صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

[ البقرة : 254 ] فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول .
وأما الوجه الرابع : وهو قوله : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } [ البقرة : 270 ] فالجواب عنه أنه نقيض لقولنا : للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } سالبة جزئية فيكون مدلوله سلب العموم وسلب العموم لا يفيد عموم السلب .
وأما الوجه الخامس : وهو قوله : { فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين } [ المدثر : 48 ] فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين .
وأما الوجه السادس : وهو قوله : { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] فقد تقدم القول فيه .
وأما الوجه السابع : وهو قول المسلمين : اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي ، وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصياً فاندفع السؤال .
وأما الوجه الثامن : وهو التمسك بقوله : { وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } [ الانفطار : 14 ] فالكلام عليه سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد .
وأما الوجه التاسع : وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في الشفاعة لأصحاب الكبائر ، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من الدلائل الدالة على حصول هذه الشفاعة .
وأما الوجه العاشر : وهو قوله في حق الملائكة : { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ } [ غافر : 7 ] فجوابه ما بينا أن خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها .
وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة ، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد ألبتة من أصحاب الكبائر ، ولا أنه يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن . والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحداً من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله ، فلعل الرسول لم يكن مأذوناً في بعض المواضع وبعض الأوقات ، فلا يشفع في ذلك المكان ولا في ذلك الزمان ، ثم يصير مأذوناً في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع هناك والله أعلم .
قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة : إن واجب الوجود عام الفيض تام الجود ، فحيث لا يحصل فإنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعداً ، ومن الجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود ، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأول ، ومثاله في المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا للقابل المقابل ، وسقف البيت لما لم يكن مقابلاً لجرم الشمس لا جرم لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس ، إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ذلك الماء الصافي متوسطاً في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير مقابل للشمس ، وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق في وصول فيض واجب الوجود إلى أرواح العامة ، فهذا ما قالوه في الشفاعة تفريعاً على أصولهم .

(2/93)


وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة ، فكأنه قال : اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات ، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول . أما قوله : { وَإِذْ نجيناكم } فقرىء أيضاً أنجيناكم ونجيتكم ، قال القفال : أصل الإنجاء والتنجية التخليص ، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى ونجا بنفسه ، وقالوا لمكان العالي : نجوة لأن من صار إليه نجا ، أي تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه . قال صاحب الكشاف : أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولي الخطر والشأن ، كالملوك وأشباههم ولا يقال : آل الحجام والإسكاف ، قال عيسى : الأهل أعم من الآل ، يقال : أهل الكوفة وأهل البلد وأهل العلم ولا يقال : آل الكوفة وآل البلد وآل العلم ، فكأنه قال : الأهل هم خاصة الشيء من جهة تغليبه عليهم ، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة . وحُكي عن أبي عبيدة أنه سمع فصيحاً يقول : أهل مكة آل الله . أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك ، واختلفوا في فرعون من وجهين ، أحدهما : أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا : مصعب بن ريان ، وقال ابن اسحق : هو الوليد بن مصعب ، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلباً منه ، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا : إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط ، الثاني : قال ابن وهب : إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح ، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة ، وقال محمد بن اسحق : هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد ، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجياً لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه . أما قوله تعالى : { يَسُومُونَكُمْ } فهو من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ، قال عمرو بن كلثوم :
إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا
وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم ، والسوء مصدر ساء بمعنى السيىء ، يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما ، ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيىء أشده وأصعبه كأن قبحه ( زاد ) بالإضافة إلى ساء ، واختلف المفسرون في المراد من «سوء العذاب» فقال محمد بن إسحق : إنه جعلهم خولاً وخدماً له وصنفهم في أعماله أصنافاً ، فصنف كانوا يبنون له ، وصنف كانوا يحرثون له ، وصنف كانوا يزرعون له ، فهم كانوا في أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن يوضع عليه جزية يؤديها ، وقال السدي : كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال ، وحكى الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى :

(2/94)


{ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } [ الأعراف : 129 ] . وقال موسى لفرعون : { وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني اسرائيل } [ الشعراء : 22 ] واعلم أن كون الإنسان تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة ، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب ، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك ، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها ، فقال : { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث . وههنا أبحاث .
البحث الأول : أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه ، أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك ، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء ، وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت ، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن ، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها ، وثالثها : أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب ، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعاً به مسروراً بأحواله ، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه ، ورابعها : أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات ، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم ، ولذلك قال تعالى : { وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ } [ النحل : 58 ] الآية ، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء : 31 ] وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور ، وخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان .
البحث الثاني : ذكر في هذه السورة { يُذَبّحُونَ } بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو ، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } مفسراً بقوله : { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } لم يحتج إلى الواو ، وأما إذا جعل قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئاً آخر سوى سوء العذاب ، احتيج فيه إلى الواو ، وفي الموضعين يحتمل الوجهين ، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال : إنه تعالى قال قبل تلك الآية :

(2/95)


{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } [ إبراهيم : 5 ] والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد من قوله : { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } نوعاً من العذاب ، والمراد من قوله : { وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } نوعاً آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة . فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله : { اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 40 ، 47 ، 122 ] فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلاً فظهر الفرق .
البحث الثالث : قال بعضهم : أراد بقوله : { يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات ، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون ، قالوا : إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره . وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين ، وهذا هو الأولى لوجوه : الأول : حملاً للفظ الأبناء على ظاهره . الثاني : أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم . الثالث : أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة . الرابع : أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى ، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان : الأول : أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالاً ، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم ، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن . الثاني : قال بعضهم : المراد بقوله : { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا ، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهراً لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد .
البحث الرابع : في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوهاً . أحدها : قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة ، فصاروا يتقلون عاماً دون عام . وثانيها : قول السدي : إن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك؟ فقالوا : يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده ، وثالثها : أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول ، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصلاً وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً بل يكون أمراً مجملاً والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه ، فإن قيل : إن فرعون كان كافراً بالله فكان بأن يكون كافراً بالرسل أولى ، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه . قلنا : لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد أو يقال : إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً .

