صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

المسألة الثالثة : قال قوم : قوله تعالى : { وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين ، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان ، أحدهما : الخوارج قالوا : ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب ، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر . وثانيها : المرجئة قالوا : ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر ، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى .

(2/220)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

اعلم أن هذا النوع أيضاً من قبائح أفعالهم : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني به اليهود : { آمنوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } أي بكل ما أنزل الله ، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة «ما» بمعنى الذي تفيد العموم ، قالوا : لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة «ما» تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك : { قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن . وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض .
أما قوله تعالى : { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين : الأول : ما دل عليه قوله تعالى : { وَهُوَ الحق } أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه ، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجباً لا محالة ، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال . الثاني : ما دل عليه قوله : { مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } وتقريره من وجهين ، الأول : أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علماً ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل . الثاني : أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة بل مكذباً لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام .
أما قوله تعالى : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله مِن قَبْلُ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقاً في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة .

(2/221)


المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز .
المسألة الثالثة : قوله : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ } وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه ، أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين . وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك ، وثالثها : أنه لا يتأتى فيه من قبل . فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه . فإن قيل قوله : { ءامَنُواْ } خطاب لهؤلاء الموجودين : { ولم تَقْتُلُونَ } حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما؟ قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين .
المسألة الرابعة : يقال كيف جاز قوله : لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس؟ والجواب فيه قولان . أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك . قال الله تعالى : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين } [ البقرة : 102 ] ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة . والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة ، والله أعلم .

(2/222)


وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)

اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه ، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار .

(2/223)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

اعلم أن في الإعادة وجوهاً : أحدها : أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم : { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وذلك يدل على نهاية لجاجهم .
أما قوله تعالى : { قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد .
المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى : { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ البقرة : 177 ] وكقوله : { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز .
أما قوله تعالى : { وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : واشربوا في قلوبهم حب العجل ، وفي وجه هذا الاستعارة وجهان ، الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، وقوله : { فِى قُلُوبِهِمْ } بيان لمكان الإشراف كقوله : { وَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] . الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال .
المسألة الثانية : قوله : { واشربوا } يدل على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله ، أجابت المعتزلة عنه من وجهين : الأول : ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان : معجب بنفسه ، الثاني : أن المراد من أَشْرب أي زَيَّنه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن . أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل ، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر .
أما قوله تعالى : { بِكُفْرِهِمْ } فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى .
أما قوله : { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب : { أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ } [ هود : 87 ] وكذلك إضافة الإيمان إليهم .
المسألة الثانية : الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] .
أما قوله تعالى : { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم .

(2/224)


قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه . أحدها : أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح الزام الثاني عليه . وثانيها : ما حكى الله عنهم في قوله : { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة : 111 ] وفي قوله : { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة : 18 ] وفي قوله : { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] . وثالثها : اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم ، وأن سائر الفرق مبطلون ، ورابعها : اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه ، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله : { قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الأخرة عِندَ الله خَالِصَةً مّن دُونِ الناس فَتَمَنَّوُاْ الموت } وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة ، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال ، ومن كان في النعم القليلة المنغصة ، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغباً في الموت لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوباً فوجب أن يكون هذا الإنسان راضياً بالموت متمنياً له ، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت . ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبداً ، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس .
فإن قيل لا نسلم أنه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا الموت ، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف عليه المطلوب ، لا بد وأن يكون مطلوباً . قلنا : قلنا الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز أن يكون مطلوباً نظراً إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت .
السؤال الثاني : أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولوا : إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك ، فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكم!

(2/225)


السؤال الثالث : لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر ، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلداً في النار أبداً لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة كألف سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف .
السؤال الرابع : أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن تمني الموت فقال : « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي » وأيضاً قال الله تعالى في كتابه : { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } [ الشورى : 18 ] فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال ، ثم إنه يتحدى القوم بذلك .
السؤال الخامس : أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل : ليتني مت ، لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك ، فإن ذكرناه باللسان فله أن يقول : ما أردت به هذا اللفظ ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول : كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه .
السؤال السادس : هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت فلم قلتم إنهم ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى : { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقاً ، والنزاع ليس إلا فيه . الجواب : قوله ( أولاً ) كون الموت متضمناً للألم يكون كالصارف عن تمنيه ، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ههنا كذلك . قوله ثانياً : إنهم لو قلبوا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم لزمه أن يرضى بالقتل ، قلنا : الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمداً كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر ، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق ، قوله ثالثاً : كانوا خائفين من عقاب الكبائر ، قلنا : القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعاً : نهى عن تمني الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات ، روي أن علياً رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت ، وقال عمار رضي الله عنه بصفين :

(2/226)


الآن ألقي الأحبة ... محمداً وحزبه
وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمني الموت على أن هذا النهي مختص بسبب مخصوص فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله ، فأين هذا من التمني الذي يدل على صحة النبوة . قوله خامساً : إنهم ما عرفوا أن المراد هو التمني باللسان أو بالقلب ، قلنا : التمني في لغة العرب لا يعرف إلا ما يظهر ( منه ) كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب من ذلك لا يسمى بهذا الاسم ، وأيضاً فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره ، قوله سادساً : ما الدليل على أنه ما وجد التمني ، قلنا من وجوه ، أحدها : أنه لو حصل ذلك لنقل نقلاً متواتراً لأنه أمر عظيم فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة ، فوجب أن ينقل نقلاً متواتراً ، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد ، وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة والوصول إلى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها المخالف قهراً والموافق طوعاً لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى إليه بأنهم لا يتمنونه . وثالثها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً »

(2/227)


، وقال ابن عباس : لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا ، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر فحصلت الحجة ، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال ، ولنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى : { قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الأخرة } فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة .
وأما قوله تعالى : { عَندَ الله } فليس المراد المكان بل المنزلة ولا العند أيضاً في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها .
وأما قوله تعالى : { خَالِصَةً } فنصب على الحال من الدار الآخرة ، أي سالمة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق ، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى و ( الناس ) للجنس ، وقيل : للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله إلا من كان هوداً أو نصارى ولأنه لم يوجد ههنا معهود .
وأما قوله : { مّن دُونِ الناس } فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً : هذا لك من دون الناس .
وأما قوله تعالى : { فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون الأمر موجوداً والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم .
المسألة الثانية : في هذا التمني قولان ، أحدهما : قول ابن عباس إنهم يتحدوا بأن يدعو الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب . والثاني : أن يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ .
أما قوله تعالى : { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ } فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة ، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي .
وأما قوله تعالى : { أَبَدًا } فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان .
وأما قوله تعالى : { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } فبيان للعلة التي لها لا يتمنون ( الموت ) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت .
وأما قوله تعالى : { والله عليهم بالظالمين } فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي ، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا : { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } وقال في سورة الجمعة : { وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً } فلم ذكر ههنا ( لن ) وفي سورة الجمعة «لا» قلنا : إنهم في هذه السورة ، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب ، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ : «لن» لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي ، والله أعلم .

