صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله : { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم } [ البقرة : 40 ] في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة : أولها : نعمة الإحياء وهي المذكورة في هذه الآية . واعلم أن قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف ، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم ، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر ، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء ، فهذا هو المقصود الكلي ، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه : أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } موبخاً لهم ، كما لا يجوز أن يقول كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم . وثانيها : إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار ، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم كيف تكفرون؟ . وثالثها : أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } [ الإسراء : 94 ] حال ما منعهم عن الإيمان ويقول : { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الانشقاق : 20 ] ، { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول : { أَنّى تُؤْفَكُونَ فأنى تُصْرَفُونَ } ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب إلزام الحجة على العباد . ورابعها : أن الله تعالى إذا قال للعبيد : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } فهل ذكر هذا الكلام توجيهاً للحجة على العبد وطلباً للجواب منه أو ليس كذلك؟ فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبثاً ، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد ، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر . فالأول : أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر . والثاني : أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له . والثالث : أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك . والرابع : أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر . والخامس : أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر . والسادس : أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة ، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان ، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله؟ وخامسها : أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر ، وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار ، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان لذيذاً ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكاً فإن أحداً لا يعده نعمة ، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضرراً من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر ، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة ، والجواب : أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب ، فنحن أيضاً نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة ، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون ، فلو وجد لانقلب علمه جهلاً وهو محال ومستلزم المحال محال ، فوقوعه محال مع أنه قال : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال ، وإن كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر ، وإذا حصل ذلك المرجح وجب ، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق .

(1/427)


المسألة االثانية : اتفقوا على أن قوله : { وَكُنتُمْ أمواتا } المراد به وكنتم تراباً ونطفاً ، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف ، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بدّ وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حياً في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة ، قال كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بدّ منها ، ثم أحياهم بعد الموت . فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله :

(1/428)


{ خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك : 2 ] والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتاً فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب ، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال : وهو كقوله تعالى : { هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } [ الإنسان : 1 ] فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حياً وجعله سميعاً بصيراً ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر . وهذا أمر ميت ، وهذه سلعة ميتة ، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي :
وأحييت لي ذكرى وما خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
فكذا معنى الآية : { وَكُنتُمْ أمواتا } أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئاً { فأحياكم } أي فجعلكم خلقاً سميعاً بصيراً .
المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر ، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } [ المؤمنون : 15 ، 16 ] ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين ، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى : { قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } [ غافر : 11 ] لأنه قول الكفار ، ولأن كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذر في صلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال : { أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر ، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة ، وأيضاً فلقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية . لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول : { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً .
المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } يعني به العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله : { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } [ البقرة : 259 ] إلى قوله : { فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } [ البقرة : 259 ] وكقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم }

(1/429)


[ البقرة : 243 ] وكقوله : { فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } [ البقرة : 55 56 ] وكقوله : { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كذلك يُحْىِ الله الموتى } [ البقرة : 73 ] وكقوله : { وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } [ الكهف : 21 ] وكقوله في قصة أيوب عليه السلام : { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } [ الأنبياء : 84 ] فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم .
المسألة الخامسة : تمسك المجسمة بقوله تعالى : { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف ، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير ، أي إلى حيث لا يحكم غيره .
المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أمور : الأول : أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله : { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر } [ الجاثية : 24 ] الثاني : أنها تدل على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه ، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية ، الثالث : أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب . الرابع : أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه ، الخامس : أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال : { فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } فبين أنه لا بدّ من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت . بل لا بدّ من الرجوع إليه أما أنه لا بدّ من الموت ، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطفة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وصيره بصيراً بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور ، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى : { وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } [ المؤمنون : 100 ] ينادى فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون ، بل ينساه الأهل والبنون . كما قال يحيى بن معاذ الرازي :
يمر أقاربي بحذاء قبري ... كأن أقاربي لم يعرفوني
وقال أيضاً : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيعون عن تشييعها ، وبكى الغريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذو مودتها ، ورحمتها الأعادي عند جزعتها ، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما رجائي إلا أن نقول : ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون ، ووحيد قد جفاه المحبون ، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً ، وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً ، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً ، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان ، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران .

(1/430)


وأما أنه لا بدّ من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور { فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] وقال : { يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } [ المعارج : 43 ] ثم يعرضون على الله كما قال : { وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا } [ الكهف : 48 ] فيقومون خاشعين خاضعين كما قال : { وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن } [ طه : 108 ] وقال بعضهم : إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا . ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا ، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا . وجائعة لطول القيامة بطوننا ، وبادية لأهل الموقف سوآتنا ، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا ، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا ، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا ، ووسع رحمتك وغفرانك لنا ، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة .

(1/431)


هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولاً ثم أتبعه بذكر السماء والأرض ، أما قوله : { خُلِقَ } فقد مر تفسيره في قوله : { اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ } [ البقرة : 21 ] وأما قوله : { لَكُمْ } فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا ، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله : { مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } جميع المنافع ، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات وَمَا فِى الأرض } [ الجاثية : 13 ] فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض جميعاً فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال : { أَنَّا صَبَبْنَا الماء صَبّاً } [ عبس : 25 ] وقال في أول سورة أتى أمر الله { والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ } [ النحل : 5 ] إلى آخره وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلاً لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملاً بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالى محال فإن قيل : فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره ، قلنا : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ذلك الغرض إليه أو ليس أولى؟ فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضاً لله تعالى فلا يكون مؤثراً فيه . وثانيها : أن من فعل فعلاً لغرض كان عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال . وثالثها : أنه تعالى لو فعل فعلاً لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان محدثاً كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال . ورابعها : أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } وفي قوله :

(1/432)


{ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة .
المسألة الثانية : احتج أهل الإباحة بقوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه .
المسألة الثالثة : قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض ، ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعاً للموضعين ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه .
المسألة الرابعة : قوله : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضاً لا لغيره ، وأما قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } فيه مسائل :
المسألة الأولى : الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام ، فالله تعالى يجب أن يكون منزهاً عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله : { ثُمَّ استوى } يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أولاً ولو كان حاصلاً أولاً لما كان متأخراً عن خلق ما في الأرض لكن قوله : { ثُمَّ استوى } يقتضي التراخي ، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زماناً ولم يقصد شيئاً آخر بعد خلقه الأرض .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء } مفسر بقوله : { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت : 9 ، 10 ] بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً ، وإلى مكة ثلاثون يوماً يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال :

(1/433)


{ خُلِقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [ الأعراف : 54 ] .
المسألة الثالثة : قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله : { أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } إلى قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء } [ فصلت : 9-10 ] وقال في سورة النازعات : { أَءنتُمْ خَلْقاً أَمِ السماء بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضحاها والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 27 30 ] وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً : أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين : الأول : أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضاً لا محالة متأخراً عن خلق السماء . الثاني : أن قوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء } يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذٍ يتحقق التناقض . والجواب : أن قوله تعالى : { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } [ النازعات : 30 ] يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول التناقض ، ولقائل أن يقول : قوله تعالى : { أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السماء بناها رَفَعَ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } [ النازعات : 27 28 ] يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذٍ يعود السؤال ، وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن قوله : «ثم» ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم ، مثاله قول الرجل لغيره : أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك ، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم .
المسألة الرابعة : الضمير في فسواهن ضمير مبهم ، وسبع سموات تفسير له كقوله ربة رجلاً وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولاً لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف ، وقيل الضمير راجع إلى السماء ، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن .
المسألة الخامسة : اعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات ، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ثم كرة الشمس . ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين : الأول : الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد ، وبياض الزهرة ، وزرقة المشتري ، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة . وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين : أحدهما : ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس ، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو ، الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فإنه قليل جداً فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في «تلخيصه لفصول الفرغاني» : إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكاً . واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة ، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه ، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب ، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأَفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلا بدّ من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت ، وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه : أولها : لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار ودونه خرط القتاد . وثانيها : سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها ، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن . وثالثها : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا ، فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له ، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر ، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول ، والذي يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم : إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع ، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال إن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك كانت مركوزة في كرة واحدة وكلتا المقدمتين غير يقينيتين . أما الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحدة ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة ، لأنا لو قدرنا أن واحداً منها يتمم الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة . والآخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءاً من ألف ومائتي جزء من واحد ، وهذا القدر مما لا يحس به بل العشر سنين والمائة والألف مما لا يحس به ألبتة ، وإذا كان ذلك محتملاً سقط القطع ألبتة عن استواء حركات الثوابت . وأما الثانية : فلأن استواء حركات الثوابت في مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة في كرة واحدة لاحتمال كونها مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا ههنا . وأقول إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل الجرم المتحرك بالحركة اليومية ليس جرماً واحداً بل أجراماً كثيرة إما مختلفة الحركات لكن بتفاوت قليل لا تفي بإدراكها أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية على الإطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها ، ومن أصحاب الهيئة من قطع بإثبات أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه : الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار فكل من كان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن بطليموس وجده «لح يا» ثم وجد في زمان المأمون «كح له» ثم وجد بعد المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضي أن من شأن المنطقتين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج ، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت إلى الجنوب ، وتارة إلى الشمال . كما هو الآن . الثاني : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في «كتب النجوم» حتى أن بطليموس حكى عن أبرخيس أنه كان شاكاً في أن هذه العودة تكون في أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه يقول في بعض أقاويله : إنها مختلفة ، وفي بعضها : إنها متساوية في أن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين : أحدهما : قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان سير الشمس من أجله . الثاني : قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء الروم ومصر والشام : إن السبب فيه انتقال فلك البروج وارتفاع قطبه وانحطاطه ، وحكي عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء الإسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من «كب» درجة من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية ، فإن قال قائل فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد .

(1/434)


المسألة السادسة : قوله تعالى : { وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } يدل على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها ، وذلك يدل على أمور : أحدها : فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة قول المتكلمين ، و ذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى بالجزئيات بأن قالوا : إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإحكام والإتقان وكل فاعل على هذا الوجه فإن لا بدّ وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات والأرض ثم فرع على ذلك كونه عالماً ، فثبت بهذا أن قول المتكلمين في هذا المذهب وفي هذا الاستدلال مطابق للقرآن . وثانيها : فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بدّ وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا بدّ وأن يكون بإرادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة بالعلم فثبت أن خالق الشيء لا بدّ وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل . فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها وبتفاصيلها في العدد والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه . وثالثها : قالت المعتزلة : إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله : { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف : 76 ] ظهر أنه تعالى عالم بذاته ، والجواب : قوله تعالى : { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف : 76 ] عام وقوله : { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [ النساء : 166 ] خاص والخاص مقدم على العام . والله تعالى أعلم .

(1/435)


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاماً عاماً على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : في إذ قولان : أحدهما : أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب . الثاني : وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر ، والمعنى أذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين : أحدهما : أن المعنى معروف . والثاني : أن الله تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله : { واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف } [ الأحقاف : 21 ] وقال : { واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ } [ ص : 17 ] ، { واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية إِذْ جَاءهَا المرسلون إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } [ يس : 13 ، 14 ] والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك المصرح . قال صاحب «الكشاف» : ويجوز أن ينتصب «إذ» بقالوا .
المسألة الثانية : الملك أصله من الرسالة ، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من «ملأكة» حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلباً للخفة لكثرة استعمالها ، قال صاحب «الكشاف» : الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع .
المسألة الثالثة : من الناس من قال : الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدماً على الكلام في الأنبياء لوجهين : الأول : أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله : { والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } [ المؤمنون : 285 ] ولقد قال عليه السلام : " ابدؤا بما بدأ الله به " الثاني : أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدماً على الرسول ، ومن الناس من قال : الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع ، فكان الكلام في النبوات أصلاً للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات ، والأولى أن يقال الملك قبل النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا . واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : الملائكة لا بدّ وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أولا تكون ، أما الأول : وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا أقوال : أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات ، وهذا قول أكثر المسلمين . وثانياً : قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والأنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة ، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب ، وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة ، وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير ، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر ، وينفع ولا يمنع ، ويحيى ولا يبلى وجوهر الظلمة على ضد ذلك . ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء . وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية . القول الثاني : أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فههنا قولان : أحدهما : قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة ، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين . وثانيهما : قول الفلاسفة : وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ألبتة ، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علماً منها ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء ، ثم إن هذه الجواهر على قسمين ، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا ، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السموات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة . فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما ، ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع؟ أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة ، ولنا معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة ، ومن الناس من ذكر في ذلك وجوهاً عقلية اقناعية ولنشر إليها . أحدها : أن المراد من الملك الحي الناطق الذي لا يكون ميتاً ، فنقول القسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما أن يكون ناطقاً وميتاً معاً وهو الإنسان ، أو يكون ميتاً ولا يكون ناطقاً وهو البهائم ، أو يكون ناطقاً ولا يكون ميتاً وهو الملك ، ولا شك أن أخس المراتب هو الميت غير الناطق ، وأوسطها الناطق الميت ، وأشرفها الناطق الذي ليس بميت ، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها ، فلأن تقتضي إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى ، وثانياً : أن الفطرة تشهد بأن عالم السموات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في هذا العالم الكدر الظلماني ، ولا تحصل ألبتة في ذلك العالم الذي هو عالم الضوء والنور والشرف . وثالثها : أن أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة المشاهدة والمكاشفة ، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى وهي ما يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات ، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة ، فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها ، وقطعية بالنسبة إلى من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها ، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة ، بل ذلك كالأمر المجمع عليه بينهم والله أعلم .

(1/436)


المسألة الرابعة : في شرح كثرتهم : قال عليه الصلاة والسلام : « أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع » وروي أن بني آدم عشر الجن ، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر ، وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر ، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها ، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا ، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثالثة ، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل ، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف ، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً ، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم ، لهم زجل بالتسبيح والتقديس ، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله . ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام . والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام . وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه وتعالى . رطاب الألسن بذكره وتعظيمه يتسابقون في ذلك مذ خلقهم ، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا يسأمون ، لا يحصي أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى ، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال :

(1/437)


{ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر : 31 ] . وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهم إلى أين يذهبون . فقال جبريل عليه السلام . لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألوا واحداً منهم وقيل له مذ كم خلقت؟ فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكباً في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف مرة ، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله . واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم ، أما الأصناف . فأحدها : حملة العرش وهو قوله : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } [ الحاقة : 17 ] ، وثانيها : الحافون حول العرش على ما قال سبحانه : { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِم } [ الزمر : 75 ] وثالثها : أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما لقوله تعالى : { مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين } [ البقرة : 98 ] ثم إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور . الأول : أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى : { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193 ، 194 ] الثاني : أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } [ البقرة : 97 ] ولأن جبريل صاحب الوحي والعلم ، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية ، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل الثالث : أنه تعالى جعله ثاني نفسه { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } [ التحريم : 4 ] . الرابع : سماه روح القدس قال في حق عيسى عليه السلام : { إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس } [ المائدة : 110 ] الخامس : ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين ، السادس : أنه تعالى مدحه بصفات ست في قوله : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ } [ التكوير : 19 20 ] فرسالته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأنبياء ، فجميع الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء ، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلى السماء وقلبها ، ومكانته عند الله أنه جعله ثاني نفسه في قوله تعالى : { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } وكونه مطاعاً أنه إمام الملائكة ومقتداهم ، وأما كونه أميناً فهو قوله : { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين } [ الشعراء : 193 ] ومن جملة أكابر الملائكة إسرافيل وعزرائيل صلوات الله عليهما وقد ثبت وجودهما بالأخبار وثبت بالخبر أن عزرائيل هو ملك الموت على ما قال تعالى : { قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت الذى وُكّلَ بِكُمْ }

(1/438)


[ السجدة : 11 ] وأما قوله : { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } [ الأنعام : 61 ] فذلك يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح قال تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملئكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } [ الأنفال : 50 ] . وأما إسرافيل عليها السلام فقد دلت الأخبار على أنه صاحب الصور على ما قال تعالى { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] . ورابعها : ملائكة الجنة قال تعالى : { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } [ الرعد : 23 ، 24 ] . وخامسها : ملائكة النار قال تعالى : { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } [ المدثر : 30 ] وقوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً } [ المدثر : 31 ] ورئيسهم مالك ، وهو قوله تعالى : { وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } [ الزخرف : 77 ] وأسماء جملتهم الزبانية قال تعالى : { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق : 17 ، 18 ] وسادسها : الموكلون ببني آدم لقوله تعالى : { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 17 ، 18 ] وقوله تعالى : { لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } [ الرعد : 11 ] وقوله تعالى : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } [ الأنعام : 61 ] . وسابعها : كتبة الأعمال وهو قوله تعالى : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الانفطار : 10 12 ] . وثامنها : الموكلون بأحوال هذا العالم وهم المرادون بقوله تعالى : { والصافات صَفَّا } [ الصافات : 1 ] وبقوله : { والذاريات ذَرْواً } [ الذاريات : 1 ] إلى قوله : { فالمقسمات أَمْراً } [ الذاريات : 4 ] وبقوله : { والنازعات غَرْقاً } [ النازعات : 1 ] . وعن ابن عباس قال : إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الأشجار ، فإذا أصاب أحدكم حرجة بأرض فلاة فليناد : أعينوا عباد الله يرحمكم الله . وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه : أحدها : أن الملائكة رسل الله ، قال تعالى : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } [ فاطر : 1 ] أما قوله تعالى : { الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً } [ الحج : 75 ] فهذا يدل على أن بعض الملائكة هم الرسل فقط ، وجوابه أن من للتبيين لا للتبعيض . وثانيها : قربهم من الله تعالى ، وذلك يمتنع أن يكون بالمكان والجهة فلم يبق إلا أن يكون ذلك القرب هو القرب بالشرف وهو المراد من قوله : { وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء : 19 ] وقوله : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [ الأنبياء : 26 ] وقوله : { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 20 ] وثالثها : وصف طاعاتهم وذلك من وجوه : الأول : قوله تعالى حكاية عنهم { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } وقال في موضع آخر { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } [ الصافات : 166 ] والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها مواظبتهم على العبادة . الثاني : مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيماً له وهو قوله : { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ الحجر : 30 ] . الثالث : أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحيه وأمره وهو قوله : { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء : 27 ] . ورابعها : وصف قدرتهم وذلك من وجوه : الأول : أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السموات السبع لقوله :

(1/439)


{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } [ البقرة : 255 ] فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم . الثاني : أن علو العرش شيء لا يحيط به الوهم ويدل عليه قوله : { تَعْرُجُ الملئكة والروح إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } [ المعارج : 4 ] ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة . الثالث : قوله تعالى : { وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث أن بنفخة واحدة منه يصعق من في السموات والأرض ، وبالنفخة الثانية منه يعودون أحياء . فاعرف منه عظم هذه القوة . والرابع : أن جبريل عليه السلام بلغ في قوته إلى أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة . وخامسها : وصف خوفهم ويدل عليه وجوه : الأول : أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات ألبتة يكونون خائفين وجلين حتى كأن عبادتهم معاصي قال تعالى : { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } [ النحل : 50 ] وقال : { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [ الأنبياء : 28 ] . الثاني : قوله تعالى : { حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق وَهُوَ العلى الكبير } [ سبأ : 23 ] روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السموات مثل صوت السلسلة على الصفوان ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ، الثالث : روى البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بناحية ومعه جبريل إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ، قال عليه السلام : فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبداً نبياً فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟ فقال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه وبين الرب وبينه سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله له في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال على الرياح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات . قلت على أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة . واعلم أنه ليس بعد كلام الله وكلام رسوله كلام في وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ، قال في بعض خطبه : ثم فتق ما بين السموات العلى فملأهن أطواراً من ملائكة فمنهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون وصافون لايتزايلون ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر .

(1/440)


المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد من قوله : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } كل الملائكة أو بعضهم فروى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه وتعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر فقال تعالى لهم : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين أنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص لأن لفظ الملائكة يفيد العموم فيكون التخصيص خلاف الأصل .
المسألة السادسة : جاعل من جعل الذي له مفعولان دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله : { فِى الارض خَلِيفَةً } فكانا مفعولين ومعناه مصير في الأرض خليفة .
المسألة السابعة : الظاهر أن الأرض التي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب وروى عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهم أول من طاف به وهو في الأرض التي قال الله تعالى : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } والأول أقرب إلى الظاهر .
المسألة الثامنة : الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه قال الله تعالى : { ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الأرض } [ يونس : 14 ] . { واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } [ الأعراف : 69 ] فأما أن المراد بالخليفة من؟ ففيه قولان : أحدهما : أنه آدم عليه السلام . وقوله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } المراد ذريته لا هو ، والثاني : أنه ولد آدم ، أما الذين قالوا المراد آدم عليه السلام فقد اختلفوا في أنه تعالى لم سماه خليفة وذكروا فيه وجهين : الأول : بأنه تعالى لما نفى الجن من الأرض وأسكن آدم الأرض كان آدم عليه السلام خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه .

(1/441)


يروى ذلك عن ابن عباس . الثاني : إنما سماه الله خليفة لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي وهذا الرأي متأكد بقوله : { إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق } [ ص : 26 ] أما الذين قالوا المراد ولد آدم فقالوا : إنما سماهم خليفة لأنهم يخلف بعضهم بعضاً وهو قول الحسن ويؤكده قوله : { وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الارض } والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى وقرىء خليقة بالقاف . فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } مع أنه منزه عن الحاجة إلى المشورة والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب . الوجه الثاني : أنه تعالى علم عباده المشاورة . وأما قوله تعالى : { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا } إلى آخر الآية ، ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه : الأول : قوله تعالى : { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى : { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل : 50 ] فقوله ويفعلون ما يؤمرون يتناول جميع فعل المأمورات وترك المنهيات لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه . فإن قيل ما الدليل على أن قوله ويفعلون ما يؤمرون يفيد العموم قلنا لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل على ما بيناه في أصول الفقه . والثاني : قوله تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء : 26 27 ] فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي . والثالث : أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن الرابع : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه واحتج المخالف بوجوه : الأول : أنه تعالى حكىعنهم أنهم قالوا : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } وهذا يقتضي صدور الذنب عنهم ويدل على ذلك وجوه : أحدها : أن قولهم : أتجعل فيها . هذا اعتراض على الله تعالى وذلك من أعظم الذنوب . وثانيها : أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد والقتل وذلك غيبة والغيبة من كبائر الذنوب .

