صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد ، وكمال التجلي ونقصانه ، وكل درجة ناقصة من درجات الحضور فهي غيبة بالنسبة إلى الدرجة الكاملة ، ولما كانت درجات الحضور غير متناهية كانت مراتب الكمالات والنقصانات غير متناهية ، فكانت درجات الحضور والغيبة غير متناهية ، فكل من صدق عليه أنه حاضر فباعتبار آخر يصدق عليه أنه غائب ، وبالعكس وعن هذا قال الشاعر :
أبا غائباً حاضراً في الفؤاد ... سلام على الغائب الحاضر
ويحكى أن الشبلي لما قربت وفاته قال بعض الحاضرين : قل لا إله إلا الله ، فقال :
كل بيت أنت حاضره ... غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا ... يوم تأتي الناس بالحجج
أسرار من التصوف في لفظ «هو» :
واعلم أن لفظ «هو» فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية ، فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه ، وبعضها لا يمكن ، قال مصنف الكتاب : وأنا بتوفيق الله كتبت أسراراً لطيفة ، إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة «هو» أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيراً ، فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيراً عجيباً في القلب لا يصل البيان إليه ، ولا ينتهي الشرح إليه ، فلنكتب ما يمكن ذكره فنقول : فيه أسرار : الأول : أن الرجل إذا قال : «يا هو» فكأنه يقول : من أنا حتى أعرفك ، ومن أنا حتى أكون مخاطباً لك ، وما للتراب ورب الأرباب ، وأي مناسبة بين المتولد عن النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم؟ فأنت أعلى من جميع المناسبات وأنت مقدس عن علائق العقول والخيالات ، فلهذا السبب خاطبة العبد بخطاب الغائبين فقال : يا هو .
والفائدة الثانية : أن هذا اللفظ كما دل على إقرار العبد على نفسه بالدناءة والعدم ففيه أيضاً دلالة على أنه أقر بأن كل ما سوى الله تعالى فهو محض العدم ، لأن القائل إذا قال : «يا هو» فلو حصل في الوجود شيئان لكان قولنا : «هو» صالحاً لهما جميعاً ، فلا يتعين واحد منهما بسبب قوله : «هو» فلما قال : ( يا هو ) فقد حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه عدم محض ونفي صرف ، كما قال تعالى :

(1/132)


{ كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] وهذان المقامان في الفناء عن كل ما سوى الله مقامان في غاية الجلال ، ولا يحصلان إلا عند مواظبة العبد على أن يذكر الله بقوله : يا هو .
والفائدة الثالثة : أن العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقاً في معرفة الله تعالى؛ لأنه إذا قال : «يا رحمن» فحينئذٍ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها فيكون طالباً للحصة ، وكذلك إذا قال : ( يا كريم ، يا محسن ، يا غفار ، يا وهاب ، يا فتاح ) وإذا قال : ( يا ملك ) فحينئذٍ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل طبعه إليه فيطلب شيئاً منها ، وقس عليه سائر الأسماء ، أما إذا قال : ( يا هو ) فإنه يعرف أنه هو ، وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره ألبتة ، فحينئذٍ يحصل في قلبه نور ذكره ، ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله ، وهناك يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل .
والفائدة الرابعة : أن جميع الصفات المعلومة عند الخلق : إما صفات الجلال ، وإما صفات الإكرام ، أما صفات الجلال فهي قولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض ولا في المكان ولا في المحل ، وهذا فيه دقيقة؛ لأن من خاطب السلطان فقال : أنت لست أعمى ولست أصم ولست كذا ولا كذا ويعد أنواع المعايب والنقصانات فإنه يستوجب الزجر والحجر والتأديب ، ويقال : إن مخاطبته بنفي هذه الأشياء عنه إساءة في الأدب ، وأما صفات الإكرام فهي كونه خالقاً للمخلوقات مرتباً لها على النظم الأكمل ، وهذا أيضاً فيه دقيقة من وجهين : الأول : لا شك أن كمال الخالق أعلى وأجل من كمال المخلوق بمراتب لا نهاية لها ، فإذا شرحنا نعوت كمال الله وصفات جلاله بكونه خالقاً لهذه المخلوقات فقد جعلنا كمال هذه المخلوقات كالشرح والبيان لكمال جلال الخالق ، وذلك يقتضي تعريف الكامل المتعالى بطريق في غاية الخسة والدناءة ، وذلك سوء أدب ، والثاني : أن الرجل إذا أخذ يمدح السلطان القاهر بأنه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز أو قطرة ماء فإنه يستوجب الزجر والحجر ، ومعلوم أن نسبة جميع عالم المخلوقات من العرش إلى آخر الخلاء الذي لا نهاية له إلى ما في خزائن قدرة الله أقل من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع خزائن الدنيا ، فإذا كان ذلك سوء أدب فهذا أولى أن يكون سوء أدب فثبت أن مدح الله وثناءه بالطريقين المذكورين فيه هذه الاعتراضات ، إلا أن ههنا سبباً يرخص في ذكر هذه المدائح ، وهو أن النفس صارت مستغرقة في عالم الحس والخيال فالإنسان إذا أراد جذبها إلى عتبة عالم القدس احتاج إلى أن ينبهها على كمال الحضرة المقدسة ، ولا سبيل له إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين ، أعني ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام فيواظب على هذين النوعين حتى تعرض النفس عن عالم الحس وتألف الوقوف على عتبة القدس فإذا حصلت هذه الحالة فعند ذلك يتبنه لما في ذينك النوعين من الذكر من الاعتراضات المذكورة وعند ذلك يترك تلك الأذكار ويقول : ( يا هو ) كأن العبد يقول : أجل حضرتك أن أمدحك وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك أو بإسناد كمالات المخلوقات إليك ، فإن كمالك أعلى وجلالك أعظم ، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي ، ولا أخاطبك أيضاً بلفظة ( أنت ) لأن تلك اللفظة تفيد التيه والكبر حيث تقول الروح إني قد بلغت مبلغاً صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود ، ولكني لا أزيد على قولي ( هو ) ليكون إقراراً بأنه هو الممدوح لذاته بذاته ، ويكون إقراراً بأن حضرته أعلى وأجل من أن يناسبه حضور المخلوقات ، فهذه الكلمة الواحدة تنبه على هذه الأسرار في مقامات التجلي والمكاشفات ، فلا جرم كان هذا الذكر أشرف الأذكار لكن بشرط التنبيه لهذه الأسرار .