(2/96)


البحث الخامس : اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه ، أحدها : أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة ، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعاً لعذرهم . وثانيها : أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلاً لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى قال : لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال ، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها : أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة . أما قوله تعالى : { وَفِي ذلكم بَلاء مّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } قال القفال : أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى : { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] وقال : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } [ الأعراف : 168 ] والبلوى واقعة على النوعين ، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر . قال زهير
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
إذ عرفت هذا فنقول : البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ : «ذلكم» إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم .

(2/97)


وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

هذا هو النعمة الثانية ، وقوله : { فَرَقْنَا } أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرىء : { فَرَقْنَا } بالتشديد بمعنى فصلنا . يقال : فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط ، فإن قلت : ما معنى : ( بكم ) ؟ قلنا : فيها وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث :
البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ، وذلك لغرضين . أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلاً ، وهو المراد من قوله : { وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } [ طه : 77 ] وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل سبط خمسون ألفاً ، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون ، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك . قال الراوي : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط ، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً . وهو قوله تعالى : { فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ } [ الشعراء : 60 ] أي بعد طلوع الشمس . { فَلَمَّا تَرَاءا الجمعان قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء : 61 ] فقال موسى : { كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } [ الشعراء : 62 ] فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك؟ فقال موسى : إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر ، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك؟ فقال البحر ، فقال : والله ما كذبت ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فأوحى الله إليه : { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } [ الشعراء : 67 ] ، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد منها طريق ، فقال له : ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر ، وكل طريق فيه حتى صار طريقاً يابساً كما قال تعالى : { فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِى البحر يَبَساً } [ طه : 77 ] ، فأخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه ، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضاً ، ثم أتبعهم فرعون ، فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر ، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم ، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر فأنجيناكم } وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى .

(2/98)


البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعماً كثيرة في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه ، أحدها : أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر ، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك ، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك . وثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة ، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى . وثالثها : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم ، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو . ورابعها : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم . وخامسها : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم ، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفاً منهم ، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقياً من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه ، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية . وسادسها : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه ، أحدها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات ، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري ، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق . وثانيها : أنهم لما عاينوا ذلك صار داعياً لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون . وثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور ، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة ، أحدها : أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوماً من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق ، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه . وثانيها : أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة ، فصار ذلك مرغباً لنا في الطاعة ومنفراً عن المعصية . وثالثها : أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة ، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا :

(2/99)


{ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف : 138 ] وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزاً إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر ألبتة ، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام . وبقي على الآية سؤالان :
السؤال الأول : أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف؟ والجواب : أما على قولنا فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك ، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى ، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا : ( يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ) ، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك ، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول ، فلا جرم ، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة .
السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلاً فلا بد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك؟ فإن قلت : إنه كان عارفاً بربه إلا أنه كان كافراً على سبيل العناد والجحود . قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة .
وأما قوله تعالى : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ففيه وجوه . أحدها : أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه . وثانيها : أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحداً منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : { فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } [ يونس : 92 ] أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم . وثالثها : أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم .

(2/100)


وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث . فأما قوله تعالى : { وَإِذْ واعدنا } فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة ، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى ، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين ، وأما بالألف فله وجوه ، أحدها : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد ، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك ، وثانيها : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله . وثالثها : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا . ورابعها : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور ، أما موسى ففيه وجوه ، أحدها : وزنه فعلى والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك . وثانيها : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه ، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم ، وسى هو الشجر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر . واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً ، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام . أما قوله تعالى : { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } ففيه أبحاث :
البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك ، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } [ الأعراف : 142 ] واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور .

(2/101)


البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي .
البحث الثالث : قوله تعالى : { وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : { واسئل القرية } [ يوسف : 82 ] وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون ، وأيضاً فقوله تعالى : { وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار .
البحث الرابع : قوله ههنا : { وَإِذَا واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف { وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً ، وهو كقوله : { ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } [ البقرة : 196 ] .
أما قوله تعالى : { ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ } ففيه أبحاث :
البحث الأول : إنما ذكر لفظه ( ثم ) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين . وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيهاً للحاضرين على علو درجتهم وتعريفاً للغائبين وتكملة للدين ، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء .
البحث الثاني : قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون : { اخلفنى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } [ الأعراف : 142 ] ، فلما ذهب موسى إلى الطور ، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا ناراً وأحرقوها ، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة ، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلاً وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار ، فقال للقوم :

(2/102)


{ هذا إلهكم وإله موسى } [ طه : 88 ] ، فاتخذه القوم إلهاً لأنفسهم فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول : الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه : أحدها : أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض ، وهب أنه ظهر منه خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلهاً ، وثانيها : أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام ، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلهاً . والجواب : هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد ، وهو أن يقال : إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات ، فقال السامري للقوم : وأنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق ، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة .
البحث الثالث : هذه القصة فيها فوائد : أحدها : أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم ، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جداً ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن معجزاً إلى الدلائل الدقيقة لم يغتروا بالشبهات القوية العظيمة ، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل عقلاً وأزكى خاطراً منهم . وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علماً ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي . وثالثها : فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري . ورابعها : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة ، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى . وخامسها : أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم ، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء الأخلاف .

