صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الوجه الرابع : أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فإنهم يحاجونكم بالباطل .
القول الثاني : أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } [ النساء : 157 ] وقال النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضاً قوله تعالى : { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون * إَلاَّ مَن ظَلَمَ } [ النمل : 10 ، 11 ] وقال : { اَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } [ هود : 43 ] وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب .
القول الثالث : زعم أبو عبيدة أن ( إلا ) بمعنى الواو كأنه تعالى قال : لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد :
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
يعني : والفرقدان .
القول الرابع : قال قطرب : موضع { الذين } خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان .
أما قوله تعالى : { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشونى } فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج ، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة ، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم ، ولا ملتفت الخاطر إليهم .
أما قوله تعالى : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه . أحدها : أنه راجع إلى قوله تعالى : { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين . إحداهما : لانقطاع حجتهم عنه . والثانية : لتمام النعمة ، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة . وثانيها : أن متعلق اللام محذوف ، معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك . وثالثها : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(2/436)


{ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى } [ المائدة : 3 ] فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي الحديث : « تمام النعمة دخول الجنة » وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام .
واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس ، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب ، لأن شيئاً من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه ، وإن أراد به إنكاره أصلاً ، فبعيد ، لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر ، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر ، وعند ذلك يقول : لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم .

(2/437)


كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)

اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه ، بعضها إلزامية ، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله ، وهو المراد بقوله : { وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 130 ] وبعضها برهانية وهو قوله : { قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط } [ البقرة : 136 ] ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية شبهتين لهم . إحداهما : قوله : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ } [ البقرة : 135 ] . والثانية : استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة ، وهو قول : { سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا } [ البقرة : 142 ] وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك ، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة ، وختم ذلك الجواب بقوله : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيهاً على عظيم نعم الله تعالى ، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا ، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوباً فيه ، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب .
أما قوله : { كَمَا أَرْسَلْنَا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده ، فإن قلنا : إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه . الأول : أنه راجع إلى قوله : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 150 ] أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف ، وفي الآخرة بالفوز بالثواب ، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول . الثاني : أن إبراهيم عليه السلام قال : { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُزَكّيهِمْ } [ البقرة : 129 ] وقال أيضاً : { وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } [ البقرة : 128 ] فكأنه تعالى قال : ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع ، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم ، كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابة لدعوته عن ابن جرير . الثالث : قول أبي مسلم الأصفهاني ، وهو أن التقدير : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً ، أي كما أرسلنا فيكم رسولاً من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك جعلناكم أمة وسطاً ، وأما إن قلنا : أنّه متعلق بما بعده ، فالتقدير : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتاباً ، ولا تعلمون رسولاً ، ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال : كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلاً ، فاذكروني بالشكر عليها ، أذكركم برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى :

(2/438)


{ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } [ آل عمران : 164 ] فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل : { كما } هل يجوز أن يكون جواباً؟ قلنا : جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين . أحدهما : { كَمَا } . والثاني : { أَذْكُرْكُمْ } ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي : والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى .
المسألة الثانية : في وجه التشبيه قولان : إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى : { اذكروني } دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة .
المسألة الثالثة : { مَا } في قوله : { كَمَا أَرْسَلْنَا } مصدرية كأنه قيل : كإرسالنا فيكم ، ويحتمل أن تكون كافة .
أما قوله تعالى : { فيكُمْ } فالمراد به العرب وكذلك قوله : { مّنكُمْ } وفي إرساله فيهم ومنهم ، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف ، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب .
أما قوله تعالى : { يَتْلُو عَلَيْكُمْ ءاياتنا } فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات ، ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم ، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة ، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة .
أما قوله : { وَيُزَكِيكُمْ } ففيه أقوال . أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن . وثانيها : يزكيهم بالثناء والمدح ، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به ، كما يقال : إن المزكي زكي الشاهد ، أي وصفه بالزكاء . وثالثها : أن التزكية عبارة عن التنمية ، كأنه قال يكثركم ، كما قال : { إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } [ الأعراف : 86 ] وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا ، عن أبي مسلم ، قال القاضي : وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك .
أما قوله تعالى : { وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب } فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم ، وأما { الحكمة } فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها ، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه { الحكمة } هي سنة الرسول عليه السلام .
أما قوله : { وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم ، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمداً بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم .

(2/439)


فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)

اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والشكر ، أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح ، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه ، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع . أحدها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة القادحة في تلك الدلائل . وثانيها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد ، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم . وثالثها : أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له ، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم ، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكراً بقوله : { فاسعوا إلى ذِكْرِ الله } فصار الأمر بقوله : { اذكروني } متضمناً جميع الطاعات ، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه ، أما قوله : { أَذْكُرْكُمْ } فلا بد من حمله على ما يليق بالموضع ، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح ، وإظهار الرضا والإكرام ، وإيجاب المنزلة ، وكل ذلك داخل تحت قوله : { أَذْكُرْكُمْ } ثم للناس في هذه الآية عبارات . الأولى : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي . الثانية : اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله : { ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] وهو قول أبي مسلم قال : أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين ، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء ، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة . الثالثة : اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة . الرابعة : اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة . الخامسة : اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات . السادسة : اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء . السابعة : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي . الثامنة : اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي . التاسعة : اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص . العاشرة : اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة .

(2/440)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)

اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله : { فاذكرونى } جميع العبادات ، وبقوله : { واشكروا لِي } ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال : { استعينوا بالصبر والصلاة } وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات ، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع ، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات ، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم ، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله } [ البقرة : 154 ] وأيضاً فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال : { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا } [ الأنفال : 45 ] وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال : { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } [ آل عمران : 147 ] . إلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم اللفظ وعدم تقييده ، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له ، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
ثم قال : { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } يعني في النصر لهم كما قال : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السميع العليم } [ البقرة : 137 ] فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقاً وتسديداً وألطافاً كما قال : { وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } [ مريم : 76 ] .

(2/441)


وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)

اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران : { بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران : 169 ] ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل : استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني ، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً ، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، فمن المهاجرين : عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب ، وعمر بن أبي وقاص ، وذو الشمالين ، وعمرو بن نفيلة ، وعامر بن بكر ، ومهجع بن عبد الله . ومن الأنصار : سعيد بن خيثمة ، وقيس بن عبد المنذر ، وزيد بن الحرث ، وتميم بن الهمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن سراقة ، ومعوذ بن عفراء ، وعوف بن عفراء ، وكانوا يقولون : مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا . وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية : { أَمْوَاتٌ } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : لا تقولوا هم أموات .
المسألة الثالثة : في الآية أقوال :
القول الأول : أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور ، فإن قيل : نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور ، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟ قلنا : أما عندنا فالبنية ليست شرطاً في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف ، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف ، ويحتمل أيضاً أن يحييهم إذا لم يشاهدوا .
القول الثاني : قال الأصم : يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا : هم أموات في الدين كما قال الله تعالى : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] فقال : ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون ، ولكن قولوا : هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون ، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين ، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلاً قال لرجل : ما مات رجل خلف مثلك ، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته : موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح .
القول الثالث : أن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء ، وهؤلاء الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال الله تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا ، ولكن اعلموا أنهم أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله : { أَحْيَاء } بأنهم سيحيون غير بعيد ، قال الله تعالى :

(2/442)


{ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } [ الإنفطار : 13 ، 14 ] وقال : { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } [ الكهف : 29 ] وقال : { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء : 145 ] وقال : { فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِى جنات النعيم } [ الحج : 56 ] على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول ، والذي يدل عليه وجوه . أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر ، كقوله تعالى : { قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر : 11 ] والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر ، وقال الله تعالى : { أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } [ نوح : 25 ] والفاء للتعقيب ، وقال : { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب } [ غافر : 46 ] وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى ، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر ، كان ذلك في الثواب أولى . وثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله : { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة ، وأنهم ماتوا على هدى ونور ، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم . وثالثها : أن قوله : { وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } [ آل عمران : 170 ] دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث . ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران » والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر صلاته : « وأعوذ بك من عذاب القبر » وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله : أنهم أحياء أنهم سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة ، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى : { وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [ النساء : 69 ] فأرادهم بالذكر تعظيماً .
واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله تعالى ما خصهم بالذكر . وسادسها : أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه ، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال :

(2/443)


{ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ } [ آل عمران : 169 ] وهذه العندية ليست بالمكان ، بل بالكون في الجنة ، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة . والجواب : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في موضع آخر ، واعلم أن في الآية قولاً آخر وهو : أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب ، وهذا القول بناء على معرفة الروح ، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء فنقول : إنهم قالوا إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس ، أما إنه لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين :
الوجه الأول : أن أجزاء هذا الهيكل أبداً في النمو والذبول والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول عمره ، والباقي غير ما هو غير باق ، والمشار إليه عند كل أحد بقوله : { أَنَاْ } وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل .
الوجه الثاني : أني أكون عالماً بأني أنا حال ما أكون غافلاً عن جميع أجزائي وأبعاضي ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم ، فالذي أشير إليه بقولي ( أنا ) مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض ، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن المحسوس إنما هو السطح واللون ، ولا شك أن الإنسان ليس هو مجرد اللون والسطح ، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله ( أنا ) أي شيء هو؟ والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصاً وتحصيلاً وجهان . أحدهما : أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورود والقائلون بهذا القول فريقان . أحدهما : الذين اعتقدوا تماثل الأجسام فقالوا : إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار سبحانه يبقي بعض الأجزاء من أول العمر إلى آخره فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل أحد بقوله ( أنا ) ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت وهذا قول أكثر المتكلفين . وثانيهما : الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا أن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها هذا الهيكل وتلك الأجسام حية لذاتها مدركة لذاتها ، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية في هذا الهيكل ، سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيراً بنور ذلك الروح / متحركاً بتحركه ، ثم إن هذا الهيكل أبداً في الذوبان والتحلل والتبدل ، إلا أن تلك الأجزاء باقية بحالها ، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية لهذه الأجسام البالية ، فإذا فسد هذا القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهار إن كانت من جملة السعداء ، وإلى الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء .

(2/444)


والقول الثاني : أن الذي يشير إليه كل احد بقوله : ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم من كونه كذلك أن يكون مثل الله تعالى لأن الاشتراك في السلوك لا يقتضي الاشتراك في الماهية ، واحتجوا على ذلك بأن في المعلومات ما هو فرد حقاً فوجب أن يكون العلم به فرداً حقاً ، فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم فرداً حقاً ، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقاً ، فذلك الذي يصدق عليه منا أنه يعلم هذه المفردات ، وجب أن لا يكون جسماً ولا جسمانياً أما أن في المعلومات ما هو فرد حقاً فلأنه لا شك في وجود شيء ، فهذا الموجود إن كان فرداً حقاً فهو المطلوب ، وإن كان مركباً فالمركب مركب على الفرد ، فلا بد من الفرد على كل الأحوال ، وأما أنه إذا كان في المعلومات ما هو فرد كان في المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسماً فكل واحد من أجزائه أو بعض أجزائه إما أن يكون علماً بذلك المعلوم وهو محال ، لأنه يلزم أن يكون الجزء مساوياً للكل وهو محال ، وإما أن لا يكون شيء من أجزائه علماً بذلك المعلوم ، فعند اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو العلم بذلك المعلوم الفرد ، فحينئذ يكون العلم بذلك المعلوم هو هذه الكيفية الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن كانت منقسمة عاد الحديث فيه وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب ، وأما إنه إذا كان في المعلوم علم لا يقبل القسمة كان الموصوف به أيضاً كذلك ، فلأن الموصوف به لو كان قبل القسمة ، لكان كل واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان موصوفاً به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالاً في أشياء كثيرة وهو محال ، أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل ، فيقسم الحال وقد فرضنا أنه غير منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك الحال ، فحينئذ يكون ذلك المحل خالياً عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفاً به هذا خلف ، وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد ، قالوا : فثبت أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ثم نقول : هذا الموجود لا بد أن يكون مدركاً للجزئيات لأنه لا يمكنني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان وليس بفرس ، والحاكم بشيء على شيء لا بد وأن يحضر المقضي عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا الجزئي وللإنسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على هذا الجزئي والمدرك للكليات هو النفس والمدرك للجزئيات أيضاً هو النفس ، فكل من كان مدركاً للجزئيات فإنه لا يمتنع أن يلتذ ويتألم ، قالوا : إذا ثبت هذا فنقول : هذه الأرواح بعد المفارقة تتألم وتلتذ إلى أن يردها الله تعالى إلى الأبدان يوم القيامة ، فهناك يحصل الإلتذاذ والتألم للأبدان ، فهذا قول قال به عالم من الناس قالوا : وهب أنه لم يقم برهان قاهر على القول به ولكن لم يقم دليل على فساده ، فإنه مما يؤيد الشرع وينصر ظاهر القرآن ويزيل الشكوك والشبهات عما ورد في كتاب الله من ثواب القبر وعذابه فوجب المصير إليه فهذا هو الإشارة المختصرة في توجيه هذا القول ، والله هو العالم بحقائق الأمور .

(2/445)


قالوا : ومما يؤكد هذا القول هو أن ثواب القبر وعذابه إما أن يصل إلى هذه البنية أو إلى جزء من أجزائها ، والأول مكابرة لأنا نجد هذه البنية متفرقة متمزقة فكيف يمكن القول بوصول الثواب والعقاب إليها؟ فلم يبق إلا أن يقال : إن الله تعالى يحيي بعض تلك الأجزاء الصغيرة ويوصل الثواب والعقاب إليها ، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال : الإنسان هو الروح فإنه لا يعرض له التفرق والتمزق فلا جرم يصل إليه الألم واللذة ثم إنه سبحانه وتعالى يرد الروح إلى البدن يوم القيامة الكبرى ، حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى الأحوال الروحانية .

(2/446)


وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)

اعلم أن القفال رحمه الله قال : هذا متعلق بقوله : { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ البقرة : 45 ] أي استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف وبكذا وفيه مسائل :
المسألة الأولى : فإن قيل إنه تعالى قال : { واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } [ البقرة : 152 ] والشكر يوجب المزيد على ما قال : { لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ } فكيف أردفه بقوله : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف } . والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة ، فكان ذلك موجباً للشكر ، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن ، فلا جرم أمر فيها بالصبر . الثاني : أنه تعالى أنعم أولاً فأمر بالشكر ، ثم ابتلى وأمر بالصبر ، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معاً ، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام : « الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر »
المسألة الثانية؛ روي عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة .
المسألة الثالثة : أما أن الإبتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد تقدم في تفسير قوله تعالى : { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ } [ البقرة : 124 ] وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الإبتلاء ففيها وجوه . أحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع ، وأسهل عليهم بعد الورود . وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن ، اشتد خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلاً للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب . وثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا محمداً وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع ، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته ، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله ، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب . ورابعها : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه ، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً . وخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً منه في المال وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الإختبار هذه الفائدة . وسادسها : أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه ، فكانت الحكمة في هذا الإبتلاء ذلك .
المسألة الرابعة : إنما قال بشيء على الوحدان ، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين . الأول : لئلا يوهم بأشياء من كل واحد ، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا . الثاني : معناه بشيء قليل من هذه الأشياء .

(2/447)


المسألة الخامسة : اعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب ، فينقسم إلى موجود في الحال وإلى ما كان موجوداً في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل ، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً وإن كان موجوداً في الحال : يسمى ذوقاً ووجداً وإنما سمي وجداً لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك ، سمي انتظاراً وتوقعاً ، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقا ، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً ، والإرتياح رجاء ، فالخوف هو تألم القلب لإنتظار ما هو مكروه عنده ، والرجاء هو ارتياح القلب لإنتظار ما هو محبوب عنده ، وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت : قال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين ، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم ، وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ، قال الله تعالى : { هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } [ الأحزاب : 11 ] وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقلة أموالهم ، حتى أنه عليه السلام كان يشد الحجر على بطنه ، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام لما خرج التقى مع أبي بكر قال : ما أخرجك؟ قال : الجوع . قال : أخرجني ما أخرجك : وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل ، فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى : { وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 41 ] وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى : { ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ الله } [ التوبة : 120 ] وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 29 ] وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود ، هذا آخر كلام القفال رحمه الله ، قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله ، والجوع : صيام شهر رمضان ، والنقص من الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى : { وَبَشّرِ الصابرين } [ البقرة : 155 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله تعالى لأنه يعلم أن كل ذلك عدل وحكمة ، فأما من لم يكن محققاً في الإيمان كان كمن قال فيه :

(2/448)


{ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرة } [ الحج : 11 ] . فأما ما يكون من جانب الظلمة فلا يجب الصبر عليه مثاله : أن المراهق يلزمه أن يصبر على ما يفعله به أبوه من التأديب ، ولو فعله به غيره ، لكان له أن يمانع بل يحارب ، وكذا في العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ليس ذلك إلا حكمة وصواباً بخلاف ما يفعل العباد من الظلم .
المسألة الثانية : الخطاب في { وَبَشِّرِ } لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة .
المسألة الثالثة : قال الشيخ الغزالي رحمه الله : اعلم أن الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة ، أما في البهائم فلنقصانها ، وأما في الملائكة فلكمالها ، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات ، وليس لشهواتها عقل يعارضها ، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً ، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والإبتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها ، حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر ، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة ، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم يظهر فيه شهوة اللعب ، ثم شهوة النكاح ، وليس له قوة الصبر ألبتة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر ، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة ، والإعراض عن الدار الآخرة ، وعقلاً يدعوه إلى الإعراض عنها ، وطلب اللذات الروحانية الباقية ، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة ، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية ، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل ، فيسمى ذلك الصد والمنع صبراً ، ثم اعلم أن الصبر ضربان . أحدهما : بدني ، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه ، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم . والثاني : هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع ، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر ، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى : البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى : حلماً ، ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر ، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى : كتمان النفس ويسمى صاحبه : كتوماً ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً ، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبراً فقال : { الصابرين فِى البأساء } أي المصيبة . { والضرآء } أي الفقر : { وَحِينَ البأس } أي المحاربة :

