحانه وتعالى . وثالثها : الإستدلال بأحوال تشريح أبدان الحيوانات والعجائب الواقعة في تركيبها وتأليفها ، وإيراد ذلك في هذا الموضع كالمتعذر لكثرتها ، واستقصاء الناس في شرحها في الكتب المعمولة في هذا الفن . ورابعها : ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم ، ومن عجائب الأمر في هذا التركيب أن أهل الطبائع قالوا : أعلى العناصر يجب أن يكون هو النار ، لأنها حارة يابسة ، وأدون منها في اللطافة الهواء ، ثم الماء والأرض لا بد وأن تكون تحت الكل لثقلها وكثافتها ويبسها ، ثم إنهم قلبوا هذه القضية في تركيب بدن الإنسان ، لأن أعلى الأعضاء منه عظم القحف والعظم بارد يابس على طبيعة الأرض ، وتحته الدماغ وهو بارد رطب على طبع الماء ، وتحته النفس وهو حار رطب على طبع الهواء ، وتحت الكل : القلب ، وهو حار يابس على طبع النار ، فسبحان من بيده قلب الطبائع يرتبها كيف يشاء ، ويركبها كيف أراد .
ومما ذكرنا في هذا الباب أن كل صانع يأتي بنقش لطيف فإنه يصونه عن التراب كي لا يكدره وعن الماء كي لا يمحوه ، وعن الهواء كي لا يزيل طرواته ولطافته ، وعن النار كيلا تحرقه ، ثم إنه سبحانه وتعالى وضع نقش خلقته على هذه الأشياء ، فقال : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } [ آل عمران : 59 ] وقال : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْءٍ حَىّ } [ الأنبياء : 30 ] وقال في الهواء : { فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [ التحريم : 12 ] وقال أيضاً : { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا } [ المائدة : 110 ] وقال : { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } [ الحجر : 29 ] وقال في النار : { وَخَلَقَ الجان مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ } [ الرحمن : 15 ] وهذا يدل على أن صنعه بخلاف صنع كل أحد . وخامسها : انظر إلى الطفل بعد انفصاله من الأم ، فإنك لو وضعت على فمه وأنفه ثوباً يقطع نفسه لمات في الحال ، ثم إنه بقي في الرحم الضيق مدة مديدة ، مع تعذر النفس هناك ولم يمت ، ثم إنه بعد الإنفصال يكون من أضعف الأشياء وأبعدها عن الفهم ، بحيث لا يميز بين الماء والنار ، وبين المؤذي والملذ ، وبين الأم وبين غيرها ، ثم إن الإنسان وإن كان في أول أمره من أبعد الأشياء عن الفهم ، فإنه بعد استكماله أكمل الحيوانات في الفهم والعقل والإدراك ، ليعلم أن ذلك من عطية القادر الحكيم ، فإنه لو كان الأمر بالطبع لكان كل من كان أذكى في أول الخلقة ، كان أكثر فهماً وقت الإستكمال ، فلما لم يكن الأمر كذلك ، بل كان على الضد منه ، علمنا أن كل ذلك من عطية الله الخالق الحكيم . وسادسها : اختلاف الألسنة واختلاف طبائعهم ، واختلاف أمزجتهم من أقوى الدلائل ونرى الحيوانات البرية والجبلية ، شديدة المشابهة بعضها بالبعض ، ونرى الناس مختلفين جداً في الصورة ، ولولا ذلك لاختلت المعيشة ، ولاشتبه كل أحد بأحد ، فما كان يتميز البعض عن البعض ، وفيه فساد المعيشة ، واستقصاء الكلام في هذا النوع لا مطمع فيه لأنه بحر لا ساحل له . (2/499)
النوع السابع من الدلائل : تصريف الرياح ، وفيه مسائل : (2/500)
المسألة الأولى : وجه الإستدلال بها أنها مخلوقة على وجه يقبل التصريف ، وهو الرقة واللطافة ، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجه يقع به النفع العظيم في الإنسان والحيوان والنبات ، وذلك من وجوه . أحدها : أنها مادة النفس الذي لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات ، وقيل فيه إن كل ما كانت الحاجة إليه أشد ، كان وجدانه أسهل ، ولما كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء ، وبعد الهواء الماء فإن الحاجة إلى الماء أيضاً شديدة دون الحاجة إلى الهواء فلا جرم سهل أيضاً وجدان الماء ولكن وجدان الهواء أسهل . لأن الماء لا بد فيه من تكلف الاغتراف بخلاف الهواء ، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبداً ، ثم بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة ولكن دون الحاجة إلى الماء ، فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء ، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين ، والأدوية النادرة قليلة ، فلا جرم عزت هذه الأشياء ، وبعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جداً ، فلا جرم كانت في نهاية العزة ، فثبت أن كل ما كان الاحتياج إليه أشد ، كان وجدانه أسهل وكل ما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب وما ذاك إلا رحمة منه على العباد ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أعظم الحاجات فنرجوا أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شيء وعبر الشاعر عن هذا المعنى فقال :
سبحان من خص القليل بعزه ... والناس مستغنون عن أجناسه
وأذل أنفاس الهواء وكل ذي ... نفس لمحتاج إلى أنفاسه
وثانيها : لولا تحرك الرياح لما جرت الفلك وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله فلو أراد كل من في العالم بقلب الريح من الشمال إلى الجنوب ، أو إذا كان الهواء ساكناً أن يحركه لتعذر .