(2/228)


وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى الحياة فقال : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } .
أما قوله تعالى : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ } فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى المفعولين في قوله : وجدت زيداً ذا حفاظ ، ومفعولاه «هم» و «أحرص» وإنما قال : { على حياة } بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي «على الحياة» أما الواو في قوله : { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } ففيه ( ثلاثة أقول ) :
أحدها : أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك : هو أسخى الناس ومن حاتم . هذا قول الفراء والأصم . فإن قيل : ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا : بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقياً باعظم التوبيخ ، فإن قيل : ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلنا : لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك .
القول الثاني : أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله : «على حياة» ( و ) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ له مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 164 ] .
القول الثالث : أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره . ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة ، ثم فسر هذه المحبة بقوله : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } وهو قول أبي مسلم ، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد : ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم . إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم .
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله تعالى : { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } على ثلاثة أقوال قيل المجوس : لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نيروز وألف مهرجان ، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم : زي هزارسال ، وقيل : المراد مشركوا العرب وقيل : كل مشرك لا يؤمن بالمعاد ، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف سنة ، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب .

(2/229)


أما قوله تعالى : { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } فالمراد أنه تعالى بين بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد ، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت؟
أما قوله تعالى : { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أن قوله : { وَمَا هُوَ } كناية عماذا؟ فيه ثلاثة أقوال ، أحدها : أنه كناية عن «أحدهم» الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره ، وثانيها : أنه ضمير لما دل عليه «يعمر» من مصدره و ( أن يعمر ) بدل منه ، وثالثها : أن يكون مبهماً و ( أن يعمر ) موضحه .
المسألة الثانية : الزحزحة التبعيد والإنحاء ، قال القاضي : والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول .
وأما قوله تعالى : { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فاعلم أن البصر قد يراد به العلم ، يقال : إن لفلان بصراً بهذا الأمر ، أي معرفة ، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال : إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى حُمِلَ هذا البصر على العلم لا محالة والله أعلم .

(2/230)


قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن قوله تعالى : { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة ، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً ، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال : يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال عليه السلام : « تنام عيناي ولا ينام قلبي » قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم والدم والظفر والشعر ، فمن المرأة فقال صدقت . فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال : أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له ، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟ فقال عليه السلام : « أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب ، وهو لحمان الإبل وألبانها؟ فقالوا : نعم . فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك ، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟ قال جبريل : قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك ، » فقال عمر : وما مبدأ هذه العداوة؟ فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له : بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس ، فلا فائدة في قتله ، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا ، فلذلك نتخذه عدواً ، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر؛ فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين . وثانيها : روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب ، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم : وما منزلتهما من الله؟ قالوا : أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً الله ، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم :

(2/231)


« لقد وافقك ربك يا عمر » قال عمر : لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر ، وثالثها : قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا ، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات .
واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله : { مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله } مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه ، أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر ، وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟ وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه .
المسألة الثانية : من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن جبريل عدوهم قالوا : لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك ، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق ، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا؛ { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ }

(2/232)


[ الأعراف : 138 ] .
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير : «جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها ، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : جبريل معناه عبد الله ، ف «جبر» عبد و «إيل» الله : وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم ، قال : أبو علي السوسي : هذا لا يصح لوجهين : أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله «أيل» والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً .
أما قوله تعالى : { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ } ففيه سؤالات :
السؤال الأول : الهاء في قوله تعالى : «فإنه» وفي قوله : «نزله» إلى ماذا يعود؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية : على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله : { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } [ فاطر : 45 ] يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم . أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله . قال صاحب «الكشاف» : إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ، وثانيهما : المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه .
السؤال الثاني : القرآن : إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك؟ الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله : { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193 ] وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته ، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال : نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه .
السؤال الثالث : كان حق الكلام أن يقال على قلبي ، والجواب : جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي ، من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك .
السؤال الرابع : كيف استقام قوله : { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } جزاء للشرط؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله ، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً ، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة ، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك ، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك ، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه .

(2/233)


أما قوله تعالى : { بِإِذُنِ الله } فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة بالعلم لوجوه . أولها؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن . وثانيها : أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم . وثالثها : أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة .
أما قوله تعالى : { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب ، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب ، فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها؟ قلنا : الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة ، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع .
أما قوله تعالى : { وهدى } فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين . أحدهما : بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى . وثانيهما : بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى ، ولما كان الأول مقدماً على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى ، فإن قيل : ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى إنما خصهم بذلك ، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } . والثاني : أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين ، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين ، فلهذا خصهم الله به .
أما الآية الثانية وهي قوله تعالى : { مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ } فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى : { مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد ، وجب أن يكون عدواً لله تعالى ، بين في هذه الآية أن من كان عدواً لله كان عدواً له ، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم ، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر ، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه ، وههنا سؤالات :

(2/234)


السؤال الأول : كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو ، وذلك محال على الله تعالى؟ والجواب : أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به ، وذلك محال على الله تعالى ، بل المراد منه أحد وجهين ، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله : { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة : 33 ] وكقوله : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ الأحزاب : 57 ] لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه ، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة ، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم ، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة ، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم .
السؤال الثاني : لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة؟ الجواب لوجهين ، الأول : أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنساً آخر سوى جنس الملائكة ، الثاني : أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما ، فلا جرم نص على اسميهما ، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل ، وإذا ثبت هذا فنقول : يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه ، أحدها : أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر ، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً فوجب أن يكون مستقبحاً شرعاً لقوله عليه السلام : « ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن » ، وثانيها : أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح ، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان ، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل ، وثالثها : قوله تعالى في صفة جبريل : { مطاع ثَمَّ أَمِينٍ } [ التكوير : 21 ] ذكره يوصف المطاع على الإطلاق ، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه .
المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار ، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل ، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل ، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل ، وميكئيل كميكعيل ، قال ابن جنّي : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه .
المسألة الثالثة : الواو في جبريل وميكال ، قيل : واو العطف ، وقيل : بمعنى أو يعني من كان عدواً لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين .
المسألة الرابعة : { عَدُوٌّ للكافرين } أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة كفر .

(2/235)


وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99)

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه : فقال لهم معاذ بن جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته ، فقال بعضهم ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وقال بعضهم : لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر . قال القاضي : الأولى تخصيص ذلك بالقرآن؛ لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخصَّ بالقرآن؛ والله أعلم .
المسألة الثانية : الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه ، أحدها : أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاضُ القرآن دالةً بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات ، وثانيها : أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب ، وثالثها : أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة ، فإن قيل : الدليل لا يكون إلا بيناً فما معنى وصف الآيات بكونها بينة ، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال ، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل ، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علماً وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه . قلنا : التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب ، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب ، وهذا هو الآية البينة .
المسألة الثالثة : الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً .
أما قوله : { وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الكفر بها من وجهين . أحدهما : جحودها مع العلم بصحتها . والثاني : جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه .

(2/236)


المسألة الثانية : الفسق في اللغة خروج الإنسان عما حد له قال الله تعالى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } [ الكهف : 50 ] وتقول العرب للنواة : إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة ، وقد يقرب من معناه الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد [ إذا صار إليه ] فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد . فإن قيل : أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله ولا يوصف بالفسق والفجور؟ قلنا : إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر وكذلك الفسق إنما يقال : إذا عظم التعدي . إذا ثبت هذا فنقول في قوله : { إِلاَّ الفاسقون } وجهان ، أحدهما : أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى . الثاني : أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع .

(2/237)


أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)

اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { أَوَ كُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا } واو عطف دخلت عليه همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» : الواو للعطف على محذوف معناه : أكفروا بالآيات والبينات وكلما عاهدوا ، وقرأ أبو السماك بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة وقرىء عوهدوا وعهدوا .
المسألة الثالثة : المقصود من هذا الاستفهام ، الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل بقول : { أَوَ كُلَّمَا عاهدوا } على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه ، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك .
المسألة الرابعة : في العهد وجوه ، أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى ، وثانيها : أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم ، وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه ، ورابعها : أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحداً من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشاً يوم الخندق ، قال القاضي : إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من كفرهم بآيات الله ، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى .
المسألة الخامسة : إنما قال : { نَّبَذَهُ فَرِيقٌ } لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر ، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وفيه قولان ، الأول : أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم ، والثاني : لا يؤمنون : أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه .

(2/238)


وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

اعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقاً لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة .
أما قوله تعالى : { نَبَذَ فَرِيقٌ } فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه .
أما قوله تعالى : { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } ففيه قولان ، أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه ، قال هذا القائل : الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ، الثاني : المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه ، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه ، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجَبه .
أما قوله تعالى : { كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فقيل : إنه التوراة ، وقيل : إنه القرآن ، وهذا هو الأقرب ، لوجهين ، الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه ، الثاني : أنه قال : { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن ، فإن قيل : كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به؟ قلنا : إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة .
أما قوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم ، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون ، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم .

(2/239)


وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحر وإقبالهم عليه ودعاؤهم النّاسَ إليه .
أما قوله تعالى : { واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { واتبعوا } حكاية عمن تقدم ذكره وهم اليهود ، ثم فيه أقوال ، أحدها : أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثانيها : أنهم الذين تقدموا من اليهود ، وثالثها : أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا ، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر ، ورابعها : أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره ، إذ لا دليل على التخصيص . قال السدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن ، فهذا قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ } [ البقرة : 101 ] ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر .
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير : { تَتْلُواْ } وجوهاً ، أحدها : أن المراد منه التلاوة والإخبار ، وثانيها : قال أبو مسلم ( تتلوا ) أي تكذب على ملك سليمان . يقال : تلا عليه إذا كذب وتلا عنه ، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران . والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر ، إلا أن المخبر يقال في خبره إذا كان كذباً إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال فيه ، روي عن فلان ، بل يقال : روي عن فلان وأخبر عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا يليق إلا بالأخبار والتلاوة ، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف .
المسألة الثالثة : اختلفوا في الشياطين فقيل : المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين ، وقيل : شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة ، وقيل : هم شياطين الإنس والجن معاً . أما الذين حملوه على شياطين الجن قالوا : إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة ، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون : هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن والإنس والريح التي تجري بأمره . وأما الذين حملوه على شياطين الإنس قالوا : روي في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون ، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى : «ما تتلوا الشياطين» ، واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان . فإن قيل : إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين الجن؟ قلنا : الفرق أن الذي يفعله الإنسان لا بد وأن يظهر من بعض الوجوه ، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفياً فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان .

(2/240)


المسألة الرابعة : أما قوله : { على مُلْكِ سليمان } فقيل في ملك سليمان ، عن ابن جريج ، وقيل على عهد ملك سليمان والأقرب أن يكون المراد واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ويقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم ، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان .
المسألة الخامسة : اختلفوا في المراد بملك سليمان ، فقال القاضي : إن ملك سليمان هو النبوة ، أو يدخل فيه النبوة وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة . وإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولاً على ملكه في الحقيقة . والأصح عندي أن يقال : إن القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان .
المسألة السادسة : السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان عليه السلام وجوه . أحدها : أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم ، وثانيها : أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر . وثالثها : أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسراراً عجيبة فغلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم .
أما قوله تعالى : { وَمَا كَفَرَ سليمان } فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر ، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر : قيل فيه أشياء ، أحدها : ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً ، فأنزل الله هذه الآية . وثانيها : أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه . وثالثها : أن قوماً زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً ، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال : { ولكن الشياطين كَفَرُواْ } يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان ، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولاً بالسحر فقال تعالى : { يُعَلّمُونَ الناس السحر } واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه .

(2/241)


المسألة الأولى : في البحث عنه بحسب اللغة فنقول : ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه ، قال لبيد :
ونسحر بالطعام وبالشراب ... قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع ، والآخر : نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال :
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر
وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر ، والسحر هو الرئة ، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها : «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري» ، وقوله تعالى : { إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين } [ الشعراء : 153 ] ، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم : { مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } [ الشعراء : 154 ] ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا ، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة : { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } [ يونس : 81 ] وقال : { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم } [ الأعراف : 116 ] فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة .
المسألة الثانية : اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع ، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله . قال تعالى : { سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } [ الأعراف : 66 ] يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى : { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } [ طه : 66 ] وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد . روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فقال لعمرو : خبرني عن الزبرقان ، فقال : مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره ، فقال الزبرقان : هو والله يعلم أني أفضل منه ، فقال عمرو : إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما ، أرضاني فقلت : أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(2/242)