(1/442)


وثالثها : أنهم بعد أن طعنوا في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم : { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } وأنهم قالوا : { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } [ الصافات : 165 ، 166 ] وهذا للحصر فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من الذنوب المهلكة قال عليه السلام . « ثلاث مهلكات ، وذكر فيها إعجاب المرء بنفسه » وقال تعالى : { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } [ النجم : 32 ] . ورابعها : أن قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا لما اشتغلوا بالعذر . وخامسها : أن قوله : { أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين } [ البقرة : 31 ] يدل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه أولا . وسادسها : أن قوله : { أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } [ البقرة : 33 ] يدل على أن الملائكة ما كانوا عالمين بذلك قبل هذه الواقعة وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالماً بكل المعلومات ، وسابعها : أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء ، إما أن يكون قد حصل بالوحي إليهم في ذلك أو قالوه استنباطاً والأول بعيد لأنه إذا أوحى الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لإعادة ذلك الكلام فائدة فثبت أنهم قالوه عن الاستنباط والظن والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز لقوله تعالى : { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [ الإسراء : 36 ] وقال : { إَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا } [ يونس : 36 ] وثامنها : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذين كانوا جند إبليس في محاربة الجن { إِنّى جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } ثم علموا غضب الله عليهم : { فَقَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا } وروي عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين } [ البقرة : 31 ] في أني لا أخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و { قَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا } وفي بعض الروايات أنهم لما قالوا أتجعل فيها ، أرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم . الشبهة الثانية : تمسكوا بقصة هاروت وماروت وزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض فأوحى الله تعالى إليهما إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يا رب لو ابتليتنا لم نفعل فجربنا فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في الأرض وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض فجعلت الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إلى نفسها ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا إلى منزلها ودعواها إلى الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا خمراً فقالا لا نشرب الخمر ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها قالا وما هي؟ قالت : تسجدان لهذا الصنم ، فقالا : لا نشرك بالله ، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا : نفعل ثم نستغفر فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذٍ أنه إنما أصابهما ذلك بسبب تعيير بني آدم وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت المرأة بذلك الاسم وعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة ثم إن الله تعالى عرفت هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى :

(1/443)


{ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان } [ البقرة : 102 ] الشبهة الثالثة : أن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم إنه عصى الله تعالى وكفر وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة . الشبهة الرابعة : قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً } [ المدثر : 31 ] قالوا : فدل هذا على أن الملائكة يعذبون لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ممن يعذب فيها كما قال : { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } والجواب عن الشبهة الأولى أن نقول : أما الوجه الأول وهو قولهم أنهم اعترضوا على الله تعالى وهذا من أعظم الذنوب فنقول إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله على شيء كان غافلاً عنه ، فإن من اعتقد ذلك في الله فهو كافر ، ولا الإنكار على الله تعالى في فعل فعله ، بل المقصود من ذلك السؤال أمور : أحدها : أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رأى أن ذلك الغير يفعل فعلاً لا يقف على وجه الحكمة فيه فيقول له أتفعل هذاا كأنه يتعجب من كمال حكمته وعلمه ، ويقول إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي العقول فيها إلى وجه الحكمة فإذا كنت تفعلها وأعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه دقيق وسر غامض أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأجل علمك فالحاصل أن قوله : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء .

(1/444)


وثانيها : أن إيراد الإشكال طلباً للجواب غير محذور فكأنهم قالوا إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة ونحن نرى في العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه فإذا خلقت قوماً يفسدون ويقتلون وأنت مع علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه وأنت الحكيم المطلق فكيف يمكن الجمع بين الأمرين فكأن الملائكة أوردوا هذا السؤال طلباً للجواب ، وهذا جواب المعتزلة قالوا : وهذا يدل على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى وكانوا على مذهب أهل العدل قالوا والذي يؤكد هذا الجواب وجهان : أحدهما : أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق . والثاني : أنهم قالوا : { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه ، وثالثها : أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه وخيراتها غالبة على شرورها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا تلك الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يعني أن الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيها والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه وهذا جواب الحكماء . ورابعها : أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه . وخامسها : أن قول الملائكة : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً فكأنهم قالوا : يا إلهنا إجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى عليه السلام : { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } [ الأعراف : 155 ] والمعنى لا تهلكنا فقال تعالى : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من صلاحكم وصلاح هؤلاء الذين أجعلهم في الأرض فبين ذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ولهؤلاء الأرض خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له . وسادسها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل ، وسابعها : قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال جرير :
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
أي أنتم كذلك . ولو كان استفهاماً لم يكن مدحاً ، ثم قالت الملائكة إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كأنه قال والله أعلم نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحاً في حكمتي فإني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل وما علمتم باطنهم وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم فأعلم من بواطنهم أسراراً خفية وحكماً بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم .

(1/445)


أما الوجه الثاني : وهو أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة ، فالجواب أن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الإشكال . أما الوجه الثالث : وهو أنهم مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس . فالجواب : أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً لقوله : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } [ الضحى : 11 ] وأيضاً فيحتمل أن يكون قولهم : { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } ليس المراد مدح النفس ، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية . بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل ، أما الوجه الرابع : وهو أن قولهم : { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } يشبه الاعتذار فلا بدّ من سبق الذنب ، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا يوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذاراً من ترك الأولى فإن قيل أليس أنه تعالى قال : { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول } [ الأنبياء : 27 ] فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين في هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص . أما الوجه الخامس : وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطاً وظناً ، قلنا اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال : إنهم ذكروا ذلك ظناً ثم ذكروا فيه وجهين : الأول : وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض . الثاني : أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلا بّد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك الدماء عن الغضب . ومنهم من قال إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن مسعود وناس من الصحابة ثم ذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أنه تعالى لما قال للملائكة : { إِنّى جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً ، فعند ذلك قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . وثانيها : أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء . وثالثها : قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا : ربنا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله يومئذٍ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال : { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } عرفوا أن المعصية تظهر منهم . ورابعها : لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك . وخامسها : إذا كان معنى الخليفة من يكون نائباً لله تعالى في الحكم والقضاء ، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الأخبار عن مجرد الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذباً فيه ، وذلك ينافي العصمة والطهارة . أما الوجه السادس : هو الأخبار التي ذكروها فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها .

(1/446)


أما الشبهة الثانية : وهي قصة هاروت وماروت ، فالجواب عنها أن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه : أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك ، وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له وذلك من صريح الكفر ، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين ، وثانيها : في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه . وثالثها : في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية . ورابعها : أن المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكباً مضيئاً وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال : { فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس الجوار الكنس } [ التكوير : 15 ] فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها ، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها إن شاء الله تعالى .
وأما الشبهة الثالثة : فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة .
وأما الشبهة الرابعة : وهي قوله : { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً } [ المدثر : 31 ] فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار وقوله : { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة : 39 ] لا يدل أيضاً على كونهم معذبين بالنار بمجرد هذه الآية بل إنما عرف ذلك بدليل آخر فقوله : { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً } يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها والله أعلم .

