صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : مفاتيح الغيب |
واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين ، فهي متيسرة للكل ، وأما سائر السور فقد تكون محفوظة وقد لا تكون ، وحينئذٍ لا تكون متيسرة للكل . (1/175)
وعن الثاني : أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج وأنادي : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وأيضاً لم لا يجوز أن يقال : المراد من قوله لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب هو أنه لو اقتصر على الفاتحة لكفى؟ وإذا ثبت التعارض فالترجيح معنا؛ لأنه أحوط ، ولأنه أفضل ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : لما كان قول أبي حنيفة وأصحابه أن قراءة الفاتحة غير واجبة لا جرم اختلفوا في مقدار القراءة ، فقال أبو حنيفة : إذا قرأ آية واحدة كفت ، مثل قوله : ألم ، وحم والطور ، ومدهامتان ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا بدّ من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين .
المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : بسم الله الرحمن الرحيم آية من أول سورة الفاتحة ، وتجب قراءتها مع الفاتحة ، وقال مالك والأوزاعي رضي الله تعالى عنهما : إنه ليس من القرآن إلا في سورة النمل ، ولا يقرأ لا سراً ، ولا جهراً إلا في قيام شهر رمضان فإنه يقرؤها وأما أبو حنيفة فلم ينص عليه ، وإنما قال : يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسر بها ، ولم يقل إنها آية من أول السورة أم لا ، قال يعلى : سألت محمد بن الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال : ما بين الدفتين قرآن ، قال : قلت : فلم تسره؟ قال : فلم يجبني ، وقال الكرخي لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا ، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة ، وقال بعض فقهاء الحنفية : تورع أبو حنيفة وأصحابه عن الوقوع في هذه المسألة لأن الخوض في إثبات أن التسمية من القرآن أو ليست منه أمر عظيم ، فالأولى السكوت عنه .
واعلم أن هذه المسألة تشتمل على ثلاث مسائل : إحداها : أن هذه المسألة هل هي مسألة اجتهادية حتى يجوز الاستدلال فيها بالظواهر وأخبار الآحاد ، أو ليست من المسائل الاجتهادية بل هي من المسائل القطعية .
وثانيتها : أن بتقدير أنها من المسائل الاجتهادية فما الحق فيها؟ . (1/176)
وثالثتها : الكلام في أنها تقرأ بالإعلان أو بالإسرار ، فلنتكلم في هذه المسائل الثلاث .
المسألة الخامسة : في تقرير أن هذه المسألة ليست من المسائل القطعية ، وزعم القاضي أبو بكر أنها من المسائل القطعية ، قال : والخطأ فيها إن لم يبلغ إلى حد التكفير فلا أقل من التفسيق ، واحتج عليه بأن التسمية لو كانت من القرآن لكان طريق إثباته إما التواتر أو الآحاد والأول باطل ، لأنه لو ثبت بالتواتر كون التسمية من القرآن لحصل العلم الضروري بأنها من القرآن ، ولو كانت كذلك لامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة . والثاني : أيضاً باطل؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن ، فلو جعلناه طريقاً إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ولصار ذلك ظنياً ، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض في أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف ، وذلك يبطل الإسلام .
واعلم أن الشيخ الغزالي عارض القاضي فقال : نفى كون التسمية من القرآن إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف ، وإن ثبت بالآحاد فحينئذٍ يصير القرآن ظنياً ، ثم أورد على نفسه سؤالاً وهو أنه لو قال قائل : «ليس من القرآن عدم» فلا حاجة في إثبات هذا العدم إلى النقل؛ لأن الأصل هو العدم ، وأما قولنا : ( أنه قرآن ) فهو ثبوت فلا بدّ فيه من النقل ، ثم أجاب عنه بأن قال : هذا وإن كان عدماً إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهم كونها من القرآن ، فههنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بدليل منفصل ، وحينئذٍ يعود التقسيم المذكور من أن الطريق إما أن يكون تواتراً أو آحاداً ، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه ، فهذا آخر ما قيل في هذا الباب .
والذي عندي فيه أن النقل المتواتر ثابت بأن بسم الله الرحمن الرحيم كلام أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، وبأنه مثبت في المصحف بخط القرآن وعند هذا ظهر أنه لم يبق لقولنا أنه من القرآن أو ليس من القرآن فائدة إلا أنه حصل فيها أحكام شرعية هي من خواص القرآن مثل أنه هل يجب قراءتها في الصلاة أم لا ، وهل يجوز للجنب قراءتها أم لا وهل يجوز للمحدث مسها أم لا ، ومعلوم أن هذه الأحكام اجتهادية ، فلما رجع حاصل قولنا إن التسمية هل هي من القرآن إلى ثبوت هذه الأحكام وعدمها ، وثبت أن ثبوت هذه الأحكام وعدمها أمور اجتهادية ظهر أن البحث اجتهادي لا قطعي ، وسقط تهويل القاضي .
المسألة السادسة : في بيان أن التسمية هل هي من القرآن وأنها آية من الفاتحة ، قال قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إنها ليست من الفاتحة ، وقال قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إنها آية من الفاتحة ، وهو قول ابن المبارك والثوري ، ويدل عليه وجوه :
الحجة الأولى : روى الشافعي رضي الله عنه عن مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ، الحمد لله رب العالمين آية ، الرحمن الرحيم آية ، مالك يوم الدين آية ، إياك نعبد وإياك نستعين آية ، إهدنا الصراط المستقيم آية ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الظالمين آية ، وهذا نص صريح . (1/177)
الحجة الثانية : روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم .
الحجة الثالثة : روى الثعلبي في «تفسيره» بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري ، فقلت بلى ، فقال : بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟ قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم ، قال : هي هي ، فهذا الحديث يدل على أن التسمية من القرآن " . الحجة الرابعة : روى الثعلبي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة ، قال : أقول الحمد لله رب العالمين ، قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم .
وروي أيضاً بإسناده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين .
وروي أيضاً بإسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، وكان يقول : من ترك قراءتها فقد نقص .
وروي أيضاً بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثانى } [ الحجر : 87 ] قال : فاتحة الكتاب ، فقيل لابن عباس : فأين السابعة؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم .
وبإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها .
وبإسناده أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يقول الله تعالى : " قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله سبحانه مجدني عبدي ، وإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله تبارك وتعالى حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله عزّ وجلّ أثنى علي عبدي ، وإذا قال مالك يوم الدين قال الله فوض إلي عبدي ، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي ، وإذا قال إهدنا الصراط المستقيم قال الله تعالى هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل " .
وبإسناده عن أبي هريرة قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي ، فافتتح الصلاة وتعوذ ، ثم قال : الحمد لله رب العالمين ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقال له : يا رجل ، قطعت على نفسك الصلاة أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد ، من تركها فقد ترك آية منها ، ومن ترك آية منها فقد قطع صلاته ، فإنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته . (1/178)
وبإسناده عن طلحة بن عبيد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله »
واعلم أني نقلت جملة هذه الأحاديث من تفسير الشيخ أبي إسحاق الثعلبي رحمه الله .
الحجة الخامسة : قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا كان كذلك وجب أن تكون آية منها ، بيان الأول قوله تعالى : { إقرأ باسم ربك } [ العلق : 1 ] ولا يجوز أن يقال : الباء صلة زائدة ، لأن الأصل أن يكون لكل حرف من كلام الله تعالى فائدة ، وإذا كان هذا الحرف مفيداً كان التقدير إقرأ مفتتحاً باسم ربك ، وظاهر الأمر للوجوب ولم يثبت هذا الوجوب في غير القراءة في الصلاة ، فوجب إثباته في القراءة في الصلاة صوناً للنص عن التعطيل .
الحجة السادسة : التسمية مكتوبة بخط القرآن ، وكل ما ليس من القرآن فإنه غير مكتوب بخط القرآن ، ألا ترى أنهم منعوا من كتابة أسامي السور في المصحف ، ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس ، والغرض من ذلك كله أن يمنعوا من أن يختلط بالقرآن ما ليس منه فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط القرآن ، ولما أجمعوا على كتبها بخط القرآن ، ولما أجمعوا على كتبها بخط القرآن علمنا أنها من القرآن .
الحجة السابعة : أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله والتسمية موجودة بين الدفتين ، فوجب جعلها من كلام الله تعالى ، ولهذا السبب حكينا أن يعلى لما أورد هذا الكلام على محمد بن الحسن بقي ساكتاً .
واعلم أن مذهب أبي بكر الرازي أن التسمية من القرآن ولكنها ليست آية من سورة الفاتحة ، بل المقصود من تنزيلها إظهار الفصل بين السور ، وهذان الدليلان لا يبطلان قول أبي بكر الرازي .
الحجة الثامنة : أطبق الأكثرون على أن سورة الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي رضي الله تعالى عنه ، قال : قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية واحدة ، وقوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية واحدة ، وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه قال : بسم الله ليس بآية منها ، لكن قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية ، وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية أخرى وسنبين في مسألة مفردة أن قول أبي حنيفة مرجوح ضعيف ، فحينئذٍ يبقى أن الآيات لا تكون سبعاً إلا إذا اعتقدنا أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية منها تامة .
الحجة التاسعة : أن نقول : قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة ، فوجب أن تكون آية منها بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل ، وإذا كان كذلك فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فوجب أن يجب علينا قراءتها لقوله تعالى : { واتبعوه } وإذا ثبت وجوب قراءتها ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق . (1/179)
الحجة العاشرة : قوله عليه السلام : « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر » أو أجذم وأعظم الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة ، فقراءة الفاتحة فيها بدون قراءة بسم الله يوجب كون هذه الصلاة بتراء ، ولفظ الأبتر يدل على غاية النقصان والخلل ، بدليل أنه تعالى ذكره في معرض الذم للكافر الذي كان عدواً للرسول عليه السلام فقال : { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر } [ الكوثر : 3 ] فلزم أن يقال : الصلاة الخالية عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم تكون في غاية النقصان والخلل وكل من أقر بهذا الخلل النقصان قال بفساد هذه الصلاة ، وذلك يدل على أنها من الفاتحة وأنه يجب قراءتها .
الحجة الحادية عشرة : ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب : « ما أعظم آية في كتاب الله تعالى؟ » فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فصدقه النبي عليه السلام في قوله . وجه الاستدلال أن هذا الكلام يدل على أن هذا القدر آية ، ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم } [ النمل : 30 ] بل هذا بعض آية ، فلا بدّ وأن يكون آية تامة في غير هذا الموضع ، وكل من قال بذلك قال إنه آية تامة في أول سورة الفاتحة .
الحجة الثانية عشرة : إن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها فقرأ أم القرآن ولم يقرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } ، فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن؟ فأعاد معاوية الصلاة وقرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } ، وهذا الخبر يدل على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أنه من القرآن ومن الفاتحة ، وعلى أن الأولى الجهر بقراءتها .
الحجة الثالثة عشرة : أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدئون بذكر بسم الله ، فوجب أن يجب على رسولنا صلى الله عليه وسلم ذلك ، وإذا ثبت هذا الوجوب في حق الرسول ثبت أيضاً في حقنا ، وإذا ثبت الوجوب في حقنا ثبت أنه آية من سورة الفاتحة ، أما المقدمة الأولى : فالدليل عليها أن نوحاً عليه السلام لما أراد ركوب السفينة قال : { اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود : 41 ] وأن سليمان لما كتب إلى بلقيس كتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فإن قالوا : أليس أن قوله تعالى : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم } [ النمل : 30 ] يدل على أن سليمان قدم اسم نفسه على اسم الله تعالى؟ قلنا : معاذ الله أن يكون الأمر كذلك ، وذلك لأن الطير أتى بكتاب سليمان ووضعه على صدر بلقيس ، وكانت المرأة في بيت لا يقدر أحد على الدخول فيه لكثرة من أحاط بذلك البيت من العساكر والحفظة ، فعلمت بلقيس أن ذلك الطير هو الذي أتى بذلك الكتاب ، وكانت قد سمعت باسم سليمان ، فلما أخذت الكتاب قالت هي من عند نفسها : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب رأت التسمية مكتوبة فقالت : { وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم } . فثبت أن الأنبياء عليهم السلام كلما شرعوا في عمل من أعمال الخير ابتدؤا بذكر بسم الله الرحمن الرحيم ، والمقدمة الثانية : أنه لما ثبت هذا في حق سائر الأنبياء وجب أن يجب على رسولنا ذلك ، لقوله تعالى : { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] وإذا ثبت ذلك في حق الرسول وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى : { واتبعوه } وإذا ثبت وجوب قراءته علينا ثبت أنه آية من الفاتحة ، لأنه لا قائل بالفرق . (1/180)
الحجة الرابعة عشرة : أنه تعالى متقدم بالوجود على وجود سائر الموجودات؛ لأنه تعالى قديم وخالق وغيره محدث ومخلوق ، والقديم الخالق يجب أن يكون سابقاً على المحدث المخلوق ، وإذا ثبت أنه تعالى سابق على غيره وجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقاً على ذكر غيره ، وهذا السبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سابقة على سائر الأذكار والقراءات ، وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقدم حسن في العقول وجب أن يكون معتبراً في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام : «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ، وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أيضاً أنها آية من الفاتحة ، لأنه لا قائل بالفرق .
الحجة الخامسة عشرة : أن بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه من القرآن في سورة النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن ، فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله تعالى : { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } [ الرحمن : 13 ] وقوله تعالى :
{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ المرسلات : 10 ] مكرراً في القرآن بخط واحد وصورة واحدة ، قلنا : إن الكل من القرآن . (1/181)
الحجة السادسة عشرة : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول الأمر على رسم قريش «باسمك اللهم» حتى نزل قوله تعالى : { اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود : 41 ] فكتب «بسم الله» فنزل قوله : { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } [ الإسراء : 110 ] فكتب «بسم الله الرحمن» فلما نزل قوله تعالى { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم } [ النحل : 30 ] كتب مثلها ، وجه الاستدلال أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن ، ومجموعها من القرآن ، ثم إنه ثبت في القرآن فوجب الجزم بأنه من القرآن ، إذ لو جاز إخراجه من القرآن مع هذه الموجبات الكثيرة ومع الشهرة لجاز إخراج سائر الآيات كذلك ، وذلك يوجب الطعن في القرآن .