« إن من البيان لسحراً » فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته ، فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبيء عنه سحراً؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفى لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر؟ قلنا : إنما سماه سحراً لوجهين ، الأول : أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب ، فمن هذا الوجه سمي سحراً ، لا من الوجه الذي ظننت . الثاني : أن المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً وتقبيح ما يكون حسناً فذلك يشبه السحر من هذا الوجه .
المسألة الثالثة : في أقسام السحر : اعلم أن السحر على أقسام . الأول : سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم في مذهبهم . أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم ، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها . أولها : وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز ، فلو كان غير الله فاعلاً للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزاً ، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادراً بالقدرة ، إذ لو كان قادراً لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة ، ويدل عليه وجهان . الأول : أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء ، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها ، فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة ، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادراً بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة . الثاني : أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضاً ، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض ، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضاً ، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة . وثانيها : أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى ، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر ، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه . وثالثها : أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب ، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلاً إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد ، فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء ، لأنا نقول : لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهباً لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال ، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة ، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك ، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز ، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول ، قال القاضي : فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلاً لشيء من ذلك . واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جداً . أما الوجه الأول : فنقول : ما الدليل على أن كل ما سوى الله ، إما أن يكون متحيزاً ، وإما قائماً بالمتحيز ، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة ، وزعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز ، فما الدليل على فساد القول بهذا؟ فإن قالوا : لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلاً لله تعالى ، قلنا : لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية ، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته؟ قوله : الأجسام متماثلة . فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك ، قلنا : ما الدليل على تماثل الأجسام ، فإن قالوا : إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات ، الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى ، قلنا : الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها ، ولا يبعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم ، سلمنا أنه يجب أن يكون قادراً بالقدرة ، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة؟ قوله : لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك ، فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة ، قلنا : هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع عدمي والعدم لا يعلل ، سلمنا أنه أمر وجودي ، ولكن من مذهبهم أن كثيراً من الأحكام لا يعلل ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ، سلمنا أنه معلل ، فلم قلتم : إن الحكم المشترك لا بد له من علة مشتركة ، أليس أن القبح حصل في الظلم معللاً بكونه ظلماً وفي الكذب بكونه كذباً ، وفي الجهل بكونه جهلاً؟ سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة ، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة ، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف ، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك؟ وأما الوجه الأول : وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض ، فنقول : هذا ضعيف ، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدر ، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر . ونظير ما ذكروه أن يقال : ليست مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض ، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفاً للبياض أن يمتنع رؤيته .

(2/243)


ولما كان هذا الكلام فاسداً فكذا ما قالوه ، والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية وزيفها بهذه الأسئلة ، ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في إثبات النبوة والرد على من أثبت متوسطاً بين الله وبيننا . أما الوجه الثاني وهو أن القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الأصل فنقول : إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعاً على فساد هذه القاعدة أو لا يكون . فإن كان الأول امتنع فساد هذا الأصل بالبناء على صحة النبوات ، وإلا وقع الدور ، وإن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية . وأما الوجه الثالث : فلقائل أن يقول الكلام في الإمكان غير ، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الأعصار المتباعدة فكيف يلزمنا ما ذكرتموه؟ فهذا هو الكلام في النوع الأول من السحر .
النوع الثاني من السحر : سحر أصحاب الأوهام والنفس القوية ، قالوا : اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : «أنا» ما هو؟ فمن الناس من يقول : إنه هو هذه البنية ، ومنهم من يقول : إنه جسم صار في هذه البنية ، ومنهم من يقول : بأنه موجود وليس بجسم ولا بجسماني . أما إذا قلنا إن الإنسان هو هذه البنية ، فلا شك أن هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة ، فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الأعصار الباردة أن يكون مزاجه مزاجاً من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم والعلم بالأمور الغائبة عنا والمتعذرة ، وهكذا الكلام إذا قلنا الإنسان جسم سار في هذه البنية ، أما إذا قلنا : إن الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال : النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس إن كانت لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغائبة ، فهذا الاحتمال مما لم تقم دلالة على فساده سوى الوجوه المتقدمة ، وقد بان بطلانها ، ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه . أولها : أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته ، وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي أوجبه ، وثانيها : اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر ، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران ، وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام ، و ثالثها : حكى صاحب الشفاء عن «أرسطو» أن طبائع الحيوان : أن الدجاجة إذ تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك ، ثم قال صاحب الشفاء : وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية ، ورابعها : أجمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر ، فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثاراً وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة وحكمة مخصوصة ، وخامسها : أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادىء القريبة للأفعال الحيوانية ليست إلا التصورات النفسانية لأن القوة المحركة المغروزة في العضلات صالحة للفعل وتركه أو ضده ، ولن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح وما ذاك إلا تصور كون الفعل جميلاً أو لذيذاً أو تصور كونه قبيحاً أو مؤلماً فتلك التصورات هي المبادىء لصيرورة القوى العضلية مبادىء للفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت كذلك بالقوة ، وإذا كانت هذه التصورات هي المبادىء لمبادىء هذه الأفعال فأي استبعاد في كونها مبادىء لأفعال أنفسها وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار ، وسادسها : التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادىء قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان فإن الغضبان تشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيده سخونة قوية .

(2/244)


يحكى أن بعض الملوك عرض له فالج فأعيا الأطباء مزاولة علاجه ، فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض ، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام فزالت تلك العلة المزمنة والمرضة المهلكة . وإذا جاز كون التصورات مبادىء لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادىء لحدوث الحوادث خارج البدن . وسابعها؛ أن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليه العقلاء وذلك أيضاً يحقق إمكان ما قلناه . إذا عرفت هذا فنقول : النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات . وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم ( السماء ) كانت كأنها روح من الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم ، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذه البدن ، فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثير من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس واشتغل الحس به فيتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية ، ولذلك أجمعت الأمم على أنه لا بد لمزاولة هذه الأعمال من انقطاع المألوفات والمشتهيات وتقليل الغذاء والانقطاع عن مخالطة الخلق . وكلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى ، فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظراً إلى ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير ، والسبب المتعين فيه أن النفس إذا أشتغلت بالجانب الأول اشغلت جميع قوتها في ذلك الفعل وإذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها وتوزعت على تلك الأفعال فتصل إلى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة وجدول من ذلك النهر . ولذلك نرى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما بصناعة واحدة واشتغل الآخر بصناعتين . فإن ( ذا الفن ) الواحد يكون أقوى من ذي الفنين ، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره فيها لا بد وأن يفرغ خاطره عما عداها ، فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر بكليته إليه فيكون الفعل أسهل وأحسن ، وإذا كان كذلك فإذا كان الإنسان مشغول الهم والهمة بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مستغرقة فيها ، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذاباً قوياً لا سيما وههنا آفة أخرى وهي أن مثل هذه النفس قد اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره ، ولم تشتغل قط باستحداث هذه الأفعال الغريبة ، فهي بالطبع حنون إلى الأول عزوف إلى الثاني ، فإذا وجدت مطلوبها من النمط الأول فأنى تلتفت إلى الجانب الآخر؟ فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الأعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الأحوال الجسمانية وترك مخالطة الخلق والاقبال بالكلية على عالم الصفاء والأرواح . وأما الرقى فإن كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة ، لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضاً بالأمور المناسبة لذلك الغرض ، فإن الحواس متى تطابقت على التوجه إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى ، وأما إن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ، فإن الإنسان إذا اعتقد أن هذه الكلمات إنما تقرأ للاستعانة بشيء من الأمور الروحانية ولا يدري كيفية تلك الاستعانة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ، ويحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل وجد عظيم ، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض ، وهكذا القول في الدخن ، قالوا : فقد ثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مشتغل بالتأثير ، فإن انضم إليه النوع الأول من السحر وهو الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير ، بل ههنا نوعان آخران ، الأول : أن النفوس التي فارقت الأبدان قد يكون فيها ما هو شديد المشابهة لهذه النفوس في قوتها وفي تأثيراتها ، فإذا صارت تلك النفوس صافية لم يبعد أن ينجذب إليها ما يشابهها من النفوس المفارقة ويحصل لتلك النفوس نوع ما من التعلق بهذا البدن فتتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل ، وإذا كملت القوة وتزايدت قوى التأثير ، الثاني : أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية والنفوس الفلكية ، فتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح ، فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة فهذا شرح سحر أصحاب الأوهام والرقى .

