صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)
اعلم أن في الآية مسائل نحوية ، ومسائل أصولية ، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى ، أما قوله : { إن } ففيه مسائل : (1/304)
المسألة الأولى : اعلم أن { إن } حرف والحرف لا أصل له في العمل ، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى ، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة ، وفيه مقدمات : المقدمة الأولى : في بيان المشابهة ، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى ، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال ، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني ، كما يدخل على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر ، كما أنك إذا قلت : قام زيد ، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية : أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناءً على الدوران المقدمة الثالثة : في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معاً ، أو تنصبهما معاً ، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس ، والأول باطل؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول { إن } عليهما مرفوعين ، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة ، ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل ، والقسم الثاني : أيضاً باطل؛ لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل ، لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث : أيضاً باطل ، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع ، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع ثم في المفعول بالنصب ، فلو جعل الحرف ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع . ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية ، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض .
المسألة الثانية : قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعاً به قبل ذلك . حجة البصريين : أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه ، والفعل له تأثير في الرفع والنصب ، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك . وحجة الكوفيين من وجهين : الأول : أن معنى الخبرية باقٍ في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة ، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف ، فهذه مقدمات ثلاثة : إحداها : قولنا : الخبرية باقية ، وذلك ظاهر ، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسنداً إلى المبتدأ ، وبعد دخول حرف «إن» عليه فذاك الإسناد باقٍ . وثانيها : قولنا : الخبرية ههنا مقتضية للرفع : وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول «إن» مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءاً من المقتضي . لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة ، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع ، لأن المقتضي بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل . وثالثها : قولنا : الخبرية أولى بالاقتضاء ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كونه خبراً وصف حقيقي قائم بذاته ، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما . الثاني : أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو كون كل واحد منهما مسنداً إلى الغير ، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي ، فإنه ليس فيه إسناد ، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل ، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها : لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعاً ، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى ، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف ، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلاً للحاصل ، وهو محال . الوجه الثاني : أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل ، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة . والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم ، فوجب أن لا يعملها في الخبر .
المسألة الثالثة : روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال : إني أجد في كلام العرب حشوا ، أجد العرب تقول : عبد الله قائم ، ثم تقول إن عبد الله قائم ، ثم تقول إن عبد الله لقائم ، فقال المبرد : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه ، وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل ، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه ، واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كان جواباً للقسم نحو والله إن زيداً منطلق ويدل عليه من التنزيل قوله : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } [ الكهف : 83 ] وقوله في أول السورة : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ } [ الكهف : 13 ] وقوله : { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } [ الشعراء : 216 ] وقوله : { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ الأنعام : 56 ] وقوله : { وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين } (1/305)
[ الحجر : 89 ] وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه ، وعليه قوله : { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } [ الشعراء : 16 ] وقوله : { وَقَالَ موسى يافرعون إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } [ الأعراف : 104 ] وفي قصة السحرة { إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } [ الأعراف : 125 ] إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله : { ءامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لكم } [ طه : 71 الشعراء : 49 ] وقال عبد القاهر : والتحقيق أنها للتأكيد وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى «إن» وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف ، ولذلك تراها تزداد حسناً إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس : (1/306)
عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس
وإنماحسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس . وأما جعلها مع اللام جواباً للمنكر في قولك : «إن زيداً لقائم» فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد ، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضاً أن يكون من الحاضرين . واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك : إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء ، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي توهمت ، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم { قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } [ آل عمران : 36 ] وكذلك قول نوح عليه السلام : { قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ } [ الشعراء : 117 ] .
أما قوله تعالى : { الذين كَفَرُواْ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر ، وتحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد . أما القسم الأول : وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن ، ومن لم يصدقه في ذلك ، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض ، فذلك هو الكافر ، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به ، ومثاله من أنكر وجود الصانع ، أو كونه عالماً قادراً مختاراً أو كونه واحداً أو كونه منزهاً عن النقائص والآفات ، أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله عليه وسلم كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر ، فذلك يكون كافراً؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه . فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالماً بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي ، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني ، بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال ، فلا جرم لم يكن إنكاره ، ولا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان فلا يكون موجباً للكفر ، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة ، ولنقل ذلك على سبيل التواتر ، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان ، ولا إنكارها موجباً للكفر ، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل . وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه . فهذا قولنا في حقيقة الكفر . فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالضرورة مجيئه به ، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفراً لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه ، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى ، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع ، بل يجعل لها معرفات وعلامات ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مداراً للأحكام الشرعية ، وليس الغيار وشد الزنار من هذا الباب ، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال ، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها ، لا أنها في أنفسها كفر ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي والأخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار ، إذا عرفت هذا فنقول : احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماضٍ مثل قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } أو { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] ، { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ] ، { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحا } [ نوح : 1 ] على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات أو كان شيئاً آخر . قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلا إذا كان مسبوقاً بالخبر عنه ، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً فيجب أن يكون محدثاً ، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين : الأول : أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد ، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم الله تعالى ، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال : إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى . (1/307)
الثاني : أن الله تعالى قال : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } [ الفتح : 27 ] فلما دخلوا المسجد لا بدّ وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا مثله؟ أجاب المستدل أولاً عن السؤال الأول فقال : عند أبي الحسين البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات ، وكيف لا والعلم بأن العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلاً لا علماً ، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم ، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة . وعن الثاني : أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة ، فقوله تعالى : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد ، فنظيره في مسألتنا أن يقال إن قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافاً بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلاً في الأزل وهذا هو المقصود ، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلاً في الأزل أو ما كان ، فإن لم يكن حاصلاً في الأزل كان ذلك تصريحاً بالجهل . وذلك كفر ، وإن قلنا إنه كان حاصلاً فزواله يقتضي زوال القديم ، وذلك سد باب إثبات حدوث العالم والله أعلم . (1/308)
المسألة الثالثة : قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } صيغة للجمع مع لام التعريف وهي للاستغراق بظاهره ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر ، لأن كثيراً من الكفار أسلموا فعلمنا أن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص ، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسن ذلك لعدم التلبيس وظهور المقصود ، ومثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع مخصوص من الأعداء ، فإذا قال «إن الناس يؤذونني» فهم كل أحد أن مراده من الناس ذلك الجمع على التعيين ، وإما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص جائز وإن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب ، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا جرم حسن ذلك ، وأقصى ما في الباب أن يقال : لو وجدت هذه القرينة لعرفناها وحيث لم نعرفها علمنا أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف ، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود من أضعف الإمارات المفيدة للظن فضلاً عن القطع ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف والله أعلم ومن المعتزلة من احتال في دفع ذلك فقال إن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله : إن الذين كفروا يؤمنون ، وقوله : إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم ، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم؛ لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان ، فثبت أن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم والجواب : أن قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } صيغة الجمع وقوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ } أيضاً صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذٍ يعود الكلام المذكور .
المسألة الرابعة : اختلف أهل التفسير في المراد ههنا بقوله : { الذين كَفَرُواْ } فقال قائلون : إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال آخرون : بل المراد قوم من المشركين ، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم ، وهم الذين جحدوا بعد البينة ، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما قال الله تعالى : { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [ فصلت : 4 ، 5 ] وكان عليه السلام حريصاً على أن يؤمن قومه جميعاً حيث قال الله تعالى له : { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } [ الكهف : 6 ] وقال : { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِين } [ يونس : 99 ] ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك ، فإن اليأس إحدى الراحتين . (1/309)
أما قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) { سَوَآء } اسم بمنعى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى : { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم }
[ آل عمران : 64 ] { فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت : 10 ] بمعنى مستوية ، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه . (1/310)
المسألة الثانية : في ارتفاع سواء قولان : أحدهما : أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و { ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } في موضع الرفع به على الفاعلية ، كأنه قيل ، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول : إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه . الثاني : أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبره مقدماً بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن ، واعلم أن الوجه الثاني أولى؛ لأن «سواء» اسم ، وتنزيله بمنزلة الفعل يكون تركاً للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، وإذا ثبت هذا فنقول : من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء ، فوجب أن يكون سواء خبراً فيكون الخبر مقدماً . وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز ، ونظيره قوله تعالى : { سَوَاء محياهم ومماتهم } [ الجاثية : 21 ] وروى سيبويه قولهم : «تميمي أنا» / «ومشنوء من يشنؤك» أما الكوفيون فإنهم لا يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين : الأول : المبتدأ ذات ، والخبر صفة ، والذات قبل الصفة بالاستحقاق ، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياساً على توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية . الثاني : أن الخبر لا بدّ وأن يتضمن الضمير ، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر ، وأنه غير جائز ، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أم معلوم ، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه ، فكان الإضمر قبل الذكر محالاً ، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى ، لا أن يكون واجباً وعن الثاني : أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب ، كقولهم : «في بيته يؤتى الحكم» قال تعالى : { فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } [ طه : 67 ] وقال زهير :
فمن يلق يوماً على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
والله أعلم .
