صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

[ النساء : 123 ] . وخامسها : قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 15 ] إلى قوله : { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } [ الأنفال : 16 ] . وسادسها : قوله تعالى : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . وسابعها : قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } [ النساء : 29 ] إلى قوله تعالى : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } [ النساء : 30 ] . وثامنها : قوله تعالى : { إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى } [ طه : 74 ، 75 ] فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب . وتاسعها : قوله تعالى : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } [ طه : 111 ] وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا الوعيد ، وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصي : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً * يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } [ الفرقان : 68 ، 69 ] بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود ، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار ، والحادية عشرة : قوله تعالى : { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ وَمَن جَاء بالسيئة } [ النمل : 89 ، 90 ] الآية ، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها ، والثانية عشرة : قوله تعالى : { فَأَمَّا مَن طغى وَءاثَرَ الحياة الدنيا فَإِنَّ الجحيم هِىَ المأوى } [ النازعات : 37 - 39 ] . والثالثة عشرة : قوله تعالى : { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [ الجن : 23 ] الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق ، والرابعة عشرة : قوله تعالى : { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } الآية ، فحكي في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال : { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] ثم إن الله كذبهم فيه ، ثم قال : { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة «من» في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه . أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان ، فوجب كونها موضوعة للعموم ، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط ، لأن على هذا التقدير لايكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط ، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص ، وأما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للاشتراك ، أما أولاً : فلأن الاشتراك خلاف الأصل ، وأما ثانياً : فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته ، فيقال له : أردت الرجال أو النساء ، فإذا قال : أردت الرجال يقال له : أردت العرب أو العجم ، فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ربيعة أو مضر وهلم جراً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة ، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل .

(2/178)


وثانيها : أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت المستثنى منه ، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل ، أما أولاً : فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله : جاءني الفقهاء إلا زيداً وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله : جاءني الفقهاء إلا زيداً فرق لصحة دخول زيد في الكلامين ، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة . وأما ثانياً : فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحداً من أهل اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة «من» في معرض الشرط للعموم ، وثالثها : أنه تعالى لما أنزل قوله : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] الآية قال ابن الزبعرى : لأخصمن محمداً ثم قال : يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك ، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم . النوع الثاني : من دلائل المعتزلة : التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات . إحداها : قوله تعالى : { وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } [ الإنفطار : 14 ] واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون : إن هذه الصيغة تفيد العموم ، وأبو هاشم يقول : إنها لا تفيد العموم ، فنقول : الذي يدل على أنها للعموم وجوه . أحدها : أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام : " الأئمة من قريش " والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة ، لأن قولنا : بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين . أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم ، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(2/179)


« أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله » احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء ، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال : « إلا بحقها » وإن كان الزكاة من حقها ، وثانيها : أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق ، فوجب أن يفيد الاستغراق ، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى : { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ ص : 73 ] وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق ، فبالاجماع ، وأما أنه متى كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد إجماعاً ، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل ، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل ، وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم ، بل في إعطاء حكم جديد ، وكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة ، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان حاصلاً في الأصل . وثالثها : أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة ، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة ، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل ، لأنه معلوم للمخاطب ، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة ، لأنه ليس بعض الجمع أولى من بعض ، فكان يبقى مجهولاً . فإن قلت : إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس ، قلت : هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام ، لأنه لو قال : رأيت رجالاً ، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره ، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق . ورابعها : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم . وخامسها : الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر ، لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال : رأيت رجالاً من الرجال ، ولا يقال رأيت الرجال من رجال ، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع ، إذا ثبت هذا ، فنقول : إن المفهوم من الجمع المعرف ، إما الكل أو ما دونه ، والثاني : باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف ، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيداً للكل والله أعلم . أما على طريقة أبي هاشم ، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين . الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فقوله : { وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } يقتضي أن الفجور هي العلة ، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب ، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله : { وَإِنَّ الفجار } ليست لام تعريف ، بل هي بمعنى الذي ، ويدل عليه وجهان .

(2/180)


أحدهما : أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } [ المائدة : 38 ] ، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم . الثاني : أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى : { إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً } [ الحديد : 18 ] فلولا أن قوله : { إِنَّ المصدقين } بمعنى : إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله : { وَأَقْرِضُواُ الله } وإذا ثبت ذلك كان قوله : { وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } معناه : إن الذين فجروا فهم في الجحيم ، وذلك يفيد العموم . الآية الثانية في هذا الباب : قوله تعالى : { يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً } [ مريم : 85 ، 86 ] ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام وثالثها : قوله تعالى : { وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً } [ مريم : 72 ] ورابعها : قوله تعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ولكن يُؤَخّرُهُمْ } [ النحل : 61 ] بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو حصل عقابهم في ذلك اليوم .
النوع الثالث : من العمومات : صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي ، فأحدها : قوله تعالى : { وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ } [ المطففين : 1 ، 2 ] . وثانيها : قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] . وثالثها : قوله تعالى : { إِنَّ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } [ النحل : 28 ] فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفاً بالله ورسوله . ورابعها : قوله تعالى : { والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } [ يونس : 27 ] ولم يفصل في الوعيد بين الكافر وغيره ، وخامسها : قوله تعالى : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } [ التوبة : 34 ] . وسادسها؛ قوله تعالى : { وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات } [ النساء : 18 ] ولو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد والعذاب لم يكن لهذا القول معنى ، بل لم يكن به إلى التوبة حاجة ، وسابعها : قوله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ } [ المائدة : 33 ] فبين ما على الفاسق من العذاب في الدنيا والآخرة ، وثامنها : قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة } [ آل عمران : 77 ] .
النواع الرابع : من العمومات ، قوله تعالى : { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 180 ] توعد على منع الزكاة .
النوع الخامس من العمومات : لفظة «كل» وهو قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ } [ يونس : 54 ] فبين ما يستحق الظالم على ظلمه .
النوع السادس : ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله تعالى : { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ }

(2/181)


