صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
استغفر الله ذنباً لست أحصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل (2/308)
ونظيره قوله تعالى : { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض } [ الأنعام : 79 ] . الثالث : أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله ، ونظيره قوله تعالى : { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله } [ الإنسان : 9 ] يعني لرضوان الله ، وقوله : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] يعني ما كان لرضا الله ، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه ، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته ، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه . الرابع : أن الوجه صلة كقوله : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره ، إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر ، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى ، فإنه يقال لهذا القائل : فما معنى قوله تعالى : { فَثَمَّ وَجْهُ الله } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد : فثم قبلته التي يعبد بها ، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته . والجواب عن الثاني : وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق ، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك ، أو على أنه واسع العطاء والرحمة ، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه ، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق ، ولا يجوز حمله على السعة في العلم ، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً ، فأما قوله : { عَلِيمٌ } في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن ، وما يخفى على الله من شيء ، فيكون متحذراً عن التساهل ، ويحتمل أن يكون قوله تعالى : { واسع عَلِيمٌ } أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها ، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها .
المسألة الخامسة : ولى إذا أقبل ، وولى إذا أدبر ، وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال ، وقرأ الحسن : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } بفتح التاء من التولي ، يريد فأينما توجهوا القبلة .
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)
اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ، واعلم أن الظاهر قوله تعالى : { وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } أن يكون راجعاً إلى قوله : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } [ البقرة : 114 ] وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى ، ومنهم من تأوله على مشركي العرب ، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى ، لأن اليهود قالوا : عزيز ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيراً ابن الله ، أما قوله تعالى : { سبحانه } فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه ، كما قال تعالى في موضع آخر : { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } [ النساء : 171 ] فمرة أظهره ، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه ، واحتج على هذا التنزيه بقوله : { بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض } ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه . الأول : أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته محدث ، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود ، والمخلوق لا يكون ولداً ، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود ، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين ، وما به المشاركة ، غير ما به الممايزة ، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين ، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه من غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته ، هذا خلف ، ثم نقول : إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه ، ويقضي إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية ، وذلك محال ، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل ، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد ، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت ، فالبسيط مركب هذا خلف ، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان ، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث ، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر ، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه ، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثاً فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه ، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولداً له ، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله : { بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض } أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع . (2/309)
والثاني : أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً ، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس ، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له . والثالث : أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد ، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه ، وممتازاً عنه من وجه آخر ، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك محال ، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة . الرابع : أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه ، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة ، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً ، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم ، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له ، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ، وقال في مريم : { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق الذى فِيهِ يَمْتُرُون مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون } [ مريم : 34 ، 35 ] وقال أيضاً في آخر هذه السورة : { وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً * وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِى السموات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً } [ مريم : 88 93 ] فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات والأرض ، وفي سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات والأرض على ما قال : { إِن كُلُّ مَن فِى السموات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً } قلنا : قوله تعالى في هذه السورة : { بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض } أتم ، لأن كلمة ( ما ) تتناول جميع الأشياء ، وأما قوله تعالى : { كُلٌّ لَّهُ قانتون } [ الروم : 26 ] ففيه مسائل : (2/310)
المسألة الأولى : القنوت : أصله الدوام ، ثم يستعمل على أربعة أوجه : الطاعة ، كقوله تعالى : { يامريم اقنتى لِرَبّكِ } [ آل عمران : 43 ] وطول القيام ، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصلاة أفضل؟ قال : «طول القنوت» وبمعنى السكوت ، كما قال زيد ابن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى :
{ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين } [ البقرة : 238 ] فأمسكنا عن الكلام ، ويكون بمعنى الدوام ، إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : { كُلٌّ لَّهُ قانتون } أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون ، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس ، فقيل لهؤلاء الكفار : ليسوا مطيعين ، فعند هذا قال آخرون : المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة ، وهو قول السدي ، فقيل لهؤلاء : هذه صفة المكلفين ، وقوله : { لَّهُ مَا فِي السموات } يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر . الأول : بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية . الثاني : كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء ، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة . الثالث : أراد به الملائكة وعزيراً والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له ، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه ، فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله ، فقال علي رضي الله عنه : فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة ، فانقطع النصراني . (2/311)
المسألة الثانية : لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه .
المسألة الثالثة : يقال كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله : { قانتون } جوابه : كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم .
أما قوله تعالى : { بَدِيعُ السموات والأرض } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً .
المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه تعالى قال : { بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض } فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : { وَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب «ق ض ى» وأصله «قضاي» إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظاً ، ومن نظائره المضاء والإتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات } [ فصلت : 12 ] وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه ، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع ، فأولها : قضبه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة ، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، والمقضب ما يقضب به كالمنجل . وثانيها؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، لأن فيه قطعاً للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل . وثالثها : القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ورابعها : القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة . (2/312)
المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه . أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات } يعني خلقهن . وثانيها : بمعنى الأمر قال تعالى : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } [ الإسراء : 23 ] . وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي . ورابعاً : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : { وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِى الكتاب } [ الإسراء : 4 ] أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقروناً بإلى . وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : { فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } [ الأحقاف : 29 ] يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : { وَقُضِىَ الأمر واستوت عَلَى الجودى } [ هود : 44 ] يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : { لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } [ الحج : 29 ] بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إِذَا قَضَى أَمْرًا } [ آل عمران : 47 ] قيل : إذا خلق شيئاً ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئاً ، وقيل : أحكم أمراً ، قال الشاعر : (2/313)
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه .
المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : { كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران : 47 ] بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : { كُنْ فَيَكُونُ الحق } [ آل عمران : 59 ، 60 ] وفي الأنعام : { كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } [ الأنعام : 73 ] فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون .
المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران : 47 ] هو أنه تعالى يقول له : { كُنَّ } فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . الأول : أن قوله : { كُنْ فَيَكُونُ } إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على { كُنَّ } إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه . الأول : أن كلمة { كُنَّ } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً ، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً . الثاني : أن كلمة { إِذَا } لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف { إِذَا } وقوله { كُنَّ } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال : { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ } والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن يكون : { كُنَّ } قديماً . الثالث : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله : { كُنَّ } بفاء التعقيب فيكون قوله : { كُنَّ } مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثاً فقوله : { كُنَّ } لا يجوز أن يكون قديماً ، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله : { كُنَّ } محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله : { كُنَّ } وقوله : { كُنَّ } أيضاً محدث فيلزم افتقار : { كُنَّ } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله : { كُنَّ } .
الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود ، والأول : باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، والثاني : أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه . (2/314)
الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جماداً ، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم .
الحجة الرابعة : أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات ، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله : { كُنَّ } فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن ، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله : { كُنَّ } وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ .
الحجة الخامسة : أن { كُنَّ } لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة .
الحجة السادسة : أن { كُنَّ } كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف متقدماً على النون ، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما ، فإن كان الأول لم يكن لكلمة { كُنَّ } أثر البتة ، بل التأثير لأحد هذين الحرفين ، وإن كان الثاني فهو محال ، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً ، وحين جاء الثاني فقد فات الأول ، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة .
الحجة السابعة : قوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] بين أن قوله : { كُنَّ } متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه ، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله : { كُنَّ } في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه :
الأول : وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض :
{ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] . الثاني : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل . الثالث : أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم؛ { كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } [ البقرة : 65 ] ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم . الرابع : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول . (2/315)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)
اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين ، ففيه مسائل : (2/316)
المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد ، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة ، وقال أكثر المفسرين؛ هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا } [ الإسراء : 90 ] وقالوا : { فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } [ الأنبياء : 5 ] ، وقالوا { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا } [ الفرقان : 21 ] هذا قول أكثر المفسرين ، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك ، والدليل عليه قوله تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } [ النساء : 153 ] فإن قيل : الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون ، وأهل الكتاب أهل العلم ، قلنا : المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي ، وأهل الكتاب كانوا كذلك .
المسألة الثانية : تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلا بد وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول : يا محمد ، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى : { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى } [ النجم : 10 ] فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضاً فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة ، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تشابهت قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه . الأول : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة ، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج ، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آية من ربه قل إِنَّمَا الايات عِندَ الله وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ } [ العنكبوت : 50 ، 51 ] فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية . وثانيها : لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها ، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى :
{ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } [ الأنفال : 23 ] . وثالثها : إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهياً إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف ، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة ، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة . (2/317)
أما قوله تعالى : { تشابهت قُلُوبُهُمْ } فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم ، فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ، كقولهم : { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } [ البقرة : 61 ] وقولهم : { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] وقولهم : { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } [ البقرة : 67 ] وقولهم : { أَرِنَا الله جَهْرَةً } [ النساء : 153 ] فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد واللجاج وطلب الباطل .
أما قوله تعالى : { قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب ، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، آيات قاهرة ، ومعجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين .
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)
اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لايكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله : { بالحق } وجوه . أحدها : أنه متعلق بالإرسال ، أي أرسلناك إرسالاً بالحق . وثانيها : أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به . وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن ، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيراً لمن أطاع الله بالثواب ونذيراً لمن كفر بالعقاب ، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال : إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشراً لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذراً لمن كفر بك وضل عن دينك . (2/318)
أما قوله تعالى : { وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم } ففيه قراءتان :
الجمهور برفع التاء واللام على الخبر ، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي .
أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه . أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله : { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب } [ الرعد : 40 ] ، وقوله : { عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } [ النور : 54 ] . والثاني : أنك هاد وليس لك من الأمر شيء ، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله : { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } [ فاطر : 8 ] . الثالث : لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت ، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه ، وفي الآية دلالة على أن أحداً لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريباً أو كان بعيداً .
أما القراءة الثانية ففيها وجهان ، الأول : روي أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفرهم ، وكان عالماً بأن الكافر معذب ، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي . والثاني : معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب ، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك : لا تسأل عنه ، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره ، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره ، فلا تسأل ، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي : ( وما تسأل ) وقراءة عبد الله ( ولن تسأل ) .
