صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
أما قوله تعالى : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ففيه سؤالات : السؤال الأول : بم تعلق قوله : { فَلاَ تَجْعَلُواْ } الجواب فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يتعلق بالأمر ، أي أعبدوا { فلا تجعلوا لله أنداداً } فإن أصل العبادة وأساسها التوحيد . وثانيها : بلعل ، والمعنى خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له نداً فإنه من أعظم موجبات العقاب . وثالثها : بقوله : { الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } أي هو الذي خلق لكم هذه الدلائل الباهرة فلا تتخذوا له شركاء السؤال الثاني : ما الند؟ الجواب : أنه المثل المنازع وناددت الرجل نافرته من ند ندوداً إذا نفر كأن كل واحد من الندين يناد صاحبه أي ينافره ويعانده ، فإن قيل إنهم لم يقولوا إن الأصنام تنازع الله . قلنا لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم وكما تهكم بلفظ الند شنع عليهم بأنهم جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصلح أن يكون له ند قط ، وقرأ محمد بن السميفع فلا تجعلوا لله نداً . السؤال الثالث : ما معنى { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } الجواب : معناه إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله تعالى ، فلا تقولوا ذلك فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح وههنا مسائل : (1/385)
المسألة الأولى : اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة ، وهذا مما لم يوجد إلى الآن لكن الثنوية يثبتون إلهين : أحدهما : حليم يفعل الخير والثاني : سفيه يفعل الشر ، وأما اتخاذ معبود سوى الله تعالى ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة ، الفريق الأول : عبدة الكواكب وهم الصابئة ، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق هذه الكواكب ، وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، قالوا فيجب علينا أن نعبد الكواكب ، والكواكب تعبد الله تعالى . والفريق الثاني : النصارى الذين يعبدون المسيح عليه السلام . والفريق الثالث : عبدة الأوثان ، واعلم أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان ، وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله تعالى عن قومه في قوله : { وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } [ نوح : 23 ] فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح عليه السلام . وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة . والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يكون بحيث يعرف فساده بالضرورة لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السموات والأرض علم ضروري فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه ، فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك والعلماء ذكروا فيه وجوهاً : أحدها : ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض مصنفاته أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ويعتقدون أن الله تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور ، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة ، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرواء على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة ، فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه . (1/386)
وثانيها : ما ذكره أكثر العلماء وهو أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب فإن بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة والأحوال المتباينة ، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ، فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم ، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم ، فالأولون اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة والفريق الثاني : أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر ، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها ، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية ، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة ، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل ، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب . وثالثها : أن أصحاب الأحكام كانوا يعينون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة ولما طالت مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ الأمر واشتغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر . ورابعها : أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله تعالى اتخذوا صنماً على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله : { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس : 18 ] وخامسها : لعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة ولما استمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها . وسادسها : لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل ، فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل . (1/387)
المسألة الثانية : فإن قال قائل : لما رجع حاصل مذهب عبدة الأوثان إلى هذه الوجوه التي ذكرتموها فمن أين يلزم من إثبات خالق العالم أن لا يجوز عبادة الأوثان؟ الجواب قلنا : إنه تعالى إنما نبه على كون الأرض والسماء مخلوقتين بما بينا أن الأرض والسماء يشاركون سائر الأجسام في الجسمية فلا بدّ وأن يكون اختصاص كل واحد منهما بما اختص به من الأشكال والصفات والأخبار بتخصيص مخصص وبينا أن ذلك المخصص لو كان جسماً لافتقر هو أيضاً إلى مخصص آخر ، فوجب أن لا يكون جسماً ، إذا ثبت هذا فنقول : أما قول من ذهب إلى عبادة الأوثان بناءً على اعتقاد الشبه فلما دللنا بهذه الدلالة على نفي الجسمية فقد بطل قوله ، وأما القو ل الثاني : وهو أن هذه الكواكب هي المدبرة لهذا العالم فلما أقمنا الدلالة على أن كل جسم يفتقر في اتصافه بكل ما اتصف به إلى الفاعل المختار بطل كونها آلهة ، وثبت أنها عبيد لا أرباب ، وأما القول الثالث : وهو قول أصحاب الطلسمات فقد بطل أيضاً لأن تأثير الطلسمات إنما يكون بواسطة قوى الكواكب ، فلما دللنا على حدوث الكواكب ثبت قولنا وبطل قولهم . وأما القول الرابع والخامس : فليس في العقل ما يوجه أو يحيله ، لكن الشرع لما منع منه وجب الامتناع عنه . وأما القول السادس : فهو أيضاً بناءً على التشبيه فثبت بما قدمنا أن إقامة الدلالة على افتقار العالم إلى الصانع المختار المنزه عن الجسمية يبطل القول بعبادة الأوثان على كل التأويلات والله أعلم .
المسألة الثالثة : اعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة واتخذوها معبوداً لهم على حدة ، وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي وهيكل العقل الصريح ، وهيكل السياسة المطلقة . وهيكل النفس والصورة مدورات كلها ، وكان هيكل زحل مسدساً . وهيكل المشتري مثلثاً . وهيكل المريخ مستطيلاً ، وهيكل الشمس مربعاً ، وكان هيكل الزهرة مثلثاً في جوفه مربع وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل ، وهيكل القمر مثمناً فزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحي لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا هذه أرباب نستنصر بها فننصر ، ونستستقي بها فنسقى . فالتمس إليهم أن يكرموه بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ودعا الناس إلى تعظيمه ، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف . واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة «غمدان» الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، ومنها «نوبهار بلخ» الذي بناه منو شهرالملك على اسم القمر ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل «ود» بدومة الجندل لكلب و « سواع» لبني هذيل و «يغوث» لبني مذحج و «يعوق» لهمدان و «نسر» بأرض حمير لذي الكلاع و «اللات» بالطائف لثقيف و «مناة» بيثرب للخزرج و «العزى» لكنانة بنواحي مكة و «أساف ونائلة» على الصفا والمروة وكان قصي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل وهو الذي يقول : (1/388)
أربَّاً واحداً أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)
الكلام في النبوة في الآية مسائل : (1/389)
المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة ، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول ، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار ، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً . واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين : الأول : أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء ، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض ، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث ، وإنما قلنا إنهما باطلان ، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية . وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل ، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح ، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم ، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً ، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً ، أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم ، وثانيها : أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما . ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى . وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين . والباقي لا يكون كذلك ، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته . ورابعها : أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول . وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً . وخامساً : أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة . وسادسها : أنهم قالوا إن شعر امرىء القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل . وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء ، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن ، أما القرآن فإنه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة ، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب :
{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } [ السجدة : 17 ] وقال تعالى : { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين } ( الزخرف 71 ) وقال في الترهيب : { أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر تِ } [ الإسراء : 68 ] وقال : { أأمنتم مَّن فِى السماء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ } [ الملك : 16 ، 17 ] الآية وقال : { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } [ إبراهيم : 15 ] إلى قوله : { ويأتيه الموت من كل مكان } [ إبراهيم : 17 ] وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله : { فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } [ العنكبوت : 40 ] إلى قوله : { وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } [ العنكبوت : 40 ] وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه { أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِين } [ الشعراء : 205 ] وقال في الإلهيات : { الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى مَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَاد } [ الرعد : 8 ] إلى آخره . وسابعها : أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن ، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن ، وكذا علم أصول الفقه . وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق ، ومن تأمل «كتابنا في دلائل الإعجاز» علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى ، الطريق الثاني : أن نقول : القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز ، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز . وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب . (1/390)
المسألة الثانية : إنما قال : { نَزَّلْنَا } على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج ، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله ومخالفاً لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لأَنزله على خلاف هذه العادة جملة
{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } [ الفرقان : 32 ] والله سبحانه وتعالى ذكر ههنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون ، فإن كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج ، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرىء «على عبادنا» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته . (1/391)
المسألة الثالثة : السورة هي طائفة من القرآن ، وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها ، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارىء وهي أيضاً في أنفسها طوال وأوساط وقصار . أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين ، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه . فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سوراً قلنا من وجوه : أحدها : ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبواباً وفصولاً . وثانيها : أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن . وثالثها : أن القارىء إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نفس ذلك عنه ونشطه للسير . ورابعها : أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به ، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل .
المسألة الرابعة : قوله : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث : إنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن .
المسألة الخامسة : اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه : أحدها : قوله :
{ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى } [ القصص : 49 ] . وثانيها : قوله : { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [ الإسراء : 88 ] . وثالثها : قوله : { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } [ هود : 13 ] ورابعها : قوله : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله ، ائتني بنصفه ، ائتني بربعه ، ائتني بمسألة منه ، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يتناول سورة الكوثر ، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون ، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين ، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً . فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز . (1/392)
المسألة السادسة : الضمير في قوله : { مّن مّثْلِهِ } إلى ماذا يعود وفيه وجهان : أحدهما : أنه عائد إلى «ما» في قوله : { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني : أنه عائد إلى «عبدنا» أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ، والأول مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن وأكثر المحققين ، ويدل على الترجيح له وجوه : أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } [ يونس : 38 ] وثانيها : أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال : { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا } فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئاً مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله . وثالثها : أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين ، أما لو كان عائداً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد ، والقارىء لا يكون مثل الأمي ، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى . ورابعها : أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة أما لو صرفناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فكونه معجزاً إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم . وهذا وإن كان معجزاً أيضاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى . وخامسها : أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن . ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى .
المسألة السابعة : في المراد من الشهداء وجهان : الأول : المراد من ادعوا فيه الإلهية وهي الأوثان ، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة في التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر ، فيكون في الكلام محاجة من وجهين : أحدهما : في إبطال كونها آلهة . والثاني : في إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله . الثاني : المراد من الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام ، والمعنى وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر . فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معاً وبتقدير التعذر فأيهما أولى؟ قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازاً عن المعين والناصر ، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً لهم وأعواناً ، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول : الأولى حمله على الأكابر ، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهراً إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة ، وذلك لا يتحقق إلا في حق رؤسائهم ، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز ، في إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال : المراد وادعوا من تزعمون أنهم شهداؤكم ، والإضمار خلاف الأصل ، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام ، لأنه يصير كأنه قال : وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الإنكار . فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الإضافة في قوله شهداءكم ، ولأنه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز . (1/393)
المسألة الثامنة : أما ( دون ) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون ، وهو الحقير الدني ، ودوَّن الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال : هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً ، ودونك هذا ، أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال ، فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز حداً إلى حد ، قال الله تعالى :
{ لاَ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } [ آل عمران : 28 ] أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فإن قيل فما متعلق من دون الله قلنا فيه وجهان : أحدهما : أن متعلقه «شهداءكم» وهذا فيه احتمالان : الأول : المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق ، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم ، والثاني : ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله ، وهذا من المساهلة والإشعار بأن شهداءهم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما : أن متعلقه هو الدعاء ، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم ، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق ، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه ، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام ، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم ، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم : الله يشهد إنا لصادقون . (1/394)
المسألة التاسعة : قال القاضي هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه : أحدها : أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه ، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدي أصلاً وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز . وثانيها : أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجبة ويستوي في ذلك ما يكون معجزاً . وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم وثالثها : أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول ورابعها : أن المعجز إنما يدل بما فيه من نقض العادة ، فإذا كان قولهم : إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق فلا يصح الاستدلال بالمعجز . وخامسها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه تعالى خصه بذلك تصديقاً له فيما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم يكن داخلاً في الإعجاز . وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق ، لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله ، والجواب . أن المطلوب من التحدي إما أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصداً أو أن يقع ذلك منه اتفاقاً ، والثاني باطل ، لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه ، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه ، فذلك القصد إن كان منه لزم التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذٍ يعود الجبر ويلزمه كل ما أورده علينا فيبطل كل ما قال .
أما قوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } فاعلم أن هذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة : أحدها : أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره ، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك ، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به ، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز . وثانيها : وهو أنه عليه السلام وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب ، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته ، بل كان يكون وجلاً خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره ، حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم ، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق . وثالثها : أنه عليه السلام لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله ، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه ، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه ، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام . ولا يجزم به ، فلما جزم دل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعاً في أمره ، ورابعها : أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه . ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط ، فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية ، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال ، وههنا سؤالات . السؤال الأول : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب ، فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك الجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم ، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام . الثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه : إن غلبتك ، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به . السؤال الثاني : لم قال : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } ولم يقل فإن لم تأتوا به؟ الجواب : لأن هذا أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله . السؤال الثالث : { وَلَن تَفْعَلُواْ } ما محلها؟ الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية . السؤال الرابع : ما حقيقة لن في باب النفي؟ الجواب : لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في «لن» توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك : لا أقيم غداً عندك ، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غداً ، ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أصله لا أن ، وهو قول الخليل . وثانيها : لا ، أبدلت ألفها نوناً ، وهو قول الفراء ، وثالثها : حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه ، وإحدى الروايتين عن الخليل . السؤال الخامس : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ الجواب : إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر مقام الأثر ، وجعل قوله : { فاتقوا النار } قائماً مقام قوله فاتركوا العناد ، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد؛ لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار . السؤال السادس : ما الوقود؟ الجواب : هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح ، قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقوداً عالياً ، ثم قال والوقود أكثر ، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده . السؤال السابع : صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ الجواب ، لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم : (1/395)
{ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] . السؤال الثامن : فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وههنا معرفة؟ الجواب : تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولاً . السؤال التاسع : ما معنى قوله : { وَقُودُهَا الناس والحجارة } الجواب : أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة ، وذلك يدل على قوتها من وجهين : الأول : أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق . الثاني : أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر . (1/396)
السؤال العاشر : لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً؟ الجواب : لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه قال تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] وهذه الآية مفسرة لها فقوله : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم ، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم ، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم ، وقيل هي حجارة الكبريت ، وهو تخصيص بغير دليل ، بل فيه ما يدل على فساده ، وذلك لأن الغرض ههنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار ، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا ، أما قوله : { أُعِدَّتْ للكافرين } فإنه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين ، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيراناً أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة . (1/397)
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل : (1/398)
المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها ، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل ، وبالنقل أخرى ، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل ، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه : الوجه الأول : أن كثيراً ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر ، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه ، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي ، وهذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل ، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار ، والجنة للأَبرار ، وما أقام عليه دليلاً بل اكتفى بالدعوى ، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل ، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ بلى وعداً عَلَيْهِ حَقّا ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُون } [ النحل : 38 ] وقال في سورة التغابن : { زَعَمَ الذين كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } [ التغابن : 7 ] . الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناءً على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر ، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه ، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون { أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون } ، فأجابهم الله تعالى بقوله : { قُلْ إِنَّ الأولين والأخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } [ الواقعة : 47-50 ] ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة : أولها : قوله : { أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون } [ الواقعة : 58-59 ] وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها ، ثم إن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً ، أولاً في أطراف العالم ، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان ، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني ، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص ، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى؟ فهذا تقرير هذه الحجة ، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في سورة الحج :
{ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } [ الحج : 5 ] إلى قوله : { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } [ الحج : 5 ] ثم قال : { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّهُ يُحْىِ الموتى وَأَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور } [ الحج : 6 ، 7 ] وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } [ المؤمنون : 15 ، 16 ] وقال في سورة لا أقسم : { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى } [ القيامة : 37 ، 38 ] وقال في سورة الطارق : { فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ } [ الطارق 5 - 7 ] إلى قوله : { إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } [ الطارق : 8 ] . وثانيها : قوله : { أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ } [ الواقعة : 63 -64 ] إلى قوله : { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } [ الواقعة : 67 ] وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق ، كالأرز والشعير ، ومدور ومثلث ومربع ، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب ، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد ، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة ، ففيهما جميعاً أولى ، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظاً ، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان ، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع ، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله ، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد ، ومن الثاني الجزء الهابط ، أما الصاعد فيصعد ، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض ، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان : إحداهما : خفيف صاعد ، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء . ونظيره قوله تعالى في الحج : { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ } [ الحج : 5 ] وثالثها : قوله تعالى : { أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ أأنتم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون ؟ } [ الواقعة : 68 ، 69 ] وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع ، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع ، فلا بدّ من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول . وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها . وثالثها : تسييرها بالرياح ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز ، وكل ذلك يدل على جواز الحشر . (1/399)
أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها؟ والثالث : تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد : { إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى } [ الأعراف : 54 ] إلى قوله : { قَرِيبٌ مّنَ المحسنين } [ الأعراف : 56 ] ثم ذكر دليل الحشر فقال : { وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح } [ الأعراف : 57 ] إلى قوله : { كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [ الأعراف : 57 ] ورابعها : قوله : { أَفَرَءيْتُمُ النار التى تُورُونَ أأنتم أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المنشئون } [ الواقعة : 71 ، 72 ] وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة ، وأيضاً النار لطيفة ، والشجرة كثيفة . وأيضاً النار نورانية والشجرة ظلمانية ، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة ، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة ، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة ياس فقال : { الذى جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً } [ ياس : 80 ] . (1/400)
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله : { أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظلمات البر والبحر } [ النمل : 63 ] إلى قوله : { أمن يبدؤ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } [ النمل : 64 ] وذكر الأرض في الحج في قوله : { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } [ الحج : 5 ] فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر . النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادراً على الإيجاد أولاً فلأن أكون قادراً على الإعادة أولى . وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر ، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في البقرة : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ البقرة : 28 ] ومنها قوله في سبحان الذي : { وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً } [ الإسراء : 49 ، 50 ] إلى قوله : { قُلِ الذى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الإسراء : 51 ] ومنها في العنكبوت : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } [ العنكبوت : 19 ] ومنها قوله في الروم : { وَهُوَ الذى يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى } [ الروم : 27 ] ومنها في ياس : { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ ياس : 79 ] ، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السموات على اقتداره على الحشر . وذلك في آيات منها في سورة سبحان : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ }
[ الأَسراء : 99 ] وقال في ياس : { أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم } [ ياس : 81 ] وقال في الأحقاف : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْيىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيىِ الموتى بلى إِنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } [ الأحقاف : 33 ] ومنها في سورة ق : { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } [ ق : 3 ] إلى قوله : { رّزْقاً لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كذلك الخروج } [ ق : 11 ] ثم قال : { أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ ق : 15 ] النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لا بدّ من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات ، منها في يونس { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ الله حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط } [ يونس : 4 ] ومنها في طاه : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } [ طه : 15 ] ومنها في ص : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ النار . أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الارض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } [ ص : 27 ، 28 ] النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله : { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كذلك يُحْيىِ الله الموتى } [ البقرة : 73 ] ومنها قصة إبراهيم عليه السلام { رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيىِ الموتى } [ البقرة : 260 ] ومنها قوله : { أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } [ البقرة : 259 ] ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 9 ] ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال : { لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } [ الكهف : 21 ] ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله : { وآتيناه أهله } [ الأنبياء : 84 ] يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال : { ويحيي الموتى } [ الحج : 6 ] وقال : { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى } [ المائدة : 110 ] ومنها قوله : { أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } [ مريم : 67 ] فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر ، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى ، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر ، والدليل عليه قوله : { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } (1/401)
[ الكهف : 35-37 ] ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود ممكن الوجود في نفسه ، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته ، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه ، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر ، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجباً للكفر قطعاً والله أعلم . (1/402)
المسألة الثانية : هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين ، أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها : { أُعِدَّتْ للكافرين } فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى : { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران : 133 ] ولأنه تعالى قال ههنا : { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان .
المسألة الثالثة : اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله : { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } والمطعم بقوله : { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } والمنكح بقوله : { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصاً فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال : { وَهُمْ فِيهَا خالدون } فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر . ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية .
أما قوله تعالى : { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } ففيه سؤالات : الأول : علام عطف هذا الأمر؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه . إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول : زيد يعاقب بالقيد والضرب ، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق . وثانيها : أنه معطوف على قوله : { فاتقوا } كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وثالثها : قرأ زيد بن علي { وَبَشّرِ } على لفظ المبني للمفعول عطفاً على أعدت . السؤال الثاني : من المأمور بقوله وبشر؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كل أحد كما قال عليه الصلاة والسلام : « بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة » لم يأمر بذلك واحد بعينه ، وإنما كل أحد مأمور به ، وهذا الوجه أحسن وأجزل ، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به . السؤال الثالث : ما البشارة؟ الجواب : أنها الخبر الذي يظهر السرور ، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده : أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم ، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه ، ومنه البشرة لظاهر الجلد ، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه ، وأما { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . أما قوله : { الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل . (1/403)
المسألة الثانية : من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة . فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة ، يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم ، والجمع بينهما محال ، والقول أيضاً بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع ، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه : أحدها : أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا كان طريان الطارىء مشروطاً بزوال الباقي ، فلو كان زوال الباقي معللاً بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال . وثانيها : أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي ، فإما أن يوجدا معاً وهو محال أو يتدافعا فحينئذٍ يبطل القول بالمحابطة ، وثالثها : أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل ، فإن تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول : استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب . وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته فأما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثراً في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة ، وكل ذلك محال ، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي ، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال ، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص . أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص ، وهو محال ، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب ، وأيضاً فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي فإما أن يبقى الطارىء ، أو يزول . أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد من العقلاء . وأما القول بزواله فباطل ، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معاً أو على الترتيب ، والأول باطل لأن المزيل لا بدّ وأن يكون موجوداً حال الإزالة ، فلو وجد الزوالان معاً لوجد المزيلان معاً ، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالباً ، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارىء ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة ، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال ، وإما أن يصير الكل مؤثراً في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال ، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط ، وعند هذا تعين في الجواب قولان : الأول : قول من اعتبر الموافاة ، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولاً كان كفراً وهذا قول ظاهر السقوط ، الثاني : أن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً ، وهو قول أهل السنّة واختيارنا ، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات .
المسألة الثالثة : احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع ، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازاً . (1/404)
المسألة الرابعة : الجنة : البستان من النخل والشجر المتكاتف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان ، فإن قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار؟ الجواب : أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات ، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب ، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله :
{ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } [ محمد : 15 ] وأما قوله : { كُلَّمَا رُزِقُواْ } فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات . أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل : إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا؟ وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وقع من ثمرة؟ الجواب فيه وجهان : الأول : هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئاً حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ، لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفردة على هذا التفسير ، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار . الثاني : وهو أن يكون من ثمرة بياناً على منهاج قولك رأيت منك أسداً تريد أنت أسد ، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة . السؤال الثاني : كيف يصح أن يقولوا هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل ، الجواب : لما اتحد في الماهية وإن تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب الماهية فإن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص ولذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا إنه الأب . السؤال الثالث : الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة برزق آخر جاءهم قبل ذلك ، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا ، أم من أرزاق الجنة؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه من أرزاق الدنيا ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده أشرف مما ألفه أولاً عظم ابتهاجه وفرحه به ، فأهل الجنة إذ أبصروا الرمانة في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة ووجدوا رمانة الجنة أطيب وأشرف من رمانة الدنيا كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا ، والدليل الثاني : أن قوله : { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا } يتناول جميع المرات فيتناول المرة الأولى فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لا بدّ وأن يقولوا هذا الذي رزقنا من قبل ، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك به فوجب حمله على أرزاق الدنيا ، القول الثاني : أن المشبه به رزق الجنة أيضاً والمراد تشابه أرزاقهم ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين : الأول : المراد تساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص . الثاني : المراد تشابهها في المنظر فيكون الثاني كأنه الأول على ما روي عن الحسن ثم هؤلاء مختلفون فمنهم من يقول الاشتباه كما يقع في المنظر يقع في المطعم ، فإن الرجل إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق به نفسه إلا بمثله ، فإذا جاء ما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة ومنهم من يقول إنه وإن حصل الاشتباه في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم ، قال الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف ، وفي الآية قول ثالث على لسان أهل المعرفة ، وهو أن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى : ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السموات وبالجملة يجب أن يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج ، لما أن العلائق البدنية تعوق عن ظهور تلك السعادات واللذات ، فإذا زال هذا العائق حصلت السعادة العظيمة والغبطة الكبرى ، فالحاصل أن كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت فإنه يقول هذه هي التي كانت حاصلة لي حين كنت في الدنيا وذلك إشارة إلى أن الكمالات النفسانية الحاصلة في الآخرة هي التي كانت حاصلة في الدنيا إلا أنها في الدنيا ما أفادت اللذة والبهجة والسرورة وفي الآخرة أفادت هذه الأشياء لزوال العائق . (1/405)
أما قوله : { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } ففيه سؤالان : السؤال الأول : إلام يرجح الضمير في قوله : { وَأُتُواْ بِهِ } ؟ الجواب : إن قلنا المشبه به هو رزق الدنيا فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة يعني أتوا بذلك النوع متشابهاً يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلاً منه في الدنيا ، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنة أيضاً ، فإلى الشيء المرزوق في الجنة ، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضاً . السؤال الثاني : كيف موقع قوله : { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } من نظم الكلام؟ والجاب : أن الله تعالى لما حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله : { قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } فالله تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله : { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } أما قوله : { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة ، ولا سيما ما يختص بالنساء ، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك ، قال أهل الإشارة . وهذا يدل على أنه لا بدّ من التنبه لمسائل . أحدها : أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى : { قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِى المحيض } [ البقرة : 222 ] فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثاً بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى . (1/406)
وثانيها : أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر ، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها . وثالثها : من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه ، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وههنا سؤالان : الأول : هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف؟ الجواب : هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن والنساء فعلت . ومنه بيت الحماسة : (1/407)
فوإذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعملت نصب القدور فملت
والمعنى وجماعة أزواج مطهرة ، وقرأ زيد بن علي : مطهرات وقرأ عبيد بن عمير : مطهرة يعني متطهرة . السؤال الثاني : هلا قيل طاهرة؟ الجواب : في المطهرة إشعار بأن مطهراً طهرهن وليس ذلك إلا الله تعالى ، وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب كأنه قيل إن الله تعالى هو الذي زينهن / لأهل الثواب . أما قوله : { وَهُمْ فِيهَا خالدون } فقالت المعتزلة الخلد ههنا هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر ، أما الآية فقوله : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ الخالدون } [ الأنبياء : 34 ] فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل ، والمنفي غير المثبت ، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرىء القيس :
وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل هموم ما يبيت بأوجال
وقال أصحابنا : الخلد هو الثبات الطويل سواء دام أو لم يدم واحتجوا فيه بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى : { خالدين فِيهَا أَبَداً } ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد لكان ذلك تكراراً وأما العرف فيقال حبس فلان فلاناً حبساً مخلداً ولأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفاً مخلداً فهذا هو الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا؟ وقال آخرون العقل يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعاً في القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى أعلم .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)
اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً ، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل : (1/408)
المسألة الأولى : عن ابن عباس أنه لما نزل : { يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ } [ الحج : 73 ] فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية . والقول الثاني : أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً } [ البقرة : 17 ] والقول الثالث : أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال : الكل محتمل ههنا ، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } وهذا صفة اليهود ، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر { وَلِيَقُولَ الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } [ المدثر : 31 ] الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون ، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان ههنا . إذا ثبت هذا فنقول . احتمال الكل ههنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود ، وذكر المنافقين ، وذكر المشركين . وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال : وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد .
المسألة الثانية : اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء . جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة ، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء ، وذاب حياء ، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن ، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم ، ولكنه وارد في الأحاديث . روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً »
وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان : الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى ، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح ، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل ، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته ، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته ، وكذلك الغضب له ، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب ، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه ، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب ، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب ، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب . الثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت ، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال ، وهذا فن بديع من الكلام ، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتاً فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضاً عليه ، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال ، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله : { لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] وقوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [ الإخلاص : 3 ] فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله : { مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ } [ المؤمنون : 91 ] وكذلك قولك : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام : 14 ] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزاً أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال ، ولقائل أن يقول : لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقاً فوجب أن يجوز . بقي أن يقال إن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول : هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضاً كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً . (1/409)
المسألة الثالثة : اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه : أحدها : إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء ، فقالوا في التمثيل بالذرة : أجمع من ذرة ، وأضبط من ذرة ، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب : أجرأ من الذباب ، وأخطأ من الذباب ، وأطيش من الذباب ، وأشبه من الذباب بالذباب ، وألح من الذباب . وفي التمثيل بالقراد ، أسمع من قراد ، وأصغر من قراد . وأعلق من قراد . وأغم من قراد ، وأدب من قراد ، وقالوا في الجراد : أطير من جرادة ، وأحطم من جرادة ، وأفسد من جرادة . وأصفى من لعاب الجراد ، وفي الفراشة : أضعف من فراشة ، وأطيش من فراشة ، وأجهل من فراشة ، وفي البعوضة . أضعف من بعوضة ، وأعز من مخ البعوضة ، وكلفني مخ البعوضة ، في مثل تكليف ما لا يطاق : وأما العجم فيدل عليه «كتاب كليلة ودمنة» وأمثاله ، وفي بعضها : قالت البعوضة ، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير ، فقالت النخلة : والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك ، وثانيها : أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة ، قال : مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية ، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة ، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان ، فقال عبيد الزراع؛ يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟ قال : بلى ، قالوا : فمن أين هذا الزوان؟ قال : لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن . وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر ، والقرية هي العالم ، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى ، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس ، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه ، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله ، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين ، وجميع عمّال الأثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك البكاء ، وصريف الأسنان ، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم ، من كانت له أذن تسمع فليسمع ، وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء : لو أن رجلاً أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته ، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره ، ونجى من اقتدى به ، وقال : لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة ، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم ، وقال : قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح ، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها ، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال : نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود ، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله؟ أفلا تعقلون ، وقال : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم ، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال ، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال ، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضاً فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبيناً مكشوفاً ، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح ، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان ، أما قولهم : ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى ، قلنا هذا جهل ، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه ، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير ، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة ، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل ، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل بالذباب ، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام ، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح .
المسألة الرابعة : قال الأصم : «ما» في قوله مثلاً ماصلة زائدة كقوله : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله } [ آل عمران : 159 ] وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبياناً وكونه لغواً ينافي ذلك ، وفي بعوضة قراءتان : إحداهما : النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان : الأول : أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شيوعاً وبعداً عن الخصوصية . بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتاباً أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتاباً آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتاباً أي كتاب كان . الثاني : أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة ، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان : الأول : أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في (1/410)
{ تماماً على الذي أحسن } [ الأنعام : 154 ] . الثاني : أن تكون استفهامية فإنه لما قال : { إِنَّ للَّهِ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به ، بل له أن يمثل بما هو أقل من ذلك كثيراً كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ، ما دينار وديناران ، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير . (1/411)
المسألة الخامسة : قال صاحب «الكشاف» : ضرب المثل اعتماده وتكوينه من ضرب اللبن وضرب الخاتم .
المسألة السادسة : انتصب بعوضة بأنه عطف بيان لمثلاً أو مفعول ليضرب ومثلاً حال من النكرة مقدم عليه أو ثاني مفعولين ليضرب مضمناً معنى يجعل ، وهذا إذا كانت ما صلة أو إبهامية ، فإن كانت مفسرة ببعوضة فهي تابعة لما هي تفسير له ، والمفسر والمفسر معاً لمجموعهما عطف بيان أو مفعول ، ومثلاً حال مقدمة ، وأما رفعها فبكونها خبر مبتدأ ، أما إذا كانت ما موصولة أو موصوفة أو استفهامية فأمرها ظاهر ، فإذا كانت إبهامية فهي على الجواب كأن قائلاً قال ما هو فقيل بعوضة .