الحجة السابعة عشرة : قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد عليه الصلاة والسلام وكان يأمر بكتبه بخط المصحف ، وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل هو من القرآن فرجع إلى أحكام مخصوصة مثل أنه هل يجب قراءته ، وهل يجوز للجنب قراءته ، وللمحدث مسه؟ فنقول : ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلا ما لا يريبك .
واحتج المخالف بأشياء : الأول : تعلقوا بخبر أبي هريرة ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي ، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها ، والثاني : أنه تعالى قال : جعلت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، والمراد من الصلاة الفاتحة؛ وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة ، لأن الفاتحة سبع آيات فيجب أن يكون فيها لله ثلاث آيات ونصف وهي من قوله الحمد لله إلى قوله إياك نعبد وللعبد ثلاث آيات ونصف وهي من قوله وإياك نستعين إلى آخر السورة أما إذا جعلنا بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف ، وللعبد آيتان ونصف ، وذلك يبطل التنصيف المذكور .
الحجة الثانية : روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ، وهذا يدل على أن التسمية ليست آية من الفاتحة .
الحجة الثالثة : لو كان قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة : لزم التكرار في قوله الرحمن الرحيم ، وذلك بخلاف الدليل . (1/182)
والجواب عن الحجة الأولى من وجوه : الأول : أنا نقلنا أن الشيخ أبا إسحق الثعلبي روى بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا الحديث عد بسم الله الرحمن الرحيم آية تامة من سورة الفاتحة ، ولما تعارضت الروايتان فالترجيح معنا ، لأن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي . الثاني : روى أبو داود السختياني عن النخعي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي وهو بيني وبين عبدي ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله في مالك يوم الدين هذا بيني وبين عبدي ، يعني في القسمة ، وإنما يكون كذلك إذا حصلت ثلاثة قبلها وثلاثة بعدها ، وإنما يحصل ثلاثة قبلها لو كانت التسمية آية من الفاتحة فصار هذا الخبر حجة لنا من هذا الوجه . الثالث : أن لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات فهو أيضاً يحتمل النصف في المعنى ، قال عليه الصلاة والسلام : الفرائض نصف العلم ، وسماه بالنصف من حيث أنه بحث عن أحوال الأموات ، والموت والحياة قسمان ، وقال شريح : أصبحت ونصف الناس علي غضبان ، سماه نصفاً من حيث إن بعضهم راضون وبعضهم ساخطون ، الرابع : إن دلائلنا في أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة صريحة ، وهذا الخبر الذي تمكسوا به ليس المقصود منه بيان أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي من الفاتحة أم لا ، لكن المقصود منه بيان شيء آخر ، فكانت دلائلنا أقوى وأظهر .
الخامس : أنا بينا أن قولنا أقرب إلى الاحتياط .
والجواب عن حجتهم الثانية ما قال الشافعي فقال : لعل عائشة جعلت الحمد لله رب العالمين اسماً لهذه السورة ، كما يقال : قرأ فلان «الحمد لله الذي خلق السموات» والمراد أنه قرأ هذه السورة ، فكذا ههنا ، وتمام الجواب عن خبر أنس سيأتي بعد ذلك .
والجواب عن الحجة الثالثة أن التكرار لأجل التأكيد كثير في القرآن ، وتأكيد كون الله تعالى رحماناً رحيماً من أعظم المهمات ، والله أعلم .
المسألة السابعة : في بيان عدد آيات هذه السورة ، رأيت في بعض الروايات الشاذة أن الحسن البصري كان يقول : هذه السورة ثمانِ آيات ، فأما الرواية المشهورة التي أطبق الأكثرون عليها أن هذه السورة سبع آيات ، وبه فسروا قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني } [ الحجر : 87 ] إذا ثبت هذا فنقول : الذين قالوا إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة قالوا إن قوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } آية تامة ، وأما أبو حنيفة فإنه لما أسقط التسمية من السورة لا جرم قال قوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } آية ، وقوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } آية أخرى ، إذا عرفت هذا فنقول : الذي قاله الشافعي أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن مقاطع قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا يشابه مقطع الآيات المتقدمة ورعاية التشابه في المقاطع لازم؛ لأنا وجدنا مقطاع القرآن على ضربين متقاربة ومتشاكلة فالمتقاربة كما في سورة «قا» والمتشاكلة كما في سورة القمر ، وقوله : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ليس من القسمين ، فامتنع جعله من المقاطع .
الثاني : أنا إذا جعلنا قوله غير المغضوب عليهم ابتداء آية فقد جعلنا أول الآية لفظ غير ، وهذا اللفظ إما أن يكون صفة لما قبله أو استثناء عما قبله ، والصفة مع الموصوف كالشيء الواحد ، وكذلك الاستثناء مع المستنثى منه كالشيء الواحد وإيقاع الفصل بينهما على خلاف الدليل ، إما إذا جعلنا قوله صراط الذين أنعمت عليهم إلى آخر السورة آية واحدة ، كنا قد جعلنا الموصوف مع الصفة والمستثنى مع المستثنى منه كلاماً واحداً وآية واحدة ، وذلك أقرب إلى الدليل . الثالث : أن المبدل منه في حكم المحذوف ، فيكون تقدير الآية إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لكن طلب الاهتداء بصراط من أنعم الله عليهم لا يجوز إلا بشرطين : أن يكون ذلك المنعم عليه غير مغضوب عليه ، ولا ضالاً ، فإنا لو أسقطنا هذا الشرط لم يجز الاهتداء به ، والدليل عليه قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا } [ إبراهيم : 28 ] وهذا يدل على أنه قد أنعم عليهم إلا أنهم لما صاروا من زمرة المغضوب عليهم ومن زمرة الضالين لا جرم لم يجز الاهتداء بهم ، فثبت أنه لا يجوز فصل قوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } عن قوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } بل هذا المجموع كلام واحد ، فوجب القول بأنه آية واحدة ، فإن قالوا : أليس أن قوله الحمد لله رب العالمين آية واحدة ، وقوله الرحمن الرحيم آية ثانية ، ومع أن هذه الآية غير مستقلة بنفسها ، بل هي متعلقة بما قبلها؟ قلنا : الفرق أن قوله الحمد لله رب العالمين كلام تام بدون قوله الرحمن الرحيم ، فلا جرم لم يمتنع أن يكون مجرد قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ، ولا كذلك هذا ، لما بينا أن مجرد قوله إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ليس كلاماً تاماً ، بل ما لم يضم إليه قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين لم يصح قوله إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ، فظهر الفرق . (1/183)
المسألة الثامنة : ذكر بعض أصحابنا قولين للشافعي في أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي آية من أوائل سائر السور أم لا : أما المحققون من الأصحاب فقد اتفقوا على أن بسم الله قرآن من سائر السور ، وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من أول كل سورة أو هي وما بعدها آية ، وقال بعض الحنفية إن الشافعي خالف الإجماع في هذه المسألة لأن أحدًا ممن قبله لم يقل إن بسم الله آية من أوائل سائر السور ، ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل السور بخط القرآن فوجب كونه قرآناً ، واحتج المخالف بما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سورة الملك : إنها ثلاثون آية ، وفي سورة الكوثر : إنها ثلاث آيات ، ثم أجمعوا على أن هذا العدد حاصل بدون التسمية ، فوجب أن لا تكون التسمية آية من هذه السور ، والجواب أنا إذا قلنا بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعده آية واحدة فهذا الإشكال زائل ، فإن قالوا : لما اعترفتم بأنها آية تامة من أول الفاتحة فكيف يمكنكم أن تقولوا إنها بعض آية من سائر السور؟ قلنا : هذا غير بعيد ، ألا ترى أن قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ، ثم صار مجموع قوله :
{ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] آية واحدة : فكذا ههنا وأيضاً فقوله سورة الكوثر ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ثلاث آيات ، وأما التسمية فهي كالشيء المشترك فيه بين جميع السور ، فسقط هذا السؤال . (1/184)
الجهر بالبسملة في الصلاة :
المسألة التاسعة : يروى عن أحمد بن حنبل أنه قال : التسمية آية من الفاتحة إلا أنه يسر بها في كل ركعة ، وأما الشافعي فإنه قال : إنها آية منها ويجهر بها ، وقال أبو حنيفة : ليست آية من الفاتحة إلا أنها يسر بها في كل ركعة ولا يجهر بها أيضاً ، فنقول : الجهر بها سنّة ، ويدل عليه وجوه وحجج .
الحجة الأولى : قد دللنا على أن التسمية آية من الفاتحة ، وإذا ثبت هذا فنقول : الاستقراء دل على أن السورة الواحدة إما أن تكون بتمامها سرية أو جهرية ، فأما أن يكون بعضها سرياً وبعضها جهرياً فهذا مفقود في جميع السور؛ وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية مشروعاً في القراءة الجهرية .
الحجة الثانية : أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه ثناء على الله وذكر له بالتعظيم فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله تعالى : { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } [ البقرة : 200 ] ومعلوم أن الإنسان إذا كان مفتخراً بأبيه غير مستنكف منه فإنه يعلن بذكره ويبالغ في إظهاره أما إذا أخفى ذكره أو أسره دل ذلك على كونه مستنكفاً منه ، فإذا كان المفتخر بأبيه يبالغ في الإعلان والإظهار وجب أن يكون إعلان ذكر الله أولى عملاً بقوله : { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } [ البقرة : 200 ] .
الحجة الثالثة : هي أن الجهر بذكر الله يدل على كونه مفتخراً بذلك الذكر غير مبالٍ بإنكار من ينكره ، ولا شك أن هذا مستحسن في العقل ، فيكون في الشرع كذلك؛ لقوله عليه السلام :
" ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " ومما يقوي هذا الكلام أيضاً أن الإخفاء والسر لا يليق إلا بما يكون فيه عيب ونقصان فيخفيه الرجل ويسره ، لئلا ينكشف ذلك العيب . أما الذي يفيد أعظم أنواع الفخر والفضيلة والمنقبة فكيف يليق بالعقل إخفائه؟ ومعلوم أنه لا منقبة للعبد أعلى وأكمل من كونه ذاكراً لله بالتعظيم ، ولهذا قال عليه السلام : " طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله " وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : يا من ذكرُه شرف للذاكرين . ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه؟ ولهذا السبب نقل أن علياً رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات ، وأقول إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول ألبتة بسبب كلمات المخالفين . (1/185)
الحجة الرابعة : ما رواه الشافعي بإسناده ، أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود ، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار . يا معاوية ، سرقت منا الصلاة ، أين بسم الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير عند الركوع والسجود؟ ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير ، قال الشافعي : إن معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين و الأنصار وإلا لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية .
الحجة الخامسة : روى البيهقي في «السنن الكبير» عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم إن الشيخ البيهقي روى الجهر عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ، وأما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى ، والدليل عليه قوله عليه السلام : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار .
الحجة السادسة : إن قوله بسم الله الرحمن الرحيم يتعلق بفعل لا بدّ من إضماره ، والتقدير بإعانة اسم الله اشرعوا في الطاعات ، أو ما يجري مجرى هذا المضمر ، ولا شك أن استماع هذه الكلمة ينبه العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ، وينبه العقل على أنه لا يتم شيء من الخيرات والبركات إلا إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله ، ومن المعلوم أن المقصود من جميع العبادات والطاعات حصول هذه المعاني في العقول ، فإذا كان استماع هذه الكلمة يفيد هذه الخيرات الرفيعة والبركات العالية دخل هذا القائل تحت قوله :
{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } [ آل عمران : 110 ] لأن هذا القائل بسبب إظهار هذه الكلمة أمر بما هو أحسن أنواع الأمر بالمعروف ، وهو الرجوع إلى الله بالكلية والاستعانة بالله في كل الخيرات ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل أن يقول إنه بدعة . (1/186)
واحتج المخالف بوجوه وحجج : الحجة الأولى : روى البخاري بإسناده عن أنس أنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ، وكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وروى مسلم هذا الخبر في صحيحه ، وفيه أنهم لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» وفي رواية أخرى «ولم أسمع أحداً منهم قال بسم الله الرحمن الرحيم» وفي رواية رابعة «فلم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم» .
الحجة الثانية : ما روى عبد الله بن المغفل أنه قال : سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال : يا بني إياك والحدث في الإسلام ، فقد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلف أبي بكر ، وخلف عمر ، وعثمان ، فابتدؤا القراءة بالحمد لله رب العالمين ، فإذا صليت فقل : الحمد لله رب العالمين ، وأقول : إن أنساً وابن المغفل خصصا عدم ذكر بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة ، ولم يذكرا علياً ، وذلك يدل على إطباق الكل على أن علياً كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم .
الحجة الثالثة : قوله تعالى : { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } [ الأعراف : 55 ] { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } [ الأعراف : 205 ] وبسم الله الرحمن الرحيم ذكر الله ، فوجب إخفاؤه ، وهذه الحجة استنبطها الفقهاء واعتمادهم على الكلامين الأولين .
والجواب عن خبر أنس من وجوه : الأول : قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني : روى عن أنس في هذا الباب ست روايات ، أما الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات : إحداها : قوله صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين . وثانيتها قوله : أنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم . وثالثتها قوله : لم أسمع أحداً منهم قال بسم الله الرحمن الرحيم ، فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية ، وثلاث أخرى تناقض قولهم : إحداها : ما ذكرنا أن أنسًا روى أن معاوية لما ترك بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار ، وقد بينا أن هذا يدل على أن الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم . وثانيتها : روى أبو قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . وثالثتها : أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال : لا أدري هذه المسألة فثبت أن الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب ، فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل ، وأيضاً ففيها تهمة أخرى ، وهي أن علياً عليه السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية ، فلما وصلت الدولة إلى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر ، سعياً في إبطال آثار علي عليه السلام ، فلعل أنساً خاف منهم فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه ، ونحن وإن شككنا في شيء فإنا لا نشك أنه مهما وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بقي عليه طول عمره فإن الأخذ بقول علي أولى ، فهذا جواب قاطع في المسألة .