(2/103)


أما قوله تعالى : { وَأَنتُمْ ظالمون } ففيه أبحاث :
البحث الأول : في تفسير الظلم وفيه وجهان . الأول : قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص ، قال الله تعالى : { كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } [ الكهف : 33 ] ، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا . والثاني : أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه ، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالماً ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل : إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعاً ولذة كما قال تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] ، وقال : { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِه } [ فاطر : 32 ] ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا وكان الشرك مؤدياً إلى النار سمي ظلماً .
البحث الثاني : استدلت المعتزلة بقوله : { وَأَنتُمْ ظالمون } على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه ، أحدها : أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها . وثانيها : أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد . وثالثها : لو كان العصيان مخلوقاً لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلاً وقصيراً ، والجواب : هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مراراً .
البحث الثالث : في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم ، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء .
أما قوله تعالى : { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذلك } فقالت المعتزلة : المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضاً ، وهذا ضعيف من وجهين ، الأول : أن قبول التوبة واجب عقلاً فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الإنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الإنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم . الثاني : أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفواً ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك الترك عفواً فكذا ههنا ، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى :

(2/104)


{ فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 54 ] وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً ، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلاً وشرعاً ، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة ، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم : خير أمة أخرجت للناس كان أولى .
أما قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فاعلم أن الكلام في تفسير «لعل» قد تقدم في قوله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ الأنعام : 153 ] [ الأعراف : 171 ] [ البقرة : 21 ، 33 ] وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى ، ثم قالت المعتزلة : إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا ، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر ، والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل للشاكر داعية الشكر أولاً بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى ، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر ، وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضاً والله أعلم .

(2/105)


وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)

اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئاً داخلاً في التوراة وأن يكون شيئاً خارجاً عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتاباً منزلاً وكونها فرقاناً تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً } [ الأنبياء : 48 ] وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزاً من الباطل ، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه . وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه ، أحدها : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل . وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى : { وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان } [ الأنفال : 41 ] والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور ، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب ، وثالثها : قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام . فإن قلت : فهذا قد صار مذكوراً في قوله تعالى : { وَإِذَا فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } [ البقرة : 50 ] وأيضاً فقوله تعالى بعد ذلك : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى . قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضاً فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة ، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة . واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن . وقال آخرون : المعنى : { وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } يعني التوراة وآتينا محمداً صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب . وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة ألبتة إليه .

(2/106)


وأما قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ، واستدلت المعتزلة بقوله : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر ، وأيضاً فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل ، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء ، ولو أنزل بدلاً من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مراراً لا تحصى مع الجواب والله أعلم .

(2/107)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك لأنها أمر بالقتل والقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم ، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين ، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى ، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً في تمام النعمة . فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدوداً في نعم الله فجاز التذكير بها . وثانيها : أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين . وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيهاً على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة . ورابعها : أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة ، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى . ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم .
وأما قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل { يَا قَوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ } وللمفسرين في الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام ، والثاني : أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علماً ولا طباً ، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم ، ولذلك قال تعالى : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى ، فلذلك قال : { إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ } .
أما قوله تعالى : { باتخاذكم العجل } ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلهاً لم يكن فعلهم ظلماً ، فالمراد باتخاذكم العجل إلهاً ، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف .

(2/108)


أما قوله تعالى : { فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } ففيه سؤالات .
السؤال الأول : قوله تعالى : { فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام : « لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه » يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به؟ والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل . إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء قد يطلق عليه اسم ذلك الشيء مجازاً كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردماً غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا .
السؤال الثاني : ما معنى قوله تعالى : { فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ } والتوبة لا تكون إلا للبارىء ، والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم ، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه ، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله .
السؤال الثالث : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارىء؟ والجواب : البارىء هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت : { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت } [ الملك : 3 ] ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيهاً على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة .
السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله : { فَتُوبُواْ } والفاء في قوله : { فاقتلوا } ؟ الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : { فَتُوبُواْ } أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم .
السؤال الخامس : ما المراد بقوله : { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل واحد نفسه أو المراد غير ذلك؟ الجواب : اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين . لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار ، واحتجوا عليه بوجهين . الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفيسر أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك ، الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حياً وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريباً أو بعيداً إنما سمي قتلاً على طريق المجاز . إذا عرفت حقيقة القتل فنقول : إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحاً لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حياً لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحاً في الأفعال المستقبلة . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنساناً فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حياً لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلاً والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه ، سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به؟ قوله : لا بد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية ، قلنا : أولاً لا نسلم أنه لا بد فيه من مصلحة ، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب ، سلمنا أنه لا بد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لا بد من عود تلك المصلحة إليه ، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير ، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه . سلمنا أنه لا بد من عود المصلحة إليه ، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأموراً بذلك الفعل مصلحة له ، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غداً فإن علمه بذلك يصير داعياً له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد ، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي ، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى ، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها ، ثم فيه وجهان ، الأول : أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضاً فقوله : { اقتلوا أَنفُسَكُمْ } معناه ليقتل بعضكم بعضاً وهو كقوله في موضع آخر :

(2/109)


{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ النساء : 29 ] ومعناه لا يقتل بعضكم بعضاً وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة ، وقيل في قوله تعالى : { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] أي إخوانكم من المؤمنين ، وفي قوله : { لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } [ النور : 12 ] أي بأمثالهم من المسلمين ، وكقوله : { فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ } [ النور : 61 ] أي ليسلم بعضكم على بعض . ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله : { اقتلوا أَنفُسَكُمْ } أي استسلموا للقتل ، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفاً على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضاً عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات ، فالأول : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم ، وكان المقتولون سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام ، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق . الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف ، فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما ، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي ، قال : وكان القتلى سبعين ألفاً ، هذه رواية الكلبي . الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده ، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة ، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء ، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم .

