صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدَّا أَنْ دَعَوْا للرحمن وَلَداً } [ مريم : 90 ، 91 ] وبين أن طاعته سبب للمصالح قال تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقبة للتقوى } [ طه : 132 ] في أيها الرعية كونوا مطيعين لملوككم ، ويا أيها الملوك كونوا مطيعين لملك الملوك حتى تنتظم مصالح العالم . الحكم الخامس : أنه لما وصف نفسه بكونه ملكاً ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] ثم بين كيفية العدل فقال : { وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } [ الأنبياء : 47 ] فظهر بهذا أن كونه ملكاً حقاً ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل ، فإن كان الملك المجازي عادلاً كان ملكاً حقاً وإلا كان ملكاً باطلاً فإن كان ملكاً عادلاً حقاً حصل من بركة عدله الخير والراحة في العالم وإن كان ملكاً ظالماً ارتفع الخير من العالم .
يروى أن أنوشروان خرج إلى الصيد يوماً ، وأوغل في الركض ، وانقطع عن عسكره واستولى العطش عليه ، ووصل إلى بستان ، فلما دخل ذلك البستان رأى أشجار الرمان فقال لصبي حضر في ذلك البستان : أعطني رمانة واحدة ، فأعطاه رمانة فشقها وأخرج حبها وعصرها فخرج منه ماء كثير فشربه ، وأعجبه ذلك الرمان فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه ثم قال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصاً مؤذياً ، فقال : أيها الصبي لم صار الرمان هكذا؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد عزم على الظلم ، فلأجل شؤم ظلمه صار الرمان هكذا ، فتاب أنوشروان في قلبه عن ذلك الظلم ، وقال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ، فأعطاه فعصرها فوجدها أطيب من الرمانة الأولى ، فقال للصبي : لم بدلت هذه الحالة؟ فقال الصبي : لعل ملك البلد تاب عن ظلمه ، فلما سمع أنوشروان هذه القصة من ذلك الصبي وكانت مطابقة لأحوال قلبه تاب بالكلية عن الظلم ، فلا جرم بقي اسمه مخلداً في الدنيا بالعدل ، حتى إن من الناس من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ولدت في زمن الملك العادل» .
أما الأحكام المفرعة على كونه مالكاً فهي أربعة : الحكم الأول : قراءة المالك أرجى من قراءة الملك؛ لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس ، أما المالك فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول : أنا مالككم فعلي طعامكم وثيابكم وثوابكم وجنتكم . الحكم الثاني : الملك وإن كان أغنى من المالك غير أن الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه ، وليست لنا طاعات ولا خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات ، بل يريد أن نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل ، فلهذا السبب قال الكسائي : إقرأ مالك يوم الدين لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل الكثير والرحمة الواسعة . الحكم الثالث : أن الملك إذا عرض عليه العسكر لم يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج ، أما من كان مريضاً فإنه يرده ولا يعطيه شيئاً من الواجب ، أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف أعانه وإن وقع في بلاء خلصه ، فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين . الحكم الرابع : الملك له هيبة وسياسة ، والمالك له رأفة ورحمة ، واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة .

(1/219)


الفائدة الثالثة : الملك عبارة عن القدرة ، فكونه مالكاً وملكاً عبارة عن القدرة ، ههنا بحث : وهو أنه تعالى إما أن يكون ملكاً للموجودات أو للمعدومات ، والأول : باطل ، لأن إيجاد الموجودات محال فلا قدرة لله على الموجودات إلا بالإعدام ، وعلى هذا التقرير فلا مالك إلا للعدم ، والثاني : باطل أيضاً؛ لأنه يقتضي أن تكون قدرته وملكه على العدم ويلزم أن يقال : إنه ليس لله في الموجودات مالكية ولا ملك وهذا بعيد .
والجواب إن الله تعالى مالك الموجودات ، وملكها ، بمعنى أنه تعالى قادر على نقلها من الوجود إلى العدم ، أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة ، وهذه القدرة ليست إلا لله تعالى ، فالملك الحق هو الله سبحانه وتعالى ، إذا عرفت أنه الملك الحق فنقول : إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله ، والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس ليس إلا لله ، فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات ، ثبت أنه لا مالك ليوم الدين إلا الله ، وتمام الكلام في هذا الفصل متعلق بمسألة الحشر والنشر .
فإن قيل : إن المالك لا يكون مالكاً للشيء إلا إذا كان المملوك موجوداً ، والقيامة غير موجودة في الحال ، فلا يكون الله مالكاً ليوم الدين ، بل الواجب أن يقال : مالك يوم الدين ، بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيد ، فهذا إقرار ، ولو قال أنا قاتل زيداً بالتنوين كان تهديداً ووعيداً .
قلنا : الحق ما ذكرتم ، إلا أن قيام القيامة لما كان أمراً حقاً لا يجوز الإخلال في الحكمة جعل وجود القيامة كالأمر القائم في الحال الحاصل في الحال ، وأيضاً من مات فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال .
الفائدة الرابعة : أنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : الله ، والرب ، والرحمن والرحيم ، والمالك . والسبب فيه كأنه يقول : خلقتك أولاً فأنا إله . ثم ربيتك بوجوه النعم فأنا رب ، ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن؛ ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم ، ثم لا بدّ من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين .

(1/220)


فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية مرة واحدة ، وفي السورة مرة ثانية فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة؟ .
قلنا : التقدير كأنه قيل : أذكر أني إله ورب مرة واحدة ، وأذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال : لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ، ونظيره قوله تعالى : { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول } [ غافر : 3 ] .
الفائدة الخامسة : قالت القدرية : إن كان خالق أعمال العباد هو الله امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء؛ لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث ، وعقابه على ما لم يعمله ظلم ، وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين ، وقالت الجبرية : لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكاً لها ، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكاً للعباد ولأعمالهم؛ علمنا أنه خالق لها مقدر لها ، والله أعلم .
الفصل الخامس
في تفسير قوله إياك نعبد وإياك نستعين وفيه فوائد
معنى قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } :
الفائدة الأولى : العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير ، وهو مأخوذ من قولهم : طريق معبد ، أي مذلل ، واعلم أن قولك إياك نعبد معناه لا أعبد أحداً سواك ، والذي يدل على هذا الحصر وجوه : الأول : أن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم ، وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام ، وأعظم وجوه الإنعام الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وخلق المنتفع به ، فالمرتبة الأولى وهي الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وإليها الإشارة بقوله تعالى : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 9 ] وقوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة : 28 ] الآية والمرتبة الثانية وهي خلق المنتفع به وإليها الإشارة بقوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } [ البقرة : 29 ] ولما كانت المصالح الحاصلة في هذا العالم السفلي إنما تنتظم بالحركات الفلكية على سبيل إجراء العادة لا جرم أتبعه بقوله : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } [ البقرة : 29 ] فثبت بما ذكرنا أن كل النعم حاصل بإيجاد الله تعالى ، فوجب أن لا تحسن العبادة إلا لله تعالى ، فلهذا المعنى قال إياك نعبد ، فإن قوله إياك نعبد يفيد الحصر . الوجه الثاني : في دلائل هذاالحصر والتعيين : وذلك لأنه تعالى سمى نفسه ههنا بخمسة أسماء : الله ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، ومالك يوم الدين ، وللعبد أحوال ثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل : أما الماضي فقد كان معدوماً محضاً كما قال تعالى : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } [ مريم : 9 ] وكان ميتاً فأحياه الله تعالى كما قال : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم }

(1/221)


[ البقرة : 28 ] وكان جاهلاً فعلمه الله كما قال : { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } [ النحل : 78 ] والعبد إنما انتقل من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ومن العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى العلم لأجل أن الله تعالى كان قديماً أزلياً ، فبقدرته الأزلية وعلمه الأزلي أحدثه ونقله من العدم إلى الوجود فهو إله لهذا المعنى ، وأما الحال الحاضرة للعبد فحاجته شديدة لأنه كلما كان معدوماً كان محتاجاً إلى الرب الرحمن الرحيم ، أما لما دخل في الوجوه انفتحت عليه أبواب الحاجات وحصلت عند أسباب الضرورات ، فقال الله تعالى : أنا إله لأجل أني أخرجتك من العدم إلى الوجود . أما بعد أن أصرت موجوداً فقد كثرت حاجاتك إليّ فأنا رب رحمن رحيم ، وأما الحال المستقبلة للعبد فهي حال ما بعد الموت والصفة المتعلقة بتلك الحالة هي قوله مالك يوم الدين ، فصارت هذه الصفات الخمس من صفات الله تعالى متعلقة بهذه الأحوال الثلاثة للعبد فظهر أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل لا يتم ولا يكمل إلا بالله وفضله وإحسانه ، فلما كان الأمر كذلك وجب أن لا يشتغل العبد بعبادة شيء إلا بعبادة الله تعالى ، فلا جرم قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين على سبيل الحصر . الوجه الثالث : في دليل هذا الحصر ، وهو أنه قد دل الدليل القاطع على وجوب كونه تعالى قادراً عالماً محسناً جواداً كريماً حليماً ، وأما كون غيره كذلك فمشكوك فيه؛ لأنه لا أثر يضاف إلى الطبع والفلك والكواكب والعقل والنفس إلا ويحتمل إضافته إلى قدرة الله تعالى ، ومع هذا الاحتمال صار ذلك الانتساب مشكوكاً فيه ، فثبت أن العلم بكون الإله تعالى معبوداً للخلق أمر يقيني ، وأما كون غيره معبوداً للخلق فهو أمر مشكوك فيه ، والأخذ باليقين أولى من الأخذ بالشك ، فوجب طرح المشكوك والأخذ بالمعلوم وعلى هذا لا معبود إلا الله تعالى فلهذا المعنى قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } . الوجه الرابع : أن العبودية ذلة ومهانة إلا أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنأ وأمرأ ، ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية غيره ، وأيضاً قدرة الله تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره وجوده أفضل من جود غيره ، فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره ، فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس : أن كل ما سوى الواجب لذاته يكون ممكناً لذاته وكل ما كان ممكناً لذاته كان محتاجاً فقيراً والمحتاج مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير ، والشي ما لم يكن غنياً في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغني لذاته هو الله تعالى فدافع الحاجات هو الله تعالى ، فمستحق العبادات هو الله تعالى ، فلهذا السبب قال : إياك نعبد وإياك نستعين .

(1/222)


الوجه السادس : استحقاق العبادة يستدعي قدرة الله تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة ، وأرضاً بلا دعامة ، ويسير الشمس والقمر ، ويسكن القطبين ، ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق ، وتارة الهواء وهي الريح ، وتارة الماء وهو المطر ، وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر ، وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد ، ثم جعل في الأرض أجساماً مقيمة لا تسافر وهي الجبال؛ وأجساماً مسافرة لا تقيم وهي الأنهار ، وخسف بقارون فجعل الأرض فوقه ، ورفع محمداً عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته ، وجعل الماء ناراً على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا ناراً ، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، ورفع موسى فوق الطور ، وقال له : { فاخلع نَعْلَيْكَ } [ طه : 12 ] ورفع الطور عى موسى وقومه { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } [ البقرة : 63 ] وغرق الدنيا من التنور اليابسة لقوله : { وَفَارَ التنور } [ هود : 40 ] وجعل البحر يبساً لموسى عليه السلام ، فمن كانت قدرته هكذا كيف يسوى في العبادة بينه وبين غيره من الجمادات أو النبات أو الحيوان أو الإنسان أو الفلك أو الملك ، فإن التسوية بين الناقص والكامل والخسيس والنفيس تدل على الجهل والسفه .
الفائدة الثانية : قوله إياك نعبد يدل على أنه لا معبود إلا الله ، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه لا إله إلا الله ، فقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يدل على التوحيد المحض واعلم أن المشركين طوائف ، وذلك لأن كل من اتخذ شريكاً لله فذلك الشريك إما أن يكون جسماً وإما أن لا يكون ، أما الذين اتخذوا شريكاً جسمانياً فذلك الشريك أما أن يكون من الأجسام السفلية أو من الأجسام العلوية ، أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام السفلية فذلك الجسم إما أن يكون مركباً أو بسيطاً ، أما المركب فأما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان أو من الإنسان ، أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام المعدنية فهم الذين يتخذون الأصنام إما من الأحجار أو من الذهب أو من الفضة ويعبدونها ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام النباتية فهم الذين اتخذوا شجرة معينة معبوداً لأنفسهم ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الحيوان فهم الذين اتخذوا العجل معبوداً لأنفسهم ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الناس فهم الذين قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام البسيطة فهم الذين يعبدون النار وهم المجوس ، وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام العلوية فهم الذين يعبدون الشمس والقمر وسائر الكواكب ويضيفون السعادة والنحوسة إليها وهم الصابئة وأكثر المنجمين ، وأما الذين اتخذوا الشركاء لله من غير الأجسام فهم أيضاً طوائف : الطائفة الأولى : الذين قالوا مدبر العالم هو النور والظلمة ، وهؤلاء هم المانوية والثنوية . والطائفة الثانية : هم الذين قالوا : الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ولكل نوع من أنواع هذا العالم روح فلكي يدبره ويتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ويعبدونها وهؤلاء هم عبدة الملائكة؛ والطائفة الثالثة : الذين قالوا للعالم إلهان : أحدهما : خير ، والآخر شرير ، وقالوا : مدبر هذا العالم هو الله تعالى وإبليس ، وهما أخوان ، فكل ما في العالم من الخيرات فهو من الله وكل ما فيه من الشر فهو من إبليس .