ثم نقول : هب أنه حصل التعارض بين دلائلكم ودلائلنا ، إلا أن الترجيح معنا ، وبيانه من وجوه : الأول : أن راوي أخباركم أنس وابن المغفل ، وراوي قولنا علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة ، وهؤلاء كانوا أكثر علماً وقرباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنس وابن المغفل . والثاني : أن مذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل ، ولهذا السبب فإنه لم يقبل خبر المصراة مع أنه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأن القياس يخالفه إذا ثبت هذا فنقول قد بينا أن صريح العقل ناطق بإن إظهار هذه الكلمة أولى من إخفائها ، فلأي سبب رجح قول أنس وقول ابن المغفل على هذا البيان الجلي البديهي؟ والثالث : أن من المعلوم بالضرورة أن النبي عليه السلام كان يقدم الأكابر على الأصاغر ، والعلماء على غير العلماء ، والأشراف على الأعراب ، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً في العلم والشرف وعلو الدرجة من أنس وابن المغفل ، والغالب على الظن أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أنس وابن المغفل يقفان بالعبد منه ، وأيضاً أنه عليه السلام ما كان يبالغ في الجهر امتثالاً لقوله تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [ الإسراء : 110 ] وأيضاً فالإنسان أول ما يشرع في القراءة إنما يشرع فيها بصوت ضعيف ثم لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة ، فهذه أسباب ظاهرة في أن يكون علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أنساً وابن المغفل ما سمعاه . الرابع : قال الشافعي : لعل المراد من قول أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالحمد لله رب العالمين أنه كان يقدم هذه السورة في القراءة على غيرها من السور فقوله الحمد لله رب العالمين المراد منه تمام هذه فجعل هذه اللفظة اسماً لهذه السورة . (1/187)
الخامس : لعل المراد ، من عدم الجهر في حديث ابن المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت ، كما قال تعالى : { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } [ الإسراء : 110 ] . السادس : الجهر كيفية ثبوتية ، والإخفاء كيفية عدمية ، والرواية المثبتة أولى من النافية . السابع : أن الدلائل العقلية موافقة لنا ، وعمل علي بن أبي طالب عليه السلام معنا ، ومن اتخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه . (1/188)
وأما التمسك بقوله تعالى : { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } [ الأعراف : 205 ] فالجواب أنا نحمل ذلك على مجرد الذكر ، أما قوله بسم الله الرحمن الرحيم فالمراد منه قراءة كلام الله تعالى على سبيل العبادة والخضوع ، فكان الجهر به أولى .
المسألة العاشرة : في تفاريع التسمية وفيه فروع :
فروع أحكام التسمية :
الفرع الأول : قالت الشيعة : السنّة هي الجهر بالتسمية ، سواء كانت في الصلاة الجهرية أو السرية ، وجمهور الفقهاء يخالفونهم فيه .
الفرع الثاني : الذين قالوا التسمية ليست آية من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها في المصحف في أول كل سورة وفيه قولان : الأول : أن التسمية ليست من القرآن ، وهؤلاء فريقان : منهم من قال إنها كتبت للفصل بين السور ، وهذا الفصل قد صار الآن معلوماً فلا حاجة إلى إثبات التسمية ، فعلى هذا لو لم تكتب لجاز ، ومنهم من قال : إنه يجب إثباتها في المصاحف ، ولا يجوز تركها أبداً . والقول الثاني : أنها من القرآن ، وقد أنزلها الله تعالى ، ولكنها آية مستقلة بنفسها ، وليست آية من السورة ، وهؤلاء أيضاً فريقان : منهم من قال : إن الله تعالى كان ينزلها في أول كل سورة على حدة ومنهم من قال : لا ، بل أنزلها مرة واحدة ، وأمر بإثباتها في أول كل سورة ، والذي يدل على أن الله تعالى أنزلها ، وعلى أنها من القرآن ما روي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة ، وعن إبراهيم بن يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار : أن الفضل الرقاشي يزعم أن بسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن ، فقال : سبحان الله ما أجرأ هذا الرجلا سمعت سعيد بن جبير يقول : سمعت ابن عباس يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم علم أن تلك السورة قد ختمت وفتح غيرها ، وعن عبد الله بن المبارك أنه قال : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية ، وروي مثله عن ابن عمر ، وأبي هريرة .
الفرع الثالث : القائلون بأن التسمية آية من الفاتحة وأن الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة لا شك أنهم يوجبون قراءة التسمية أما الذين لا يقولون به فقد اختلفوا ، فقال أبو حنيفة وأتباعه والحسن بن صالح بن جنّي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى : يقرأ التسمية سراً ، وقال مالك : لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً ، وأما في النافلة فإن شاء قرأها وإن شاء ترك .
الفرع الرابع : مذهب الشافعي يقتضي وجوب قراءتها في كل الركعات ، أما أبو حنيفة فعنه روايتان روى يعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة قبل الفاتحة ، وروى أبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد ثلاثتهم جميعاً عن أبي حنيفة ، أنه قال : إذا قرأها في أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة حتى يفرغ منها ، قال : وإن قرأها مع كل سورة فحسن . (1/189)
الفرع الخامس : ظاهر قول أبي حنيفة أنه لما قرأ التسمية في أول الفاتحة فإنه لا يعيدها في أوائل سائر السور ، وعند الشافعي أن الأفضل إعادتها في أول كل سورة ، لقوله عليه السلام كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر .
الفرع السادس : اختلفوا في أنه هل يجوز للحائض والجنب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ والصحيح عندنا أنه لا يجوز .
الفرع السابع : أجمع العلماء على أن تسمية الله على الوضوء مندوبة ، وعامة العلماء على أنها غير واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم : " توضأ كما أمرك الله به " ، والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء ، وقال أهل الظاهر إنها واجبة فلو تركها عمداً أو سهوًا لم تصح صلاته ، وقال إسحق إن تركها عامداً لم يجز ، وإن تركها ساهياً جاز .
الفرع الثامن : متروك التسمية عند التذكية هل يحل أكله أم لا؟ المسألة في غاية الشهرة قال الله تعالى : { فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ } [ الحج : 36 ] وقال تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } [ الأنعام : 121 ] .
الفرع التاسع : أجمع العلماء على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال وإلا ويقول «بسم الله» فإذا نام قال : «بسم الله» وإذا قام من مقامه قال : «بسم الله» وإذا قصد العبادة قال : «بسم الله» وإذا دخل الدار قال : «بسم الله» أو خرج منها قال : «بسم الله» وإذا أكل أو شرب أو أخذ أو أعطى قال : «بسم الله» ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول : «بسم الله» وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل : «بسم الله» وهذا آخر أحواله من الدنيا وإذا قام من القبر قال أيضاً : «بسم الله» وإذا حضر الموقف قال : «بسم الله» فتتباعد عنه النار ببركة قوله : «بسم الله» .
ترجمة القرآن :
المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي : ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها ، وقال أبو حنيفة : أنها كافية في حق القادر والعاجز وقال أبو يوسف ومحمد : أنها كافية في حق العاجز وغير كافية في حق القادر ، واعلم أن مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة بعيد جداً ولهذا السبب فإن الفقيه أبا الليث السمرقندي والقاضي أبا زيد الدبوسي صرحا بتركه .
لنا حجج ووجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بالقرآن المنزل من عند الله تعالى باللفظ العربي ، وواظب عليه طول عمره ، فوجب أن يجب علينا مثله ، لقوله تعالى : { فاتبعوه } والعجب أنه احتج بأنه عليه السلام مسح على ناصيته مرة على كونه شرطاً في صحة الوضوء ولم يلتفت إلى مواظبته طول عمره على قراءة القرآن باللسان العربي . (1/190)
الحجة الثانية : أن الخلفاء الراشدين صلوا بالقرآن العربي ، فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله عليه السلام : « اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر » ، ولقوله عليه السلام : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ »
الحجة الثالثة : أن الرسول وجميع الصحابة ما قرؤا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي ، فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله عليه السلام : « ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة » قيل : ومن هم يا رسول الله؟ قال : « ما أنا عليه وأصحابي » وجه الدليل أنه عليه السلام هو وجميع أصحابه كانوا متفقين على القراءة في الصلاة بهذا القرآن العربي ، فوجب أن يكون القارىء بالفارسية من أهل النار .
الحجة الرابعة : أن أهل ديار الإسلام مطبقون بالكلية على قراءة القرآن في الصلاة كما أنزل الله تعالى ، فمن عدل عن هذا الطريق دخل قوله تعالى : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } [ النساء : 115 ] .
الحجة الخامسة : أن الرجل أمر بقراءة القرآن في الصلاة ، ومن قرأ بالفارسية لم يقرأ القرآن ، فوجب أن لا يخرج عن العهدة ، إنما قولنا إنه أمر بقراءة القرآن لقوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] ولقوله عليه السلام للإعرابي : « ثم إقرأ بما تيسر معك من القرآن » وإنما قلنا إن الكلام المرتب بالفارسية ليس بقرآن لوجوه : الأول : قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين } [ الشعراء : 192 ] إلى قوله : { بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 195 ] الثاني : قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } [ إبراهيم : 4 ] الثالث : قوله تعالى : { وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً } [ فصلت : 44 ] وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره وهذا يدل على أنه تعالى ما جعله قرآناً أعجمياً ، فيلزم أن يقال : أن كل ما كان أعجمياً فهو ليس بقرآن . الرابع : قوله تعالى : { قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [ الإسراء : 88 ] فهذا الكلام المنظوم بالفارسية : إما أن يقال إنه عين الكلام العربي أو مثله ، أو لا عينه ولا مثله ، والأول معلوم البطلان بالضرورة ، والثاني باطل ، إذ لو كان هذا النظم الفارسي مثلاً لذلك الكلام العربي لكان الآتي به آتياً بمثل القرآن ، وذلك يوجب تكذيب الله سبحانه في قوله : { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } ولما ثبت أن هذا الكلام المنظوم بالفارسية ليس عين القرآن ولا مثله ثبت أن قارئه لم يكن قارئاً للقرآن ، وهو المطلوب ، فثبت أن المكلف أمر بقراءة ولم يأتِ به ، فوجب أن يبقى في العهدة .
الحجة السادسة : ما رواه ابن المنذر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، فنقول : هذه الكلمات المنظومة بالفارسية إما أن يقول أبو حنيفة إنها قرآن أو يقول إنها ليست بقرآن ، والأول جهل عظيم وخروج عن الإجماع ، وبيانه من وجوه : الأول : أن أحداً من العقلاء لا يجوز في عقله ودينه أن يقول إن قول القائل دوستان در بهشت قرآن . الثاني : يلزم أن يكون القادر على ترجمة القرآن آتياً بقرآن مثل الأول وذلك باطل . (1/191)
الحجة السابعة : روى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إني لا أستطيع أن أحفظ القرآن كما يحسن في الصلاة ، فقال صلى الله عليه وسلم : « قل سبحان الله والحمد لله إلى آخر هذا الذكر » وجه الدليل أن الرجل لما سأله عما يجزئه في الصلاة عند العجز عن قراءة القرآن العربي أمره الرسول عليه السلام بالتسبيح ، وذلك يبطل قول من يقول إنه يكفيه أن يقول دوستان دربهشت .
الحجة الثامنة : يقال إن أول الإنجيل هو قوله بسم إلاهاً رحماناً ومرحياناً وهذا هو عين ترجمة بسم الله الرحمن الرحيم ، فلو كانت ترجمة القرآن نفس القرآن لقالت النصارى إن هذا القرآن إنما أخذته من عين الإنجيل ، ولما لم يقل أحد هذا علمنا أن ترجمة القرآن لا تكون قرآناً .
الحجة التاسعة : أنا إذا ترجمنا قوله تعالى : { فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ } [ الكهف : 19 ] كان ترجمته بفرستيديكي أزشما بانقره بشهربس بنكردكه كدام طعام بهترست ياره ازان بياورد ، ومعلوم أن هذا الكلام من جنس كلام الناس لفظاً ومعنى فوجب أن لا تجوز الصلاة به ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس » وإذا لم تنعقد الصلاة بترجمة هذه الآية فكذا بترجمة سائر الآيات ، لأنه لا قائل بالفرق ، وأيضاً فهذه الحجة جارية في ترجمة قوله تعالى : { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } [ القلم : 11 ] إلى قوله : { عُتُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } [ القلم : 13 ] فإن ترجمتها لا تكون شتماً من جنس كلام الناس في اللفظ والمعنى ، وكذلك قوله تعالى : { ادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا }
[ البقرة : 61 ] فإن ترجمة هذه الآية تكون من جنس كلام الناس لفظاً ومعنى ، وهذا بخلاف ما إذا قرأنا عين هذه الآيات بهذه الألفاظ لأنها بحسب تركيبها المعجز ونظمها البديع تمتاز عن كلام الناس والعجب من الخصوم أنهم قالوا : إنه لو ذكر في آخر التشهد دعاء يكون من جنس كلام الناس فسدت صلاته ثم قالوا : تصح الصلاة بترجمة هذه الآيات مع أن ترجمتها عين كلام الناس لفظاً ومعنى . (1/192)
الحجة العاشرة : قوله عليه الصلاة والسلام : « أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شافِ كافِ ، » ولو كا نت ترجمة القرآن بحسب كل لغة قرآناً لكان قد أنزل القرآن على أكثر من سبعة أحرف ، لأن على مذهبهم قد حصل بحسب كل لغة قرآن على حدة ، وحينئذٍ لا يصح حصر حروف القرآن في السبعة .
الحجة الحادية عشرة : أن عند أبي حنيفة تصح الصلاة بجميع الآيات ، ولا شك أنه قد حصل في التوراة آيات كثيرة مطابقة لما في القرآن من الثناء على الله ومن تعظيم أمر الآخرة وتقبيح الدنيا . فعلى قول الخصم تكون الصلاة صحيحة بقراءة الإنجيل والتوراة ، وبقراءة زيد وإنسان ، ولو أنه دخل الدنيا وعاش مائة سنة ولم يقرأ حرفاً من القرآن بل كان مواظباً على قراءة زيد وإنسان فإنه يلقى الله تعالى مطيعاً ومعلوم بالضرورة أن هذا الكلام لا يليق بدين المسلمين .