(1/133)


الفائدة الخامسة : في هذا الذكر : أن المواظبة على هذا الذكر تفيد الشوق إلى الله ، والشوق إلى الله ألذ المقامات وأكثرها بهجة وسعادة ، إنما قلنا أن المواظبة على هذا الذكر تورث الشوق إلى الله وذلك لأن كلمة ( هو ) ضمير الغائب فالعبد إذا ذكر هذه الكلمة علم أنه غائب عن الحق ثم يعلم أن هذه الغيبة ليست بسبب المكان والجهة ، وإنما كانت بسبب أنه موصوف بنقصانات الحدوث والإمكان ، ومعيوب بعيب الكون في إحاطة المكان والزمان ، فإذا تنبه العقل لهذه الدقيقة وعلم أن هذه الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدثات فعند هذا يعلم أن كل المحدثات والإبداعيات غائبة عن عتبة علو الحق سبحانه وتعالى ، وعرف أن هذه الغيبة إنما حصلت بسبب المفارقة في النقصان والكمال والحاجة والاستغناء ، فعند هذا يعتقد أن الحق موصوف بأنواع من الكمال متعالية عن مشابهة هذه هذه الكمالات ومقدسة عن مناسبة هذه المحادثات ، واعتقد أن تصوره غائب عن العقل والفكر والذكر ، فصارت تلك الكمالات مشعوراً بها من وجه دون وجه ، والشعور بها من بعض الوجوه يشوق إلى الشعور بدرجاتها ومراتبها ، وإذا كان لا نهاية لتلك المراتب والدرجات فكذلك لا نهاية لمراتب هذا الشوق ، وكلما كان وصول العبد إلى مرتبة أعلى مما كان ، أسهل كان شوقه إلى الترقي عن تلك الدرجة أقوى وأكمل ، فثبت أن لفظ «هو» يفيد الشوق إلى الله تعالى ، وإنما قلنا إن الشوق إلى الله أعظم المقامات ، وذلك لأن الشوق يفيد حصول آلام ولذات متوالية متعاقبة ، لأن بقدر ما يصل يلتذ وبقدر ما يمتنع وصوله إليه يتألم ، والشعور باللذة حال زوال الألم يوجب مزيد الالتذاذ والإبتهاج والسرور ، وذلك يدل على أن مقام الشوق إلى الله أعظم المقامات ، فثبت أن المواظبة على ذكر كلمة «هو» تورث الشوق إلى الله تعالى وثبت أن الشوق إلى الله أعظم المقامات وأكثرها بهجة وسعادة فيلزم أن يقال : المواظبة على ذكر هذه الكلمة تفيد أعلى المقامات وأسنى الدرجات .

(1/134)


الفائدة السادسة : في شرح جلالة هذا الذكر : واعلم أن المقصود لا يتم إلا بذكر مقدمتين : المقدمة الأولى : أن العلم على قسمين : تصور ، وتصديق ، أما التصور فهو أن تحصل في النفس صورة من غير أن تحكم النفس عليها بحكم ألبتة لا بحكم وجودي ولا بحكم عدمي ، أما التصديق فهو أن يحصل في النفس صورة مخصوصة ، ثم أن النفس تحكم عليها إما بوجود شيء أو عدمه إذا عرفت هذا فنقول : التصور مقام التوحيد ، وأما التصديق فإنه مقام التكثير . المقدمة الثانية : أن التصور على قسمين : تصور يتمكن العقل من التصرف فيه ، وتصور لا يمكنه التصرف فيه : أما القسم الأول : فهو تصور الماهيات المركبة ، فإنه لا يمكنه تصور الماهيات المركبة إلا بواسطة استحضار ماهيات أجزاء ذلك المركب ، وهذا التصرف عمل وفكر ، وتصرف من بعض الوجوه ، وأما القسم الثاني : فهو تصور الماهيات البسيطة المنزهة عن جميع جهات التركيبات فإن الإنسان لا يمكنه أن يعمل عملاً يتوسل به إلى استحضار تلك الماهية ، فثبت بما ذكرنا أن التصديق يجري مجرى التكثير بالنسبة إلى التصور ، وأن التصور توحيد بالنسبة إلى التصديق وثبت أيضاً أن تصور الماهية البسيطة هو النهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة ، وإذا عرفت هذا فنقول : قولنا في الحق سبحانه وتعالى : «يا هو» هذاتصور محض خالٍ عن التصديق ، ثم إن هذا التصور تصور لحقيقة منزهة عن جميع جهات التركيب والكثرة ، فكان قولنا : «يا هو» نهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة ، وهو أعظم المقامات .
الفائدة السابعة : أن تعريف الشيء إما أن يكون بنفسه ، أو بالأجزاء الداخلة فيه ، أو بالأمور الخارجة عنه ، أما القسم الأول وهو تعريفه بنفسه فهو محال؛ لأن المعرف سابق على المعرف ، فتعريف الشيء بنفسه يقتضي تقدم العلم به على العلم به ، وذلك محال ، وأما القسم الثاني وهو تعريفه بالأمور الداخلة فيه فهذا في حق الحق محال؛ لأن هذا إنما يجري في الماهية المركبة ، وذلك في حق الحق محال ، وأما القسم الثالث وهو تعريفه بالأمور الخارجة عنه فهذا أيضاً باطل محال؛ لأن أحوال الخلق لا يناسب شيء منها شيئاً من أحوال القديم الواجب لذاته؛ لأنه تعالى مخالف بذاته المخصوصة وبهويته المعينة لكل ما سواه ولما كان كذلك امتنع أن تكون أحوال الخلق كاشفة عن ماهية الله تعالى وحقيقته المخصوصة فإذا كان كذلك فقد انسدت أبواب التعريفات بالنسبة إلى هويته المخصوصة وماهيته المعينة ، فلم يبق طريق إليه إلا من جهة واحدة ، وهو أن يوجه الإنسان حدقة عقله وروحه إلى مطلع نور تلك الهوية على رجاء أنه ربما أشرق ذلك النور حال ما كانت حدقة عقله متوجهة إليها فيستسعد بمطالعة ذلك النور ، فقول الذاكر «يا هو» توجيه لحدقة العقل والروح إلى الحضرة القدسية على رجاء أنه ربما حصلت له تلك السعادة .