(2/110)


السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل؟ الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم .
السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته؟ الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : { إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ } خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص .
أما قوله تعالى : { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة ، والأول أولى بالتحمل لأنه متناه ، وضرر الآخرة غير متناه ، ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير ، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم .
أما قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } ففيه محذوف ، ثم فيه وجهان : أحدهما : أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، والآخر : أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم .
وأما معنى قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } ، فقد تقدم في قوله : { فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } .

(2/111)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

اعلم أن هذا هو الإنعام السادس ، بيانه من وجوه ، أحدها : كأنه تعالى قال : اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب ، وثانيها : أن فيها تحذيراً لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك . وثالثها : تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيهاً على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم ، ورابعها : فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل . وخامسها : فيه إزالة شبهة من يقول : إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره ، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته . وسادسها : لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أمياً لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي .
البحث الثاني : للمفسرين في هذه الواقعة قولان ، الأول : أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل ، قال محمد بن اسحاق : لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال . وحرق العجل وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه ، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له : افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون فيّ ، فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم .

(2/112)


القول الثاني : أن هذه الواقعة كانت بعد القتل ، قال السدي : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلاً ، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل ، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء ، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً فقال موسى : { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } [ الأعراف : 155 ] إلى قوله : { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } [ الأعراف : 156 ] ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى ، فقالوا : يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء ، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته . واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم .
أما قوله تعالى : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة ( أي ) عياناً . قال صاحب الكشاف : وهي مصدر من قولك : جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرىء جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر ، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء إذا كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت ، إذا كان صوته عالياً ، ويقال : وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة ، وإنما قالوا : جهرة تأكيداً لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ( نحو ) ما يراه النائم .
أما قوله تعالى : { فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة } ففيه أبحاث :
البحث الأول : استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة ، قال القاضي عبد الجبار : إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى :

(2/113)


{ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض } [ البقرة : 61 ] ، وقال أبو الحسين في كتاب التصفح : إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه ، وذلك في آيات . أحدها : هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم : ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) كقول الأمم لأنبيائهم : لن نؤمن إلا بإحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة . وثانيها : قوله تعالى : { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } [ النساء : 153 ] ، فسمى ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال ، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة . فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عتوا ، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية . قلت : الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولاً به في الرؤية . وثالثها : قوله تعالى : { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } [ الفرقان : 21 ] فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال : لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت .
واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً ومنكراً ، وذلك ممنوع . و قوله : إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكناً لم يكن طالبه عاتياً وكذا القول في طلب سائر المعجزات . قلنا : ولم قلت إنه لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة . وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين ، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً . أما قول أبي الحسين : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً ترك العمل به في البعض فيبقى معمولاً به في الباقي . قلنا : إنك ما أقمت دليلاً على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعاً وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة ، والمثال لا ينفع في هذا الباب ، فبطل قولك : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً . فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة . فإن قال قائل : فما السبب في استعظام سؤال الرؤية؟ الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً . أحدها : أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة ، فكان طلبها في الدنيا مستنكراً . وثانيها : أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى ، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف ، وثالثها : أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف ، ورابعها : لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة ، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم .

(2/114)


البحث الثاني : للمفسرين في الصاعقة قولان . الأول : أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى : { فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله } [ الزمر : 68 ] ، وهذا ضعيف لوجوه . أحدها : قوله تعالى : { فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة ، وثانيها : أنه تعالى قال في حق موسى : { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } [ الأعراف : 143 ] أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال : { فَلَمَّا أَفَاقَ } والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي ، وثالثها : أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت . ورابعها : أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون . ولذلك قال : { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } منبهاً على عظم العقوبة ، القول الثاني : وهو قول المحققين : إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف : { فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة } واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه . أحدها : أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم . وثانيها : صيحة جاءت من السماء ، وثالثها : أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة .
أما قوله تعالى : { ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } لأن البعث قد ( لا ) يكون إلا بعد الموت ، كقوله تعالى : { فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ فِى الكهف سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } [ الكهف : 11 ، 12 ] . فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام؟ قلت : لا ، لوجهين . الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يجب أن يتناول موسى عليه السلام . الثاني : أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى : { فَلَمَّا أَفَاقَ } مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت ، وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه . أما قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم ، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى :

(2/115)


{ اعملوا ءالَ دَاوُودُ شُكْرَاً } [ سبأ : 13 ] ، فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت؟ قلنا : الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء ، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم ، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الإحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء . ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلاً لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلاً لحياتهم .
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مراراً فلا حاجة إلى الإعادة .

(2/116)


وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف ، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال : { ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك ، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها .
قال المفسرون ، { وَظَلَّلْنَا } وجعلنا الغمام تظلكم ، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه { كُلُواْ } على إرادة القول : { وَمَا ظَلَمُونَا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة { وَمَا ظَلَمُونَا } عليه .

