صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

أما قوله تعالى : { عِندَ رَبّهِمْ } فليس المراد العندية المكانية ، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم .
وأما قوله تعالى : { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فقيل : أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب ، وهذا أصح لأن قوله : { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } عام في النفي ، وكذلك : { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصاً في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن ، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة ، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خالياً عن الخوف والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائماً لأنهم لو جوزوا كونه منقطعاً لاعتراهم الحزن العظيم . فإن قال قائل : إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى مَنْ ءامَنَ بالله واليوم االآخر وعَمِلَ صالحا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يحزنون } [ المائدة : 69 ] وفي سورة الحج : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كل شىء شهيد } [ الحج : 17 ] فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع «الصابئين» في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك؟ والجواب : لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد ، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم ، والله أعلم .

(2/137)


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)

اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم :
أما قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } ففيه بحثان :
الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة ، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً ، أحدها : ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم ، وثانيها : ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم : إن فيها كتاب الله فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق ، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين ، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم ، وهذا هو اختيار أبي مسلم . وثالثها : أن لله ميثاقين ، فالأول : حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم ، والثاني : أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد . هذا قول ابن عباس وهو ضعيف . الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما قال : ( ميثاقكم ) ولم يقل مواثيقكم لوجهين ، أحدهما : أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال : { ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } [ غافر : 67 ] أي كل واحد منكم . والثاني : أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد ، والله أعلم .
وأما قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا فوقكم الطور } فنظيره قوله تعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } [ الأعراف : 171 ] وفيه أبحاث :
البحث الأول : الواو في قوله تعالى : { وَرَفَعْنَا } واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل ، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال : فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم . الثاني : قيل : إن الطور كل جبل قال العجاج :

(2/138)


داني جناحيه من الطور فمر ... تقضي البازي إذا البازي كسر
أما الخليل فقال في كتابه : إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم ، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد ، وقال ابن عباس : أمر تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم ، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل ، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم . الثالث : من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز ، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول . الرابع : قال بعضهم : إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف . أجاب القاضي بأنه لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف .
أما قوله تعالى : { خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل ، قال الجبائي : هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال : خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال : اكتب بالقلم ولا قلم ، وأجاب أصحابنا بأن المراد : خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل .
وأما قوله تعالى : { واذكروا مَا فِيهِ } أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه . فإن قيل : هلا حملتموه على نفس الذكر؟ قلنا : لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به . فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال .
أما قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي لكي تتقوا ، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل ، وجوابه ما تقدم .
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ } أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } فدل ذلك منهم على القبول والالتزام .

(2/139)


أما قوله تعالى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك } أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ، قال القفال رحمه الله : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله . والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم .
أما قوله تعالى : { فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } ففيه بحثان :
الأول : ذكر القفال في تفسيره وجهين . الأول : لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم ، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا . الثاني : أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى : { ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك } ثم قيل : { فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } رجوعاً بالكلام إلى أوله ، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم .
البحث الثاني : أن لقائل أن يقول كلمة { لَوْلاَ } تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره ، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى . وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة : أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض ، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم : لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً ، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن : «لولا» تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً .

(2/140)


وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولاً ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات ، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } [ الأعراف : 163 ] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً ، فقيل لهم : لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا .
المسألة الثانية : المقصود من ذكر هذه القصة أمران . الأول : إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ } كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي . الثاني : أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أدبارها } [ النساء : 47 ] .
المسألة الثالثة : الكلام فيه حذف كأنه قال : ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك ، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرماً عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله : { وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } ثم يحتمل أن يقال : إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط ، وأن يقال : إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد .
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت . فإن قيل : لما كان الله نهاهم عن الإصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال :

(2/141)


{ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم } [ الأعراف : 163 ] وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال . قلنا : أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب .
أما قوله تعالى : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : ( قردة خاسئين ) خبر : أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء ، وهو الصغار والطرد .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 4 ] وكقوله تعالى : { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم؛ { كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } صاروا كذلك أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله : { كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً } [ النساء : 47 ] ولا يمتنع أيضاً أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة . فإن قيل : لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه؟ قلنا : أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة ، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظاً لبعض الملائكة أو لغيرهم .
المسألة الثالثة : المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى : { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } [ الجمعة : 5 ] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه : كن حماراً . واحتج على امتناعه بأمرين . الأول : أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداماً للإنسان وإيجاداً للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنساناً وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قرداً فهذا يكون إعداماً وإيجاداً لا أنه يكون مسخاً . والثاني : إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً ، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات . وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل ، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سميناً بعد أن كان هزيلاً ، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجوداً والباقي غير الزائل ، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس ، وذلك الأمر إما أن يكون جسماً سارياً في البدن أو جزءاً في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجوداً مجرداً على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام . وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة ، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها ، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جداً ، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد ، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة . بقي ههنا سؤالان :

(2/142)