(1/135)


الفائدة الثامنة : أن الرجل إذا دخل على الملك المهيب والسلطان القاهر ووقف بعقله على كمال تلك المهابة وعلى جلال تلك السلطنة فقد يصير بحيث تستولي عليه تلك المهابة وتلك السلطنة فيصير غافلاً عن كل ما سواه ، حتى أنه ربما كان جائعاً فينسى جوعه ، وربما كان به ألم شديد فينسى ذلك الألم في تلك الحالة ، وربما رأى أباه أو ابنه في تلك الحالة ولا يعرفهما ، وكل ذلك لأن استيلاء تلك المهابة عليه أذهله عن الشعور بغيره ، فكذلك العبد إذا قال : «يا هو» وتجلى لعقله وروحه ذرة من نور جلال تلك الهوية وجب أن يستولي على قلبه الدهشة وعلى روحه الحيرة ، وعلى فكرة الغفلة ، فيصير غائباً عن كل ما سوى تلك الهوية ، معزولاً عن الإلتفات إلى شيء سواها ، وحينئذٍ لا يبقى معه في تلك الحالة إلا أن يقول بعقله : «هو» وبلسانه «هو» فإذا قال العبد «هو» وواظب على هذا الذكر فهذا منه تشبه بتلك الحالة على رجاء أنه ربما وصل إلى تلك الحالة ، فنسأل الله تعالى الكريم أن يسعدنا بها .
الفائدة التاسعة : من فوائد هذا الذكر العالي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من جعل همومه هماً واحداً كفاه الله هموم الدنيا والآخرة " فكأن العبد يقول : همومي في الدنيا والآخرة غير متناهية ، والحاجات التي هي غير متناهية لا يقدر عليها إلا الموصوف بقدرة غير متناهية ، ورحمة غير متناهية ، وحكمة غير متناهية ، فعلى هذا أنا لا أقدر على دفع حاجاتي ولا على تحصيل مهماتي ، بل ليس القادر على دفع تلك الحاجات وعلى تحصيل تلك المهمات إلا الله سبحانه وتعالى ، فأنا أجعل همي مشغولاً بذكره فقط ، ولساني مشغولاً بذكره فقط فإذا فعلت ذلك فهو برحمته يكفيني مهمات الدنيا والآخرة .
الفائدة العاشرة : أن العقل لا يمكنه الاشتغال بشيء حالة الاستغراق في العلم بشيء آخر ، فإذا وجه فكره إلى شيء يبقى معزولاً عن غيره ، فكأن العبد يقول : كلما استحضرت في ذهني العلم بشيء فاتني في ذلك الوقت العلم بغيره ، فإذا كان هذا لازماً فالأولى أن أجعل قلبي وفكري مشغولاً بمعرفة أشرف المعلومات ، وأجعل لساني مشغولاً بذكر أشرف المذكورات؛ فلهذا السبب أواظب على قوله : «يا هو» .
الفائدة الحادية عشرة : أن الذكر أشرف المقامات ، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : " إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه "

(1/136)