(2/117)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن ، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل ( عليهم ) من المن والسلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة .
واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين :
النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير فنقول : أما قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية } [ البقرة : 58 ] فاعلم أنه أمر تكليف ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى أمر بدخول الباب سجداً ، وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفاً ودخول الباب سجداً مشروط بدخول القرية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة . الثاني : أن قوله : { ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } [ المائدة : 21 ] دليل على ما ذكرناه . أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها ، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار ، وفيه أقوال : أحدها : وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس ، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة : { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد ، وثانيها : أنها نفس مصر ، وثالثها : وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت المقدس ، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } تقتضي التعقيب فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى ، لكن موسى مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس ، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس . وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية : أنا قلنا ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع ، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال . وأما قوله تعالى : { فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة .
أما قوله تعالى : { وادخلوا الباب سُجَّدًا } ففيه بحثان .
الأول : اختلفوا في الباب على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس ، وثانيهما : حكى الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلاً إليها .
الثاني : اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو الصاق الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك ، ومنهم من حمله على غير السجود ، وهؤلاء ذكروا وجهين : الأول : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع ، لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء ، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعاً فما كان يحتاج فيه إلى الأمر . الثاني : أراد به الخضوع وهو الأقرب ، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع ، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعاً مستكيناً . أما قوله تعالى : { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } ففيه وجوه . أحدها : وهو قول القاضي : المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة ، وذلك لأن التوبة صفة القلب ، فلا يطلع الغير عليها ، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب ، لأن التوبة لا تتم إلا به ، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ، ولإزالة التهمة عن نفسه ، وكذلك من عرف بمذهب خطأ ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه ، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله : { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } [ البقرة : 58 ] ، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان ، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق . ثانيها : قول الأصم : إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية . وثالثها : قال صاحب الكشاف ( حطة ) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله :

(2/118)


صبر جميل فكلانا مبتلي ... والأصل صبراً على تقدير اصبر صبراً ، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب . ورابعها : قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها ، وزيف القاضي ذلك بأن قال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله : { وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } [ البقرة : 58 ] ، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة ، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجداً مع التواضع كان الغفران متعلقاً به . وخامسها قول القفال : معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك ، فحط عنا ذنوبنا . فإن قال قائل : هل كان التكليف وارداً بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا؟ قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين . أحدهما : أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بالعربية ، وثانيهما : وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم : { حِطَّةٌ } اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً ، لأن المقصود من التوبة ، إما القلب وإما اللسان ، أما القلب فالندم ، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها .

(2/119)


أما قوله تعالى : { نَّغْفِرْ لَكُمْ } فالكلام في المغفرة قد تقدم . ثم ههنا بحثان :
الأول : أن قوله : { نَّغْفِرْ لَكُمْ } ذكره الله تعالى في معرض الامتنان ، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك ، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان .
الثاني : ههنا قراءات . أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر الفاء . وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها . وثالثها : قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء ، ورابعها : قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء . قال القفال : والمعنى في هذه القراءات كلها واحد ، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله ، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله : { وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة } [ هود : 67 ] والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد . أما قوله تعالى : { خطاياكم } ففيه قراءات ، أحدها : قرأ الجحدري «خطيئتكم» بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة . وثانيها : الأعمش «خطيئاتكم» بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء . وثالثها : الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء ، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء ، وخامسها : ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف . وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء ، والباقون بإمالة الياء فقط .
أما قوله تعالى : { وَسَنَزِيدُ المحسنين } فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسناً بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسناً بطاعات أخرى في سائر التكاليف . أما على التقدير الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين . أما الاحتمال الأول : وهو أن تكون من منافع الدنيا ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن تكون من منافع الآخرة ، فالمعنى أن من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال :

(2/120)


{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس : 26 ] ، أي نجازيهم بالإحسان إحساناً وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشراً ، وأكثر من ذلك ، وأما إن كان المراد من «المحسنين» من كان محسناً بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم حطة مؤثراً في غفران الذنوب ، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة ، وفي الآية تأويل آخر ، وهو أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل ، ومن لم يكن خاطئاً بل كان محسناً زدنا في إحسانه ، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين .
أما قوله تعالى : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } ففيه قولان . الأول : قال أبو مسلم قوله تعالى : { فَبَدَّلَ } يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، قال تعالى : { سَيَقُولُ المخلفون مّنَ الأعراب } [ الفتح : 11 ] إلى قوله : { يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله } [ الفتح : 15 ] ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا ، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه . الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل ، فلا بد من حصول البدل ، وهذا كما يقال : فلان بدل دينه ، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان؟ فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجداً زاحفين على أستاههم ، قائلين حنطة من شعيرة ، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا : حنطة استهزاء ، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى . وقالوا : ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة .
أما قوله تعالى : { الذين ظَلَمُواْ } فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم ، وذلك ظلم على ما تقدم .
أما قوله تعالى : { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء } ففيه بحثان :
الأول : أن في تكرير : { الذين ظَلَمُواْ } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذاناً بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم . الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى : { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى : { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز } [ الأعراف : 134 ] وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب .
وأما قوله : { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } [ الأنفال : 11 ] فمعناه لطخه وما يدعوا إليه من الكفر ، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه ، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة ، وقال ابن زيد : بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفاً ، ولم يبق منهم أحد .

(2/121)


أما قوله تعالى : { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } ، فالفسق من الخروج المضر ، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته ، قال أبو مسلم : هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى : { عَلَى الذين ظَلَمُواْ } وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين . الأول : أن الظلم قد يكون من الصغائر ، وقد يكون من الكبائر ، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف : 23 ] ولأنه تعالى قال : { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] ولو لم يكن الظلم إلا عظيماً لكان ذكر العظيم تكريراً والفسق لا بد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولاً : وصفهم بالفسق ، ثانياً : ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر . الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار .
النوع الثاني من الكلام في هذه الآية : اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم سَنَزِيدُ } [ الأعراف : 161 ، 162 ] واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها ، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول ، فلا جرم استوجبوا الذم ، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : { وَإِذْ قُلْنَا } وقال في الأعراف : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام : { اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 40 ] ثم أخذ يعدد ( نعمه ) نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول : { وَإِذْ قُلْنَا } أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة .

(2/122)


السؤال الثاني : لم قال في البقرة : { وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا } وفي الأعراف : { اسكنوا } ؟ الجواب : الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة .
السؤال الثالث : لم قال في البقرة : { فَكُلُواْ } بالفاء وفي الأعراف : { وَكُلُواْ } بالواو؟ والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } وفي الأعراف : { فَكُلاًّ } .
السؤال الرابع : لم قال في البقرة : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } وفي الأعراف : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم } ، الجواب : الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة ، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال : { وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية } لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة ، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة ، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة ، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة ( ة ) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة .
السؤال الخامس : لم ذكر قوله : { رَغَدًا } في البقرة وحذفه في الأعراف؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً ، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه .
السؤال السادس : لم ذكر في البقرة : { وادخلوا الباب سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } وفي الأعراف قدم المؤخر؟ الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضاً فالمخاطبون بقوله : { ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ } ، يحتمل أن يقال : إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين ، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدماً على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولاً «حطة» ثم يدخلوا الباب سجداً ، وأما الذي لا يكون مذنباً فالأولى به أن يشتغل أولاً بالعبادة ثم يذكر التوبة ، ثانياً : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجداً أولاً ثم يقولوا حطة ثانياً ، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى .
السؤال السابع : لم قال : { وَسَنَزِيدُ المحسنين } في البقرة مع الواو وفي الأعراف : { سَنَزِيدُ المحسنين } من غير الواو؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، وثانيها : دخول الباب سجداً وهو إشارة إلى العبادة ، ثم ذكر جزأين : أحدهما : قوله تعالى : { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } وهو واقع في مقابلة قول الحطة . والآخر : قوله : { سَنَزِيدُ المحسنين } وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجداً فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين . وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحداً لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة .

(2/123)


السؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً } وفي الأعراف : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً } فما الفائدة في زيادة كلمة «منهم» في الأعراف؟ الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ «من» لأنه تعالى قال : { وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [ الأعراف : 159 ] فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال الله تعالى : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } فذكر لفظة : { مِنْهُمْ } في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ، وههنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف ، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : { فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ } تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق .
السؤال التاسع : لم قال في البقرة : { فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا } وقال في الأعراف : { فَأَرْسَلْنَا } الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة .
السؤال العاشر : لم قال في البقرة : { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } وفي الأعراف : { بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } ، الجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقاً اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة ، والله أعلم .

(2/124)


وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين ، وعن بعضهم بفتح الشين ، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء ، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل ، وهو جامع لنعم الدنيا والدين ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه ، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا ، فقد قال تعالى : { وَمَا جعلناهم جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام } [ الأنبياء : 8 ] وقال : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ } [ الأنبياء : 30 ] بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات ، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من النعم ، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه ، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر ، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه فقال : بل هو كلام مفرد بذاته ، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه ، ويدل عليه وجهان . أحدهما : أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر ، الثاني : ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معداً لذلك فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه .
المسألة الثانية : اختلفوا في العصا ، فقال الحسن : كانت عصا أخذها من بعض الأشجار ، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقداراً يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه .
واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفى فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها .

(2/125)


المسألة الثالثة : اللام في «الحجر» إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعاً له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً ، وقيل أهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به ، فقال له جبريل : يقول الله تعالى : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته ، وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن : لم يأمروه أن يضرب حجراً بعينه . قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ، وروي أنهم قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجراً في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس ، فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً . فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة ، وكلمها تطعك ، واختلفوا في صفة الحجر فقيل : كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع ، وقيل : مثل رأس الإنسان . والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى .
المسألة الرابعة؛ الفاء في قوله : { فانفجرت } متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت . بقي هنا سؤالات :
السؤال الأول : هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف؟ الجواب : لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء ، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصياً ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثاً ، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى : { فانفلق } [ الشعراء : 63 ] من أن المراد فضرب فانفلق .
السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر ههنا : { فانفجرت } وفي الأعراف : { فانبجست } [ الأعراف : 16 ] وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلاً . الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : الفجر الشق في الأصل ، والانفجار الانشقاق ، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق ، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل ، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص ، فلا يتناقضان ، وثانيها : لعله انبجس أولاً ، ثم انفجر ثانياً ، وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه . وثالثها : لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيراً ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلاً .

(2/126)


السؤال الثالث : كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير؟ الجواب : هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره ، فإن سلم فقد زال السؤال ، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها ، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره ، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وأيضاً فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم ، وقالوا : إنه يصح الكون والفساد عليها ، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا : ( الهواء ) إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء ، فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية ، فلم يكن مستبعداً أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم . فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك .
أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجداً لأفعاله لا جرم قلنا لهم : لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جداً سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر ، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما . وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات ، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى ، فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقاً .
السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكناً في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء؟ والجواب : أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم إلا على سبيل التداخل وهو محال . أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل ، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها . واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا .
السؤال الخامس : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام؟ الجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة ، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة ، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة فكان ذلك أقوى .

(2/127)


السؤال السادس : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عيناً؟ والجواب : أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معيناً لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين .
السؤال السابع : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز؟ والجواب : من وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز ، وثانيها : خروج الماء العظيم من الحجر الصغير ، وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم ، ورابعها : خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا ، وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه ، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان ، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى .
أما قوله تعالى : { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ } فنقول : إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء ، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم .
أما قوله تعالى : { كُلُواْ واشربوا مِن رّزْقِ الله } ففيه حذف ، والمعنى : فقلنا لهم أو قال لهم موسى : كلوا واشربوا ، وإنما قال : كلوا لوجهين ، أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى ، فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء . والثاني : أن الأغذية لا تكون إلا بالماء ، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب . واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال ، قالوا : لأن أقل درجات قوله : { كُلُواْ واشربوا } الإباحة ، وهذا يقتضي كون الرزق مباحاً ، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحاً وحراماً وإنه غير جائز .
أما قوله تعالى : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } فالعثي أشد الفساد ، فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه ، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه ، فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم .

(2/128)


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء ، تنبت بضم التاء وكسر التاء ، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء ، تنبت بفتح التاء وضم الباء ، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية ، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك ، والدليل عليه أن قوله تعالى : { كُلُواْ واشربوا } من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم : { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد فادع لَنَا رَبَّكَ } معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول ، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية .
واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره ، الثاني : لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفاً . الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة . الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء ، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : { اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء ، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئاً اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } [ الشورى : 20 ] لأنا نقول هذا خلاف الظاهر ، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه . الأول : أن قولهم : { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية ، الثاني : أن قول موسى عليه السلام : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ } استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدل على كونه معصية . الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه ، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم : { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط ، بل اشتهوا شيئاً آخر ، ولأن قولهم : { لَن نَّصْبِرَ } إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع ، وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة ، وعن الثالث : بقريب من ذلك ، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضراً متيقناً ومن حيث إنه يحصل عفواً بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر ، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد ، فلا يمتنع أن يكون مراده : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ } هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالاً مباحاً ، وإذا كان كذلك فقوله تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَاءو بِغَضَبٍ مّنَ الله } ، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك .

(2/129)


المسألة الثانية : قوله تعالى : { لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه .
المسألة الثالثة : القراءة المعروفة : { وَقِثَّائِهَا } بكسر القاف ، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة : { وَفُومِهَا } بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن عباس قالوا : وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة ، وعنه أيضاً أن الفوم هو الخبز وهو أيضاً المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب : فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضاً عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه . الأول : أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها . الثاني : أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال : { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خَيْرٌ } لأن الحنطة أشرف الأطعمة . الثالث : أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة .
المسألة الرابعة : القراءة المعروفة : { أَتَسْتَبْدِلُونَ } وفي حرف أبي بن كعب : ( أتبدلون ) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي : ( أدنأ ) بالهمزة من الدناءة . واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا ، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه ، لكنه قد أجابهم إليه بقوله : { اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } ، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين ، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقين خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب ، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب ، فيكون الأول أولى . فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفواً صفواً لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا . قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك .

(2/130)


المسألة الخامسة : القراءة المعروفة : { اهبطوا } بكسر الباء وقرىء بضم الباء ، القراءة المشهورة : { مِصْرًا } بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله : { وَنُوحاً هَدَيْنَا وَلُوطاً } [ الأنعام : 84 ، 86 ] وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد ، فما فيه إلا سبب واحد ، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش : { اهبطوا مِصْرًا } بغير تنوين كقوله : { أَدْخِلُواْ مِصْرًا } واختلف المفسرون في قوله : { اهبطوا مِصْرًا } روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين ، وقال الحسن : الألف في مصراً زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع ، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا ، فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط ، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلداً أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء ، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولاً أو بلد آخر ، فقال كثير من المفسرين : لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } [ المائدة : 21 ] والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه . الأول : أن قوله تعالى : { ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ } إيجاب لدخول تلك الأرض ، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى . والثاني : أن قوله : { كتاب الله } يقتضي دوام كونهم فيه .

(2/131)


والثالث : أن قوله : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس . الرابع : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الارض } [ المائدة : 26 ] فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها . فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة . أما الأول : فلأن قوله : { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر ، أما الثاني : فهو كقوله : { كَتَبَ الله لَكُمْ } فذلك يدل على دوام تلك الندبية . وأما الثالث : وهو قوله تعالى : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران . الأول : المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه . والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى . الثاني : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط . قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل ، وأيضاً فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذناً في ترك المندوب ، وذلك لا يليق بالأنبياء . قوله : لا نسلم أن المراد من قوله : { وَلاَ تَرْتَدُّوا } لا ترجعوا . قلنا : الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة ، ثم قال بعده : { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر . قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين ، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر ، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين . الأول : أنا إن قرأنا : { اهبطوا مِصْرًا } بغير تنوين كان لا محالة علماً لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علماً وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث ، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى . أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضاً ما تقدم بعينه ، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى : { اهبطوا مِصْرًا } يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا . الوجه الثاني : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم ، قوله تعالى : { فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } إلى قوله :

(2/132)


{ كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل } [ الشعراء : 57 59 ] ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف . فإن قيل : الرجل قد يكون مالكاً للدار وإن كان ممنوعاً عن دخولها بوجه آخر ، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد ، فإن داره وإن كانت مملوكة له لكنه يحرم عليه دخولها ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها ، ثم إنه تعالى حرم عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله : { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف الدليل ، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم فقالوا : أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي التي فيها التنوين . قوله : هذه القراءة تقتضي التخيير ، قلنا : نعم لكنا نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل .
أما الوجه الثاني : فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ولكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر ، فنحن تركنا هذا الأصل لما قدمناه من الدلالة .
أما قوله تعالى : { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم حتى مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد : { ذلك لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدنيا } فأما من يقول المراد به الجزية خاصة على ما قال تعالى : { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صاغرون } [ التوبة : 29 ] فقوله بعيد لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول الأمر .
أما قوله تعالى : { والمسكنة } فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة ، فهذا الجنس يجوز أن يكون كالعقوبة ، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً .
أما قوله تعالى : { وَبَاءو } ففيه وجوه . أحدها : البوء الرجوع ، فقوله : { باءو } أي رجعوا وانصرفوا بذلك ولا يقال باء إلا بشر . وثانيها : البوء التسوية . فقوله : { باءو } أي استوى عليهم غضب الله . قال الزجاج . وثالثها : باؤ أي استحقوا ، ومنه قوله تعالى : { إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ } [ المائدة : 29 ] أي تستحق الإثمين جميعاً . وأما غضب الله فهو إرادة الانتقام .
أما قوله تعالى : { ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله } فهو علة لما تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة عليهم وإلحاق الغضب بهم . قالت المعتزلة : لو كان الكفر حصل فيهم بخلق الله تعالى كما حصلت الذلة والمسكنة فيهم بخلقه لما كان جعل أحدهما جزاء الثاني أولى من العكس ، وجوابه المعارضة بالعلم والداعي ، وأما حقيقة الكفر فقد تقدم القول فيها .