(2/449)


{ أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون } [ البقرة : 177 ] قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن ، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع ، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابراً ، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ، قال عليه السلام : « الصبر عند الصدمة الأولى » وهو كذلك ، لأن من ظهر منه في الإبتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ، فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم .
المسألة الرابعة : في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } [ السجدة : 24 ] وقال : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إسراءيل بِمَا صَبَرُواْ } [ الأعراف : 137 ] وقال : { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النحل : 96 ] وقال : { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [ القصص : 54 ] وقال : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر : 10 ] فما من طاعة إلا وأجرها مقدراً إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى : { الصوم لِى } فإضافة إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ الأنفال : 46 ] وعلق النصرة على الصبر فقال : { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة } [ آل عمران : 125 ] وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال : { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون } [ البقرة : 157 ] . وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام : « الصبر نصف الإيمان » وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصول ما ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبراً إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقاً للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ، وقد يكون مخالفاً للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان ، وقال عليه السلام : « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار »

(2/450)


وقال عليه السلام : « الإيمان هو الصبر » وهذا شبه قوله عليه السلام : « الحج عرفة »
المسألة الخامسة : في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر؟ قال الشيخ الغزالي رحمه الله : دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال عليه السلام : « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر » وقال : « يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له : أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول : نعم يا رب فيقول الله تعالى : لقد أنعمت عليك فشكرت ، وابتليتك فصبرت ، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين » وأما قوله عليه السلام : « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » فهو دليل على فضل الصبر ، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة ، وهي لا تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم درجة من المشبه كقوله عليه السلام : « شارب الخمر كعابد الوثن » وأيضاً روي أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه ، وآخر الصحابة دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه ، وفي الخير أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام .
المسألة السادسة : دلت هذه الآية على أمور . أحدها : أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه . وثانيها : أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين . وثالثها : أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها . ورابعها : أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ، وشرب الماء لا يفيد الري ، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، لأن قوله : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال : إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذاالقول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة .

(2/451)


الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

اعلم أنه تعالى لما قال : { وَبَشِّرِ الصابرين } [ البقرة : 155 ] بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون صابراً ، وأن تلك البشارة كيف هي؟ ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من فعل العبد ، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة وغيرها ، والذي من فعل العبد ، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الجوع فلأجل الفقر ، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم ، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه فيتلفوه ، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال والثمرات ، ومن العدو إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لايتفرغون لعمارة الأراضي ، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل .
المسألة الثانية : قال القاضي : إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه بل عمم وقال : { الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ } فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ينالها من قبل الله تعالى ، وينالها من قبل العباد ، لأن في الوجهين جميعاً عليه تكليفاً ، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركاً للتمسك بأدائه فالذي يناله من قبله تعالى يجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخير وصلاح وأن الواجب عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله : { إِنَّا لِلَّهِ } لأن في إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به ، لأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى : { والله يَقْضِى بالحق والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء } [ غافر : 20 ] أما إذا نزلت به المصيبة من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه ، ويدخل أيضاً تحت قوله : { إِنَّا لِلَّهِ } لأنه الذي ألزمه سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول ، إنا الله يدبر فينا كيف يشاء ، وفي الثاني يقول : إنا لله ينتصف لنا كيف يشاء .
المسألة الثالثة : أمال الكسائي في بعض الروايات من { إنا } ولام { لِلَّهِ } والباقون بالتفخيم وإنما جازت الإمالة في هذه الألف للكسرة مع كثرة الاستعمال ، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة ، قال الفراء والكسائي : لا يجوز إمالة { إنا } مع غير اسم الله تعالى ، وإنما وجب ذلك لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة { حَتَّى } و { لكن } .
أما قوله : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو بكر الوراق { إِنَّا لِلَّهِ } إقرار منا له بالملك : { وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الإنتقال إلى مكان أو جهة ، فإن ذلك على الله محال ، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه ، وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً ، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل الله تعالى هذا رجوعاً إليه تعالى ، كما يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة .

(2/452)


المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور ، والاعتراف بأنه سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم ، ولا يضيع عنده أجر المحسنين .
المسألة الثالثة : قوله : { إِنَّا لِلَّهِ } يدل على كونه راضياً بكل ما نزل به في الحال من أنواع البلاء وقوله : { وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } يدل على كونه في الحال راضياً بكل ما سينزل به بعد ذلك ، من إثابته على ما كان منه ، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به ، ومن الإنتصاف ممن ظلمه ، فيكون مذللاً نفسه ، راضياً بما وعده الله به من الأجر في الآخرة .
المسألة الرابعة : الأخبار في هذا الباب كثيرة . أحدها : عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من استرجع عند المصيبة : جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه " . وثانيها : روي أنه طفيء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «إنا لله وإنا إليه راجعون» فقيل أمصيبة هي؟ قال : نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة . وثالثها : قالت أم سلمة : حدثني أبو سلمة أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيراً منها إلا آجره الله عليها وعوضه خيراً منها " قالت : فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول : فعوضني الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام . ورابعها : قال ابن عباس : أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر الله تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال : الصلاة من الله ، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى . وخامسها : عن عمر رضي الله عنه قال : نعم العدلان وهما : { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } ونعمت العلاوة وهي قوله : { وأولئك هُمُ المهتدون } وقال ابن مسعود : لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى : ليته لم يكن .
أما قوله : { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } فاعلم أن الصلاة من الله هي : الثناء والمدح والتعظيم ، وأما رحمته فهي : النعم التي أنزلها به عاجلاً ثم آجلاً .

(2/453)


وأما قوله : { وأولئك هُمُ المهتدون } ففيه وجوه . أحدها : أنهم المهتدون لهذه الطريقة الموصلة بصاحبها إلى كل خير . وثانيها : المهتدون إلى الجنة ، الفائزون بالثواب . وثالثها : المهتدون لسائر ما لزمهم ، والأقرب فيه ما يصير داخلاً في الوعد حتى يكون عطفه على ما ذكره من الصلوات والرحمة صحيحاً ، ولا يكون كذلك إلا والمراد به أنهم الفائزون بالثواب والجنة ، والطريق إليها لأن كل ذلك داخل في الاهتداء ، وإن كان لا يمتنع أن يراد بذلك أنهم المتأدبون بآدابه المتمسكون بما ألزم وأمر ، قال أبو بكر الرازي : اشتملت الآية على حكمين : فرض ونفل ، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى ، والرضا بقضائه ، والصبر على أداء فرائضه ، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فإظهاراً لقوله : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته ، وحكي عن داود الطائي قال : الزهد في الدنيا أن لا يحب البقاء فيها ، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبه ثواباً .
ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول : العبد إنما يصبر راضياً بقضاء الله تعالى بطريقتين : إما بطريق التصرف ، أو بطريق الجذب ، أما طريق التصرف فمن وجوه . أحدها : أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم عليه السلام لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة ، فبقي آدم مع ذكر الله ، ولما استأنس يعقوب بيوسف - عليهما السلام - أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق ، ولما طمع محمد عليه السلام من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى قال : « ما أوذي نبي مثل ما أوذيت » وثانيها : أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى . وثالثها : أن العبد متى توقع من جانب شيئاً أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيراً من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله .
وأما طريق الجذب فهو كما قال عليه السلام : « جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين » ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب لا مغلوب ، وصفة الرب الربوبية ، وصفة العبد العبودية ، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد ، وصفة الحق حقيقة ، وصفة العبد مجاز ، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد ، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به ، والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه مقبلاً عليه ومشتغلاً به وغافلاً عن غيره ، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه ، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضياً بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة .

(2/454)


إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه . أحدها : أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال : { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 150 ] وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية . وثانيها : أنه تعالى لما قال : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مّنَ الخوف والجوع } [ البقرة : 155 ] إلى قوله : { وَبَشّرِ الصابرين } قال : { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله } وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات . وثالثها : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة . أحدها : ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولاً وهو قوله : { اذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } [ البقرة : 152 ] فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول . وثانيها : ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه ، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه ، وهي الإبتلاء والامتحان على ما قال : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع } [ البقرة : 155 ] فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً . وثالثها : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكراً لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي ، ورحا وأرحاء قال الراجز :
كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير من الصفي
وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير :
إنا إذا قرع العدو صفاتنا ... لاقوا لنا حجراً أصم صلودا
وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس ، وإذا نعتوا الصخرة قالوا : صفاة صفواء ، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان . فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به ، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : من الحجارة ما كان أبيض أملس صلباً شديد الصلابة ، وقاله غير : هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب :

(2/455)


حتى كأني للحوادث مروة ... بصفا المشاعر كل يوم يقرع
وأما { شعائر الله } فهي أعلام طاعته ، وكل شيء جعل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله ، قال الله تعالى : { والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله } [ الحج : 36 ] أي علامة للقربة ، وقال : { ذلك وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } [ الحج : 32 ] وشعائر الحج : معالم نسكه ومنه المشعر الحرام ، ومنه إشعار السنام : وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علماً على إحرام صاحبها ، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله ، ومنه الشعائر في الحرب ، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة ، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك : شعرت بكذا ، أي علمت .
المسألة الثالثة : الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك ، أو نحملها على مواضع العبادات والنسك ، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف ، لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك ، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى ، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام ، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه ، وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك ، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } [ البقرة : 128 ] واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضاً من أبعاض الحج ، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال : { فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .
المسألة الرابعة : الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل عليه السلام أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه غياث المستغيثين ، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما ، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة ، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين ، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين .

(2/456)


المسألة الخامسة : ذكر القفال في لفظ الحج أقوالاً . الأول : الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه ، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر . الثاني : قال قطرب : الحج الحلق يقال : احجج شجتك ، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة ، فيكون المعنى : حج فلان أي حلق ، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } [ الفتح : 27 ] أي حجاجاً وعُمّاراً ، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق . الثالث : قال قوم الحج القصد ، يقال : رجل محجوج ، ومكان محجوج إذا كان مقصوداً ، ومن ذلك محجة الطريق ، فكان البيت لما كان مقصوداً بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجاً ، قال القفال : والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى ، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه .
وأما العمرة فقال أهل اللغة : الاعتمار هو القصد والزيارة ، قال الأعشى :
وجاشت النفس لما جاء جمعهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر
وقال قطرب : العمرة في كلام عبد القيس : المسجد ، والبيعة ، والكنيسة ، قال القفال : ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة ، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم ينصرف كالزائر ، وأما الجناح فهو من قولهم : جنح إلى كذا أي مال إليه ، قال الله تعالى : { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا } [ الأنفال : 61 ] وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض ، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع : جوانح لاعوجاجها ، وجناح الطائر من هذا ، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل ، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضاً فمعنى : لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن : لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء ، ومنهم من قال : بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به .
وقوله : { أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال : { ياأيها المدثر } [ المدثر : 1 ] ، { ياأيها المزمل } [ المزمل : 1 ] أي المتدثر والمتزمل ، ويقال : طاف وأطاف بمعنى واحد .
المسألة السادسة : ظاهر قوله تعالى : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ } أنه لا إثم عليه ، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد ، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، أو ليس بواجب ، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر ، إذا عرفت هذا فنقول : مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن ، ولا يقوم الدم مقامه ، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن ، ويقوم الدم مقامه ، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، أن من تركه فلا شيء عليه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه . أحدها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(2/457)


" إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا " فإن قيل : هذا الحديث متروك الظاهر ، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو ، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله : { فاسعوا إلى ذِكْرِ الله } [ الجمعة : 9 ] والعدو فيه غير واجب ، وقال الله تعالى : { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } [ النجم : 39 ] وليس المراد منه العدو ، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية ، سلمنا أنه يدل على العدو ، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة ، فيبقى أصل المشي واجباً . وثانيها : ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته ، وقال : " إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به " فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت ، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر ، أما القرآن : فقوله تعالى : { واتبعوه } وقوله : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى } [ آل عمران : 31 ] وقوله : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [ الأحزاب : 21 ] وأما الخبر فقوله عليه السلام : " خذوا عني مناسككم " والأمر للوجوب . وثالثها : أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم ، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركناً كطواف الزيارة ، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة ، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين . أحدهما : هذه الآية وهي قوله : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } وهذا لا يقال في الواجبات . ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فبين أنه تطوع وليس بواجب . وثانيهما : قوله : «الحج عرفة» ومن أدرك عرفة فقد تم حجه ، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه ، ترك العمل به في بعض الأشياء ، فيبقى معمولاً به في السعي والجواب عن الأول من وجوه . الأول : ما بينا أن قوله : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله ، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره ، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ } [ النساء : 101 ] والقصر عند أبي حنيفة واجب ، مع أنه قال فيه : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } فكذا ههنا .

(2/458)


الثاني : أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما ، وعندنا الأول غير واجب ، وإنما الثاني هو الواجب . الثالث : قال ابن عباس : كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم ، أو دم البراغيث عندنا ، فقيل : لا جناح عليك أن تصلي فيه ، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة . الرابع : روي عن عروة أنه قال لعائشة : إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما ، فقالت : بئس ما قلت لو كان كذلك لقال : أن لا يطوف بهما ، ثم حكى ما تقدم من الصنمين ، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين ، فإن قالوا : قرأ ابن مسعود : ( فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ) واللفظ أيضاً محتمل له كقوله : { يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } [ النساء : 176 ] أي أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى : { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة } [ الأعراف : 172 ] معناه : أن لا تقولوا ، قلنا : القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً . الخامس : كما أن قوله : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } لا يطلق على الواجب ، فكذلك لا يطلق على المندوب ، ولا شك في أن السعي مندوب ، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها .
وأما التمسك بقوله : { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فضعيف ، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولاً ، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئاً آخر قال الله تعالى : { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } [ البقرة : 184 ] ثم قال : { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } [ البقرة : 184 ] فأوجب عليهم الطعام ، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى : فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيراً ، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفاً إلى شيء آخر وهو من وجهين . أحدهما : أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر . الثاني : أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعاً وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول : ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام ، والله أعلم .
أما قوله تعالى : { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قراءة حمزة وعاصم والكسائي ( يطوع ) بالياء وجزم العين ، وتقديره : يتطوع ، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما ، وهذا أحسن لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال ، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء ، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن ، وأما الباقون من القراء فقرؤا ( تطوع ) على وزن تفعل ماضياً وهذه القراءة تحتمل أمرين . أحدهما : أن يكون موضع ( تطوع ) جزماً . الثاني : أن لا يجعل ( من ) للجزاء ، ولكن يكون بمنزلة ( الذي ) ويكون مبتدأ والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر ، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة ، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله :

(2/459)


{ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] فما مبتدأ موصول ، والفاء مع ما بعدها خبر له ، ونظيره قوله : { والذين يُنْفِقُونَ أموالهم } [ النساء : 38 ] إلى قوله : { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } [ البقرة : 274 ] وقوله : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين } [ البروج : 10 ] إلى قوله : { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } وقوله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } وقوله : { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } وقوله : { مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } وقوله : { وَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } ونذكر هذه المسألة إن شاء الله عند قوله : { الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرًّا وَعَلاَنِيَةً } [ البقرة : 274 ] .
المسألة الثانية؛ قال أبو مسلم : ( تطوع ) تفعل من الطاعة وسواء قول القائل : طاع وتطوع ، كما يقال : حال وتحول وقال وتقول وطاف وتطوف وتفعل بمعنى فعل كثيراً ، والطوع هو الانقياد ، والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك .
المسألة الثالثة : الذين قالوا : السعي واجب ، فسروا هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة وقال الحسن : المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ .
أما قوله تعالى : { فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ } فاعلم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام عليه ، وذلك في حق الله تعالى محال ، فالشاكر في حقه تعالى مجاز ، ومعناه المجازي على الطاعة : وإنما سمي المجازاة على الطاعة شكراً لوجوه . الأول : أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مبالغة في الإحسان إليهم ، كما قال تعالى : { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } [ البقرة : 245 ] وهو تعالى لا يستقرض من عوض ، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل : من ذا الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم . الثاني : أن الشكر لما كان مقابلاً الإنعام أو الجزاء عليه سمي كل ما كان جزاء شكراً على سبيل التشبيه . الثالث : كأنه يقول : أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل وبالجملة فالمقصود بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات .
وأما قوله : { عَلِيمٌ } فالمعنى أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل ، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى : { عَلِيمٌ } تعلق بشاكر ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد ، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه ، وتحذير من خلاف ذلك .