وإذا ثبت هذا فنقول : أفضل الأذكار ذكر الله بالثناء الخالي عن السؤال ، قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى : " من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ، " إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : العبد فقير محتاج ، والفقير المحتاج إذا نادى مخدومه بخطاب يناسب الطلب والسؤال كان ذلك محمولاً على السؤال ، فإذا قال الفقير للغني «يا كريم» كان معناه أكرم وإذا قال له : «يا نفاع» كان معناه طلب النفع ، وإذا قال : «يا رحمن» كان معناه ارحم ، فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال ، وقد بينا أن الذكر إنما يعظم شرفه إذا كان خالياً عن السؤال والطلب ، أما إذا قال : «يا هو» كان معناه خالياً عن الإشعار بالسؤال والطلب ، فوجب أن يكون قولنا : «هو» أعظم الأذكار .
ولنختم هذا الفصل بذكر شريف رأيته في بعض الكتب : يا هو ، يا من لا هو إلا هو ، يا من لا إله إلا هو ، يا أزل ، يا أبد ، يا دهر ، يا ديهار ، يا ديهور ، يا من هو الحي الذي لا يموت .
ومن لطائف هذا الفصل أن الشيخ الغزالي رحمة الله عليه كان يقول : «لا إله إلا الله» توحيد العوام ، «ولا إله إلا هو» توحيد الخواص ، ولقد استحسنت هذا الكلام وقررته بالقرآن والبرهان : أما القرآن فإنه تعالى قال : { وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءاخَرَ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } ثم قال بعده : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] معناه إلا هو ، فذكر قوله إلا هو بعد قوله لا إله فدل ذلك على أن غاية التوحيد هي هذه الكلمة ، وأما البرهان فهو أن من الناس من قال : إن تأثير الفاعل ليس في تحقيق الماهية وتكوينها ، بل لا تأثير له إلا في إعطاء صفة الوجود لها ، فقلت : فالوجود أيضاً ماهية ، فوجب أن لا يكون الوجود واقعاً بتأثيره ، فإن التزموا ذلك وقالوا الواقع بتأثير الفاعل موصوفية الماهية بالوجود فنقول : تلك الموصوفية إن لم تكن مفهوماً مغايراً للماهية والوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل ، وإن كانت مفهوماً مغايراً فذلك المفهوم المغاير لا بدّ وأن يكون له ماهية؛ وحينئذٍ يعود الكلام ، فثبت أن القول بأن المؤثر لا تأثير له في الماهيات ينفي التأثير والمؤثر ، وينفي الصنع والصانع بالكلية ، وذلك باطل فثبت أن المؤثر يؤثر في الماهيات ، فكل ما بالغير فإنه يرتفع بارتفاع الغير ، فلولا المؤثر لم تكن تلك الماهية ماهية ولا حقيقة ، فبقدرته صارت الماهيات ماهيات ، وصارت الحقائق حقائق وقبل تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجود ولا حقيقة ولا ثبوت ، وعند هذا يظهر صدق قولنا : «لا هو إلا هو» أي : لا تقرر لشيء من الماهيات ولا تخصص لشيء من الحقائق إلا بتقريره وتخصيصه ، فثبت أنه «لا هو إلا هو» ، والله أعلم .

(1/137)


الباب الثامن
في بقية المباحث عن أسماء الله تعالى ، وفيه مسائل
هل أسماؤه تعالى توقيفية :
المسألة الأولى : اختلف العلماء في أن أسماء الله تعالى توقيفية أم اصطلاحية ، قال بعضهم لا يجوز إطلاق شيء من الأسماء والصفات على الله تعالى إلا إذا كان وارداً في القرآن والأحاديث الصحيحة ، وقال آخرون : كل لفظ دل على معنى يليق بجلال الله وصفاته فهو جائز ، وإلا فلا ، وقال الشيخ الغزالي رحمة الله عليه : الاسم غير ، والصفة غير ، فاسمي محمد ، واسمك أبو بكر ، فهذا من باب الأسماء ، وأما الصفات فمثل وصف هذا الإنسان بكونه طويلاً فقيهاً كذا وكذا ، إذا عرفت هذا الفرق فيقال : أما إطلاق الاسم على الله فلا يجوز إلا عند وروده في القرآن والخبر ، وأما الصفات فإنه لا يتوقف على التوقيف .
واحتج الأولون بأن قالوا : إن العالم له أسماء كثيرة ، ثم أنا نصف الله تعالى بكونه عالماً ولا نصفه بكونه طبيباً ولا فقيهاً ، ولا نصفه بكونه متيقناً ولا بكونه متبيناً ، وذلك يدل على أنه لا بدّ من التوقيف ، وأجيب عنه فقيل : أما الطبيب فقد ورد؛ نقل أن أبا بكر لما مرض قيل له : نحضر الطبيب؟ قال : الطبيب أمرضني ، وأما الفقيه فهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه بعد دخول الشبهة فيه . وهذا القيد ممتنع الثبوت في حق الله تعالى ، وأما المتيقن فهو مشتق من يقن الماء في الحوض إذا اجتمع فيه ، فاليقين هو العلم الذي حصل بسبب تعاقب الأَمارات الكثيرة وترادفها حتى بلغ المجموع إلى إفادة الجزم ، وذلك في حق الله تعالى محال وأما التبيين فهو عبارة عن الظهور بعد الخفاء ، وذلك لأن التبيين مشتق من البينونة والإبانة وهي عبارة عن التفريق بين أمرين متصلين ، فإذا حصل في القلب اشتباه صورة بصورة ثم انفصلت إحداهما عن الأخرى فقد حصلت البينونة؛ فلهذا السبب سمي ذلك بياناً وتبييناً ، ومعلوم أن ذلك في حق الله تعالى محال .
واحتج القائلون بأنه لا حاجة إلى التوقيف بوجوه : الأول : أن أسماء الله وصفاته مذكورة بالفارسية وبالتركية وبالهندية ، وإن شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار ، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها . الثاني : أن الله تعالى قال : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا } [ الأعراف : 180 ] والاسم لا يحسن إلا لدلالته على صفات المدح ونعوت الجلال ، فكل اسم دل على هذه المعاني كان اسماً حسناً ، فوجب جواز إطلاقه في حق الله تعالى تمسكاً بهذه الآية . الثالث : أنه لا فائدة في الألفاظ إلا رعاية المعاني ، فإذا كانت المعاني صحيحة كان المنع من إطلاق اللفظة المعينة عبثاً ، وأما الذي قاله الشيخ الغزالي رحمة الله تعالى عليه فحجته أن وضع الاسم في حق الواحد منا يعد سوء أدب ، ففي حق الله أولى ، أما ذكر الصفات بالألفاظ المختلفة فهو جائز في حقنا من غير منع ، فكذلك في حق البارىء تعالى .