المسألة السابعة : قال صاحب «الكشاف» : اشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت اسميته ، وعن بعضهم اشتقاقه من بعض الشيء سمي به لقلة جرمه وصغره ولأن بعض الشيء قليل بالقياس إلى كله ، والوجه القوي هو الأول ، قال وهو من عجائب خلق الله تعالى فإنه صغير جداً وخرطومه في غاية الصغر ثم إنه مع ذلك مجوف ثم ذلك الخرطوم مع فرط صغره وكونه جوفاً يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته كما يضرب الرجل إصبعه في الخبيص ، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم .
المسألة الثامنة : في قوله : { فَمَا فَوْقَهَا } وجهان : أحدهما : أن يكون المراد فما هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب ، فإن القوم أنكروا تمثيل الله تعالى بكل هذه الأشياء . والثاني : أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه : أحدها : أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان ، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولاً . وثانيها : أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار ، وفي اكتساب ما فوقه ، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار . وثالثها : أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب ، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى ، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير ، واحتج الأولون بوجهين : الأول : بأن لفظ «فوق» يدل على العلو ، فإذا قيل هذا فوق ذاك ، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن رجلاً مدح علياً رضي الله عنه والرجل متهم فيه ، فقال علي : أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك ، أراد بهذا أعلى مما في نفسك . الثاني : كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ والجواب عن الأول : أن كل شيء كان ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها في شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف في تلك الصفة يقال إن فلاناً فوق فلان في اللؤم والدناءة . أي هو أكثر لؤماً ودناءة منه ، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه ، والجواب عن الثاني أن جناح البعوضة أقل منها وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا .
المسألة التاسعة : «أما» حرف فيه معنى الشرط ، ولذلك يجاب بالفاء وهذا يفيد التأكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب قلت أما زيد فذاهب ، إذا ثبت هذا فنقول : إيراد الجملتين مصدرتين به إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق وذم عظيم للكافرين على ما قالوه وذكروه . (1/412)
المسألة العاشرة : «الحق» الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب وحقت كلمة ربك ، وثوب محقق محكم النسج .
المسألة الحادية عشرة : «ماذا» فيه وجهان أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذي فيكون كلمتين وأن يكون ذا مركبة مع ما مجعولين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة فهو على الوجهين : الأول : مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته ، وعلى الثاني : منصوب المحل في حكم ما وحده كما لو قلت ما أراد الله .
المسألة الثانية عشرة : الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته . وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف ، وقال المتكلمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع ، واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة ، واختلفوا في كونه تعالى مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى فقال النجارية إنه معنى سلبي ومعناه أنه غير مغلوب ولا مستكره ، ومنهم من قال إنه أمر ثبوتي وهؤلاء اختلفوا فقال الجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري : معناه علمه تعالى باشتماله الفعل على المصلحة أو المفسدة ، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف ، وقال أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إنه صفة زائدة على العلم ثم القسمة في تلك الصفة إما أن تكون ذاتية وهو القول الثاني للنجارية ، وإما أن تكون معنوية ، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعرية أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله تعالى ، وهو قول الكرامية ، أو قائماً بجسم آخر وهذا القول لم يقل به أحد ، أو يكون موجوداً لا في محل ، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما .
المسألة الثالثة عشرة : الضمير في «أنه الحق» للمثل أو لأن يضرب ، وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا استحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص : يا عجبا لابن عمرو هذا . (1/413)
المسألة الرابعة عشرة : «مثلاً» نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث ماذا أردت بهذا جواباً؟ ولمن حمل سلاحاً رديئاً كيف تنتفع بهذا سلاحاً؟ أو على الحال كقوله : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } [ الأعراف : 73 ] .
المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكي عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله : { مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } أجاب عنه بقوله : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا المعنى من الآيات فنتكلم أولاً في الإضلال فنقول : إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك خرج فإنه غير متعدٍ ، فإذا قلت أخرج فقد جعلته معتدياً وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك كببته فأكب ، وقد تجيء لمجرد الوجدان . حكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم . أي فما وجدناكم جبناء ولا مفحمين ولا بخلاء . ويقال أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل :
فتمنى حصين أن يسود خزاعة ... فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
أي وجد ذليلاً مقهوراً ، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل من غير المتعدي إلى المتعدي فأما قوله : كببته فأكب ، فلعل المراد كببته فأكب نفسه على وجهه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين وهذا ليس بعزيز . وأما قوله . قاتلناكم فما أجبناكم ، فالمراد ما أثر قتالنا في صيرورتكم جبناء . وما أثر هجاؤنا لكم في صيرورتكم مفحمين ، وكذا القول في البواقي ، وهذا القول الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك . إذا ثبت هذا فنقول قولنا : أضله الله لا يمكن حمله إلا على وجهين : أحدهما : أنه صيره ضالاً ، والثاني : أنه وحده ضالاً أما التقدير الأول وهو أنه صيره ضالاً فليس في اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالاً عما ذا وفيه وجهان : أحدهما : أنه صيره ضالاً عن الدين . والثاني : أنه صيره ضالاً عن الجنة ، أما الأول وهو أنه تعالى صيره ضالاً عن الدين فاعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس فقال :
{ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } [ القصص : 15 ] وقال : { ولأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمَنّيَنَّهُمْ } [ النساء : 119 ] و { قَالَ الذين كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا الذين أضلانا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } [ فصلت : 29 ] وقال : { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل } [ النمل : 24 العنكبوت : 38 ] ، وقال الشيطان إلى قوله : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } [ إبراهيم : 22 ] وأيضاً أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى فرعون فقال : { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه ، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا وهذا المعنى منفي بالإجماع ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره . وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه تعالى خلق الضلال والكفر فيهم وصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه ، وربما قالوا هذا هو حقيقة اللفظ في أصل اللغة ، لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالاً كما أن الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجاً وداخلاً ، وقالت المعتزلة هذا التأويل غير جائز لا بحسب الأوضاع اللغوية ولا بحسب الدلائل العقلية ، أما الأوضاع اللغوية فبيانه من وجوه : أحدها : أنه لا يصح من طريق اللغة أن يقال لمن منع غيره من سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه أضله بل يقال منعه منه وصرفه عنه وإنما يقولون إنه أضله عن الطريق إذا لبس عليه وأورد من الشبهة ما يلبس عليه الطريق فلا يهتدي له ، وثانيها : أنه تعالى وصف إبليس وفرعون بكونهما مضللين ، مع أن فرعون وإبليس ما كان خالقين للضلال في قلوب المستجيبين لهما بالاتفاق ، وأما عند الجبرية فلأن العبد لا يقدر على الإيجاد ، وأما عند القدرية فلأن العبد لا يقدر على هذا النوع من الإيجاد ، فلما حصل اسم المضل حقيقة مع نفي الخالقية بالاتفاق ، علمنا أن اسم المضل غير موضوع في اللغة لخالق الضلال : وثالثها : أن الإضلال في مقابلة الهداية فكما صح أن يقال هديته فما اهتدى وجب صحة أن يقال أضللته فما ضل ، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال ، وأما بحسب الدلائل العقلية فمن وجوه : أحدها : أنه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثم كلفه بالإيمان لكان قد كلفه بالجمع بين الضدين وهو سفه وظلم ، وقال تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] وقال : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] وقال : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ االحج : 78 ] وثانيها : لو كان تعالى خالقاً للجهل وملبساً على المكلفين لما كان مبيناً لما كلف العبد به ، وقد أجمعت الأمة على كونه تعالى مبيناً ، وثالثها : أنه تعالى لو خلق فيهم الضلال وصدهم عن الإيمان لم يكن لإنزال الكتب عليهم وبعثة الرسل إليهم فائدة لأن الشيء الذي لا يكون ممكن الحصول كان السعي في تحصيله عبثاً وسفهاً . (1/414)