(2/460)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)

المسألة الأولى : في قوله : { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } قولان . أحدهما : أنه كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين . والثاني : أنه ليس يجري على ظاهره في العموم ثم من هؤلاء من زعم أنه في اليهود خاصة قال ابن عباس : إن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن الأحكام ، فكتموا ، فنزلت الآية وقيل : نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والربيع والسدي والأصم . والأول أقرب إلى الصواب لوجوه . أحدها : أن اللفظ عام والعارض الموجود ، وهو نزوله عند سبب معين لايقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وثانيها : أنه ثبت أيضاً في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم ، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى ، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف . وثالثها : أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله ، والله تعالى يقول : { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى } فحملت الآية على العموم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس : أكثر أبو هريرة . وتلا : { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى } واحتج من خص الآية بأهل الكتاب ، أن الكتمان لا يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فأما القرآن فإنه متواتر ، فلا يصح كتمانه ، قلنا : القرآن قبل صيرورته متواتراً يصح كتمانه ، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه عند الواحد صح كتمانه وكذا القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية .
المسألة الثانية : قال القاضي : الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه ، وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً ، فلما كان ما أنزله الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين ، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان ، كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان ، إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها ، وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر ، لأن الكتمان مما يشق على النفس .
المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم ، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى :

(2/461)


{ وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } [ آل عمران : 187 ] وقريب منهما قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } [ البقرة : 174 ] فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهاً للناس وزاجرة عن كتمانها ، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى : { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122 ] وروى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار »
أما قوله تعالى : { مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات } فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً وحياً دون أدلة العقول ، وقوله تعالى : { والهدى } يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية ، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فإن قيل : فقد قال : { والهدى مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب } فعاد إلى الوجه الأول قلنا : الأول هو التنزيل والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد .
واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلاً تحت الآية فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين في الوعيد ، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجاً إليها ثم تركها أو كتم شيئاً من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم .
المسألة الرابعة : هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه إذا أظهر البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوماً ، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقيين إظهاره مرة أخرى .
المسألة الخامسة : من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال : دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب ، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجباً وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية : { إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ } [ البقرة : 160 ] فحكم بوقوع البيان بخبرهم فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان ومأموراً بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟
قلنا : هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء ، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم .
المسألة السادسة : احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم لأن الآية لما دلت على وجوب ذلك التعليم كان أخذ الأجرة عليه أخذاً للأجرة على أداء الواجب وأنه غير جائز ويدل عليه أيضاً قوله تعالى :

(2/462)


{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } [ البقرة : 174 ] وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعاً لأن قوله : { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } [ البقرة : 174 ] مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه .
أما قوله تعالى : { مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب } قيل في التوراة والإنجيل من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن الأحكام ، وقيل : أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين ، والثاني : ما في القرآن .
أما قوله تعالى : { أولئك يَلْعَنُهُمُ الله } فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب .
أما قوله تعالى : { وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون } فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير ، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا العموم لا محالة ، ويؤكده قوله تعالى : { إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ } [ البقرة : 161 ] والناس ذكروا وجوهاً أخر . أحدها : أن اللاعنين هم دواب الأرض وهوامها ، فإنها تقول : منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال : { اللاعنون } ولم يقل اللاعنات لأنه تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله : { والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف : 4 ] و { ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم } [ النمل : 18 ] و { قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } [ فصلت : 21 ] ، { وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء : 33 ] . وثانيها : كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس ، فإن قيل : كيف يصح اللعن من البهائم والجمادات؟ قلنا : على وجهين : الأول : على سبيل المبالغة ، وهو أنها لو كانت عاقلة لكانت تلعنهم . الثاني : أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه . وثالثها : أن أهل النار يلعنونهم أيضاً حيث كتموهم الدين ، فهو على العموم . ورابعها : قال ابن مسعود : إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق ، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى . وخامسها : عن ابن عباس : إن لهم لعنتين : لعنة الله . ولعنة الخلائق . قال : وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل : ما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن ربك؟ فيقول : ما أدري فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن ، فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ، ويقول له الملك : لا دريت ولا تليت ، كذلك كنت في الدنيا . وسادسها : قال أبو مسلم : ( اللاعنون ) هم الذين آمنوا به ، ومعنى اللعن منهم : مباعدة الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه . قال القاضي : دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه اللعن ، ويدل على أن أحداً من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان داخلاً في الآية .

(2/463)


إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)

اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال ، فبين تعالى أنهم إذا تابوا تغير حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعيد ، وقد ذكرنا أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لا لغرض سواه ، لأن من ترك رد الوديعة ثم ندم عليه لأن الناس ذموه ، أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً ، وكذلك لو عزم على رد كل وديعة ، والقيام بكل واجب ، لكي تقبل شهادته ، أو يمدح بالثناء عليه لم يكن تائباً ، وهذا معنى الإخلاص في التوبة ثم بين تعالى أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلاً لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه يلزمه إزالة تلك الشبهة ، ثم بين ثالثاً أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان ، وهو البيان وهو المراد بقوله : { وَبَيَّنُواْ } فدلت هذه الآية على أن التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي ، قالت المعتزلة : الآية تدل على أن التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصح ، لأن قوله : { وَأَصْلَحُواْ } عام في الكل . والجواب عنه : أن اللفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده . قال أصحابنا : تدل الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً ، لأنه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ولو كان كذلك واجباً لما حسن هذا المدح ومعنى : { أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أقبل توبتهم وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها فإن قيل : هلا قلتم أن معنى { فأولئك أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } هو قبول التوبة بمعنى المجازاة والثواب كما تقولون في قبول الطاعة قلنا : الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب ، لأنه لا يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لاسقاط العقاب ، وهو الغرض بفعلها ، وإن كان لا بد من أن يستحق بها الثواب إذا لم يكن مخطئاً ، ومعنى قوله : { وَأَنَا التواب } القابل لتوبة كل ذي توبة فهو مبالغة في هذا الباب ، ومعنى الرحيم عقيب ذلك : التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده ، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم .

(2/464)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)

اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : أن ظاهر قوله تعالى : { إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك ، وقال أبو مسلم : يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين يكتمون الآيات ، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون ، ثم ذكر حال التائبين منهم ، ذكر أيضاً حال من يموت منهم من غير توبة ، وأيضاً أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة ، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات . والجواب عنه : أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى ، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف .
المسألة الثانية؛ لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازماً من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدماً عند عدم الشرط؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك .
المسألة الثالثة : إن قيل : كيف يلعنه الناس أجمعون ، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قلنا الجواب عنه من وجوه . أحدها : أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة ، لقوله تعالى : { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } [ العنكبوت : 25 ] . وثانيها : قال قتادة والربيع : أراد بالناس أجمعين المؤمنين ، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير . وثالثها : أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول ، فإذا كان هو في نفسه جاهلاً أو ظالماً وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك ، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي . ورابعها : أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن ، وحينئذ يعم ذلك .
المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافراً ، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا لعنه والبراءة منه ، لأن قوله : { والناس أَجْمَعِينَ } قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لوجن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه ، وكذلك السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح ، فإن موت من كان كذلك أو جنونه ، لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال به .
المسألة الخامسة : القائلون بالموافاة احتجوا بهذه الآية فقالوا : علق تعالى وجوب لعنته بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك ، فعلمنا أن الكفر إنما يفيد استحقاق اللعن لو مات صاحبه عليه وكذا الإيمان إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه . الجواب : الحكم المرتب على الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات ، ومنها الخلود في النار ، وعندنا أن هذا المجموع وهو اللعن وحده ، لم قلتم : أنه لا يحصل إلا فيه .

(2/465)


المسألة السادسة : القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية ، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى : { وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية ، لا يبقى فيهم حال الموت ، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم .
المسألة السابعة؛ الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد ، لأنه تعالى قال : { والناس أَجْمَعِينَ } مع أنه مخصوص على مذهب من قال : المراد بالناس بعضهم .
وأما قوله تعالى : { خالدين فِيهَا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الخلود اللزوم الطويل ، ومنه يقال : أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه .
المسألة الثانية : العامل في ( خالدين ) الظرف من قوله ( عليهم ) لأن فيه معنى الإستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك : عليهم المال صاغرين .
المسألة الثالثة : { خالدين فِيهَا } أي في اللعنة ، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيماً لشأنها وتهويلاً كما في قوله تعالى : { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ] والأول أولى لوجوه . الأول : أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر . الثاني : أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار ، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى . الثالث : أن قوله : { خالدين فِيهَا } إخبار عن الحال ، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلاً في الحال ، وفي حمله على النار لا يكون حاصلاً في الحال ، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى ، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة . أحدها : الخلود وهو المكث الطويل عندنا ، والمكث الدائم عند المعتزلة ، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى : { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 81 ] . وثانيها : عدم التخفيف ، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها ، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض ، فإن قيل : هذا التشابه ممتنع لوجوه . الأول : أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب ، كان ذلك كالتخفيف منه . الثاني : أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفاً الثالث : أنهم حيثما يخاطبون بقوله : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت . ( أجابوا عنه ) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة ، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت ، قالوا : ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه ، وجب أن يكون دائماً لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه ، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم ، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر .

(2/466)


الصفة الثالثة : من صفات ذلك العقاب : قوله : { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى : { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة : 280 ] والمعنى : إن عذابهم لا يؤجل ، بل يكون حاضراً متصلاً بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى ، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون ، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون ، وقيل لهم؛ { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير .

(2/467)


وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)

اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير : { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } أما الواحد ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو علي : قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم . أحدهما : أن يكون اسماً والآخر أن يكون وصفاً ، فالإسم الذي ليس بصفة قولهم : واحد المستعمل في العدد نحو : واحد اثنان ثلاثة ، فهذا اسم ليس بوصف كما أن سائر أسماء العدد كذلك ، وأما كونه صفة فنحو قولك مررت برجل واحد وهذا شيء واحد فإذا أجرى هذا الإسم على الحق سبحانه وتعالى جاز أن يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر ، وجاز أن يكون الذي هو الاسم كقولنا شيء ويقوي الأول قوله : { وإلهكم إله واحد } وأقول : تحقيق هذا الكلام في العقل أن الأشياء التي يصدق عليها إنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية ، ومختلفة في خصوصيات ماهياتها ، أعني كونها جوهراً ، أو عرضاً ، أو جسماً ، أو مجرداً ، ويصح أيضاً فعل كل واحد منهما ، أعني ماهيته ، وكونه واحداً مع الذهول عن الآخر ، فإذن كون الجوهر جوهراً مثلاً غير ، وكونه واحداً غير ، والمركب منهما غير ، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد ، وهذا هو الاسم ، وتارة يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتاً لشيء آخر ، وهذا معنى كونه نعتاً .
المسألة الثانية : الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا؟ اختلفوا فيها فقال قوم : إنها صفة زائدة على الذات ، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا؛ هذا الجوهر واحد ، فالمفهوم من كونه جوهراً ، غير المفهوم من كونه واحداً ، بدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحداً ، ولا يشاركه في كونه جوهراً ، ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهراً حال الذهول عن كونه واحداً والمعلوم مغايراً لغير المعلوم ، ولأنه لو كان كونه واحداً نفس كونه جوهراً ، لكان قولنا الجوهر واحد جارياً مجرى قولنا : الجوهر جوهر ، ولأن مقابل الجوهر هو العرض ، ومقابل الواحد هو الكثير ، فثبت أن المفهوم من كونه واحداً ، إما أن يكون سلبياً أو ثبوتياً لا جائز أن يكون سلبياً لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، فإن كانت الكثرة سلبية ، والوحدة سلب الكثرة ، كانت الوحدة سلباً للسلب وسلب السلب ثبوت ، فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فلو كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمراً موجوداً وهو محال ، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية ، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن يقال إنه لا تحقق لها إلا في الذهن أولها تحقق خارج الذهن والأول باطل وإلا لم يكن الذهني مطابقاً لما في الخارج ، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه واحداً وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن وجد ذهنياً وفرضياً واعتبارياً ، فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات ، واحتج من أبى كون الوحدة صفة ثبوتية بأن قال : لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات ، كانت الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها ، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى ، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال .

(2/468)


المسألة الثالثة : الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه واحد ، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فإن العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها فإن قلت : عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة ، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة بالموجود فظن أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته والحق أنه ليس كذلك ، لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيء مغاير لما به الانقسام .
المسألة الرابعة : الحق سبحانه وتعالى { واحِدٌ } باعتبارين . أحدهما : أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة . والثاني : أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات ، فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول ، وليس واحد بالتفسير الثاني . والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركباً لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركباً ، فإذن حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه ، لا كثرة مقدارية ، كما تكون للأجسام ، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد ، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاته أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه . أحدها : أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات ، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول : إن ذاته المخصوصة غير معلومة ، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فإذن هذه الصفات أمور زائدة على الذات . وثانيها : أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات : إنها عالمة أو ليست عالمة جارياً مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات ، ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته فإن من قال : الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال : الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه ، ولما كان قولنا : الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات . وثالثها : أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط وذاته ليست إلا شيئاً واحداً لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد ، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادراً تغني عن إقامة الدلالة على كونه عالماً ، وعلى كونه حياً ، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى دليل خاص ، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات ، إذا ثبت أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات ، فنقول : هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، لا جائز أن تكون سلبية ، لأن السلب نفي محض ، والنفي المحض لا تخصص فيه ، ولأنا جعلنا كونه عالماً قادراً عبارة عن نفي الجهل والعجز ، فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر ، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي : وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق ، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة ، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب ، فيكون ثبوتياً ، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة ، فإن الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع أنه غير موصوف بالعلم والقدرة ، فثبت أن صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته ، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات ، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة ، فكيف القول فيه؟

(2/469)


وإشكال آخر : وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات ، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة ، فهناك أمور ثلاثة : تلك الحقيقة ، وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية ، فذلك ثالث ثلاثة ، فأين التوحيد؟
وإشكال ثالث : وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا؟ فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات ، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية ، وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب ، فإنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها ، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات لأن الوجوب صفة لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية والانتساب مغاير بين الشيئين مغاير لكل واحد منهما من حيث هو فلأن تكون صفة ذلك الإنتساب مغايرة لهما أولى ، وأيضاً فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمراً قائماً بالنفس ولأنا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه محال ، فثبت أنه لو وجب موجود واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائداً على ذاته ، فهناك أمران تلك الذات مع ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث .

(2/470)


وإشكال رابع : وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها وهل يمكن التعبير عنها أم لا . والأول محال لأن الإخبار إنما يكون بشيء عن شيء ، فالمخبر عنه غير المخبر به فهما أمران لا واحد ، وإن لم يكن التعبير عنه فهو غير معلوم ألبتة لا بالنفي ولا بالإثبات فهو مغفول عنه ، فهذا جملة ما في هذا المقام من السؤال :
والجواب عن الأول : أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ولا شك أن المجموع مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها ، ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات فهذا مما لا امتناع فيه عند العقل .
وأما الإشكال الثاني : وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات فإذا نظرت إليها من حيث أنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد ، فالجواب أن الذي ذكرته حق ولكن فرق بين النظر إليه من حيث أنه هو وبين النظر إليه من حيث أنه محكوم عليه بأنه واحد ، فإذا نظرت إليه من حيث أنه هو مع ترك الإلتفات إلى أنه واحد فهناك تتحقق الوحدة وههنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة ، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره وهذا أيضاً هو الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب .
أما الإشكال الرابع : وهو أنه هل يمكن التعبير عنه؟ فالحق أنه لا يمكن التعبير عنه لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر ، والمخبر عنه مغاير للمخبر به لا محالة ، فليس هناك توحيد ، ولو أخبرت عنه بأنه لا يمكن الإخبار عنه ، فهناك ذات مع سلب خاص ، فلا يكون هناك توحيد فأما إذا نظرت إليه من حيث أنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات ، فهناك تحقق الوصول إلى مبادىء عالم التوحيد ، ثم الإلتفات المذكور لا يمكن التعبير عنه إلا بقوله { هو } فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في بحار التوحيد ، وسنذكر شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى ، أما الوحدة بالمعنى الثاني ، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب الوجود ، فكأن هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى ، وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى :

(2/471)


{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] أم الوحدة بالتفسير الأول ، فليست من خواص ذات الحق سبحانه وتعالى لأنه لا شك في وجود موجودات وهذه الموجودات إما مفردات أو مركبات ، فالمركب لا بد فيه من المفردات فثبت أنه لا بد من إثبات المفردات في عالم الممكنات ، فالواحدية بالمعنى الأول ليست من الأمور التي توحد الحق سبحانه بها ، أما الواحدية بالمعنى الثاني فالحق سبحانه وتعالى متوحد بها ومتفرد بها ، ولا يشاركه في ذلك النعت شيء سواه ، فهذه تلخيص الكلام في هذا المقام بحسب ما يليق بعقل البشر وفكره القاصر ، مع الاعتراف بأنه سبحانه منزه عن تصرفات الأفكار والأوهام ، وعلائق العقول والأفهام .
المسألة الخامسة؛ قال الجُبائي : يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه أربعة : لأنه ليس بذي أبعاض ، ولا بذي أجزاء ، ولأنه منفرد بالقدم ، ولأنه منفرد بالإلهية ، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالماً بنفسه ، وقادراً بنفسه ، وأبو هاشم يقتصر على ثلاثة أوجه : فجعل تفرده بالقدم ، وبصفات الذات وجهاً واحداً ، قال القاضي : وفي هذه الآية المراد تفرده بالإلهية فقط ، لأنه أضاف التوحيد إلى ذلك ، ولذلك عقبه بقوله { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وقال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته لا قسيم له ، وواحد في صفاته لا شبيه له ، وواحد في أفعاله لا شريك له ، أما أنه واحد في ذاته فلأن تلك الذات المخصوصة التي هي المشارإليها بقولنا هو الحق سبحانه وتعالى إما أن تكون حاصلة في شخص آخر سواه ، أو لا تكون ، فإن كان الأول كان امتياز ذاته المعينة عن المعنى الآخر ، لا بد وأن يكون بقيد زائد ، فيكون هو في نفسه مركباً بما به الإشتراك وما به الإمتياز ، فيكون ممكناً معلولاً مفتقراً وذلك محال ، وإن لم يكن فقد ثبت أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له ، وأما أنه واحد في صفاته فلأن موصوفيته سبحانه بصفات متميزة عن موصوفية غيره بصفات من وجوه . أحدها : أن كل ما عداه فانٍ ، لأن حصول صفاته له لا تكون من نفسه بل من غيره وهو سبحانه يستحق حصول صفاته لنفسه لا لغيره . وثانيها : أن صفات غيره مختصة بزمان دون زمان لأنها حادثة ، وصفات الحق ليست كذلك . وثالثها : أن صفات الحق غير متناهية بحسب المتعلقات ، فإن علمه متعلق بجميع المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات ، بل له في كل واحد من المعلومات الغير المتناهية معلومات غير متناهية لأنه يعلم في ذلك الجوهر الفرد أنه كيف كان ويكون حاله بحسب كل واحد من الأحياز المتناهية وبحسب كل واحد من الصفات المتناهية فهو سبحانه واحد في صفاته من هذه الجهة . ورابعها : أنه سبحانه ليست موصوفية ذاته بتلك الصفات بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذاته محلاً لها ، ولا أيضاً بحسب كون ذاته مستكملة بها لأنا بينا أن الذات كالمبدأ لتلك الصفات فلو كانت الذات مستكملة بالصفات لكان المبدأ ناقصاً لذاته مستكملاً بالممكن لذاته وهو محال ، بل ذاته مستكملة لذاته ومن لوازم ذلك الإستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال معه إلا أن التقسيم يعود في نفس الإستكمال فينتهي إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به . خامسها : أنه لا خبر عند العقول من كنه صفاته كما لا خبر عندها من كنه ذاته ، وذلك لأنا لا نعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي لأجله ظهر الإحكام والإتقان في عالم المخلوقات ، فالمعلوم من علمه أنه أمر ما لا ندري أنه ما هو ولكن نعلم منه أنه يلزمه هذا الأثر المحسوس ، وكذا القول في كونه قادراً وحياً ، فسبحان من ردع بنور عزته أنوار العقول والأفهام ، وأما إنه سبحانه وتعالى واحد في أفعاله فالأمر ظاهر لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، فالواجب هو هو ، والممكن ما عداه وكل ما كان ممكناً فإنه يجوز أن لا يوجد ما لم يتصل بالواجب ولا يختلف هذا الحكم باختلاف أقسام الممكنات سواء كان ملكاً أو ملكاً أو كان فعلاً للعباد أو كان غير ذلك فثبت أن كل ما عداه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته واستيلائه ، وعند هذا تدرك شمة من روائح أسرار قضائه وقدره ، ويلوح لك شيء من حقائق قوله :