المسألة الثانية؛ قال الواحدي : { وتصريف الرياح } أراد وتصريفه الرياح فأضاف المصدر إلى المفعول وهو كثير .
المسألة الثالثة : الرياح جمع الريح قال أبو علي الريح اسم على فعل والعين منه واو انقلبت في الواحد للكسرة ياء فإنه في الجمع القليل أرواح وذلك لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب الاعلال ، كالواو في قوم وقول ، وفي الجمع الكثير رياح انقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها نحو ديمة وديم وحيلة وحيل قال ابن الأنباري : إنما سميت الريح ريحاً لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم فهي مأخوذة من الروح والدليل على أن أصلها الواو قولهم في الجمع أرواح .
المسألة الرابعة : قالوا : الرياح أربع ، الشمال والجنوب والصبا والدبور ، فالشمال من نقطة الشمال ، والجنوب من نقطة الجنوب ، والصبا مشرقية ، والدبور مغربية وتسمى الصبا قبولاً لأنها استقبلت الدبور وما بين كل واحد من هذه المهاب فهي نكباء . (3/1)
المسألة الخامسة؛ اختلف القراء في الرياح فقرأ أبو عمرو ، وعاصم وابن عامر { الرياح } على الجمع في عشرة مواضع البقرة ، والأعراف ، والحجر ، والكهف ، والفرقان والنمل والروم في موضعين ، والجاثية وفاطر ، وقرأ نافع في اثني عشر موضعاً هذه العشرة وفي إبراهيم : { كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الرياح } [ ابراهيم : 18 ] وفي حم عسق : { إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرياح } [ الشورى : 33 ] وقرأ ابن كثير : { الرياح } في خمسة مواضع البقرة والحجر والكهف والروم في موضعين وقرأ الكسائي في ثلاثة مواضع : في الحجر والفرقان والروم الأول منها .
واعلم أن كل واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية ، وأما من وحد فإنه يريد به الجنس ، كقولهم : أهلك الناس الدينار والدرهم ، وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحد كقراءة من جمع ، فأما ما روي في الحديث من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا هبت الريح قال : « اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » فإنه يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى ، قال تعالى : { وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح مبشرات } [ الروم : 46 ] وإنما يبشر بالرحمة ، وقال في موضع الإفراد : { فِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } [ الذاريات : 41 ] وقد يختص اللفظ في القرآن بشيء فيكون أمارة له ، فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله تعالى : { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى : 17 ] وما كان من لفظ أدراك فإنه مفسر لمبهم غير معين كقوله : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة * وَمَا أَدْرَاكَ ماهية } [ القارعة : 3 ، 10 ] .
النوع الثامن من الدلائل : قوله تعالى : { الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السماء والأرض } [ البقرة : 164 ] سمي السحاب سحاباً لانسحابه في الهواء ، ومعنى التسخير التذليل ، وإنما سماه مسخراً لوجوه . أحدها : أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع ، فلا بد من قاسر قاهر يقهره على ذلك فلذلك سماه بالمسخر . الثاني : أن هذا السحاب لو دام لعظم ضرره من حيث أنه يستر ضوء الشمس ، ويكثر الأمطار والابتلال ، ولو انقطع لعظم ضرره لأنه يقتضي القحط وعدم العشب والزراعة ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم هو المصلحة فهو كالمسخر لله سبحانه يأتي به في وقت الحاجة ويرده عند زوال الحاجة . الثالث : أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء فذلك هو التسخير فهذا هو الإشارة إلى وجوه الاستدلال بهذه الدلائل .
وأما قوله تعالى : { لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [ الروم : 24 ] ففيه مسائل : (3/2)
المسألة الأولى : قوله : { لاَيَاتٍ } لفظ جمع فيحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى الكل ، أي مجموع هذه الأشياء آيات ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد مما تقدم ذكره ، فكأنه تعالى بين أن في كل واحد مما ذكرنا آيات وأدلة وتقرير ذلك من وجوه . أحدها : أنا بينا أن كل واحد من هذه الأمور الثمانية يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة . وثانيها : أن كل واحد من هذه الآيات يدل على مدلولات كثيرة فهي من حيث إنها لم تكن موجودة ثم وجدت دلت على وجود المؤثر وعلى كونه قادراً ، لأنه لو كان المؤثر موجباً لدام الأثر بدوامه ، فما كان يحصل التغير ومن حيث أنها وقعت على وجه الإحكام والاتقان دلت على علم الصانع ، ومن حيث أن حدوثها اختص بوقت دون وقت دلت على إرادة الصانع ، ومن حيث أنها وقعت على وجه الأتساق والانتظام من غير ظهور الفساد فيها دلت على وحدانية الصانع ، على ما قال تعالى { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] . وثالثها : أنها كما تدل على وجود الصانع وصفاته فكذلك تدل على وجوب طاعته وشكره علينا عند من يقول بوجوب شكر المنعم عقلاً لأن كثرة النعم توجب الخلوص في الشكر . ورابعها : أن كل واحد من هذه الدلائل الثمانية أجسام عظيمة فهي مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ فذلك الجزء الذي يتقاصر الحس والوهم والخيال عن إدراكه قد حصل فيه جميع هذه الدلائل ، فإن ذلك الجزء من حيث إنه حادث ، فكان حدوثه لا محالة مختصاً بوقت معين ولا بد وأن يكون مختصاً بصفة معينة مع أنه يجوز في العقل وقوعه على خلاف هذه الأمور ، وذلك يدل على الافتقار إلى الصانع الموصوف بالصفات المذكورة ، وإذا كان كل واحد من أجزاء هذه الأجسام ومن صفاتها شاهداً على وجود الصانع ، لا جرم قال : إنها آيات وحاصل القول أن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم فهو الله سبحانه وتعالى ، وأما المحدث فكل ما عداه ، وإذا كان في كل محدث دلالة على وجود الصانع كان كل ما عداه شاهداً على وجوده مقراً بوحدانيته معترفاً بلسان الحال بإلهيته ، وهذا هو المراد من قوله : { وَإِن مّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] .