(2/245)


النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة ، أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية وهي في أنفسها مختلفة منها خيرة ومنها شريرة ، فالخيرة هم مؤمنوا الجن والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم ، ثم قال الخلف منهم : هذه الأرواح جواهر قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا حالة في المتحيز وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات ، واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية ، إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة الحاصلة إليها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية ، أما أن الاتصال أسهل فلأن المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الأرواح الأرضية أسهل ، ولأن المشابهة والمشاكلة بينهما أتم وأشد من المشاكلة بين نفوسنا وبين الأرواح السماوية ، وأما أن القوة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى فلأن الأرواح السماوية هي بالنسبة إلى الأرواح الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة ، والبحر بالنسبة إلى القطرة ، والسلطان بالنسبة إلى الرعية . قالوا : وهذه الأشياء وإن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال والإمكان ، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد ، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن .
النوع الرابع من السحر : التخيلات والأخذ بالعيون ، وهذا الأخذ مبني على مقدمات : إحداها : أن أغلاط البصر كثيرة ، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً . وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً ، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً ، والذبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة ، والعنبة ترى في الماء كبيرة كالإجاصة ، والشخص الصغير يرى في الضباب عظيماً ، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيماً ، فإذا فارقته وارتفعت عنه صغرت ، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيراً فظاهر ، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة ، وثانيها : أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار ما ، فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض ، وذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارات ، فإن الحس يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان ، وثالثها : أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء ، فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان آخر ويتكلم معه ، فلا يعرفه ولا يفهم كلامه ، لما أن قلبه مشغول بشيء آخر ، وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما هو أكبر منها ، إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة ، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئاً مما في المرآة ، إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر ، وذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة ، فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين ، أحدهما : اشتغالهم بالأمر الأول ، والثاني : سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جداً ، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله ، فهذا هو المراد من قولهم : إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ العيون إلى غير الجهة التي يحتال فيها وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى سوى مقصوده أقوى كان أحذق في عمله ، وكلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً ، فإن البصر يفيد البصر كلالاً واختلالاً ، وكذا الظلمة الشديدة وكذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالاً واختلالاً ، والألوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها ، فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر .

(2/246)


النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى ، مثل : فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر ، وكفارس على فرس في يده بوق ، كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد ، ومنها الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، حتى يصورونها ضاحكة وباكية ، حتى يفرق فيها ضحك السرور وبين ضحك الخجل ، وضحك الشامت ، فهذه الوجوه من لطيف أمور المخايل ، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب ، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال وهو أن يجر ثقيلاً عظيماً بآلة خفيفة سهلة ، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسباباً معلومة نفيسة من اطلع عليها قدر عليها ، إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسيراً شديداً لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد ، لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر ، ومن هذا الباب عمل «أرجعيانوس» الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه وذلك أنه اتفق له أنه كان مجتازاً بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخاً من فراخ البراصل ، والبراصل هو طائر عطوف وكان يصفر صفيراً حزيناً بخلاف سائر البراصل وكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها عند حاجته ويفضل بعضها عن حاجته فوقف هذا الموسيقار هناك وتأمل حال ذلك الفرخ وعلم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضرباً من التوجع والاستعطاف حتى رقت له الطيور وجاءته بما يأكله فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء إلى ذلك الفرخ لأنها تظن أن هناك فرخاً من جنسها ، فلما صح له ما أراد أظهر النسك وعمد إلى هيكل أورشليم وسأل عن الليلة التي دفن فيها «أسطرخس» الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب فاتخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة ونصبها فوق ذلك الهيكل ، وجعل فوق تلك الصورة قبة وأمرهم بفتحها في أول آب وكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة وكانت البراصل تجيء بالزيتون حتى كانت تمتلىء تلك القبة كل يوم من ذلك الزيتون والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون ويدخل في الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع .
النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية البلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلد عقله وقلت فطنته . واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب والباطل بالحق .

(2/247)


النوع السابع من السحر : تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور ، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه ، بذلك وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة ، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء وإن من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار .
النوع الثامن من السحر : السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس ، فهذا جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه والله أعلم .
المسألة الرابعة : في أقوال المسلمين في أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا؟ أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة ، فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها ولعلهم كفروا من قال بها وجوزوا وجودها ، وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً ، إلا أنهم قالوا : إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة . فأما أن يكون المؤثر في ذلك الفلك والنجوم فلا . وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره ، واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة إنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادراً والشيء الذي حكم العقل بأنه مقدور إنما يصح أن يكون مقدوراً لكونه ممكناً والإمكان قدر مشترك بين كل الممكنات ، فإذن كل الممكنات مقدور لله تعالى ولو وجد شيء من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلاً لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور فيكون الحادث سبباً لعجز الله وهو محال ، فثبت أنه يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة ، قالوا : إذا ثبت هذا فندعي أنه يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر . أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية : { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } ، والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه ، وأما الأخبار فهي واردة عنه صلى الله عليه وسلم متواترة وآحاداً ، أحدها ما روي أنه عليه السلام سحر ، وأن السحر عمل فيه حتى قال : « إنه ليخيل إلى أني أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله » وأن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر ، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العارض وأنزل المعوذتان بسببه ، وثانيها : أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فقالت لها : إني ساحرة فهل لي من توبة؟ فقالت : وما سحرك؟ فقالت : صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا : لي يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت ، فقالا لي : اذهبي فبولي على ذلك الرماد ، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعل وجئت إليهما فقلت : قد فعلت ، فقالا لي : ما رأيت لما فعلت؟ فقلت ما رأيت شيئاً ، فقالا لي : أنت على رأس أمر فاتقي الله ولا تفعلي ، فأبيت فقالا لي : اذهبي فافعلي ، فذهبت ففعلت ، فرأيت كأن فارساً مقنعاً بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا : إيمانك قد خرج عنك وقد أحسنت السحر ، فقلت : وما هو؟ قالا : ما تريدين شيئاً فتصوريه في وهمك ، إلا كان فصورت في نفسي حباً من حنطة ، فإذا أنا بحب ، فقلت : أنزرع فانزرع فخرج من ساعته سنبلاً فقلت : انطحن فانطحن من ساعته ، فقلت : أنخبز فانخبز وأنا لا أريد شيئاً أصوره في نفسي إلا حصل ، فقالت عائشة : ليس لك توبة ، وثالثها : ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب وهي مشهورة .