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه ، لأن من قال : خرج ضرب لم يكن آتياً بكلام منتظم ، ومنهم من قدح فيه بوجوه : أحدها : أن قوله : { ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } فعل وقد أخبر عنه بقوله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } ونظيره قوله : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ } [ يوسف : 35 ] فاعل «بدا» هو «ليسجننه» وثانيها : أن المخبر عنه بأنه فعل لا بدّ وأن يكون فعلاً ، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل : المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة ، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا : المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل إسماً كان هذا الخبر كذباً ، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون ، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً ، لأن الاسم لا يكون فعلاً ، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه وثالثها : أنا إذا قلنا : الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه ، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه ، وهذا خطأ وإن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه ثم قال هؤلاء : لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر . أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل ، فلا جرم كان التقدير : سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك ، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لا بدّ وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة ههنا؟ قلنا قوله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه . وقبل ذلك ما كانوا كذلك ، ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله ، ولما قال : { ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم ، وقد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك .
المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : «الهمزة» و «أم» مجردتان لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً ، قال سيبويه : جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة ، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام ، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء . (1/311)
المسألة الخامسة : في قوله : { ءأَنذَرْتَهُمْ } ست قراءات : إما بهمزتين محققتين بينهما ألف ، أولا ألف بينهما ، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية والثانية بين بين بينهما ألف ، أولا ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام ، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرىء «قد أفلح» فإن قيل : فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟ قال صاحب ( الكشاف ) : هو لاحن خارج عن كلام العرب .
المسألة السادسة : الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي ، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة ، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى . أما قوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبراً «لأن» والجملة قبلها اعتراض .
المسألة الثانية : احتج أهل السنّة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله :
{ لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } [ ياس : 7 ] وقوله : { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } [ المدثر : 11 ] إلى قوله : { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } [ المدثر : 17 ] وقوله : { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } [ المسد : 1 ] على تكليف ما لا يطاق ، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر لله تعالى الصدق كذباً ، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة ، وهما محالان على الله ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا في صورة العلم ، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلاً ، وذلك محال ومستلزم المحال محال . فالأمر واقع بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان؛ لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان ، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً ومعدوماً معاً وهو محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ونذكر هذا على وجه رابع : وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان ألبتة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، ونذكر هذا على وجه خامس : وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله : { يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ } [ الفتح : 15 ] فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى ، وذلك منهي عنه . ثم ههنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام الله ، وذلك منهي عنه ، وترك محاولة الإيمان يكون أيضاً مخالفة لأمر الله تعالى ، فيكون الذم حاصلاً على الترك والفعل ، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع ، وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال . ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة وهدم قواعدهم ، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه فما أتوا بشيء مقنع ، وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه : قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول : بيان أنه لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعاً من الإيمان ، والمقام الثاني : بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل ، أما المقام الأول فقالوا : الذي يدل عليه وجوه : أحدها : أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال : (1/312)
{ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى } [ الإسراء : 94 ] وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أن رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي كان ذلك منه مستقبحاً وكذا قوله : { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ } [ الأعراف : 12 ] وقوله لإبليس : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ النساء : 39 ] وقول موسى لأخيه : { مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } [ طه : 92 ] وقوله : { فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الانشقاق : 20 ] { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة : 43 ] { لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } [ التحريم : 1 ] قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب : كيف يأمره بالإيمان وقد منعه عنه؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول أنى تصرفون؟ ويخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون؟ وأنشأ فيهم الكفر ثم يقوم لم تكفرون؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول { لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } [ آل عمران : 71 ] وصدهم عن السبيل ثم يقول : { لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } [ آل عمران : 99 ] وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال : { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ } وذهب بهم عن الرشد ثم قال : { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } [ التكوير : 26 ] وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال : { فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } [ المدثر : 49 ] وثانيها : أن الله تعالى قال : { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ السناء : 165 ] وقال : { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } [ طه : 134 ] فلما بين أنه ما أبقي لهم عذراً إلا وقد أزاله عنهم ، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعاً لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مانع . وثالثها : أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة «حام السجدة» أنهم قالوا : قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذماً لهم في هذا القول ، فلو كان العلم مانعاً لكانوا صادقين في ذلك فلم ذمهم عليه؟ ورابعها : أنه تعالى أنزل قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } إلى آخره ذماً لهم وزجراً عن الكفر وتقبيحاً لفعلهم ، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة ، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذوراً في أن لا يمشي . وخامسها : القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم ، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى رسوله ، فلو كان العلم والخبر مانعاً لكان لهم أن يقولوا : إذا علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالاً منا ، فلم تطلب المحال منا ولم تأمرنا بالمحال؟ ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم والخبر يمنع وسادسها : قوله تعالى : (1/313)
{ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } [ الأنفال : 40 ] ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى ، بل كان بئس المولى ومعلوم أن ذلك كفر ، قالوا : فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع البتة ، فوجب القطع بأن علم الله تعالى بعدم الإيمان وخبره عن عدمه لا يكون مانعاً عن الإيمان . المقام الثاني : قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه : أحدها : أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء؛ لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع ، والذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع ، والواجب لا قدرة له عليه؛ لأنه إذا كان واجب الوقوع ، لا بالقدرة فسواء حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع ، والذي يكون كذلك لم يكن للقدرة فيه أثر ، وأما الممتنع فلا قدرة عليه ، فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادراً على شيء أصلاً ، وذلك كفر بالاتفاق فثبت أن العلم بعدم الشيء لا يمنع من إمكان وجوده . وثانيها : أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه ، فإن كان ممكناً علمه ممكناً وإن كان واجباً علمه واجباً ، ولا شك أن الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود ، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم ، وقد بينا أنه محال . وثالثها : لو كان الخبر والعلم مانعاً لما كان العبد قادراً على شيء أصلاً؛ لأن الذي علم الله تعالى وقوعه كان واجب الوقوع ، والواجب لا قدرة عليه؛ والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع ، والممتنع لا قدره عليه ، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على شيء أصلاً ، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات ، والحركات الاضطرارية للحيوانات ، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك ، فإن رمى إنسان إنساناً بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي ولا نذم الآجرة ، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه ، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار : ولذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء ، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ويقولون لم فعلت ولم تركت؟ فدل على أن العلم والخبر غير مانع من الفعل والترك . ورابعها : لو كان العلم بالعدم مانعاً للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه ، وكما أنه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم ، بأن يعدموا علمه؛ لأن إعدم ذات الله وصفاته غير معقول ، والأمر به سفه وعبث ، فدل على أن العلم بالعدم لا يكون مانعاً من الوجود . (1/314)