[ ق : 28 ، 29 ] بين أنه لا يبدل قوله في الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين . أحدهما : أنه تعالى جعل العلة في إزاحة العذر تقديم الوعيد ، أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص من عذابه ، والثاني : قوله تعالى : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } وهذا صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دل اللفظ عليه ، فهذا مجموع ما تمسكوا به من عمومات القرآن . أما عمومات الأخبار فكثيرة .
فالنوع الأول : المذكور بصيغة «من» أحدها : ما روى وقاص بن ربيعة عن المسور بن شداد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله من نار جهنم ، ومن أخذ بأخيه كسوة كساه الله من نار جهنم ومن قام مقام رياء وسمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة " وهذا نص في وعيد الفاسق ، ومعنى أقامه : أي جازاه على ذلك ، وثانيها : قال عليه السلام : " من كان ذا لسانين وذا وجهين كان في النار ذا لسانين وذا وجهين " ولم يفصل بين المنافق وبين غيره في هذا الباب ، وثالثها : عن سعيد بن زيد قال عليه السلام : " من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ورابعها : عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هاجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه " . وهذا الخبر يدل على وعيد الفاسق الظالم ويدل على أنه غير مؤمن ولا مسلم على ما يقوله المعتزلة من المنزلة بين المنزلتين . وخامسها : عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جاء يوم القيامة بريئاً من ثلاثة ، دخل الجنة : الكبر والغلول والدين " وهذا يدل على أن صاحب هذه الثلاثة لا يدخل الجنة وإلا لم يكن لهذا الكلام معنى ، والمراد من الدين من مات عاصياً مانعاً ولم يرد التوبة ولم يتب عنه . وسادسها : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً من طرق الجنة ، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه " . وهذا نص في أن الثواب لا يكون إلا بالطاعة ، والخلاص من النار لا يكون إلا بالعمل الصالح ، وسابعها : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة "

(2/182)


وهو صريح في وعيد الفاسق وأنه من أهل الخلود ، لأنه إذا لم يشربها لم يدخل الجنة لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . وثامنها : عن أم سلمة قالت : قال عليه السلام : « إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه فإنما قطعت له قطعة من النار » . وتاسعها : عن ثابت بن الضحاك قال : قال عليه السلام : « من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء يعذب به في نار جهنم » . وعاشرها : عن عبد الله بن عمر قال : قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة : « من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ولا ثواباً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف » . وهذا نص في أن ترك الصلاة يحبط العمل ويوجب وعيد الأبد ، الحادي عشر : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام : « من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن » ولما ثبت أنه لا يكفر علمنا أن المراد منه إحباط العمل ، الثاني عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يهوي في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومن تردى من جبل متعمداً فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً » الثالث عشر : عن أبي ذر قال عليه السلام : « ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، قلت يا رسول الله من هم خابوا وخسروا؟ قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف كاذباً » يعني بالمسبل المتكبر الذي يسبل إزاره ، ومعلوم أن من لم يكلمه الله ولم يرحمه وله عذاب أليم فهو من أهل النار ، ووروده في الفاسق نص في الباب ، الرابع عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : « من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ، ومن لم يجد عرف الجنة » . فلا شك أنه في النار لأن المكلف لا بد وأن يكون في الجنة أو في النارالخامس عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : « من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة » . السادس عشر : عن ابن مسعود قال : قال عليه السلام : « من حلف على يمين كاذباً ليقطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان » وذلك لأن الله تعالى يقول :

(2/183)


{ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } [ آل عمران : 77 ] إلى آخر الآية ، وهذا نص في الوعيد ونص في أن الآية واردة في الفساق كورودها في الكفار ، السابع عشر : عن أبي أمامة قال : قال عليه السلام : " من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرىء مسلم بغير حقه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار ، قيل يا رسول الله : وإن كان شيئاً يسيراً ، قال : وإن كان قضيباً من أراك " . الثامن عشر : عن سعيد بن جبير قال : كنت عند ابن عباس فأتاه رجل وقال : إني رجل معيشتي من هذه التصاوير ، فقال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من صور فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس بنافخ ، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في أذنيه الآنك ومن يرى عينيه في المنام ما لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين " . التاسع عشر : عن معقل بن يسار قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت ، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة " . العشرون : عن ابن عمر في مناظرته مع عثمان حين أراد أن يوليه القضاء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كان قاضياً يقضي بالجهل كان من أهل النار ، ومن كان قاضياً يقضي بالجور كان من أهل النار " . الحادي والعشرون : قال عليه السلام : " من ادعى أباً في الإسلام وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام " . الثاني والعشرون : عن الحسن عن أبي بكرة قال عليه السلام : " من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة " وإذا كان في قتل الكفار هكذا فما ظنك بقتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الثالث والعشرون : عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه السلام : " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " وإذا لم يلبسه في الآخرة وجب أن لا يكون من أهل الجنة لقوله تعالى : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس } [ الزخرف : 71 ] .
النوع الثاني : من العمومات الإخبارية الواردة لا بصيغة «من» وهي كثيرة جداً ، الأول : عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال عليه السلام : " لا يدخل الجنة مسكين متكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله " . ومن لم يدخل الجنة من المكلفين فهو من أهل النار بالإجماعالثاني : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه السلام : " ثلاثة يدخلون الجنة : الشهيد ، وعبد نصح سيده وأحسن عبادة ربه ، وعفيف متعفف ، وثلاثة يدخلون النار : أمير مسلط ، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله ، وفقير فخور " .

(2/184)


الثالث : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : « إن الله خلق الرحم ، فلما فرغ من خلقه قامت الرحم ، فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة ، قال : نعم ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت : بلى . قال : فهو ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاقرؤوا إن شئتم ، { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } ، { أَوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أبصارهم } » [ محمد : 23 ] ، وهذا نص في وعيد قاطع الرحم وتفسير الآية ، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قال الله تعالى : « أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » وفي حديث أبي بكرة أنه عليه السلام قال : « ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم » . الرابع : عن معاذ بن جبل قال : قال عليه السلام لبعض الحاضرين : « ما حق الله على العباد؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً . قال : فما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال : أن يغفر لهم ولا يعذبهم » . ومعلوم أن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم أن لا يغفر لهم إذا لم يعبدوه . الخامس : عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار ، فقال : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه » رواه مسلم . السادس : عن أم سلمة قالت : قال عليه السلام : « الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم » . السابع : عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه السلام : « والذي نفسي بيده لا يبغض أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار » وإذا استحقوا النار ببعضهم فلأن يستحقوها بقتلهم أولى . الثامن : في حديث أبي هريرة : أنا خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام خيبر إلى أن كنا بوادي القرى ، فبينما يحفظ رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم وقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة ، قال رسول الله : « كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم حنين من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً » . فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله فقال عليه السلام : شراك من نار أو شراكين من النار . التاسع : عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(2/185)