(1/138)


المسألة الثانية : اعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على صفات لا يمكن إثباتها في حق الله تعالى ، ونحن نعد منها صوراً ، فأحدها : الاستهزاء ، قال تعالى : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } [ البقرة : 15 ] ثم أن الاستهزاء جهل ، والدليل عليه أن القوم لما قالوا لموسى عليه السلام { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة : 67 ] وثانيها : المكر ، قال تعالى : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } [ آل عمران : 54 ] وثالثها : الغضب قال تعالى : { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ } [ الفتح : 6 ] ورابعها : التعجب ، قال تعالى : { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } [ الصافات : 12 ] فمن قرأ عجبت بضم التاء كان التعجب منسوباً إلى الله ، والتعجب عبارة عن حالة تعرض في القلب عند الجهل بسبب الشيء ، وخامسها : التكبر ، قال تعالى : { العزيز الجبار المتكبر } [ الحشر : 23 ] وهو صفة ذم ، وسادسها : الحياء ، قال تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا } [ البقرة : 26 ] والحياء عبارة عن تغير يحصل في الوجه والقلب عند فعل شيء قبيح .
واعلم أن القانون الصحيح في هذه الألفاظ أن نقول : لكل واحد من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية ، وآثار تصدر عنها في النهاية ، مثاله أن الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دم القلب وسخونة المزاج ، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فإذا سمعت الغضب في حق الله تعالى فاحمله على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض ، وقس الباقي عليه .
بيان أن أسماء الله لا تحصى :
المسألة الثالثة : رأيت في بعض «كتب التذكير» أن لله تعالى أربعة آلاف اسم : ألف منها في القرآن والأخبار الصحيحة وألف منها في التوراة ، وألف في الإنجيل ، وألف في الزبور ويقال : ألف آخر في اللوح المحفوظ ، ولم يصل ذلك الألف إلى عالم البشر ، وأقول : هذا غير مستبعد ، فإنا بينا أن أقسام صفات الله بحسب السلوب والإضافات غير متناهية ، ونبهنا على تقرير هذا الموضع وشرحناه شرحاً بليغاً ، بل نقول : كل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله تعالى في تدبير العالم الأعلى وتدبير العالم الأسفل أكثر ، كان اطلاعه على أسماء الله تعالى أكثر ، ووقوفه على الصفات الموجبة للمدح والتعظيم أكثر ، فمن طالع تشريح بدن الإنسان ووقف فيه على ما يقرب من عشرة آلاف نوع من أنواع الرحمة والحكمة في تخليق بدن الإنسان فقد حصل في عقله عشرة آلاف نوع من أسماء الله تعالى الدالة على المدح والتعظيم ، ثم إن من وقف على العدد الذي ذكرناه من أقسام الرحمة والحكمة في بدن الإنسان صار ذلك منبهاً للعقل على أن الذي لم يعرفه من أقسام الحكمة والرحمة في تخليق هذا البدن أكثر مما عرفه ، وذلك لما عرف أن الأرواح الدماغية من العصب سبعة ، عرف لكل واحد منها فائدة وحكمة ، ثم لما عرف أن كل واحد من هذا الأرواح ينقسم إلى ثلاثة أقسام أو أربعة عرف بالجبلة الشديدة وجه الحكمة في كل واحد من تلك الأقسام . ثم إن العقل يعلم أن كل واحد من تلك الأقسام ينقسم إلى شظايا دقيقة ، وكل واحدة من تلك الشظايا تنقسم إلى أقسام أخر وكل واحد من تلك الأقسام يتصل بعضو معين اتصالاً معيناً . ويكون وصول ذلك القسم إلى ذلك العضو في ممر معين ، إلا أنها لما كثرت ودقت خرجت عن ضبط العقل ، فثبت أن تلك العشرة آلاف تنبه العقل على أن أقسام حكمة الله تعالى في تخليق هذا البدن خارج عن التعديد والتحديد والإحصاء والاستقصاء كما قال تعالى :

(1/139)