السؤال الأول : أنه بعد أن يصير قرداً لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه؟ الجواب : لم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي به يكون الإنسان إنساناً عاقلاً فاهماً كان باقياً إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف والخجالة ، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العرضية .
السؤال الثاني : أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله ، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا؟ الجواب : الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا .
المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الخاسىء الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ ، أي تباعد وانطرد صاغراً فليس هذا الموضع من مواضعك ، قال الله تعالى : { يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك : 4 ] يحتمل صاغراً ذليلاً ممنوعاً عن معاودة النظر لأنه تعالى قال : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الملك : 3 ، 4 ] ، فكأنه قال : ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطوراً فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطوراً فيرتد إليك طرفك ذليلاً كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائباً صاغراً مطروداً من حيث كان يقصده من أن يعاوده .
أما قوله : { فَجَعَلْنَاهَا } فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه . أحدها : قال الفراء : ( جعلناها ) يعني المسخة التي مسخوها ، وثانيها : قال الأخفش : أي جعلنا القردة نكالاً . وثالثها : جعلنا قرية أصحاب السبت نكالاً . رابعها : جعلنا هذه الأمة نكالاً لأن قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره ، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم ، أما النكال فقال القفال رحمه الله : إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها ، ويقال للقيد النكل ، وللجام الثقيل أيضاً نكل لما فيهما من المنع والحبس ، ونظيره قوله تعالى :

(2/143)


{ إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً } [ المزمل : 12 ] وقال الله تعالى : { والله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } [ النساء : 84 ] والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه ، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة ، قال القاضي : اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر ، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالاً وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم ، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق ، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة ، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله : { فجعلناها نكالا } أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم .
أما قوله تعالى : { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } ففيه وجوه . أحدها : لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين ، وثانيها : أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم ، وثالثها : المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده ، وهو قول الحسن .
أما قوله تعالى : { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } ففيه وجهان . أحدهما : أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم ، وإن لم ينزل عاجلاً فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم . وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به ، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم . الثاني : أن يكون معنى قوله : { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } أن يعظ المتقون بعضهم بعضاً أي جعلناها نكالاً وليعظ به بعض المتقين بعضاً فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها ، وهذا خاص لهم دون غير المتقين ، والله أعلم .

(2/144)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات . روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل ، فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه ، فسأله فأوحى الله إليه : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها ، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به ، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه ، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض .
المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير .
المسألة الثالثة : القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم ، وقال منكروا العموم : إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة . يمكن تقسيمه إلى قسمين ، فإنه يصح أن يقال : اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت ، فإذن المفهوم من قولك «اذبح» معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما ، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله : اذبحوا بقرة ، أي بقرة شئتم ، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله : اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله : اذبحوا بقرة معينة نقضاً ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول . الثاني : أن قوله تعالى : { اذبحوا بَقَرَةٌ } كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة ، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد ، فإذن قوله : اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط ، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ ، الثالث : أن قوله تعالى : { بَقَرَةٌ } لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال : رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك ، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم . والجواب : أن هذا مصادرة على المطلوب الأول ، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله : اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت ، وهذا هو عين المتنازع فيه . فهذا هو الكلام في هذه المسألة . إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن قوله تعالى : { اذبحوا بَقَرَةٌ } هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت ، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا : إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة ، وقال المانعون منه : هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك ، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح ، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد ، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً ، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا ههنا . واحتج الفريق الأول بوجوه . الأول : قوله تعالى : { ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } و { مَا لَوْنُهَا } وقول الله تعالى : { إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ ، إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض } منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت ، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة . الثاني : أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال : إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك ، والأول هو المطلوب ، والثاني : يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً ، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ، ولما أجمع المسلمون / على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم . فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال : إنها كنايات عن القصة والشأن ، وهذه طريقة مشهورة عند العرب؟ قلنا : هذا باطل لوجوه . أحدها : أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد ، لأنه لا فائدة في قوله : { بَقَرَةٌ صَفْرَاء } بل لا بد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل ، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذا المحذور . وثانيها : أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل ، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل . وثالثها : أن الضمير في قوله : { مَا لَوْنُهَا وَمَا هِىَ } لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله : { إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء } عائداً إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقاً للسؤال . الثالث : أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة ، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة ، فلما سكتوا ههنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين . واحتج الفريق الثاني بوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت ، وذلك يقتضي العموم ، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفاً جديداً ، وثانيها : لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه ، فلما عنفهم الله تعالى في قوله : { فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } ، وفي قوله : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة معينة . الثالث : ما روي عن ابن عباس أنه قال : لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم . ورابعها : أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها ، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز ، والجواب : عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة ، أي بقرة كانت ، وعن الثاني : أن قوله تعالى : { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان ، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه ، وعن الثالث : أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة ، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى ، وعن الرابع : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع .

(2/145)


واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت ، فلا بد وأن نقول : التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول : أي بقرة كانت ، وثانياً : أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث . ثم اختلف القائلون بهذا المذهب ، منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع ، ومنهم من يقول : إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط ، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال ، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلا بد من كونه تكليفاً بعد تكليف ، وذلك يدل على أن الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل ، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام ، وله أيضاً تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا ، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً .
أما قوله تعالى : { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء : { هُزُواً } بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤاً وكفء وقرأ حفص : ( هزواً ) بالضمتين والواو وكذلك كفواً .
المسألة الثانية : قال القفال قوله تعالى : { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً } استفهام على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال : كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى : { فاتخذتموهم سِخْرِيّاً } [ المؤمنون : 110 ] قال صاحب «الكشاف» : ( أتتخذنا هزؤاً ) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء .
المسألة الثالثة : القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى : اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة ، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم ، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حياً فلا جرم ، وقع هذا القول منهم موقع الهزء ، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حياً بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء .
المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام : أتتخذنا هزؤاً لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت ، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى ، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي ، وذلك أيضاً كفر . ومن الناس من قال : إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين . الأول : أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة ، وذلك لايوجب الكفر . الثاني : أن معنى قوله تعالى : { أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً } أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء .

(2/146)


أما قوله تعالى : { قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } ففيه وجوه . أحدها : أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء ، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه ، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى ، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازاً هذا هو الوجه الأقوى . وثانيها : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم ، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء . وثالثها : قال بعضهم : إن نفس الهزء قد يسمى جهلاً وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللغة : إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم .
واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى : { قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } [ البقرة : 14 15 ] .
واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة :
السؤال الأول : ما حكى الله تعالى عنهم أنهم : { قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } فأجاب موسى عليه السلام بقوله : { إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } واعلم أن في الآية أبحاثاً :
الأول : أنا إذا قلنا إن قوله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم ، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام . أما على قول من يقول : إنه في أصل اللغة للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار؟ وفيه وجوه . أحدها : أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً تعجبوا من أمر تلك البقرة ، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة ، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص ، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك ، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة ، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام . وثانيها : لعل القوم أرادوا بقرة ، أي بقرة كانت ، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة ، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة ، لما وقعت المنازعة فيه ، رجعوا عند ذلك إلى موسى . وثالثها : أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه ، فسألوا طلباً لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات ، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة .

(2/147)


البحث الثاني : أن سؤال «ما هي» طلب لتعريف الماهية والحقيقة ، لأن «ما» سؤال ، و «هي» إشارة إلى الحقيقة ، فما هي لا بد وأن يكون طلباً للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها ، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقاً لهذا السؤال : والجواب عنه : أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم : ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض ، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جواباً عن هذا السؤال .
البحث الثالث : قال صاحب «الكشاف» : الفارض المسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها ، أي قطعتها وبلغت آخرها ، والبكر : الفتية والعوان النصف ، قال القاضي : أما البكر ، فقيل : إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد ، وقيل : إنها التي ولدت مرة واحدة ، قال المفضل بن سلمة ( الضبي ) : إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطناً واحداً . قال القفال : البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال : بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل ، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل ، وقال بعضهم : العوان التي ولدت بطناً بعد بطن . وحرب عوان : إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة ، وحاجة عوان : إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة .
البحث الرابع : احتج العلماء بقوله تعالى : { عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وههنا سؤالان :
الأول : لفظة «بين» تقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟ الجواب : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر .
السؤال الثاني : كيف جاز أن يشار بلفظه : ( ذلك ) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر؟ الجواب : جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام .

(2/148)


أما قوله تعالى : { فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } ففيه تأويلان : الأول : فافعلوا ما تؤمرون به من قولك : أمرتك الخير . والثاني : أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير . واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها ، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال ، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال ، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال . ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : { قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا } واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها : { صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر ، وههنا سؤالان :
الأول : «فاقع» ههنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء؟ الجواب : لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها .
السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟ الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون . وعن وهب : إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها .
أما قوله تعالى : { تَسُرُّ الناظرين } فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ، قال الحسن : الصفراء ههنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : { كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ } [ المرسلات : 33 ] أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما يقال : أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع ، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : { قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً " ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :

(2/149)


{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله } [ الكهف : 23 ] ، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه ، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته .
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة ، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة . أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة .
المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله : { إِن شَاء الله } من وجهين : الأول : أن دخول كلمة «أن» عليه يقتضي الحدوث . والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء ، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية . ولنرجع إلى التفسير ، فأما قوله تعالى : { يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ } ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة ، والمذكور ههنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال؟ وقد تقدم جوابه .
أما قوله تعالى : { إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح ، وقرىء تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و ( قرىء ) تشابهت ومتشابهة ومتشابه .
أما قوله تعالى : { وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } ففيه وجوه ذكرها القفال . أحدها : وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها . وثانيها : وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها . وثالثها : وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث . ورابعها : إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى : { إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض } وقوله : { لاَّ ذَلُولٌ } صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث و «لا» الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية ، وجملة القول أن الذلول بالعمل لا بد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص .
أما قوله تعالى : { مُّسَلَّمَةٌ } ففيه وجوه . أحدها : من العيوب مطلقاً . وثانيها : من آثار العمل المذكور . وثالثها : مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس . ورابعها : مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها ، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله : { لاشية فيها } تكراراً غير مفيد ، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب ، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله : { مُّسَلَّمَةٌ } إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر :

(2/150)


أما قوله تعالى : { لاشية فيها } فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله : { لاشية فيها } روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون ، والوشي خلط لون بلون . ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا : { الآن جئت بالحق } أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل ، قال القاضي : قوله تعالى : { الآن جئت بالحق } كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه ، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً .
أما قوله تعالى : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها ، وههنا بحث : وهو أن النحويين ذكروا «لكاد» تفسيرين . الأول : قالوا : إن نفيه إثبات وإثباته نفي . فقولنا : كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا : ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله . والثاني : وهو اختيار الشيخ عبد القاهر ( الجرجاني ) النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى : { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل ، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية . وههنا أبحاث :
البحث الأول : روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير ، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة .
البحث الثاني : روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر ، قال : فتلوت الآية عليه فقال : الذبح والنحر سواء ، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحاً والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح ، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي .

(2/151)


البحث الثالث : اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون ، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة ، وعلى كلا الوجهين ، فالاحجام عن المأمور به غير جائز ، أما الأول : فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة ، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه ، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع ، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقاً . وأما الثاني : وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف ، فإن القود إذا كان واجباً عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم ، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سبباً للتثاقل في هذا الفعل .
البحث الرابع : احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية ، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر ، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه ، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب . قال القاضي : إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم ، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب ، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجباً وأيضاً فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب ، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر . وأقول : حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول : إنه ينافي الوجوب أيضاً فلعله فهم الوجوب ههنا بسبب آخر سوى الأمر ، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب ، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعاً إلا على وجه الوجوب . والجواب : أن المذكور مجرد قوله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم .
البحث الخامس : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، قالوا : لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور .

(2/152)


أما قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا } فاعلم أن وقوع ذلك القتل لا بد وأن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح . أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لا بد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة ، فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود ، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفساً من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة ، وذلك مستقيم . فإن قيل : هب أنه لا خلل في هذا النظم ، ولكن النظم الآخر كان مستحسناً فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟ قلنا : إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع .
أما قوله تعالى : { فادرأتم فِيهَا } ففيه وجوه . أحدها : اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدافعه ويزاحمه . وثانيها : «أدارأتم» ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره . وثالثها : دفع بعضكم بعضاً عن البراءة والتهمة ، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع . فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه ، قال القفال : والكناية في ( فيها ) للنفس ، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله : { قُتِلْتُمْ } يدل على المصدر .
أما قوله تعالى : { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل . فإن قيل : كيف أعمل «مخرج» وهو في معنى المضي؟ قلنا : قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله : { باسط ذِرَاعَيْهِ } [ الكهف : 18 ] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما «ادارأتم ، فقلنا» ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك ، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال : لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد ، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه .

(2/153)


المسألة الثانية : الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه .
المسألة الثالثة : تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره . قال عليه الصلاة والسلام : " إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية . وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : «قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم» .
المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله : { مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة .
أما قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها ، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى : { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا } للتعقيب ، وذلك يدل على أن قوله : { اضربوه بِبَعْضِهَا } حصل عقيب قوله تعالى : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } .
المسألة الثانية : الهاء في قوله تعالى : { اضربوه } ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله : { مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } .
المسألة الثالثة : يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة ، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول ، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين ، بل على التخير بينها وبين غيرها وههنا سؤالان :
السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء؟ الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة ، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به ، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم ، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان .
السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة ، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه ، ثم ذكروا فيها فوائد ، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها ، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة .

(2/154)


المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو؟ والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به ، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله : { اضربوه بِبَعْضِهَا } والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه ، وذلك يقتضي التخيير . واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان ، وقيل : البضعة بين الكتفين ، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه .
المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير ، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى : { كذلك يُحْىِ الله الموتى } وعليه هو كقوله تعالى : { اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت } [ البقرة : 60 ] أي فضرب فانفجرت ، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً ، وقال قتلني فلان ، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً : وقتلاً .
أما قوله تعالى : { كذلك يُحْىِ الله الموتى } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت . والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة ، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم؟ فيه وجهان . الأول : قال الأصم : إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة ، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر . قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت ، ثم قال : { كذلك يُحْىِ الله الموتى } فجمع { الموتى } ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال : دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته . الثاني : قال القفال : ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل : إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم ، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه ، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل ، وقد قال إبراهيم عليه السلام : { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى } إلى قوله : { لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة : 26 ] فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً ، ثم قال لهم : { كذلك يُحْىِ الله الموتى } أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة .

(2/155)


المسألة الثانية : من الناس من استدل بقوله تعالى : { كذلك يُحْىِ الله الموتى } على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى ، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً .
أما قوله تعالى : { وَيُرِيكُمْ ءاياته } فلقائل أن يقول : إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟ والجواب : أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات . العالم بكل المعلومات ، المختار في الإيجاد والإبداع ، وعلى صدق موسى عليه السلام ، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً . وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل ، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة .
أما قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ففيه بحثان :
الأول : أن كلمة «لعل» قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
الثاني : أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلاً امتنع أن يقال : إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً ، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لا بد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص ، حتى لا ينكروا البعث ، هذا آخر الكلام في تفسير الآية . واعلم أن كثيراً من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟ قالوا : لا . لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلاً في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلاً . قال القاضي : لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا؟ وبتقدير أن يكون وارثاً له فهل حرم الميراث أم لا؟ وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملاً ولا مفصلاً ، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم ، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف .
واعلم أن الذي قاله القاضي حق ، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول : اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا ، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمداً كان أو خطأ أو كان مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي ، وعند أبي حنيفة رحمه الله ، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه ، وكذا القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله ، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب ، وقال عثمان البتي : قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث ، وقال مالك : لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي . واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال :

(2/156)


« ليس للقاتل من الميراث شيء » إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه ، ثم ههنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف ، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصاً سبب آخر ، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جداً على القوي جداً . أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به . واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروماً عن الميراث بأنا لا نعلم خلافاً أن من وجب له القود على إنسان فقتله قوداً أنه لا يحرم من الميراث ، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم .

(2/157)


ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

اعلم أن قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل : إنه صار صلباً غليظاً قاسياً ، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى ، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيهاً بالحجر فيقال : قسا القلب وغلظ ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرِّقة فقال : { كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } [ الزمر : 23 ] .
المسألة الثانية : قال القفال : يجوز أن يكون المخاطبون بقوله : { قُلُوبُكُمْ } أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم ، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب ، وهذا أولى لأن قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } خطاب مشافهة ، فحمله على الحاضرين أولى ، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصاً ، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { مِن بَعْدِ ذلك } يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل ، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار ، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع ، فعنده قال تعالى واصفاً لهم : إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم ، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله : { مِن بَعْدِ ذلك } إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام ، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها .
أما قوله تعالى : { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } فيه مسائل .
المسألة الأولى : كلمة «أو» للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب ، فلا بد من التأويل وهو وجوه . أحدها : أنها بمعنى الواو كقوله تعالى :

(2/158)


{ إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [ الصافات : 147 ] بمعنى ويزيدون ، وكقوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لبعواتهن أو آبائهن } [ النور : 31 ] والمعنى وآبائهن وكقوله : { أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم } [ النور : 61 ] يعني وبيوت آبائكم . ومن نظائره قوله تعالى : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] ، { فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً } [ المرسلات : 5 ، 6 ] . وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه . وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة ، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة ، ورابعها : أن الآدميين إذا اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى } [ النجم : 9 ] أي في نظركم واعتقادكم . وخامسها : أن كلمة «أو» بمعنى بل وأنشدوا :
فوالله ما أدري أسلمى تغولت ... أم القوم أو كل إلي حبيب
قالوا : أراد بل كل . وسادسها : أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين ، بل يتردد عليهما ، وبالجملة : فليس الغرض إيقاع التردد بينهما ، بل نفي غيرهما . وسابعها : أن «أو» حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» : «أشد» معطوف على الكاف ، إما على معنى أو مثل : «أشد قسوة» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة .
المسألة الثالثة : إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه . أحدها : أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله } [ الحشر : 21 ] . وثانيها : أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره ، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] إلى قوله تعالى : { والذين كَذَّبُواْ باياتنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظلمات } [ الأنعام : 39 ] كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم . وثالثها : أو أشد قسوة ، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه ، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال ، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه .

(2/159)


المسألة الرابعة : قال القاضي : إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر ، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له : إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا ، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم ، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً .
المسألة الخامسة : إنما قال : { أَشَدُّ قَسْوَةً } ولم يقل أقسى ، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة ، وقرىء «قساوة» وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم . ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع ، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع . فأولها : قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء : «وإن» بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة ، ومنها قوله تعالى : { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } [ يس : 32 ] .
المسألة الثانية : التفجر التفتح بالسعة والكثرة ، يقال : انفجرت قرحة فلان ، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور . وقرأ مالك بن دينار «ينفجر» بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار . قالت الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض ، فإن كان ظاهر الأرض رخواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت ، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجرياً اجتمعت تلك الأبخرة ، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهاراً . وثانيها : قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء } ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عيناً لا نهراً جارياً ، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل ، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها ، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار ، وقد تقل ، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى : { يَشَّقَّقُ } أي يتشقق ، فأدغم التاء كقوله : { يَذَّكَّرُ } أي يتذكر وقوله : { ياأيها المزمل } [ المزمل : 1 ] ، { يا أيها المدثر } [ المدثر : 1 ] . وثالثها : قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله } .
واعلم أن فيه إشكالاً وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء ، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه ، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهاً . أحدها : قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا } راجع إلى القلوب ، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية : وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة ، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين ، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقاً بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة ، واعترضوا عليه من وجهين . الأول : أن قوله تعالى : { فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } جملة تامة ، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله : { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار } فيجب في قوله تعالى : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله } أن يكون راجعاً إليها ، الثاني : أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب ، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية ، وثانيها : قول جمع من المفسرين : إن الضمير عائد إلى الحجارة ، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة ، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك ، وهذا غير مستبعد في قدرة الله ، ونظيره قوله تعالى :

(2/160)


{ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَىْء } [ فصلت : 21 ] ، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل ، فكذلك الجبل وصفه بالخشية ، وقال أيضاً : { لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله } [ الحشر : 21 ] ، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك ، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار ، فكلها كانت تقول : السلام عليك يا رسول الله ، قالوا : فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه ، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل ، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد ، فوجب أن لا يلتفت إليهم . وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة ، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم ، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل . الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر ، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد ، وقوله : { مّنْ خَشْيَةِ الله } ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله : { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ } [ الكهف : 77 ] ، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض ، ونحو هذا قول بعضهم :

(2/161)


بخيل تضل البلق من حجراته ... ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقول جرير :
لما أتى خبر الزبير تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني : جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع . وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى : { تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسرا : 44 ] ، وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السموات وَمَا فِى الأرض } [ النحل : 49 ] الآية ، وقوله تعالى : { والنجم والشجر يَسْجُدَانِ } [ الرحمن : 6 ] . الوجه الثاني : في التأويل : أن قوله تعالى : { مّنْ خَشْيَةِ الله } أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة . وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط ، فكلمة «من» لابتداء الغاية فقوله : { مّنْ خَشْيَةِ الله } ، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب ، الوجه الثالث : ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله تعالى لعباده ليزجرهم به . قال وقوله تعالى : { مّنْ خَشْيَةِ الله } أي خشية الله ، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال : نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس ، قال القاضي : هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة ، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية .
أما قوله تعالى : { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [ مريم : 64 ] وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا . فإن قيل : هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل؟ قلنا : قال القاضي : لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه ، بدليل قوله تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام : 14 ] والله أعلم .

(2/162)


أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)

اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا ، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ، قال القفال رحمه الله : إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقصد ، أحدها : الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم ، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب ، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلاً ، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي . وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار . وثانيها : تعديد النعم على بني إسرائيل وما منّ الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكاً وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة ، ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام ، فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة ، وثالثها : إخبار النبي عليه السلام بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم ، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة ، فدل على بلادتهم ، ثم لما أمروا بدخول الباب سجداً وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا ، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى ، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا الصيد في السبت واعتدوا ، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم : { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } [ البقرة : 67 ] ، ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة ، فكأن الله تعالى يقول : إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه ، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه السلام ، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق . ورابعها : تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة .

(2/163)


وخامسها : تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود ، وسادسها : أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء ، وهو المراد من قوله تعالى : { كذلك يُحْيىِ الله الموتى } [ البقرة : 73 ] إذا عرفت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه ، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم ، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة ، فقال تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم ، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة ، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية . الثاني : وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين . قال القاضي : وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها ، فصح أن يقول تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر .
المسألة الثانية : المراد بقوله : { أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع .
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً . أحدها : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام ، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل ، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين . الثاني : أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك ، بل غيره وبدله . الثالث : أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه .
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله . فما الفائدة في قوله : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } [ العنكبوت : 26 ] الجواب : أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى : { فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } لما أقر بنبوته وبتصديقه ، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة .
أما قوله تعالى : { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } فقد اختلفوا في ذلك الفريق ، منهم من قال : المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله . والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات ، ومنهم من قال : بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى : { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام . فإن قيل : الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات ، قلنا : لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال : إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن .

(2/164)


أما قوله تعالى : { ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال القفال : التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه ، قال تعالى : { إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ } [ الأنفال : 16 ] والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه ، يقال : قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلاً غير مستقيم .
المسألة الثانية؛ قال القاضي : إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى ، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى ، لأن كلام الله تعالى إذا كان باقياً على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع ، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى ، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً ، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهوراً متواتراً كظهور القرآن ، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه ، لكن ذلك ينظر فيه ، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه ، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما ، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها .
المسألة الثالثة : اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى الله عليه وسلم . روي أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه ، ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس ، وأما إن قلنا : المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا .

(2/165)


المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين ، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟ أجاب القفال عنه فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً ، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل : كيف تفلح وأستاذك فلانا أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره .
المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله : { أَفَتَطْمَعُونَ } فقال قائلون : آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم . وقال آخرون : لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد ، قالوا : وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا . ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك . ولقائل أن يقول : إن قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } استهفام على سبيل الإنكار ، فكان ذلك جزماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع ، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم .
أما قوله تعالى : { مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد ، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى : { واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } [ آل عمران : 187 ] وقال تعالى : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } [ البقرة : 146 ] [ الأنعام : 20 ] ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد .
أما قوله تعالى : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فلقائل أن يقول : قوله تعالى : { عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تكرار لا فائدة فيه : أجاب القفال عنه من وجهين ، الأول : من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى . الثاني : أنهم عقلوا مراد الله تعالى ، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى ، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم ، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى ، وفي الآية مسألتان :

(2/166)


المسألة الأولى : قال القاضي قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } على ما تقدم تفسيره ، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم ، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك ، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته ، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك ، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة .
المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي : تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل ، لأن قوله تعالى : { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به .