(1/447)


المسألة الثانية : اختلفوا في أن الملائكة هل هم قادرون على المعاصي والشرور أم لا؟ فقال جمهور الفلاسفة وكثير من أهل الجبر : إنهم خيرات محض ولا قدرة لهم البتة على الشرور والفساد وقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء : إنهم قادرون على الأمرين واحتجوا على ذلك بوجوه : أحدها : أن قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } إما أن يكون معصية أو ترك الأولى وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، وثانيها : قوله تعالى : { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 29 ] وذلك يقتضي كونهم مزجورين ممنوعين وقال أيضاً : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأعراف : 206 ] والمدح بترك الاستكبار إنما يجوز له كان قادراً على فعل الاستكبار . وثالثها : أنهم لو لم يكونوا قادرين على ترك الخيرات لما كانوا ممدوحين بفعلها لأن الملجأ إلى الشيء ومن لا يقدر على ترك الشيء لا يكون ممدوحاً بفعل ذلك الشيء ، ولقد استدل بهذا بعض المعتزلة فقلت له أليس أن الثواب والعوض واجبان على الله تعالى ، ومعنى كونه واجباً عليه أنه لو تركه للزم من تركه إما الجهل وإما الحاجة وهما محالان والمفضي إلى المحال محال ، فيكون ذلك الترك محالاً من الله تعالى ، وإذا كان الترك محالاً كان الفعل واجباً فيكون الله تعالى فاعلاً للثواب والعوض واجب وتركه محال مع أنه تعالى ممدوح على فعل ذلك ، فثبت أن امتناع الترك لا يقدح في حصول المدح فانقطع وما قدر على الجواب .
المسألة الثالثة : الواو في { وَنَحْنُ } للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان والتسبيح تبعيد الله تعالى من السوء وكذا التقديس ، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، واعلم أن التبعيد إن أريد به التبعيد عن السوء فهو التسبيح وإن أريد به التبعيد عن الخيرات فهو اللعن ، فنقول التبعيد عن السوء يدخل فيه التبعيد عن السوء في الذات والصفات والأفعال ، أما في الذات فأن لا تكون محلاً للإمكان فإن منع السوء وإمكانه هو العدم ونفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ونفي الضد والند ، وحصول الوحدة المطلقة والوجوب الذاتي وأما في الصفات فأن يكون منزهاً عن الجهل فيكون محيطاً بكل المعلومات وقادراً على كل المقدورات وتكون صفاته منزهة عن التغييرات ، وأما في الأفعال فأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار وأن لا يستكمل بشيء منها ولا ينتقص بعدم شيء منها فيكون مستغنياً عن كل الموجودات والمعدومات مستولياً بالإعدام والإيجاد على كل الموجودات والمعدومات ، وقال أهل التذكير : التسبيح جاء تارة في القرآن بمعنى التنزيه وأخرى بمعنى التعجب . أما الأول فجاء على وجوه : «ا» أنا المنزه عن النظير والشريك ، هو الله الواحد القهار «ب» أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض «ج» أنا المدبر لكل العالمين سبحان الله رب العالمين «د» أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( ه ) أنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني «و» أنا السلطان الذي كل شيء سوائي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء «ز» أنا العالم بكل شيء ، سبحان الله عما يصفون عالم الغيب «ح» أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد «ط» أنا المنزه عن وصفهم وقولهم ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، عما يقولون ، عما يصفون ، أما التعجب فكذلك «ا» أنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف ، سبحان الذي سخر لنا هذا «ب» أنا الذي خلقت العالم وكنت منزهاً عن التعب والنصب ، سبحانه إذا قضى أمراً «ج» أنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا «د» أنا الذي أزيل معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ، ثم يقول إن أردت رضوان الله فسبح ، وسبحوه بكرة وأصيلاً . وإن أردت الفرج من البلاء فسبح لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وإن أردت رضا الحق فسبح ، ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ، وإن أردت الخلاص من النار فسبح ، سبحانك فقنا عذاب النار ، أيها العبد واظب على تسبيحي فسبحان الله فسبح وسبحوه فإن لم تفعل تسبيحي فالضرر عائد إليك ، لأن لي من يسبحني ، ومنهم حملة العرش

(1/448)


{ فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ } [ فصلت : 38 ] ومنهم المقربون { قَالُواْ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا } [ سبأ : 41 ] ومنهم سائر الملائكة { قَالُواْ سبحانك مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا } [ الفرقان : 18 ] ومنهم الأنبياء كما قال ذو النون { لاَ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك } [ الأنبياء : 87 ] وقال موسى : { سبحانك إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } [ الأعراف : 143 ] والصحابة يسبحون في قوله : { سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ آل عمران : 191 ] والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب والذرات { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء : 44 ] وكذا الحجر والمدر والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال : { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السموات } [ الحديد : 1 ] ثم يقول أيها العبد : أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء ، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعاً وذلك لا يليق بي { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } [ ص : 27 ] لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته . والنكتة الأخرى أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة } [ الصافات : 180 ] فإنك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي { وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [ الأحزاب : 42 ] أقرضني { وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً } [ الحديد : 18 ] وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة { مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَه }

(1/449)


[ البقرة : 245 ] كن معيناً لي وإن كنت غنياً عن إعانتك { وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض } [ الفتح : 4 ] وأيضاً فلا حاجة بي إلى العسكر { وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } [ محمد : 4 ] لكنك إذا نصرتني نصرتك { إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ } [ محمد : 7 ] كن مواظباً على ذكرى { واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } [ البقرة : 203 ] ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكروني { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] لكنك إذا ذكرتني ذكرتك { فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] اخدمني : { قَدِيرٌ ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } [ آل عمران : 189 ] . { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السموات والأرض } [ الرعد : 15 ] ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة لتنال الراحات الكثيرة { قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ } [ الأنعام : 91 ] .
المسألة الرابعة : قوله : { بِحَمْدِكَ } قال صاحب «الكشاف» بحمدك في موضع الحال . أي نسبح لك حامدين لك ومتلبسين بحمدك ، وأما المعنى ففيه وجهان : الأول : أنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحاً من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح الثاني : أنا نسبحك بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك كما قال داود عليه السلام : يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك إلا بنعمتك ، فأوحى الله تعالى إليه : «الآن قد شكرتني حيث عرفت أن كل ذلك مني» واختلف العلماء في المراد من هذا التسبيح فروي أنا أبا ذر دخل بالغداة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالعكس ، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي : أي الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفاه الله لملائكته : سبحان الله وبحمده رواه مسلم وروى سعيد بن جبير قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له رسول الله يصلي وأنت جالس لا تصلي فقال له امضِ إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال ما أظن إلا سيمر بك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب قال يا فلان إن رسول الله يصلي وأنت جالس ، فقال له مثلها فوثب عليه فضربه ، وقال هذا من عملي ثم دخل المسجد وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ رسول الله من صلاته قام إليه عمر فقال يا نبي الله مررت آنفاً على فلان وأنت تصلي وهو جالس فقلت له : نبي الله يصلي وأنت جالس فقال لي مر إلى عملك فقال عليه الصلاة والسلام هلا ضربت عنقه ، فقام عمر مسرعاً ليلحقه فيقتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا عمر إرجع فإن غضبك عز ورضاك حكم إن لله في السموات ملائكة له غنى بصلاتهم عن صلاة فلان ، فقال عمر يا رسول الله وما صلاتهم ، فلم يرد عليه شيئاً فأتاه جبريل فقال : يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال : نعم قال : أقرئه مني السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون ، سبحان الحي الذي لا يموت ، فهذا هو تسبيح الملائكة» .