(2/248)


أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه ، أحدها : قوله تعالى : { وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى } [ طه : 69 ] ، وثانيها : قوله تعالى في وصف محمد صلى الله عليه وسلم : { وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } [ الفرقان : 8 ] ولو صار عليه السلام مسحوراً لما استحقوا الذم بسبب هذا القول ، وثالثها : أنه لو جاز ذلك من السحر فكيف يتميز المعجز عن السحر ثم قالوا : هذه الدلائل يقينية والأخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل .
المسألة الخامسة : في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور : اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف وأيضاً لعموم قوله تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز ، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً وما يكون واجباً كيف يكون حراماً وقبيحاً .
المسألة السادسة : في أن الساحر قد يكفر أم لا ، اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا؟ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقهما بقول فقد كفر بما أنزل على محمد » عليه السلام واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور ، فإنه يكون كافراً على الاطلاق وهذا هو النوع الأول من السحر .

(2/249)


أما النوع الثاني : وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل ، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تكفيره .
أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فههنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل ، وهذا ركيك من القول . فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس ، أما إذا لم يدع النبوة وأظهر هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة . وأما سائر الأنواع التي عددناها من السحر فلا شك أنه ليس بكفر . فإن قيل : إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله تعالى تنزيهاً له عنه : { وَمَا كَفَرَ سليمان } وهذا يدل على أن السحر كفر على الإطلاق وأيضاً قال : { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } وهذا أيضاً يقتضي أن يكون السحر على الإطلاق كفراً . وحكي عن الملكين أنهما لا يعلمان أحداً السحر حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو يدل على أن السحر كفر على الإطلاق ، قلنا : حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة فتحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم .
المسألة السابعة : في أنه هل يجب قتلهم أم لا؟ أما النوع الأول : وهو أن يعتقد في الكواكب كونها آلهة مدبرة . والنوع الثاني : وهو أن يعتقد أن الساحر قد يصير موصوفاً بالقدرة على خلق الأجسام وخلق الحياة والقدرة والعقل وتركيب الأشكال ، فلا شك في كفرهما ، فالمسلم إذا أتى بهذا الاعتقاد كان كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل . وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه لا تقبل توبته ، لنا أنه أسلم فيقبل إسلامه لقوله عليه السلام : « نحن نحكم بالظاهر » ، أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد أن الله تعالى أجرى عادته بخلق الأجسام والحياة وتغيير الشكل والهيئة عند قراءة بعض الرقي وتدخين بعض الأدوية ، فالساحر يعتقد أنه يمكن الوصول إلى استحداث الأجسام والحياة وتغيير الخلقة بهذا الطريق ، وقد ذكرنا عن المعتزلة أنه كفر قالوا : لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه الاستدلال بالمعجز على صدق الأنبياء ، وهذا ركيك لأنه يقال : الفرق هو أن مدعي النبوة إن كان صادقاً في دعواه أمكنه الإتيان بهذه الأشياء وإن كان كاذباً تعذر عليه ذلك فبهذا يظهر الفرق .

(2/250)


إذا ثبت أنه ليس بكافر وثبت أنه ممكن الوقوع فإذا أتى الساحر بشيء من ذلك فإن اعتقد أن إتيانه به مباح كفر ، لأنه حكم على المحظور بكونه مباحاً ، وإن اعتقد حرمته فعند الشافعي رضي الله عنه أن حكمه حكم الجناية ، إن قال : إني سحرته وسحري يقتل غالباً ، يجب عليه القود ، وإن قال : سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد وإن قال سحرت غيره فوافق اسمه فهو خطأ تجب الدية مخففة في ماله لأنه ثبت بإقراره إلا أن تصدقه العاقلة فحينئذ تجب عليهم هذا تفصيل مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال : يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله : إني أترك السحر وأتوب منه ، فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه وإن شهد شهدان على أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل ، وحكى محمد بن شجاع عن علي الرازي قال : سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر : يقتل ولا يستتاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد ، فقال : الساحر جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد ومن كان كذلك إذا قتل قتل ، واحتج أصحابنا بأنه لما ثبت أن هذا النوع ليس بكفر فهو فسق فإن لم يكن جناية على حق الغير كان الحق هو التفصيل الذي ذكرناه . الثاني : أن ساحر اليهود لا يقتل لأنه عليه الصلاة والسلام سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال لها زينب ، فلم يقتلهما فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : « لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين » واحتج أبو حنيفة رحمه الله على قوله بأخبار ، أحدها : ما روى نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها وأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها فبلغ عثمان فأنكره فأتاه ابن عمر وأخبره أمرها فكأن عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه ، وثانيها : ما روى عمرو بن دنيار أنه ورد كتاب عمر رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر ، وثالثها : قال علي بن أبي طالب : إن هؤلاء العرافين كهان العجم ، فمن أتى كاهناً يؤمن له بما يقول : فقد برىء مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . والجواب : لعل السحرة الذين قتلوا كانوا من الكفرة فإن حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة ، وأما سائر أنواع السحر أعني الإتيان بضروب الشعبذة والآلات العجيبة المبنية على ضروب الخيلاء ، والمبنية على النسب الهندسية وكذلك القول فيمن يوهم ضروباً من التخويف والتقريع حتى يصير من به السوداء محكم الاعتقاد فيه ويتمشى بالتضريب والنميمة ويحتال في إيقاع الفرقة بعد الوصلة ، ويوهم أن ذلك بكتابة يكتبها من الاسم الأعظم فكل ذلك ليس بكفر ، وكذلك القول في دفن الأشياء الوسخة في دور الناس ، وكذا القول في إيهام أن الجن يفعلون ذلك ، وكذا القول فيمن يدس الأدوية المبلدة في الأطعمة فإن شيئاً من ذلك لا يبلغ حد الكفر ولا يوجب القتل ألبتة ، فهذا هو الكلام الكلي في السحر والله الكافي والواقي ولنرجع إلى التفسير .

(2/251)


أما قوله تعالى : { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وتعليم ما لا يكون كفراً لا يوجب الكفر ، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر ، وعلى أن السحر أيضاً كفر ، ولمن منع ذلك أن يقول : لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، بل المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر ، فإن قيل : هذا مشكل لأن الله تعالى أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان الناس السحر ، فلو كان تعليم السحر كفراً لزم تكفير الملكين ، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون وأيضاً فلأنكم قد دللتم على أنه ليس كل ما يسمى سحراً فهو كفر . قلنا : اللفظ المشترك لا يكون عاماً في جميع مسمياته ، فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر ، وهو اعتقاد إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات ، فهذا السحر كفر ، والشياطين إنما كفروا لإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام .
وأما الملكان فلا نسلم أنهما علما هذا النوع من السحر ، بل لعلهم يعلمان سائر الأنواع على ما قال تعالى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } وأيضاً فبتقدير أن يقال : إنهما علما هذا النوع لكن تعليم هذا النوع إنما يكون كفراً إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيته وكونه صواباً ، فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفراً ، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزاً عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما : { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } وأما الشياطين الذين علموا الناس السحر فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق .
المسألة الثامنة : قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد «لكن» و «الشياطين» بالنصب على أنه اسم «لكن» والباقون «لكن» بالتخفيف و «الشياطين» بالرفع والمعنى واحد ، وكذلك في الأنفال : { ولكن الله رمى } .