ورابعها : أنه على مضادة كبيرة من الآيات نحو قوله : { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الانشقاق : 20 ] { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] ، { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } [ الإسراء : 94 ] فبين أنه لا مانع لهم من الإيمان ألبتة . وإنما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثة الرسل من البشر وقال : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } [ الكهف : 55 ] وقال : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ لبقرة : 28 ] وقال : { أنّى تُصْرَفُونَ } وقال : { أنّى تُؤْفَكُونَ } فلو كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين وصرفهم عن الإيمان لكانت هذه الآيات باطلة . وخامسها : أنه تعالى ذم إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في إضلال الناس عن الدين وصرفهم عن الحق وأمر عباده ورسوله بالاستعاذة منهم بقوله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس } [ الناس : 1 ] إلى قوله : { مِن شَرّ الوسواس } [ الناس : 4 ] و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق } [ الفلق : 1 ] ، { وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } [ المؤمنين : 97 ] ، { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم } [ النحل : 98 ] فلو كان الله تعالى يضل عباده عن الدين كما تضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه ولوجب الاستعاذة منه كما وجب منهم ، ولوجب أن يتخذوه عدواً من حيث أضل أكثر خلقه كما وجب اتخاذ إبليس عدواً لأجل ذلك ، قالوا بل خصيصية الله تعالى في ذلك أكثر إذ تضليل إبليس سواء وجوده وعدمه فيما يرجع إلى حصول الضلال بخلاف تضليل الله فإنه هو المؤثر في الضلال فيلزم من هذا تنزيه إبليس عن جميع القبائح وإحالتها كلها على الله تعالى فيكون الذم منقطعاً بالكلية عن إبليس وعائداً إلى الله سبحانه وتعالى عن قول الظالمين . وسادسها : أنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره وذمهم لأجل ذلك ، فقال : { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } [ طه : 79 ] ، { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } [ طه : 85 ] ، { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } [ الأنعام : 116 ] ، { إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب } [ ص : 26 ] وقوله تعالى حاكياً عن إبليس : { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ } [ النساء : 119 ] فهؤلاء إما أن يكونوا قد أضلوا غيرهم عن الدين في الحقيقة أو يكون الله هو الذي أضلهم أو حصل الإضلال بالله وبهم على سبيل الشركة فإن كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين دون هؤلاء فهو سبحانه وتعالى قد تقول عليهم إذ قد رماهم بدأبه وعابهم بما فيه وذمهم بما لم يفعلوه ، والله متعالٍ عن ذلك وإن كان الله تعالى مشاركاً لهم في ذلك فكيف يجوز أن يذمهم على فعل هو شريك فيه ومساوٍ لهم فيه وإذا فسد الوجهان صح أن لا يضاف خلق الضلال إلى الله تعالى . (1/415)
وسابعها : أنه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوباً إلى العصاة على ما قال : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة : 26 ] . { وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم : 27 ] ، { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } [ المائدة : 67 ] ، { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } [ غافر : 34 ] ، { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } [ غافر : 28 ] فلو كان المراد بالضلال المضاف إليه تعالى هو ما هم فيه كان كذلك إثباتاً للثابت وهذا محال . وثامنها : أنه تعالى نفى إلهية الأشياء التي كانوا يعبدونها من حيث أنهم لا يهدون إلى الحق قال : { أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن مَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يهدى } [ يونس : 35 ] فنفى ربوبية تلك الأشياء من حيث إنها لا تهدي وأوجب ربوبية نفسه من حيث إنه سبحانه وتعالى يهدي فلو كان سبحانه وتعالى يضل عن الحق لكان قد ساواهم في الضلال وفيما لأجله نهى عن اتباعهم ، بل كان قد أربى عليهم ، لأن الأوثان كما أنها لا تهدي فهي لا تضل ، وهو سبحانه وتعالى مع أنه إله يهدي فهو يضل . وتاسعها : أنه تعالى يذكر هذا الضلال جزاء لهم على سوء صنيعهم وعقوبة عليه ، فلو كان المراد ما هم عليه من الضلال كان ذلك عقوبة وتهديداً بأمرهم له ملابسون ، وعليه مقبولون ، وبه ملتذون ومغتبطون ، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا وبشرب الخمر على شرب الخمر ، وهذا لا يجوز . وعاشرها : أن قوله تعالى : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } [ البقرة : 26 ، 27 ] صريح في أنه تعالى إنما يفعل به هذا الإضلال بعد أن صار هو من الفاسقين الناقضين لعهد الله باختيار نفسه ، فدل ذلك على أن هذا الإضلال الذي يحصل بعد صيرورته فاسقاً وناقضاً للعهد مغاير لفسقه ونقضه ، وحادي عاشرها : أنه تعالى فسر الإضلال المنسوب إليه في كتابه ، إما بكونه ابتلاءً وامتحاناً ، أو بكونه عقوبة ونكالاً ، فقال في الابتلاء : { وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ المدثر : 31 ] أي امتحاناً إلى أن قال : { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } [ المدثر : 31 ] فبين أن إضلاله للعبد يكون على هذا الوجه من إنزاله آية متشابهة أو فعلاً متشابهاً لا يعرف حقيقة الغرض فيه؛ والضال به هو الذي لا يقف على المقصود ولا يتفكر في وجه الحكمة فيه بل يتمسك بالشبهات في تقرير المجمل الباطل كما قال تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ } [ آل عمران : 7 ] وأما العقوبة والنكال فكقوله : { إِذِ الأغلال فِى أعناقهم والسلاسل يُسْحَبُونَ } [ غافر : 71 ] إلى أن قال : { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين } [ غافر : 74 ] فبين أن إضلاله لا يعدو أحد هذين الوجهين وإذا كان الإضلال مفسراً بأحد هذين الوجهين وجب أن لا يكون مفسراً بغيرهما دفعاً للاشتراك ، فثبت أنه لا يجوز حمل الإضلال على خلق الكفر والضلال وإذا ثبت ذلك فنقول بينا أن الإضلال في أصل اللغة الدعاء إلى الباطل والترغيب فيه والسعي في إخفاء مقابحه وذلك لا يجوز على الله تعالى فوجب المصير إلى التأويل ، والتأويل الذي ذهبت الجبرية إليه قد أبطلناه فوجب المصير إلى وجوه أخر من التأويلات . (1/416)
أحدها : أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ذلك الشيء أثر في إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى في حق الأصنام { رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } [ إبراهيم : 36 ] أي ضلوا بهن ، وقال : { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً } [ نوح : 23 ، 24 ] أي ضل كثير من الناس بهم وقال : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } [ المائدة : 64 ] وقال : { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } [ نوح : 6 ] أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فراراً وقال : { فاتخذتموهم سِخْرِيّاً حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى } [ المؤمنون : 110 ] وهم لم ينسوهم في الحقيقة بل كانوا يذكرونهم الله ويدعونهم إليه ولكن لما كان اشتغالهم بالسخرية منهم سبباً لنسيانهم أضيف الإنساء إليهم وقال في براءة : { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إيمانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم } [ التوبة : 124 ، 125 ] فأخبر سبحانه أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها فيزداد بها إيماناً ، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفراً ، فإذن أضيفت الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة ، إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا كذلك أيضاً ، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله تعالى إذا كان إحداثهما عند ضربه تعالى الأمثال لهم وقال في سورة المدثر : { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً } [ المدثر : 31 ] فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ثم قال بعد قوله : { مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } [ المدثر : 31 ] فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن أضاف إليهم الأمرين معاً ، فبين تعالى أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان ويقال في العرف أيضاً . أمرضني الحب أي مرضت به : ويقال قد أفسدت فلانة فلاناً وهي لم تعلم به ، وقال الشاعر : (1/417)
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... أي يغري الملوم باللوم ، والإضلال على هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا : ما الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه الإضافة .