(2/472)


{ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر : 49 ] وتعرف أن الموجود ليس البتة إلا ما هو هو ، وما هو له وإذا وقعت سفينة الفكرة في هذه اللجة ، فلو سارت إلى الأبد لم تقف ، لأن السير إنما يكون من شيء إلى شيء ، فالشيء الأول متروك ، والشيء الثاني مطلوب وهما متغايران ، فأنت بعد خارج عن عالم الفردانية والوحدانية ، فأما إذا وصلت إلى برزخ عالم الحدوث والقدم ، فهناك تنقطع الحركات ، وتضمحل العلامات والأمارات ، ولم يبق في العقول والألباب إلا مجرد أنه هو ، فيا هو ويا من لا هو إلا هو أحسن إلى عبدك الضعيف ، فإن عبدك بفنائك ومسكينك ببابك .
المسألة السادسة : إن قيل : ما معنى إضافته بقوله : { وإلهكم } وهل تصح هذه الإضافة في كل الخلق أو لا تصح إلا في المكلف؟ قلنا : لما كان الإله هو يستحق أن يكون معبوداً والذي يليق به أن يكون معبوداً بهذا الوصف ، إنما يتحقق بالنسبة إلى من يتصور منه عبادة الله تعالى ، فإن هذه الإضافة صحيحة بالنسبة إلى كل المكلفين ، وإلى جميع من تصح صيرورته مكلفاً تقديراً .
المسألة السابعة : قوله : { وإلهكم } يدل على أن معنى الإله ما يصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود .

(2/473)


المسألة الثامنة : قوله : { وإلهكم إله واحد } معناه أنه واحد في الإلهية ، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها ، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد ، وبأنه عالم واحد ، ولما قال : { وإلهكم إله واحد } أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول : هب أن إلهنا واحد ، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا ، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق ، فقال : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وذلك لأن قولنا : لا رجل يقتضي نفي هذه الماهية ، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها ، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فمتى حصل ذلك الفرد ، فقد حصلت الماهية ، وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية : فثبت أن قولنا : لا رجل يقتضي النفي العام الشامل ، فإذا قيل بعد : إلا زيداً ، أفاد التوحيد التام المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث . أحدها : أن جماعة من النحويين قالوا : الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير : لا إله لنا ، أو لا إله في الوجود إلا الله ، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك لأنك لو قلت : التقدير أنه لا إله لنا إلاالله ، لكان هذا توحيداً لألهنا لا توحيد للإله المطلق ، فحينئذ لا يبقى بين قوله : { وإلهكم إله واحد } وبين قوله : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فرق ، فيكون ذلك تكراراً محضاً ، وأنه غير جائز ، وأما لو قلنا : التقدير لا إله في الوجود ، فذلك الإشكال زائل ، إلا أنه يعود الإشكال من وجه آخر ، وذلك لأنك إذا قلت : لا إله في الوجود لا إله إلا هو؛ كان هذا نفياً لوجود الإله الثاني ، أما لو لم يضمر هذا الإضمار كان قولك : لا إله إلا الله نفياً لماهية الإله الثاني ، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ظاهره ، والإعراض عن هذا الإضمار أولى ، فإن قيل : نفي الماهية كيف يعقل؟ فإنك إذا قلت السواد ليس بسواد ، كان ذلك حكماً بأن السواد ليس بسواد ، وهو غير معقول ، أما إذا قلت : السواد ليس بموجود ، فهذا معقول منتظم مستقيم ، قلنا : بنفي الماهية أمر لا بد منه ، فإنك إذا قلت : السواد ليس بموجود ، فقد نفيت الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهية ، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود ، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي ، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية أيضاً ، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا : لا إله إلا الله على ظاهره ، من غير حاجة إلى الإضمار ، فإن قلت : إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود ، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود ، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود ، قلت : فموصوفية الماهية بالوجود ، هل هي أمر منفصل عن الماهية وعن الوجود أم لا ، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفياً لتلك الماهية ، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها ، وحينئذ يعود التقريب المذكور ، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمراً منفصلاً عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي ، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود ، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا ، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار ألبتة .

(2/474)


البحث الثاني : فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور الإثبات ، فإنك ما لم تتصور الوجود أولاً ، استحال أن تتصور العدم ، فأنت لا تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود . فتصور الوجود غني عن تصور العدم ، وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود ، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات .
والجواب : أن الأمر في العقل على ما ذكرت ، إلا أن تقديم النفي على الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد .
البحث الثالث : في كلمة { هُوَ } أعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهو قد تقدمت في { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } أما الأسرار المعنوية فنقول ، اعلم أن الألفاظ على نوعين : مظهرة ومضمرة : أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على الماهيات المخصوصة من حيث هي هي ، كالسواد ، والبياض ، والحجر ، والإنسان ، وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما ، هو المتكلم ، والمخاطب ، والغائب ، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين ، وهي ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو ، وأعرفها أنا ، ثم أنت ، ثم هو ، والدليل على صحة هذا الترتيب أن تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الاشتباه ، فإنه من المستحيل أن أصير مشتبهاً بغيري ، أو يشتبه بي غيري ، بخلاف أنت ، فإنك قد تشتبه بغيرك ، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني ، وأيضاً فأنت أعرف من هو ، فالحاصل أن أشد المضمرات عرفاناً أَنا وأشدها بعداً عن العرفان . ( هو ) وأما ( أنت ) فكالمتوسط بينهما ، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه القضية ، ومما يدل على أن أعرف الضمائر قولاً قولي ( أنا ) أن المتكلم حصل له عند الإنفراد لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث من غير فصل ، لأن الفصل إنما يحتاج إليه عند الخوف من الإلتباس ، وههنا لا يمكن الإلتباس ، فلا حاجة إلى الفصل ، وأما عند التثنية والجمع فاللفظ واحد ، أما في المتصل فكقولك : شربنا ، وأما المنفصل فقولك : نحن ، وإنما كان كذلك للأمن من اللبس ، وأما المخاطب فإنه فصل بين لفظ مؤنثه ومذكره ، ويثنى ويجمع ، لأنه قد يكون بحضرة المتكلم مؤنث ومذكر وهو مقبل عليهما ، فيخاطب أحدهما فلا يعرف حتى يبينه بعلامة : وتثنية المخاطب وجمعه إنما حسن لهذه العلة ، وأما إن الحاضر أعرف من الغائب فهذا أمر كالضروري ، إذا عرفت هذا فنقول : ظهر أن عرفان كل شيء بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضراً أو غائباً؛ فالعرفان التام بالله ليس إلا الله : لأنه هو الذي يقول لنفسه ( أنا ) ولفظ ( أنا ) أعرف الأقسام الثلاثة ، فلما لم يكن لأحد أن يسير إلى تلك الحقيقة بالضمير الذي هو أعرف الضمائر وهو قول ( أنا ) إلا له سبحانه علمنا أن العرفان التام به سبحانه وتعالى ليس الإله .