(2/167)


وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا ، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به ، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا حجة أقوى من ذلك ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال القفال : قوله : { فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ } مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه .
أما قوله : { عِندَ رَبّكُمْ } ففيه وجوه . أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد . وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه . وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة . ورابعها : قال القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة ، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة ، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب . وخامسها : قال القفال : يقال : فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي ، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام ، أي في حكمهما وقوله : { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله . وتأول بعض العلماء قوله تعالى : { فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون } [ النور : 13 ] أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً .

(2/168)


أما قوله : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ففيه وجوه . أحدها : أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال : أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم . وهو قول الحسن . وثانيها : أنه راجع إليهم فكأن عند ما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به ، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه . وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم .
أما قوله تعالى : { أَوْ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ففيه قولان ، الأول : وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية فخوفهم الله به . الثاني : أنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن لهم رباً يعلم سرهم وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم ، وعلى القولين جميعاً ، فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق ، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد . والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك ، لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر : أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء ، ويكون ذلك الشيء زاجراً له عن ذلك الفعل ، وقال بعضهم : هؤلاء اليهود كيف يستجيزون أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ليسوا كالمنافين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالماً بالسر والعلانية ، فشأنهم من هذه الجهة أعجب . قال القاضي : الآية تدل على أمور . أحدها : أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال . وثانيها : أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك كان طريقة الصحابة والمؤمنين وأن ذلك كان ظاهراً عند اليهود حتى قال بعضهم لبعض ما قالوه ، وثالثها : أنها تدل على أن الحجة قد تكون إلزامية لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة . ورابعها : أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً ووزراً ، والله أعلم .

(2/169)


وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

اعلم أن المراد بقوله : { وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ } اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم ، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة ، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه . والفرقة الثانية : المنافقون ، والفرقة الثالثة : الذين يجادلون المنافقين ، والفرقة الرابعة : هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم ، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحداً بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة ، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطاً ، وفيهم من يكون عامياً محضاً مقلداً ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول . وقال آخرون : من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال : " نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وذلك يدل على هذا القول ، ولأن قوله : { لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } لا يليق إلا بذلك .
المسألة الثانية : «الأماني» جمع أمنية ولها معانٍ مشتركة في أصل واحد ، أحدها : ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه ، ومن هذا قولهم : فلان يعد فلاناً ويمنيه ومنه قوله تعالى : { يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } [ النساء : 120 ] فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله : ( إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم ) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة . وثانيها : { إِلاَّ أَمَانِىَّ } إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد ، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به : أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته . وثالثها : { إِلاَّ أَمَانِىَّ } أي إلا ما يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة . قال صاحب «الكشاف» والاشتقاق منى من ، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه ، وكذلك المختلق والقاريء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا ، قال أبو مسلم : حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } [ البقرة : 111 ] أي تمنيهم . وقال الله تعالى : { لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } [ النساء : 123 ] وقال : { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ برهانكم } [ البقرة : 111 ] وقال تعالى : { وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلاّ يظنون }

(2/170)


[ الجاثية : 24 ] بمعنى يقدرون ويخرصون . وقال الأكثرون : حمله على القراءة أولى كقوله تعالى : { إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } [ الحج : 52 ] ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال : لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه ، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل ، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادراً .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إِلاَّ أَمَانِىَّ } من الاستثناء المنقطع ، قال النابغة :
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بغائب
وقرىء «إلا أماني» بالتخفيف . أما قوله تعالى : { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها ، فهي ظن ويكون ذلك تكراراً . ولقائل أن يقول : حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه ، فكأنه تعالى قال : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون ، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق ، وفي الآية مسائل . أحدها : أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن . وثانيها : بطلان التقليد مطلقاً وهو مشكل لأن التقليد في الفروع جائز عندنا . وثالثها : أن المضل وإن كان مذموماً فالمغتر بإضلال المضل أيضاً مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة ، ورابعها : أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم . أما قوله تعالى : { فَوَيْلٌ } فقالوا : الويل كلمة يقولها كل مكروب ، وقال ابن عباس : إنه العذاب الأليم . وعن سفيان الثوري : إنه مسيل صديد أهل جهنم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره " قال القاضي : «ويل» يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن وادٍ في جهنم أو عن العذاب العظيم .
أما قوله تعالى : { يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ } ففيه وجهان . الأول : أن الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله : { بِأَيْدِيهِمْ } أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه . الثاني : أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه : يا هذا كتبته بيمينك . أما قوله تعالى : { ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله } فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم ، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم ، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقاً في الإضلال باقياً على وجه الدهر ، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه . فإن قيل : إنه تعالى حكى عنهم أمرين . أحدهما : كتبة الكتاب والآخر : إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب ، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناد المكتوب إلى الله أو عليهما معاً؟ قلنا : لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضاً كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جداً . أما قوله تعالى : { لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } فهو تنبيه على أمرين . الأول : أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا ، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا ، الثاني : أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلباً للمال والجاه ، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم ، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا ، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه .

(2/171)


أما قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده ، وكذلك أخذهم المال عليه ، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب ، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال : إن مجموعهما يقتضي الوعيد العظيم دون كل واحد منهما ، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله تعالى : { مِّمَّا يَكْسِبُونَ } هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل ، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام ، فلا بد من تقييده وأولى ما يقيد به ما تقدم ذكره . قال القاضي : دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقاً لله تعالى ، لأنها لو كانت خلقاً لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم : { هُوَ مِنْ عِندِ الله } ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد ، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها . أنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى . والجواب : أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضاً تكون كذلك ، والله أعلم .