(1/223)


إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : كل ما اتخذ لله شريكاً فإنه لا بدّ وأن يكون مقدماً على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه ، إما طلباً لنفعه أو هرباً من ضرره ، وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم من الله ورغبتهم في الله ورهبتهم من الله فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله؛ فلهذا قالوا : إياك نعبد وإياك نستعين ، فكان قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قائماً مقام قوله : { لاَ إله إِلاَّ الله } .
واعلم أن الذكر المشهور هو أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وقد دللنا على أن قولنا الحمد لله يدخل فيه معنى قولنا سبحان الله لأن قوله سبحانه الله يدل على كونه كاملاً تاماً في ذاته ، وقوله الحمد لله يدل على كونه مكملاً متمماً لغيره ، والشيء لا يكون مكملاً متمماً لغيره إلا إذا كان قبل ذلك تاماً كاملاً في ذاته ، فثبت أن قولنا الحمد لله دخل فيه معنى قولنا سبحان الله ولما قال الحمد لله فأثبت جميع أنواع الحمد ذكر ما يجري مجرى العلة لإثبات جميع أنواع الحمد لله ، فوصفه بالصفات الخمس وهي التي لأجلها تتم مصالح العبد في الأوقات الثلاثة على ما بيناه ، ولما بين ذلك ثبت صحة قولنا سبحان الله والحمد لله ثم ذكر بعده قوله إياك نعبد ، وقد دللنا على أنه قائم مقام لا إله إلا الله ثم ذكر قوله وإياك نستعين ، ومعناه أن الله تعالى أعلى وأجل وأكبر من أن يتم مقصود من المقاصد وغرض من الأغراض إلا بإعانته وتوفيقه وإحسانه ، وهذا هو المراد من قولنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فثبت أن سورة الفاتحة من أولها إلى آخرها منطبقة على ذلك الذكر ، وآيات هذه السورة جارية مجرى الشرح والتفصيل للمراتب الخمس المذكورة في ذلك الذكر .
الفائدة الثالثة : قال إياك نعبد ، فقدم قوله إياك على قوله نعبد ولم يقل نعبدك ، وفيه وجوه : أحدها : أنه تعالى قدم ذكر نفسه ليتنبه العابد على أن المعبود هو الله الحق ، فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يميناً وشمالاً؛ يحكى أن واحداً من المصارعين الأستاذين صارع رستاقياً جلفاً فصرع الرستاقي ذلك الأستاذ مراراً فقيل للرستاقي : إنه فلان الأستاذ ، فانصرع في الحال منه ، وما ذاك إلا لاحتشامه منه ، فكذا ههنا : عرفه ذاته أولاً حتى تحصل العبادة مع الحشمة فلا تمتزج بالغفلة . وثانيها : أنه إن ثقلت عليك الطاعات وصعبت عليك العبادات من القيام والركوع والسجود فاذكر أولاً قوله إياك نعبد لتذكرني وتحضر في قلبك معرفتي ، فإذا ذكرت جلالي وعظمتي وعزتي وعلمت أني مولاك وأنك عبدي سهلت عليك تلك العبادات ، ومثاله أن من أراد حمل الجسم الثقيل تناول قبل ذلك ما يزيده قوة وشدة ، فالعبد لما أراد حمل التكاليف الشاقة الشديدة تناول أولاً معجون معرفة الربوبية من بستوقة قوله إياك حتى يقوى على حمل ثقل العبودية ، ومثال آخر وهو أن العاشق الذي يضرب لأجل معشوقه في حضرة معشوقه يسهل عليه ذلك الضرب ، فكذا ههنا : إذا شاهد جمال إياك سهل عليه تحمل ثقل العبودية . وثالثها : قال الله تعالى :

(1/224)


{ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] فالنفس إذا مسها طائف من الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة تذكروا حضرة جلال الله من مشرق قوله إياك نعبد فيصيرون مبصرين مستعدين لأداء العبادات والطاعات . ورابعها : أنك إذا قلت نعبدك فبدأت أولاً بذكر عبادة نفسك ولم تذكر أن تلك العبادة لمن ، فيحتمل أن إبليس يقول هذه العبادة للأصنام أو للأجسام أو للشمس أو القمر ، أما إذا غيرت هذا الترتيب وقلت أولاً إياك ثم قلت ثانياً نعبد كان قولك أولاً إياك صريحاً بأن المقصود والمعبود هو الله تعالى ، فكان هذا أبلغ في التوحيد وأبعد عن احتمال الشرك . وخامسها : وهو أن القديم الواجب لذاته متقدم في الوجود على المحدث الممكن لذاته ، فوجب أن يكون ذكره متقدماً على جميع الأذكار؛ فلهذا السبب قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون ذكر الحق متقدماً على ذكر الخلق . وسادسها : قال بعض المحققين : من كان نظره في وقت النعمة إلى المنعم لا إلى النعمة كان نظره في وقت البلاء إلى المبتلى لا إلى البلاء ، وحينئذٍ يكون غرقاً في كل الأحوال في معرفة الحق سبحانه ، وكل من كان كذلك كان أبداً في أعلى مراتب السعادات ، أما من كان نظره في وقت النعمة إلى النعمة لا إلى المنعم كان نظره في وقت البلاء إلى البلاء لا إلى المبتلى فكان غرقاً في كل الأوقات في الإشتغال بغير الله ، فكان أبداً في الشقاوة ، لأن في وقت وجدان النعمة يكون خائفاً من زوالها فكان في العذاب وفي وقت فوات النعمة كان مبتلي بالخزي والنكال فكان في محض السلاسل والأغلال ، ولهذا التحقيق قال لأمة موسى :

(1/225)


{ اذكروا نِعْمَتِيَ } [ البقرة : 40 ] ، وقال لأمة محمد عليه السلام : { فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] ، إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون مستغرقاً في مشاهدة نور جلال إياك ، ومتى كان الأمر كذلك كان في وقت أداء العبادة مستقراً في عين الفردوس ، كما قال تعالى : لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً . وسابعها : لو قيل نعبدك لم يفد نفي عبادتهم لغيره ، لأنه لا امتناع في أن يعبدوا الله ويعبدوا غير الله كما هو دأب المشركين أما لما قال إياك نعبد أفاد أنهم يعبدونهم ولا يعبدون غير الله . وثامنها : أن هذه النون نون العظمة ، فكأنه قيل له متى كنت خارج الصلاة فلا تقل نحن ولو كنت في ألف ألف من العبيد ، أما لما اشتغلت بالصلاة وأظهرت العبودية لنا فقل نعبد ليظهر للكل أن كل من كان عبداً لنا كان ملك الدنيا والآخرة . وتاسعها : لو قال إياك أعبد لكان ذلك تكبراً ومعناه أني أنا العابد أما لما قال إياك نعبد كان معناه أني واحد من عبيدك ، فالأول تكبر ، والثاني تواضع ، ومن تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر وضعه الله .
فإن قال قائل : جميع ما ذكرتم قائم في قوله الحمد لله مع أنه قدم فيه ذكر الحمد على ذكر الله .
فالجواب أن قوله الحمد يحتمل أن يكون لله ولغير الله فإذا قلت لله فقد تقيد الحمد بأن يكون لله أما لو قدم قوله «نعبد» احتمل أن يكون لله واحتمل أن يكون لغير الله وذلك كفر؛ والنكتة أن الحمد لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر كما جاز لله ، لا جرم حسن تقدم الحمد أما ههنا فالعبادة لما لم تجز لغير الله لا جرم قدم قوله إياك على نعبد ، فتعين الصرف للعبادة فلا يبقى في الكلام احتمال أن تقع العبادة لغير الله .
الفائدة الرابعة : لقائل أن يقول : النون في قوله نعبد أما أن تكون نون الجمع أو نون التعظيم ، والأول : باطل ، لأن الشخص الواحد لا يكون جمعاً ، والثاني : باطل لأن عند أداء العبادة ، فاللائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة .
واعلم أنه يمكن الجواب عنه من وجوه ، كل واحد من تلك الوجوه يدل على حكمة بالغة : فالوجه الأول : أن المراد من هذه النون نون الجمع وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة ، واعلم أن فائدة الصلاة بالجماعة معلومة في موضعها ، ويدل عليه قوله عليه السلام : " التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها " ثم نقول : إن الإنسان لو أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة لئلا يتأذى منه إنسان فكأنه تعالى يقول : هذه الطاعة التي لها هذا الثواب العظيم لا يفي ثوابها بأن يتأذى واحد من المسلمين برائحة الثوم والبصل ، فإذا كان هذا الثواب لا يفي بذلك فكيف يفي بإيذاء المسلم وكيف يفي بالنميمة والغيبة والسعاية .

(1/226)


الوجه الثاني : أن الرجل إذا كان يصلي بالجماعة فيقول نعبد ، والمراد منه ذلك الجمع ، وإن كان يصلي وحده كان المراد أني أعبدك والملائكة معي في العبادة . فكان المراد بقوله نعبد هو وجميع الملائكة الذين يعبدون الله .
الوجه الثالث : أن المؤمنين أخوة فلو قال إياك أعبد لكان قد ذكر عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره ، أما لما قال إياك نعبد كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين شرقاً وغرباً فكأنه سعى في إصلاح مهمات سائر المؤمنين ، وإذا فعل ذلك قضى الله مهماته لقوله عليه السلام : « من قضى لمسلم حاجة قضى الله له جميع حاجاته » . الوجه الرابع : كأنه تعالى قال للعبد لما أثنيت علينا بقولك الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وفوضت إلينا جميع محامد الدنيا والآخرة فقد عظم قدرك عندنا وتمكنت منزلتك في حضرتنا ، فلا تقتصر على إصلاح مهماتك وحدك ، ولكن أصلح حوائج جميع المسلمين فقل « إياك نعبد وإياك نستعين » .
الوجه الخامس : كأن العبد يقول : إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أستحق أن أذكرها وحدها؛ لأنها ممزوجة بجهات التقصير ، ولكني أخلطها بعبادات جميع العابدين ، وأذكر الكل بعبارة واحدة وأقول إياك نعبد .
وههنا مسألة شرعية ، وهي أن الرجل إذا باع من غيره عشرة من العبيد فللمشتري إما أن يقبل الكل ، أو لا يقبل واحداً منها ، وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة فكذا هنا إذا قال العبد إياك نعبد فقد عرض على حضرة الله جميع عبادات العابدين ، فلا يليق بكرمه أن يميز البعض عن البعض ويقبل البعض دون البعض ، فأما أن يرد الكل وهو غير جائز لأن قوله إياك نعبد دخل فيه عبادات الملائكة وعبادات الأنبياء والأولياء ، وإما أن يقبل الكل ، وحينئذٍ تصير عبادة هذا القائل مقبولة ببركة قبول عبادة غيره ، والتقدير كأن العبد يقول : إلهي إن لم تكن عبادتي مقبولة فلا تردني لأني لست بوحيد في هذه العبادة بل نحن كثيرون فإن لم أستحق الإجابة والقبول فأتشفع إليك بعبادات سائر المتعبدين فأجبني .
الفائدة الخامسة : اعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها؛ وثقل عليه الاشتغال بغيرها ، وبيانه من وجوه : الأول : أن الكمال محبوب بالذات ، وأكمل أحوال الإنسان وأقواها في كونها سعادة اشتغاله بعبادة الله ، فإنه يستنير قلبه بنور الإلهية ، ويتشرف لسانه بشرف الذكر والقراءة ، وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله ، وهذه الأحوال أشرف المراتب الإنسانية والدرجات البشرية ، فإذا كان حصول هذه الأحوال أعظم السعادات الإنسانية في الحال ، وهي موجبة أيضاً لأكمل السعادات في الزمان المستقبل ، فمن وقف على هذه الأحوال زال عنه ثقل الطاعات وعظمت حلاوتها في قلبه . الثاني : أن العبادة أمانة بدليل قوله تعالى :

(1/227)


{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات } [ الأحزاب : 72 ] الآية وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً ، بدليل قوله : { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } [ النساء : 58 ] وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات؛ ولأن الأداء الأمانة أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني؛ قال بعض الصحابة : رأيت أعرابياً أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء ، فتعجبنا ، فلما خرج لم يجد ناقته فقال : إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي؟ قال الراوي فزدنا تعجباً ، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه ، والنكتة أنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته ، وهو المراد من قوله عليه السلام لابن عباس : « يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات » . الثالث : أن الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور ، ومن الاشتغال بالخلق إلى حضرة الحق ، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة : يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف ، وتفرق الناس ، وكان أبو حنيفة في الصلاة ولم يشعر بها ، ووقعت الآكلة في بعض أعضاء عروة بن الزبير ، واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو ، فلما شرع في الصلاة قطعوا منه ذلك العضو فلم يشعر عروة بذلك القطع ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره ، أزيزاً كأزيز المرجل ، ومن استبعد هذا فليقرأ قوله تعالى : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } [ يوسف : 31 ] فإن النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف عليه السلام وصلت تلك الغلبة إلى حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك ، فإذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند استيلاء عظمة الله على القلب أولى ، ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ينظر إليهم ولا يعرفهم لأجل أن استيلاء هيبة ذلك الملك تمنع القلب عن الشعور بهم ، فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق مجازى فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى .
ثم قال أهل التحقيق : العبادة لها ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعبد الله طمعاً في الثواب أو هرباً من العقاب ، وهذا هو المسمى بالعبادة ، وهذه الدرجة نازلة ساقطة جداً ، لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب ، وقد جعل الحق وسيلة إلى نيل المطلوب ، ومن جعل المطلوب بالذات شيئاً من أحوال الخلق وجعل الحق وسيلة إليه فهو خسيس جداً .