أما قوله تعالى : { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه ، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله وحكمه ليقوموا بشكره ، وما يلزم عبادته وطاعته .
واعلم أن النعم على قسمين نعم دنيوية ونعم دينية ، وهذه الأمور الثمانية التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل بها على معرفة الصانع صارت نعماً دينية لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال : { لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } قال القاضي عبد الجبار : الآية تدل على أمور . أحدها : أنه لو كان الحق يدرك بالتقليد واتباع الآباء والجري على الألف والعادة لما صح ذلك . وثانيها : لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته إلى الآيات . وثالثها : أن سائر الأجسام والأعراض وإن كانت تدل على الصانع فهو تعالى خص هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها نعماً على المكلفين على أوفر حظ ونصيب ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثير في الخواطر .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ولذلك قال الشاعر : وبضدها تتبين الأشياء ، وقالوا أيضاً النعمة مجهولة ، فإذا فقدت عرفت ، والناس لا يعرفون قدر الصحة ، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها ، وكذا القول في جميع النعم ، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية ، وهنا مسائل : (3/3)
المسألة الأولى : أما الند فهو المثل المنازع ، وقد بينا تحقيقه في قوله تعالى في أول هذه السورة : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 22 ] واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال . أحدها : أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى ، ورجوا من عندها النفع والضر ، وقصدوها بالمسائل ، ونذروا لها النذور ، وقربوا لها القرابين ، وهو قول أكثر المفسرين ، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض ، أي أمثال ليس إنها أنداداً لله ، أو المعنى : إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة . وثانيها : إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، عن السدي ، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه . الأول : أن قوله : { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله } الهاء والميم فيه ضمير العقلاء . الثاني : أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع . الثالث : أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية : { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } [ البقرة : 166 ] وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالاً لله تعالى ، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله تعالى .
القول الثالث : في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين ، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى ، فقد جعلته في قلبك نداً لله تعالى وهو المراد من قوله : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الفرقان : 43 ] .
أما قوله تعالى : { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله } فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم فلا بد من محذوف ، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم ، أو جميع ذلك ، وقوله : { كَحُبّ الله } فيه ثلاثة أقوال : قيل فيه كحبهم لله ، وقيل فيه : كالحب اللازم عليهم لله ، وقيل فيه : كحب المؤمنين لله ، وإنما اختلفوا هذا الإختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم لا؟ فمن قال : كانوا يعرفون مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم لله ومن قال إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله والقول الأول أقرب لأن قوله : { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ الله } راجع إلى الناس الذين تقدم ذكرهم ، وظاهر قوله : { كَحُبّ الله } يقتضي حباً لله ثابتاً فيهم ، فكأنه تعالى بين في الآية السالفة أن الإله واحد ، ونبه على دلائله ، ثم حكى قول من يشرك معه ، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى .
فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله ، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع ، ولا تضر ، ولا تسمع ، ولا تبصر ولا تعقل ، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعاً مدبراً حكيماً ولهذا قال تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ الزمر : 38 ] ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى ، وأيضاً فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر : 3 ] وإذا كان كذلك ، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى ، فكيف يعقل الإستواء في الحب مع هذا القول ، قلنا قوله : { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله } أي في الطاعة لها ، والتعظيم لها ، فالإستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه . (3/4)
أما قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ أَشَدُّ حُبّا لِلَّهِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى ، اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة ، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى ، والقرآن ناطق به ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة : 54 ] وكذا الأخبار ، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟ فقال : يا ملك الموت الآن فاقبض ، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله متى الساعة؟ فقال ما أعددت لها؟ فقال ما أعددت كثير صلاة ولا صيام ، إلا أني أحب الله ورسوله ، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب " فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك ، وروي أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر ، وقد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى؟ فقالوا : الخوف من النار ، فقال حق على الله أن يؤمن الخائف ، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام؟ قالوا؛ الشوق إلى الجنة ، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولاً وتغيراً ، كأن وجوههم المرايا من النور ، فقال : كيف بلغتم إلى هذه الدرجة ، قالوا : بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام : " أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة " ، وعند السدي قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها ، فيقال : يا أمة موسى ، ويا أمة عيسى ، ويا أمة محمد ، غير المحبين منهم ، فإنهم ينادون : يا أولياء الله ، وفي بعض الكتب : «عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محباً» .
واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة ، لكنهم اختلفوا في معناها ، فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات ، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته ، فإذا قلنا : نحب الله ، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته ، أو نحب ثوابه وإحسانه ، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب الله تعالى لذاته ، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة ، واحتجوا بأن قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها ، والكمال أيضاً محبوب لذاته ، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا : لم تكتسبون؟ قلنا : لنجد المال ، فإن قيل : ولم تطلبون المال؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب ، فإن قالوا : لم تطلبون المأكول والمشروب؟ قلنا : لتحصل اللذة ويندفع الألم ، فإن قيل لنا : ولما تطلبون اللذة وتكرهون الألم؟ قلنا : هذا غير معلل ، فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوباً لأجل شيء آخر ، لزم إما التسلسل ، وإما الدور ، وهما محالان ، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوباً لذاته ، وإذا أثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها ، والألم مطلوب الدفع لذاته ، لا لسبب آخر ، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال ، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم ، واستفنديار ، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم ، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح ، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوباً لذاته ، إذا ثبت هذا فنقول : الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته ، أو على محبة ثوابه ، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها ، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته ، أما العارفون الذين قالوا : إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته ، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته ، وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى ، فإنه لوجوب وجوده : غنى عن كل ما عداه ، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال ، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم ، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم ، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى ، وأنه محبوب في ذاته ولذاته ، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره ، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب ، فنقول : العبد لا سبيل له إلى الإطلاع على الله سبحانه ابتداء ، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام ، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم ، كان علمه بكماله أتم ، فكان له حبه أتم ، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى ، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى ، ثم تحدث هناك حالة أخرى ، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى ، كثر ترقيه في مقام محبة الله ، فإذا كثر ذلك صار ذلك سبباً لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد ، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف القلب بكيفيتها ، واشتد ألفه بها وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الإلتفات إلى ما عداه يشغله عن الإلتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبة الله ، ونفرته عما سواه على القلب ، ويشتد كل واحد منهما بالآخر ، إلى أن يصير القلب نفوراً عما سوى الله تعالى ، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله ، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيراً بأنوار القدس ، مستضيئاً بأضواء عالم العصمة فانياً عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات ، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية . (3/5)
المسألة الثانية : في معنى الشوق إلى الله تعالى ، اعلم أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلاً ، فلا يشتاق إليه ، فإن لم ير شخصاً ولم يسمع وصفه ، لم يتصور أن يشتاق إليه ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه ، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين . أحدهما : أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية . والثاني : أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ، ولا سائر محاسنه ، فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط ، والوجهان جميعاً متصوران في حق الله تعالى ، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين ، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح ، مشوب بشوائب الخيالات ، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتمثيلات ، وهي مدركات للمعارف الروحانية ، ولا يحصل تمام التجلي إلا في الآخرة ، وهذا يقتضي حصول الشوق لا محالة في الدنيا فهذا أحد نوعي الشوق فبما اتضح اتضاحاً . والثاني : أن الأمور الإلهية لا نهاية لها ، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها ، وتبقى أمور لا نهاية لها غامضة ، فإذا علم العارف أن ما غاب عن عقله أكثر مما حضر فإنه لا يزال يكون مشتاقاً إلى معرفتها ، والشوق بالتفسير الأول ينتهي في دار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة ، ولا يتصور أن يكون في الدنيا ، وأما الشوق بالتفسير الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية ، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة جلال الله وصفاته ، وحكمته في أفعاله ، وهي غير متناهية ، والإطلاع على غير المتناهي على سبيل التفصيل محال ، وقد عرفت حقيقة الشوق إلى الله تعالى ، واعلم أن ذلك الشوق لذيذ لأن العبد إذا كان في الترقي حصل بسبب تعاقب الوجدان ، والحرمان ، والوصول ، والصد آلاماً مخلوطة بلذات ، واللذات محفوفة بالحرمان والفقدان ، كانت أقوى ، فيشبه أن يكون هذا النوع من اللذات مما لا يحصل إلا للبشر ، فإن الملائكة كمالاتهم حاضرة بالفعل ، والبهائم لا تستعد لها أما البشر فهم المترددون بين جهتي السفالة والعلو . (3/6)
المسألة الثالثة : في بيان أن الذين آمنوا هم أشد حباً لله ، أما المتكلمون فقالوا : إن حبهم لله يكون من وجهين . أحدهما : أنه ما يصدر منهم من التعظيم ، والمدح ، والثناء والعبادة خالصة عن الشرك وعما لا ينبغي من الاعتقاد ومحبة غيرهم ليست كذلك . والثاني : أن حبهم لله اقترن به الرجاء والثواب والرغبة في عظيم منزلته والخوف من العقاب والأخذ في طريق التخلص منه ، ومن يعبد الله ويعظمه على هذا الحد تكون محبته لله أشد ، وأما العارفون فقالوا : المؤمنون هم الذين عرفوا الله بقدر الطاقة البشرية ، وقد دللنا على أن الحب من لوازم العرفان فكلما كان عرفانهم أتم وجب أن تكون محبتهم أشد ، فإن قيل : كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حباً لله . (3/7)
والجواب من وجوه . أحدها : أن الذين آمنوا لا يتضرعون إلا إلى الله بخلاف المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة ، وعند زوال الحاجة ، يرجعون إلى الأنداد ، قال تعالى : { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ العنكبوت : 6 ] إلى آخره والمؤمن لا يعرض عن الله في الضراء والسراء والشدة والرخاء ، والكافر قد يعرض عن ربه ، فكان حب المؤمن أقوى . وثانيها : أن من أحب غيره رضي بقضائه ، فلا يتصرف في ملكه ، فأولئك الجهال قتلوا أنفسهم بغير إذنه ، أما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم بإذنه ، وذلك في الجهاد . وثالثها : أن الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشديد لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرب ، فالذي فعلوه باطل . ورابعها : قال ابن عباس : إن المشركين كانوا يعبدون صنماً ، فإذا رأوا شيئاً أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا على عبادة الأحسن . وخامسها : أن المؤمنين يوحدون ربهم ، والكفار يعبدون مع الصنم أصناماً فتنقص محبة الواحد ، أما الإله الواحد فتنضم محبة الجميع إليه .