(2/252)


{ ولكن الله قَتَلَهُمْ } [ الأنفال : 17 ] والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن ، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن ، والوجه فيه أن «لكن» بالتخفيف يكون عطفاً فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام ، والمشددة لا تكون عطفاً لأنها تعمل عمل «إن» .
أما قوله تعالى : { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هاروت وماروت } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : «ما» في قوله : { وَمَا أَنَزلَ } فيه وجهان . الأول : أنه بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال . الأول : أنه عطف على ( السحر ) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً . وثانيها : أنه عطف على قوله : { مَا تَتْلُواْ الشياطين } أي واتبعوا ما تتلوه الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين لأن السحر منهما هو كفر وهو الذي تلته الشياطين ، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما ، وثالثها : أن موضعه جر عطفاً على ( ملك سليمان ) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما واحتج عليه بوجوه . الأول : أن السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله تعالى ، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك ، الثاني : أن قوله : { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } يدل على أن تعليم السحر كفر ، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر ، وذلك باطل . الثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى ، الرابع : أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام : { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } [ يونس : 81 ] ثم إنه رحمه الله سلك في تفسير الآية نهجاً آخر يخالف قول أكثر المفسرين ، فقال : كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه ، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر ، وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير ، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما : { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } توكيداً لبعثهم على القبول والتمسك ، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم . الوجه الثاني : أن يكون «ما» بمعنى الجحد ويكون معطوفاً على قوله تعالى : { وَمَا كَفَرَ سليمان } كأنه قال : لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، فرد الله عليهم في القولين قوله : { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } جحد أيضاً أي لا يعلمان أحداً بل ينهيان عنه أشد النهي .

(2/253)


أما قوله تعالى : { حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } أي ابتلاء وامتحان فلا تكفر وهو كقولك ما أمرت فلاناً بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا نالك كذا ، أي ما أمرت به بل حذرته عنه .
وأعلم أن هذه الأقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها ، وذلك لأن عطف قوله : { وَمَا أَنَزلَ } على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل ، أما قوله : لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى . قلنا : تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... قوله ثانياً : إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى : { ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر } ، فالجواب : أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق . قوله ثالثاً : إنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليم السحر فكذا الملائكة . قلنا : لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله . قوله رابعاً : إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة فكيف يضاف إلى الله تعالى ما ينهى عنه؟ قلنا : فرق بين العمل وبين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل منهياً عنه؟ وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأموراً به .
المسألة الثانية : قرأ الحسن : ( ملكين ) بكسر اللام وهو مروي عن الضحاك وابن عباس ثم اختلفوا ، فقال الحسن : كانا علجين أقلفين ببابل يعلمان الناس السحر ، وقيل : كانا رجلين صالحين من الملوك . والقراءة المشهورة بفتح اللام وهما كانا ملكين نزلا من السماء ، وهاروت وماروت اسمان لهما ، وقيل : هما جبريل وميكائيل عليهما السلام ، وقيل غيرهما : أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه ، أحدها : أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر ، وثانيها : كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأمر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } [ الأنعام : 8 ] ، وثالثها : لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك ، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلاً وتلبيساً على الناس وهو غير جائز ، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنساناً ، بل ملكاً من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى :

(2/254)


{ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } [ الأنعام : 9 ] والجواب عن الأول أنا سنبين وجه الحكمة في إنزال الملائكة لتعليم السحر ، وعن الثاني : أن هذه الآية عامة وقراءة الملكين بفتح اللام متواترة وخاصة والخاص مقدم على العام ، وعن الثالث : أن الله تعالى أنزلهما في صورة رجلين وكان الواجب على المكلفين في زمان الأنبياء أن لا يقطعوا على من صورته صورة الإنسان بكونه إنساناً ، كما أنه في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام كان الواجب على من شاهد دحية الكلبي أن لا يقطع بكونه من البشر بل الواجب التوقف فيه .
المسألة الثالثة : إذا قلنا بأنهما كانا من الملائكة فقد اختلفوا في سبب نزولهما فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما أعلمهم الله بآدم وقالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } فأجابهم الله تعالى بقوله : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 30 ] ثم إن الله تعالى وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح ، ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة ، فقال لهم : اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهما إلى الأرض فأختبرهما ، فاختاروا هاروت وماروت ، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب ، فنزلا فذهبت إليهما امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت أن تطيعهما إلا بعد أن يعبدا الصنم ، وإلا بعد أن يشربا الخمر ، فامتنعا أولاً ، ثم غلبت الشهوة عليهما فأطاعاها في كل ذلك ، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت : إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا ، فإن اردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل ، فامتنعا منه ثم اشتغلا بقتله فلما فرغا من القتل وطلبا المرأة فلم يجداها ، ثم إن الملكين عند ذلك ندما وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا وهما يعذبان ببابل معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر ، ثم لهم في الزهرة قولان ، أحدهما : أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له الزهرة وفلكها أن اهبطا إلى الأرض إلى أن كان ما كان ، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى موضعهما من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما . والقول الثاني : أن المرأة كانت فاجرة من أهل الأرض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم ، ثم علماها الاسم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت به وعرجت إلى السماء وكان اسمها «بيدخت» فمسخها الله وجعلها هي الزهرة ، واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك ، بل فيه ما يبطلها من وجوه ، الأول : ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي ، وثانيها : أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره ، فكيف يبخل عليهما بذلك؟ وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم : إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان ولما ظهر فساد هذا القول فنقول : السبب في إنزالهما وجوه .

(2/255)


أحدها : أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة في السحر ، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها ، فبعث الله تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذباً ، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد ، وثانيها : أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة وبماهية السحر ، والناس كانوا جاهلين بماهية السحر ، فلا جرم هذا تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة ، فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض ، وثالثها : لا يمتنع أن يقال : السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أولياء الله كان مباحاً عندهم أو مندوباً ، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض ، ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والألفة بين أعداء الله ، ورابعها : أن تحصيل العلم بكل شيء حسن ولما كان السحر منهياً عنه وجب أن يكون متصوراً معلوماً لأن الذي لا يكون متصوراً امتنع النهي عنه ، وخامسها : لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان بمثلها ، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أموراً يقدرون بها على معارضة الجن ، وسادسها : يجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث أنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب به الثواب الزائد كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال : { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } [ البقرة : 249 ] فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر والله أعلم .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له ، ولا يجوز كونهما رسولين لأنه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول إلى الإنس ملكاً .