(1/228)


والدرجة الثانية : أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته ، أو يتشرف بقبول تكاليفه ، أو يتشرف بالانتساب إليه ، وهذه الدرجة أعلى من الأولى ، إلا أنها أيضاً ليست كاملة ، لأن المقصود بالذات غير الله .
والدرجة الثالثة : أن يعبد الله لكونه إلهاً وخالقاً ، ولكونه عبداً له ، والإلهية توجب الهيبة والعزة ، والعبودية توجب الخضوع والذلة ، وهذا أعلى المقامات وأشرف الدرجات ، وهذا هو المسمى بالعبودية ، وإليه الإشارة بقول المصلي في أول الصلاة أصلي لله ، فإنه لو قال أصلي لثواب الله ، أو للهرب من عقابه فسدت صلاته .
واعلم أن العبادة والعبودية مقام عالٍ شريف ، ويدل عليه آيات : الأولى : قوله تعالى في آخر سورة الحجر : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر : 97 99 ] والاستدلال بها وجهين : أحدهما : أنه قال : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } فأمر محمداً عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على العبادة إلى أنه يأتيه الموت ، ومعناه أنه لا يجوز الإخلال بالعبادة في شيء من الأوقات ، وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة ، وثانيهما : أنه قال : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء : التسبيح : وهو قوله فسبح؛ والتحميد : وهو قوله بحمد ربك؛ والسجود : وهو قوله : { وَكُنْ مّنَ الساجدين } والعبادة؛ وهي قوله : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } ؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب ، وتفيد انشراح الصدر ، وما ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق ، وذلك يوجب زوال ضيق القلب .
الآية الثانية : في شرف العبودية : قوله تعالى : { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } [ الإسراء : 1 ] ولولا أن العبودية أشرف المقامات ، وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج ، ومنهم من قال : العبودية أشرف من الرسالة ، لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق ، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق ، وأيضاً بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات ، وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات ، واللائق بالعبد والانعزال عن التصرفات ، وأيضاً العبد يتكفل المولى بإصلاح مهماته ، والرسول هو المتكفل بإصلاح مهمات الأمة ، وشتان ما بينهما .
الآية الثالثة : في شرف العبودية : أن عيسى أول ما نطق قال : { إِنّى عَبْدُ الله } [ مريم : 30 ] وصار ذكره لهذه الكلمة سبباً لطهارة أمه ، ولبراءة وجوده عن الطعن ، وصار مفتاحاً لكل الخيرات ، ودافعاً لكل الآفات ، وأيضاً لما كان أول كلام عيسى ذكر العبودية كانت عاقبته الرفعة ، كما قال تعالى : { وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } [ آل عمران : 55 ] والنكتة أن الذي ادعى العبودية بالقول رفع إلى الجنة ، والذي يدعيها بالعمل سبعين سنة كيف يبقى محروماً عن الجنة .
الآية الرابعة : قوله تعالى لموسى عليه السلام : { إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى } [ طه : 14 ] أمره بعد التوحيد بالعبودية ، لأن التوحيد أصل ، والعبودية فرع ، والتوحيد شجرة؛ والعبودية ثمرة ، ولا قوام لأحدهما إلا بالآخر ، فهذه الآيات دالة على شرف العبودية .

(1/229)


وأما المعقول فظاهر ، وذلك لأن العبد محدث ممكن الوجود لذاته ، فلولا تأثير قدرة الحق فيه لبقي في ظلمة العدم وفي فناء الفناء ولم يحصل له الوجود فضلاً عن كمالات الوجود ، فلما تعلقت قدرة الحق به وفاضت عليه آثار جوده وإيجاده حصل له الوجود وكمالات الوجود ولا معنى لكونه مقدور قدرة الحق ولونه متعلق إيجاد الحق إلا العبودية ، فكل شرف وكمال وبهجة وفضيلة ومسرة ومنقبة حصلت للعبد فإنما حصلت بسبب العبودية ، فثبت أن العبودية مفتاح الخيرات ، وعنوان السعادات ، ومطلع الدرجات ، وينبوع الكرامات ، فلهذا السبب قال العبد : إياك نعبد وإياك نستعين ، وكان علي كرم الله وجهه يقول : ( كفى بي فخراً أن أكون لك عبداً ، وكفى بي شرفاً أن تكون لي رباً ، اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت فاجعلني عبداً كما أردت ) .
الفائدة السادسة : اعلم أن المقامات محصورة في مقامين : معرفة الربوبية ، ومعرفة العبودية وعند اجتماعهما يحصل العهد المذكور في قوله : { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة : 40 ] أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } فكون العبد منتقلاً من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلهاً ، وحصول الخيرات والسعادات للعبد حال وجوده يدل على كونه رباً رحماناً رحيماً ، وأحوال معاد العبد تدل على كونه مالك يوم الدين ، وعند الإحاطة بهذه الصفات حصلت معرفة الربوبية على أقصى الغايات ، وبعدها جاءت معرفة العبودية ، ولها مبدأ وكمال ، وأول وآخر ، أما مبدؤها وأولها فهو الاشتغال بالعبودية وهو المراد ، بقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وأما كمالها فهو أن يعرف العبد أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ، فعند ذلك يستعين بالله في تحصيل كل المطالب ، وذلك هو المراد بقوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ولما تم الوفاء بعهد الربوبية وبعهد العبودية ترتب عليه طلب الفائدة والثمرة ، وهو قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } وهذا ترتيب شريف رفيع عالٍ يمتنع في العقول حصول ترتيب آخر أشرف منه .
الفائدة السابعة : لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين كله مذكور على لفظ الغيبة ، وقوله إياك نعبد وإياك نستعين انتقال من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب ، فما الفائدة فيه؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة ، فلا جرم أثنى على الله بألفاظ المغايبة إلى قوله مالك يوم الدين ، ثم إنه تعالى كأنه يقول له حمدتني واقررت بكوني إلهاً رباً رحماناً رحيماً مالكاً ليوم الدين ، فنعم العبد أنت قد رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل إياك نعبد . الوجه الثاني : أن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم شافهوه بالسؤال فقالوا :

(1/230)


{ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف : 23 ] ، و { ربَّنَا اغفر لَنَا } [ آل عمران : 147 ] ، و { رَبّ هَبْ لِى } [ آل عمران : 38 ] ، و { رَبّ أَرِنِى } [ الأعراف : 143 ] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضاً العبادة خدمة ، والخدمة في الحضور أولى . الوجه الثالث : أن من أول السورة إلى قوله إياك نعبد ثناء ، والثناء في الغيبة أولى ، ومن قوله إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء ، والدعاء في الحضور أولى . الوجه الرابع : العبد لما شرع في الصلاة وقال نويت أن أصلي تقرباً إلى الله فينوي حصول القربة ، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعاً من الثناء على الله ، فاقتضى كرم الله إجابته في تحصيل تلك القربة ، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، فقال : إياك نعبد وإياك نستعين .
الفصل السادس
في قوله { وإياك نستعين }
معنى قوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } :
اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ، ويدل عليه وجوه من العقل والنقل ، أما العقل فمن وجوه : الأول : أن القادر متمكن من الفعل والترك على السوية ، فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان ، وذلك المرجح ليس من العبد ، وإلا لعاد في الطلب ، فهو من الله تعالى ، فثبت أن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل إلا بإعانة الله . الثاني : أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب ، ففوز البعض بدرك الحق لا يكون إلا بإعانة معين ، وما ذاك المعين إلا الله تعالى ، لأن ذلك المعين لو كان بشراً أو ملكاً لعاد الطلب فيه . الثالث : أن الإنسان قد يطالب بشيء مدة مديدة ولا يأتي به ، ثم في أثناء حال أو وقت يأتي به ويقدم عليه ، ولا يتفق له تلك الحالة إلا إذا وقعت داعية جازمة في قلبه تدعوه إلى ذلك الفعل ، فإلقاء تلك الداعية في القلب وإزالة الدواعي المعارضة لها ليست إلا من الله تعالى ، ولا معنى للإعانة إلا ذلك .
وأما النقل فيدل عليه آيات : أولاها : قوله وإياك نستعين ، وثانيتها : قوله : { استعينوا بالله } [ الأعراف : 128 ] وقد اضطربت الجبرية والقدرية في هذه الآية : أما الجبرية فقالوا : لو كان العبد مستقلاً بالفعل لما كان للاستعانة على الفعل فائدة ، وأما القدرية فقالوا الاستعانة إنما تحسن لو كان العبد متمكناً من أصل الفعل ، فتبطل الإعانة من الغير ، أما إذا لم يقدر على الفعل لم تكن للاستعانة فائدة .
وعندي أن القدرة لا تؤثر في الفعل إلا مع الداعية الجازمة ، فالإعانة المطلوبة عبارة عن خلق الداعية الجازمة ، وإزالة الداعية الصارفة ولنذكر ما في هذه الكلمة من اللطائف والفوائد :

(1/231)


الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع في العمل وههنا ذكر قوله إياك نعبد ثم ذكر عقيبه وإياك نستعين ، فما الحكمة فيه؟ الجواب من وجوه : الأول : كأن المصلي يقول : شرعت في العبادة فأستعين بك في إتمامها ، فلا تمنعني من إتمامها بالموت ولا بالمرض ولا بقلب الدواعي وتغيرها . الثاني : كأن الإنسان يقول : يا إلهي إني أتيت بنفسي إلا أن لي قلباً يفر مني ، فأستعين بك في إحضاره ، وكيف وقد قال عليه الصلاة والسلام : « قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن » فدل ذلك على أن الإنسان لا يمكنه إحضار القلب إلا بإعانة الله . الثالث : لا أريد في الإعانة غيرك لا جبريل ولا مكائيل ، بل أريدك وحدك وأقتدي في هذا المذهب بالخليل عليه السلام لأنه لما قيد نمرود رجليه ويديه ورماه في النار جاء جبريل عليه السلام وقال له : هل لك من حاجة؟ فقال : أما إليك فلا ، فقال : سله ، فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، بل ربما أزيد على الخليل في هذا الباب ، وذلك لأنه قيد رجلاه ويداه لا غير ، وأما أنا فقيدت رجلي فلا أسير ، ويدي فلا أحركهما ، وعيني فلا أنظر بهما ، وأذني فلا أسمع بهما ، ولساني فلا أتكلم به ، وكان الخليل مشرفاً على نار نمروذ وأنا مشرف على نار جهنم ، فكما لم يرض الخليل عليه السلام بغيرك معيناً فكذلك لا أريد معيناً غيرك ، فإياك نعبد وإياك نستعين ، فكأنه تعالى يقول : أتيت بفعل الخليل وزدت عليه ، فنحن نزيد أيضاً في الجزاء لأنا ثمت قلنا : { يانار كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم } [ الأنبياء : 69 ] وأما أنت فقد نجيناك من النار ، وأوصلناك إلى الجنة ، وزدناك سماع الكلام القديم ، ورؤية الموجود القديم ، وكما أنا قلنا لنار نمروذ { يانار كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم } فكذلك تقول لك نار جهنم : جز يا مؤمن قد أطفأ نورك لهبي . الرابع : إياك نستعين : أي : لا أستعين بغيرك ، وذلك لأن ذلك الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته على تلك الإعانة ، فإذا كانت إعانة الغير لا تتم إلا بإعانتك فلنقطع هذه الواسطة ولنقتصر على إعانتك . الوجه الخامس : قوله إياك نعبد يقتضي حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى ، وذلك يورث العجب فأردف بقوله وإياك نستعين ليدل ذلك على أن تلك الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما حصلت من قوة العبد ، بل إنما حصلت بإعانة الله فالمقصود من ذكر قوله وإياك نستعين إزالة العجب وإفناء تلك النخوة والكبر .
الفصل السابع
في قوله { اهدنا الصراط المستقيم } ، وفيه فوائد :
معنى قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } :
الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : المصلي لا بدّ وأن يكون مؤمناً ، وكل مؤمن مهتد ، فالمصلي مهتد ، فإذا قال : اهدنا كان جارياً مجرى أن من حصلت له الهداية فإنه يطلب الهداية فكان هذا طلباً لتحصيل الحاصل ، وأنه محال ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :

(1/232)