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب ، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال : { قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى ، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ، ألا ترى إلى قوله : { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُمْ } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ، { بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة . { مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } أي معين يعصمك ويذب عنك ، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا : الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه . وثانيها : أن قوله : { بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم } يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق . وثالثها : فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلاً ، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد . ورابعها : فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعاً ونصيراً لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف ، لأن اتباع أهوائهم كفر ، وعندنا لا شفاعة في الكفر . (2/319)
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)
المسألة الأولى : { الذين } موضعه رفع بالابتداء . و { أولئك } ابتداء ثان و { يُؤْمِنُونَ بِهِ } خبره . (2/320)
المسألة الثانية : المراد بقوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } من هم فيه قولان :
القول الأول : أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه . أحدها : أن قوله : { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب ، ومدح على تلك التلاوة ، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل ، فإن قراءتهما غير جائزة . وثانيها : أن قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يدل على أن الإيمان مقصود عليهم ، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك . وثالثها : قوله : { وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن .
القول الثاني : أن المراد بالذين آتاهم الكتاب ، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود ، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم ، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم ، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام .
أما قوله تعالى : { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } فالتلاوة لها معنيان . أحدهما : القراءة . الثاني : الإتباع فعلاً ، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً ، قال الله تعالى : { والقمر إِذَا تلاها } [ الشمس : 2 ] فالظاهر أنه يقع عليهما جميعاً ، ويصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه ، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه ، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه . فأولها : أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما . وثانيها : أنهم خضعوا عند تلاوته ، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم . وثالثها : أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه . ورابعها : يقرؤنه كما أنزل الله ، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ولا يتأولونه على غير الحق . وخامسها : أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد ، وهو تعظيمها ، والانقياد لها لفظاً ومعنى ، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم .
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله : { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ } إلى قوله : { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } شرع سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله ، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل ، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته . وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضاً مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه ، وبيانه من وجوه : (2/321)
أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه . وثانيها : أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين ، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل . وثالثها : أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك . ورابعها : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى ، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم . وخامسها : أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان ، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار ، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام .
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها ، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها ، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى ، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف . (2/322)
أما التكليف فقوله تعالى : { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : العامل في { إِذَا } إما مضمر نحو : واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما { قَالَ إِنّى جاعلك } .
المسألة الثانية : أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره ، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد ، وقال هشام ابن الحكم : إنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط ، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، قال : إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين } [ محمد : 31 ] وقال : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 7 ] وقال في هذه السورة بعد ذلك : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع } [ البقرة : 155 ] وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وكلمة { لَعَلَّ } للترجي وقال : { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 21 ] فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها ، أما العقل فدل على وجوه . أحدها : أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق ، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة : أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال ، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة ، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع ، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا : إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه ، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك ، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه ، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك ، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة . وثانيها : أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر ، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر ، ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك ، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات ، لكان له تعالى علوم غير متناهية ، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية ، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال ، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه ، فالناقص متناه ، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة ، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً ، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال ، فإن قيل : الموجود هو العلم ، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان ، قلنا : العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم ، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال . وثالثها : أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها ، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم ، فإن علم عددها فهي متناهية ، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه ، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل ، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي . ورابعها : أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه ، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه ، وكل ما خرج عنه فهو متناه ، فإذن كل معلوم فهو متناه ، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً . وخامسها : أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه ، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة ، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة ، فاستحال كونه متعلق العلم ، فإن قيل : يبطل هذا بالمحالات والمركبات دخولها في الوجود ، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة ، قلنا : هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا ، وليس جواباً عن كلامنا ، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة ، قال هشام : فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها ، واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة ، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء ، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها ، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها ، والوقوع يدل على الإمكان ، وإنما قلنا : أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى ، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته ، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره ، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص ، وذلك محال ، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلاً وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب .
أما الشبهة الأولى : فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للقدرة ، فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة . (2/323)
وأما الشبهة الثانية : فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها .
وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها : أن الله تعالى لا يعلم عددها ، ولا يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد ، لم يلزم من قولنا : أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل .
وأما الشبهة الرابعة : فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره ، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير ، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها .
وأما الشبهة الخامسة : فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض ، وبالله التوفيق .
المسألة الثالثة : اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق ، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى ، وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى ، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى ، وإما أن يكون بالعكس منه . أما القسم الأول : وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز ، وقال ابن جني بجوازه ، واحتج عليه بالشعر والمعقول ، أما الشعر فقوله :
جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز . القسم الثاني : وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى ، وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك : ضرب زيد غلامه . القسم الثالث : أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك : ضرب غلامه زيد ، فههنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى ، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت : زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً . القسم الرابع : أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ ، وهو كقوله تعالى : { وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ } فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب ، فيصير التقدير : وإذ ابتلى ربه إبراهيم ، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في اللفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً .
المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : ( إبراهام ) بألف بين الهاء والميم ، والباقون ( إبراهيم ) وهما لغتان ، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه ( إبراهيم ربه ) برفع إبراهيم ونصب ربه ، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا . (2/324)
المسألة الخامسة : اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟ فقال بعضهم : اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن هذه الأشياء أمور شاقة ، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو النبوة ، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة ، وأن لا يخون في أداء شيء منها ، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق ، ولهذا قلنا : إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره ، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه ، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره ، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان ، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى ، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية ، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية : تكاليف شاقة شديدة ، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك ، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل ، وقال : إني جاعلك للناس إماماً ، بل قال : { إنى جاعلك } فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة ، واعترض القاضي على هذا القول فقال : هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن ، إلا أنه ليس كذلك ، بل ذكر قوله : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } بعد قوله : { فَأَتَمَّهُنَّ } وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط ، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء ، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال ، ثم أخبر عنه أنه أتمها ، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل ، وهذا مما لا يعد فيه . القول الثاني : أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين ، أحدهما : بكلمات كلفه الله بهن ، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال : { وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } مما شاء كلفه بالأمر بها . والوجه الثاني : بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه ، أي يبلغهم إياها ، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال . أحدها : قال ابن عباس : هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما التي في الرأس : فالمضمضة ، والإستنشاق وفرق الرأس ، وقص الشارب ، والسواك ، وأما التي في البدن : فالختان ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، والاستنجاء بالماء . وثانيها : قال بعضهم : ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام ، عشر منها في سورة براءة :
{ التائبون العابدون } [ التوبة : 112 ] إلى آخر الآية ، وعشر منها في سورة الأحزاب : { إِنَّ المسلمين والمسلمات } [ الأحزاب : 35 ] إلى آخر الآية ، وعشر منها في المؤمنون : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } [ المؤمنون : 1 ] إلى قوله : { أولئك هُمُ الوارثون } [ المؤمنون : 10 ] وروى عشر في : { سَأَلَ سَائِلٌ } [ المعارج : 1 ] إلى قوله : { وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } [ المعارج : 34 ] فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس . وثالثها : أمره بمناسك الحج ، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس . ورابعها : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس ، والقمر ، والكواكب ، والختان على الكبر ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة ، فوفى بالكل فلهذا قال الله تعالى : { وإبراهيم الذى وفى } [ النجم : 37 ] عن الحسن . وخامسها : أن المراد ما ذكره في قوله : { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } [ البقرة : 131 ] . وسادسها : المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم ، والضيافة ، والصبر عليها ، قال القفال رحمه الله : وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة ، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات ، فوجب التوقف والله أعلم . (2/325)
المسألة السادسة : قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماماً ، والسبب مقدم على المسبب ، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول ، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة ، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق ، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب ، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته ، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة ، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة ، وقال آخرون : إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي ، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك ، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة ، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق ، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي : يجوز أن يكون المراد بالكلمات ، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر ، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة ، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة ، وكذا الختان ، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة ، ثم قال : فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه الأشياء كان المراد من قوله : { أتمهن } أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة . (2/326)
المسألة السابعة : الضمير المستكن في { فَأَتَمَّهُنَّ } في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام ، وأداهن أحسن التأدية ، من غير تفريط وتوان . ونحوه : { وإبراهيم الذى وفى } وفي الأخرى لله تعالى بمعنى : فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً .
أما قوله تعالى : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك . وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل التحقيق : المراد من الإمام ههنا النبي ويدل عليه وجوه . أحدها : أن قوله : { لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له ، فحينئذ يبطل العموم . وثانيها : أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً . وثالثها : أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم ، قال الله تعالى :
{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [ الأنبياء : 73 ] والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى ، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به . قال عليه الصلاة والسلام : « إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم » فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل ، قال الله تعالى : { وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار } [ القصص : 41 ] إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً ، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى : { يَدْعُونَ إِلَى النار } كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق ، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد ، قال الله تعالى : { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ التى يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَىْء } [ هود : 101 ] وقال : { وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } [ طه : 97 ] إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه ، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ههنا عليه ، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان ، فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة . (2/327)
المسألة الثانية : أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة ، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام ، وقال الله تعالى في كتابه : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ النحل : 123 ] وقال : { مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } [ البقرة : 130 ] وقال في آخر سورة الحج : { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ } [ الحج : 78 ] وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم .
المسألة الثالثة : القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } [ البقرة : 30 ] فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة ههنا النبوة ، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه ، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص ، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات .
المسألة الرابعة : قوله : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى ، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك ، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه والجميع محال . (2/328)
أما قوله : { مِن ذُرّيَّتِى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الذرية : الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وهوأن تكون منسوبة إلى الذر .
المسألة الثانية : قوله؛ { وَمِن ذُرّيَتِى } عطف على الكاف كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيداً .
المسألة الثالثة : قال بعضهم : إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟ فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك وقال آخرون : إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة ، فأجابه الله تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم ، فإن قيل : هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله : { وَمِن ذُرّيَتِى } أو لم يكن مأذوناً فيه؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً ، قلنا : قوله : { وَمِن ذُرّيَتِى } يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس ، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام .
أما قوله تعالى : { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة وحفص عن عاصم : { عَهْدِي } بإسكان الياء ، والباقون بفتحها ، وقرأ بعضهم : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمون } أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي .
المسألة الثانية : ذكروا في العهد وجوهاً . أحدها : أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل ، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا . وثانيها : { عَهْدِي } أي رحمتي عن عطاء . وثالثها : طاعتي عن الضحاك . ورابعها : أماني عن أبي عبيد ، والقول الأول أولى لأن قوله : { وَمِن ذُرّيَتِى } طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } فقوله : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة .
المسألة الثالثة : الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل ، ولولا ذلك لكان الجواب : لا ، أو يقول : لا ينال عهدي ذريتك ، فإن قيل : أفما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين ، قلنا : بلى ، ولكن لم يعلم حال ذريته ، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم . (2/329)
المسألة الرابعة : الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه . الأول : أن أبا بكر وعمر كانا كافرين ، فقد كانا حال كفرهما ظالمين ، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة . الثاني : أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين ، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة . الثالث : قالوا : كانا مشركين ، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة ، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق ، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية ، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما ، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم ، وقولنا : وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين ، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين ، فلا يلزم من نفى كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمناً والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً ، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلاً قبل ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل ، وأيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية ، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة ، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها ، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الاسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلاً ، وأنه باطل قطعاً فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة؟ والجواب : كل ما ذكرتموه معارض ، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث ، فدل على ما قلناه ، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافراً والتائب عن المعصية لا يسمى عاصياً ، فكذا القول في نظائره ، ألا ترى إلى قوله :
{ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ } [ هود : 113 ] فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم ، وقوله : { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } [ التوبة : 91 ] معناه : ما أقاموا على الإحسان ، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية : النبوة ، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة . (2/330)
المسألة الخامسة : قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين : الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له ، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها من وجهين . الأول : ما بينا أن قوله : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } جواب لقوله : { وَمِن ذُرّيَتِى } وقوله : { وَمِن ذُرّيَتِى } طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال ، فتصير الآية كأنه تعالى قال : لا ينال الإمامة الظالمين ، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه ، فكانت الآية دالة على ما قلناه ، فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة ، قلنا : أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً ، وأما نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك ، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة ، فإن قيل : أليس أن يونس عليه السلام قال : { سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } [ الأنبياء : 87 ] وقال آدم : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف : 23 ] قلنا : المذكور في الآية هو الظلم المطلق ، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام . الوجه الثاني : أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر ، قال الله تعالى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ ياس : 60 ] يعني ألم آمركم بهذا ، وقال الله تعالى : { قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } [ آل عمران : 183 ] يعني أمرنا ، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول : لا يخلو قوله؛ { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين ، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى ، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر ، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين ، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق ، قال عليه السلام :
« لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً ، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم ، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فتياه إذا أفتى ، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته ، قال أبو بكر الرازي : ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً ، قال : وهذا خطأ ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة ، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة ، وأحكامه غير نافذة ، وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء ، وضربه فامتنع من ذلك فحبس ، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً ، فلما خيف عليه ، قال له الفقهاء : تول له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب ، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه ، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة ، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن ، ثم قال : وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة : أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة ، والصلاة خلفه جائزة ، لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة ، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه ، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه ، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً وأن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم . (2/331)
المسألة السادسة : الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين . الأول : أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد : الإمامة . ولا شك أن كل نبي إمام ، فإن الإمام هو الذي يؤتم به ، والنبي أولى الناس ، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً ، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى . الثاني : قال : { لاَ يَنَال عَهْدِي الظالمين } فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة ، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم .
المسألة السابعة؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً ، ولك معه عهداً ، وبين أنك متى تفي بعهدك ، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة : 40 ] ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر ، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر ، أما عهدك فقال فيه : { والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } [ البقرة : 177 ] وقال : { والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } [ المؤمنون : 8 ] وقال : { ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة : 1 ] وقال : { لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } [ الصف : 32 ] وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه : { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } [ التوبة : 111 ] ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدم من قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 115 ] ثم بين كيفية عهده إلينا فقال : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم وَإِذْ أَخَذ } [ ياس : 60 ] ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال : { إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ } [ آل عمران : 183 ] ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : { وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } [ البقرة : 125 ] ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول : العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية ، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية ، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد ، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد ، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول : أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهَا لاَعِبِينَ } [ الأنبياء : 16 ] { مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق } [ الدخان : 39 ] وقال أيضاً : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } [ ص : 27 ] وقال : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون : 115 ] ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته . وثانيها : أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل ، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق : (2/332)
{ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء : 44 ] وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية . وثالثها : أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم ، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله : { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال : { فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ الإسراء : 19 ] فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى ، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال : { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ } [ عبس : 17 ] فهو تعالى وفى بعهده ، وأنت نقضت عهدك . ورابعها : أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته ، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك : { كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى } [ العلق : 6 ، 7 ] . وخامسها : أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء : { وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم : { الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } [ الحديد : 24 ] [ النساء : 37 ] . وسادسها : أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة ، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا ، واعلم أنا لو اشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة ، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها ، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم ، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً ، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } وهذا تخويف شديد لكنا نقول : إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل ، فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين . (2/333)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة ، وهذا شرح التكليف الثاني ، وهو التكليف بتطهير البيت ، ثم نقول : أما البيت فإنه يريد البيت الحرام ، واكتفى بذكر البيت مطلقاً لدخول الألف واللام عليه ، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس ، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة ، ثم نقول : ليس المراد نفس الكعبة ، لأنه تعالى وصفه بكونه ( أمناً ) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى : { هَدْياً بالغ الكعبة } [ المائدة : 95 ] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله : { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة : 28 ] ، والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك ، وقال في آية أخرى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً } [ العنكبوت : 67 ] وقال الله تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم : { رَبِّ اجعل هذا البلد امِنًا } [ إبراهيم : 35 ] فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم ، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت . (2/334)
أما قوله تعالى : { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوباً إذا رجع يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه ، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس ، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين ، والثواب من هذا أخذ ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه ، والمثاب من البئر : مجتمع الماء في أسفلها ، قال القفال قيل : إن مثاباً ومثابة لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج ، وقيل : الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة ، وأصل مثابة مثوبة مفعلة .
المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام ، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال الله تعالى : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ } [ إبراهيم : 37 ] وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه ، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله : { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ } قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة ، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى ، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع ، وأيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا ، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى ، وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف ، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه ، يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند الله تعالى .
المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى : { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ } ووجه الاستدلال به أن قوله : { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ } إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفاً بصفة كونه مثابة للناس ، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس ، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء ، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب ، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى ، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف ، فوجب تحققه في الطواف ، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية ، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب ، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه . (2/335)
أما قوله تعالى : { وَأَمْناً } أي موضع أمن ، ثم لا شك أن قوله : { جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً } خبر ، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر ، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر .
أما القول الأول : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءَامِناً } [ العنكبوت : 67 ] وقوله : { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } [ القصص : 57 ] ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم ، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه ، وأيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه ، قال الله تعالى : { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم } [ البقرة : 191 ] فأخبر عن وقوع القتل فيه .
القول الثاني : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل ، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل ، فكان البيت محترماً بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه ، لا يهيجون على أحد التجأ إليه ، وكانوا يسمون قريشاً : أهل الله تعظيماً له ، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب ، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام :
« إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها كما كانت » فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم ، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز ، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، قال الشافعي رحمه الله : وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، والجواب عنه أن قوله : { وَأَمْناً } ليس فيه بيان أنه جعله أمناً فيماذا فيمكن أن يكون أمناً من القحط ، وأن يكون أمناً من نصب الحروب ، وأن يكون أمناً من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل ، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك ، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى . (2/336)
أما قوله تعالى : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي : { واتخذوا } بكسر الخاء على صيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر .
أما القراءة الأولى : فقوله : { واتخذوا } عطف على ماذا ، وفيه أقوال ، الأول : أنه عطف على قوله : { اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } [ البقرة : 122 ] ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } . الثاني : إنه عطف على قوله : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة : 124 ] والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن ، قال له جزاء لما فعله من ذلك : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقال : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده ، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال ، ونظيره قوله تعالى : { وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ } [ الأعراف : 171 ] . الثالث : أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وكأن وجهه : { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً واتخذوا } أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم ، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح ، أما من قرأ : { واتخذوا } بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى ، فيكون هذا عطفاً على : { جَعَلْنَا البيت } واتخذوه مصلى ، ويجوز أن يكون عطفاً على : { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت } وإذ اتخذوه مصلى .
المسألة الثانية : ذكروا أقوالاً في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو : (2/337)
القول الأول : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام ، ثم هؤلاء ذكروا وجهين : أحدهما : أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضاً فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس . وثانيها : ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } [ البقرة : 127 ] فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام .
القول الثاني : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد . الثالث : أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء . الرابع : الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس ، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه . الأول : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر . وثانيها : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع . وثالثها : ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال : بلى . قال : أفلا نتخذه مصلى؟ قال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية . ورابعها : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام ، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به ، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى . وخامسها : أنه تعالى قال : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع . وسادسها : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ ، أعني : مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال : ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } على مجاز قول الرجل : اتخذت من فلان صديقاً وقد أعطاني الله من فلان أخاً صالحاً ووهب الله لي منك ولياً مشفقاً وإنما تدخل ( من ) لبيان المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم .
المسألة الثالثة : ذكروا في المراد بقوله : { مُصَلًّى } وجوهاً . أحدها : المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء ، قال الله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } [ الأحزاب : 56 ] وهو قول مجاهد ، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن كل الحرم مقام إبراهيم . وثانيها : قال الحسن : أراد به قبلة . وثالثها : قال قتادة والسدي : أمروا أن يصلوا عنده . قال أهل التحقيق : هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة ، وقد دل عليه أيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وههنا بحث فقهي وهو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضاً فللشافعي رضي الله عنه فيه قولان ، أحدهما : فرض لقوله تعالى : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } والأمر للوجوب . والثاني : سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال : هل علي غيرها ، قال : لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلاً مثل طواف القدوم فركعتاه سنة والرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضاً في هذه المسألة والله أعلم . (2/338)
المسألة الرابعة : في فضائل البيت : روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال : « قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولاً؟ قال : المسجد الحرام ، قال : قلت ثم أي؟ قال : ثم المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما؟ قال : أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد » أخرجاه في الصحيحين ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام :
« أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال » . وعن وهب بن منبه قال : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحداً غيره ، فقال : يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري . فقال الله تعالى : إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها وأولاها بذكري وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض ، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح حرمتي ، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها وفدي وزوارها أضيافي اجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض ، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً : { وَأَذّن فِى الناس بالحج يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجٍّ عَميِقٍ } [ الحج : 27 ] يعجون بالتكبير عجاً إلي ويثجون بالتلبية ثجاً ، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي ، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حياً ، فإذا انقلب إلي وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه ، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر ، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس . وعن عطاء قال : أهبط آدم بالهند فقال : يا رب مالي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟ قال : بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت ، فكان موضع قدمي آدم قرى وأنهاراً وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ، وسأل عمر كعباً فقال : أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم عليه السلام ، فقال : يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده . وعن علي رضي الله عنه قال : البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح ، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض ، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً ، وذكر علي رضي الله عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب ، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا : يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ، وعن الزهري قال : بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب ، في الصفح الأول : أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حفاً وباركت لأهلها في اللحم واللبن . وفي الصفح الثاني : أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته . وفي الثالث : أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه . (2/339)
المسألة الخامسة : في فضائل الحجر والمقام ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام : « الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي » وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام : « إنه كان أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك » (2/340)
وعن ابن عباس قال عليه السلام : « ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق » . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال : إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ، لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . أخرجاه في الصحيح . (2/341)
أما قوله تعالى : { وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً وثقنا عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد والميثاق .
أما قوله : { أَن طَهّرَا بَيْتِىَ } فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت ، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار ، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى : وجب تطهيره من الشرك وعبادة غير الله . وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوهاً . أحدها : أن معنى : { طَهّرَا بَيْتِىَ } ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى ، كقوله تعالى : { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ } [ التوبة : 109 ] . وثانيها : عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به ، ومجازه : اجعلاه طاهراً عندهم ، كما يقال : الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا ، وأبو حنيفة ينجسه . وثالثها : ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه ، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب ، كما يقال : طهر الله الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى : { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } [ البقرة : 25 ] فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات ، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً ، والله أعلم . ورابعها : معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك . وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز .
أما قوله تعالى : { لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفاً إذا لزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف ، وقيل : إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه .
المسألة الثانية : في هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به ، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من يصلي هناك . والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود .
المسألة الثالثة : هذه الآية ، تدل على أمور . أحدها : أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص . وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل . وثانيها : تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت . وثالثها : تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه ، قلنا : ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه ، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : { وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق } [ الحج : 29 ] وأيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه ، واحتج مالك بقوله تعالى : { فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } [ البقرة : 144 ] ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه . والجواب : أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد ، بل لا بد وأن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلاً تحت الآية . ورابعها : أن قوله : { لِلطَّائِفِينَ } يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى ، كقوله تعالى : { وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق } أو ثبت حكمه بالسنة ، أو كان من المندوبات . (2/342)
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } [ البقرة : 128 ] وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا مسائل : (2/343)
المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمناً من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان :
السؤال الأول : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك؟
الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئاً آخر .
السؤال الثاني : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها .
والجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة .
المسألة الثانية : { بَلَدًا آمِنًا } يحتمل وجهين . أحدهما : مأمون فيه كقوله تعالى : { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة : 7 ] أي مرضية . والثاني : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد .
المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه . أحدها : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . وثانيها : سأله الأمن من الخسف والمسخ . وثالثها : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً ، ثم سأله الرزق ثانياً ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } وقال في آية أخرى : { رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا }
[ ابراهيم : 35 ] ثم قال في آخر القصة : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } [ ابراهيم : 37 ] إلى قوله : { وارزقهم مّنَ الثمرات } [ إبراهيم : 37 ] واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة . (2/344)
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام : « إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض » وأيضاً قال إبراهيم : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } [ إبراهيم : 37 ] وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام : « اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة » . والقول الثالث : إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة . فالأول : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم . والثاني : بالأمر على ألسنة الرسل .
المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : { بَلَدًا آمِنًا } على التنكير وقال في سورة إبراهيم : { هذا البلد آمِنًا } على التعريف لوجهين . الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } [ إبراهيم : 37 ] فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمناً . الثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً ، فقوله : { اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً ، كقولك : كان اليوم يوماً حاراً ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله : { رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا } فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله : { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : { من آمن منهم } فهو يدل من قوله : { أَهْلِهِ } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله :
{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } [ آل عمران : 97 ] واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين } [ المائدة : 68 ] وأما القياس فمن وجهين : (2/345)
الوجه الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] فصار ذلك تأديباً في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه .
الوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { فَأُمَتّعُهُ } بسكون الميم خفية من أمتعت ، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف .
المسألة الثانية : أمتعه قيل : بالرزق ، وقيل : بالبقاء في الدنيا ، وقيل : بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر ، والمعنى أن الله تعالى كأنه قال : إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلاً ، إذ كان واقعاً في مدة عمره ، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد ، وهو بالنسبة إليهما قليل جداً ، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة ، أما قوله : { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } فاعلم أن في الإضطرار قولين : أحدهما : أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما قال الله تعالى : { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور : 13 ] و { يَوْمٍ يَسْبَحُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر : 48 ] يقال : اضطررته إلى الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارهاً له ، وقالوا : إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها .
والثاني : أن الإضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً ، كقوله تعالى : { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } [ البقرة : 173 ] [ الأنعام : 145 ] [ النحل : 115 ] فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة ، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه ، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار ، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير ، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور ، وبئس المصير ضده . (2/346)
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل : (2/347)
المسألة الأولى : قوله : { وَإِذْ يَرْفَعُ } حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ، والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة ، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها ، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه ، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم .
المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكاً له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفاً على إبراهيم في ذلك ، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين . أحدهما : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران . والثاني : أن يكون أحدهما بانياً للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيىء له الآلات والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً وروي معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : { مِنَ البيت } ثم ابتدؤا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : { تَقَبَّلْ مِنَّا } ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم .
المسألة الرابعة : إنما قال : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء . (2/348)
النوع الأول : في قوله تعالى : { تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : { تَقَبَّلْ مِنَّا } فقال المتكلمون : كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من الله بالقبول توسعاً . وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار ، وأيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى : { والذين ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [ البقرة : 165 ] والله أعلم .
المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون ، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجباً على الله تعالى ، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة ، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة ، والجمد حال بقائه على صورته في الإنجماد والبياض حاراً ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلاً والله أعلم .
المسألة الثانية : إنما عقب هذا الدعاء بقوله : { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك . فإن قيل : قوله : { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإن غيره قد يكون سميعاً . قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره .
النوع الثاني : من الدعاء قوله : { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد ، أو الاستسلام والانقياد ، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة : وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما ، فإن الجعل عبارة عن الخلق ، قال الله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى ، فإن قيل : هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين ، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل وإنه باطل ، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين ، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر ، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد ، بل له معانٍ أخر سوى الخلق . أحدها : جعل بمعنى صير ، قال الله تعالى : { هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً والنوم سُبَاتاً وَجَعَلَ النهار نُشُوراً } [ الفرقان : 47 ] . وثانيها : جعل بمعنى وهب ، نقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس . وثالثها : جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى : { وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] ، وقال : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام : 10 ] . ورابعها : جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : { وجعلناهم أَئِمَّةً } [ الأنبياء : 73 ] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم ، وقال : { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة : 124 ] فهو بالأمر . وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتباً وشاعراً إذا علمته ذلك . وسادسها : البيان والدلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك ، إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصاً وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك ، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلماً له ، ومثاله : من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال : صيرتك أديباً وجعلتك أديباً ، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصاً محتالاً ، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به ، وإنما قلنا : أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذماً ، ولا ثواباً ولا عقاباً ، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد . والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر ، قلنا : لا نسلم وبيانه من وجوه . الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله : { واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائماً ، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال . (2/349)
الثاني : أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله : { لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } [ الفتح : 4 ] ، { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] وقال إبراهيم : { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 26 ] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق ، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال . الثالث : أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد ، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله : { مُسْلِمَيْنِ لَكَ } فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته ، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر ، قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك ، قلنا : هذا مدفوع من وجوه : (2/350)
أحدها : أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة ، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة ، ولا يقال : وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه ، قلنا : نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به ، فكان حمله على الأول أولى . وثانيها : أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب ، فكان ذلك الوصف حاصلاً وأي فائدة في طلبه بالدعاء . وثالثها : أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً ، أما قوله : يحمل ذلك على فعل الألطاف ، قلنا : هذا أيضاً مدفوع من وجوه . أحدها : أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر . وثانيها : أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة ، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز . وثالثها : أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون ، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول : متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع ، فإن وجب فهو المطلوب ، وإن امتنع فهو مانع لا مرجح ، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً وقد فرضناه كذلك هذا خلف ، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال ، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول ، قوله : الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم ، قلنا : إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مراراً وأطواراً والله أعلم .