الحجة الثانية عشرة : أنه لا ترجمة للفاتحة ألا نقول الثناء لله رب العالمين ورحمان المحتاجين والقادر على يوم الدين أنت المعبود وأنت المستعان إهدنا إلى طريق أهل العرفان لا إلى طريق أهل الخذلان ، وإذا ثبت أن ترجمة الفاتحة ليست إلا هذا القدر أو ما يقرب منه فمعلوم أنه لا خطبة إلا وقد حصل فيها هذا القدر فوجب أن يقال الصلاة صحيحة بقراءة جميع الخطب ، ولما كان باطلاً علمنا فساد هذا القول .
الحجة الثالثة عشرة : لو كان هذا جائزاً لكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي في أن يقرأ القرآن بالفارسية ويصلي بها ، ولكان قد أذن لصهيب في أن يقرأ بالرومية ، ولبلال في أن يقرأ بالحبشية؛ ولو كان هذا الأمر مشروعاً لاشتهر جوازه في الخلق فإنه يعظم في أسماع أرباب اللغات بهذا الطريق ، لأن ذلك يزيل عنهم أتعاب النفس في تعلم اللغة العربية ، ويحصل لكل قوم فخر عظيم في أن يحصل لهم قرآن بلغتهم الخاصة ، ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى اندراس القرآن بالكلية ، وذلك لا يقوله مسلم .
الحجة الرابعة عشرة : لو جازت الصلاة بالقراءة بالفارسية لما جازت بالقراءة بالعربية ، وهذا جائز وذاك غير جائز ، وبيان الملازمة أن الفارسي الذي لا يفهم من العربية شيئاً لم يفهم من القرآن شيئاً ألبتة ، أما إذا قرأ القرآن بالفارسية فهم المعنى وأحاط بالمقصود وعرف ما فيه من الثناء على الله ومن الترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ، ومعلوم أن المقصد الأقصى من إقامة الصلوات حصول هذه المعاني ، قال تعالى :
{ أقم االصلاة لذكري } [ طه : 14 ] وقال تعالى : { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [ محمد : 24 ] فثبت أن قراءة الترجمة تفيد هذه الفوائد العظيمة ، وقراءة القرآن باللفظ العربي تمنع من حصول هذه الفوائد ، فلو كانت القراءة بالفارسي قائمة مقام القراءة بالعربية في الصحة ثم إن القراءة بالفارسية تفيد هذه الفوائد العظيمة والقراءة بالعربية مانعة منها لوجب أن تكون القراءة بالعربية محرمة ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن القراءة بالفارسية غير جائزة . (1/193)
الحجة الخامسة عشرة : المقتضى لبقاء الأمر بالصلاة قائم ، والفارق ظاهر ، أما المقتضى فلأن التكليف كان ثابتاً ، والأصل في الثابت البقاء ، وأما الفارق فهو أن القرآن العربي كما أنه يطلب قراءة لمعناه كذلك تطلب قراءته لأجل لفظه ، وذلك من وجهين : الأول : إن الإعجاز في فصاحته؛ وفصاحته في لفظه والثاني : أن توقيف صحة الصلاة على قراءة لفظه يوجب حفظ تلك الألفاظ ، وكثرة الحفظ من الخلق العظيم يوجب بقاءه على وجه الدهر مصوناً عن التحريف ، وذلك يوجب تحقيق ما وعد الله تعالى بقوله : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر : 9 ] أما إذا قلنا إنه لا يتوقف صحة الصلاة على قراءة هذا النظم العربي فإنه يختل هذا المقصود ، فثبت أن المقتضى قائم والفارق ظاهر .
واحتج المخالف على صحة مذهبه بأنه أمر بقراءة القرآن ، وقراءة الترجمة قراءة القرآن ، ويدل عليه وجوه : الأول : روي أن عبد الله بن مسعود كان يعلم رجلاً القرآن فقال : { إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم } [ الدخان : 43 ، 44 ] وكان الرجل عجمياً فكان يقول : طعام اليتيم : فقال : قل طعام الفاجر ، ثم قال عبد الله إنه ليس الخطأ في القرآن أن يقرأ مكان العليم الحكيم بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب الثاني : قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأولين } [ الشعراء : 196 ] فأخبر أن القرآن في زبر الأولين وقال تعالى : { إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى صُحُفِ إبراهيم وموسى } [ الأعلى : 18 ، 19 ] ثم أجمعنا على أنه ما كان القرآن في زبر الأولين بهذا اللفظ لكن كان بالعبرانية والسريانية الثالث : أنه تعالى قال : { وَأُوحِىَ إِلَىَّ هذا القرآن لأنذركم به } [ الأنعام : 19 ] ثم إن العجم لا يفهمون اللفظ العربي إلا إذا ذكر تلك المعاني لهم بلسانهم ، ثم أنه تعالى سماه قرآناً ، فثبت أن هذا المنظوم بالفارسية قرآن .
والجواب عن الأول أن نقول : إن أحوال هؤلاء عجيبة جداً ، فإن ابن مسعود نقل عنه أنه كان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة المبالغة في نصرة هذا المذهب كما نقل عن ابن مسعود ، ثم أن الحنفية لا تلتفت إلى هذا ، بل نقول : إن القائل به شاك في دينه ، والشاك لا يكون مؤمناً ، فإن كان قول ابن مسعود حجة فلم لم يقبلوا قوله في تلك المسألة؟ وإن لم يكن حجة فلم عول عليه في هذه المسألة؟ ولعمري هذه المناقضات عجيبة ، وأيضاً فقد نقل عن ابن مسعود حذف المعوذتين وحذف الفاتحة عن القرآن ويجب علينا إحسان الظن به؛ وأن نقول : أنه رجع عن هذه المذاهب ، وأما قوله تعالى :
{ وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأولين } [ الشعراء : 196 ] فالمعنى أن هذه القصص موجودة في زبر الأولين ، وقوله تعالى : { لأِنذِرَكُمْ } فالمعنى لأنذركم معناه ، وهذا القدر القليل من المجاز يجوز تحمله لأجل الدلائل القاهرة القاطعة التي ذكرناها . (1/194)
المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي في القول الجديد تجب القراءة على المقتدي؛ سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها ، وقال في القديم : تجب القراءة إذا أسر الإمام ، ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وابن المبارك وقال أبو حنيفة تكره القراءة خلف الإمام بكل حال ، ولنا وجوه :
الحجة الأولى : قوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وهذا الأمر يتناول المنفرد والمأموم .
الحجة الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة فيجب علينا ذلك لقوله تعالى : { فاتبعوه } إلا أن يقال : إن كونه مأموماً يمنع منه إلا أنه معارضة .
الحجة الثالثة : أنا بينا أن قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة } أمر بمجموع الأفعال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها ، ومن جملة تلك الأفعال قراءة الفاتحة ، فكان قوله : { أَقِيمُواْ الصلاة } يدخل فيه الأمر بقراءة الفاتحة .
الحجة الرابعة : قوله عليه السلام : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وقد ثبت تقرير وجه الدليل .
فإن قالوا : هذا الخبر مخصوص بحال الانفراد لأنه روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلِ ، إلا أن يكون وراء الإمام ، قلنا : هذا الحديث طعنوا فيه .
الحجة الخامسة : قوله عليه الصلاة والسلام للأَعرابي الذي علمه أعمال الصلاة : " ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن " وهذا يتناول المنفرد والمأموم .
الحجة السادسة : روى أبو عيسى الترمذي في «جامعة» بإسناده عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الصبح فثقلت عليه القراءة ، فلما انصرف قال : " مالي أراكم تقرؤن خلف إمامكم " قلنا : أي والله ، قال : " لا تفعلوا إلا بأم القرآن ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن .
الحجة السابعة : روى مالك في «الموطأ »عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام " قال : فقلت يا أبا هريرة ، إني أكون أحياناً خلف الإمام ، قال : إقرأ بها يا فارسي في نفسك ، والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أن صلاة المقتدي بدون القراءة مبرأة عن الخداج عند الخصم ، وهو على خلاف النص الثاني : أن السائل أورد الصلاة خلف الإمام على أبي هريرة بوجوب القراءة عليه في هذه الحالة ، وذلك يؤيد المطلوب . (1/195)
الحجة الثامنة : روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يقول : «قسمت الصة بيني وبين عبدي نصفين " بين أن التنصيف إنما يحصل بسبب القراءة ، فوجب أن تكون قراءة الفاتحة من لوازم الصلاة ، وهذا التنصيف قائم في صلاة المنفرد وفي صلاة المقتدي .
الحجة التاسعة : روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه الكريم فقال : " هل تقرؤن إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا إنّا لنصنع ذلك ، فقال : وأنا أقول مالي أنازع القرآن ، لا تقرؤا شيئاً من القرآن إذا جهرت بقراءتي إلا أم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها . " الحجة العاشرة : أن الأحاديث الكثيرة دالة على أن قراءة القرآن توجب الثواب العظيم وهي متناولة للمنفرد والمقتدى ، فوجب أن تكون قراءتها في الصلاة خلف الإمام موجبة للثواب العظيم ، وكل من قال بذلك قال بوجوب قراءتها .
الحجة الحادية عشرة : وافق أبو حنيفة رضي الله عنه على أن القراءة خلف الإمام لا تبطل الصلاة ، وأما عدم قراءتها فهو عندنا يبطل الصلاة ، فثبت أن القراءة أحوط ، فكانت واجبة لقوله عليه الصلاة والسلام : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " . الحجة الثانية عشرة : إذا بقي المقتدى ساكتاً عن القراءة مع أنه لا يسمع قراءة الإمام بقي معطلاً ، فوجب أن يكون حال القارىء أفضل منه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " أفضل الأعمال قراءة القرآن " وإذا ثبت أن القراءة أفضل من السكوت في هذه الحالة ثبت القول بالوجوب ، لأنه لا قائل بالفرق .
الحجة الثالثة عشرة : لو كان الاقتداء مانعاً من القراءة لكان الاقتداء حراماً ، لأن قراءة القرآن عبادة عظيمة ، والمانع من العبادة الشريفة محرم ، فيلزمه أن يكون الاقتداء حراماً ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الاقتداء لا يمنع من القراءة .
واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وأنصتوا } [ الأعراف : 204 ] واعلم أنا بينا في تفسير هذه الآية أنها لا تدل على قولهم ، وبالغنا ، فليطالع ذلك الموضع من هذا التفسير؛ وأما الأخبار فقد ذكروا أخباراً كثيرة والشيخ أحمد البيهقي بين ضعفها ، ثم نقول : هب أنها صحيحة ، ولكن الأخبار لما تعارضت وكثرت فلا بدّ من الترجيح ، وهو معنا من وجوه : الأول : أن قولنا يوجب الاشتغال بقراءة القرآن ، وهو من أعظم الطاعات ، وقولهم يوجب العطلة والسكوت عن ذكر الله ولا شك أن قولنا أولى : الثاني : أن قولنا أحوط الثالث : أن قولنا يوجب شغل جميع أجزاء الصلاة بالطاعات والأذكار الجميلة ، وقولهم يوجب تعطيل الوقت عن الطاعة والذكر .
المسألة الثالثة عشرة : قال الشافعي رضي الله عنه : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة ، فإن تركها في ركعة بطلت صلاته ، قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني : وهذا القول مجمع عليه بين الصحابة ، قال به أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود . (1/196)
واعلم أن المذاهب في هذه المسألة ستة : أحدها : قول الأصم وابن علية ، وهو أن القراءة غير واجبة أصلاً والثاني : قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن جني أن القرءة إنما تجب في ركعة واحدة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " والاستثناء من النفي إثبات ، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء والثالث : قول أبي حنيفة ، وهو أن القراءة في الركعتين الأولتين واجبة ، وهو في الأخيرتين بالخيار ، إن شاء قرأ ، وإن شاء سبح ، وإن شاء سكت ، وذكر في كتاب «الاستحباب» أن القراءة واجبة في الركعتين من غير تعيين والرابع : نقل ابن الصباغ في كتاب «الشامل» عن سفيان أنه قال : تجب القراءة في الركعتين الأوليين وتكره في الأخريين والخامس : وهو قول مالك أن القراءة واجبة في أكثر الركعات ، ولا تجب في جميعها ، فإن كانت الصلاة أربع ركعات كفت القراءة في ثلاث ركعات ، وإن كانت مغرباً كفت في ركعتين ، وإن كانت صبحاً وجبت القراءة فيهما معاً والسادس : وهو قول الشافعي وهو أن القراءة واجبة في كل الركعات .
ويدل على صحته وجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في كل الركعات فيجب علينا مثله ، لقوله تعالى : { واتبعوه } . الحجة الثانية : أن الأعرابي الذي علمه عليه الصلاة والسلام الصلاة أمره أن يقرأ بأم القرآن ، ثم قال : وكذلك فافعل في كل ركعة ، والأمر للوجوب ، فإن قالوا قوله : «فافعل في كل ركعة» راجع إلى الأفعال لا إلى الأقوال ، قلنا القول فعل اللسان فهو داخل في الأفعال . الحجة الثالثة : نقل الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتاب «الشامل» عن أبي سعيد الخدري أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة . الحجة الرابعة : القراءة في الركعات أحوط فوجب القول بوجوبها . الحجة الخامسة : أمر بالصلاة والأصل في الثابت البقاء ، حكمنا بالخروج عن العهدة عند القراءة في كل الركعات لأجل أن هذه الصلاة أكمل ، فعند عدم القراءة في الكل وجب أن يبقى في العهدة .