الأول : المراد منه صراط الأولين في تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى . يحكى أن نوحاً عليه السلام كان يضرب في كل يوم كذا مرات بحيث يغشى عليه ، وكان يقول في كل مرة : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . فإن قيل : إن رسولنا عليه الصلاة والسلام ما قال ذلك إلا مرة واحدة ، وهو كان يقول كل يوم مرات فلزم أن يقال إن نوحاً عليه السلام كان أفضل منه ، والجواب لما كان المراد من قوله اهدنا الصراط المستقيم طلب تلك الأخلاق الفاضلة من الله تعالى والرسول عليه السلام كان يقرأ الفاتحة في كل يوم كذا مرة كان تكلم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة أكثر من تكلم نوح عليه السلام بها .
الوجه الثاني في الجواب : أن العلماء بينوا أن في كل خلق من الأخلاق طرفي تفريط وإفراط ، وهما مذمومان ، والحق هو الوسط ، ويتأكد ذلك بقوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 143 ] وذلك الوسط هو العدل والصواب ، فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مؤمناً مهتدياً ، أما بعد حصول هذه الحالة فلا بدّ من معرفة العدل الذي هو الخط المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في الأعمال الشهوانية وفي الأعمال الغضبية وفي كيفية إنفاق المال ، فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال ، وعلى هذا التفسير فالسؤال زائل .
الوجه الثالث : أن المؤمن إذا عرف الله بدليل واحد فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلائل على وجود الله وعلمه وقدرته وجوده ورحمته وحكمته ، وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلاً عن سائر الدلائل ، فقوله : اهدنا الصراط المستقيم معناه عرفنا يا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وقدرتك وعلمك ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل .
الوجه الرابع : أنه تعالى قال : { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ صراط الله الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } [ الشورى : 52 ، 53 ] وقال أيضاً لمحمد عليه السلام : { وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه } [ الأنعام : 153 ] وذلك الصراط المستقيم هو أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله مقبلاً بكلية قلبه وفكره وذكره على الله ، فقوله : اهدنا الصراط المستقيم المراد أن يهديه الله إلى الصراط المستقيم الموصوف بالصفة المذكورة ، مثاله أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده لأطاع كما فعله إبراهيم عليه السلام ، ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع كما فعله إسمعيل عليه السلام؛ ولو أمر بأن يرمي نفسه في البحر لأطاع كما فعله يونس عليه السلام ، ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات لأطاع كما فعله موسى مع الخضر عليهما السلام ، ولو أمر بأن يصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القتل والتفريق نصفين لأطاع كما فعله يحيى وزكريا عليهما السلام ، فالمراد بقوله إهدنا الصراط المستقيم هو الاقتداء بأنبياء الله في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء؛ ولا شك أن هذا مقام شديد هائل؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به ، إلا أنا نقول : أيها الناس ، لا تخافوا ولا تحزنوا ، فإنه لا يضيق أمر في دين الله إلا اتسع؛ لأن في هذه الآية ما يدل على اليسر والسهولة؛ لأنه تعالى لم يقل صراط الذين ضربوا وقتلوا بل قال : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } فلتكن نيتك عند قراءة هذه الآية أن تقول : يا إلهي ، إن والدي رأيته ارتكب الكبائر ، كما ارتكبتها وأقدم على المعاصي كما أقدمت عليها ، ثم رأيته لما قرب موته تاب وأناب فحكمت له بالنجاة من النار والفوز بالجنة فهو ممن أنعمت عليه بأن وفقته للتوبة ، ثم أنعمت عليه بأن قبلت توبته . فأنا أقول : إهدنا إلى مثل ذلك الصراط المستقيم طلباً لمرتبة التائبين ، فإذا وجدتها فاطلب الاقتداء بدرجات الأنبياء عليهم السلام ، فهذا تفسير قوله اهدنا الصراط المستقيم .

(1/233)


الوجه الخامس : كأن الإنسان يقول في الطريق : كثرة الأحباب يجرونني إلى طريق ، والأعداء إلى طريق ثانٍ ، والشيطان إلى طريق ثالث ، وكذا القول في الشهوة والغضب والحقد والحسد ، وكذا القول في التعطيل والتشبيه والجبر والقدر والإرجاء والوعيد والرفض والخروج ، والعقل ضعيف ، والعمر قصير ، والصناعة طويلة ، والتجربة خطرة ، والقضاء عسير ، وقد تحيرت في الكل فاهدني إلى طريق أخرج منه إلى الجنة . والمستقيم : السوي الذي لا غلظ فيه .
يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله ، فإذا أعرابي على ناقة له فقال : يا شيخ إلى أين؟ فقال إبراهيم إلى بيت الله ، قال كأنك مجنون لا أرى لك مركباً؛ ولا زاداً ، والسفر طويل ، فقال إبراهيم : إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها ، قال : وما هي؟ قال : إذا نزلت على بلية ركبت مركب الصبر ، وإذا نزل على نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا ، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي : سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل .
الوجه السادس : قال بعضهم : الصراط المستقيم : الإسلام ، وقال بعضهم : القرآن ، وهذا لا يصح؛ لأن قوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من { الصراط المستقيم } ، وإذا كان كذلك كان التقدير إهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين ، ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام ، وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد إهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة ، وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحداً ليكون لفظ الصراط مذكراً لصراط جهنم فيكون الإنسان على مزيد خوف وخشية .

(1/234)


القول الثاني في تفسير إهدنا : أي ثبتنا على الهداية التي وهبتها منا ، ونظيره قوله تعالى : { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } [ آل عمران : 80 ] أي ثبتنا على الهداية فكم من عالم وقعت له شبهة ضعيفة في خاطره فزاغ وذل وانحرف عن الدين القويم والمنهج المستقيم .
الفائدة الثانية : لقائل أن يقول : لم قال إهدنا ولم يقل إهدني؟ والجواب من وجهين : الأول أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب . كان بعض العلماء يقول لتلامذته : إذ قرأتم في خطبة السابق «ورضي الله عنك وعن جماعة المسلمين» إن نويتني في قولك «رضي الله عنك» فحسن ، وإلا فلا حرج ، ولكن إياك وأن تنساني في قولك «وعن جماعة المسلمين» لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن لا يقبل ، وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بدّ وأن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة ، وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي ، ولهذا السبب فإن السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولاً على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو ثم يختم الكلام بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثانياً؛ لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه .
الثاني : قال عليه الصلاة والسلام : " ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها ، قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة ، قال يدعو بعضكم لبعض؛ لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك . " والثالث : كأنه يقول : أيها البعد ، ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما قلت أحمد الله فذكرت أولاً حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم فقل إهدنا .
الرابع : كان العبد يقول : سمعت رسولك يقول : الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت الحمد لله ، ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت إياك نعبد ، ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت وإياك نستعين ، فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت إهدنا الصراط المستقيم ، ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء بالجميع فقلت صراط الذين أنعمت عليهم ، ولما طلبت الفرار من المردودين فررت من الكل فقلت غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فلما لم أفارق الأنبياء والصالحين في الدنيا فأرجو أن لا أفارقهم في القيامة ، قال تعالى :

(1/235)


{ فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين } [ النساء : 69 ] الآية .
الفائدة الثالثة : اعلم أن أهل الهندسة قالوا الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين ، فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة ، فكان العبد يقول : إهدنا الصراط المستقيم لوجوه : الأول : أنه أقرب الخطوط وأقصرها ، وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم . الثاني : أن المستقيم واحد وما عداه معوجة وبعضها يشبه بعضاً في الإعوجاج فيشتبه الطريق على ، أما المستقيم فلا يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان . الثالث : الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود ، والمعوج لا يوصل إليه . الرابع : المستقيم لا يتغير ، والمعوج يتغير ، فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم ، والله أعلم .
الفصل الثامن
في تفسير قوله { صراط الذين أنعمت عليهم } ، وفيه فوائد :
معنى قوله ( صراط الذين أنعمت عليهم ) :
الفائدة الأولى : في حد النعمة ، وقد اختلف فيها ، فمنهم من قال إنها عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، قالوا وإنما زدنا هذا القيد لأن النعمة يستحق بها الشكر ، وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر ، والحق أن هذا القيد غير معتبر ، لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً ، لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذنب والعقاب ، فأي امتناع في اجتماعهما؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق بإنعامه الشكر ، والذم بمعصية الله ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك .
ولنرجع إلى تفسير الحد المذكور فنقول : أما قولنا «المنفعة» فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة ، وقولنا «المفعولة على جهة الإحسان» لأنه لو كان نفعاً حقاً وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة ، وذلك كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها .
إذا عرفت حد النعمة فيتفرع عليه فروع : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى : { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] ثم أن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد لله بإيجادها ، نحو أن خلق ورزق . وثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر ، وفي الحقيقة فهي أيضاً إنما وصلت من الله تعالى ، وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك النعمة ، والخالق لذلك المنعم ، والخالق لداعية الأنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم ، إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد مشكوراً ، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال : { أَنِ اشكر لِى ولوالديك إِلَىَّ المصير } [ لقمان : 14 ] فبدأ بنفسه تنبيهاً على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله ، وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا ، وهي أيضاً من الله تعالى؛ لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى .

(1/236)


الفرع الثاني : أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء ، ويدل عليه العقل والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن الانتفاع به ، ولا يمكن الانتفاع به إلا عند حصول الحياة ، فإن الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء ، فثبت أن أصل جميع النعم هو الحياة ، وأما النقل فهو أنه تعالى قال : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة : 28 ] ثم قال عقيبه : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } [ البقرة : 29 ] فبدأ بذكر الحياة ، وثنى بذكر الأشياء التي ينتفع بها ، وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة .
الفرع الثالث : اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا؟ فقال بعض أصحابنا : ليس لله تعالى على الكافر نعمة ، وقالت المعتزلة : لله على الكافر نعمة دينية ، ونعمة دنيوية واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول : أما القرآن فآيات . إحداها : قوله تعالى : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وذلك لأنه لو كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولو كان كذلك لكان قوله : { اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } طلباً لصراط الكفار ، وذلك باطل ، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة على الكفار ، فإن قالوا : إن قوله الصراط يدفع ذلك ، قلنا : إن قولنا : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من قوله : { الصراط المستقيم } فكان التقدير إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ، وحينئذٍ يعود المحذور المذكور . والآية الثانية : قوله تعالى : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌلأِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } [ آل عمران : 178 ] وأما المعقول فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في البحر ، ومثل هذا لا يكون نعمة ، بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير ، فكذا ههنا .
وأما الذين قالوا إن لله على الكافر نعماً كثيرة فقد احتجوا بآيات : إحداها : قوله تعالى : { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَاء } [ البقرة : 21 ، 22 ] فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة . وثانيها : قوله : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } [ البقرة : 28 ] ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وثالثها : قوله تعالى : { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }

(1/237)


[ البقرة : 40 ] ورابعها : قوله تعالى : { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } [ سبأ : 13 ] وقول إبليس : { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } [ الأعراف : 17 ] ولو لم تحصل النعم لم يلزم الشكر . ولم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور؛ لأن الشكر لا يمكن إلا عند حصول النعمة .
الفائدة الثانية : قوله : { اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية : إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم فقال : { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين } [ النساء : 69 ] ؛ الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ، ولو كان أبو بكر ظالماً لما جاز الاقتداء به ، فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه .
الفائدة الثالثة : قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } يتناول كل من كان لله عليه نعمة ، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا أو نعمة الدين ، ولما بطل الأول ثبت أن المراد منه نعمة الدين ، فنقول : كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان ، وأما النعمة التي هي الإيمان فيمكن حصولها خالياً عن سائر النعم الدينية ، وهذا يدل على أن المراد من قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } هو نعمة الإيمان ، فرجع حاصل القول في قوله : إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أنه طلب لنعمة الإيمان ، وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : يتفرع عليه أحكام :
الحكم الأول : أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان ، ولفظ الآية صريح في أن الله تعالى هو المنعم بهذه النعمة؛ ثبت أن خالق الإيمان والمعطي للإيمان هو الله تعالى ، وذلك يدل على فساد قول المعتزلة ، ولأن الإيمان أعظم النعم ، فلو كان فاعله هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله ، ولو كان كذلك لما حسن من الله أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم .
الحكم الثاني : يجب أن لا يبقى المؤمن مخلداً في النار ، لأن قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } مذكور في معرض التعظيم لهذا الإنعام ، ولو لم يكن له أثر في دفع العقاب المؤبد لكان قليل الفائدة فما كان يحسن من الله تعالى ذكره في معرض التعظيم .
الحكم الثالث : دلت الآية على أنه لا يجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في الدين ، لأنه لو كان الإرشاد واجباً على الله لم يكن ذلك إنعاماً؛ لأن أداء الواجب لا يكون إنعاماً ، وحيث سماه الله تعالى إنعاماً علمنا أنه غير واجب .
الحكم الرابع : لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام هو أن الله تعالى أقدر المكلف عليه وأرشده إليه وأزاح أعذاره وعلله عنه؛ لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلما خص الله تعالى بعض المكلفين بهذا الإنعام مع أن هذا الأقدار وإزاحة العلل عام في حق الكل علمنا أن المراد من الأنعام ليس هو الأقدار عليه وإزاحة الموانع عنه .