وخامسها : أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات الجائزات نظراً إلى ذاته وعينه ، فوجب أن يعلمه الله تعالى من الممكنات الجائزات ، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلاً ، وهو محال ، وإذا علمه الله تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها وعدمها البتة ، فلو صار بسبب العلم واجباً لزم أن يجتمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات ، وكونه ليس من الممكنات وذلك محال . وسادسها : أن الأمر بالمحال سفه وعبث ، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضاً بكل أنواع السفه ، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين ولا إنزال الأكاذيب والأباطيل ، وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء ولا بصحة القرآن ، بل يجوز أن يكون كله كذباً وسفهًا ، ولما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان والخبر عن عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان . وسابعها : أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف . والمزمن بالطيران في الهواء ، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه وألقي من شاهق جبل : لم لا تطير إلى فوق؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز الأمر بالمحال ، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود ، وثامنها : لو جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات وإنزال الكتب عليها ، وإنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالاً بعد حال ، ومعلوم أن ذلك سخرية وتلاعب بالدين . وتاسعها : أن العلم بوجود الشيء لو اقتضى وجوبه لأغنى العلم عن القدرة والإرادة ، فوجب أن لا يكون الله تعالى قادراً مريداً مختاراً ، وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب . وعاشرها : الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد ، قال الله تعالى : { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] وقال : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] وقال : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [ الأعراف : 157 ] وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال المقام الثالث الجواب على سبيل التفصيل ، للمعتزلة فيه طريقان : الأول : طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار ، فإنا لما قلنا : لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه جهلاً قالوا خطأ : قول من يقول : إنه ينقلب علمه جهلاً ، وخطأ أيضاً قول من يقول : إنه لا ينقلب ، ولكن يجب الإمساك عن القولين : والثاني : طريقة الكعبي واختيار أبي الحسين البصري : أن العلم تبع المعلوم ، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل لله تعالى هو العلم بالإيمان ، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلاً عن الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان ، فهذا فرض علم بدلاً عن علم أخر ، لا أنه تغير العلم . (1/315)
فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة . واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة : فمنها أن منكري التكاليف والنبوات قالوا : قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قوياً قاطعاً ، وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت العاقل إليهما ، وسمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف ويقبح ، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جداً فصار مجموع الكلامين كلاماً قوياً في نفي التكاليف ، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات . ومنها أن الطاعنين في القرآن قالوا : الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة على أنه لا منع من الإيمان ومن الطاعة فقد صدقوا فيه ، والذي قاله الجبرية : من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه ، فدل على أن القرآن ورد على ضد العقل وعلى خلافه ، وذلك من أعظم المطاعن وأقوى القوادح فيه ، ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم توسل به إلى الطعن فيه ، وقال قوم من الرافضة : إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غير وبدل . والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر . ومنها أن المقلدة الطاعنين في النظر والاستدلال احتجوا بهذه المناظرة وقالوا : لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف والنبوة بسبب هذه المناظرة ، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات الجبر ، وكلام أهل القدر في بيان أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في نهاية القوة ، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح والتكليف والنبوة ، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر والضلال ، وعند هذا قيل من تعمق في الكلام تزندق . ومنها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وجوز البداء على الله تعالى وقال : إن قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } إنما وقع على سبيل الاستدلال بالأمارة ، ويجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره ، وإنما قال بهذا المذهب فراراً من تلك الإشكالات المتقدمة . واعلم أن جملة الوجوه التي رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب . بل هي جارية مجرى التشنيعات . فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية الضعف . أما قول أبي علي وأبي هشام والقاضي : خطأ قول من يقول إنه يدل ، وخطأ قول من يقول : إنه لا يدل : إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين كان ذلك حكماً بفساد النفي والإثبات وذلك لا يرتضيه العقل وإن كان معناه أن أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفى في دفعه تقرير وجه الاستدلال ، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم ، فلو حصل الوجود معه لكان قد اجتمع العدم والوجود معاً ولا يتمكن العقل من تقرير كلام أوضح من هذا وأقل مقدمات فيه . (1/316)
وأما قول الكعبي ففي نهاية الضعف ، لأنا وإن كنا لا ندري أن الله تعالى كان في الأزل عالماً بوجود الإيمان أو بعدمه لكنا نعلم أن العلم بأحد هذين الأمرين كان حاصلاً ، وهو الآن أيضاً حاضر ، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين ، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافاً بانقلاب العلم جهلاً ، وهذا آخر الكلام في هذا البحث . واعلم أن الكلام المعنوي هو الذي تقدم ، وبقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية ولا بدّ من ذكرها وهي خمسة : أحدها : روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال : كنت جالساً عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال : يا أبا عثمان سمعت والله اليوم بالكفر ، فقال : لا تعجل بالكفر ، وما سمعت؟ قال : سمعت هاشماً الأوقص يقول : إن { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } [ المسد : 1 ] وقوله : { ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } [ المدثر : 11 ] إلى قوله : { سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } [ المدثر : 26 ] إن هذا ليس في أم الكتاب والله تعالى يقول : { حم والكتاب المبين } ( الزخرف 1 ، 2 ) إلى قوله : { وَإِنَّهُ فِى أُمّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } [ الزخرف : 4 ] فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان ، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل عليّ فقال والله لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم ، ولا على الوليد من لوم ، فلما سمع الرجل ذلك قال أتقول يا أبا عثمان ذلك ، هذا والله الذي قال معاذ فدخل بالإسلام وخرج بالكفر . وحكي أيضاً أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد وقرأ عنده : { بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } [ البروج : 22 ] فقال له أخبرني عن { تبت } أكانت في اللوح المحفوظ؟ فقال عمرو : ليس هكذا كانت ، بل كانت : تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل ، هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة : فغضب عمرو وقال : إن علم الله ليس بشيطان ، إن علم الله لا يضر ولا ينفع . وهذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة القرآن . وثانيها : روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر ، أن رجلاً قام إليه فقال : يا أبا عبد الرحمن إن أقواماً يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ويقولون كان ذلك في علم الله فلم نجد منه بداً ، فغضب ثم قال سبحان الله العظيم ، قد كان في علمه أنهم يفعلونها فلم يحملهم على الله على فعلها . حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول : (1/317)
" مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم ، والأرض التي أقلتكم ، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله تعالى ، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم الله تعالى عليها " . واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة ، والغرض من رواية هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك ، وذلك لأنه متناقض وفاسد ، أما المتناقض فلأن قوله : «وكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله» صريح في الجبر وما قبله صريح في القدر فهو متناقض ، وأما أنه فاسد ، فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان ، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، أما السماء والأرض فإنهما لا ينافيان شيئاً من الأعمال ، فظهر أن تشبيه إحدى الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل ، وجل منصب الرسالة عنه . وثالثها : الحديثان المشهوران في هذا الباب : أما الحديث الأول : فهو ما روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله إليه ملكاً فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات ، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد أنه قال : لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته ، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته ، ولو سمعت الله عزّ وجلّ يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقنا . وأما الحديث الثاني : فهو مناظرة آدم وموسى عليهما السلام ، فإن موسى قال لآدم : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم : أنت الذي اصطفاك الله لرسالاته ولكلامه وأنزل عليك التوراة فهل تجد الله قدره علي؟ قال نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى ، والمعتزلة طعنوا فيه من وجوه : أحدها : أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آذم على الصغيرة وذلك يقتضي الجهل في حق موسى عليه السلام ، وأنه غير جائز . وثانيها : أن الولد كيف يشافه والده بالقول الغليظ . وثالثها : أنه قال : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، وقد علم موسى أن شقاء الخلق وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم ، بل الله أخرجه منها ، ورابعها : أن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة إذ لو كان حجة لكان لفرعون وهامان وسائر الكفار أن يحتجوا بها ، ولما بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجة . وخامسها : أن الرسول عليه السلام صوب آدم في ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب . إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه . أحدها : أنه عليه السلام حكى ذلك عن اليهود لا أنه حكاه عن الله تعالى أو عن نفسه ، والرسول عليه السلام كان قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام ، فظن أنه عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود . وثانيها : أنه قال : فحج آدم منصوباً أي أن موسى عليه السلام غلبه وجعله محجوباً وأن الذي أتى به آدم ليس بحجة ولا بعذر . وثالثها : وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية ، ولا الاعتذار منه بعلم الله بل موسى عليه السلام سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة ، فقال آدم : إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة ، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب عليّ أن أخرج من الجنة إلى الأرض وأكون خليفة فيها ، وهذا المعنى كان مكتوباً في التوراة ، فلا جرم كانت حجة آدم قوية وصار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب واعلم أن الكلام في هذه المسألة طويل جداً والقرآن مملوء منه وسنستقصي القول فيها في هذا التفسير إن قدر الله تعالى ذلك؛ وفيما ذكرنا ههنا كفاية . (1/318)
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا ، وهو الختم ، والكلام ههنا يقع في مسائل : (1/319)
المسألة الأولى : الختم والكتم أخوان؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية ، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه ، والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه ، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة .
المسألة الثانية : اختلف الناس في هذا الختم ، أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر ، ثم لهم قولان ، منهم من قال : الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار ، ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر ، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادراً على تركه أو لا يكون ، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر ، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر ، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء ، فإما أن يكون صيرورتها مصدراً للفعل بدلاً عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أولا يتوقف ، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح ، وتجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر ، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال ، وأما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أولا من فعل الله ولا من فعل العبد ، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل ، ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد؛ لأنه يلزم حدوث شيء لا لمؤثر ، وذلك يبطل القول بالصانع . فثبت أن كون قدرة العبد مصدراً للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل الله تعالى . فنقول : إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجباً أو جائزاً أو ممتنعاً ، والثاني والثالث ، باطل فتعين الأول ، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزاً لأنه لو كان جائزاً لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر ، وأخرى منفكاً عنه ، فلنفرض وقوع ذلك؛ لأن كل ما كان جائزاً لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر ، وأخرى لا يترتب عليه الأثر ، فاختصاص أحد الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على انضمام قرينة إليه ، أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة ، لا ذلك المجموع ، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا ، وأيضاً فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني ، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يتوقف فحينئذٍ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدراً للأثر ، وأخرى بحيث لا يكون مصدراً له مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما ألبتة ، فيكون هذا قولاً بترجح الممكن لا عن مرجح وهو محال . فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً ، وأما أنه لا يكون ممتنعاً فظاهر ، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحاً للعدم وهو محال ، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة ، ومن ذلك المرجح ، وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازماً : لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعاً وبعد حصوله يكون واجباً ، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختماً على القلب ومنعاً له عن قبول الإيمان؛ فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له ، لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول ، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة ، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى . وأما المعتزلة فقد قالوا : إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى وزادوا ههنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان وغطاء يمنعهم عن الإيمان
{ وَقالوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 155 ] وقال : { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [ فصلت : 4 ، 5 ] وهذا كله عيب وذم من الله تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا : بل لا بدّ من حمل الختم والغشاوة على أمور أخر ثم ذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالألف والطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئاً وكأن بآذانهم وقراً حتى لا يخلص إليها الذكر ، وإنما أضيف ذلك إلى الله تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي؛ ولهذا قال تعالى : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ } [ النساء : 155 ] { كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ المطففين : 14 ] { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } [ التوبة : 77 ] وثانيها : أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب . (1/320)
وثالثها : أنهم لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى الذكر وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله تعالى؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة : { زَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] أي ازدادوا بها كفراً إلى كفرهم . ورابعها : أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعاراً بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي . وخامسها : أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً به من قولهم : { قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } [ فصلت : 5 ] ونظيره في الحكاية والتهكم قوله : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } [ البينة : 1 ] . وسادسها : الختم على قلوب الكفار من الله تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه أريد أن تختم على ما يقوله فلان ، أي تصدقه وتشهد بأنه حق ، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون ، وأخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك وحفظه عليهم . وسابعها : قال بعضهم : هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقاباً لهم في العاجل ، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } [ البقرة : 65 ] وقال : { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الأرض فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } [ المائدة : 26 ] ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم الله تعالى فيها من العبرة لعبادة والصلاح لهم ، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع ، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعاً يمنعهم عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين . وثامنها : يجوز أن يجعل الله على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلاً بينهم وبين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذى في عينيه والطنين في أذنه ، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب والغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه ، وهذا كله مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد . (1/321)
وتاسعها : يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال : { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا } [ الإسراء : 97 ] وقال : { وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً } [ طه : 102 ] وقال : { اليوم نَخْتِمُ على أفواههم } [ ياس : 65 ] وقال : { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } [ االأنبياء : 100 ] . وعاشرها : ما حكوه عن الحسن البصري وهو اختيار أبي على الجبائي والقاضي أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار ، وعلى أنهم لا يؤمنون أبداً فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال : { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } [ المجادلة : 22 ] وحينئذٍ الملائكة يحبونه ويستغفرون له ، ويكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ويلعنونه ، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة؛ لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كافراً ملعوناً عند الله تعالى صار ذلك منفراً لهم عن الكفر أو إلى المكلف ، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السموات صار ذلك مرغباً له في الإيمان وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجراً له عن الكفر . قالوا : والختم بهذا المعنى لا يمنع ، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه ، ولأن الختم هو بمنزلة أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر ، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر . قالوا : وإنما خص القلب والسمع بذلك؛ لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع ، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب ، ولهذا خصهما بالذكر . فإن قيل : فيتحملون الغشاوة في البصر أيضاً على معنى العلامة؟ قلنا لا ، لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة والعلامة ، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك ، ولا مانع منه فوجب إثباته . أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك فلا بدّ من حمله على المجاز ، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية . فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع . (1/322)
المسألة الثالثة : الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي : الطبع ، والكنان ، والرين على القلب ، والوقر في الآذان ، والغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول : وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال :
{ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ } [ المطففين : 14 ] { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً } [ الأنعام : 25 ] { وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } [ التوبة : 87 ] { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } [ النساء : 155 ] { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون } [ فصلت : 4 ] { لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً } [ ياس : 70 ] { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء } [ النمل : 80 ] { أموات غَيْرُ أَحْيَاء } [ النحل : 21 ] { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } [ البقرة : 10 ] والقسم الثاني : وردت دلالة على أنه لا مانع البتة { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } [ الأسراء : 94 ] { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر } [ االكهف : 29 ] { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة : 286 ] { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78 ] { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } [ البقرة : 28 ] { لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } [ آل عمران : 71 ] والقرآن مملوء من هذين القسمين ، وصار كل قسم منهما متمسكاً لطائفة ، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض . أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها ، وبالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعباً وأشدها شغباً ، ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا ، لأنهم نزهوه ، فسئل عن أهل السنّة فقال لا ، لأنهم عظموه ، والمعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه ، إلا أن أهل السنّة وقع نظرهم على العظمة فقالوا : ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه ، والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح ، وأقول : ههنا سر آخر ، وهو أن إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر ، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح ، وهو نفي الصانع ، ولو توقفت لزم الجبر . وإثبات الرسول يلجىء إلى القول بالقدرة . بل ههنا سر آخر هو فوق الكل ، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح ، وهذا يقتضي الجبر ، ونجد أيضاً تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزماً بديهياً بحسن المدح وقبح الذم والأمر والنهي ، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة ، فكأن / هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية ، وبحسب العلوم النظرية ، وبحسب تعظيم الله تعالى نظراً إلى قدرته وحكمته ، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل السمعية ، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة وغمضت وعظمت ، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين . (1/323)
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم ، وفي حكم التغشية ، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم ، لقوله تعالى : { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } [ الجاثية : 23 ] ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم .
المسألةالخامسة : الفائدة في تكرير الجار في قوله : { وعلى سَمْعِهِمْ } أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين .
المسألة السادسة : إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه : أحدها : أنه وحد السمع ، لأن لكل واحد منهم سمعاً واحداً ، كما يقال : أتاني برأس الكبشين ، يعني رأس كل واحد منهما ، كما وحد البطن في قوله : «كلوا في بعض بطنكمو تعيشوا» يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس ، فإذا لم يؤمن كقولك . فرشهم وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه . الثاني : أن السمع مصدر في أصله ، والمصادر لا تجمع يقال : رجلان صوم ، ورجال صوم ، فروعي الأصل ، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله : { وَفِى ءاذانِنَا وَقْر } [ فصلت : 5 ] الثالث : أن نقدر مضافاً محذوفاً أي وعلى حواس سمعهم . الرابع قال سيبويه : إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع ، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً ، قال تعالى : { يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة : 257 ] { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال } [ المعارج : 37 ] قال الراعي : (1/324)
بها جيف الحيدى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
وإنما أراد جلودها ، وقرأ ابن أبي عبلة ( وعلى أسماعهم ) .
المسألة السابعة : من الناس من قال : السمع أفضل من البصر ، لأن الله تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ، والتقديم دليل على التفضيل ، ولأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر ، ولذلك ما بعث الله رسولاً أصم ، وقد كان فيهم من كان مبتلى بالعمى ، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض ، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف ، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات ، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر ، ولأن السمع متى بطل بطل النطق ، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق . ومنهم من قدم البصر ، لأن آلة القوة الباصرة أشرف ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق القوة السامعة الريح .
المسألة الثامنة : قوله : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } يدل على أن محل العلم هو القلب . واستقصينا بيانه في قوله : { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ } [ الشعراء : 193 ] في سورة الشعراء .
المسألة التاسعة : قال صاحب الكشاف : البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما يستبصر به ويتأمل ، فكأنهما جوهران لطيفان خلق الله تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار ، أقول : إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام : وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثاً غامضة لا تليق بهذا الموضع .
المسألة العاشرة : قرىء { غشاوة } بالكسر والنصب ، وغشاوة بالضم والرفع ، وغشاوة بالفتح والنصب ، وغشوة بالكسر والرفع ، وغشوة بالفتح والرفع والنصب ، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا ، والغشاوة هي الغطاء ، ومنه الغاشية ، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع .
المسألة الحادية عشرة : العذاب مثل النكال بناء ومعنى ، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ، كما تقول نكل عنه ، ومنه العذب ، لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده ، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً ، لأنه ينقخ العطش أي يكسره ، وفراتاً لأنه برفته عن القلب ، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة ، والفرق بين العظيم والكبير : أن العظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، فكأن العظيم فوق الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير ، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً ، تقول : رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى .
المسألة الثانية عشرة : اتفق المسلمون على أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار ، وقال بعضهم لا يحسن وفسروا قوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } بأنهم يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو ، ولنذكر ههنا دلائل الفريقين ، أما الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور . أحدها : أن ذلك التعذيب ضرر خالٍ عن جهات المنفعة ، فوجب أن يكون قبيحاً ، أما أنه ضرر فلا شك ، وأما أنه خالٍ عن جهات المنفعة ، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى ، أو إلى غيره ، والأول باطل ، لأنه سبحانه متعالٍ عن النفع والضرر بخلاف الواحد منا في الشاهد ، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه ، لأنه يستلذ بذلك التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام ولأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك عما يضره . والثاني : أيضاً باطل ، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال ، لأن الإضرار لا يكون عين الانتفاع وأما إلى غيره فمحال ، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع ، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو باطل وأيضاً فلا منفعة يريد الله تعالى إيصالها إلى أحد إلا وهو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير ، فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة . فثبت أن التعذيب ضرر خالٍ عن جميع جهات المنفعة وأنه معلوم القبح ببديهة العقل ، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي لا يكون ضاراً ، والجهل الذي لا يكون ضاراً ، بل من قبح الكذب الضار والجهل الضار ، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر وقبح ما يكون وسيلة إلى الضرر ، دون قبح نفس الضرر ، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من الله تعالى ، لأنه حكيم والحكيم لا يفعل القبيح ، وثانيها : أنه تعالى كان عالماً بأن الكافر لا يؤمن على ما قال : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } (1/325)
[ البقرة : 6 ] إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر منه إلا العصيان ، فلو كان ذلك العصيان سبباً للعقاب لكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العقاب ، إما لأنه تمام العلة ، أو لأنه شطر العلة ، وعلى الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبة لا محالة العقاب ، وماكان مستعقباً للضرر الخالي عن النفع كان قبيحاً ، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً ، والقبيح لا يفعله الحكيم ، فلم يبق ها هنا إلا أحد أمرين ، إما أن يقال لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب ، وكيف كان فالمقصود حاصل وثالثها : أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع ، أو للإضرار ، أولا للإنفاع ولا للإضرار ، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك ، ولما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم كان التكليف فعلاً يؤدي بهم إلى العقاب ، فإذا كان قاصداً لإنفاعهم وجب أن لا يكلفهم ، وحيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سبباً لاستحقاق العذاب ، ولا جائز أن يقال . خلقهم لا للإنفاع ولا للإضرار ، لأن الترك على العدم يكفي في ذلك ، ولأنه على هذا التقدير يكون عبثاً ، ولا جائز أن يقال : خلقهم للإضرار ، لأن مثل هذا لا يكون رحيماً كريماً ، وقد تطابقت العقول والشرائع على كونه رحيماً كريماً ، وعلى أنه نعم المولى ونعم النصير ، وكل ذلك يدل على عدم العقاب . ورابعها : أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي ، فيكون هو الملجىء إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها ، إنما قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي ، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها ، وبينا أن ذلك يوجب الجبر ، وتعذيب المجبور قبيح في العقول ، وربما قرروا هذا من وجه آخر فقالوا : إذا كانت الأوامر والنواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس فقبلها أحدهما وخالفها الآخر فأثيب أحدهما وعوقب الآخر ، فإذا قيل لم قيل هذا وخالف الآخر؟ فيقال لأن القابل أحب الثواب وحذر العقاب فأطاع ، والآخر لم يحب ولم يحذر فعصى ، أو أن هذا أصغى إليّ من وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع ، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصى ، فيقال : ولم أصغى هذا وفهم ولم يصغ ذلك ولم يفهم؟ فنقول : لأن هذا لبيب حازم فطن ، وذلك أخرق جاهل غبي فيقال ولم اختص هذا بالحزم والفطنة دون ذاك ، ولا شك أن الفطنة والبلادة من الأحوال الغريزية . فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما في نفسه بنفسه؟ فإذا تناهت التعليلات إلى أمور خلقها الله تعالى اضطراراً علمنا أن كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع أحدهما وعصى الآخر في كل حال أعني في العقل والجهل ، والفطانة والغباوة ، والحزم والخرق ، والمعلمين والباعثين والزاجرين ، ولا يمكنك أن تقول إنهما لو استويا في ذلك كله لما استويا في الطاعة والمعصية ، فإذن سبب الطاعة والمعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق الله تعالى وقضائه ، وعند هذا يقال : أين من العدل والرحمة والكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه الله عليه من الفظاظة والجسارة ، والغباوة والقساوة ، والطيش والخرق ، ثم يعاقبه عليه ، وهلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيباً حازماً عارفاً عالماً ، وأين من العدل أن يسخن قلبه ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما رزق غيره من مؤدب أديب ومعلم عالم وواعظ مبلغ ، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم وأخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم ، والعاقل العالم ، البارد الرأس ، المعتدل مزاج القلب ، اللطيف الروح الذي رزقه مربياً شفيقاً ، ومعلماً كاملاً؟ ما هذا من العدل والرحمة والكرم والرأفة في شيء فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول . (1/326)
وخامسها : أنه تعالى إنما كلفنا النفع لعوده إلينا ، لأنه قال : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا تلك المنافع ، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً ويقول له إني أعذبك العذاب الشديد ، لأنك فوت على نفسك بعض المنافع ، فإنه يقال له إن تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر فهب أني فوت على نفسي أدون المطلوبين أفتفوت عليّ لأجل ذلك أعظمها وهل يحسن من السيد أن يأخذ عبده ويقول إنك قدرت على أن تكتسب ديناراً لنفسك ولتنتفع به خاصة من غير أن يكون لي فيه غرض ألبتة ، فلما لم تكتسب ذلك الدينار ولم تنتفع به آخذك وأقطع أعضاءك إرباً إرباً ، لا شك أن هذا نهاية السفاهة ، فكيف يليق بأحكم الحاكمين ثم قالوا هب أن سلمنا هذا العقاب فمن أين القول بالدوام؟ وذلك لأن أقسى الناس قلباً وأشدهم غلظة وفظاظة وبعداً عن الخير إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه وعذبه يوماً أو شهراً أو سنة فإنه يشبع منه ويمل ، فلو بقي مواظباً عليه لامه كل أحد ، ويقال هب أنه بالغ هذا في أضرارك ، ولكن إلى متى هذا التعذيب ، فإما أن تقتله وتريحه ، وإما أن تخلصه ، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام الذي يقال وسادسها : أنه سبحانه نهى عباده عن استيفاء الزيادة ، فقال : { فَلاَ يُسْرِف فّى القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [ الإسرءا : 33 ] وقال : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] ثم إن العبد هب أنه عصى الله تعالى طول عمره فأين عمره من الأبد؟ فيكون العقاب المؤبد ظلماً . وسابعها : أن العبد لو واظب على الكفر طول عمره ، فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه وأجاب دعاءه وقبل توبته ، ألا ترى أن هذا الكريم العظيم ما بقي في الآخرة ، أو عقول أولئك المعذبين ما بقيت فلم لا يتوبون عن معاصيهم؟ وإذا تابوا فلم لا يقبل الله تعالى منهم توبتهم ، ولم لا يسمع نداءهم ، ولم يخيب رجاءهم؟ ولم كان في الدنيا في الرحمة والكرم إلى حيث قال : (1/327)
{ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } [ النمل : 62 ] وفي الآخرة صار بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد فإنه لا يخاطبهم إلا بقوله : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون : 108 ] قالوا : فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب . ثم قال من آمن من هؤلاء بالقرآن : العذر عما ورد في القرآن من أنواع العذاب من وجوه : أحدها : أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ، والدلائل العقلية تفيد اليقين ، والمظنون لا يعارض المقطوع . وإنما قلنا : إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين ، لأن الدلائل اللفظية مبنية على أصول كلها ظنية والمبني على الظني ظني ، وإنما قلنا إنها مبنية على أصول ظنية ، لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف ، ورواة هذه الأشياء لا يعلم بلوغهم إلى حد التواتر ، فكانت روايتهم مظنونة ، وأيضاً فهي مبنية على عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار بالزيادة والنقصان وعدم التقديم والتأخير ، وكل ذلك أمور ظنية ، وأيضاً فهي مبنية على عدم المعارض العقلي ، فإنه بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معاً ، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل النقل ، والطعن في العقل يوجب الطعن في العقل والنقل معاً ، لكن عدم المعارض العقلي مظنون ، هذا إذا لم يوجد فكيف وقد وجدنا ههنا دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر ، فثبت أن دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية ، وأما أن الظني لا يعارض اليقيني فلا شك فيه . وثانيها : وهو أن التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس ، قال الشاعر : (1/328)
وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه يعد لؤما ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يصلح من الله تعالى ، وهذا بناءً على حرف وهو أهل السنّة جوزوا نسخ الفعل قبل مدة الامتثال وحاصل حروفهم فيه أن الأمر يسن تارة لحكمة تنشأ من نفس المأمور به ، وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر ، فإن السيد قد يقول لعبده إفعل الفعل الفلاني غداً وإن كان يعلم في الحال أنه سينهاه عنه غداً ، ويكون مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر العبد الانقياد لسيده في ذلك ويوطن نفسه على طاعته ، فكذلك إذا علم الله من العبد أنه سيموت غداً فإنه يحسن عند أهل السنّة أن يقول : صلِ غداً إن عشت ، ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل المأمور به ، لأنه ههنا محال بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط ، وهو حصول الانقياد والطاعة وترك التمرد . إذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال الخبر أيضاً كذلك؟ فتارة يكون منشأ الحكمة من الأخبار هو الشيء المخبر عنه وذلك في الوعد ، وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر لا المخبر عنه كما في الوعيد ، فإن الأخبار على سبيل الوعيد مما يفيد الزجر عن المعاصي والإقدام على الطاعات ، فإذا حصل هذا المقصود جاز أن لا يوجد المخبر عنه كما في الوعيد ، وعند هذا قالوا إن وعد الله بالثواب حق لازم؛ وأما توعده بالعقاب فغير لازم ، وإنما قصد به صلاح المكلفين مع رحمته الشاملة لهم ، كالوالد يهدد ولده بالقتل والسمل والقطع والضرب ، فإن قبل الولد أمره فقد انتفع وإن لم يفعل فما في قلب الوالد من الشفقة يرده عن قتله وعقوبته ، فإن قيل فعلى جميع التقادير يكون ذلك كذباً والكذب قبيح قلنا لا نسلم أن كل كذب قبيح بل القبيح هو الكذب الضار ، فأما الكذب النافع فلا ، ثم إن سلمنا ذلك ، لكن لا نسلم أنه كذب ، أليس أن جميع عمومات القرآن مخصوصة ولا يسمى ذلك كذباً ، أليس أن كل المتشابهات مصروفة عن ظواهرها ، ولا يسمى ذلك كذباً فكذا ههنا . وثالثها : أليس أن آيات الوعيد في حق العصاة مشروطة بعدم التوبة وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً في صريح النص ، فهي أيضاً عندنا مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكوراً بصريح النص صريحاً ، أو نقول : معناه أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب فيحمل الإخبار عن الوقوع على الأخبار عن استحقاق الوقوع فهذا جملة ما يقال في تقرير هذا المذهب . وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب ، فقالوا إنه نقل إلينا على سبيل التواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع العذاب فإنكاره يكون تكذيباً للرسول وأما الشبه التي تمسكتم بها في نفي العقاب فهي مبنية على الحسن والقبح وذلك مما لا نقول به والله أعلم .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا : وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم ، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد ، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك ، وفيه مسائل : (1/329)