(2/256)


المسألة الخامسة : «هاروت وماروت» عطف بيان للملكين ، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا ، وقرأ الزهري : هاروت وماروت بالرفع على : هما هاروت وماروت .
أما قوله تعالى : { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال : وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به وهو قولهما : { إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي ، كقولهم : فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب ، وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان أحداً السحر ولا يصفانه لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة ، فيقولا له : «إنما نحن فتنة» أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز ، ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي ، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة .
أما قوله تعالى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين . الأول : أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافراً ، وإذا صار كافراً بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما ، الثاني : أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة .
المسألة الثانية : أنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر ، لكن ذكر هذه الصورة تنبيهاً على سائر الصور ، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة ، فنبه الله تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى .
أما قوله تعالى : { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ } فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر ، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه ، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه .
أما قوله تعالى : { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم ، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل وفيه وجوه ، أحدها : قال الحسن : المراد منه التخلية ، يعني السحر إذا سحر إنساناً فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر ، وثانيها : قال الأصم : المراد إلا بعلم الله وإنما سمي الأذان أذاناً لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذناً لأن بالحاسة القائمة به يدرك الأذن ، وكذلك قوله تعالى :

(2/257)


{ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج } [ التوبة : 3 ] أي إعلام ، وقوله : { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله } [ البقرة : 279 ] معناه : فاعلموا وقوله : { آذنتكم على سَوَاء } [ الأنبياء : 109 ] يعني أعلمتكم ، وثالثها : أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله وإيجاده وإبداعه وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] . ورابعها : أن يكون المراد بالإذن الأمر وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافراً والكفر يقتضي التفريق ، فإن هذا حكم شرعي ، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى .
أما قوله تعالى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِى الأخرة مِنْ خلاق } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه ، أحدها : أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله ، وثانيها؛ أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا . وثالثها : أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال .
المسألة الثانية : قال الأكثرون : «الخلاق» النصيب ، قال القفال : يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق ومعناه التقدير ومنه خلق الأديم ، ومنه يقال : قدر للرجل كذا درهماً رزقاً على عمل كذا . وقال آخرون : الخلاق الخلاص ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم ... إلا سرابيل قطران وأغلال
بقي في الآية سؤال : وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله : { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } ثم نفاه عنهم في قوله : { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } والجواب من وجوه ، أحدها : أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه وهم الذين قال الله في حقهم : { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون ، وهذا جواب الأخفش وقطرب . وثانيها : لو سلمنا كون القوم واحداً ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر ، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة ، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها . وثالثها : لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار : { عُمياً وبُكماً وصُمّاً } [ الإسراء : 97 ] إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس . ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه : صنعت ولم تصنع .

(2/258)


وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)

اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم ، فإنه تعالى لما بين فيهم الوعيد بقوله : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ } [ البقرة : 102 ] أتبعه بالوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة والعدول عن المعصية .
أما قوله تعالى : { ءامَنُواْ } فاعلم أنه تعالى لما قال : { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ } [ البقرة : 101 ] ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر . قال من بعد : { وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } يعني بما نبذوه من كتاب الله . فإن حملت ذلك على القرآن جاز ، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز؛ وإن حملته على الأمرين جاز ، والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات .
أما قوله تعالى : { لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } ففيه وجوه ، أحدها : أن الجواب محذوف وتقديره ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا إلا أنه تركت الجملة الفعلية إلى هذه الإسمية لما في الجملة الإسمية من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها . فإن قيل : هلا قيل لمثوبة الله خير؟ قلنا : لأن المراد لشيء من ثواب الله خير لهم . وثانيها : يجوز أن يكون قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل : وليتهم آمنوا ، ثم ابتدأ . لمثوبة من عند الله خير .

(2/259)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)

اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى : { ياأيها الذين آمنوا } في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن . قال ابن عباس : وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } [ البقرة : 61 ] ، وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة ، وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات ، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات .
المسألة الثانية : أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى ، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية ، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله : { راعنا } ويأذن في قوله : { انظرنا } وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله : { راعنا } لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً ، أحدها : كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئاً من العلم : راعنا يا رسول الله ، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها : اسمع لا سمعت ، فلما سمعوا المؤمنين يقولون : راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة ، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله : { انظرنا } ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء : { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدين } [ النساء : 46 ] ، وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه ، فقالوا : أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية ، وثانيها : قال قطرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية ، فلا جرم نهى الله عنها ، وثالثها : أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها ، ورابعها : أن قوله : «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين ، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا : أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا ، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال :

(2/260)


{ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } [ النور : 63 ] . وخامسها : أن قوله : «راعنا» خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول : راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره ، وليس في «انظرنا» إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه ، وسادسها : أن قوله : «راعنا» على وزن عاطنا من المعاطاة ، ورامنا من المراماة ، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق ، فالراعن اسم فاعل من الرعونة ، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر . كقولهم : عياذاً بك ، أي أعوذ عياذاً بك ، فقولهم : راعنا : أي فعلت رعونة . ويحتمل أنهم أرادوا به : صرت راعنا ، أي صرت ذا رعونة ، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة . وسابعها : أن يكون المراد لا تقولوا قولاً : راعنا أي : قولاً منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن : كتامر ولابن .
أما قوله تعالى : { وَقُولُواْ انظرنا } ففيه وجوه . أحدها : أنه من نظره أي انظره ، قال تعالى : { انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } [ الحديد : 13 ] فأمرهم تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه ، فلا يحتاجون إلى الاستعاذة . فإن قيل : أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتى يقولون هذا؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه : اسمع أو سمعت . الثاني : أنهم فسروا قوله تعالى : { لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصاً على تحصيل الوحي وأخذ القرآن ، فقيل له : لا تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام ، وثانيها : «انظرنا» معناه «انظر» إلينا إلا أنه حذف حرف «إلى» كما في قوله : { واختار موسى قَوْمَهُ } [ الأعراف : 155 ] والمعنى من قومه ، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى . وثالثها : قرأ أبي بن كعب «أنظرنا» من النظرة أي أمهلنا .
أما قوله تعالى : { واسمعوا } فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر ، فلا يجوز وقوع الأمر به ، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة ، أحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة ، وثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا ، وثالثها : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم ، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول ، ومعنى «العذاب الأليم» قد تقدم .

(2/261)


مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر المؤمنين منهم فقال : { مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وههنا مسألتان : المسألة الأولى : « من » الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب والمشركون ، والدليل عليه قوله تعالى : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } [ البينة : 1 ] والثانية : مزيدة لاستغراق الخير ، والثالثة : لابتداء الغاية .
المسألة الثانية : الخير الوحي وكذلك الرحمة ، يدل عليه قوله تعالى : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } [ الزخرف : 32 ] المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي .
ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك ، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء .

(2/262)


مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً وغداً يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في الآية مرتب على مسائل :
المسألة الأولى : النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء ، وقال القفال : إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه ، وقال تعالى : { إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان } [ الحج : 52 ] أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة . وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك . فإن قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز ، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى ، وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرناً بعد قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً عن الأول ، وقال تعالى : { هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الجاثية : 29 ] فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعاً للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين . أحدهما : أنه لا يمتنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضاً ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير . والثاني : أن أهل اللغة إنما أخطأوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم .
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : ( ما ننسخ ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان . أحدهما : أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد . والثاني : أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلاً . أقبروا فلاناً ، أي اجعلوه ذا قبر ، قال تعالى : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } [ عبس : 21 ] ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( ننسأها ) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير .

(2/263)