(2/475)


بقي أن هناك قوماً يجوزون الاتحاد : الأرواح البشرية إذا استنارت بأنوار معرفة تلك الحقيقة اتحد العاقل بالمعقول وعند الاتحاد يصح لذلك العارف أن يقول : أنا الله إلا أن القول بالاتحاد غير معقول ، لأن حال الاتحاد إن فنيا أو أحدهما ، فذاك ليس باتحاد ، وإن بقيا فهما اثنان لا واحد ، ولما انسد هذا الطريق الذي هو أكمل الطرق في الإشارة بقي الطريقان الآخران ، وهو ( أنت ) و ( هو ) أما ( أنت ) فهو للحاضرين في مقامات المكاشفات والمشاهدات لمن فني عن جميع الحظوظ البشرية على ما أخبر الله تعالى عن يونس عليه السلام أنه بعد أن فنى عن ظلمات عالم الحدوث وعن آثار الحدوث وصل إلى مقام الشهود فقال : { فنادى فِى الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ } [ الأنبياء : 87 ] وهذا ينبهك على أنه لا سبيل إلى الوصول إلى مقام المشاهدة والمخاطبة إلا بالغيبة عن كل ما سواه وقال محمد صلى الله عليه وسلم : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وأما { هو } فللغائبين ، ثم ههنا بحث وهو : أن { هو } في حقه أشرف الأسماء ، ويدل عليه وجوه :
أحدها : أن الإسم إما كلي أو جزئي ، وأعني بكلي أن يكون مفهومه بحيث لا يمنع تصوره من وقوع الشركة ، وأعني بالجزئي أن يكون نفس تصوره مانعاً من الشركة ، وهو اللفظ الدال عليه من حيث إنه ذلك المعين ، فإن كان الأول فالمشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه ، لأنه لما كان المفهوم من ذلك الاسم أمراً لا يمنع الشركة وذاته المعينة سبحانه وتعالى مانعة من الشركة وجب القطع بأن المشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه ، فإذن جميع الأسماء المشتقة : كالرحمن ، والرحيم ، والحكيم ، والعليم ، والقادر ، لا يتناول ذاته المخصوصة ولا يدل عليها بوجه ألبتة ، وإن كان الثاني فهو المسمى باسم العلم والعلم قائم مقام الإشارة فلا فرق بين قولك : يا زيد وبين قولك : يا أنت ويا هو . وإذا كان العلم قائماً مقام الإشارة فالعلم فرع واسم الإشارة أصل والأصل أشرف من الفرع ، فقولنا : يا أنت ، يا هو أشرف من سائر الأسماء بالكلية إلا أن الفرق أن ( أنت ) لفظ يتناول الحاضر و ( هو ) يتناول الغائب وفيه سر آخر وهو أن ( هو ) إنما يصح التعبير عنه إذا حصل في العقل صورة ذلك الشيء وقولك ( هو ) يتناول تلك الصورة وهي حاضرة ، فقد عاد القول إلى أن ( هو ) أيضاً لا يتناول إلا الحاضر . وثانيها : أنا قد دللنا على أن حقيقة الحق منزهة عن جميع أنحاء التراكيب ، والفرد المطلق لا يمكن نعته ، لأن النعت يقتضي المغايرة بين الموصوف والصفة وعند حصول الغيرية لا تبقى الفردانية ، وأيضاً لا يمكن الإخبار عنه لأن الإخبار يقتضي مخبراً عنه ومخبراً به وذلك ينافي الفردانية ، فثبت أن جميع الأسماء المشتقة قاصرة عن الوصول إلى كنه حقيقة الحق وأما لفظ ( هو ) فإنه يصل إلى كنه تلك الحقيقة المفردة المبرأة عن جميع جهات الكثرة فهذه اللفظة لوصولها إلى كنه الحقيقة وجب أن تكون أشرف من سائر الألفاظ التي يمتنع وصولها إلى كنه تلك الحقيقة . وثالثها : أن الألفاظ المشتقة دالة على حصول صفة للذات ثم ماهيات صفة الحق أيضاً غير معلومة إلا بآثارها الظاهرة في عالم الحدوث ، فلا يعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي باعتباره صح منه الإحكام والإتقان ، ومن قدرته إلا أنها الأمر الذي باعتباره صح منه صدور الفعل والترك ، فإذن هذه الصفات لا يمكننا تعقلها إلا عند الالتفات إلى الأحوال المختلفة في عالم الحدوث ، فالألفاظ المشتقة لا تشير إلى الحق سبحانه وحده ، بل تشير إليه وإلى عالم الحدوث معاً والناظر إلى شيئين لا يكون مستكملاً في كل واحد منهما بل يكون ناقصاً قاصراً ، فإذن جميع الأسماء المشتقة لا تفيد كمال الاستغراق في مقام معرفة الحق بل كلها تصير حجاباً بين العبد وبين الاستغراق في معرفة الرب ، وأما ( هو ) فإنه لفظ يدل عليه من حيث هو هو لا من حيث عرضت له إضافة أو نسبة بالقياس إلى عالم الحدوث ، فكان لفظ ( هو ) يوصلك إلى الحق ويقطعك عما سواه ، وما عداه من الأسماء فإنه لا يقطعك عما سواه ، فكان لفظ ( هو ) أشرف . ورابعها : أن البراهين السالفة قد دلت على أن منبع الجلال والعزة هو الذات ، وأن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لكمالها استلزمت صفات الكمال ، ولفظ ( هو ) يوصلك إلى ينبوع الرحمة والعزة والعلو وهو الذات وسائر الألفاظ لا توقفك إلا في مقامات النعوت والصفات ، فكان لفظ ( هو ) أشرف ، فهذا ما خطر بالبال في الكشف عن أسرار لفظ ( هو ) وإليه الرغبة سبحانه في أن ينور بدرة من لمعات أنوارها صدورنا وأسرارنا ، ويروح بها عقولنا وأرواحنا حتى نتخلص من ضيق عالم الحدوث إلى فسحة معارج القدم ، ونرقى من حضيض ظلمة البشرية إلى سموات الأنوار وما ذلك عليه بعزيز .

(2/476)


المسألة التاسعة : قال النحويون في قوله تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ارتفع { هو } لأنه بدل من موضع { لا } مع الاسم ولنتكلم في قوله : ما جاءني رجل إلا زيد فقوله : إلا زيد مرفوع على البدلية لأن البدلية هي الإعراض عن الأول والأخذ بالثاني فكأنك قلت : ما جاءني إلا زيد وهذا معقول لأنه يفيد نفي المجيء عن الكل إلا عن زيد ، أما قوله : جاءني إلا زيداً فههنا البدلية غير ممكنة لأنه يصير في التقدير : جاءني خلق إلا زيداً ، وذلك يقتضي أنه جاء كل أحد إلا زيداً وذلك محال فظهر الفرق والله أعلم .

(2/477)


أما ( الرحمن الرحيم ) فقد تقدم القول في تفسيرهما وبينا أن الرحمة في حقه سبحانه هي النعمة وفاعلها هو الراحم فإذا أردنا إفادة الكثرة قلنا ( رحيم ) وإذا أردنا المبالغة التامة التي ليست إلا له سبحانه قلنا { الرحمن } .
واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية ، وعزة الفردانية وإشعاراً بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان .

(2/478)


إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولاً وعلى توحيده وبراءته على الأضداد والأنداد ثانياً ، وقبل الخوض في شرح تلكم الدلائل لا بد من بيان مسائل :
المسألة الأولى : وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره؟ فقال عالم من الناس : الخلق هو المخلوق . واحتجوا عليه بالآية والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قال : { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف اليل والنهار } إلى قول : { لأيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق ، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور . أحدها : أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، فهذا الإخراج لو كان أمراً مغايراً للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديماً أو حديثاً ، فإن كان قديماً فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال ، وإن كان محدثاً فلا بد له أيضاً من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل . وثانيها : أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجاً للأشياء من عدمها إلى وجودها ، ثم في الأزل هل أحدث أمراً أو لم يحدث؟ فإن أحدث أمراً فذلك الأمر الحادث هو المخلوق ، وإن لم يحدث أمراً فالله تعالى قط لم يخلق شيئاً . وثالثها : أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى ، وحصول الأثر إما في الحال أو في الإستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادراً مختاراً بل ملجأ مضطراً إلى ذلك التأثير فيكون علة موجَبة وذلك كفر .
واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه . أولها : أن قالوا : لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء ، والخالق هو الموصوف بالخلق ، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفاً بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات ، وذلك لا يقوله عاقل . وثانيها : أنا إذا رأينا حادثاً حدث بعد أن لم يكن قلنا : لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا : إنه حق وصواب ، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض ، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه ، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه ، فالخلق غير المخلوق . وثالثها : أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور ، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية ، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب . ورابعها : أن النحاة قالوا : إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به ، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم . وخامسها : أنه يصح أن يقال : خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام ، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة .

(2/479)


المسألة الثانية : قال أبو مسلم رحمه الله : أصل الخلق في كلام العرب التقدير وصار ذلك اسماً لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صواباً قال تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } [ الفرقان : 2 ] ويقول الناس في كل أمر محكم هو معمول على تقدير .
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقاً ألبتة إلى تحصيل هذا الغرض .
المسألة الرابعة : ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية : عن عطاء أنه عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه : { وإلهكم إله واحد } [ البقرة : 163 ] فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض } وعن سعيد بن مسروق قال : سألت قريش اليهود فقالوا حدثونا عما جاءكم به موسى من الأيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى فقالت قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد يقيناً وقوة على عدونا ، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين فقال عليه السلام : « ذرني وقومي أدعوهم يوماً فيوماً » فأنزل الله تعالى هذه الآية مبيناً لهم أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهباً ليزدادوا يقيناً فخلق السموات والأرض وسائر ما ذكر أعظم .
واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام :

(2/480)