وثانيها : أن الإضلال هو التسمية بالضلال فيقال أضله أي سماه ضالاً وحكم عليه به وأكفر فلان فلاناً إذا سماه كافراً وأنشدوا بيت الكميت : (1/418)
وطائفة قد أكفروني بحبكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب
وقال طرفة :
وما زال شربي الراح حتى أضلني ... صديقي وحتى ساءني بعض ذلكا
أراد سماني ضالاً وهذا الوجه مما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة ، ومن أهل اللغة من أنكره وقال إنما يقال ضللته تضليلاً إذا سميته ضالاً ، وكذلك فسقته وفجرته إذا سميته فاجراً فاسقاً ، وأجيب عنه بأنه متى صيره في نفسه ضالاً لزمه أن يصير محكوماً عليه بالضلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير ، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم مجاز مشهور وأنه مستعمل أيضاً لأن الرجل إذا قال لآخر : فلان ضال جاز أن يقال له لم جعلته ضالاً ويكون المعنى لم سميته بذلك ولم حكمت به عليه فعلى هذا الوجه حملوا الإضلال على الحكم والتسمية . وثالثها : أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر والجبر ، فيقال أضله إذا خلاه وضلاله قالوا ومن مجازه قولهم : أفسد فلان ابنه وأهلكه ودمر عليه إذا لم يتعهده بالتأديب ، ومثله قول العرجي :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء : أفسدت سيفك وأصدأته . ورابعها : الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى : { إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } [ القمر : 47 ، 48 ] فوصفهم الله تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا يكون إلا عذابهم وقال تعالى : { إِذِ الأغلال فِى أعناقهم والسلاسل يُسْحَبُونَ فِى الحميم ثُمَّ فِى النار يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين } [ غافر : 71 74 ] فسر ذلك الضلال بالعذاب . وخامسها : أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال كقوله : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أعمالهم } [ محمد : 1 ] قيل أبطلها وأهلكها ومن مجازه قولهم : ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً فيه ويقال أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم ومنه يقال أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى ، قال النابغة :
وآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل
وقال تعالى : { وَقَالُواْ أءِذا ضَلَلْنَا في الأَرْض أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ السجدة : 10 ] أي أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله إنساناً أي يهلكه ويعدمه فتجوز إضافة الإضلال إليه تعالى على هذا الوجه ، فهذه الوجوه الخمسة إذا حملنا الإضلال على الإضلال عن الدين . وسادسها : أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة ، قالت المعتزلة : وهذا في الحقيقة ليس تأويلاً بل حملاً للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم ، فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو اختيار الجبائي قال تعالى :
{ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير } [ الحج : 4 ] أي يضله عن الجنة وثوابها . هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية . وسابعها : أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على الوجدان على ما تقدم في أول هذه المسألة بيانه فيقال أضل فلان بعيره أي ضل عنه فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه تعالى وجدهم ضالين . وثامنها : أن يكون قوله تعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } من تمام قول الكفار فإنهم قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وذكروه على سبيل التهكم فهذا من قول الكفار ثم قال تعالى جواباً لهم : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } أي ما أضل به إلا الفاسق . هذا مجموع كلام المعتزلة ، وقالت الجبرية لقد سمعنا كلامكم واعترفنا لكم بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام ولكن ماذا نعمل ولكم أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسنة؟ والدلائل اللطيفة : أحدها : مسألة الداعي وهي أن القادر على العلم والجهل والإهداء والإضلال لم فعل أحدهما دون الآخر؟ وثانيها : مسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ البقرة : 7 ] وما رأينا لكم في دفع هذين الكلامين كلاماً محيلاً قوياً ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترفنا لكم بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضاً واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء . وثالثها : أن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحداً لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء ، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء؟ فإن قيل إنه اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولاً فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال . ورابعها : أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة . (1/419)
المقدمة الأولى : في بيان أن التصورات غير كسبية ، وذلك لأن من يحاول اكتسابها فإما أن يكون متصوراً لها أو لا يكون متصوراً لها فإن كان متصوراً لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن لم يكن متصوراً لها كان ذهنه غافلاً عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه . (1/420)
المقدمة الثانية : في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافياً في جزم الذهن بذلك التصديق أولاً يكون كافياً فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائراً مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفياً وإثباتاً وما كان كذلك لم يكن مقدوراً ، وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهياً بل متوقفاً فيه .
المقدمة الثالثة : في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضاً غير مقدورة . وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات ، فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علوماً ، بل لا تكون إلا اعتقاداً حاصلاً للمقلد وليس كلامنا فيه ، فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها . ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك؟ فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين ، الأول : أنا قد دللنا في تفسير قوله : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ البقرة : 7 ] على أنه متى حصل الرجحان فلا بدّ وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة ، فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذٍ جاء الجبر وبطل ما قلتموه . الثاني : هب أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه المتشابهات عليه مع أن لها أثراً في ترجيح جانب الضلال على جانب الاهتداء كالعذر للمكلف في عدم الإقدام على الطاعة فوجب أن يقبح ذلك من الله تعالى ، وأما إن لم يكن لذلك أثر في إقدامهم على ترجيح جانب الضلال على جانب بالاهتداء كانت نسبة هذه المتشابهات إلى ضلالهم كصرير الباب ونعيق الغراب فكما أن ضلالهم لا ينسب إلى هذه الأمور الأجنبية كذلك وجب أن لا ينسب إلى هذه المتشابهات بوجه ما ، وحينئذٍ يبطل تأويلهم ، أما التأويل الثاني وهو التسمية والحكم فهو وإن كان في غاية البعد لكن الإشكال معه باقٍ لأنه إذا سماه الله بذلك وحكم به عليه فلو لم يأتِ المكلف به لانقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً ، وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فكان عدم إتيان المكلف به محالاً وإتيانه به واجباً وهذا عين الجبر الذي تفرون منه وأنه ملاقيكم لا محالة ، وههنا ينتهي البحث إلى الجوابين المشهورين لهما في هذا المقام وكل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط ذلك ، وأما التأويل الثالث وهو التخلية وترك المنع فهذا إنما يسمى إضلالاً إذا كان الأولى والأحسن بالوالد أن يمنعه عن ذلك فأما إذا كان الولد بحيث لو منعه والده عن ذلك لوقع في مفسدة أعظم من تلك المفسدة الأولى لم يقل أحد أنه أفسد ولده وأضله ، وههنا الأمر بخلاف ذلك لأنه تعالى لو منع المكلف جبراً عن هذه المفسدة لزمت مفسدة أخرى أعظم من الأولى ، فكيف يقال إنه تعالى أفسد المكلف وأضله بمعنى أنه ما منعه عن الضلال مع أنه لو منعه لكانت تلك المفسدة أعظم وأما التأويل الرابع فقد اعتراض القفال عليه فقال : لا نسلم بأن الضلال جاء بمعنى العذاب أما قوله تعالى :
{ إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ } [ القمر : 47 ] فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر : أي في عذاب جهنم في الآخرة ويكون قوله : { يَوْمَ يُسْحَبُونَ } من صلة سعر وأما قوله تعالى : { إِذَ الأغلال فِى أعناقهم } إلى قوله : { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين } فمعنى قوله ضلوا عنا أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله : { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين } قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي يحبطها يوم القيامة ، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر ، فإذا خذلهم الله تعالى وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في الدنيا ، وأما التأويل الخامس : وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى : { وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك . وأما التأويل السادس : وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال : { يُضِلُّ بِهِ } أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه . وأما التأويل السابع : وهو أن قوله : { يُضِلُّهُ } أي يجده ضالاً قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضاً فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال : { يُضِلُّ بِهِ } والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء . وأما التأويل الثامن : فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً } من كلام الكفار ثم قوله : { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو ، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله : { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال . (1/421)