المسألة الأولى : أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول : أحوال القلب أربعة ، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن كل ذلك . فهذه أقسام أربعة ، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار؛ والإنكار ، والسكوت . فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسماً . النوع الأول : ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت . القسم الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختيارياً فصاحبه مؤمن حقاً بالإتفاق ، وإن كان اضطرارياً وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر ، بل أنكر ، فهذا يجب أن يعد منافقاً؛ لأنه بقلبه منكر مكذب ، فإذا كان باللسان مقراً مصدقاً وجب أن يعد منافقاً لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار . القسم الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطرارياً كان صاحبه مسلماً ، لقوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } [ النحل : 106 ] وإن كان اختيارياً كان كافراً معانداً . القسم الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خالياً عن الإقرار والإنكار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطرارياً أو اختيارياً ، فإن كان اضطرارياً فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقاً أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعاً ، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذوراً فيه ، وأما إن كان اختيارياً فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فهذا محل البحث ، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمناً لقوله عليه السلام : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار . النوع الثاني : أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي ، فإما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار ، ثم ذلك الإقرار إن كان اختيارياً فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا؟ وإن كان اضطرارياً فهذا يفرع على الصورة الأولى ، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر ، فها هنا لا كلام ، وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق ، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفاً لكان هذا الشخص منافقاً ، فبأن يكون منافقاً عند التقليد كان أولى . القسم الثاني : الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني ، ثم هذا الإنكار إن كان اختيارياً فلا شك في الكفر ، وإن كان اضطرارياً وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة . القسم الثالث : الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطرارياً كان أو اختيارياً ، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد . النوع الثالث : الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني ، أو الإنكار اللساني ، أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار اللساني ، فذلك الإقرار إن كان اضطرارياً فهو المنافق وإن كان اختيارياً فهو مثل أن يعتقد بناءً على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث ، وهذا غير مستبعد ، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد ، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان؟ فهذا القسم أيضاً من النفاق . القسم الثاني : أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق ، لأنه ما أظهر شيئاً بخلاف باطنه . القسم الثالث : أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئاً . النوع الرابع : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختيارياً أو اضطرارياً ، فإن كان اختيارياً ، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر ، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر ، أما إذا كان اضطرارياً لم يكفر صاحبه ، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً . القسم الثاني : القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث : القلب الخالي مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة ، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب ، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو ، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره ، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الآخر } المراد منه المنافقون والله أعلم .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح ، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان ، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان . وقال آخرون بل المنافق أيضاً كاذب باللسان ، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه ، ولذلك قال تعالى : (1/330)
{ قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 14 ] وقال : { والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } [ المنافقون : 1 ] ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة . أحدها : أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك . وثانيها : أن الكافر عى طبع الرجال ، والمنافق على طبع الخنوثة . وثالثها : أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق ، والمنافق رضي بذلك . ورابعها : أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي ، ولأجل غلظ كفره قال تعالى : { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء : 145 ] . وخامسها : قال مجاهد : إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات ، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية ، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرماً . وهذا بعيد ، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم ، فإن عظم فلغير ذلك ، وهو ضمهم إلى الكفر وجوهاً من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء ، وطلب الغوائل إلى غير ذلك ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار ، وذلك يدل على أنهم أعظم جرماً من الكفار . (1/331)
المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أمرين : الأول : أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمناً ، لقوله : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } وقالت الكرامية : إنه يكون مؤمناً الثاني : أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله ، ومن لم يكن به عارفاً لا يكون مكلفاً أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيماناً ، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لا بدّ وأن يكون مؤمناً وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذوراً لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان ، فبطل قول من قال من المتكلمين : إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذوراً .
المسألة الرابعة : ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوهاً : أحدها : يروى عن ابن عباس أنه قال : سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي ، وقال الشاعر . سميت إنساناً لأنك ناسي .
وقال أبو الفتح البستي :
يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس ... وأكثر الناس إفضالاً على الناس
نسيت عهدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أول الناس
وثانيها : سمي إنساناً لاستئناسه بمثله . وثالثها : قالوا : الإنسان إنما سمي إنساناً لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله :
{ آنس مِن جَانِبِ الطور نَاراً } [ القصص : 29 ] كما سمي الجن لاجتنانهم . واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقاً من شيء آخر وإلا لزم التسلسل ، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقاً من شيء آخر . (1/332)
المسألة الخامسة : قال ابن عباس : أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب ، منهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ، وجد ابن قيس ، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض .
المسألة السادسة : لفظة «من» لفظة صالحة للتثنية ، والجمع ، والواحد . أما في الواحد فقوله تعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } [ الأنعام : 25 ] وفي الجمع كقوله : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } [ يونس : 42 ] والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى ، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ . وعند الجمع يرجع إلى المعنى ، وحصل الأمران في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى : { يقُولُ } لفظ الواحد و { آمنا } لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة . السؤال الأول : المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر؟ والجواب : إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال ، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب وهم اليهود فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان ، لأنهم يعتقدونه جسماً ، وقالوا عزير بن الله ، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان ، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفاً لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل ، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم ، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه . السؤال الثاني : كيف طابق قوله : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } قولهم : { آمنا بالله } والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟ والجواب : أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية ، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته ، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تذكيبه ، يعني أنه ليس من هذا الجنس ، فكيف يظن به ذلك؟ فكذا ههنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيباً لهم أما لما قال : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } كان ذلك مبالغة في تكذيبهم ، ونظيره قوله : { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا } هو أبلغ من قولهم : وما يخرجون منها . السؤال الثالث : ما المراد باليوم الآخر؟ الجواب : يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم ، الذي لا ينقطع له أمد ، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة . وأهل النار النار؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة ، وما بعده فلا حد له .
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)
اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء : أحدها : ما ذكره في هذه الآية ، وهو أنهم { يخادعون الله والذين ءَامَنُوا } فيجب أن يعلم أولاً : ما المخادعة ، ثم ثانياً : ما المراد ، بمخادعة الله؟ وثالثاً : أنهم لماذا كانوا يخادعون الله؟ ورابعاً : أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم؟ . (1/333)
المسألة الأولى : اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة ، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل ، وأصل هذه اللفظة الإخفاء ، وسميت الخزانة المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان . وقالوا : خدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً ، وطريق خيدع وخداع ، إذا كان مخالفاً للمقصد بحيث لا يفطن له ، ومنه المخدع . وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه ، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة ، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة ، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة ، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده ، ومنه أخذ التدليس في الحديث ، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس .
المسألة الثانية : وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى؟ فلقائل أن يقول : إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين : الأول : أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع ، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعاً ، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم يصح أن يخادع . الثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى ، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لا بدّ من التأويل وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه . قال : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] وقال في عكسه { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } [ الأنفال : 41 ] أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى . الثاني : أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع ، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم .
المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه : الأول : أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا . الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم من الكفار . الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم ، فإن قيل : فالله تعالى كان قادراً على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم ، فلم لم يفعل ذلك هتكاً لسترهم؟ قلنا : إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو . فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح؟ قلنا قال صاحب «الكشاف» وجهه أن يقال : عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت ، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ، لزيادة قوة الداعي إليه ، ويعضده قراءة أبي حيوة «يخدعون الله» ثم قال : { يخادعون } بياناً ليقول ويجوز أن يكون مستأنفاً كأنه قيل ولِمَ يدَّعون الإيمان كاذبين . وما نفعهم فيه؟ فقيل { يخادعون } . (1/334)
المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر «وما يخادعون» والباقون «يخدعون» وحجة الأولين : مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقاً للفظ الأول ، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين ، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعاً لنفسه ، ثم ذكروا في قوله : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } وجهين : الأول : أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن . والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين ، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا ، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم ، وهو كقوله : { إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] وقوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } [ البقرة : 14 ، 15 ] { أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء } [ البقرة : 13 ] { وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً } [ النمل : 50 ] { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً } [ الطارق : 15 ، 16 ] { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ المائدة : 33 ] { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ الأحزاب : 57 ] وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث . أحدها : قرىء «وما يخادعون» من أخدع و «يخدعون» بفتح الياء بمعنى يختدعون «ويخدعون» و «يخادعون» على لفظ ما لم يسم فاعله . وثانيها : النفس ذات الشيء وحقيقته ، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى : { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } [ المائدة : 116 ] والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لا يعدوهم إلى غيرهم . وثالثها : أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس ، ومشاعر الإنسان حواسه ، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس ، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس .
أما قوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة ، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته ، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعاً من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضاً للقلب . فإن قيل : الزيادة من جنس المزيد عليه ، فلو كان المراد من المرض ههنا الكفر والجهل لكان قوله : { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } محمولاً على الكفر والجهل ، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلاً للكفر والجهل . قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه فعل الكفر والجهل لوجوه : أحدها : أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن ، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إذا فعل الله الكفر فينا ، فكيف تأمرنا بالإيمان؟ وثانيها : أنه تعالى لو كان فاعلاً للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب ، فكان لا يبقى كون القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره . وثالثها : أنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم . ورابعها : قوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم ، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم؟ وخامسها : أنه تعالى أضافه إليهم بقوله : { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض ، وأنهم هم السفهاء ، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إذا ثبت هذا فنقول : لا بدّ من التأويل وهو من وجوه : الأول : يحمل المرض على الغم ، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا ، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا ثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً . وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم ، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن أبي بن سلول على حمار ، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه ، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول الله ، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا : فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف الله تعالى ذلك فقال : { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } أي زادهم الله غماً على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه . الثاني : أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف ، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة : { فَزَادَهُمُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 125 ] والسورة لم تفعل ذلك ، ولكنهم لما ازدادوا رجساً عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك ، وكقوله تعالى حكاية عن نوح { إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } [ نوح : 5 ، 6 ] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا ، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده ، وقال : (1/335)
{ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي وَلاَ تَفْتِنّى } [ التوبة : 49 ] والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه ، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } [ المادة : 64 ] وقال : { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } [ فاطر : 42 ] وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده : ما زادتك موعظتي إلا شراً ، ومازادتك إلا فساداً فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفراً لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله . الثالث : المراد من قوله : { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } المنع من زيادة الألطاف ، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلاً لهم وهو كقوله : { قاتلهم الله أنى يُؤْفَكُونَ } [ المنافقون : 4 ] الرابع : أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض ، فيقولون : جارية مريضة الطرف . قال جرير : (1/336)
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
فكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية ، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة ، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار ، فقال تعالى : { فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف ، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله : { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين } [ الحشر : 2 ] الخامس : أن يحمل المرض على ألم القلب ، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه ، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سبباً لغير مزاج القلب وتألمه ، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته ، فكان أولى من سائر الوجوه . أما قوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال صاحب «الكشاف» : ألم فهو أليم ، كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به فهو نحو قوله : تحية بينهم ضرب وجيع . وهذا على طريقة قولهم : جد جده ، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد ، أما قوله : { بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } ففيه أبحاث . أحدها : أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذباً إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفاً للخبر ، وهكذا الآية حجة عليه . وثانيها : أن قوله : { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم ، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً فأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض ، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به . وثالثها : في هذه الآية قراءتان . إحداهما : { يَكْذِبُونَ } والمراد بكذبهم قوله : { بالله وباليوم الآخر } . والثانية : «يكذبون» من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب ، كما بولغ في صدق فقيل صدق .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين ، والكلام فيه من وجوه : أحدها : أن يقال : من القائل { لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض } ؟ وثانيها : ما الفساد في الأرض؟ وثالثها : من القائل : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } ؟ ورابعها : ما الصلاح؟ . (1/337)
أما المسألة الأولى : فمنهم من قال : ذلك القائل هو الله تعالى ، ومنهم من قال : هو الرسول عليه السلام ، ومنهم من قال بعض المؤمنين ، وكل ذلك محتمل ، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة ، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك ، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين ، وإما أن يقال : إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظاً لهم قائلاً لهم : { لاَ تُفْسِدُواْ } فإن قيل : أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك؟ قلنا : نعم ، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله : { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر } [ التوبة : 74 ] وقال : { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } [ التوبة : 96 ] .
المسألة الثانية : الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعاً به ، ونقيضه الصلاح فأما كونه فساداً في الأرض فإنه يفيد أمراً زائداً ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى ، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفساداً في الأرض ، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد ، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه ، فحقنت الدماء وسكنت الفتن ، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها ، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب ، ولذلك قال تعالى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض } [ محمد : 22 ] نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به ، وثانيها : أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم ، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم وضعف أنصاره ، فكان ذلك يجرىء الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة ، وفيه فساد عظيم في الأرض . وثالثها : قال الأصم : كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، وإلقاء الشبه .
المسألة الثالثة : الذين قالوا { إنما نحن مصلحون } هم المنافقون ، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضاً لما نهوا عنه ، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } كالمقابل له ، وعند ذلك يظهر احتمالان : أحدهما : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب ، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، لا جرم قالوا : إنما نحن مصلحون ، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد . وثانيهما : أنا إذا فسرنا { لاَ تُفْسِدُواْ } بمداراة المنافقين للكفار فقولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار ، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا :
{ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } [ النساء : 62 ] فقولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أي نحن نصلح أمور أنفسنا . (1/338)
واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه ، وتجويز خلافه لا يطعن فيه ، وتوبة الزنديق مقبولة والله أعلم . وأما قوله : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون } فخارج على وجوه ثلاثة : أحدها : أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض ، إذ فيه كفران نعمة الله ، وإقدام كل أحد على ما يهواه ، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثواباً ولا عقاباً تهارج الناس ، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد؛ ولهذا قال : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض } على ما تقدم تقريره .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين ، وذلك لأنه سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية بالإيمان ، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين : أولهما : ترك ما لا ينبغي وهو قوله : { ءامَنُواْ } وههنا مسائل : (1/339)
المسألة الأولى : قوله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ كما آمن الناس } أي إيماناً مقروناً بالإخلاص بعيداً عن النفاق ، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان ، فإنه لو لم يكن إيماناً لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص ، فكان قوله : { ءامَنُواْ } كافياً في تحصيل المطلوب ، وكان ذكر قوله : { كَمَا ءامَنَ الناس } لغواً ، والجواب : أن الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص ، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله : { كَمَا ءامَنَ الناس } .
المسألة الثانية : اللام في { الناس } فيها وجهان : أحدهما : أنها للعهد أي كما آمن رسول الله ومن معه ، وهم ناس معهودون ، أو عبد الله بن سلام وأشياعه . لأنهم من أبناء جنسهم والثاني : أنها للجنس ثم ها هنا أيضاً وجهان : أحدهما : أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين ، وهؤلاء المنافقون كانوا ، منهم وكانوا قليلين ، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر . والثاني : أن المؤمنين هم الناس في الحقيقة ، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي .
المسألة الثالثة : القائل : { ءامِنُواْ كما آمن الناس } إما الرسول ، أو المؤمنون ، ثم كان بعضهم يقول لبعض : أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان ، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء } .
المسألة الرابعة : السفه الخفة يقال : سفهت الريح الشيء إذا حركته ، قال ذو الرمة :
جرين كما اهتزت رياح تسفهت ... أعاليها مر الرياح الرواسم
وقال أبو تمام الطائي :
سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدا فضل السفيه على الحليم
أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه ، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه؛ لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى : { وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } [ النساء : 5 ] وقال عليه السلام : « شارب الخمر سفيه » لقلة عقله وإنما سمي المنافقون المسلمين بالسفهاء؛ لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة ، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء ، وكان عند المنافقين أن دين محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، والباطل لا يقبله إلا السفيه؛ فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى قلب عليهم هذا اللقب وقوله الحق لوجوه : أحدها : أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه . وثانيها : أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه . وثالثها : أن من عادى محمداً عليه الصلاة والسلام فقد عادى الله ، وذلك هو السفيه .