(1/238)


الفصل التاسع
في قوله تعالى { غير المغضوب عليهم ولاالضالين }
وفيه فوائد :
معنى قوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } الخ :
الفائدة الأولى : المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود ، لقوله تعالى : { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [ المائدة : 60 ] والضالين : هم النصارى لقوله تعالى : { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل } [ المائدة : 77 ] وقيل : هذا ضعيف؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث ديناً من اليهود والنصارى ، فكان الاحتراز عن دينهم أولى ، بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ، ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل ، ويحتمل أن يقال : المغضوب عليهم هم الكفار ، والضالون هم المنافقون ، وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات من أول البقرة ، ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } [ البقرة : 6 ] ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا } [ البقرة : 8 ] فكذا ههنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله : { وَلاَ الضالين } .
الفائدة الثانية : لما حكم الله عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين ، وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً ، وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال .
الفائدة الثالثة : قوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } يدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم ، ولا على اعتقاد الذين أنعم الله عليهم ، لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق ، لقوله تعالى : { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } [ يونس : 32 ] ولو كانوا ضالين لماجاز الاقتداء بهم ، ولا الاهتداء بطريقهم ، ولكانوا خارجين عن قوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ولما كان ذلك باطلاً علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام .
الفائدة الرابعة : الغضب : تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام ، واعلم أن هذا على الله تعالى محال ، لكن ههنا قاعدة كلية ، وهي أن جميع الأعراض النفسانية أعني الرحمة ، والفرح ، والسرور ، والغضب ، والحياء ، والغيرة ، والمكر والخداع ، والتكبر ، والاستهزاء لها أوائل ، ولها غايات ، ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب ، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غايته الذي هو إرادة الأضرار ، وأيضاً ، الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس ، وله غرض وهو ترك الفعل ، فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس ، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب .

(1/239)


الفائدة الخامسة : قالت المعتزلة : غضب الله عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلماً من الله تعالى ، وقال أصحابنا : لما ذكر غضب الله عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم علة لكونهم ضالين ، وحينئذٍ تكون صفة الله مؤثرة في صفة العبد ، أما لو قلنا إن كونهم ضالين يوجب غضب الله عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى ، وذلك محال .
الفائدة السادسة : أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له ، وآخرها مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته ، وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله تعالى ، ومطلع الآفات ورأس المخافات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته .
الفائدة السابعة : دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة ، وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم ، وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم ، وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين .
فإن قيل : لم قدم ذكر العصاة على ذكر الكفرة؟ قلنا : لأن كل واحد يحترز عن الكفر أما قد لا يحترز عن الفسق فكان أهم فلهذا السبب قدم .
الفائدة الثامنة : في الآية سؤال ، وهو أن غضب الله إنما تولد عن علمه بصدور القبيح والجناية عنه ، فهذا العلم إما أن يقال إنه قديم ، أو محدث ، فإن كان هذا العلم قديماً فلم خلقه ولم أخرجه من العدم إلى الوجود مع علمه بأنه لا يستفيد من دخوله في الوجود إلا العذاب الدائم ، ولأن من كان غضبان على الشيء كيف يعقل إقدامه على إيجاده وعلى تكوينه؟ وأما إن كان ذلك العلم حادثاً كان الباري تعالى محلاً للحوادث ، ولأنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سبق علم آخر ، ويتسلسل ، وهو محال ، وجوابه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد .
الفائدة التاسعة : في الآية سؤال آخر ، وهو أن من أنعم الله عليه امتنع أن يكون مغضوباً عليه وأن يكون من الضالين ، فلما ذكر قوله أنعمت عليهم فما الفائدة في أن ذكر عقيبه غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟ والجواب : الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف ، كما قال عليه السلام : « لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا » فقوله : صراط الذين أنعمت عليهم يوجب الرجاء الكامل ، وقوله : غير المغضوب عليهم ولا الضالين يوجب الخوف الكامل ، وحينئذٍ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه ، وينتهي إلى حد الكمال .

(1/240)


الفائدة العاشرة : في الآية سؤال آخر ، ما الحكمة في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة وهم الذين أنعم الله عليهم ، والمردودين فريقين : المغضوب عليهم ، والضالين؟ والجواب أن أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، فهؤلاء هم المرادون بقوله : أنعمت عليهم ، فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } [ النساء : 93 ] وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى : { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } [ يونس : 32 ] وهذا آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه السورة على التفصيل ، والله أعلم .
القسم الثاني
الكلام في تفسير مجموع هذه السورة ، وفيه فصول
الفصل الأول
في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة
اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة ، وعالم الآخرة عالم الصفاء ، فالآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع ، وكالجسم بالنسبة إلى الظل ، فكل ما في الدنيا فلا بدّ له في الآخرة من أصل ، وإلا كان كالسراب الباطل والخيال العاطل ، وكل ما في الآخرة فلا بدّ له في الدنيا من مثال ، وإلا لكان كالشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل ، فعالم الروحانيات عالم الأضواء والأنوار والبهجة والسرور واللذة والحبور ، ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال والنقصان ولا بدّ وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها ، ويكون ما سواه في طاعته وتحت أمره ونهيه ، كما قال : { ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ } [ التكوير : 20 ، 21 ] وأيضاً فلا بدّ في الدنيا من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها ، ويكون كل ما سواه في هذا العالم تحت طاعته وأمره ، فالمطاع الأول هو المطاع في عالم الروحانيات والمطاع الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات ، فذاك مطاع العالم الأعلى ، وهذا مطاع العالم الأسفل ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات كالظل لعالم الروحانيات وكالأثر وجب أن يكون بين هذين المطاعين ملاقاة ومقارنة ومجانسة ، فالمطاع في عالم الأرواح هو المصدر ، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر والمصدر هو الرسول الملكي ، والمظهر هو الرسول البشري ، وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة وفي الدنيا .
وإذا عرفت هذا فنقول : كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في الدعوة إلى الله ، وهذه الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله : { والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله } الآية ويندرج في أحكام الرسل قوله : { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } [ البقرة : 285 ] فهذه الأربعة متعلقة بمعرفة المبدأ ، وهي معرفة الربوبية ، ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني على أمرين : أحدهما : المبدأ ، والثاني : الكمال .

(1/241)


فالمبدأ هو قوله تعالى : { وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [ البقرة : 285 ] لأن هذا المعنى لا بدّ منه لمن يريد الذهاب إلى الله ، وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه وهو قوله : { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة ، ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى المعاد ، وهو المراد من قوله : { وَإِلَيْكَ المصير } ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ والوسط ، والمعاد ، أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله ، والملائكة ، والكتب ، والرسل ، وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين : «سمعنا وأطعنا» نصيب عالم الأجساد ، و «غفرانك ربنا» نصيب عالم الأرواح ، وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد ، وهو قوله : { وَإِلَيْكَ المصير } [ البقرة : 285 ] فابتداء الأمر أربعة ، وفي الوسط صار اثنين ، وفي النهاية صار واحداً .
ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع :
فأولها : قوله : { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [ البقرة : 286 ] وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } [ الأحزاب : 41 ] وقوله : { واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } [ الكهف : 24 ] وقوله : { تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] وقوله : { واذكر اسم رَبّكَ } [ الإنسان : 25 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الرحن الرحيم .
وثانيها : قوله : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } [ البقرة : 286 ] ودفع الأصر والأصر هو الثقل يوجب الحمد ، وذلك إنما يحصل بقوله الحمد لله رب العالمين .
وثالثها : قوله : { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [ البقرة : 286 ] وذلك إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك هو قوله الرحمن الرحيم .
ورابعها : قوله : { واعف عَنَّا } لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ، وهو قوله مالك يوم الدين .
وخامسها : قوله تعالى : { واغفر لَنَا } لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات ، وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين .
وسادسها : قوله : { وارحمنا } لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا : اهدنا الصراط المستقيم .
وسابعها : قوله : { أَنتَ مولانا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } [ البقرة : 286 ] وهو المراد من قوله { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } .
فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج ، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة ، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المصدر إلى المظهر ، فلهذا السبب قال عليه السلام :

(1/242)


« الصلاة معراج المؤمن » . الفصل الثاني : في مداخل الشيطان
مداخل الشيطان :
اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة ، والغضب ، والهوى ، فالشهوة بهيمية ، والغضب سبعية ، والهوى شيطانية : فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منه ، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه ، فقوله تعالى : { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء } [ العنكبوت : 45 ] المراد آثار الشهوة ، وقوله : { والمنكر } المراد منه آثار الغضب ، وقوله : { والبغى } المراد منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه ، وبالغضب يصير ظالماً لغيره ، وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى ، ولهذا قال عليه السلام : « الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه ، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله ، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً ، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه » فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى . ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ، ومنشأ الظلم الذي عسى الله أن يتركه هو الشهوة ، ثم لها نتائج؛ فالحرص والبخل نتيجة الشهوة ، والعجب والكبر نتيجة الغضب ، والكفر والبدعة نتيجة الهوى ، فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد منها سابع وهو الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة . كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة ، ولهذا السبب ختم الله مجامع الشرور الإنسانية بالحسد ، وهو قوله : { وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } [ الفلق : 5 ] كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله : { يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس مِنَ الجنة والناس } [ الناس : 5 ، 6 ] فليس في بني آدم أشر من الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر من الوسواس ، بل قيل : الحاسد أشر من إبليس ، لأن إبليس روي أنه أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون من هذا؟ فقال إبليس : لو كنت إلهاً لما جهلتني ، فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض شراً مني ومنك ، قال : نعم ، الحاسد ، وبالحسد وقعت في هذه المحنة .
إذا عرفت هذا فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة ، والأولاد والنتائج هي هذه السبعة المذكورة فأنزل الله تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه الآفات السبع وأيضاً أصل سورة الفاتحة هو التسمية ، وفيها الأسماء الثلاثة ، وهي في مقابلة تلك الأخلاق الأصلية الفاسدة ، فالأسماء الثلاثة الأصلية في مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصلية ، والآيات السبع ( التي هي الفاتحة ) في مقابلة الأخلاق السبعة ، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة ، وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة ، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة .
أما بيان أن الأمهات الثلاثة في مقابلة الأمهات الثلاثة فنقول : إن من عرف الله وعرف أنه لا إله إلا الله تباعد عنه الشيطان والهوى؛ لأن الهوى إله سوى الله يعبد ، بدليل قوله تعالى :

(1/243)


{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } [ الجاثية : 23 ] وقال تعالى لموسى : يا موسى ، خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً نازعني في ملكي إلا الهوى ، ومن عرف أنه رحمن لا يغضب ، لأن منشأ الغضب طلب الولاية ، والولاية للرحمن لقوله تعالى : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } [ الفرقان : 26 ] ومن عرف أنه رحيم وجب أنه يتشبه به في كونه رحيماً وإذا صار رحيماً لم يظلم نفسه ، ولم يلطخها بالأفعال البهيمية .
وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع ، وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة نذكر دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى ذكر أن تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس السورة ، وذكر معها اسمين آخرين : وهما الرب ، والمالك؛ فالرب قريب من الرحيم ، لقوله : { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ ياس : 58 ] والمالك قريب من الرحمن ، لقوله تعالى : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } فحصلت هذه الأسماء الثلاثة : الرب والملك ، والإله ، فلهذا السبب ختم الله آخر سورة القرآن عليها ، والتقدير كأنه قيل : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل : { أَعُوذُ بِرَبّ الناس } [ الناس : 1 ] وإن أتاك من قبل الغضب فقل : { مَلِكِ الناس } [ الناس : 2 ] وإن أتاك من قبل الهوى فقل : { إله الناس } [ الناس : 3 ] .
ولنرجع إلى بيان معارضة تلك السبعة فنقول : من قال الحمد لله فقد شكر الله ، واكتفى بالحاصل ، فزالت شهوته ، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد ، وبخله فيما وجد فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ، ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد أن عرف أنه الرحمن الرحيم زال غضبه ، ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره بالأول وعجبه بالثاني ، فاندفعت عنه آفة الغضب بولديها ، فإذا قال : إهدنا الصراط المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى ، وإذا قال صراط الذين أنعمت عليهم زال عنه كفره وشبهته ، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين اندفعت عنه بدعته ، فثبت أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة السبعة .
الفصل الثالث :
في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد .
جمع الفاتحة لكل ما يحتاج إليه :
اعلم أن قوله الحمد لله إشارة إلى إثبات الصانع المختار ، وتقريره : أن المعتمد في إثبات الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال : { رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ } [ البقرة : 258 ] ، وقال في موضع آخر : { الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء : 78 ] ، وقال موسى عليه السلام : { رَبُّنَا الذى أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] ، وقال في موضع آخر : { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين } [ الشعراء : 26 ] ، وقال تعالى في أول سورة البقرة : { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }

(1/244)


[ البقرة : 21 ] وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام : { اقرأ باسم رَبّكَ الذى خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ } [ العلق : 1 ، 2 ] فهذه الآيات الست تدل على أنه تعالى استدل بخلق الإنسان على وجود الصانع تعالى ، وإذا تأملت في القرآن وجدت هذا النوع من الاستدلال فيه كثيراً جداً .
واعلم أن هذا الدليل كما أنه في نفسه هو دليل فكذلك هو نفسه إنعام عظيم ، فهذه الحالة من حيث إنها تعرف العبد وجود الإله دليل ، ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من الله إلى العبد إنعام ، فلا جرم هو دليل من وجه ، وإنعام من وجه ، والإنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى إيقاعه إنعاماً كان يستحق هو الحمد ، وحدوث بدن الإنسان أيضاً كذلك ، وذلك لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والإشكال من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع ، فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل على وجود صانع عالم بالمعلومات قادر على كل المقدورات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق هذه الأعضاء على الوجه المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ، ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقاً للحمد والثناء ، فقوله : { الحمد للَّهِ } يدل على وجود الصانع ، وعلى علمه ، وقدرته ، ورحمته ، وكمال حكمته وعلى كونه مستحقاً للحمد والثناء والتعظيم ، فكان قوله الحمد لله دالاً على جملة هذه المعاني ، وأما قوله : { رَبّ العالمين } فهو يدل على أن ذلك الإله واحد ، وأن كل العالمين ملكه وملكه ، وليس في العالم إله سواه ، ولا معبود غيره ، وأما قوله : { الرحمن الرحيم } فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ، وأما قوله : { مالك يَوْمِ الدين } فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء ، ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين ، ولو لم يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحماناً رحيماً ، إذا عرفت هذا ظهر أن قوله : { الحمد للَّهِ } يدل على وجود الصانع المختار ، وقوله : { رَبّ العالمين } يدل على وحدانتيه ، وقوله : { الرحمن الرحيم } يدل على رحمته في الدنيا والآخرة ، وقوله : { مالك يَوْمِ الدين } يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة . وإلى ههنا تم ما يحتاج إليه في معرفة الربوبية . أما قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } إلى آخر السورة فهو إشارة إلى الأمور التي لا بدّ من معرفتها في تقرير العبودية ، وهي محصورة في نوعين : الأعمال التي يأتي بها العبد ، والآثار المتفرعة على تلك الأعمال : أما الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان : أحدهما : إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } . والثاني : علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا بإعانة الله وإليه الإشارة بقوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وههنا ينفتح البحر الواسع في الجبر والقدر ، وأما الآثار المتفرعة على تلك الأعمال فهي حصول الهداية والانكشاف والتجلي ، وإليه الإشارة بقوله : { اهدنا الصراط المستقيم } ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف : الطائفة الأولى : الكاملون المحقون المخلصون ، وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ، ومعرفة الخير لأجل العمل به ، وإليهم الإشارة بقوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } . والطائفة الثانية : الذين أخلوا بالأعمال الصالحة ، وهم الفسقة وإليهم الإشارة بقوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } . والطائفة الثالثة : الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة ، وهم أهل البدع والكفر ، وإليهم الإشارة بقوله : { وَلاَ الضالين } .