واحتج المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت : فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر ، وإذا ثبت هذا فنقول : الركعتان الأوليان أصل والأخريان تبع ، ومدار الأمر في التبع على التخفيف ، ولهذا المعنى فإنه لا يقرأ السورة الزائدة فيهما ، ولا يجهر بالقراءة فيهما . والجواب أن دلائلنا أكثر وأقوى ، ومذهبنا أحوط ، فكان أرجح . (1/197)
فروع على اشتراط الفاتحة في الصلاة :
المسألة الرابعة عشرة :
إذا ثبت أن قراءة الفاتحة شرط من شرائط الصلاة فله فروع : الفرع الأول : قد بينا أنه لو ترك قراءة الفاتحة أو ترك حرفاً من حروفها عمداً بطلت صلاته ، أما لو تركها سهواً قال الشافعي في القديم لا تفسد صلاته ، واحتج بما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : صلى بنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه المغرب فترك القراءة فلما انقضت الصلاة قيل له : تركت القراءة ، قال : كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا : حسناً ، قال : فلا بأس ، قال الشافعي : فلما وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصحابة كان ذلك إجماعاً ، ورجع الشافعي عنه في الجديد ، وقال : تفسد صلاته؛ لأن الدلائل المذكورة عامة في العمد والسهو ، ثم أجاب عن قصة عمر من وجهين : الأول : أن الشعبي روى أن عمر رضي الله عنه أعاد الصلاة . والثاني : أنه لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة ، قال الشافعي هذا هو الظن بعمر .
الفرع الثاني : تجب الرعاية في ترتيب القراءة ، فلو قرأ النصف الأخير ثم النصف الأول يحسب له الأول دون الأخير .
الفرع الثالث : الرجل الذي لا يحسن تمام الفاتحة إما أن يحفظ بعضها ، وإما أن لا يحفظ شيئاً منها ، أما الأول : فإنه يقرأ تلك الآية ويقرأ معها ست آيات على الوجه الأقرب وأما الثاني وهو أن لا يحفظ شيئاً من الفاتحة فههنا إن حفظ شيئاً من القرآن لزمه قراءة ذلك المحفوظ ، لقوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وإن لم يحفظ شيئاً من القرآن فههنا يلزمه أن يأتي بالذكر ، وهو التكبير والتحميد ، وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء ، حجة الشافعي ما روى رفاعة بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله ، ثم يكبر ، فإن كان معه شيء من القرآن فليقرأ ، وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر ، بقي ههنا قسم واحد ، وهو أن لا يحفظ الفاتحة ولا يحفظ شيئاً من القرآن ولا يحفظ أيضاً شيئاً من الأذكار العربية ، وعندي أنه يؤمر بذكر الله تعالى بأي لسان قدر عليه تمسكاً بقوله عليه الصلاة والسلام :
" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " . المسألة الخامسة عشرة : نقل في الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن ، وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن ، واعلم أن هذا في غاية الصعوبة ، لأنا إن قلنا إن النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن فحينئذٍ كان ابن مسعود عالماً بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل ، وإن قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلاً في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ، والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل ، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة ، وههنا آخر الكلام في المسائل الفقهية المفرعة على سورة الفاتحة ، والله الهادي للصواب . (1/198)
الباب الخامس
في تفسير سورة الفاتحة ، وفيه فصول :
الفصل الأول
تفسير «الحمد لله» :
في تفسير قوله تعالى : { الحمد للَّهِ } وفيه وجوه : الأول : ههنا ألفاظ ثلاثة : الحمد ، والمدح والشكر ، فنقول : الفرق بين الحمد والمدح من وجوه : الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ، ويستحيل أن يحمدها ، فثبت أن المدح أعم من الحمد الوجه الثاني في الفرق : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان الوجه الثالث في الفرق : أن المدح قد يكون منهياً عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : " احثوا التراب في وجوه المداحين " أما الحمد فإنه مأمور به مطلقاً ، قال صلى الله عليه وسلم : " من لم يحمد الناس لم يحمد الله " الوجه الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصاً بنوع من أنواع الفضائل ، وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصاً بفضيلة معينة ، وهي فضيلة الإنعام والإحسان فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد .
وأما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك .
إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن المدح حاصل للحي ولغير الحي ، وللفاعل المختار ولغيره فلو قال المدح لله لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلاً مختاراً ، أما لما قال الحمد لله فهو يدل على كونه مختاراً ، فقوله : { الحمد للَّهِ } يدل على كون هذا القائل مقراً بأن إله العالم ليس موجباً بالذات كما تقول الفلاسفة بل هو فاعل مختار وأيضاً فقوله الحمد لله أولى من قوله الشكر لله لأن قوله الحمد لله ثناء على الله بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره وأما الشكر لله فهو ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ، ولا شك أن الأول أفضل لأن التقدير كأن العبد يقول : سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين ، وأنت مستحق للحمد العظيم ، وقيل الحمد على ما دفع الله من البلاء ، والشكر على ما أعطى من النعماء .
فإن قيل : النعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء فلماذا ترك الأكثر وذكر الأقل قلنا في وجوه : الأول : كأنه يقول أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف لأعلاهما الثاني : المنع غير متناهٍ ، والإعطاء متناهٍ ، فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى الثالث : أن دفع الضرر أهم من جلب النفع ، فلهذا قدمه . (1/199)
الحمد لله أبلغ من أحمد الله :
الفائدة الثانية : أنه تعالى لم يقل أحمد الله ولكن قال : { الحمد للَّهِ } وهذه العبارة الثانية أولى لوجوه : أحدها : أنه لو قال أحمد الله أفاد ذلك كون ذلك القائل قادراً على حمده أما لما قال { الحمد للَّهِ } فقد أفاد ذلك أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين ، فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم يشكروا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم وثانيها : أن قولنا الحمد لله ، معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه ، فإنه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد ، فقولنا : الحمد لله معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ولو قال أحمد الله لم يدل ذلك على كونه مستحقاً للحمد لذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصاً واحد حمده وثالثها : أنه لو قال أحمد الله لكان قد حمد لكن لا حمداً يليق به ، وأما إذا قال الحمد لله فكأنه قال : من أنا حتى أحمده؟ لكنه محمود بجميع حمد الحامدين ، مثاله ما لو سئلت : هل لفلان عليك نعمة؟ فإن قلت : نعم فقد حمدته ولكن حمداً ضعيفاً ، ولو قلت في الجواب : بل نعمه على كل الخلائق ، فقد حمدته بأكمل المحامد ورابعها : أن الحمد عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلاً منعماً مستحقاً للتعظيم والإجلال ، فإذا تلفظ الإنسان بقوله أحمد الله مع أنه كان قلبه غافلاً عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذباً ، لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامداً مع أنه ليس كذلك ، أما إذا قال الحمد لله سواء كان غافلاً أو مستحضراً لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقاً لأن معناه أن الحمد حق لله وملكه ، وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلاً بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن ، فثبت أن قوله الحمد لله أولى من قوله أحمد الله ، ونظيره قولنا لا إله إلا الله فإنه لا يدخله التكذيب ، بخلاف قولنا أشهد أن لا إله إلا الله لأنه قد يكون كاذباً في قوله أشهد ، ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين
{ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } [ المنافقون : 1 ] ولهذا السر أمر في الأذان بقوله أشهد ثم وقع الختم على قوله لا إله إلا الله . (1/200)
معنى اللام في ( الحمد لله ) :
الفائدة الثالثة : اللام في قوله الحمد لله يحتمل وجوهاً كثيرة : أحدها : الاختصاص اللائق كقولك الجل للفرس وثانيها : الملك كقولك الدار لزيد وثالثها : القدرة والاستيلاء كقولك البلد للسلطان ، واللام في قولك الحمد لله يحتمل هذه الوجوه الثلاثة فإن حملته على الاختصاص اللائق فمن المعلوم أنه لا يليق الحمد إلا به لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه ، وإن حملته على الملك فمعلوم أنه تعالى مالك للكل فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده ، وإن حملته على الاستيلاء والقدرة فالحق سبحانه وتعالى كذلك لأنه واجب لذاته وما سواه ممكن لذاته والواجب لذاته مستولٍ على الممكن لذاته ، فالحمد لله بمعنى أن الحمد لا يليق إلا به وبمعنى أن الحمد ملكه وملكه ، وبمعنى أنه هو المستولي على الكل والمستعلي على الكل .
الفائدة الرابعة : قوله الحمد لله ثمانية أحرف ، وأبواب الجنة ثمانية ، فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة .
الفائدة الخامسة : الحمد لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، وفيه قولان : الأول : أنه إن كان مسبوقاً بمعهود سابق انصرف إليه ، وإلا يحمل على الاستغراق صوناً للكلام عن الإجمال والقول الثاني : أنه لا يفيد العموم إلا أنه يفيد الماهية والحقيقة فقط ، إذا عرفت هذه فنقول : قوله الحمد لله إن قلنا بالقول الأول : أفاد أن كل ما كان حمداً وثناء فهو لله وحقه وملكه ، وحينئذٍ يلزم أن يقال : إن ما سوى الله فإنه لا يستحق الحمد الثناء ألبتة ، وإن قلنا بالقول الثاني : كان معناه أن ماهية الحمد حق الله تعالى وملك له ، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير الله ، فثبت على القولين أن قوله الحمد لله ينفي حصول الحمد لغير الله .
فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه ، والأستاذ يستحق الحمد من التلميذ والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية ، وقال عليه السلام : « من لم يحمد الناس لم يحمد الله » . قلنا : إن كل من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو الله تعالى ، لأنه لولا أنه تعالى خلق تلك الداعية في قلب ذلك المنعم وإلا لم يقدم على ذلك الإنعام ، ولولا أنه تعالى خلق تلك النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع لما حصل الانتفاع بتلك النعمة ، فثبت أن المنعم في الحقيقة هو الله تعالى .
الفائدة السادسة : أن قوله الحمد لله كما دل على أنه لا محمود إلا الله ، فكذلك العقل دل عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو لم يخلق داعية الإنعام في قلب المنعم لم ينعم فيكون المنعم في الحقيقة هو الله الذي خلق تلك الداعية وثانيها : أن كل من أنعم على الغير فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إما ثواباً أو ثناء أو تحصيل حق أو تخليصاً للنفس من خلق البخل ، وطالب العوض لا يكون منعماً ، فلا يكون مستحقاً للحمد في الحقيقة ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته ، والكامل لذاته لا يطلب الكمال ، لأن تحصيل الحاصل محال ، فكانت عطاياه جوداً محضاً وإحساناً محضاً ، فلا جرم كان مستحقاً للحمد ، فثبت أنه لا يستحق الحمد إلا الله تعالى وثالثها : أن كل نعمة فهي من الموجودات الممكنة الوجود ، وكل ممكن الوجود فإنه وجد بإيجاد الحق إما ابتداء وإما بواسطة ، ينتج أن كل نعمة فهي من الله تعالى ويؤكد ذلك بقوله تعالى : { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] والحمد لا معنى له إلا الثناء على الإنعام فلما كان لا إنعام إلا من الله تعالى ، وجب القطع بأن أحداً لا يستحق الحمد إلا الله تعالى ورابعها : النعمة لا تكون كاملة إلا عند اجتماع أمور ثلاثة : أحدها : أن تكون منفعة ، والانتفاع بالشيء مشروط بكونه حياً مدركاً ، وكونه حياً مدركاً لا يحصل إلا بإيجاد الله تعالى وثانيها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت خالية عن شوائب الضرر والغم ، وإخلاء المنافع عن شوائب الضرر لا يحصل إلا من الله تعالى . وثالثها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت آمنة من خوف الانقطاع ، وهذا الأمر لا يحصل إلا من الله تعالى ، إذا ثبت هذا فالنعمة الكاملة لا تحصل إلا من الله تعالى ، فوجب أن لا يستحق الحمد الكامل إلا الله تعالى ، فثبت بهذه البراهين صحة قوله تعالى الحمد لله . (1/201)
الفائدة السابعة : قد عرفت أن الحمد عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعماً متفضلاً ، وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول النعمة إليه امتنع تكليفه بالحمد والشكر ، إذا عرفت هذا فنقول : وجب كون الإنسان عاجزاً عن حمد الله وشكره ويدل عليه وجوه :
الأول : أن نعم الله على الإنسان كثيرة لا يقوى عقل الإنسان على الوقوف عليها ، كما قال تعالى : { وإن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 النحل : 18 ] إذا امتنع وقوف الإنسان عليها امتنع اقتداره على الحمد والشكر والثناء اللائق بها .
الثاني : أن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله تعالى على ذلك الحمد والشكر وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد ، والشكر ، وإذا زال عنه العوائق والحوائل ، فكل ذلك إنعام من الله تعالى ، فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر الله تعالى إلا بواسطة نعم عظيمة من الله تعالى عليه ، وتلك النعم أيضاً توجب الشكر ، وعلى هذا التقدير : فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشكر والحمد إلا عند الإتيان به مراراً لا نهاية لها ، وذلك محال ، والموقوف على المحال محال ، فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد الله وبشكره على ما يليق به ، الثالث : أن الحمد والشكر ليس معناه مجرد قول القائل بلسانه الحمد لله؛ بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفاً بصفات الكمال والجلال وكل ما خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال فكمال الله وجلاله أعلى وأعظم من ذلك المتخيل والمتصور ، وإذا كان كذلك امتنع كون الإنسان آتياً بحمد الله وشكره وبالثناء عليه . الرابع : أن الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل الإنعام الصادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه وذلك بعيد لوجوه : أحدها : أن نعم الله كثيرة لا حد لها فمقابلتها بهذا الاعتقاد الواحد وبهذه اللفظة الواحدة في غاية البعد ، وثانيها : أن من اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعم الله تعالى فقد أشرك ، وهذا معنى قول الواسطي الشكر شرك ، وثالثها : أن الإنسان محتاج إلى إنعام الله في ذاته وفي صفاته وفي أحواله ، والله تعالى غني عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين ، فكيف يمكن مقابلة نعم الله بهذا الشكر وبهذا الحمد ، فثبت بهذه الوجوه أن العبد عاجز عن الإتيان بحمد الله وبشكره فلهذه الدقيقة لم يقل أحمدوا الله ، بل قال الحمد لله لأنه لو قال احمدوا الله فقد كلفهم ما لا طاقة لهم به ، أما لما قال الحمد لله كان المعنى أن كمال الحمد حقه وملكه ، سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا عليه؛ ونقل أن داود عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك عليّ وهو أن توفقني لذلك الشكر؟ فقال : يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك .
الفائدة الثامنة : عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أنه قال " إذا أنعم الله على عبده نعمة فيقول العبد الحمد لله فيقول الله تعالى : «أنظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له " وتفسيره أن الله إذا أنعم على العبد كان ذلك الأنعام أحد الأشياء المعتادة مثل أنه كان جائعاً فأطعمه ، أو كان عطشاناً فأرواه ، أو كان عرياناً فكساه ، أما إذا قال العبد الحمد لله كان معناه أن كل حمد أتى به أحد من الحامدين فهو لله ، وكل حمد لم يأتِ به أحد من الحامدين وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو لله ، وذلك يدخل فيه جميع المحامد التي ذكرها ملائكة العرش والكرسي وساكنو أطباق السموات وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم وجميع المحامد التي ذكرها جميع الأولياء والعلماء وجميع الخلق وجميع المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قولهم : (1/202)
{ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ يونس : 10 ] ثم جميع هذه المحامد متناهية ، وأما المحامد التي لا نهاية لها هي التي سيأتون بها أبد الآباد ودهر الداهرين ، فكل هذه الأقسام التي لا نهاية لها داخلة تحت قول العبد { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } فلهذا السبب قال تعالى : « انظروا إلى عبدي قد أعطيته نعمة واحدة لا قدر لها فأعطاني من الشكر ما لا حد له ولا نهاية له » . أقول : ههنا دقيقة أخرى ، وهي أن نعم الله تعالى على العبد في الدنيا متناهية ، وقوله الحمد لله حمد غير متناهٍ ، ومعلوم أن غير المتناهي إذا سقط منه المتناهي بقي الباقي غير متناهٍ ، فكأنه تعالى يقول : عبدي ، إذا قلت الحمد لله في مقابلة تلك النعمة فالذي بقي لك من تلك الكلمة طاعات غير متناهية ، فلا بدّ من مقابلتها بنعمة غير متناهية ، فلهذا السبب يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي ، فثبت أن قول العبد الحمد لله يوجب سعادات لا آخر لها وخيرات لا نهاية لها . (1/203)
الفائدة التاسعة : لا شك أن الوجود خير من العدم ، والدليل عليه أن كل موجود حي فإنه يكره عدم نفسه ، ولولا أن الوجود خير من العدم وإلا لما كان كذلك ، وإذا ثبت هذا فنقول وجود كل شيء ما سوى الله تعالى فإنه حصل بإيجاد الله وجوده وفضله وإحسانه ، وقد ثبت أن الوجود نعمة ، فثبت أنه لا موجود في عالم الأرواح والأجسام والعلويات والسفليات إلا ولله عليه نعمة ورحمة وإحسان ، والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر ، فإذا قال العبد الحمد لله فليس مراده الحمد لله على النعم الواصلة إلى بل المراد ، الحمد لله على النعم الصادرة منه وقد بينا أن إنعامه واصل إلى ما كل سواه ، فإذا قال العبد الحمد لله كان معناه الحمد لله على إنعامه على كل مخلوق خلقه وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وأنسي وذات وصفة وجسم وعرض إلى أبد الآباد ودهر الداهرين ، وأنا أشهد أنها بأسرها حقك وملكك وليس لا حد معك فيها شركة ومنازعة .
الفائدة العاشرة : لقائل أن يقول : التسبيح مقدم على التحميد ، لأنه يقال سبحانك الله والحمد لله فما السبب ههنا في وقوع البداية بالتحميد؟ والجواب أن التحميد يدل على التسبيح دلالة التضمن ، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات ، والتحميد يدل مع حصول تلك الصفة على كونه محسناً إلى الخلق منعماً عليهم رحيماً بهم ، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاماً والتحميد يدل على كونه تعالى فوق التمام ، فلهذا السبب كان الابتداء بالتحميد أولى ، وهذا الوجه مستفاد من القوانين الحكمية ، وأما الوجه اللائق بالقوانين الأصولية فهو أن الله تعالى لا يكون محسناً بالعباد إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد ، وإلا إذا كان قادراً على كل المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ، وإلا إذا كان غنياً عن كل الحاجات ، إذ لو لم يكن كذلك لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائض والآفات ، فثبت أن الابتداء بقوله الحمد لله أولى من الابتداء بقوله سبحان الله .
الفائدة الحادية عشرة : الحمد لله له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل ، أما تعلقه بالماضي فهو أنه يقع شكراً على النعم المتقدمة ، وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل ، لقوله تعالى : { لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } [ إبراهيم : 7 ] والعقل أيضاً يدل عليه ، وهو أن النعم السابقة توجب الإقدام على الخدمة ، والقيام بالطاعة ، ثم إذا اشتغل بالشكر انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم الله تعالى ، وأبواب معرفته ومحبته ، وذلك من أعظم النعم ، فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران ، وبسبب تعلقه بالمستقبل يفتح لك أبواب الجنان ، فتأثيره في الماضي سد أبواب الحجاب عن الله تعالى؛ وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة الله تعالى ، ولما كان لا نهاية لدرجات جلال الله فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة الله ، ولا مفتاح لها إلا قولنا الحمد لله ، فلهذا السبب سميت سورة الحمد بسورة الفاتحة . (1/204)
الفائدة الثانية عشرة : الحمد لله كلمة شريفة جليلة لكن لا بدّ من ذكرها في موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها ، قيل للسري السقطي : كيف يجب الإتيان بالطاعة؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر الله عن قولي مرة واحدة الحمد لله ، فقيل كيف ذلك؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور فأخبروني أن دكاني لم يحترق فقلت الحمد لله وكان معناه أني فرحت ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد لله ، فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها ، ثم إن نعم الله على العبد كثيرة ، إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا ، ونعم الدين ، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه كثيرة ، وقولنا الحمد لله كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة نعم الدنيا ، بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين ، ثم نعم الدين قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، القسم الثاني : أشرف ، ثم نعم الدنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم ، وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم ، والقسم الثاني : أشرف ، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا الحمد لله موافقاً لموضعه لائقاً بسببه .
الفائدة الثالثة عشرة : أول كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله الحمد لله ، وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة هو قولنا الحمد لله ، أما الأول : فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال الحمد لله رب العالمين ، وأما الثاني : فهو قوله تعالى : { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [ يونس : 10 ] ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد ، فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وآخرها مقروناً بهذه الكلمة فإن الإنسان عالم صغير فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير . (1/205)
الفائدة الرابعة عشرة : من الناس من قال : تقدير الكلام قولوا الحمد لله ، وهذا عندي ضعيف ، لأن الإضمار إنما يصار إليه ليصح الكلام ، وهذا الإضمار يوجب فساد الكلام والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن قوله الحمد لله إخبار عن كون الحمد حقاً له وملكاً له ، وهذا كلام تام في نفسه ، فلا حاجة إلى الإضمار . الثاني : أن قوله الحمد لله يدل على كونه تعالى مستحقاً للحمد بحسب ذاته وبحسب أفعاله سواء حمدوه أو لم يحمدوه ، لأن ما بالذات أعلى وأجل مما بالغير . الثالث : ذكروا مسألة في الواقعات وهي أنه لا ينبغي للوالد أن يقول لولده إعمل كذا وكذا ، لأنه يجوز أن لا يمتثل أمره فيأثم ، بل يقول إن كذا وكذا يجب أن يفعل ، ثم إذا كان الولد كريماً فإنه يجيبه ويطيعه ، وإن كان عاقا لم يشافهه بالرد ، فيكون إثمه أقل ، فكذلك ههنا قال الله تعالى الحمد لله فمن كان مطيعاً حمده ، ومن كان عاصياً كان إثمه أقل .
الفائدة الخامسة عشرة : تمسكت الجبرية والقدرية بقوله الحمد لله : أما الجبرية فقد تمسكوا به من وجوه : الأول : أن كل من كان فعله أشرف وأكمل وكانت النعمة الصادرة عنه أعلى وأفضل كان استحقاقه للحمد أكثر ، ولا شك أن أشرف المخلوقات هو الإيمان ، فلو كان الإيمان فعلاً للعبد لكان استحقاق العبد للحمد أولى وأجل من استحقاق الله له ولما لم يكن كذلك علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله لا بخلق العبد ، الثاني : أجمعت الأمة على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان لو كان الإيمان فعلاً للعبد وما كان فعلاً لله لكان قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان باطلاً فإن حمد الفاعل على ما لا يكون فعلاً له باطن قبيح لقوله تعالى :
{ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } [ آل عمران : 188 ] الثالث : أنا قد دللنا على أن قوله الحمد لله يدل ظاهرة على أن كل الحمد لله وأنه ليس لغير الله حمد أصلاً وإنما يكون كل الحمد لله لو كان كل النعم من الله والإيمان أفضل النعم فوجب أن يكون الإيمان من الله ، الرابع : أن قوله الحمد لله مدح منه لنفسه ومدح النفس مستقبح فيما بين الخلق ، فلما بدأ كتابه بمدح النفس دل ذلك على أن حاله بخلاف حال الخلق وأنه يحسن من الله ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه تعالى مقدس عن أن تقاس أفعاله على أفعال الخلق ، فقد تقبح أشياء من العباد ولا تقبح تلك الأشياء من الله تعالى ، وهذا يهدم أصول الاعتزال بالكلية . والخامس : إن عند المعتزلة أفعاله تعالى يجب أن تكون حسنة ويجب أن تكون لها صفة زائدة على الحسن ، وإلا كانت عبثاً ، وذلك في حقه محال ، والزائدة على الحسن إما أن تكون واجبة ، وإما أن تكون من باب التفضل : أما الواجب فهو مثل إيصال الثواب والعوض إلى المكلفين ، وأما الذي يكون من باب التفضل فهو مثل أنه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان ، فنقول : هذا يقدح في كونه تعالى مستحقاً للحمد ، ويبطل صحة قولنا الحمد لله ، وتقريره أن نقول : أما أداء الواجبات فإنه لا يفيد استحقاق الحمد ألا ترى أن من كان له على غيره دين دينار فأداه فإنه لا يستحق الحمد ، فلو وجب على الله فعل لكان ذلك الفعل مخلصاً له عن الذم ولا يوجب استحقاقه للحمد ، وأما فعل التفضل فعند الخصم أنه يستفيد بذلك مزيد حمد لأنه لو لم يصدر عنه ذلك الفعل لما حصل له ذلك الحمد ، وإذا كان كذلك كانا ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره ، وذلك يمنع من كونه تعالى مستحقاً للحمد والمدح . السادس : قوله الحمد لله يدل على أنه تعالى محمود ، فنقول : استحقاقه الحمد والمدح إما أن يكون أمراً ثابتاً له لذاته أو ليس ثابتاً له لذاته ، فإن كان الأول امتنع أن يكون شيء من الأفعال موجباً له استحقاق المدح ، لأن ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره ، وامتنع أيضاً أن يكون شيء من الأفعال موجباً له استحقاق الذم ، لأن ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه بسبب غيره ، وإذا كان كذلك لم يتقرر في حقه تعالى وجوب شيء عليه ، فوجب أن لا يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثواب ، وذلك يهدم أصول المعتزلة ، وأما القسم الثاني وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتاً له لذاته فنقول : فيلزم أن يكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره ، وذلك على الله محال أما المعتزلة فقالوا : إن قوله الحمد لله لا يتم إلا على قولنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبيح في فعله ، ولا جور في أقضيته ، ولا ظلم في أحكامه ، وعندنا أن الله تعالى كذلك ، فكان مستحقاً لأعظم المحامد والمدائح ، أما على مذهب الجبرية لا قبيح إلا وهو فعله ، ولا جور إلا وهو حكمه ، ولا عبث إلا وهو صنعه ، لأنه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ، ويؤلم الحيوانات من غير أن يعوضها ، فكيف يعقل على هذا التقدير كونه مستحقاً للحمد؟ وأيضاً فذلك الحمد الذي يستحقه الله تعالى بسبب الإلهية إما أن يستحقه على العبد ، أو على نفسه ، فإن كان الأول وجب كون العبد قادراً على الفعل ، وذلك يبطل القول بالجبر وإن كان الثاني كان معناه أن الله يجب عليه أن يحمد نفسه ، وذلك باطل ، قالوا : فثبت أن القول بالحمد لله لا يصح إلا على قولنا . (1/206)
شكر المنعم : (1/207)
الفائدة السادسة عشرة : اختلفوا في أن وجوب الشكر ثابت بالعقل أو بالسمع : من الناس من قال : إنه ثابت بالسمع ، لقوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] ولقوله تعالى : { رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء : 165 ] ومنهم من قال إنه ثابت قبل مجيء الشرع وبعد مجيئه على الإطلاق ، والدليل عليه قوله تعالى : { الحمد للَّهِ } وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله الحمد لله يدل أن هذا الحمد حقه وملكه على الإطلاق ، وذلك يدل على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجيء الشرع . الثاني : أنه تعالى قال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الفاتحة : 2 ] وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف ، فههنا أثبت الحمد لنفسه ووصف نفسه بكونه تعالى رباً للعالمين رحماناً رحيماً بهم ، مالكاً لعاقبة أمرهم في القيامة ، فهذا يدل على أن استحقاق الحمد إنما يحصل لكونه تعالى مربياً لهم رحماناً رحيماً بهم ، وإذا كان كذلك ثبت أن استحقاق الحمد ثابت لله تعالى في كل الأوقات سواء كان قبل مجيء النبي أو بعده .