المسألة الخامسة : إنما قال في آخر هذه الآية : { لاَّ يَعْلَمُونَ } وفيما قبلها : { لاَّ يَشْعُرُونَ } لوجهين : الأول : أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري ، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس . الثاني : أنه ذكر السفه وهو جهل ، فكان ذكر العلم أحسن طباقاً له والله أعلم .
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة ، يقال : لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه ، وقرأ أبو حنيفة : «وإذا لاقوا» أما قوله : { قَالُواْ ءامَنَّا } فالمراد أخلصنا بالقلب ، والدليل عليه وجهان : الأول : أن الإقرار باللسان كان معلوماً منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه ، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب ، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك . الثاني : أن قولهم للمؤمنين «آمنا» يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم ، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب ، أما قوله : { وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } فقال صاحب «الكشاف» : يقال خلوت بفلان وإليه ، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى مضى ، ومنه القرون الخالية ، ومن «خلوت به» إذا سخرت منه ، من قولك : «خلا فلان بعرض فلان» أي : يعبث به ، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول : أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك . وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم ، أما قوله : { إِنَّا مَعَكُمْ } ففيه سؤالان : السؤال الأول : هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم . الجواب : في هذا خلاف ، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم؛ لئلا يتوهموا فيهم المباينة ، ومن يقول في الشياطين : المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين ، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم ، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين ، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض ، وأما أصاغرهم فلا . السؤال الثاني : لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية ، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة «بأن» الجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين ، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه ، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين ، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم ، فلا جرم كان التأكيد لائقاً به . أما قوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } ففيه سؤالان . السؤال الأول : ما الاستهزاء؟ الجواب : أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع ، وهزأ يهزأ مات على مكانه ، وناقته تهزأ به أي تسرع ، وحدُّه أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية ، فعلى هذا قولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم ، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم . السؤال الثاني : كيف تعلق قوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } بقوله : { إِنَّا مَعَكُمْ } الجواب : هو توكيد له؛ لأن قوله : { إِنَّا مَعَكُمْ } معناه الثبات على الكفر وقوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } رد للإسلام ، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته ، أو بدل منه ، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر ، أو استئناف ، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا : إنا معكم ، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام؟ فقالوا : إنما نحن مستهزئون . (1/340)
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء . أحدها : قوله : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } وفيه أسئلة . الأول : كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزىء وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على الله محال ، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله : { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة : 67 ] والجهل على الله محال والجواب : ذكروا في التأويل خمسة أوجه : أحدها : أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } [ البقرة : 194 ] { يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } [ آل عمران : 54 ] وقال عليه السلام : « اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، اللهم والعنه عدد ما هجاني » أي أجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام : « تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا » وثانيها : أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن الله استهزأ بهم . وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيراً بالسبب عن المسبب . ورابعها : إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمراً مع أن الحاصل منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . وخامسها : أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزىء في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة ، والكافرون النار فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى : (1/341)
{ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ } [ المطففين : 29 ] إلى قوله : { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُون } [ المطففين : 34 ] فهذا هو الاستهزاء بهم . السؤال الثاني : كيف ابتدأ قوله : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } ولم يعطف على الكلام الذي قبله؟ الجواب : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزىء بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضاً أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله . (1/342)
السؤال الثالث : هل قيل : إن الله مستهزىء بهم ليكون مطابقاً لقوله : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } الجواب . لأن «يستهزىء» يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتاً بعد وقت ، وهذا كانت نكايات الله فيهم : { أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] وأيضاً فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية { يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا قُلُوبِهِم في قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } [ التوبة : 64 ] الجواب الثاني : قوله تعالى : { وَيَمُدُّهُمْ فِى طغيانهم يَعْمَهُونَ } [ البقرة : 15 ] قال صاحب ( الكشاف ) إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره ، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد ، ومده الشيطان في الغي ، وأمده إذا واصله بالوسواس ، ومد وأمد بمعنى واحد . وقال بعضهم : مد يستعمل في الشر ، وأمد في الخير قال تعالى : { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } [ المؤمنين : 55 ] ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين : الأول : أن قراءة ابن كثير ، وابن محيصن ( ونمدهم ) وقراءة نافع ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) يدل على أنه من المدد دون المد . الثاني : أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له ، كأملي له . قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه : أحدها : قوله تعالى : { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم ، فكيف يكون مضافاً إلى الله تعالى .
وثانيها : أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلاً لله تعالى فكيف يذمهم عليه .
وثالثها : لو كان فعلاً لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً .
ورابعها : أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله : «في طغيانهم» ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم ، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك ، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله : { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } [ الأعراف : 202 ] إذا ثبت هذا فنقول : التأويل من وجوه : أحدها : وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم .
وثانيها : أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل : إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور . وثالثها : أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده . ورابعاً : ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين : الأول : لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر . الثاني : هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان ، بل المراد ، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا . واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } فلا فائدة في الإعادة . واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو ، قال تعالى : { إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء } [ الحاقة : 11 ] أي جاوز قدره ، وقال : { اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } [ طه : 24 ] أي أسرف وتجاوز الحد . وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان ، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة ، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه . (1/343)
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)
واعلم أن اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به ، فإن قيل كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به ، والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء ، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين ، أما قوله : { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } فالمعنى أنهم ما ربحوا في تجارتهم ، وفيه سؤالان : السؤال الأول : كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ الجواب : هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري . السؤال الثاني : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب : هذا مما يقوي أمر المجاز ويحسنه كما قال الشاعر : (1/344)
ولما رأيت النسر عز ابن دأية ... وعشش في وكريه جاش له صدري
لما شبه الشيب بالنسر ، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه بذكر التعشيش والوكر فكذا ههنا لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه ، تمثيلاً لخسارتهم وتصويراً لحقيقته . أما قوله : { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } فالمعنى أن الذي تطلبه التجار في متصرفاتهم أمران : سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع ، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة الكسيبة مانعة من الاشتغال بطلب العقائد الحقة . وقال قتادة : انتقلوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الطاعة إلى المعصية ، ومن الجماعة إلى التفرقة ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة ، والله أعلم .
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
اعلم أنا قبل الخوض في تفسير ألفاظ هذه الآية نتكلم في شيئين : أحدها : أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه ، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالشاهد ، فيتأكد الوقوف على ماهيته ، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك في نهاية الإيضاح ، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجرداً عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل بالنور ، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الأخبار بضعفه مجرداً ، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله ، قال تعالى : { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } [ العنكبوت : 43 ، الحشر : 21 ] ومن سور الإنجيل سورة الأمثال ، وفي الآية مسائل : (1/345)
المسألة الأولى : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير ، ويقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول الثائر الممثل مضر به بمورده : مثل ، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه .
المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين حقيقة صفات المنافقين عقبها بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان . أحدهما : هذا المثل وفيه إشكالات . أحدها : أن يقال : ما وجه التمثيل بمن أعطي نوراً ثم سلب ذلك النور منه مع أن المنافق ليس له نور . وثانيها : أن يقال : إن من استوقد ناراً فأضاءت قليلاً فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم ، فأما المنافقون فلا انتفاع لهم ألبتة بالإيمان فما وجه التمثيل؟ وثالثها : أن مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور ، والله تعالى ذهب بنوره وتركه في الظلمات ، والمنافق لم يكتسب خيراً وما حصل له من الخيبة والحيرة فقد أتى فيه من قبل نفسه ، فما وجه التشبيه؟ والجواب : أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوهًا : أحدها : قال السدي : إن ناساً دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم نافقوا ، والتشبيه ههنا في نهاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولاً اكتسبوا نوراً ثم بنفاقهم ثانياً أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا ، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين . وثانيها : إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين أبداً من أول أمرهم فههنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله ، وهو أنهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبي وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين ، وعد ذلك نوراً من أنوار الإيمان ، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلاً قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلاً ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءته في أعقاب النور ، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة . وثالثها : أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نوراً ، بل وجه التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحير ، والتحير فيمن كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة ، لكنه تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة ، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة . ورابعها : أن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به ، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق ، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله : { وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } فالنار مثل لقولهم : «آمنا» وذهابه مثل لقولهم للكفار : «إنا معكم» فإن قيل وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلاً بالنور وهو حين تكلم بها أضمر خلافها؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقاداً له وعملاً به لأتم النور لنفسه ، ولكنه لما لم يفعل لم يتم نوره ، وإنما سمى مجرد ذلك القول نوراً لأنه قول حق في نفسه . وخامسها : يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نوراً لأنه يتزين به ظاهره فيهم ويصير ممدوحاً بسببه فيما بينهم ، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر ، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف الله أمره فزال . وسادسها : أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات . وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد ههنا مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى ، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار ، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء ، ألا ترى إلى قوله تعالى :