أما قوله تعالى : { وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا } ففيه مسائل : (3/8)
المسألة الأولى : اعلم أن في قراءة هذه الآية أبحاثاً :
البحث الأول : قرأ نافع وابن عمر : ( ولو ترى ) بالتاء المنقوطة من فوق خطاباً للنبي عليه السلام ، كأنه قال : لو ترى يا محمد الذين ظلموا ، والباقون بالياء المنقوطة من تحت على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال : ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد ، ثم قال بعضهم : هذه القراءة أولى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده الكفار ، ويعاينون من العذاب يوم القيامة ، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم يعلموا ذلك ، فوجب إسناد الفعل إليهم .
البحث الثاني : اختلفوا في { يرون } فقرأ ابن عامر : ( يرون ) بضم الياء على التعدية وحجته قوله تعالى : { كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ } والباقون ( يرون ) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم .
البحث الثالث : اختلفوا في { أن } فقرأ بعض القراء ( إن ) بكسر الألف على الاستئناف وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها .
البحث الرابع : لما عرفت أن { يَرَى الذين ظَلَمُواْ } قرىء تارة بالتاء المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت ، وقوله : { أَنَّ القوة } قرىء تارة بفتح الهمزة من ( أن ) وأخرى بكسرها حصل ههنا أربع احتمالات .
الاحتمال الأول : أن يقرأ { وَلَوْ يَرَى } بالياء المنقوطة من تحت مع فتح الهمزة من ( أن ) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير : ولو يرون أن القوة لله : ومعناه ، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما اتخذوا من دونه أنداداً فعلى هذا جواب ( لو ) محذوف وهو كثير في التنزيل كقوله : { وَلَوْ تَرَى إِذَا وُقِفُواْ عَلَى النار } [ الأنعام : 27 ] ، { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون فِى غَمَرَاتِ الموت } [ الأنعام : 93 ] ، { وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال } [ الرعد : 31 ] ويقولون : لو رأيت فلاناً والسياط تأخذ منه ، قالوا : وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد .
الاحتمال الثاني : أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من ( إن ) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا : إن القوة لله .
الاحتمال الثالث : أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع فتح الهمزة من ( أن ) وهي قراءة نافع وابن عامر قال الفراء : الوجه فيه تكرير الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله جميعاً .
الاحتمال الرابع : أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع كسر الهمزة ، وتقديره : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب لقلت أن القوة لله جميعاً ، وهذا أيضاً تأويل ظاهر جيد . (3/9)
المسألة الثانية : إن قيل : كيف جاء قوله : { وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ } وهو مستقبل مع قوله : { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } و ( إذ ) للماضي؟ قلنا : إنما جاء على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب . قال تعالى : { وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [ النحل : 77 ] وقال : { لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى : 17 ] وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا التأويل قال تعالى : { وَنَادَى أصحاب الجنة } [ الأعراف : 44 ] وقول المقيم : قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير في التنزيل من هذا الباب قال تعالى : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ } [ الأنعام : 27 ] ، { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } [ سبأ : 31 ] ، { وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ } [ سبأ : 51 ] ، { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى } [ الأنفال : 50 ] .
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أنداداً بقوله : { وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ العذاب } [ البقرة : 165 ] على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى : { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : { يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } [ العنكبوت : 25 ] وقال أيضاً : { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] وقال : { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [ الأعراف : 38 ] وحكى عن إبليس أنه قال : { إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } [ إبراهيم : 22 ] وههنا مسائل : (3/10)
المسألة الأولى : في قوله : { إِذْ تَبَرَّأَ } قولان ، الأول : أنه بدل من : { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } [ البقرة : 165 ] . الثاني : أن عامل الإعراب في ( إذ ) معنى شديد كأنه قال : هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ .
المسألة الثانية : معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله : { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب } يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سبباً ، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه . أحدها : أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء . وثانيها : أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي . وثالثها : أنهم شياطين الجن والإنس . ورابعها : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضاً حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى : { إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا } [ الأحزاب : 67 ] ، وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الاتباع من الرؤساء .
المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير التبرؤ وجوهاً . أحدها : أن يقع منهم ذلك بالقول . وثانيها : أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا . وثالثها : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ .
أما قوله تعالى : { وَرَأَوُاْ العذاب } الواو للحال ، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال ، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف .
أما قوله تعالى : { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه عطف على { تبرأ } وذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال . الأول : أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها ، عن مجاهد وقتادة والربيع . الثاني : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج . الثالث : الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي . والرابع : العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها ، عن ابن عباس . الخامس : ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم . السادس : المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس . السابع : أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه ، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال : وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد ، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر . (3/11)
المسألة الثانية : الباء في قوله تعالى : { بِهِمُ الأسباب } بمعنى ( عن ) كقوله تعالى : { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } [ الفرقان : 59 ] أي عنه قال علقمة بن عبدة :
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
أي عن النساء .
المسألة الثالثة : أصل السبب في اللغة الحبل قالوا : ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به ، ومنه قوله تعالى : { فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء } [ الحج : 15 ] ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب . يقال : ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة ، وقيل للطريق : سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريدها ، قال تعالى : { فَأَتْبَعَ سَبَباً } [ الكهف : 85 ] أي طريقاً ، وأسباب السموات : أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها ، قال تعالى مخبراً عن فرعون : { لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب * أسباب السموات } [ غافر : 36 ، 37 ] قال زهير :
ومن هاب أسباب المنايا تناله ... ولو رام أسباب السماء بسلم
والمودة بين القوم تسمى سبباً لأنهم بها يتواصلون .
أما قوله تعالى : { وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تبرؤا مِنَّا } فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم يوم القيامة ، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره : فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة .
أما قوله : { كذلك يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { كذلك يُرِيهِمُ } وجهان . الأول : كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد . الثاني : كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات ، لأنهم أيقنوا بالهلاك .
المسألة الثانية : في المراد بالأعمال أقوال . الأول : الطاعات يتحسرون لم ضيعوها عن السدي . الثاني : المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن زيد يتحسرون لم عملوها . الثالث : ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر عن الأصم . الرابع : أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم ، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها السادة ، وهو كفرهم ومعاصيهم ، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم ، وأيقنوا بالجزاء عليها ، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات ، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها ، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به .
المسألة الثالثة : حسرات ثالث مفاعيل : رأى . (3/12)
المسألة الرابعة : قال الزجاج : الحسرة شدة الندامة حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب ، وهو الذي لا منفعة فيه ، يقال : حسر فلان يحسر حسرة وحسراً إذا اشتد ندمه على أمر فاته ، وأصل الحسر الكشف ، يقال : حسر عن ذراعيه أي كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة ، والحسور : الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر ، قال تعالى : { وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } [ الأنبياء : 19 ] والمحسرة المكنسة لأنها تكشف عن الأرض ، والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش .
أما قوله تعالى : { وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار } فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا : إن قوله { وَمَا هُمْ } تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصاً بهم ، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله : { وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين * وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } [ الانفطار : 14 16 ] وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)
اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله ، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أنداداً ، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم ، فقال : { ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض } وفيه مسائل : (3/13)
المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب ، الوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج .
المسأل الثانية : الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه : حل بالمكان إذا نزل به ، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، لأنه حل عقدة الإحرام ، وحلت عليه العقوبة ، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء ، لأنه يحل عن الطي للبس ، ومن هذا تحلة اليمين ، لأنه عقدة اليمين تنحل به ، واعلم أن الحرام قد يكون حراماً لخبثه كالميتة والدم والخمر ، وقد يكون حراماً لا لخبثه ، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين .
المسألة الثالثة : قوله { حلالاً طيبا } إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن شئت نصبته على أنه مفعول .
المسألة الرابعة : الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب ، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى : { قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب } [ المائدة : 100 ] والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه ، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول : أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيباً إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراماً وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني : المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا : لا نسلم فإن قوله : { حلالا } المراد منه ما يكون جنسه حلالاً وقوله { طَيّباً } المراد منه لا يكون متعلقاً به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطاباً ، كما قال تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] .
أما قوله تعالى : { لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر والكسائي ، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير وحفص عن عاصم { خطوات } بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء ، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع ، كما فعل بالإسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات ، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم والصفة ، وذلك أن ما كان اسماً جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات ، وما كان نعتاً جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات ، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين ، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة .
المسألة الثانية : قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد وحكى عن الفراء : خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال : حثوت حثوة ، والحثوة اسم لما تحثيت ، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت ، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى : لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان ، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا : خطوات الشيطان طرفه وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير : لا تأتموا به ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة ، وأما المعنى فليس مراد الله ههنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك ، ثم بين العلة في هذا التحذير ، وهو كونه عدواً مبيناً أي متظاهر بالعداوة ، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى : { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } [ النساء : 119 ] وثلاثة منها في قوله تعالى : { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } [ الأعراف : 16 17 ] فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك . (3/14)
وأما قوله تعالى : { إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فهذا كالتفصيل لجملة عداوته ، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها : السوء ، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب وثانيها : الفحشاء وهي نوع من السوء ، لأنها أقبح أنواعه ، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي وثالثها : { أَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وكأنه أقبح أنواع الفحشاء ، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر ، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى : { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها من أنفسنا ، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه أحدها : اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف وأصوات خفية ، وقال الفلاسفة : إنها تصورات الحروف والأصوات وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا ، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه ، وإن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه . (3/15)
ولقائل أن يقول : صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفاً أولاً تشبهها؟ فإن كان الأول فصور الحروف حروف ، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية ، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفاً ، لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج ، والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية ، وكذا العجمي ، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج ، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية وثانيها : أن فاعل هذه الخواطر من هو؟ أما على أصلنا وهو أن خالف الحوادث بأسرها هو الله تعالى ، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك ، وأيضاً فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى ، وفيها ما يكون كذباً وسخفاً ، لزم كون الله موصوفاً بذلك تعالى الله عنه ، ولا يمكن أن يقال : إن فاعلها هو العبد ، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر ، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع ، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال ، فإذن لا بد ههنا من شيء آخر ، وهو إما الملك وإما الشيطان ، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ ، وفي أقصى القلب ، حتى إن الإنسان وإن كان في غاية الصمم ، فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها ، غير متحيزة ألبتة ، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال ، وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضاً أن يقال : إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر ، ولا بعد أيضاً أن يقال إنها لغاية لطافتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل الكلام إلى أقصى قلبه ودماغه ، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب ، بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالاً لا ينفصل ، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى ، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى :
{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ الذين ءَامَنُواْ } [ الأنفال : 12 ] أي ألهموهم الثبات وشجعوهم على أعدائهم ، ويدل عليه من الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام « إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة » وفي الحديث أيضاً « إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطاناً وقرن الله به ملكاً ، فالشيطان جاثم على أذن قلبه الأيسر ، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه » ومن صوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية ، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية والغضبية . (3/16)
المسألة الثاني : دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره بكلمة { إِنَّمَا } وهي للحصر ، وقال بعض العارفين : إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع : إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر ، وإما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقاً للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية .
المسألة الرابعة : تمسك نفاة القياس بقوله : { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والجواب عنه : أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم لا بما لا يعلم .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)
اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله : { لَهُمْ } على ثلاثة أقوال أحدها : أنه عائد على { مِنْ } في قوله : { مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا } [ البقرة : 165 ] وهم مشركو العرب ، وقد سبق ذكرهم وثانيها : يعود على { الناس } في قوله : { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } [ البقرة : 21 ] فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون وثالثها : قال ابن عباس : نزلت في اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام ، فقالوا : نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا خير منا ، وأعلم منا ، فعلى هذا الآية مستأنفة ، والكناية في { لَهُمْ } تعود إلى غير مذكور ، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم ، كما يعود على المذكور ، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } وفيه مسائل : (3/17)
المسألة الأولى : الكسائي يدغم لام { هَلُ } و { بَلِ } في ثمانية أحرف : التاء كقوله { بَلْ تُؤْثِرُونَ } [ الأعلى : 16 ] والنون { بَلْ نَتَّبِعُ } والثاء { هَلْ ثُوّبَ } [ المطففين : 36 ] والسين { بَلْ سَوَّلَتْ } [ يوسف : 18 ] والزاي { بَلْ زُيّنَ } [ الرعد : 33 ] والضاد { بَلْ ضَلُّواْ } [ الأحقاف : 28 ] والظاء { بَلْ ظَنَنْتُمْ } والطاء { بَلْ طَبَعَ } [ النساء : 155 ] وأكثر القراء على الإظهار ، ومنهم من يوافقه في البعض ، والإظهار هو الأصل .
المسألة الثانية : { أَلْفَيْنَا } بمعنى وجدنا ، بدليل قوله تعالى في آية أخرى { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا } [ لقمان : 21 ] ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب } [ يوسف : 25 ] وقوله : { إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ } [ الصافات : 69 ] .
المسألة الثالثة : معنى الآية : أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك ، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا ، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد ، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله : { أَوْ لَّوْ كَانَ آباؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الواو في { أَوْ لَوْ } واو العطف ، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع ، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة ، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه .
الثانية : تقرير هذا الجواب من وجوه أحدها : أن يقال للمقلد : هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقاً أم لا؟ فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقاً ، فكيف عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف ، فلا حاجة إلى التقليد ، وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم / كونه محقاً ، فاذن قد جوزت تقليده ، وإن كان مبطلاً فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل وثانيها : هب أن ذلك المتقدم كان عالماً بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالماً بذلك الشيء قط وما اختار فيه ألبتة مذهباً ، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا وثالثها : أنك إذا قلدت من قبلك ، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل ، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل ، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد ، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل ، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفاً له ، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلاً .
المسألة الثالثة : إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان ، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان ، وبين متابع التقليد ، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والإستدلال ، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل ، أو على ما يقوله الغير من غير دليل . (3/18)
المسألة الرابعة : قوله : { لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } لفظ عام ، ومعناه الخصوص ، لأنهم كانوا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا ، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به الخاص .
المسألة الخامسة : قوله : { لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا } المراد أنهم لا يعلمون شيئاً من الدين وقوله تعالى : { وَلاَ يَهْتَدُونَ } المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية اكتسابه .
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله تركوا النظر والتدبر ، وأخلدوا إلى التقليد ، وقالو : { بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا } [ البقرة : 170 ] ضرب لهم هذا المثل تنبيهاً للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء ، وقلة الإهتمام بالدين ، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام ، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار ، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسراً لقلبه ، وتضييقاً لصدره ، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد ، وههنا مسائل : (3/19)
المسألة الأولى : نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها وأما نعق الغراب فبالغين المعجمة .