معنى الحمد :
الفائدة السابعة عشرة : يجب علينا أن نبحث عن حقيقة الحمد وماهيته فنقول : تحميد الله تعالى ليس عبارة عن قولنا الحمد لله ، لأن قولنا الحمد لله إخبار عن حصول الحمد ، والأخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه ، فوجب أن يكون تحميد الله مغايراً لقولنا الحمد لله ، فنقول : حمد المنعم عبارة عن كل فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً . وذلك الفعل إما أن يكون فعل القلب ، أو فعل اللسان ، أو فعل الجوارح ، أما فعل القلب فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفاً بصفات الكمال والإجلال ، وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظاً دالة على كونه موصوفاً بصفات الكمال . وأما فعل الجوارح فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون ذلك المنعم موصوفاً بصفات الكمال والإجلال ، فهذا هو المراد من الحمد ، واعلم أن أهل العلم افترقوا في هذا المقام فريقين : الفريق الأول : الذين قالوا أنه لا يجوز أن يأمر الله عبيده بأن يحمدوه ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن ذلك التحميد إما أن يكون بناءً على إنعام وصل إليهم أولاً وبناءً عليه ، فالأول باطل ، لأن هذا يقتضي أنه تعالى طلب منهم على إنعامه جزاء ومكافأة ، وذلك يقدح في كمال الكرم ، فإن الكريم إذا أنعم لم يطلب المكافأة ، وأما الثاني فهو إتعاب للغير ابتداء ، وذلك يوجب الظلم . الثاني : قالوا الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد وغير نافع للمحمود ، لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره ، فثبت أن الاشتغال بهذا التحميد عبث وضرر ، فوجب أن لا يكون مشروعاً . الثالث : أن معنى الإيجاب هو أنه لو لم يفعل لاستحق العقاب ، فإيجاب حمد الله تعالى معناه أنه قال لو لم تشتغل بهذا الحمد لعاقبتك ، وهذا الحمد لا نفع له في حق الله ، فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد ، ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد ، وهذا لا يليق بالحكم الكريم . الفريق الثاني : قالوا الاشتغال بحمد الله سوء أدب من وجوه : الأول : أنه يجري مجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر القليل ، والثاني : أن الاشتغال بالشكر لا يتأتى إلا مع استحضار تلك النعم في القلب ، واشتغال القلب بالنعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم . الثالث : أن الثناء على الله تعالى عند وجدان النعمة يدل على أنه إنما أثنى عليه لأجل الفوز بتلك النعم ، وذلك يدل على أن مقصوده من العبادة والحمد والثناء الفوز بتلك النعم ، وهذا الرجل في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنما هو تلك النعمة وحظ النفس ، وذلك مقام نازل ، والله أعلم .
الفصل الثاني (1/208)
في تفسير قوله رب العالمين ، وفيه فوائد :
أقسام العالم وأنواع كل قسم :
الفائدة الأولى : اعلم أن الموجود إما أن يكون واجباً لذاته ، وإما أن يكون ممكناً لذاته ، أما الواجب لذاته فهو الله تعالى فقط ، وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى الله تعالى وهو العالم ، أن المتكلمين قالوا : العالم كل موجود سوى الله ، وسبب تسمية هذا القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله تعالى ، فلهذا السبب سمي كل موجود سوى الله بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزاً ، وإما أن يكون صفة للمتحيز ، وإما أن لا يكون متحيزاً ولا صفة للمتحيز ، فهذه أقسام ثلاثة : القسم الأول : المتحيز : وهو إما أن يكون قابلاً للقسمة ، أو لا يكون ، فإن كان قابلاً للقسمة فهو الجسم ، وإن لم يكن كذلك فهو الجوهر الفرد؛ أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو من الأجسام السفلية؛ أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، وقد ثبت بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين ، مثل العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة ، وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة : أما البسيطة فهي العناصر الأربعة : واحدها : كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة ، وثانيها : كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى ، وثالثها : كرة الهواء ، ورابعها : كرة النار . وأما الأجسام المركبة فهي النبات ، والمعادن ، والحيوان ، على كثرة أقسامها وتباين أنواعها ، وأما القسم الثاني وهو الممكن الذي يكون صفة للمتحيزات فهي الأعراض ، والمتكلمون ذكروا ما يقرب من أربعين جنساً من أجناس الأعراض . أما الثالث وهو الممكن الذي لا يكون متحيزاً ولا صفة للمتحيز فهو الأرواح ، وهي إما سفلية ، وإما علوية : أما السفلية فهي إما خيرة ، وهم صالحو الجن ، وإما شريرة خبيثة وهي مردة الشياطين . والأرواح العلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية ، وإما غير متعلقة بالأجسام وهي الأرواح المطهرة المقدسة ، فهذا هو الإشارة إلى تقسيم موجودات العالم ، ولو أن الإنسان كتب ألف ألف مجلد في شرح هذه الأقسام لما وصل إلى أقل مرتبة من مراتب هذه الأقسام ، إلا أنه لما ثبت أن واجب الوجود لذاته واحد ، ثبت أن كل ما سواه ممكن لذاته ، فيكون محتاجاً في وجوده إلى إيجاد الواجب لذاته ، وأيضاً ثبت أن الممكن حال بقائه لا يستغنى عن المبقي ، والله تعالى إله العالمين من حيث إنه هو الذي أخرجها من العدم إلى الوجود ، وهو رب العالمين من حيث إنه هو الذي يبقيها حال دوامها واستقرارها . وإذا عرفت ذلك ظهر عندك شيء قليل من تفسير قوله الحمد لله رب العالمين ، وكل من كان أكثر إحاطة بأحوال هذه الأقسام الثلاثة كان أكثر وقوفاً على تفسير قوله رب العالمين .
الفائدة الثانية : المربي على قسمين : أحدهما : أن يربي شيئاً ليربح عليه المربي ، والثاني : أن يربيه ليربح المربي ، وتربية كل الخلق على القسم الأول ، لأنهم إنما يربون غيرهم ليربحوا عليه إما ثواباً أو ثناءً ، والقسم الثاني : هو الحق سبحانه ، كما قال : خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم فهو تعالى يربي ويحسن ، وهو بخلاف سائر المربين وبخلاف سائر المحسنين . (1/209)
واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره ، وبيانه من وجوه : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه بل لغرضهم وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم ، الثاني : أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله وهو تعالى متعالٍ عن النقصان والضرر ، كما قال تعالى :
{ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] الثالث : أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه ، والحق تعالى بخلاف ذلك ، كما قال عليه الصلاة والسلام « إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء . » الرابع : أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط ، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال ، ألا ترى أنه رباك حال ما كنت جنيناً في رحم الأم ، وحال ما كنت جاهلاً غير عاقل ، لا تحسن أن تسأل منه ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية . الخامس : أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت ، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه ألبتة . السادس : أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل كما قال : { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } [ الأعراف : 156 ] فثبت أنه تعالى رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين ، فلهذا قال تعالى في حق نفسه الحمد لله رب العالمين . (1/210)
الفائدة الثالثة : أن الذي يحمد ويمدح ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة؛ إما لكونه كاملاً في ذاته وفي صفاته منزهاً عن جميع النقائص والآفات وإن لم يكن منه إحسان إليك ، وإما لكونه محسناً إليك ومنعماً عليك ، وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل من الزمان ، وإما لأجل أنك تكون خائفاً من قهره وقدرته وكمال سطوته ، فهذه الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين ، وهو المراد من قوله الحمد لله ، وإن كنتم ممن تعظمون الإحسان فأنا رب العالمين ، وإن كنتم تعظمون للطمع في المستقبل فانا الرحمن الرحيم ، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين .
الفائدة الرابعة : وجوه تربية الله للعبد كثيرة غير متناهية ، ونحن نذكر منها أمثلة : المثال الأول : لما وقعت قطرة النطفة من صلب الأب إلى رحم الأم فانظر كيف أنها صارت علقة أولاً ، ثم مضغة ثانياً ، ثم تولدت منها أعضاء مختلفة مثل العظام والغضاريف والرباطات والأوتار والأوردة والشرايين ، ثم اتصل البعض بالبعض ، ثم حصل في كل واحد منها نوع خاص من أنواع القوى ، فحصلت القوة الباصرة في العين ، والسامعة في الأذن ، والناطقة في اللسان ، فسبحان من أسمع بعظم ، وبصر بشحم ، وأنطق بلحم ، واعلم أن كتاب التشريح لبدن الإنسان مشهور ، وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد المثال الثاني : أن الحبة الواحدة إذا وقعت في الأرض فإذا وصلت نداوة الأرض إليها انتفخت ولا تنشق من شيء من الجوانب إلا من أعلاها وأسفلها ، مع أن الانتفاخ حاصل من جميع الجوانب : أما الشق الأعلى فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة؛ وأما الشق الأسفل فيخرج منه الجزء الغائص في الأرض ، وهو عروق الشجرة ، فأما الجزء الصاعد فبعد صعوده يحصل له ساق ، ثم ينفصل من ذلك الساق أغصان كثيرة ، ثم يظهر على تلك الأغصان الأنوار أولاً ، ثم الثمار ثانياً ، ويحصل لتلك الثمار أجزاء مختلفة بالكثافة واللطافة وهي القشور ثم اللبوب ثم الأدهان ، وأما الجزء الغائص من الشجرة فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها؛ وتلك الأطراف تكون في اللطافة كأنها مياه منعقدة ، ومع غاية لطافتها فإنها تغوص في الأرض الصلبة الخشنة ، وأودع الله فيها قوى جاذبة تجذب الأجزاء اللطيفة من الطين إلى نفسها ، والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبد إليه من الغذاء والأدام والفواكه والأشربة والأدوية ، كما قال تعالى :
{ أَنَّا صَبَبْنَا الماء صَبّاً ، ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً } [ عبس : 25 ، 26 ] الآيات . المثال الثالث : أنه وضع الأفلاك والكواكب بحيث صارت أسباباً لحصول مصالح العباد ، فخلق الليل ليكون سبباً للراحة والسكون وخلق النهار ليكون سبباً للمعاش والحركة { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق } [ يونس : 5 ] { وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظلمات البر والبحر } [ الأنعام : 97 ] واقرأ قوله : { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا والجبال أَوْتَاداً } [ النبأ : 5 ، 6 ] إلى آخر الآية واعلم أنك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة ، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة ، وعند ذلك يظهر لك قطرة من بحار أسرار قوله الحمد لله رب العالمين . (1/211)
الفائدة الخامسة : أضاف الحمد إلى نفسه فقال تعالى الحمد لله ، ثم أضاف نفسه إلى العالمين والتقدير : إني أحب الحمد فنسبته إلى نفسي بكونه ملكاً لي ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني رباً للعالمين ، ومن عرف ذاتاً بصفة فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها ، وذلك يدل على أن كونه رباً للعالمين أكمل الصفات ، والأمر كذلك؛ لأن أكمل المراتب أن يكون تاماً ، وفوق التمام ، فقولنا الله يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته وهو التمام ، وقوله رب العالمين معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وهو المراد من قولنا أنه فوق التمام .
الفائدة السادسة : أنه يملك عباداً غيرك كما قال : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر : 31 ] وأنت ليس لك رب سواه ، ثم أنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وأنت تخدمه كأن لك رباً غيره ، فما أحسن هذه التربية أليس أنه يحفظك في النهار عن الآفات من غير عوض ، وبالليل عن المخافات من غير عوض؟ واعلم أن الحراس يحرسون الملك كل ليلة ، فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات؟ أما الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ، ويصونه من المخافات؛ بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات ، فما أكبر هذه التربية وما أحسنها ، أليس من التربية أنه صلى الله عليه وسلم قال :
" الآدمي بنيان الرب ، ملعون من هدم بنيان الرب " ؛ فلهذا المعنى قال تعالى : { قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن } [ الأنبياء : 42 ] ما ذاك إلا الملك الجبار ، والواحد القهار ، ومقلب القلوب والأبصار ، والمطلع على الضمائر والأسرار . (1/212)
الفائدة السابعة : قالت القدرية : إنما يكون تعالى رباً للعالمين ومربياً لهم لو كان محسناً إليهم دافعاً للمضار عنهم ، أما إذا خلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه؛ ويأمر بالإيمان ثم يمنعه منه؛ لم يكن رباً ولا مربياً ، بل كان ضاراً ومؤذياً ، وقالت الجبرية : إنما سيكون رباً ومربياً لو كانت النعمة صادرة منه والأَلطاف فائضة من رحمته ، ولما كان الإيمان أعظم النعم وأجلها وجب أن يكون حصولها من الله تعالى ليكون رباً للعالمين إليهم محسناً بخلق الإيمان فيهم .
الفائدة الثامنة : قولنا : «الله» أشرف من قولنا : «رب» على ما بينا ذلك بالوجوه الكثيرة في تفسير أسماء الله تعالى ، ثم أن الداعي في أكثر الأمر يقول : يا رب ، يا رب ، والسبب فيه النكت والوجوه المذكورة في تفسير أسماء الله تعالى فلا نعيدها .
الفصل الثالث
في تفسير قوله { الرحمن الرحيم } ، وفيه فوائد :
تفسير ( الرحمن الرحيم ) :
الفائدة الأولى : الرحمن : هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من العباد ، والرحيم : هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد ، حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال كنت ضيفاً لبعض القوم فقدم المائدة ، فنزل غراب وسلب رغيفاً ، فاتبعته تعجباً ، فنزل في بعض التلال ، وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه . وروى ذي النون أنه قال : كنت في البيت إذ وقعت ولولة في قلبي ، وصرت بحيث ما ملكت نفسي ، فخرجت من البيت وانتهيت إلى شط النيل ، فرأيت عقرباً قوياً يعدو فتبعته فوصل إلى طرف النيل فرأيت ضفدعاً واقفاً على طرف الوادي ، فوثب العقرب على ظهر الضفدع وأخذ الضفدع يسبح ويذهب ، فركبت السفينة وتبعته فوصل الضفدع إلى الطرف الآخر من النيل ، ونزل العقرب من ظهره ، وأخذ يعدو فتبعته ، فرأيت شاباً نائماً تحت شجرة ، ورأيت أفعى يقصده فلما قربت الأفعى من ذلك الشاب وصل العقرب إلى الأفعى فوثب العقرب على الأفعى فلدغه ، والأفعى أيضاً لدغ العقرب ، فماتا معاً ، وسلم ذلك الإنسان منهما . ويحكى أن ولد الغراب كما يخرج من قشر البيضة يخرج من غير ريش فيكون كأنه قطعة لحم أحمر ، والغراب يفر منه ولا يقوم بتربيته ، ثم أن البعوض يجتمع عليه لأنه يشبه قطعة لحم ميت ، فإذا وصلت البعوض إليه التقم تلك البعوض واغتذى بها ، ولا يزال على هذه الحال إلى أن يقوى وينبت ريشه ويخفى لحمه تحت ريشه ، فعند ذلك تعود أمه إليه ، ولهذا السبب جاء في أدعية العرب : يا رازق النعاب في عشه ، فظهر بهذه الأمثلة أن فضل الله عام ، وإحسانه شامل ، ورحمته واسعة .