(1/245)


إذا عرفت هذا فنقول : استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين : أحدهما : أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال ، والثاني : أن تصل إليه محصولات المتقدمين فتستكمل نفسه ، وقوله : { اهدنا الصراط المستقيم } إشارة إلى القسم الأول ، وقوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } إشارة إلى القسم الثاني ، ثم في هذا القسم طلب أن يكون اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة ، وتبرأ من أن يكون اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة ، وهم المغضوب عليهم ، أو بطائفة الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة ، وهم الضالون ، وهذا آخر السورة ، وعند الوقوف على ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة الربوبية ومعرفة العبودية .
الفصل الرابع :
قسمة الله للصلاة بينه وبين عباده .
قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي ، وإذا قال الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي ، وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي ، وفي رواية أخرى فوض إليّ عبدي ، وإذا قال إياك نعبد يقول الله عبدني عبدي ، وإذا قال وإياك نستعين يقول الله تعالى توكل علي عبدي ، وفي رواية أخرى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي ، وإذا قال إهدنا الصراط المستقيم يقول الله هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » فوائد هذا الحديث :
الفائدة الأولى : قوله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين يدل على أن مدار الشرائع على رعاية مصالح الخلق ، كما قال تعالى : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] وذلك لأن أهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ، ثم بمعرفة العبودية؛ لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد ، كما قال : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] وقال : { إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً } [ الإنسان : 2 ] وقال : { يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }

(1/246)


[ البقرة : 40 ] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنزل الله هذه السورة على محمد عليه السلام وجعل النصف الأول منها في معرفة الربوبية ، والنصف الثاني منها في معرفة العبودية ، حتى تكون هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه في الوفاء بذلك العهد .
الفائدة الثانية : الله تعالى سمى الفاتحة باسم الصلاة ، وهذا يدل على أحكام : الحكم الأول : أن عند عدم قراءة الفاتحة وجب أن لا تحصل الصلاة ، وذلك يدل على أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة ، كما يقوله أصحابنا ويتأكد هذا الدليل بدلائل أخرى : أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام واظب على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى : { فاتبعوه } ولقوله عليه الصلاة والسلام : « صلوا كما رأتيموني أصلي » . وثانيها : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي » وثالثها : أن جميع المسلمين شرقاً وغرباً لا يصلون إلا بقراءة الفاتحة فوجب أن تكون متابعتهم واجبة في ذلك لقوله تعالى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } [ النساء : 115 ] ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » خامسها : قوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وقوله : { فاقرؤا } أمر ، وظاهره الوجوب ، فكانت قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ، وقراءة غير الفاتحة ليست واجبة فوجب أن تكون قراءة الفاتحة واجبة عملاً بظاهر الأمر ، وسادسها : أن قراءة الفاتحة أحوط فوجب المصير إليها ، لقوله عليه السلام : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وسابعها : أن الرسول عليه السلام واظب على قراءتها فوجب أن يكون العدول عنه محرماً لقوله تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } [ النور : 63 ] وثامنها : أنه لا نزاع بين المسلمين أن قراءة الفاتحة في الصلاة أفضل وأكمل من قراءة غيرها ، إذا ثبت هذا فنقول : التكليف كان متوجهاً على العبد بإقامة الصلاة ، والأصل في الثابت البقاء حكمنا بالخروج عن هذه العهدة عند الإيتاء بالصلاة مؤداة بقراءة الفاتحة ، وقد دللنا على أن هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل الكامل الخروج عن العهدة بالعمل الناقص ، فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة وجب البقاء في العهدة ، وتاسعها : أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب ، لقوله تعالى : { وأقم الصلاة لذكري } [ طه : 14 ] وهذه السورة مع كونها مختصرة ، جامعة لمقامات الربوبية والعبودية والمقصود من جميع التكاليف حصول هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة لكل القرآن في قوله : { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني والقرءان العظيم } [ الحجر : 87 ] فوجب أن لا يقوم غيرها مقامها ألبتة . وعاشرها : أن هذا الخبر الذي رويناه يدل على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل الصلاة .

(1/247)


الفائدة الثالثة : أنه قال : «إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى : «ذكرني عبدي» وفيه أحكام : أحدها : أنه تعالى قال : { فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] فههنا لما أقدم العبد على ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملائه . وثانيها : أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام عالٍ شريف في العبودية ، لأنه وقع الابتداء به ، ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال : { اذكرونى أَذْكُرْكُمْ } ثم قال : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } [ الأحزاب : 41 ] ثم قال : { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } [ آل عمران : 191 ] ثم قال : { إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طائف مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } [ الأعراف : 201 ] فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في تقرير مقام الذكر . وثالثها : إن قوله : " ذكرني عبدي " يدل على أن قولنا : «الله» اسم علم لذاته المخصوصة ، إذ لو كان اسماً مشتقاً لكان مفهومه مفهوماً كلياً ، ولو كان كذلك لما صارت ذاته المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ ، فظاهر أن لفظي الرحمن الرحيم لفظان كليان ، فثبت أن قوله : «ذكرني عبدي» يدل على أن قولنا الله اسم علم ، أما قوله : «وإذا قال الحمد لله يقول الله تعالى حمدني عبدي» فهذا يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول كلام ذكر في أول خلق العالم هو الحمد ، بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } [ البقرة : 30 ] وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضاً ، بدليل قوله تعالى في صفة أهل الجنة { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] والعقل أيضاً يدل عليه؛ لأن الفكر في ذات الله غير ممكن ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق " ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق تصوره ، وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن ، فالفكر فيه غير ممكن فعلى هذا الفكر لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ، ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب بالذات ، والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر ، فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر ، فلهذا قال : الحمد لله رب العالمين ، وعند هذا يقول : حمدني عبدي ، فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد بعقله وفكره على وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وعلى أن لسانه صار موافقاً لعقله ومطابقاً له ، وإن غرق في بحر الإيمان به والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه ، فما أجل هذه الحالة .
وأما قوله : «وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي» فلقائل أن يقول : إنه لما قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي ، وههنا لما قال الرحمن الرحيم قال عظمني عبدي فما الفرق؟ وجوابه أن قوله الحمد لله دل على إقرار العبد بكماله في ذاته ، وبكونه مكملاً لغيره ، ثم قال بعده : رب العالمين ، وهذا يدل على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره واحد ليس له شريك ، فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك على أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل والضد والند في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام ، فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : «عظمني عبدي» .

(1/248)


وأما قوله : «وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي» أي : نزهني وقدسني عما لا ينبغي فتقريره أنا نرى في دار الدنيا كون الظالمين متسلطين على المظلومين ، وكون الأقوياء مستولين على الضعفاء ، ونرى العالم الزاهد الكامل في أضيق العيش ، ونرى الكافر الفاسق في أعظم أنواع الراحة والغبطة ، وهذا العمل لا يليق برحمة أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، فلو لم يحصل المعاد والبعث والحشر حتى ينتصف الله فيه للمظلومين من الظالمين ويوصل إلى أهل الطاعة الثواب ، وإلى أهل الكفر العقاب ، لكان هذه الاهمال والامهال ظلماً من الله على العباد ، أما لما حصل يوم الجزاء ويوم الدين اندفع وهم الظلم ، فلهذا السبب قال الله تعالى : { لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } [ النجم : 31 ] وهذا هو المراد من قوله تعالى : " مجدني عبدي ، الذي نزهني عن الظلم وعن شيمه . " وأما قوله : «وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي» فهو إشارة إلى سر مسألة الجبر والقدر ، فإن قوله إياك نعبده معناه إخبار العبد عن إقدامه على عمل الطاعة والعبادة . ثم جاء بحث الجبر والقدر : وهو أنه مستقل بالإتيان بذلك العمل أو غير مستقل به ، والحق أنه غير مستقل به ، وذلك لأن قدرة العبد إما أن تكون صالحة للفعل والترك ، وإما أن لا تكون كذلك : فإن كان الحق هو الأول امتنع أن تصير تلك القدرة مصدراً للفعل دون الترك إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد البحث فيه ، وإن لم يكن من العبد فهو من الله تعالى فخلق تلك الداعية الخالصة عن المعارض هو الإعانة ، وهو المراد من قوله إياك نستعين ، وهو المراد من قولنا : { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } ، أي : لا تخلق في قلوبنا داعية تدعونا إلى العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة ، وهب لنا من لدنك رحمة ، وهذه الرحمة خلق الداعية التي تدعونا إلى الأعمال الصالحة والعقائد الحقة ، فهذا هو المراد من الإعانة والاستعانة ، وكل من لم يقل بهذا القول لم يفهم ألبتة معنى قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وإذا ثبت هذا ظهر صحة قوله تعالى : هذا بيني وبين عبدي ، أما الذي منه فهو خلق الداعية الجازمة ، وأما الذي من العبد فهو أن عند حصول مجموع القدرة والداعية يصدر الأثر عنه ، وهذا كلام دقيق لا بدّ من التأمل فيه .

(1/249)


وأما قوله : «وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» وتقريره أنا نرى أهل العالم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية ، وفي جميع مسائل النبوات ، وفي جميع مسائل المعاد ، والشبهات غالبة ، والظلمات مستولية ، ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير ، وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين الحق في عين عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال : { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } [ الحجرات : 7 ] وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق ، فقوله : { اهدنا الصراط المستقيم } إشارة إلى هذه الحالة ، ويدل عليه أيضاً أن المبطل لا يرضى بالباطل ، وإنما طلب الاعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح ، فلو كان الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا في بحر الضلالات علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ، ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك ، أما الملائكة فقالوا : { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم } [ البقرة : 32 ] وقال آدم عليه السلام : { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } [ الأعراف : 23 ] وقال إبراهيم عليه السلام : { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } [ الأنعام : 77 ] وقال يوسف عليه السلام : { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ يوسف : 101 ] وقال موسى عليه السلام : { رَبّ اشرح لِى صَدْرِى } [ طه : 25 ] الآية وقال محمد عليه السلام : { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } [ آل عمران : 8 ] فهذا هو الكلام في لطائف هذاالخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه .
الفائدة الرابعة : من فوائد هذا الخبر أن آيات الفاتحة سبع ، والأعمال المحسوسة أيضاً في الصلاة سبعة ، وهي : القيام ، والركوع ، والانتصاب ، والسجود الأول ، والانتصاب فيه ، والسجود الثاني والقعدة ، فصار عدد آيات الفاتحة مساوياً لعدد هذه الأعمال ، فصارت هذه الأعمال كالشخص ، والفاتحة لها كالروح ، والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد ، فقوله : { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } بإزاء القيام ، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله بقي قائماً مرتفعاً ، وأيضاً فالتسمية لبداية الأمور ، قال عليه الصلاة والسلام :

(1/250)


« كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر » وقال تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى } [ الأعلى : 14 ، 15 ] وأيضاً القيام لبداية الأعمال ، فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه ، وقوله تعالى : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } بإزاء الركوع ، وذلك لأن العبد في مقام التحميد ناظر إلى الحق وإلى الخلق؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء عليه بسب الإنعام الصادر منه ، والعبد في هذا المقام ناظر إلى المنعم وإلى النعمة ، فهو حالة متوسطة بين الإعراض وبين الاستغراق ، والركوع حالة متوسطة بين القيام وبين السجود وأيضاً ، الحمد يدل على النعم الكثيرة ، والنعم الكثيرة مما تثقل ظهره ، فينحني ظهره للركوع وقوله : { الرحمن الرحيم } مناسب للانتصاب لأن العبد لما تضرع إلى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ، ولذلك قال عليه السلام : « إذا قال العبد سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة » وقوله : { مالك يَوْمِ الدين } مناسب للسجدة الأولى : لأن قولك مالك يوم الدين يدل على كمال القهر والجلال والكبرياء ، وذلك يوجب الخوف الشديد ، فيليق به الإتيان بغاية الخضوع والخشوع ، وهو السجدة؛ وقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } مناسب للقعدة بين السجدتين ، لأن قوله إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت ، وقوله وإياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية . وأما قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع . وأما قوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } إلى آخره فهو مناسب للقعدة ، وذلك لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابل الله تواضعه بالإكرام ، وهو أن أمره بالقعود بين يديه ، وذلك إنعام عظيم من الله على العبد ، فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم ، وأيضاً أن محمداً عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ذلك : « التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، » والصلاة معراج المؤمن ، فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام وهي أن جلس بين يدي الله وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام ، فهو أيضاً يقرأ التحيات ، ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله : { فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين } [ النساء : 69 ] الآية .
واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة ، وهذه الأعمال السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان ، وهي قوله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] وعند هذا ينكشف أن مراتب الأجساد كثيرة ، ومراتب الأرواح كثيرة ، وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى ، كما قال سبحانه وتعالى :

(1/251)


{ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } [ النجم : 42 ] .
الفصل الخامس :
في أن الصلاة معراج العارفين .
الصلاة معراج العارفين :
اعلم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان : أحدهما : من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى ، فهذا ما يتعلق بالظاهر ، وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان : أحدهما : من عالم الشهادة إلى عالم الغيب . والثاني : من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب ، وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين ، فتخطاهما محمد عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى : { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى } [ النجم : 9 ] وقوله : { أَوْ أدنى } إشارة إلى فنائه في نفسه ، أما الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة ، لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك ، فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، وأما عالم الأرواح فعالم لا نهاية له ، وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ، ثم تترقى في معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي ، وهي أيضاً متفاوتة في الاستعلاء ، ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى : { وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش } [ الزمر : 75 ] ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله تعالى : { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية } [ الحاقة : 17 ] وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام ، وهم الذين طعامهم ذكر الله ، وشرابهم محبة الله ، وأنسهم بالثناء على الله ، ولذتهم في خدمة الله ، وإليهم الإشارة بقوله : { وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } [ الأنبياء : 19 ] وبقوله : { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 20 ] ثم لهم أيضاً درجات متفاوتة ، ومراتب متباعدة ، والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها ، والوقوف على شرح صفاتها ، ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلاً كما قال تعالى : { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ يوسف : 76 ] إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ، ومسبب الأسباب ، ومبدأ الكل ، وينبوع الرحمة ، ومبدأ الخير ، وهو الله تعالى ، فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب ، وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « إن لله سبعين حجاباً من النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك البصر » وتقدير عدد تلك الحجب بالسبعين مما لا يعرف إلا بنور النبوة .
فقد ظهر بما ذكرنا أن المعراج على قسمين : أولهما : المعراج من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، والثاني : المعراج من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب ، وهذه كلمات برهانية يقينية حقيقية .

(1/252)


إذا عرفت هذا فلنرجع إلى المقصود فنقول : إن محمداً عليه السلام لما وصل إلى المعراج وأراد أن يرجع قال : " يا رب العزة إن المسافر إذا أراد أن يعود إلى وطنه احتاج إلى محمولات يتحف بها أصحابه وأحبابه ، فقيل له : إن تحفة أمتك الصلاة " وذلك لأنها جامعة بين المعراج الجسماني ، وبين المعراج الروحاني : أما الجسماني فبالأفعال ، وأما الروحاني فبالأذكار ، فإذا أردت أيها العبد الشروع في هذا المعراج فتطهر أولاً ، لأن المقام مقام القدس ، فليكن ثوبك طاهراً ، وبدنك طاهراً لأنك بالوادي المقدس طوى ، وأيضاً فعندك ملك وشيطان ، فانظر أيهما تصاحب : ودين ودنيا ، فانظر أيهما تصاحب : وعقل وهوى ، فانظر أيهما تصاحب : وخير وشر ، وصدق وكذب ، وحق وباطل ، وحلم وطيش ، وقناعة وحرص؛ وكذا القول في كل الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية ، فانظر أنك تصاحب أي الطرفين وتوافق أي الجانبين فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة ، ألا ترى أن الصديق اختار صحبة محمد عليه السلام فلزمه في الدنيا ، وفي القبر ، وفي القيامة ، وفي الجنة وأن كلباً صحب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا ، وفي الآخرة ، ولهذا السر قال تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } [ التوبة : 119 ] ثم إذا تطهرت فارفع يديك ، وذلك الرفع إشارة إلى توديع عالم الدنيا وعالم الآخرة فاقطع نظرك عنهما بالكلية ، ووجه قلبك وروحك وسرك وعقلك وفهمك وذكرك وفكرك إلى الله ، ثم قل : الله أكبر ، والمعنى أنه أكبر من كل الموجودات ، وأعلى وأعظم وأعز من كل المعلومات ، بل هو أكبر من أن يقاس إليه شيء أو يقال أنه أكبر ، ثم قل : سبحانك اللهم وبحمدك ، وفي هذا المقام تجلى لك نور سبحات الجلال ، ثم ترقيت من التسبيح إلى التحميد ثم قل : تبارك اسمك ، وفي هذا المقام انكشف لك نور الأزل والأبد ، لأن قوله تبارك إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ، وذلك يتعلق بمطالعة حقيقة الأزل في العدم ، ومطالعة حقيقة الأبد في البقاء ، ثم قل : وتعالى جدك ، وهو إشارة إلى إنه أعلم وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور ، ثم قل : ولا إله غيرك ، وهو إشارة إلى أن كل صفات الجلال وسمات الكمال له لا لغيره ، فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو ، والمقدس الذي لا مقدس إلا هو ، وفي الحقيقة لا هو إلا هو ولا إله إلا هو ، والعقل ههنا ينقطع ، واللسان يعتقل ، والفهم يتبلد ، والخيال يتحير ، والعقل يصير كالزمن ، ثم عد إلى نفسك وحالك وقل : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ، فقولك : «سبحانك اللهم وبحمدك» معراج الملائكة المقربين ، وهو المذكور في قوله : { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } [ البقرة : 30 ] وهو أيضاً معراج محمد عليه السلام ، لأن معراجه مفتتح بقوله : «سبحانك اللهم وبحمدك» وأما قولك : «وجهت وجهي» فهو معراج إبراهيم الخليل عليه السلام ، وقولك : «إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله» فهو معراج محمد الحبيب عليه السلام ، فإذا قرأت هذين الذكرين فقد جمعت بين معراج أكابر الملائكة المقربين وبين معراج عظماء الأنبياء والمرسلين ، ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، لتدفع ضرر العجب من نفسك .

(1/253)


واعلم أن للجنة ثمانية أبواب ، ففي هذا المقام انفتح لك باب من أبواب الجنة ، وهو باب المعرفة ، والباب الثاني : هو باب الذكر وهو قولك بسم الله الرحمن الرحيم ، والباب الثالث : باب الشكر ، وهو قولك الحمد لله رب العالمين والباب الرابع : باب الرجاء ، وهو قولك الرحمن الرحيم ، والباب الخامس : باب الخوف ، وهو قولك مالك يوم الدين ، والباب السادس : باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية ، وهو قولك إياك نعبد وإياك نستعين ، والباب السابع : باب الدعاء والتضرع كما قال : { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } [ النمل : 62 ] وقال : { ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [ غافر : 60 ] وهو ههنا قولك اهدنا الصراط المستقيم ، والباب الثامن : باب الاقتداء بالأرواح الطيبة الطاهرة والاهتداء بأنوارهم ، وهو قولك صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وبهذا الطريق إذا قرأت هذه السورة . ووقفت على أسرارها انفتحت لك ثمانية أبواب الجنة ، وهو المراد من قوله تعالى : { جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب } [ ص : 50 ] فجنات المعارف الربانية انفتحت أبوابها بهذه المقاليد الروحانية ، فهذا هو الإشارة إلى ما حصل في الصلاة من المعراج الروحاني .
وأما المعراج الجسماني فالمرتبة الأولى أن تقوم بين يدي الله مثل قيام أصحاب الكهف ، وهو قوله تعالى : { إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض } [ الكهف : 14 ] بل قم قيام أهل القيامة وهو قوله تعالى : { يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبّ العالمين } [ المطففين : 6 ] ثم اقرأ سبحانك اللهم ، وبعده وجهت وجهي ، وبعده الفاتحة ، وبعدها ما تيسر لك من القرآن ، واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله ، فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين ، وهذا سر قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } .
واعلم أن النفس الآن جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال فلانت ، فاجعلها محنية بالركوع فقل : سمع الله لمن حمده ، ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى ، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بنهاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو ، وقل : سبحان ربي الأعلى ، فإذا أتيت بالسجدة الثانية فقد حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة : الركوع الواحد ، والسجودان ، وبها تنجو من العقبات الثلاث المهلكة ، فبالركوع تنجو عن عقبة الشهوات ، وبالسجود الأول تنجو عن عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات ، وبالسجود الثاني تنجو عن عقبة الهوى الذي هو الداعي إلى كل المهلكات والمضلات ، فإذا تجاوزت هذه العقبات وتخلصت عن هذه الدركات فقد وصلت إلى الدرجات العاليات ، وملكت الباقيات الصالحات ، وانتهيت إلى عتبة جلال مدبر الأرض والسموات ، فقل عند ذلك التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، فالتحيات المباركات باللسان ، والصلوات بالأركان ، والطيبات بالجنان وقوة الإيمان ، ثم في هذا المقام يصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى الله عليه وسلم فيتلاقى الروحان ، ويحصل هناك الروح والراحة والريحان ، فلا بدّ لروح محمد عليه الصلاة والسلام من محمدة وتحية ، فقل : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فعند ذلك يقول محمد عليه الصلاة والسلام : «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ، وكأنه قيل لك فهذه الخيرات والبركات بأي وسيلة وجدتها؟ وبأي طريق وصلت إليها؟ فقل بقولي : «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، فقيل لك أن محمداً هو الذي هداك إليه ، فأي شيء هديتك له؟ فقل : اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد ، فقيل لك : إن إبراهيم هو الذي طلب من الله أن يرسل إليك مثل هذا الرسول فقال :

(1/254)


{ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } [ البقرة : 129 ] فما جزاؤك له؟ فقل : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، فيقال لك : فكل هذه الخيرات من محمد أو من إبراهيم أو من الله؟ فقل : بل من الحميد المجيد إنك حميد مجيد .
ثم إن العبد إذا ذكر الله بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله تعالى في محافل الملائكة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله عزّ وجلّ : " إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه " فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى هذا العبد فقال الله : «إن ملائكة السموات اشتاقوا إلى زيارتك وأحبوا القرب منك ، وقد جاؤك فابدأ بالسلام عليهم لتحصل لك فيه مرتبة السابقين ، فيقول العبد عن يمينه وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فلا جرم أنه إذا دخل الجنة الملائكة يدخلون عليه من كل باب فيقولون : { سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } [ الرعد : 24 ] .
الفصل السادس : في الكبرياء والعظمة
الكبرياء والعظمة :
أعظم المخلوقات جلالة ومهابة المكان والزمان : أما المكان فهو الفضاء الذي لا نهاية له ، والخلاء الذي لا غاية له ، وأما الزمان فهو الامتداد المتوهم الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل إلى ظلمات عالم الأبد ، كأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل وامتد حتى دخل في قعر جبل الأبد فلا يعرف لانفجاره مبدأ ، ولا لاستقراره منزل ، فالأول والآخر صفة الزمان ، والظاهر والباطن صفة المكان ، وكمال هذه الأربعة الرحمن الرحيم ، فالحق سبحانه وسع المكان ظاهراً وباطناً ، ووسع الزمان أولاً وآخراً ، وإذا كان مدبر المكان والزمان هو الحق تعالى كان منزهاً عن المكان والزمان .