" ثلاثة لا يدخلون الجنة : مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر " . العاشر : عن أبي هريرة قال عليه السلام : " ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع الله له يوم القيامة عليه صفائح من نار جهنم يكوي بها جبهته وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون " . هذا مجموع استدلال المعتزلة بعمومات القرآن والأخبار . أجاب أصحابنا عنها من وجوه . أولها : أنا لا نسلم أن صيغة «من» في معرض الشرط للعموم ، ولا نسلم أن صيغة الجمع إذا كانت معرفة باللام للعموم والذي يدل عليه أمور . الأول : أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين ، كل من دخل داري أكرمته وبعض من دخل داري أكرمته ، ويقال أيضاً : كل الناس كذا ، وبعض الناس كذا ، ولو كانت لفظة «من» للشرط تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقضاً ، وكذلك في لفظ الجمع المعرف ، فثبت أن هذه الصيغ لا تفيد العموم . الثاني : وهو أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله ، والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض ، فإن أكثر عمومات القرآن مخصوصة ، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أنه يفيد الاستغراق أو لا يفيد . الثالث : وهو أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها ، لأنها تحصيل الحاصل محال فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة ، سلمنا أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية؟ الأول : ممنوع وباطل قطعاً لأن من المعلوم بالضرورة أن الناس كثيراً ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل والجميع على سبيل المبالغة كقوله تعالى : { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل : 23 ] فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية لم يجز التمسك فيها بهذه العمومات ، سلمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ولكن لا بد من اشتراط أن لا يوجد شيء من المخصصات ، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام ، فلم قلتم : إنه لم يوجد شيء من المخصصات؟ أقصى ما في الباب أن يقال : بحثنا فلم نجد شيئاً من المخصصات لكنك تعلم أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود . وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ لمعنى الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات ، وهذا الشرط غير معلوم كانت الدلالة موقوفة على شرط غير معلوم ، فوجب أن لا تحصل الدلالة ، ومما يؤكد هذا المقام قوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

(2/186)


[ البقرة : 6 ] حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون ، ثم إنا شاهدنا قوماً منهم قد آمنوا فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين : إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص . وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص ، لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص ، مقدم على العام لا محالة ، سلمنا أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد ، ولا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه ، الأول : أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد ، والثاني : أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى . الثالث : وهو أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد ، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى ، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفار ، فلا تكون قاطعة في العمومات ، فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، قلنا : هب أنه كذلك ، ولكن لما رأينا كثيراً من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة ، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها للعموم لا يكون قوياً ، والله أعلم .
أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه . الأول : قوله تعالى : { إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين } [ النحل : 27 ] وقوله تعالى : { إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى } [ طه : 48 ] دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر ، فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين . الثاني : قوله تعالى : { قُلْ ياأهل عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] ، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها ، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب . الثالث : قوله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } [ الرعد : 6 ] وكلمة «على» تفيد الحال كقولك : رأيت الملك على أكله ، أي رأيته حال اشتغاله بالأكل ، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم ، فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولاً به في الباقي . والفرق أن الكفر أعظم حالاً من المعصية . الرابع : قوله تعالى : { فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى * لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى الذى كَذَّبَ وتولى }

(2/187)


[ الليل : 14 16 ] ، وكل نار فإنها متلظية لا محالة ، فكأنه تعالى قال إن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي . الخامس : قوله تعالى : { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ } [ الملك : 8 ، 9 ] ، دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في الكفار ، ألا ترى أنه يقول قبله : { وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المصير * إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } [ الملك : 6- 8 ] . وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا : { بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء } [ الملك : 9 ] ، وليس هذا من قول جميع الكفار لأنا نقول : دلالة ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع من عموم ما بعدها .
أما قوله : إن هذا ليس من قول الكفار قلنا : لا نسلم ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : ما نزل الله من شيء على محمد ، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء . السادس : قوله تعالى : { وَهَلْ نجازى إِلاَّ الكفور } [ سبأ : 17 ] وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكفر الأصلي . السابع : أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان : بيض الوجوه وسودهم قال : { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم فَذُوقُواْ العذاب } [ آل عمران : 106 ] فذكر أنهم الكفار . و الثامن : أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف ، السابقون وأصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار ، ثم بين أنهم كفار بقوله : { وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ } [ الواقعة : 47 ] . التاسع : إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى ، وإنما قلنا : إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله : { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } [ البقرة : 3 ] من أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يخزى لوجوه . أحدها : قوله تعالى : { يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه } [ التحريم : 8 ] . وثانيها : قوله : { إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين } [ النحل : 27 ] . وثالثها : قوله تعالى : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } [ آل عمران : 191 ] إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا : { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } [ آل عمران : 194 ] ، ثم إنه تعالى قال : { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } [ آل عمران : 195 ] ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر ، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا : { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة ، وإنما قلنا : إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى :

(2/188)


{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } [ آل عمران : 192 ] ، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . العاشر : العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله : { والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } [ البقرة : 4 5 ] ، فحكم بالفلاح على كل من آمن ، وقال : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صالحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ هم يحزنون } [ البقرة : 62 ] . فقوله : { وَعَمِلَ صالحا } نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال : { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة } [ النساء : 124 ] وإنها كثيرة جداً ، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة . والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة بعمومات الوعيد ، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى ، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات . الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى : { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } [ الشورى : 25 ] وقوله تعالى : { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] وقوله : { وَمِنْ ءاياته الجوار فِى البحر كالاعلام } [ الشورى : 32 ] إلى قوله : { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِير } [ الشورى : 34 ] وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول : العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه ، وهذا القسم الثاني باطل ، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح ، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال : إنه عفا ، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال : إنه عفا عنه ، إنما يقال له : عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] ولأنه تعالى قال : { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } [ الشورى : 25 ] ، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً من غير فائدة ، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا . الحجة الثانية : الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً ، قال تعالى : { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب } [ غافر : 3 ] وقال : { وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة } [ الكهف : 58 ] وقال : { وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } [ طه : 82 ] وقال : { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير } [ البقرة : 285 ] . والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه ، وإنما قلنا : إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد ، ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب .

(2/189)


فإن قيل : لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود : { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك } [ البقرة : 52 ] والمراد ليس إسقاط العقاب ، بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى : { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 30 ] أي ما يعجل الله تعالى من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها ، وكذا قوله تعالى : { وَمِنْ ءاياته الجوار فِى البحر كالاعلام } [ الشورى : 32 ] إلى قوله : { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } [ الشورى : 34 ] أي لو شاء إهلاكهن لأهلكهن ولا يهلك على كثير من الذنوب . والجواب : العفو أصله من عفا أثره أي أزاله ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من العفو الإزالة لهذا قال تعالى : { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } [ البقرة : 178 ] وليس المراد منه التأخير ، بل الإزالة وكذا قوله : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم ، بل الإسقاط المطلق ، ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال : إنه عفا عنه ولو أسقطه يقال : إنه عفا عنه فثبت أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير . الحجة الثالثة : الآيات الدالة على كونه تعالى رحماناً رحيماً والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب ، والأول : باطل لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم . والأول : باطل لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة ، ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهراً وتكليفاً لا يقال في المعطي إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة ، والثاني : باطل لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عن ذلك التفضل فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى ألبتة رحمة ، ألا ترى أن السلطان المعظم إذا كان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة ، ثم إن السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى ، فإنه لا يقال : إن السلطان رحمه بل يقال : زاد في الإنعام عليه فكذا ههنا . أما القسم الثاني : وهو أن رحمته إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب ، فإما أن تكون رحمته لأنه تعالى ترك العذاب الزائد على العذاب المستحق ، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب والواجب لا يسمى رحمة ولأنه يلزم أن يكون كل كافر وظالم رحيماً علينا لأجل أنه ما ظلمنا ، فبقي أنه إنما يكون رحيماً لأنه ترك العقاب المستحق وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة ، لأن ترك عقابهم واجب ، فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة قبل التوبة ، فإن قيل : لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكليف والرزق كلها تفضل ، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة؟ قلنا : أما الأول فإنه يفيد كونه رحيماً في الدنيا فأين رحمته في الآخرة مع أن الأمة مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا . وأما الثاني : فلأن عندكم التخفيف عن العذاب غير جائز هكذا قول المعتزلة الوعيدية ، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل من قال بأحدهما قال بالآخر .