أما الهدى فقد جاء على وجوه : أحدها : الدلالة والبيان قال تعالى : { أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا } [ السجدة : 26 ] وقال : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } [ البقرة : 38 ] وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال : { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَمَا تَهْوَى الأنفس وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى } [ النجم : 23 ] وقال : { إِنَّا هديناه السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } [ الإنسان : 3 ] أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال : { وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت : 17 ] وقال : { ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 154 ] وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام : { وَلاَ تُشْطِطْ واهدنا إلى سَوَاء الصراط } [ ص : 22 ] أي أرشدنا وقال : { إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ وأملى لَهُمْ } [ محمد : 25 ] وقال : { أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله } [ الزمر : 56 ] إلى قوله : { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ المتقين } [ الزمر : 57 ] إلى قوله : { بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت } [ الزمر : 59 ] أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال : { أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَهُدًى } [ الأنعام : 157 ] وهذه مخاطبة للكافرين . وثانيها : قالوا في قوله : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] أي لتدعو وقوله : { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } [ الرعد : 7 ] أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى . وثالثها : التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته ، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم ، والدليل على هذا الوجه قوله تعالى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } [ محمد : 17 ] ، { وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } [ مريم : 76 ] ، { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } [ آل عمران : 86 ] ، { يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت فِى الحياة الدنيا وَفِى الاخرة وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم : 27 ] ، { كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءهُمُ البينات والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } [ آل عمران : 86 ] فأخبر أنه لا يهديهم وأنهم قد جاءهم البينات ، فهذا الهدى غير البيان لا محالة ، وقال تعالى : { وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ } [ التغابن : 11 ] { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } [ المجادلة : 22 ] . ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صراطا مُّسْتَقِيماً } (1/422)
[ النساء : 175 ] وقال : { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ المائدة : 15 ، 16 ] وقال : { والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة } [ محمد : 4 6 ] والهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الجنة ، وقال تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } [ يونس : 90 ] وهذا تأويل الجبائي ، وخامسها : الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلاناً أي قدمه أمامه ، وأصل هدى من هداية الطريق؛ لأن الدليل يتقدم المدلول ، وتقول العرب أقبلت هوادي الخيل . أي متقدماتها ويقال للعنق هادي وهوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها ، وسادسها : يهدي أي يحكم بأن المؤمن مهتد وتسميته بذلك لأن حقيقة قول القائل هداه جعله مهتدياً ، وهذا اللفظ قد يطلق على الحكم والتسمية قال تعالى : { مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ } [ المائدة : 103 ] أي ما حكم ولا شرع ، وقال : { إِنَّ الهدى هُدَى الله } [ آل عمران : 73 ] معناه أن الهدى ما حكم الله بأنه هدى وقال : { ومَن يَهْدِ الله فهو المهتد } [ الإسراء : 97 ] أي من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق لأن يسمى مهتدياً فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة : وقد تكلمنا عليها فيما تقدم في باب الإضلال . قالت الجبرية : وههنا وجه آخر وهو أن يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم ، قال الله تعالى : { والله يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السلام وَيَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ يونس : 25 ] قالت القدرية هذا غير جائز لوجوه : أحدها : أنه لا يصح في اللغة أن يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه هداه إليه وإنما يقال رده إلى الطريق المستقيم وحمله عليه وجره إليه فأما أن يقال إنه هداه إليه فلا ، وثانيها : لو حصل ذلك بخلق الله تعالى لبطل الأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب ، فإن قيل هب أنه خلق الله تعالى إلا أنه كسب العبد قلنا هذا الكسب مدفوع من وجهين : الأول : أن وقوع هذه الحركة إما أن يكون بتخليق الله تعالى أو لا يكون بتخليقه ، فإن كان بتخليقه ، فمتى خلقه الله تعالى استحال من العبد أن يمتنع منه ، ومتى لم يخلقه استحال من العبد الإتيان به ، فحينئذٍ تتوجه الإشكالات المذكورة وإن لم يكن بتخليق الله تعالى بل من العبد فهذا هو القول بالاعتزال ، الثاني : أنه لو كان خلقاً لله تعالى وكسباً للعبد لم يخل من أحد وجوه ثلاثة ، إما أن يكون الله يخلقه أولاً ثم يكتسبه العبد أو يكتسبه العبد أولاً ثم يخلقه الله تعالى . أو يقع الأمران معاً ، فإن خلقه الله تعالى كان العبد مجبوراً على اكتسابه فيعود الإلزام وإن اكتسبه العبد أولاً فالله مجبور على خلقه ، وإن وقعا معاً وجب أن لا يحصل هذا الأمر إلا بعد اتفاقهما لكن هذا الاتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق ، وأيضاً فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر ، لأنه من كسبه وفعله ، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة قالت الجبرية : إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال ، والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى ، إما بواسطة أو بغير واسطة ، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا يعارضة المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق . (1/423)
المسألة السادسة عشرة : لقائل أن يقول لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله : { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] ، { وقليل ما هم } [ ص : 24 ] ولحديث « الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة » وحديث « الناس أخبر قلة » ، والجواب : أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضاً فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهاباً إلى الحقيقة . (1/424)
المسألة السابعة عشرة : قال الفراء : الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت ، فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة ، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة ، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر ، فعند أصحابنا أنه مؤمن ، وعند الخوارج أنه كافر ، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر ، واحتج المخالف بقوله تعالى : { بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان } [ الحجرات : 11 ] وقال : { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } [ التوبة : 17 ] وقال : { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } [ الحجرات : 7 ] وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام .
المسألة الثامنة عشرة : اختلفوا في المراد ، من قوله تعالى : { الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه } وذكروا وجوهاً : أحدها : أن المراد بهذا الميثاق حججه القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسله ، فكان ذلك ميثاقاً وعهداً على التمسك بالتوحيد إذا كان يلزم بهذه الحجج ما ذكرنا من التمسك بالتوحيد وغيره ، ولذلك صح قوله : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة : 40 ] ، وثانيها : يحتمل أن يعني به ما دل عليه بقوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } [ فاطر : 42 ] فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه وصفهم بنقض عهده وميثاقه ، والتأويل الأول يمكن فيه العموم في كل من ضل وكفر ، والثاني : لا يمكن إلا فيمن اختص بهذا القسم ، إذا ثبت هذا ظهر رجحان التأويل الأول على الثاني من وجهين : الأول : أن على التقدير الأول يمكن إجراء الآية على عمومها ، وعلى الثاني يلزم التخصيص ، الثاني : أن على التقدير الأول يلزمهم الذم لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله وأحكمه بما أنزل من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوضحها وأزال التلبيس عنها ، ولما أودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء وأنزل الكتب مؤكداً لها : وأما على التقدير الثاني فإنه يلزمهم الذم لأجل أنهم تركوا شيئاً هم بأنفسهم التزموه ومعلوم أن ترتيب الذم على الوجه الأول أولى ، وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون المقصود بالآية قوماً من أهل الكتاب قد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته .
ورابعاً : قال بعضهم ، إنه عنى به ميثاقاً أخذه من الناس وهم على صورة الذر وأخرجهم من صلب آدم كذلك ، وهو معنى قوله تعالى : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] قال المتكلمون هذا ساقط لأنه تعالى لا يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم بما ذهب علمه عن قلبهم بالسهو والنسيان فكيف يجوز أن يعيبهم بذلك؟ وخامسها : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود . العهد الأول : الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو الإقرار بربوبيته وهو قوله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } [ الأعراف : 172 ] وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } [ الأحزاب : 7 ] وعهد خص به العلماء ، وهو قوله : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } [ آل عمران : 187 ] قال صاحب «الكشاف» : الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه ورسله . (1/425)
المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } فذكروا وجوهاً : أحدها : أراد به قطيعة الرحم وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها وهو كقوله تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } [ محمد : 22 ] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة ، وعلى هذا التأويل تكون الآية خاصة . وثانيها : أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار فذاك هو المراد من قوله : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } . وثالثها : أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن وهم كانوا مشتغلين بذلك .
المسألة العشرون : أما قوله تعالى : { وَيُفْسِدُونَ فِى الأرض } فالأظهر أن يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم . والأظهر أن المراد منه الصد عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة لأن بالتزام الشرائع يلتزم الإنسان كل ما لزمه ، ويترك التعدي إلى الغير ، ومنه زوال التظالم وفي زواله العدل الذي قامت به السموات والأرض ، قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنه قال :
{ إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرض الفساد } [ غافر : 26 ] ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خاسر فقال : { أولئك هُمُ الخاسرون } وفي هذا الخسران وجوه : أحدها : أنهم خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل ، فإن أطاع الله وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خالدون } [ المؤمنون : 10 11 ] وقال : { إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة } [ الشورى : 45 ] وثانيها : أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله ، وثالثها : أنهم إنما أصروا على الكفر خوفاً من أن تفوتهم اللذات العاجلة ، ثم إنها تفوتهم إما عند ما يصير الرسول صلى الله عليه وسلم مأذوناً في الجهاد أو عند موتهم ، وقال القفال رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملاً لا يجزي عليه فيقال له خاسر ، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئاً ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين قال تعالى : { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العصر : 2 ، 3 ] وقال : { قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا * الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحياة الدنيا } [ الكهف : 103 ، 104 ] والله أعلم . (1/426)