المسألة الثانية : للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما : تصحيح المعنى بالإضمار في الآية والثاني : إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار ، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول : وهو قول الأخفش والزجاج وابن قتيبة ، كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق ، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول وألفاظه ، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه الثاني : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم ، وما يجرى مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم : فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم ، فإذا كان لا شك أن ههنا المحذوف هو المدعو ، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي ، وفيه سؤال ، وهو أن قوله : { إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء } لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً الثالث : قال ابن زيد : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل ، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال : يا زيد يسمع من الصدى : يا زيد . فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعو هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء .
الطريق الثاني : في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه وجهان أحدهما : أن يقول : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل ، فكذا ههنا الثاني : مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائد ، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة .
أما قوله تعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم ، فقال : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها ، قال النحريون { صُمٌّ } أي هم صم وهو رفع على الذم ، أما قوله : { فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلاً لهم قال : العقل عقلان مطبوع ومسموع . (3/20)
ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل : من فقد حساً فقد علماً .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)
اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله : { كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا طَيّباً } [ البقرة : 168 ] ثم نقول : إن الله سبحانه وتعالى تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد على اليهود والنصارى ، ومن هنا شرع في بيان الأحكام ، اعلم أن في الآية مسائل : (3/21)
المسألة الأولى : اعلم أن الأكل قد يكون واجباً ، وذلك عند دفع الضرر عن النفس ، وقد يكون مندوباً ، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد ، فهذا الأكل مندوب ، وقد يكون مباحاً إذا خلا عن هذه العوارض ، والأصل في الشيء أن يكون خالياً عن العوارض ، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحاً وإذا كان الأمر كذلك كان قوله { كُلُواْ } في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة .
المسألة الثانية : احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراماً بقوله تعالى : { مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالاً لكان قوله : { مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } معناه من محللات ما أحللنا لكم ، فيكون تكراراً وهو خلاف الأصل ، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب ، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه . فأباح الله تعالى ذلك بقوله : كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى .
المسألة الثالثة : قوله : { واشكروا للَّهِ } أمر : وليس بإباحة فإن قيل : الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح ، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم ، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح ، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل ، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضرورياً فكيف يمكن إيجابه ، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح ، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى ، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات ، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه ، وذلك أيضاً غير واجب ، وإذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر / قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقاً للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة .
أما قوله تعالى : { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجوها أحدها : { واشكروا للَّهِ } إن كنتم عارفين بالله وبنعمه ، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته ، إطلاقاً لإسم الأثر على المؤثر وثانيها : معناه : إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه ، فإن الشكر رأس العبادات وثالثها : { واشكروا للَّهِ } الذي رزقكم هذه النعم { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :
« يقول الله تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري ، وأزرق ويشكر غيري » (3/22)
المسألة الثانية : احتج من قال : إن المعلق بلفظ : أن ، لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء بهذه الآية ، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة { إن } على فعل العبادة ، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضاً .
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام ، والكلام فيها على نوعين النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني : ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية «فالنوع الأول» فيه مسائل : (3/23)
المسألة الأولى : اعلم أن كلمة { إِنَّمَا } على وجهين أحدهما : أن تكون حرفاً واحداً ، كقولك : إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك الثاني : أن تكون ( ما ) منفصلة من : إن ، وتكون ( ما ) بمعنى الذي ، كقولك : إن ما أخذت مالك ، وإن ما ركبت دابتك ، وجاء في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله : { إِنَّمَا الله إله واحد وَإِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } [ هود : 12 ] وأما على الثاني فقوله : { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } [ طه : 69 ] ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل { إِنَّمَا } حرفاً واحداً كان صواباً ، وقوله : { إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } [ العنكبوت : 25 ] تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين ، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول ، فمنهم من قال { إِنَّمَا } تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن والشعر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : { إِنَّمَا الله إله واحد } [ النساء : 171 ] أي ما هو إلا إله واحد ، وقال : { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ والمساكين } [ التوبة : 60 ] أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد : { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [ الكهف : 110 ] أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ } [ الأنعام : 145 ] فصارت الآيتان واحدة فقوله : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ } في هذه الآية مفسر لقوله : { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } إلا كذا في تلك الآية ، وأما الشعر فقوله الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
وقول الفرزق :
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى
وأما القياس ، فهو أن كلمة { إن } للإثبات وكلمة { مَا } للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور ، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق ، أو ثبوت المذكور ، ونفي غير المذكور وهو المطلوب ، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ولقد كان غيره نذيراً ، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر ، ولا ينفي وجود نذير آخر .
المسألة الثانية : قرىء { حَرَّمَ } على البناء للفاعل و { حُرِمَ } للبناء للمفعول و { حَرَّمَ } بوزن كرم .
المسألة الثالثة : قال الواحدي : الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح ، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها ، فحرم الله الدم وقوله : { لَحْمَ الخنزير } أراد الخنزير بجميع أجزائه ، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله : { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } قال الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل ، وقال ابن أحمر :