(2/190)


الحجة الرابعة : قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] ، فنقول : «لمن يشاء» لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة ، فوجب أن يكون المراد منه صاحب الكبيرة قبل التوبة ، وإنما قلنا : لا يجوز حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة لوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } ، معناه أنه لا يغفره تفضلاً لا أنه لا يغفره استحقاقاً دل عليه العقل والسمع وإذا كان كذلك لزم أن يكون معنى قوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أي ويتفضل بغفران ما دون ذلك الشرك حتى يكون النفي والإثبات متوجهين إلى شيء واحد ، ألا ترى أنه لو قال : فلان لا يتفضل بمائة دينار ويعطي ما دونها لمن استحق لم يكن كلاماً منتظماً ، ولما كان غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة مستحقاً امتنع كونهما مرادين بالآية . وثانيها : أنه لو كان قوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أنه يغفر المستحقين كالتائبين وأصحاب الصغائر لم يبق لتمييز الشرك مما دون الشرك معنى لأنه تعالى كما يغفر ما دون الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق فكذلك يغفر الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق ، فلا يبقى للفصل والتمييز فائدة ، وثالثها : أن غفران التائبين وأصحاب الصغائر واجب والواجب غير معلق على المشيئة ، لأن المعلق على المشيئة هو الذي إن شاء فاعله فعله يفعله وإن شاء تركه يتركه فالواجب هو الذي لا بد من فعله شاء أو أبى ، والمغفرة المذكورة في الآية معلقة على المشيئة فلا يجوز أن تكون للمغفرة المذكورة في الآية مغفرة التائبين وأصحاب الصغائر ، واعلم أن هذه الوجوه بأسرها مبينة على قول المعتزلة من أنه يجب غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما نحن فلا نقول ذلك .

(2/191)


ورابعها : أن قوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } يفيد القطع بأنه يغفر كل ما سوى الشرك وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبل التوبة إلا أن غفران كل هذه الثلاثة يحتمل قسمين ، لأنه يحتمل أن يغفر كلها لكل أحد وأن يغفر كلها للبعض دون البعض فقوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } يدل على أنه تعالى يغفر كل هذه الثلاثة ، ثم قوله : { لِمَن يَشَاء } يدل على أنه تعالى يغفر كل تلك الأشياء لا للكل بل للبعض . وهذا الوجه هو اللائق بأصولنا ، فإن قيل : لا نسلم أن المغفرة تدل على أنه تعالى لا يعذب العصاة في الآخرة بيانه أن المغفرة إسقاط العقاب وإسقاط العقاب أعم من إسقاط العقاب دائماً أو لا دائماً واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد من ذينك القيدين ، فإذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على الإسقاط الدائم . إذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ويؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا لمن يشاء ، لا يقال : كيف يصح هذا ونحن لا نرى مزيداً للكفار في عقاب الدنيا على المؤمنين لأنا نقول : تقدير الآية أن الله لا يؤخر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ويؤخر عقاب ما دون الشرك في الدنيا لمن يشاء فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين بتعجيل العقاب للكفار والفساق لتجويز كل واحد من هؤلاء أن يعجل عقابه ، وإن كان لا يفعل ذلك بكثير منهم . سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على سبيل الدوام فلم قلتم إنه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة؟ أما الوجوه الثلاثة الأول : فهي مبنية على أصول لا يقولون بها وهي وجوب مغفرة صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما الوجه الرابع : فلا نسلم أن قوله : { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم ، والدليل عليه أنه يصح إدخال لفظ «كل» و «بعض» على البدل عليه مثل أن يقال : ويغفر كل ما دون ذلك . ويغفر بعض ما دون ذلك ولو كان قوله : { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم لما صح ذلك ، سلمنا أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وذلك لأن الآيات الواردة في الوعيد كل واحد منها مختص بنوع واحد من الكبائر مثل القتل والزنا ، وهذه الآية متناولة لجميع المعاصي والخاص مقدم على العام ، فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية .

(2/192)


والجواب عن الأول : أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن في هذا التفصيل فائدة ، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى : { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } [ الزخرف : 33 ] الآية . قوله : لم قلتم إن قوله : { مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم؟ قلنا : لأن قوله : «ما» تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك ، وهذه الماهية ماهية واحدة ، وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها ، ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران ، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم ، أما قوله : آيات الوعيد أخص من هذه الآية ، قلنا : لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل ، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو .
الحجة الخامسة : أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن ، ثم نقول : لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق ، والترجيح معناه من وجوه . أحدها : أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع ، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه ، و ثانيها : أن قوله تعالى : { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } [ هود : 114 ] يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه ، فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار ، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولاً به في الباقي . وثالثها : قوله تعالى : { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } [ الأنعام : 160 ] ، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال : { كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ثم زاد عليه فقال : { والله يضاعف لِمَن يَشَاء } [ البقرة : 261 ] وأما في جانب السيئة فقال : { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } ، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجح عند الله تعالى على جانب السيئة . و رابعها : أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلاً } [ النساء : 122 ] فقوله : { وَعْدَ الله حَقّا } إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقاً .
أما قوله تعالى : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق : 29 ] الآية ، يتناول الوعد والوعيد .

(2/193)


و خامسها : قوله تعالى : { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً * وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } [ النساء : 110 111 ] والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة ، فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له ، ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد الله معذباً معاقباً ، بل قال : { فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] ولم يقل : وإن أسأتم أسأتم لها فكأنه تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة ، وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح . و سادسها : أنا قد دللنا على أن قوله تعالى : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ لِمَن يَشَاء } [ النساء : 48 ] لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد ، ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد ، لا في سورة واحدة ولا في سورتين ، فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم . و سابعها : أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرف ، فكان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد . و ثامنها : أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً غفاراً وأن له الغفران والمغفرة ، وأنه تعالى رحيم كريم ، وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال ، والأخبار الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو ، وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد . وتاسعها : أن هذا الإنسان أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر ، بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئيماً مؤذياً فكذا ههنا ، فلما لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد . وعاشرها : قال يحيى بن معاذ الرازي : إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعةا إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان!فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو .

(2/194)


وهو كلام حسن ، الحادي عشر : أنا قد بينا بالدليل أن قوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة ، فلو لم تحمله على الكبيرة قبل التوبة لزم تعطيل الآية ، أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم ، ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل ، قالت المعتزلة : ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه . أولها : هو أن الأمة اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقاً للعقاب استحال أن يبقى في تلك الحالة مستحقاً للثواب ، وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحاً على جانب الوعد . أما بيان أنه يلعن ، فالقرآن والإجماع ، أما القرآن فقوله تعالى في قاتل المؤمن : { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } [ النساء : 93 ] وكذا قوله : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } [ الأعراف : 44 ] وأما الإجماع فظاهر ، وأما أنه يحد على سبيل التنكيل فلقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله } [ المائدة : 38 ] وأما أنه يحد على سبيل العذاب فلقوله تعالى في الزاني : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين } [ النور : 2 ] ، وأما أنهم أهل الخزي فلقوله تعالى في قطاع الطريق : { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } إلى قوله تعالى : { ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ المائدة : 33 ] . وإذا ثبت كون الفاسق موصوفاً بهذه الصفات ثبت أنه مستحق للعذاب والذم ، ومن كان مستحقاً لهما دائماً ومتى استحقهما دائماً امتنع أن يبقى مستحقاً للثواب ، لأن الثواب والعقاب متنافيان ، فالجمع بين استحقاقهما محال ، وإذا لم يبق مستحقاً للثواب ثبت أن جانب الوعيد راجح على جانب الوعد ، وثانيها : أن آيات الوعد عامة وآيات الوعيد خاصة والخاص مقدم على العام . وثالثها : أن الناس جبلوا على الفساد والظلم فكانت الحاجة إلى الزجر أشد ، فكان جانب الوعيد أولى ، قلنا : الجواب عن الأول من وجوه : الأول : كما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون ويعذبون في الدنيا بسبب معاصيهم كذلك أيضاً وجدت آيات دالة على أنهم يعظمون ويكرمون في الدنيا بسبب إيمانهم . قال الله تعالى : { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام : 54 ] ، فليس ترجيح آيات الوعيد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يذمون ويعذبون في الدنيا بأولى من ترجيح آيات الوعد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يعظمون بسبب إيمانهم في الدنيا . الثاني : فكما أن آيات الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعيد والنكال في الدنيا ، فلم كان ترجيح آيات وعيد الدنيا على آيات وعيد الآخرة أولى من العكس . الثالث : أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا نكالاً ولكن امتحاناً ، فثبت أن قوله :

(2/195)


{ جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا } [ المائدة : 38 ] مشروط بعدم التوبة ، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون مشروطاً بعدم العفو . والرابع : أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافياً وجب أن لا يجوز العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزياً وكافياً ، فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة ، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول : الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما ، فأما أن يقال : العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع الأمة ، أو يقال : العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب . أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله : { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } لا يتناول الكفر وقوله : { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } [ النساء : 14 ] [ الأحزاب : 36 ] يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله أعلم .
الحجة السادسة : أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة .
الحجة السابعة : قوله تعالى : { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] وهو نص في المسألة . فإن قيل : هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة ، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب ، فما تدل الآية عليه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه؟ سلمنا ذلك ، لكن المراد بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص ، الثاني : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى : { وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب } [ الزمر : 54 ] والإنابة هي التوبة . فدل على أن التوبة شرط فيه ، والجواب عن الأول . أن قوله : { يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل ، ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك ، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة ، فيكون هذا قطعاً بالغفران لا محالة ، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق . ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها ، والاعتراض عليه من وجوه ، الأول : أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو ، لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان ، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو ، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل . الثاني : أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة ، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفاً بالمعصية ، وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصياً لله بقلبه ولسانه وجوارحه ، فأما المسلم الذي يكون مطيعاً لله بقلبه ولسانه ويكون عاصياً لله تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد ، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى ، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال : إنه محيط به ، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافراً . إذا ثبت هذا فنقول قوله : { فأولئك أصحاب النار } يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار ، الثالث : أن قوله تعالى : { فأولئك أصحاب النار } يقتضي كونهم في النار في الحال وذلك باطل ، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار . ونحن نقول بموجبه : لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة ، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية : وهي أن الشرط ههنا أمران ، أحدهما : اكتساب السيئة ، والثاني : إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصول أحدهما . وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم .

(2/196)


وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)

اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد ، وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه ، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان ، وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » ، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق ، وثالثها : أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة ، إلا أن قوله : آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان ، فلهذا حسن أن يقول : { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } . والجواب : أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر ، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله : آمن دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه ، والله أعلم .
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة ، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها ، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت ، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله : { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } ، فإن قيل قوله تعالى : { وَعَمِلُواْ الصالحات } لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة ، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات ، فلا يندرج تحت الآية . قلنا : قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد ، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات ، لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات ، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك ، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد . بقي قولهم : إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم .
المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلاً ، لأن قوله : { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة } للحصر ، فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلاً لم يدخل تحت هذا الحكم ، والله أعلم .

(2/197)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها ، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة ، والموصل إلى النعمة نعمة ، فهذا التكليف لا محالة من النعم ، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى : { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «يعبدون» بالياء والباقون بالتاء ، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم ، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء ، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } فدلت المخاطبة على التاء .
المسألة الثانية : اختلفوا في موضع «يعبدون» من الإعراب على خمسة أقوال :
القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت «أن» رفع الفعل كما قال طرفة :
ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه «أن» وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم .
القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم ، كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون ، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش .
القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصباً كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله .
القول الرابع : قول الفراء أن موضع «لا تعبدون» على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى : { لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا } [ البقرة : 233 ] بالرفع والمعنى على النهي ، والذي يؤكد كونه نهياً أمور . أحدها : قوله : { أَقِيمُواْ } ، وثانيها؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي : { لاَّ تَعْبُدُواْ } . وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي ، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه .
القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون «أن» مع الفعل بدلاً عن الميثاق ، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم .
المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره ، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه ، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد ، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة ، فقوله : { لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله } يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها .

(2/198)


التكليف الثاني : قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } وعلام انتصب؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحساناً . والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحساناً لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان . وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين . الثالث : قيل : بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا .
المسألة الثانية : إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه . أحدها : أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم ، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم ، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية ، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود ، بل بالتربية فقط ، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى . وثانيها : أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر ، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر . وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضاً ألبتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك ، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً مالياً ولا ثواباً ، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه ، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى . الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم ، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه ، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما ، وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين . الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان ، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال : { مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } [ البقرة : 261 ] . السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة ، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى .
المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ، ويدل عليه وجوه . أحدها : أن قوله في هذه الآية : { وبالوالدين إحسانا } غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا ، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم ، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا } . وثانيها : قوله تعالى : { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } الآية ، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما ، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية :

(2/199)


{ وَقُل رَّبّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } [ الإسراء : 23 ، 24 ] فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم . وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله : { ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } [ مريم : 42 ] ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك ، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ النحل : 123 ] .
المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما ألبتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه ، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين .
التكليف الثالث : قوله تعالى : { وَذِى القربى } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم ، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب ، ويدخل الأحفاد والأجداد ، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل . وههنا دقيقة ، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب ، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا ، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافراً ، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب ، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف . قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي ، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا ، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر ، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة ، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم .
المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى ، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين ، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت ، إني أسيء إلي ، إني قطعت . قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ، ثم قرأ { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ »

(2/200)


، والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة ، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة ، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب .
التكليف الرابع : قوله تعالى : { واليتامى } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى ، كقولهم : نديم وندامى ، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم . قال الزجاج : هذا في الإنسان ، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه .
المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به ، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا ، وإذا كان هذا التكليف شاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين .
التكليف الخامس : قوله تعالى : { والمساكين } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : «والمساكين» واحدها مسكين ، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى : { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد : 16 ] وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالاً ، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري . واحتجوا عليه بقوله تعالى : { أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر } [ الكهف : 79 ] جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم .
المسألة الثانية؛ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى ، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين .
المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى ، لا بد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير .
التكليف السادس : قوله تعالى : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : ( حسناً ) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول ، كأنه قال : قولوا للناس قولاً حسناً ، والباقون بضم الحاء وسكون السين ، واستشهدوا بقوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } [ العنكبوت : 8 ] وبقوله : { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء } [ النمل : 11 ] وفيه أوجه ، الأول : قال الأخفش : معناه قولاً ذا حسن . الثاني : يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول : رجل عدل . الثالث : أن يكون معنى قوله : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول . الرابع : حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه .

(2/201)


المسألة الثانية : يقال : لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار؟ والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس : 22 ] . وثانيها : فيه حذف أي قلنا لهم قولوا . وثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل : قلت لا تعبدوا وقولوا .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المخاطب بقوله : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } من هو؟ فيحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته : قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه .
المسألة الرابعة : منهم من قال : إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ، الأول : أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً ، والثاني : قوله تعالى : { لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [ النساء : 148 ] فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم ، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القتال ، ومنهم من قال : إنه دخله التخصيص ، وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان ، أحدهما : أن يكون التخصيص واقعاً بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسناً . والثاني : أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله تعالى . وفي الأمر المعروف ، فعلى الوجه الأول : يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني : يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب ، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص ، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون ، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى : { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل : 125 ] وقال تعالى : { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام : 108 ] وقوله : { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } [ الفرقان : 72 ] وقوله : { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف : 199 ] أما الذي تمسكوا به أولاً من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم ، قلنا : أولاً لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى : { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ الأنعام : 108 ] سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولاً حسناً بيانه : أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعاً في حقهم فكان ذلك اللعن قولاً حسناً ونافعاً ، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسناً ونافعاً من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح ، سلمنا أن لعنهم ليس قولاً حسناً ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن ، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقاً للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقاً للتحقير بسبب كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم ، وأما الذي تمسكوا به ثانياً وهو قوله تعالى :

(2/202)


{ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [ النساء : 148 ] فالجواب لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه؟ وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : « اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس » . المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية ، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق ، أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن كما قال تعالى لموسى وهارون : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى ، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران : 159 ] الآية ، وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر ، قال تعالى : { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل : 125 ] وقال : { ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } [ فصلت : 34 ] وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه ، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } .
المسألة السادسة : ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجباً عليهم في دينهم ، وكذا القول الحسن للناس كان واجباً عليهم ، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب ، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضاً ، كذلك من بعض الوجوه ، وروي عن ابن عباس أنه قال : إن الزكاة نسخت كل حق ، وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصفة فإنه يلزمنا التصدق عليه ، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم بالزكاة كان التصدق واجباً ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به .

(2/203)


التكليف السابع والثامن : قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وقد تقدم تفسيرهما .
واعلم أنه تعالى لما شرح أنه أخذ الميثاق عليهم في هذه التكاليف الثمانية ، بين أنه مع إنعامه عليهم بأخذ الميثاق عليهم بكل ذلك ليقبلوا فتحصل لهم المنزلة العظمى عند ربهم ، تولوا وأساءوا إلى أنفسهم ولم يتلقوا نعم ربهم بالقبول مع توكيد الدلائل والمواثيق عليهم ، وذلك يزيد في قبح ما هم عليه من الإعراض والتولي ، لأن الإقدام على مخالفة الله تعالى بعد أن بلغ الغاية في البيان والتوثق يكون أعظم من المخالفة مع الجهالة ، واختلفوا فيمن المراد بقوله : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه من تقدم من بني إسرائيل ، وثانيها : أنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود ، يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم ، وثالثها : المراد بقوله : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } من تقدم بقوله : { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } ومن تأخر . أما وجه القول الأول أنه إذا كان الكلام الأول في المتقدمين منهم فظاهر الخطاب يقتضي أن آخره فيهم أيضاً إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر ، يبين ذلك أنه تعالى ساق الكلام الأول سياقة إظهار النعم بإقامة الحجج عليهم ، ثم بين من بعد أنهم تولوا إلا قليلاً منهم فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه . أما وجه القول الثاني أن قوله : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } خطاب مشافهة وهو بالحاضرين أليق وما تقدم حكاية ، وهو بسلفهم الغائبين أليق ، فكأنه تعالى بين أن تلك العهود والمواثيق كما لزمهم التمسك بها فذلك هو لازم لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من حال محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته ، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم وأعرضتم عن ذلك إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأسلموا ، فهذا محتمل ، وأما وجه القول الثالث فهو أنه تعالى لما بين أنه أنعم عليهم بتلك النعم ، ثم إنهم تولوا عنها كان ذلك دالاً على نهاية قبح أفعالهم ويكون قوله : { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } مختصاً بمن في زمان محمد صلى الله عليه وسلم أي أنكم بمنزلة المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ هذه المواثيق فإنكم بعد اطلاعكم على دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضتم عنه وكفرتم به ، فكنتم في هذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين في ذلك التولي ، والله أعلم .