{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ، النحل : 8 ] فكل من وقف على نوع آخر من أنواع تلك الحكمة فقد وصل إلى معرفة اسم آخر من أسماء الله تعالى ، ولما كان لا نهاية لمراتب حكمة الله تعالى ورحمته فكذلك لا نهاية لأَسمائه الحسنى ولصفاته العليا ، وذكر جالينوس في «كتاب منافع الأعضاء» أنه لما صنف ذلك الكتاب لم يكتب فيه منافع مجمع النور ، قال : وإنما تركت كتابتها ضنة بها لشرفها ، فرأيت في بعض الليالي كأن ملكاً نزل من السماء وقال : جالينوس ، إن إلهك يقول : لم أخفيت حكمتي عن عبادي قال : فلما انتهيت صنفت في هذا المعنى كتاباً مفرداً ، وبالغت في شرحه ، فثبت بما ذكرنا أنه لا نهاية لأسماء الله الحسنى .
حكم الأذكار التي في الرقى :
المسألة الرابعة : إنا نرى في «كتب الطلسمات والعزائم» أذكاراً غير معلومة ورقى غير مفهومة وكما أن تلك الألفاظ غير معلومة فقد تكون الكتابة غير معلومة ، وأقول : لا شك أن الكتابة دالة على الألفاظ ، ولا شك أن الألفاظ دالة على الصور الذهنية فتلك الرقى إن لم يكن فيها دلالة على شيء أصلاً لم يكن فيها فائدة . وإن كانت دالة على شيء فدلالتها إما أن تكون على صفات الله ونعوت كبريائه ، وإما أن تكون دالة على شيء آخر : أما الثاني فإنه لا يفيد؛ لأن ذكر غير الله لا يفيد لا الترغيب ولا الترهيب ، فبقي أن يقال : إنها دالة على ذكر الله وصفات المدح والثناء ، فنقول : ولما كانت أقسام ذكر الله مضبوطة ولا يمكن الزيادة عليها كان أحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون من جنس هذه الأدعية ، وأما الاختلاف الحاصل بسبب اختلاف اللغات فقليل الأثر ، فوجب أن تكون هذه الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات ، لكن لقائل أن يقول : إن نفوس أكثر الخلق ناقصة قاصرة ، فإذا قرؤا هذه الأذكار المعلومة وفهموا ظواهرها وليست لهم نفوس قوية مشرقة إلهية لم يقو تأثرهم عن الإلهيات ولم تتجرد نفوسهم عن هذه الجسمانيات ، فلا تحصل لنفوسهم قوة وقدرة على التأثير ، أما إذا قرؤا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئاً وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية استولى الخوف والفزع والرعب على نفوسهم فحصل لهم بهذا السبب نوع من التجرد عن عالم الجسم ، وتوجه إلى عالم القدس ، وحصل بهذا السبب لنفوسهم مزيد قوة وقدرة على التأثير ، فهذا ما عندي في قراءة هذه الرقى المجهولة .

(1/140)


المسألة الخامسة : إن بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات عجيبة ، والعاقل لا بدّ وأن يعتبر تلك المناسبات حتى ينتفع بالذكر ، والكلام في شرح هذا الباب مبني على مقدمة عقلية وهي أنه ثبت عندنا أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالجوهر والماهية ، فبعضها إلهية مشرقة حرة كريمة ، وبعضها سفلية ظلمانية نذلة خسيسة ، وبعضها رحيمة عظيمة الرحمة ، وبعضها قاسية قاهرة ، وبعضها قليلة الحب لهذه الجسمانيات قليلة الميل إليها ، وبعضها محبة للرياسة والاستعلاء ، ومن اعتبر أحوال الخلق علم أن الأمر كما ذكرناه ثم إنا نرى هذه الأحوال لازمة لجواهر النفوس ، وإن كل من راعى أحوال نفسه علم أن له منهجاً معيناً وطريقاً مبيناً في الإرادة والكراهة والرغبة والرهبة ، وأن الرياضة والمجاهدة لا تقلب النفوس عن أحوالها الأصلية ومناهجها الطبيعية ، وإنما تأثير الرياضة في أن تضعف تلك الأخلاق ولا تستولي على الإنسان ، فأما أن ينقلب من صفة أخرى فذلك محال ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وبقوله عليه الصلاة والسلام : " الأرواح جنود مجندة " إذا عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم ، فكل اسم من أسماء الله تعالى دال على معنى عين ، فكل نفس غلب عليها ذلك المعنى كانت تلك النفس شديدة المناسبة لذلك الاسم ، فإذا واظب على ذكر ذلك الاسم انتفع به سريعاً ، وسمعت أن الشيخ أبا النجيب البغدادي السهروردي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يراه من المصلحة ، ثم كان يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له أخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق ، وإن رآه متأثراً عند سماع اسم خاص مزيد التأثر أمره بالمواظبة على ذلك الذكر ، وأقول : هذا هو المعقول ، فإنه لما كانت النفوس مختلفة كان كل واحد منها مناسباً لحالة مخصوصة ، فإذا اشتغلت تلك النفس بتلك الحالة التي تناسبها كان خروجها من القوة إلى الفعل سهلاً هيناً يسيراً ، وليكن هذا آخر كلامنا في البحث عن مطلق الأسماء ، والله الهادي .
الباب التاسع
في المباحث المتعلقة بقولنا : «الله» وفيه مسائل

(1/141)