(2/133)


أما قوله تعالى : { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } فالمعنى أنهم يستحقون ما تقدم لأجل هذه الأفعال أيضاً وفيه سؤالات .
السؤال الأول : أن قوله تعالى : { يَكْفُرُونَ } دخل تحته قتل الأنبياء فلم أعاد ذكره مرة أخرى؟ الجواب : المذكور ههنا الكفر بآيات الله ، وذلك هو الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء .
السؤال الثاني : لم قال : { بِغَيْرِ الحق } وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه؟ الجواب من وجهين : الأول : أن الإتيان بالباطل قد يكون حقاً لأن الآتي به اعتقده حقاً لشبهة وقعت في قلبه وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً ، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله : { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقاً في اعتقادهم وخيالهم بل كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه . وثانيها : أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى : { وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } [ المؤمنون : 117 ] ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان . وثالثها : أن الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا : أليس أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال : القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق .
وأما قوله تعالى : { ذلك بِمَا عَصَواْ } فهو تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول وهو بمنزلة أن يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها : هذا بما عصيتني وخالفت أمري ، هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي ، هذا بكذا فيعد عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتاً . أما قوله تعالى : { وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } فالمراد منه الظلم : أي تجاوزوا الحق إلى الباطل . واعلم أنه تعالى لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولاً بما فعلوه في حق الله تعالى وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم ثم ربع بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم ، وذلك في نهاية حسن الترتيب . فإن قيل : قال ههنا : { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } ذكر الحق بالألف واللام معرفة ، وقال في آل عمران : { إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ } [ آل عمران : 21 ] نكرة ، وكذلك في هذه السورة : { وَيَقْتُلُونَ الانبياء بِغَيْرِ حَقّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ لَيْسُواْ سَوَاء } [ آل عمران : 112 ، 113 ] فما الفرق؟ الجواب : الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ، قال عليه السلام ، " «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى معانٍ ثلاث ، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق " فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة .

(2/134)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

اعلم أن القراءة المشهورة : { هَادُواْ } بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد بفتح الدال وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين والصابئون بالهمزة فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري والصابين بياء ساكنة من غير همز ، والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة ، وعن العمري يجعل الهمزة فيهما ، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة ، فأما ترك الهمزة فيحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه ، والآخر : قلب الهمزة فنقول : الصابيين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى معنى التفسير أقرب لأن أهل العلم قالوا : هو الخارج من دين إلى دين ، واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعداً أو وعيداً عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاماً فههنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالاً على أنه سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال : { لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } [ النجم : 31 ] فقال : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } واختلف المفسرون في المراد منه ، وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية : { مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الاخر } فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } غير المراد منه في قوله تعالى : { مَنْ ءامَنَ بالله } ونظيره في الإشكال قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ } [ النساء : 136 ] فلأجل هذا الإشكال ذكروا وجوهاً ، أحدها : وهو قول ابن عباس . المراد الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ساعدة ، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه السلام بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم ، وثانيها : أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود ، فالمراد من قوله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون ، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال : هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري ، وثالثها : المراد من قوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى الماضي ، ثم قوله تعالى : { مَنْ ءامَنَ بالله } يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين .

(2/135)


أما قوله تعالى : { والذين هَادُواْ } فقد اختلفوا في اشتقاقه على وجوه . أحدها : إنما سموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا : { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } [ الأعراف : 156 ] أي تبنا ورجعنا ، وهو عن ابن عباس . وثانيها : سموا به لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب ، فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها . وثالثها : قال أبو عمرو بن العلاء : سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ، وأما النصارى ففي اشتقاق هذا الاسم وجوه . أحدها : أن القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة فنسبوا إليها وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج ، وثانيها : لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً . وثالثها : لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى الله ، قال صاحب الكشاف : النصارى جمع نصران يقال رجل نصران ، وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح .
أما قوله تعالى : { والصابئين } فهو من صبأ إذا خرج من دينه إلى دين آخر ، وكذلك كانت العرب يسمون النبي عليه السلام صابئاً لأنه أظهر ديناً بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها . وصبأنا به إذا خرجنا به ، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال ، أحدها : قال مجاهد والحسن : هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، وثانيها : قال قتاد : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات . وقال أيضاً : الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن : الصابئون وهم يعبدون الملائكة ، والمجوس وهم يعبدون النار ، والذين أشركوا يعبدون الأوثان ، واليهود والنصارى . وثالثها : وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب ، ثم لهم قولان . الأول : أن خالق العالم هو الله سبحانه ، إلا أنه سبحانه أمربتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم . والثاني : أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب ، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض ، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله سبحانه ، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام راداً عليهم ومبطلاً لقولهم ، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته ألبتة ، واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه ، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة ، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب .

(2/136)