(2/204)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

اعلم أن هذه الآية تدل على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى كلفهم هذا التكليف وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه .
وأما قوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } ففيه وجوه . أحدها : أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : أنه خطاب مع أسلافهم ، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم . وثالثها : أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف ومعنى : { أَخَذْنَا ميثاقكم } أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه .
أما قوله تعالى : { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ } ففيه إشكال ، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه . والجواب عنه من أوجه ، أحدها : أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح أو كثير ممن صعب عليه الزمان ، وثقل عليه أمر من الأمور ، فيقتل نفسه ، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفاً به ، وثانيها : المراد لا يقتل بعضكم بعضاً ، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسباً وديناً وهو كقوله تعالى : { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 54 ] وثالثها : أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ، ورابعها : لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم ، وخامسها : لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم .
أما قوله تعالى : { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ } ففيه وجهان ، الأول : لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم ، الثاني : المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك .
أما قوله تعالى : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } ففيه وجوه ، أحدها : وهو الأقوى ، أي : ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها ، وثانيها : اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً . وثالثها : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ، ورابعها : الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال : فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته ، فإن قيل : لم قال : { أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } والمعنى واحد ، قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم ، الثاني : أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون ، الثالث : أنه للتأكيد .

(2/205)


ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

أما قوله تعالى : { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } ففيه إشكال لأن قوله : { أَنتُمْ } للحاضرين و { هَؤُلاء } للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من وجوه ، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء ، وثانيها : تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين ، وثالثها : أنه بمعنى الذي وصلته «تقتلون» وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة . قال الزجاج : ومثله في الصلة قوله تعالى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } [ طه : 17 ] يعني وما تلك التي بيمينك ، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم ، والخبر «تقتلون» ، وأما قوله تعالى : { تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } فقد ذكرنا فيه الوجوه ، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضاً ، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو .
أما قوله تعالى : { تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تظاهرون» بتخفيف الظاء ، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : { وَلاَ تَعَاوَنُواْ } ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى : { اثاقلتم } [ التوبة : 38 ] والحذف أخف والادغام أدل على الأصل .
المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان .
المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق .
المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة .
أما قوله تعالى : { وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : ( أسارى تفادوهم ) بالألف فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون : «أسارى» بالألف و «تفدوهم» بغير ألف و «الأسرى» جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني : جمع أسير ، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال : الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة ، وأنكر ثعلب ذلك ، وقال علي بن عيسى : الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه ، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز .

(2/206)


المسألة الثانية : تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له ، يقال : فداه فدية وتفادوهم من المفاداة .
المسألة الثالثة : جمهور المفسرين قالوا : المراد من قوله : { تفادوهم } وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم ، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك ، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال ، وإن كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر ، قال أبو مسلم والمفسرون : إنما أتوا من جهة قوله تعالى : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم ، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض ، وكلا القولين يحتمل لفظ المفاداة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضاً بذلك ، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب ، لأن عود قوله : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد ، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج ، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس . فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فعيرتهم العرب وقالوا : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا ، وقال آخرون : ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه .
أما قوله تعالى : { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } ففي قوله : { وَهُوَ } وجهان ، الأول : أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم ، الثاني : أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيداً لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم ، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبيناً للأول .
أما قوله : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } فقد اختلف العلماء فيه على وجهين . أحدهما : أخراجهم كفر ، وفداؤهم إيمان ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج ، ولم يذمهم على الفداء ، وإنما ذمهم على المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض ، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية ، فلم سماها كفراً مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر ، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه . وثالثهما : المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء .

(2/207)


أما قوله تعالى : { إلا خزي في الحياة الدنيا } فأصل الخزي الذل والمقت . يقال : أخزاه الله ، إذا مقته وأبعده ، وقيل : أصله الاستحياء ، فإذا قيل : أخزاه الله كأنه قيل : أوقعه موقعاً يستحيا منه ، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم ، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه . أحدها : قال الحسن : المراد الجزية والصغار ، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم ، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه ، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم . وثانيها : إخراج بني النضير من ديارهم ، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم ، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، وثالثها : وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله : «خزي» يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى .
أما قوله : { وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب } ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود ، فكيف قال في حق اليهود : { يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب } والجواب : المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا ، فلفظ «الأشد» وإن كان مطلقاً إلا أن المراد أشد من هذه الجهة .
أما قوله تعالى : { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة ، وجه الأول : البناء على أول الكلام ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، ووجه الثاني : البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة ، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها .

(2/208)


أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد ، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه ، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء ، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى .
أما قوله تعالى : { فَلا يخفف عَنْهُمُ العذاب } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في دخول الفاء في قوله : { فَلاَ يُخَفَّفُ } قولان ، أحدهما : العطف على { اشتروا } والقول الآخر بمعنى جواب الأمر ، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار .
المسألة الثانية : بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم ، لأنه لو انقطع لكان قد خف ، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال : إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات ، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه .
أما قوله تعالى : { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحداً لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا ، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ، ولذلك قال : { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة ، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات .

(2/209)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)

اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة ، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل أنفسهم وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة ، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية . أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة ، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك ، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها .
وأما قوله تعالى : { وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ الرسل } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قفينا ، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء ، أي بعد نحو ذنبه من الذنب ، ونظيره قوله : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } [ المؤمنون : 44 ] .
المسألة الثانية : روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض ، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام ، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة ، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى : { وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل } فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها ، قال القاضي : إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان ، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول ، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل ، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولاً لا شريعة معه أصلاً ، تبين العقليات لهذه العلة ، فكذا القول في مسألتنا : فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله ، وبالجملة ، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى ، فلم قال : إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا؟
المسألة الثالثة : هؤلاء الرسل هم : يوشع ، وشمويل ، وشمعون ، وداود ، وسليمان وشعياء ، وأرمياء ، وعزير ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم .
أما قوله تعالى : { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } ففيه مسائل :

(2/210)


المسألة الأولى : السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له ، وليس كذلك عيسى ، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام .
المسألة الثانية : قيل عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم ، وقيل : مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال ، وبه فسر قول رؤبة
قلت لزير لم تصله مريمة ... المسألة الثالثة : في البينات وجوه . أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس ، وثانيها : أنها الإنجيل . وثالثها : وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه ، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى .
أما قوله تعالى تعالى : { وأيدناه بِرُوحِ القدس } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير «القدس» بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب .
المسألة الثانية : اختلفوا في الروح على وجوه . أحدها : أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه . الأول : أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال : حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفاً له وبياناً لعلو مرتبته عند الله تعالى . الثاني : سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولي لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم . الثالث : أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل . الرابع : سمي جبريل عليه السلام روحاً ، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات ، وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل ، كما قال في القرآن : { رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى : 52 ] وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله . وثالثها : أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى ، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيماً له وتشريفاً ، كما يقال : بيت الله وناقة الله ، عن الربيع ، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان .
واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل ، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها ، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه . أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نوراني ، لطيف فكانت المشابهة أتم ، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى . وثانيها : أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه ، وثالثها : أن قوله تعالى : { وأيدناه بِرُوحِ القدس } يعني قويناه ، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز ، فكان ذلك أولى ، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء .

(2/211)


أما قوله تعالى : { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم استكبرتم } فهو نهاية الذم لهم ، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه ، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه . وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق ، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم .
أما قوله تعالى : { فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقاً قتلتم؟ وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب . الثاني : أن يراد فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال عليه السلام عند موته : « ما زالت أكلة خيبر تعاودني . فهذا أوان انقطاع أبهري » والله أعلم .

(2/212)


وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)

أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ، وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك . أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول ، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان ، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فكان لا يكذبهم الله بقوله : { بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور ، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } [ الكهف : 57 ] وقوله : { إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } وقوله : { وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً } [ يس : 8 ، 9 ] ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان ، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا : ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [ فصلت : 5 ] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين في ذلك ، ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم .
واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم؟
أما قوله تعالى : { بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } ففيه أجوبة . أحدها : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم . وثانيها : المراد من قوله : { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد ، فلم نجد منها شيئاً قوياً . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى :

(2/213)


{ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } [ الأنعام : 20 ] [ البقرة : 146 ] إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر .
أما قوله تعالى : { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه . أحدها : أن القليل صفة المؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم . وثانيها : أنه صفة الإيمان ، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل . وثالثها : معناه لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال : قليلاً ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة . قال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قليلاً ما تنبت ، يريدون ولا تنبت شيئاً . والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا } [ النساء : 155 ] ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم .
المسألة الثانية : في انتصاب «قليلاً» وجوه . أحدها : فإيماناً قليلاً ما يؤمنون «وما» مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون . وثالثها : فصاروا قليلاً ما يؤمنون .

(2/214)


وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)

اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود . أما قوله تعالى : { كِتَابٌ } فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن . أما قوله تعالى : { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقاً لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن ، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات .
المسألة الثانية : قرىء : { مُصَدّقاً } على الحال ، فإن قيل : كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف { كِتَابٌ } بقوله : { مِنْ عِندِ الله } .
المسألة الثالثة : في جواب «لما» ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال } [ الرعد : 31 ] فإن جوابه محذوف وهو . لكان هذا القرآن ، عن الأخفش والزجاج ، وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ } إلى قوله تعالى : { أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } [ المؤمنون : 35 ] عن المبرد ، وثالثها : أن تكون الفاء جواباً للما الأولى { وَكَفَرُواْ بِهِ } جواباً للما الثانية وهو كقوله : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } [ البقرة : 38 ] [ طه : 133 ] الآية عن الفراء .
أما قوله تعالى : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } ففي سبب النزول وجوه . أحدها : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون ، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي . وثانيها؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم ، عن ابن عباس . وثالثها : كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم . ورابعها : نزلت في بني قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث . عن ابن عباس وقتادة والسدي . وخامسها : نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمداً في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث .
أما قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال : وهو أن التوراة نقلت نقلاً متواتراً ، فأما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل ، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظهر في السنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ، فكيف قال الله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } ؟ والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفاً إجمالياً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار .

(2/215)


المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه . أحدها : أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه ، فلما بعث الله تعالى محمداً من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول . وثانيها : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار . وثالثها : لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به .
المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط .
أما قوله تعالى : { فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة ، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً . فإن قيل : أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } [ البقرة : 83 ] وقال : { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الأنعام : 108 ] قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم .

(2/216)


بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)

اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل :
المسألة الأولى : أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا : «علم» إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات ، الأول : على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني . والثاني : اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين ، وكذا يقال : فخذ بكسر الفاء والخاء ، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعاً لما يجاوره . الثالث : إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال : نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال : فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء . الرابع : أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال : نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال : فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء .
واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازماً لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم ، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون : نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد :
ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من شر وضر
ما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر
المسألة الثانية : أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما ، فيقال : نعمت وبئست ، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه .
ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته ... من الناس ذا مال كثير ومعدما
وبما روي أن أعرابياً بشر بمولودة فقيل له : نعم المولود مولودتك ، فقال : والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية .
المسألة الثالثة : اعلم أن «نعم وبئس» أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً ، والمظهر على وجهين ، الأول : نحو قولك ، نعم الرجل زيد لا تريد رجلاً دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق . والثاني : نحو قولك نعم غلام الرجل زيد ، أما قوله :
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم ... وصاحب الركب عثمان بن عفانا
فنادر وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله : «وصاحب الركب» قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم ، وأما المضمر فكقولك : نعم رجلاً زيد ، الأصل : نعم الرجل رجلاً زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه ورجلاً نصب على التمييز ، مثله في قولك : عشرون رجلاً والمميز لا يكون إلا نكرة ، ألا ترى أن أحداً لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا : نعم الرجل بالنصب لكان نقضاً للغرض ، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار ، إذ كان «نعم رجلاً» يدل على الجنس الذي فضل عليه .

(2/217)


المسألة الرابعة : إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخراً كأنه قيل : زيد نعم الرجل ، أخرت زيداً والنية به التقديم ، كما تقول : مررت به المسكين تريد المسكين مررت به ، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلاً تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه ، والوجه الآخر : أن يكون زيد في قولك : نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل ، قيل : من هذا الذي أثنى عليه؟ فقيل : زيد أي هو زيد .
المسألة الخامسة : المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى : { سَاء مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } [ الأعراف : 177 ] محذوفاً وتقديره ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى : { بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : «ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم «أن يكفروا» .
المسألة الثانية : في الشراء ههنا قولان ، أحدهما : أنه بمعنى البيع ، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته . قيل : نعم ما اشترى ، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى : { بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك ، الوجه الثاني : وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال ، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب ، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها ، فذمهم الله تعالى ، وقال : { بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول ، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله تعالى : { أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله } ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره ، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال : { بَغِيّاً } وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلاناً حسداً تنبيهاً بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلاً لا بغياً .

(2/218)


واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام . ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله : { أَن يُنَزّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد .
أما قوله تعالى : { فَبَاءو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير الغضبين وجوه ، أحدها : أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين . أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب ، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة ، الثاني : ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : { عَزِيزٌ ابن الله } [ التوبة : 30 ] . { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } [ المائدة : 64 ] . { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] وغير ذلك من أنواع كفرهم ، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير ، الثالث : أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظم ، وهو قول أبي مسلم . الرابع : الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي .
المسألة الثانية : الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى ، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك .
المسألة الثالثة : أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة .
أما قوله تعالى : { وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم .
المسألة الثانية : العذاب في الحقيقة لا يكون مهيناً لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل ، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه ، فإن قيل : العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف؟ قلنا : كون العذاب مقروناً بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل ، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلاً عليه .

(2/219)