لفظ الجلالة علم لا مشتق :
المسألة الأولى : المختار عندنا أن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى ، وأنه ليس بمشتق ألبتة ، وهو قول الخليل وسيبويه ، وقول أكثر الأصوليين والفقهاء ، ويدل عليه وجوه ، وحجج :
الحجة الأولى : أنه لو كان لفظاً مشتقاً لكان معناه معنى كلياً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه لأن اللفظ المشتق لا يفيد إلا أنه شيء ما مبهم حصل له ذلك المشتق منه وهذا المفهوم لا يمنع من وقوع الشركة فيه بين كثيرين ، فثبت أن هذا اللفظ لو كان مشتقاً لم يمنع وقوع الشركة فيه بين كثيرين ، ولو كان كذلك لما كان قولنا : «لا إله إلا الله» توحيداً حقاً مانعاً من وقوع الشركة فيه بين كثيرين؛ لأن بتقدير أن يكون الله لفظاً مشتقاً كان قولنا : «الله» غير مانع من أن يدخل تحته أشخاص كثيرة ، وحينئذٍ لا يكون قولنا : «لا إله إلا الله» موجباً للتوحيد المحض ، وحيث أجمع العقلاء على أن قولنا : «لا إله إلا الله» يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا : «الله» اسم علم موضوع لتلك الذات المعينة ، وأنها ليست من الألفاظ المشتقة .
الحجة الثانية : أن من أراد أن يذكر ذاتاً معينة ثم يذكره بالصفات فإنه يذكر اسمه أولاً ثم يذكر عقيب الاسم الصفات ، مثل أن يقول : زيد الفقيه النحوي الأصولي ، إذا عرفت هذا فنقول : إن كل من أراد أن يذكر الله تعالى بالصفات المقدسة فإنه يذكر أولاً لفظة الله ثم يذكر عقيبه صفات المدائح مثل أن يقول : الله العالم القادر الحكيم ، ولا يعكسون هذا فلا يقولون : العالم القادر الله ، وذلك يدل على أن قولنا : «الله» اسم علم .
فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في أول سورة إبراهيم : { العزيز الحميد الله الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } [ إبراهيم : 1 2 ] قلنا : ههنا قراءتان منهم من قرأ الله بالرفع ، وحينئذٍ يزول السؤال ، لأنه لما جعله مبتدأ فقد أخرجه عن جعله صفة لما قبله ، وأما من قرأ بالجر فهو نظير لقولنا : هذه الدار ملك للفاضل العالم زيد وليس المراد أنه جعل قوله زيد صفة للعالم الفاضل ، بل المعنى أنه لما قال هذه الدار ملك للعالم الفاضل بقي الاشتباه في أنه من ذلك العالم الفاضل؟ فقيل عقيبه زيد ، ليصير هذا مزيلاً لذلك الاشتباه ، ولما لم يلزم ههنا أن يقال اسم العلم صار صفة فكذلك في هذه الآية .
الحجة الثالثة : قال تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] وليس المراد من الاسم في هذه الآية الصفة وإلا لكذب قوله : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] فوجب أن يكون المراد اسم العلم ، فكل من أثبت لله اسم علم قال ليس ذاك إلا قولنا الله .
واحتج القائلون بأنه ليس اسم علم بوجوه وحجج :

(1/142)


الحجة الأولى : قوله تعالى : { وَهُوَ الله فِى السموات } [ الأنعام : 3 ] وقوله : { هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ } [ البقرة : 255 ] فإن قوله : «الله» لا بدّ وأن يكون صفة ، ولا يجوز أن يكون اسم علم ، بدليل أنه لا يجوز أن يقال : هو زيد في البلد ، وهو بكر ، ويجوز أن يقال : هو العالم الزاهد في البلد ، وبهذا الطريق يعترض على قول النحويين : إن الضمير لا يقع موصوفاً ولا صفة ، وإذا ثبت كونه صفة امتنع أن يكون اسم علم .
الحجة الثانية : أن اسم العلم قائم مقام الإشارة ، فلما كانت الإشارة ممتنعة في حق الله تعالى كان اسم العلم ممتنعاً في حقه .
الحجة الثالثة : أن اسم العلم إنما يصار إليه ليتميز شخص عن شخص آخر يشبهه في الحقيقة والماهية ، وإذا كان هذا في حق الله ممتنعاً كان القول بإثبات الاسم العلم محالاً في حقه .
والجواب عن الأول لم لا يجوز أن يكون ذلك جارياً مجرى أن يقال : هذا زيد الذي لا نظير له في العلم والزهد؟ والجواب عن الثاني أن الاسم العلم هو الذي وضع لتعيين الذات المعينة ، ولا حاجة فيه إلى كون ذلك المسمى مشاراً إليه بالحس أم لا ، وهذا هو الجواب عن الحجة الثالثة .
المسألة الثانية : الذين قالوا : إنه اسم مشتق ذكروا فيه فروعاً :
الفرع الأول : أن الإله هو المعبود ، سواء عبد بحث أو بباطل ، ثم غلب في عرف الشرع على المعبود بالحق ، وعلى هذا التفسير لا يكون إلهاً في الأزل .
واعلم أنه تعالى هو المستحق للعبادة ، وذلك لأنه تعالى هو المنعم بجميع النعم أصولها وفروعها ، وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، والواجب واحد وهو الله تعالى ، وما سواه ممكن ، والممكن لا يوجب إلا بالمرجح ، فكل الممكنات إنما وجدت بإيجاده وتكوينه إما ابتداء وإما بواسطة ، فجميع ما حصل للعبد من أقسام النعم لم يحصل إلا من الله ، فثبت أن غاية الأنعام صادرة من الله والعبادة غاية التعظيم فإذا ثبت هذا فنقول : إن غاية التعظيم لا يليق إلا لمن صدرت عنه غاية الإنعام فثبت أن المستحق للعبودية ليس إلا الله تعالى .
الفرع الثاني : أن من الناس من يعبد الله لطلب الثواب وهو جهل وسخف ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن من عبد الله ليتوصل بعبادته إلى شيء آخر كان المعبود في الحقيقة هو ذلك الشيء ، فمن عبد الله لطلب الثواب كان معبوده في الحقيقة هو الثواب ، وكان الله تعالى وسيلة إلى الوصول إلى ذلك المعبود ، وهذا جهل عظيم . الثاني : أنه لو قال : أصلي لطلب الثواب أو للخوف من العقاب ، لم تصح صلاته . الثالث : أن من عمل عملاً لغرض آخر كان بحيث لو وجد ذلك الغرض بطريق آخر لترك الواسطة ، فمن عبد الله للأجر والثواب كان بحيث لو وجد الأجر والثواب بطريق آخر لم يعبد الله ، ومن كان كذلك لم يكن محباً لله ولم يكن راغباً في عبادة الله ، وكل ذلك جهل ، ومن الناس من يعبد الله لغرض أعلى من الأول ، وهو أن يتشرف بخدمة الله ، لأنه إذا شرع في في الصلاة حصلت النية في القلب ، وتلك النية عبارة عن العلم بعزة الربوبية وذلة العبودية ، وحصل الذكر في اللسان ، وحصلت الخدمة في الجوارح والأعضاء فيتشرف كل جزء من أجزاء العبد بخدمة الله ، فمقصود العبد حصول هذا الشرف .