(2/172)


وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياماً قليلة ، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل ألبتة أما على قولنا ، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله ، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب الدائم ، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك ، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك ، وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين . الأول : أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها ، ولا تضاف إلى ما فوقها . فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا معدودات } [ البقرة : 183 ، 184 ] هي أيام الشهر كله ، وهي أزيد من العشرة . ثم قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه ، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه ، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له ، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها ، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام ، قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول : الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوماً ، فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام . وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان . أما الأول : فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة ألبتة . وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك . أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو ، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية؟ قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة . فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جداً .

(2/173)


الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين ، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها ، والكلام عليه أيضاً كالكلام على السبعة .
الوجه الثالث : قيل في معنى «معدودة» قليلة ، كقوله تعالى : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دراهم مَعْدُودَةٍ } [ يوسف : 20 ] ، والله أعلم .
المسألة الثانية؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " دعي الصلاة أيام إقرائك " فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه ، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم .
المسألة الثالثة : ذكر ههنا : { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وفي آل عمران : { إِلا أَيَّامًا معدودات } [ آل عمران : 24 ] ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو «أياماً»؟ والجواب : أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء . يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات . إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : { فِى أَيَّامٍ معدودات } و { فِى أَيَّامٍ معلومات } فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : { أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وفي آل عمران بما هو الفرع .
أما قوله تعالى : { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر ، وإنما سمي خبره سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر ، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه .
المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف» : «فلن يخلف الله» متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : { اتخذتم } ليس باستفهام ، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم ، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده . قال أصحابنا : لأن الكذب صفة نقص ، والنقص على الله محال ، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه ، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله ، فدل على أن الكذب منه محال ، فلهذا قال : { فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز ، ثم العقل يطابق ذلك ، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم . قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب .

(2/174)


المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب ، فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً على ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة ، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف ، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول : لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله : لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا : لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك ، وما الدليل على هذه الملازمة؟ ثم إنا نبين شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه . أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب ، فإن قولهم : { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ، يدل على أيام قليلة جداً ، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب . وثانيها : أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو ، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع ، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك . وثالثها : أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال : إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه ، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة ، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل ، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار ، فلم قلت : إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار ، وأما قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم . فهو تحكم محض ، فإن العقاب حق الله تعالى ، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين ، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف . أما قوله تعالى : { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فهو بيان لتمام الحجة المذكورة ، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع ، كان الجزم بذلك التقدير قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً لا محالة ، وهذه الآية تدل على فوائد . أحدها : أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل . وثانيها : أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي . وثالثها : أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية . قالوا : لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم ، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزاً لقوله تعالى : { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ذكر ذلك في معرض الإنكار . والجواب : أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوماً ، فكان القول به قولاً بالمعلوم لا بغير المعلوم .

(2/175)


بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

قال صاحب الكشاف : «بلى» إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى : { لَن تَمَسَّنَا النار } ، أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله : { هُمْ فِيهَا خالدون } . أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي . قال تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ، { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } [ النساء : 123 ] ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به ، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين . أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات ، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة ، والثاني : أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان ، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه ، فكأنه تعالى قال : بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود ، قلنا : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر .
واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل ، ولنذكرها ههنا فنقول : اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر ، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان ، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج . ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً وهو قول بشر المريسي والخالد ، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر ، والقول الثالث : أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً ، بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية ، فيشتمل هذا البحث على مسألتين . إحداهما : في القطع بالوعيد ، والأخرى : في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا؟
المسألة الأولى : في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً . ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله . أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين . بعضها وردت بصيغة «من» في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع ، أما النوع الأول فآيات ، إحداها : قوله تعالى في آية المواريث : { تِلْكَ حُدُودُ الله } [ النساء : 13 ] إلى قوله :

(2/176)


{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا } [ النساء : 14 ] ، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله ، فيجب أن يكون من أهل العقاب ، وذلك لأن كلمة «من» في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه ، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان . أحدهما : أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها ، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً لرسله وشرائعه ، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن ، ومتى كان المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها ، الثاني : أنه قال : { تِلْكَ حُدُودُ الله } ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة ، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد ، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر ، ولهذا كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً به ، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر ، فإن قيل : إن قوله تعالى : { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } [ النساء : 14 ] جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم ، كما لو قيل : ضربت عبيدي ، فإنه يكون ذلك شاملاً لجميع عبيده ، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن ، قلنا : الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود ، أحدها : أنه تعالى قدم على قوله : { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } قوله تعالى : { تِلْكَ حُدُودُ الله } فانصرف قوله : { وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } إلى تلك الحدود ، وثانيها : أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي ، ولو صح ما ذكرتم لكان المؤمن غير مزجور بها ، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله ، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها ، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي ، ورابعها : قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا } [ النساء : 93 ] ، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه ، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى : { مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ }

(2/177)