(1/255)


إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه وتعالى له عرش ، وكرسي ، فعقد المكان بالكرسي فقال : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } [ البقرة : 255 ] وعقد الزمان بالعرش فقال : { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } [ هود : 7 ] لأن جري الزمان يشبه جري الماء ، فلا مكان وراء الكرسي ، ولا زمان وراء العرش ، فالعلو صفة الكرسي وهو قوله : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } والعظمة صفة العرش وهو قوله : { فَقُلْ حَسْبِىَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } [ التوبة : 129 ] وكمال العلو والعظمة لله كما قال : { وَلاَ يُؤَدّهِ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلى العظيم } [ البقرة : 255 ] .
واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال ، إلا أن درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو ، وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى : « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري » ، ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار ، وفوق جميع هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال ، وهي تقدسه في حقيقته المخصوصة وهويته المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات ، وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة الإلهية ، فلهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : « ألظوا بياذا الجلال والإكرام » ، وقال : { ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجلال والإكرام } [ الرحمن : 27 ] وقال : { تبارك اسم رَبّكَ ذِى الجلال والإكرام } [ الرحمن : 78 ] إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أن المصلى إذا قصد الصلاة صار من جملة من قال الله في صفتهم : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } [ الأنعام : 52 ، الكهف : 28 ] ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس ، ولهذا التطهير مراتب : المرتبة الأولى : التطهير من دنس الذنوب بالتوبة ، كما قال تعالى : { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً } [ التحريم : 8 ] ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها ، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله ، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته ، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله ، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية ، كما قال تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } [ الروم : 30 ] فإذا أردت أن تكون من جملة من قال الله فيهم : { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فقم قائماً واستحضر في نفسك جميع مخلوقات الله تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بأن تبتدىء من نفسك وتستحضر في عقلك جملة أعضائك البسيطة والمركبة وجميع قواك الطبيعية والحيوانية والإنسانية ، ثم استحضر في عقلك جملة ما في هذا العالم من أنواع المعادن والنبات والحيوان من الإنسان وغيره ، ثم ضم إليه البحار والجبال والتلال والمفاوز وجملة ما فيها من عجائب النبات والحيوان وذرات الهباء ، ثم ترق منها إلى سماء الدنيا على عظمها واتساعها ، ثم لا تزال ترقى من سماء إلى سماء حتى تصل إلى سدرة المنتهى والرفرف واللوح والقلم والجنة والنار والكرسي والعرش العظيم ، ثم انتقل من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح واستحضر في عقلك جميع الأرواح الأرضية السفلية البشرية وغير البشرية ، واستحضر جميع الأرواح المتعلقة بالجبال والبحار مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام عن ملك الجبال وملك البحار ثم استحضر ملائكة سماء الدنيا وملائكة جميع السموات السبع كما قال عليه الصلاة والسلام :

(1/256)


" ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد " واستحضر جميع الملائكة الحافين حول العرش وجميع حملة العرش الكرسي ثم انتقل منها إلى ما هو خارج هذا العالم كما قال تعالى : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر : 31 ] فإذا استحضرت جميع هذه الأقسام من الروحانيات والجسمانيات فقل : الله أكبر ، وتريد بقولك : «الله» الذات التي حصل بإيجادها وجود هذه الأشياء وحصلت لها كمالاتها في صفاتها وأفعالها ، وتريد بقولك أكبر أنه منزه عن مشابهتها ومشاكلتها ، بل هو منزه عن أن يحكم العقل بجواز مقايسته بها ومناسبته إليها فهذا هو المراد من قوله في أول الصلاة الله أكبر .
والوجه الثاني : في تفسير هذا التكبير : أنه عليه الصلاة والسلام قال : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فتقول : الله أكبر من أن لا يراني ومن أن لا يسمع كلامي .
والوجه الثالث : أن يكون المعنى الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم ، قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه : التوحيد أن لا تتوهمه .
الوجه الرابع : أن يكون المعنى الله أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته ، فطاعاتهم قاصرة عن خدمته ، وثنائهم قاصر عن كبريائه ، وعلومهم قاصرة عن كنه صمديته .
واعلم أيها العبد أنك لو بلغت إلى أن يحيط عقلك بجميع عجائب عالم الأجسام والأرواح فإياك أن تحدثك نفسك بأنك بلغت مبادىء ميادين جلال الله فضلاً عن أن تبلغ الغور والمنتهى ونعم ما قال الشاعر :
أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها
ومن دعوات رسول الله عليه السلام وثنائه على الله : " لا ينالك غوص الفكر ، ولا ينتهي إليك نظر ناظر ، ارتفعت عن صفة المخلوقين صفات قدرتك ، وعلا عن ذلك كبرياء عظمتك " وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وقل : سبحانك اللهم وبحمدك ، ثم قل : وجهت وجهي ، ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لك تبصر فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة ، وتطالع فيها أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والمذاهب الماضية ، وأسرار الكتب الإلهية والشرائع النبوية ، وتصل إلى الشريعة ، ومنها إلى الطريقة ، ومنها إلى الحقيقة ، وتطالع درجات الأنبياء والمرسلين ، ودركات الملعونين والمردودين والضالين ، فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فابصر به الدنيا إذ باسمه قامت السموات والأرضون وإذا قلت الحمد لله رب العالمين أبصرت به الآخرة إذ بكلمة الحمد قامت الآخرة كما قال :

(1/257)


{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] وإذا قلت الرحمن الرحيم فابصر به عالم الجمال ، وهو الرحمة والفضل والإحسان ، وإذا قلت مالك يوم الدين فأبصر به عالم الجلال وما يحصل فيه من الأحوال والأهوال ، وإذا قلت إياك نعبد فأبصر به عالم الشريعة ، وإذا قلت وإياك نستعين فابصر به الطريقة ، وإذا قلت اهدنا الصراط المستقيم فابصر به الحقيقة ، وإذا قلت صراط الذين أنعمت عليهم فابصر به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وإذا قلت غير المغضوب عليهم فابصر به مراتب فساق أهل الآفاق ، وإذا قلت ولا الضالين فابصر به دركات أهل الكفر والشقاق والخزي والنفاق على كثرة درجاتها وتباين أطرافها وأكنافها .
ثم إذا انكشفت لك هذه الأحوال العالية والمراتب السامية فلا تظنن أنك بلغت الغور والغاية ، بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ، ولنفسك بالذلة والمسكنة ، وقل : الله أكبر ، ثم أنزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة ، فقل : سبحان ربي العظيم ، وإن أردت أن تعرف ذرة من صفة العظمة فاعرف أنا بينا أن العظمة صفة العرش ، ولا يبلغ مخلوق بعقله كنه عظمة العرش وإن بقي إلى آخر أيام العالم ، ثم اعرف أن عظمة العرش في مقابلة عظمة الله كالقطرة في البحر فكيف يمكنك أن تصل إلى كنه عظمة الله؟ ثم ههنا سر عجيب وهو أنه ما جاء سبحان ربي الأعظم وإنما جاء سبحان ربي العظيم ، وما جاء سبحان ربي العالي وإنما جاء سبحان ربي الأعلى ، ولهذا التفاوت أسرار عجيبة لا يجوز ذكرها ، فإذا ركعت وقلت سبحان ربي العظيم فعد إلى القيام ثانياً ، وادع لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل : سمع الله لمن حمده ، فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك وهو المراد من قوله عليه السلام : « لا يزال الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم »
فإن قيل : ما السبب في أنه لم يحصل في هذا المقام التكبير؟ .
قلنا : لأن التكبير مأخوذ من الكبرياء وهو مقام الهيبة والخوف ، وهذا المقام مقام الشفاعة ، وهما متباينان .
ثم إذا فرغت من هذه الشفاعة فعد إلى التكبير وانحدر به إلى صفة العلو وقل سبحان ربي الأعلى ، وذلك لأن السجود أكثر تواضعاً من الركوع ، لا جرم الذكر المذكور في السجود هو بناء المبالغة وهو الأعلى والذكر المذكور في الركوع هو لفظ العظيم من غير بناء المبالغة ، روي أن لله تعالى ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل أوحى الله إليه : أيها الملك ، طر فطار مقدار ثلاثين ألف سنة ثم ثلاثين ثم ثلاثين فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني ، فأوحى الله إليه لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ الطرف الثاني من العرش ، فقال الملك عند ذلك : سبحان ربي الأعلى .

(1/258)


فإن قيل : فما الحكمة في السجدتين؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : أن السجدة الأولى للأزل ، والثانية للأبد ، والارتفاع فيما بينهما إشارة إلى وجود الدنيا فيما بين الأزل والأبد ، وذلك لأنك تعرف بأزليته أنه هو الأول لا أول قبله فتسجد له ، وتعرف بأبديته أنه الآخر لا آخر بعده فتسجد له ثانياً . الثاني : قيل : إعلم بالسجدة الأولى فناء الدنيا في الآخرة ، وبالسجدة الثانية فناء عالم الآخرة عند ظهور نور جلال الله . الثالث : السجدة الأولى فناء الكل في نفسها والسجدة الثانية بقاء الكل بإبقاء الله تعالى : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] الرابع : السجدة الأولى تدل على انقياد عالم الشهادة لقدرة الله ، والسجدة الثانية تدل على انقياد عالم الأرواح لله تعالى ، كما قال : { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] والخامس : السجدة الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته ، والسجدة الثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه من أداء حقوق جلاله وكبريائه .
واعلم أن الناس يفهموم من العظمة كبر الجثة ، ويفهمون من العلو علو الجهة ، ويفهمون من الكبر طول المدة ، وجل الحق سبحانه عن هذه الأوهام ، فهو عظيم لا بالجثة ، عالٍ لا بالجهة ، كبير لا بالمدة ، وكيف يقال ذلك وهو فرد أحد ، فكيف يكون عظيماً بالجثة وهو منزه عن الحجمية ، وكيف يكون عالياً بالجهة وهو منزه عن الجهة؟ وكيف يكون كبيراً بالمدة والمدة متغيرة من ساعة إلى ساعة فهي محدثة فمحدثها موجود قبلها فكيف يكون كبيراً بالمدة؟ فهو تعالى عالٍ على المكان لا بالمكان ، وسابق على الزمان لا بالزمان ، فكبرياؤه كبرياء عظمة ، وعظمته عظمة علو ، وعلوه علو جلال ، فهو أجل من أن يشابه المحسوسات ، ويناسب المخيلات ، وهو أكبر مما يتوهمه المتوهمون ، وأعظم مما يصفه الواصفون ، وأعلى مما يجده الممجدون ، فإذا صور لك حسك مثالاً : فقل الله أكبر ، وإذا عين خيالك صورة فقل : سبحانك الله وبحمدك ، وإذا زلق رجل طلبك في مهواة التعطيل فقل : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ، وإذا جال روحك في ميادين العزة والجلال ثم ترقى إلى الصفات العلى والأسماء الحسنى وطالع من مرقومات القلم على سطح اللوح نقشاً وسكن عند سماع تسبيحات المقربين وتنزيهات الملائكة الروحانيين إلى صورة فاقرأ عند كل هذه الأحوال : { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ ، وسلام على المرسلين ، والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الصافات : 180 182 ] .
الفصل السابع :
في لطائف قوله الحمد لله ، وفوائد الأسماء الخمسة .
المذكورة في هذه السورة .
لطائف الحمد لله :
أما لطائف قوله الحمد لله فأربع نكت : النكتة الأولى : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم الخليل عليه السلام سأل ربه وقال : يا رب ، ما جزاء من حمدك فقال : الحمد لله؟ فقال تعالى : الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته ، قال أهل التحقيق : لما كانت هذه الكلمة فاتحة الشكر جعلها الله فاتحة كلامه ، ولما كانت خاتمته جعلها الله خاتمة كلام أهل الجنة فقال :

(1/259)


{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] . روي عن علي عليه السلام ، أنه قال : خلق الله العقل من نور مكنون مخزون من سابق علمه ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينه ، والحكمة لسانه ، والخير سمعه ، والرأفة قلبه ، والرحمة همه ، والصبر بطنه ، ثم قيل له تكلم ، فقال : الحمد لله الذي ليس له ند ولا ضد ولا مثل ولا عدل ، الذي ذل كل شيء لعزته فقال الرب : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز عليّ منك وأيضاً نقل أن آدم عليه السلام لما عطس فقال : الحمد لله ، فكان أول كلامه ذلك ، إذا عرفت هذا فنقول : أول مراتب المخلوقات هو العقل ، وآخر مراتبها آدم ، وقد نقلنا أول كلام العقل هو قوله : الحمد لله وأول كلام آدم هو قوله : الحمد ، فثبت أن أول كلام لفاتحة المحدثات هو هذه الكلمة ، وأول كلام لخاتمة المحدثات هو هذه الكلمة ، فلا جرم جعلها الله فاتحة كتابه فقال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وأيضاً ثبت أن أول كلمات الله قوله : الحمد لله ، وآخر أنبياء الله محمد رسول الله ، وبين الأول والآخر مناسبة ، فلا جرم جعل قوله : { الحمد للَّهِ } أول آية من كتاب محمد رسوله ، ولما كان كذلك وضع لمحمد عليه السلام من كلمة الحمد اسمان : أحمد ومحمد؛ وعند هذا قال عليه السلام : « أنا في السماء أحمد ، وفي الأرض محمد » فأهل السماء في تحميد الله ، ورسول الله أحمدهم والله تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال تعالى : { فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ الإسراء : 19 ] ورسول الله محمدهم .
والنكتة الثانية : أن الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالنعمة والرحمة ، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال والأحكام ، فلهذا السبب قال : « سبقت رحمتي غضبي » النكتة الثالثة : أن الرسول اسمه أحمد ، ومعناه أنه أحمد الحامدين أي : أكثرهم حمداً ، فوجب أن تكون نعم الله عليه أكثر لما بينا أن كثرة الحمد بحسب كثرة النعمة والرحمة ، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة الله في حق محمد عليه السلام أكثر منها في حق جميع العالمين ، فلهذا السبب قال : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] .
النكتة الرابعة : أن المرسل له اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما الرحمن الرحيم ، وهما يفيدان المبالغة ، والرسول له أيضاً اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما محمد وأحمد ، لأنا بينا أن حصول الحمد مشروط بحصول الرحمة ، فقولنا محمد وأحمد جار مجرى قولنا مرحوم وأرحم . وجاء في بعض الروايات أن من أسماء الرسول : الحمد ، والحامد ، والمحمود ، فهذه خمسة أسماء للرسول دالة على الرحمة؛ إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال :

(1/260)