(1/450)


القول الثاني : أن المراد بقوله : { نُسَبّحُ } أي نصلي والتسبيح هو الصلاة ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود .
المسألة الخامسة : التقديس التطهير ، ومنه الأرض المقدسة ثم اختلفوا على وجوه : أحدها : نطهرك أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزة ، وثانيها : قول مجاهد نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك . وثالثها : قول أبي مسلم نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك . ورابعها : نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك قالت المعتزلة هذه الآية تدل على العدل من وجوه : أحدها : قولهم : { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم فلو كانت أفعالاً لله تعالى لما حسن التمدح بذلك ولا فضل لذلك على سفك الدماء إذ كل ذلك من فعل الله تعالى . وثانيها : لو كان الفساد والقتل فعلاً لله تعالى لكان يجب أن يكون الجواب أن يقول إني مالك أفعل ما أشاء . وثالثها : أن قوله : { أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يقتضي التبري من الفساد والقتل لكن التبري من فعل نفسه محال . ورابعها : إذا كان لا فاحشة ولا قبح ولا جور ولا ظلم ولا فساد إلا بصنعه وخلقه ومشيئته فكيف يصح التنزيه والتقديس؟ وخامسها : أن قوله : { أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يدل على مذهب العدل لأنه لو كان خالقاً للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا . فلما لم يرضى بهذا الجواب سقط هذا المذهب . وسادسها : لو كان الفساد والقتل ، من فعل الله تعالى لكان ذلك جارياً مجرى ألوانهم وأجسامهم وكما لا يصح التعجب من هذه الأشياء فكذا من الفساد والقتل والجواب عن هذه الوجوه المعارضة بمسألة الداعي والعلم والله أعلم .
المسألة السادسة : إن قيل قوله : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوهاً : أحدها : فيكون قوله : { أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون . وثانيها : أنه للغم فيكون الجواب لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين ، ومن أقسم علي لأبره . وثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل . بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم ورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض ، وفيه وجه خامس : وهو أنهم لما قالوا : { نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } قال تعالى : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وهو أن معكم إبليس وأن في قلبه حسداً وكبراً و نفاقاً . ووجه سادس : وهو أني أعلم ما لاتعلمون فإنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم :

(1/451)


{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف : 44 ] وبقوله : { والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } [ الشعراء : 82 ] وبقوله : { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل : 19 ]

(1/452)


وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أراد تعالى أن يزيدهم بياناً وأن يفصل لهم ذلك المجمل ، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوماً لهم ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقيفية . بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني ، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني . واحتجوا عليه بقوله تعالى : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } والكلام على التمسك بهذه الآيه سؤالاً وجواباً ذكرناه في أصول الفقه . وقال أبو هاشم : إنه لابد من تقدم لغه إصطلاحيه واحتج على أنه لابدّ وأن يكون الوضع مسبوقاً بالإصطلاح بأمور أحدها : أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظه لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل ، لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفه الله تعالى معلومه بالضروره مع أنه ذاته معلومه بلإستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبه لغير العاقل ، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد . وثانيها : أنه تعالى خاطب الملائكه وذلك يوجب تقدم لغه على ذلك التكلم . وثالثها : أن قوله : { وعلم آدم الأسماء كلها } يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء . وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم ، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم . ورابعها : أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بدّ وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات ، وإلا لم يحصل العلم بصدقه ، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدماً على ذلك التعليم . والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعاً وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل . سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد . وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها . وعن الثالث : لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء ، وعن الرابع : ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم .

(1/453)


المسألة الثانية : من الناس من قال قوله : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا } أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو ، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ، فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول ، فكان الدليل أسمى في الحقيقة ، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة ، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة ، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به ، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره ، لوجوه : أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها ، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة ، أولى من حمله على ما ليس كذلك ، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة ، فإن من كان عالماً باللغة والفصاحة ، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي : ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة ، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي ، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم ، فإن حصل التعليم ، حصل العلم به وإلا فلا ، أما العلم بحقائق الأشياء ، فالعقل متمكن من تحصيله فصحَّ وقوع التحدي فيه . القول الثاني : وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها ، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات ، فغلب عليه ذلك اللسان ، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات ، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام . قال أهل المعاني : قوله تعالى : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء } لا بدّ فيه من إضمار ، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء ، قالوا لكن الأول أولى لقوله : { أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } وقوله تعالى : { فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم ، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات ، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلاً ، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟ قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء ، فغلب الأكمل ، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا .

(1/454)


المسألة الثالثة : من الناس من تمسك بقوله تعالى : { أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف ، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى : { إِن كُنتُمْ صادقين } .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت ، والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حواء ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً ، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت ، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة . وأيضاً فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذٍ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة ، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسماً لكل واحد من تلك المسميات ، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين : الأول : ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات . وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزاً . الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزاً ، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذٍ يصير الكلام في هذه المسألة فرعاً على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت بوجوه : أحدها : أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان ، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة . وذلك غير جائز ، فوجب أن لا يكون نبياً في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة . وثانيها : لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثاً إلى أحد ، فإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع ، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضاً فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى :

(1/455)


{ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } [ الأنعام : 9 ] ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر ، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء ، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } [ الأعراف : 19 ] شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة . وثالثها : قوله تعالى : { ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ } [ طه : 122 ] فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى ، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن لا يكون رسولاً لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولاً فقد خصه بذلك لقوله تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] .
المسألة الخامسة : ذكروا في قوله : { إِن كُنتُمْ صادقين } وجوهاً : أحدها : معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الاعلام . وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز ، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم . وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود . ورابعها : إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء .

(1/456)


المسألة السادسة : هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء . لا بالعلم ، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول ، أما الكتاب فوجوه : الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم ، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل : أنه قال : تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه : أحدها : مواعظ القرآن قال في البقرة : { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة } [ البقرة : 231 ] يعني مواعظ القرآن وفي النساء : { وَأَنزَلَ الكتاب والحكمة } [ النساء : 113 ] يعني المواعظ ومثلها في آل عمران . وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى / { وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً } [ مريم : 12 ] وفي لقمان { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة } [ لقمان : 12 ] يعني الفهم والعلم وفي الأنعام { أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم } [ الأنعام : 89 ] وثالثها : الحكمة بمعنى النبوة في [ النساء : 54 ] { فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة } يعني النبوة وفي [ ص : 20 ] { وآتيناه الحكمة } يعني النبوة وفي [ البقرة : 251 ] { وآتاه الله الملك والحكمة } ورابعها : القرآن في النحل { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة } [ النحل : 125 ] وفي البقرة : { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيراً } [ البقرة : 269 ] وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال : { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 85 ] وسمى الدنيا بأسرها قليلاً { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } [ النساء : 77 ] فما سماه قليلاً لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيراً . ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة . والعلم لا نهاية لقدره ، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه ، وذلك ينبهك على فضيلة العلم . الثاني : قوله تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 9 ] وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال : { قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب } [ المائدة : 100 ] يعني الحلال والحرام ، وفرق بين الأعمى والبصير فقال : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير } [ الأنعام : 50 ] وفرق بين النور والظلمة فقال : { أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور } [ الرعد : 16 ] وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور ، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل . الثالث : قوله : { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ } [ النساء : 59 ] والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس ، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } [ آل عمران : 18 ] ، وقال : { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ } ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى :

(1/457)


{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِى العلم } [ آل عمران : 7 ] وقال : { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } [ الرعد : 43 ] الرابع : { يَرْفَعُ الِلَّهِ الذين ءامَنُواْ منكم والذين أوتوا العلم درجات } [ المجادلة : 11 ] واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف . أولها : للمؤمنين من أهل بدر قال : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال : 2 ] إلى قوله : { لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } [ الأنفال : 4 ] والثانية : للمجاهدين قال : { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين } [ النساء : 95 ] . والثالثة : للصالحين قال : { وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى } [ طه : 75 ] . الرابعة : للعلماء . قال : { والذين أُوتُواْ العلم درجات } والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات ، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس . الخامس : قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب ، أحدها : الإيمان { والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } [ آل عمران : 7 ] وثانيها : التوحيد والشهادة { شَهِدَ الله } إلى قوله : { وَأُوْلُواْ العلم } [ آل عمران : 18 ] وثالثها : البكاء { وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ يَبْكُونَ } [ الإسراء : 109 ] . ورابعها : الخشوع { إن الذين أوتوا العلم من قبله } [ الإسراء : 107 ] الآية . وخامسها : الخشية { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } أما الأخبار فوجوه : أحدها : روى ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنّة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار » وثانيها : عن أنس قال : قال عليه السلام : « من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله » . وثالثها : عن الحسن مرفوعاً « من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة » ورابعها : أبو موسى الأشعري مرفوعاً « يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت لكم » . وخامسها : قال عليه السلام : « معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحور »

(1/458)


وسادسها : أبو هريرة مرفوعاً " من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء " . وسابعها : ابن عمر مرفوعا " فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة عدو الفرس سبعين عاماً وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه ولا يتعرف لها " . وثامنها : الحسن مرفوعاً قال عليه السلام : " رحمة الله على خلفائي فقيل من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال الذين يحيون سنّتي ويعلمونها عباد الله " وتاسعها : قال عليه السلام : " من خرج يطلب باباً من العلم ليرد به باطلاً إلى حق أو ضلالاً إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاماً " وعاشرها : قال عليه السلام لعلي حين بعثه إلى اليمن " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب " الحادي عشر : ابن مسعود مرفوعاً " من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه أجر سبعين نبياً " . الثاني عشر : عامر الجهني مرفوعاً " يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر " وفي رواية فيرجح مداد العلماء . الثالث عشر : أبو وافد الليثي : أنه عليه السلام بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر أما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما الثالث فإنه رجع وفر فلما فرغ عليه السلام من كلامه قال : أخبركم عن النفر الثلاثة . أما الأول : فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني : فاستحيا من الله فاستحيا الله منه ، وأما الثالث : فأعرض عن الله فأعرض الله عنه» رواه مسلم ، وأما الآثار فمن وجوه «ا» العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها والعلماء يحفظونه من نار الآخرة وشدائدها «ب» قيل لابن مسعود بم وجدت هذا العلم : قال بلسان سؤول ، وقلب عقول «ج» قال بعضهم سل مسألة الحمقى ، واحفظ حفظ الأكياس «د» مصعب بن الزبير قال لابنه : يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالاً وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً «ه» قال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل «و» قال بعض المحققين : العلماء ثلاثة عالم بالله غير عالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وعالم بالله وبأمر الله . أما الأول : فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقاً بمشاهدة نور الجلال وصفحات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بدّ منه .

(1/459)


الثاني : هو الذي يكون عالماً بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله . أما العالم بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق فهذا سبيل المرسلين والصديقين وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : " سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء " فالمراد من قوله عليه السلام : سائل العلماء أي العلماء بأمر الله غير العالمين بالله فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله استفتاء منهم ، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي : لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر الله فله ثلاث علامات أن يكون ذاكراً باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفاً من الخلق دون الرب ، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السر ، وأما العالم بالله فإنه يكون ذاكراً خائفاً مستحيياً . أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر ، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالساً على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلماً للقسمين الأولين ، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما ، ثم قال : مثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر الله فقط كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره «ز» قال فتح الموصلي : أليس المريض إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت «ح» قال شقيق البلخي : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع / وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً . وقال أيضاً : ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى . وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة . والنوم في الصلاة ، والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة ، والضحك في المقابر ، والضحك في مجلس الذكر «ط» قال بعضهم في قوله تعالى :

(1/460)


{ فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا } [ الرعد : 17 ] السيل ههنا العلم ، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال : أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء . والثاني : كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم ، الثالث : كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم . والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرع الوعد والوعيد . الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع وضار : نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به «ي» كم من مذكر بالله ناس لله ، وكم من مخوف بالله ، جريء على الله ، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله ، وكم من داع إلى الله فار من الله ، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله «يا» الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء وعدل الأمراء وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين . فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة ، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة «يب» فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء : أولها : لم يأمر أحداً بشيء حتى عمله ، والثاني : لم ينه أحداً عن شيء حتى انتهى عنه ، والثالث : كل من طلب منه شيئاً مما رزقه الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال . والرابع : كان يستغني بعلمه عن الناس ، والخامس : كانت سريرته وعلانيته سواء . «يج» إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب الطاعة طلباً للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلباً للفراغ ، وحب الحكمة طلباً لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلباً لمناجاة الرب «يد» اطلب خمسة في خمسة ، الأول : أطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة . والثاني : أطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة ، والثالث : أطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا . والرابع : اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة . والخامس : أطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية «يه» قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد : والتجار ، والولاة . أما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض ، وأما الغزاة فجند الله في الأرض ، وأما التجار فأمناء الله في أرضه ، وأما الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعاً وللمال رافعاً فبمن يقتدي الجاهل ، وإذا كان الزاهد في الدنيا راغباً فبمن يقتدي التائب ، وإذا كان الغازي طامعاً مرائياً فكيف يظفر بالعدو . وإذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الأمانة ، وإذا كان الراعي ذئباً فكيف تحصل الرعاية «يو» قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلم أفضل من المال بسبعة أوجه : أولها : العلم ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة .

(1/461)


الثاني : العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص ، والثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه . والرابع : إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره . والخامس : المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن ، والسادس : جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال . السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه «يز» قال الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات : أولها : ينال فضل المتعلمين . والثاني : ما دام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب . والثالث : إذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه . والرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب . والخامس : ما دام يكون في الاستماع ، تكتب له طاعة . والسادس : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عزّ وجّل : " أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي " والسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين «يح» قيل من العلماء من يضن بعلمه ولا يحب أن يوجد عند غيره فذاك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من حقه غضب ، فذاك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى الفقراء له أهلاً ، فذاك في الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من كان معجباً بنفسه إن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذاك في الدرك الرابع من النار . ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي خطأ فذاك في الدرك الخامس من النار ، ومن العلماء من يتعلم كلام المبطلين فيمزجه بالدين فهو في الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يطلب العلم لوجوه الناس فذاك في الدرك السابع من النار «يط» قال الفقيه أبو الليث : من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء . من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها ومن جلس مع الفقراء جعل الله له الشكر والرضا بقسمة الله ، ومن جلس مع السلطان زاده الله القسوة والكبر ، ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشهوة ، ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح ، ومن جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة ، ومن جلس مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات ، ومن جلس مع العلماء ازداد العلم والورع «يي» إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء «ا» علم آدم الأسماء { وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا } «ب» علم الخضر الفراسة

(1/462)


{ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف : 65 ] «ج» وعلم يوسف علم التعبير { رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } [ يوسف : 101 ] «د» علم داود صنعة الدرع { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } [ الأنبياء : 80 ] «ه» علم سليمان منطق الطير { ياأيها الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير } [ النمل : 16 ] «و» علم عيسى عليه السلام علم التوراة والإنجيل { وَيُعَلّمُهُ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } [ آل عمران : 48 ] «ز» وعلم محمداً صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] ، { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } [ البقرة : 129 ] ، { الرحمن عَلَّمَ القرءان } [ الرحمن : 1 ] فعلم آدم كان سبباً له في حصول السجدة والتحية ، وعلم الخضر كان سبباً لأن وجد تلميذاً مثل موسى ويوشع عليهما السلام ، وعلم يوسف كان سبباً لوجدان الأهل والمملكة ، وعلم داود كان سبباً لوجدان الرياسة والدرجة ، وعلم سليمان كان سبباً لوجدان بلقيس والغلبة ، وعلم عيسى كان سبباً لزوال التهمة عن أمه وعلم محمد صلى الله عليه وسلم كان سبباً لوجود الشفاعة ، ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة؟ بل يجد تحية الرب { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ ياس : 58 ] والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى ، في أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف لا تجدون صحبة محمد صلى الله عليه وسلم { فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين } [ النساء : 69 ] ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا ، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشهوات { وَيَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ يونس : 25 ] وأيضاً فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال : { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } [ يوسف : 101 ] . فأنت يا عالم أما تذكر منة الله على نفسك حيث علمك تفسير كتابه فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسراً لكلامه وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه وزاجراً لهم عن ناره وعقابه ، كما جاء في الحديث : العلماء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة «كا» المؤمن لا يرغب في طلب العلم حتى يرى ست خصال من نفسه . أحدها : أن يقول إن الله أمرني بأداء الفرائض وأنا لا أقدر على أدائها إلا بالعلم . الثانية : أن يقول نهاني عن المعاصي وأنا لا أقدر على اجتنابها إلا بالعلم . الثالثة : أنه تعالى أوجب على شكر نعمه ولا أقدر عليه إلا بالعلم . والرابعة : أمرني بإنصاف الخلق وأنا لا أقدر أن أنصفهم إلا بالعلم . والخامسة : أن الله أمرني بالصبر على بلائه ولا أقدر عليه إلا بالعلم والسادسة : إن الله أمرني بالعداوة مع الشيطان ولا أقدر عليها إلا بالعلم «كب» طريق الجنة في أيدي أربعة : العالم والزاهد والعابد والمجاهد ، فالزاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الأمن ، والعابد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الخوف ، والمجاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الثناء والحمد ، والعالم إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الحكمة «كج» أطلب أربعة من أربعة : من الموضع السلامة ، ومن الصاحب الكرامة ، ومن المال الفراغة ، ومن العلم المنفعة ، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه ، وإذا لم تجد من صاحبك الكرامة فالكلب خير منه ، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه ، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه «كد» لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء : لا يتم الدين إلا بالتقوى ، ولا يتم القول إلا بالفعل ، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع ، ولا يتم العلم إلا بالعمل ، فالدين بلا تقوى على الخطر ، والقول بلا فعل كالهدر ، والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر ، والعلم بلا عمل كغيث بلا مطر «كه» قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله الأنصاري : قوام الدنيا بأربعة بعالم يعمل بعلمه ، وجاهل لا يستنكف من تعلمه ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه فالويل لهم والثبور سبعين مرة «كو» قال الخليل : الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه ، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه ، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه ، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه «كز» أربعة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه «كح» إذا اشتغل العلماء بجمع الحلال صار العوام آكلين للشبهات ، وإذا صار العالم آكلاً للشبهات صار العامي آكلاً للحرام ، وإذا صار العالم آكلاً للحرام صار العامي كافراً يعني إذا استحلوا .

(1/463)


أما الوجوه العقلية فأمور : أحدها : أن الأمور على أربعة أقسام ، قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة . وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل ، وقسم يرضاه العقل والشهوة معاً ، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة . أما الأول : فهو الأمراض والمكاره في الدنيا ، وأما الثاني : فهو المعاصي أجمع ، وأما الثالث : فهو العلم ، وأما الرابع : فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار ، فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة فكذا يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة ، فكل من اختار العلم يقال له تعودت المقام في الجنة فادخل الجنة ، ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فادخل النار ، والذي يدل على أن العلم جنة والجهل نار أن كمال اللذة في إدراك المحبوب وكمال الألم في البعد عن المحبوب ، والجراحة إنما تؤلم لأنها تبعد جزءاً من البدن عن جزء محبوب من تلك الأجزاء وهو الاجتماع فلما اقتضت الجراحة إزالة ذلك الاجتماع فقد اقتضت إزالة المحبوب وبعده ، فلا جرم كان ذلك مؤلماً والإحراق بالنار إنما كان أشد إيلاماً من الجرح لأن الجرح لا يفيد إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين ، أما النار فإنها تغوص في جميع الأجزاء فاقتضت تبعيد جميع الأجزاء بعضها عن بعض ، فلما كانت التفريقات في الإحراق أشد كان الألم هناك أصعب ، أما اللذة فهي عبارة عن إدراك المحبوب ، فلذة الأكل عبارة عن إدراك تلك الطعوم لموافقة للبدن ، وكذلك لذة النظر إنما تحصل لأن القوة الباصرة مشتاقة إلى إدراك المرئيات ، فلا جرم كان ذلك الإدراك لذة لها فقد ظهر بهذا أن اللذة عبارة عن إدراك المحبوب ، والألم عبارة عن إدراك المكروه وإذا عرفت هذا فنقول : كلما كان الإدراك أغوص وأشد والمدرك أشرف وأكمل ، والمدرك أنقى وأبقى .

(1/464)


وجب أن تكون اللذة أشرف وأكمل . ولا شك أن محل العلم هو الروح وهو أشرف من البدن ولا شك أن الإدراك العقلي أغوص وأشرف على ما سيجيء بيانه في تفسير قوله : { الله نُورُ السموات والأرض } [ النور : 35 ] وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف لأنه هو الله رب العالمين وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والجمادات والنبات والحيوانات وجميع أحكامه وأوامره وتكاليفه وأيُّ معلوم أشرف من ذلك فثبت أنه لا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذاته ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه ، ومما يدل على ما قلناه أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية فإن علمها وقدر على الجواب والصواب فيها فرح بذلك وابتهج به ، وإن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك ، وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم أكمل اللذات ، والشقاء الحاصل بالجهل أكمل أنواع الشقاء ، واعلم أن ههنا وجوهاً أخر من النصوص تدل على فضيلة العلم نسينا إيرادها قبل ذلك فلا بأس أن نذكرها ههنا . الوجه الأول : أن أول ما نزل قوله تعالى : { اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ اقرأ وَرَبُّكَ الاكرم الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق : 1 5 ] فقيل فيه إنه لا بدّ من رعاية التناسب بين الآيات فأي مناسبة بين قوله : { خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ } وبين قوله : { اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم } فأجيب عنه بأن وجه المناسبة أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان وهو كونه علقة .

(1/465)


مع أنها أخس الأشياء وآخر حاله وهي صيرورته عالماً وهو أجل المراتب كأنه تعالى قال كنت أنت في أول حالك في تلك الدرجة التي هي غاية الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف . وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك الشيء في هذا المقام أولى . الثاني : أنه قال : { اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم الذى عَلَّمَ بالقلم } وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من إفادة غيره : الثالث : قوله سبحانه : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم . أحدها : دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى : { جزاءهم عند ربهم جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } [ البينة : 8 ] إلى قوله تعالى : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : « وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة » واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه الدلالة بالعقل ، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف ، بل لا بدّ له من العلم بأمور ثلاثة . منها : العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها . ومنها : العلم بكونه عالماً ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه . ومنها العلم بكونه حكيماً . فإن المسخر عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله ، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف؛ أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم لا يرضى بسفاهته؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات ، قادراً على كل المقدورات ، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات ، فثبت أن الخوف من لوازم العلم بالله ، وإنما قلنا : أن الخوف سبب الفوز بالجنة ، وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله ، وفعل ذلك الشيء يكون مشتملاً على منفعة ومضرة ، فصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح ، فإذا علم بنور الإيمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل ، صار ذلك الإيمان سبباً لفراره عن تلك اللذة العاجلة ، وذلك هو الخشية ، وإذا صار تاركاً للمحظور فاعلاً للواجب كان من أهل الثواب ، فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف والخائف من أهل الجنة .

(1/466)