واعلم أن الحوادث على قسمين : منه ما يظن أنه رحمة مع أنه لا يكون كذلك ، بل يكون في الحقيقة عذاباً ونقمة ، ومنه ما يظن في الظاهر أنه عذاب ونقمة ، مع أنه يكون في الحقيقة فضلاً وإحساناً ورحمة : أما القسم الأول : فالوالد إذا أهمل ولده حتى يفعل ما يشاء ولا يؤدبه ولا يحمله على التعلم ، فهذا في الظاهر رحمة وفي الباطن نقمة . وأما القسم الثاني : كالوالد إذا حبس ولده في المكتب وحمله على التعلم فهذا في الظاهر نقمة ، وفي الحقيقة رحمة ، وكذلك الإنسان إذا وقع في يده الآكلة فإذا قطعت تلك اليد فهذا في الظاهر عذاب ، وفي الباطن راحة ورحمة ، فالأبله يغتر بالظواهر ، والعاقل ينظر في السرائر . (1/213)
إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة وبلية وألم ومشقة فهو وإن كان عذاباً وألماً في الظاهر إلا أنه حكمة ورحمة في الحقيقة ، وتحقيقه ما قيل في الحكمة : إن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ، فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال تعالى : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأِنفُسِكُمْ } [ الإسراء : 7 ] والمقصود من خلق النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار ، وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار ، كما قال تعالى : { فَفِرُّواْ إِلَى الله } [ الذاريات : 50 ] وأقرب مثال لهذا الباب قصة موسى والخضر عليهما السلام ، فإن موسى كان يبني الحكم على ظواهر الأمور فاستنكر تخريق السفينة وقتل الغلام وعمارة الجدار المائل ، وأما الخضر فإنه كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار فقال : { أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زكواة وَأَقْرَبَ رُحْماً وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } [ الكهف : 79 82 ] فظهر بهذه القصة أن الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر ، فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسراراً خفية وحكماً بالغة ، وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك ، وعند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله الرحمن الرحيم .
الفائدة الثانية : الرحمن : اسم خاص بالله ، والرحيم : ينطلق عليه وعلى غيره .
فإن قيل : فعلى هذا : الرحمن أعظم : فلم ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى؟ . (1/214)
والجواب : لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير ، حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال : جئتك لمهم يسير فقال : اطلب للمهم اليسير رجلاً يسيراً ، كأنه تعالى يقول : لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ، ولكن كما علمتني رحماناً تطلب مني الأمور العظيمة ، فأنا أيضاً رحيم؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك ، كما قال تعالى لموسى : «يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك» .
الفائدة الثالثة : وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً ، ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال : { وَرَحْمَةً مّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } [ مريم : 21 ] فتلك الرحمة صارت سبباً لنجاتها من توبيخ الكفار الفجّار ، ثم أنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم ، وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ، ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في كل ركعة مرتين مرة في بسم الله الرحمن الرحيم ومرة في قوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم } [ الفاتحة : 1 ، 2 ] فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سبباً لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سبباً لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار؟ .
الفائدة الرابعة : أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه ، رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه ، فكأنه تعالى يقول : أنا رحمن لأنك تسلم إلى نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة ، كما قال تعالى : { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } [ غافر : 64 ] وأنا رحيم لأنك تسلم إلى طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة .
الفائدة الخامسة : روي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه به ، فقام ودخل عليه ، وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما كان يصلي؟ أما كان يصوم؟ أما كان يزكي؟ " فقالوا : بلى ، فقال : " هل عق والديه؟ " فقالوا : بلى ، فقال عليه السلام : " هاتوا بأمه " ، فجاءت وهي عجوز عوراء فقال عليه السلام : «هلا عفوت عنه» ، فقالت : لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني ، فقال عليه السلام : " هاتوا بالحطب والنار " ، فقالت : وما تصنع بالنار؟ فقال عليه السلام : " أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل بك " ، فقالت : عفوت عفوت ، أللنار حملته تسعة أشهر؟ أللنار أرضعته سنتين؟ فأين رحمة الأم؟ فعند ذلك انطلق لسانه ، وذكر أشهد أن لا إله إلا الله ، والنكتة أنها كانت رحيمة وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار ، فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب على شهادة أن لا إله إلا الله سبعين سنة بالنار .
الفائدة السادسة : لقد اشتهر أن النبي عليه السلام لما كسرت رباعيته قال : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » ، فظهر أنه يوم القيامة يقول : « أمتي ، أمتي » ، فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هذا المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم؟ وأيضاً روي أنه عليه السلام قال : « اللهم اجعل حساب أمتي على يدي » ، ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل أنه كان مديوناً بدرهمين ، وأخرج عائشة / عن البيت بسبب الإفك فكأنه تعالى قال له إن لك رحمة واحدة وهي قوله : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح عالم المخلوقات ، فذرني وعبيدي واتركني وأمتك فإني أنا الرحمن الرحيم ، فرحمتي لا نهاية لها ، ومعصيتهم متناهية ، والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانياً ، فلا جرم معاصي جميع الخلق تفنى في بحار رحمتي ، لأني أنا الرحمن الرحيم . (1/215)
الفائدة السابعة : قالت القدرية : كيف يكون رحماناً رحيماً من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد؟ وكيف يكون رحماناً رحيماً من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه؟ وكيف يكون رحماناً رحيماً من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه؟ وقالت الجبرية : أعظم أنواع النعمة والرحمة هو الإيمان فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد لكان اسم الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه بالله ، والله أعلم .
الفصل الرابع
في تفسير قوله { مالك يوم الدين } ، وفيه فوائد :
تفسير ( مالك يوم الدين ) :
الفائدة الأولى : قوله مالك يوم الدين ، أي : مالك يوم البعث والجزاء ، وتقريره أنه لا بدّ من الفرق بين المحسن والمسيء ، والمطيع والعاصي ، والموافق والمخالف ، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء كما قال تعالى : { لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } [ النجم : 31 ] وقال تعالى : { أَمْ نَجْعَلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } [ ص : 28 ] وقال : { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } [ طه : 15 ] واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضياً بذلك الظلم ، وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال ، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين ، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار الأخرى بعد دار الدنيا ، وذلك هو المراد بقوله : { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة : 4 ] وبقوله : { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ }
[ الزلزلة : 7 ] الآية روي أنه يجاء برجل يوم القيامة فينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة ، فيأتيه النداء ، يا فلان أدخل الجنة بعملك ، فيقول : إلهي ، ماذا عملت؟ فيقول الله تعالى : ألست لما كنت نائماً تقلبت من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك «الله» ثم غلبك النوم في الحال فنسيت ذلك أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم فما نسيت ذلك ، وأيضاً يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله فلا يثقل مع ذكر الله غيره . (1/216)
واعلم أن الواجبات على قسمين : حقوق الله تعالى ، وحقوق العباد : أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة لأنه تعالى غني عن العالمين ، وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها .
روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ليطالبه به ، فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة ، فنفض نعله فارتفعت النجاسة عن فعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال : إن تركتها كان ذلك سبباً لقبح جدار هذا المجوسي ، وإن حككتها انحدر التراب من الحائط ، فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها : قولي لمولاك إن أبا حنيفة بالباب ، فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال ، فأخذ يعتذر ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه ، ههنا ما هو أولى ، وذكر قصة الجدار ، وأنه كيف السبيل إلى تطهيره فقال المجوسي : فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال ، والنكتة فيه أن أبا حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان ، فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله عند الله تعالى .
الفائدة الثانية : اختلف القراء في هذه الكلمة ، فمنهم من قرأ مالك يوم الدين ، ومنهم من قرأ ملك يوم الدين . حجة من قرأ مالك وجوه : الأول : أن فيه حرفاً زائداً فكانت قراءته أكثر ثواباً . الثاني : أنه يحصل في القيامة ملوك كثيرون ، أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله . الثالث : المالك قد يكون ملكاً وقد لا يكون كما أن الملك قد يكون مالكاً وقد لا يكون فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحدة منهما عن الأخرى إلا أن المالكية سبب لإطلاق التصرف ، والملكية ليست كذلك فكان المالك أولى . الرابع : إن الملك ملك للرعية ، والمالك مالك للعبيد ، والعبد أدون حالاً من الرعية ، فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية ، فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك ، الخامس : أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك باختيار أنفسهم ، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكاً لذلك المالك باختيار نفسه ، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية . السادس : أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية ، قال عليه الصلاة والسلام وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته ، ولا يجب على الرعية خدمة الملك . أما المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه ، حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافراً ، وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيماً؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع في المملوكية أتم منه في كونه رعية ، فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك أكمل من الملك .
وحجة من قال أن الملك أولى من المالك وجوه : الأول : أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً أما الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم فكان الملك أشرف من المالك . الثاني : أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس مَلِكِ الناس } [ الناس : 1 ، 2 ] لفظ الملك فيه متعين ، ولولا أن الملك أعلى حالاً من المالك وإلا لم يتعين . الثالث : الملك أولى لأنه أقصر ، والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها ، بخلاف المالك فإنها أطول ، فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة ، هكذا نقل عن أبي عمرو ، وأجاب الكسائي بأن قال : إني أشرع في ذكر هذه الكلمة فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها ، نظيره في الشرعيات من نوى صوم الغد قبل غروب الشمس من اليوم في أيام رمضان لا يجزيه ، لأنه في هذا اليوم مشتغل بصوم هذا اليوم ، فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلاً للأمل ، أما إذا نوى بعد غروب الشمس فإنه يجزيه؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلاً للأمل إلا أنه خرج عن الصوم بسبب غروب الشمس ، ويجوز أن يموت في تلك الليلة ، فيقول : إن لم أبلغ إلى اليوم فلا أقل من أكون على عزم الصوم ، كذا ههنا يشرع في ذكر قوله مالك فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازماً على الإتمام وهو المراد . (1/217)
ثم نقول : أنه يتفرع على كونه ملكاً أحكام ، وعلى كونه مالكاً أحكام أخر .
أما الأحكام المتفرعة على كونه ملكاً فوجوه : الأول : أن السياسات على أربعة أقسام : سياسة الملاك؛ وسياسة الملوك ، وسياسة الملائكة ، وسياسة ملك الملوك : فسياسة الملوك أقوى من سياسة الملاك؛ لأنه لو اجتمع عالم من المالكين فإنهم لا يقاومون ملكاً واحداً ، ألا ترى أن السيد لا يملك إقامة الحد على مملوكه عند أبي حنيفة وأجمعوا على أن الملك يملك إقامة الحدود على الناس ، وأما سياسة الملائكة فهي فوق سياسات الملوك؛ لأن عالماً من أكابر الملوك لا يمكنهم دفع سياسة ملك واحد ، وأما سياسة ملك الملوك فإنها فوق سياسات الملائكة ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
{ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً } [ النبأ : 38 ] وقوله تعالى : { مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة : 255 ] وقال في صفة الملائكة : { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] في أيها الملوك لا تغتروا بما لكم من المال والملك فإنكم أسراء في قبضة قدرة مالك يوم الدين ويا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو مالك يوم الدين . (1/218)
الحكم الثاني : من أحكام كونه تعالى ملكاً أنه ملك لا يشبه سائر الملوك لأنهم إن تصدقوا بشيء انتقص ملكهم ، وقلت خزائنهم؛ أما الحق سبحانه وتعالى فملكه لا ينتقص بالعطاء والإحسان ، بل يزداد ، بيانه أنه تعالى إذا أعطاك ولداً واحداً لم يتوجه حكمه إلا على ذلك الولد الواحد ، أما لو أعطاك عشرة من الأولاد كان حكمه وتكليفه لازماً على الكل ، فثبت أنه تعالى كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً . الحكم الثالث : من أحكام كونه ملكاً كمال الرحمة ، والدليل عليه آيات : إحداها : ما ذكر في هذه السورة من كونه رباً رحماناً رحيماً وثانيها : قوله تعالى : { هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة هُوَ الرحمن الرحيم } [ الحشر : 22 ] ثم قال بعده : { هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك } [ الحشر : 23 ] ثم ذكر بعده كونه قدوساً عن الظلم والجور ، ثم ذكر بعده كونه سلاماً ، وهو الذي سلم عباده من ظلمه وجوره ، ثم ذكر بعده كونه مؤمناً ، وهو الذي يؤمن عبيده عن جوره وظلمه ، فثبت أن كونه ملكاً لا يتم إلا مع كمال الرحمة . وثالثها : قوله تعالى : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } [ الفرقان : 26 ] لما أثبت لنفسه الملك أردفه بأن وصف نفسه بكونه رحماناً ، يعني إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر ، فكونه رحماناً يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة . ورابعها : قوله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس مَلِكِ الناس } [ الناس : 1 ، 2 ] فذكر أولاً كونه رباً للناس ثم أردفه بكونه ملكاً للناس ، وهذه الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة ، في أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات وارحموا هؤلاء المساكين ولا تطلبوا مرتبة زائدة في الملك على ملك الله تعالى . الحكم الرابع : للملك أنه يجب على الرعية طاعته فإن خالفوه ولم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم وحصل الاضطراب والتشويش ودعا ذلك إلى تخريب العالم وفناء الخلق ، فلما شاهدتم أن مخالفة الملك المجازي تفضي آخر الأمر إلى تخريب العالم وفناء الخلق فانظروا إلى مخالفة ملك الملوك كيف يكون تأثيرها في زوال المصالح وحصول المفاسد؟ وتمام تقريره أنه تعالى بين أن الكفر سبب لخراب العالم ، قال تعالى :