(1/143)


الفرع الثالث : من الناس من طعن في قول من يقول : الإله هو المعبود من وجوه : الأول : أن الأوثان عبدت مع أنها ليست آلهة . الثاني : أنه تعالى إله الجمادات والبهائم ، مع أن صدور العبادة منها محال . الثالث : أنه تعالى إله المجانين والأطفال ، مع أنه لا تصدر العبادة عنها . الرابع : أن المعبود ليس له بكونه معبوداً صفة؛ لأنه لا معنى لكونه معبوداً إلا أنه مذكور بذكر ذلك الإنسان ، ومعلوم بعلمه ، ومراد خدمته بإرادته ، وعلى هذا التقدير فلا تكون الإلهية صفة لله تعالى . الخامس : يلزم أن يقال : إنه تعالى ما كان إلهاً في الأزل .
الفرع الرابع : من الناس من قال : الإله ليس عبارة عن المعبود ، بل الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً ، وهذا القول أيضاً يرد عليه أن لا يكون إلهاً للجمادات والبهائم والأطفال والمجانين ، وأن لا يكون إلهاً في الأزل ، ومنهم من قال : إنه القادر على أفعال لو فعلها لاستحق العبادة ممن يصح صدور العبادة عنه ، واعلم أنا إن فسرنا الإله بالتفسيرين الأولين لم يكن إلهاً في الأزل ، ولو فسرناه بالتفسير الثالث كان إلهاً في الأزل .
التفسير الثاني : الإله مشتق من ألهت إلى فلان ، أي : سكنت إليه ، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره والأرواح لا تعرج إلا بمعرفته ، وبيانه من وجوه : الأول : أن الكمال محبوب لذاته ، وما سوى الحق فهو ناقص لذاته؛ لأن الممكن من حيث هو هو معدوم ، والعدم أصل النقصان والناقص بذاته لا يكمل إلا بتكميل الكامل بذاته ، فإذا كان الكامل محبوباً لذاته وثبت أن الحق كامل لذاته وجب كونه محبوباً لذاته . الثاني : أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقف عند نفسه ، بل يبقى متعلقاً بغيره ، لأنه لا يوجد إلا بوجود غيره ، فعلى هذا كل ممكن فإنه لا يقف عند نفسه بل ما لم يتعلق بالواجب لذاته لم يوجد ، وإذا كان الأمر كذلك في الوجود الخارجي وجب أن يكون كذلك في الوجود العقلي ، فالعقول مترقبة إلى عتبة رحمته والخواطر متمسكة بذيل فضله وكرمه ، وهذان الوجهان عليهما التعويل في تفسير قوله تعالى :

(1/144)


{ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] .
التفسير الثالث : أنه مشتق من الوله ، وهو ذهاب العقل . واعلم أن الخلق قسمان : واصلون إلى ساحل بحر معرفته ، ومحرومون ، فالمحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة فكأنهم فقدوا عقولهم وأرواحهم ، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال ، فتاهوا في ميادين الصمدية ، وبادوا في عرصة الفردانية ، فثبت أن الخلق كلهم والهون في معرفته ، فلا جرم كان الإله الحق للخلق هو هو ، وبعبارة أخرى وهي أن الأرواح البشرية تسابقت في ميادين التوحيد والتمجيد فبعضها تخلفت وبعضها سبقت فالتي تخلفت بقيت في ظلمات الغبار والتي سبقت وصلت إلى عالم الأنوار ، فالأولون بادوا في أودية الظلمات ، والآخرون طاشوا في أنوار عالم الكرامات .
التفسير الرابع : أنه مشتق من لاة إذا ارتفع ، والحق سبحانه وتعالى هو المرتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات؛ لأن الواجب لذاته ليس إلا هو ، والكامل لذاته ليس إلا هو ، والأحد الحق في هويته ليس إلا هو ، والموجد لكل ما سواه ليس إلا هو ، وأيضاً فهو تعالى مرتفع عن أن يقال : إن ارتفاعه بحسب المكان ، لأن كل ارتفاع حصل بسبب المكان فهو للمكان بالذات وللمتمكن بالعرض؛ لأجل حصوله في ذلك المكان ، وما بالذات أشرف مما بالغير ، فلو كان هذا الارتفاع بسبب المكان لكان ذلك المكان أعلى وأشرف من ذات الرحمن ، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أنه سبحانه وتعالى أعلى من أن يكون علوه بسبب المكان ، وأشرف من أن ينسب إلى شيء مما حصل في عالم الإمكان .
التفسير الخامس : من أله في الشيء إذا تحير فيه ولم يهتد إليه ، فالعبد إذا تفكر فيه تحير؛ لأن كل ما يتخيله الإنسان ويتصوره فهو بخلافه ، فإن أنكر العقل وجوده كذبته نفسه؛ لأن كل ما سواه فهو محتاج ، وحصول المحتاج بدون المحتاج إليه محال ، وإن أشار إلى شيء يضبطه الحس والخيال وقال إنه هو كذبته نفسه أيضاً؛ لأن كل ما يضبطه الحس والخيال فأمارات الحدوث ظاهرة فيه ، فلم يبق في يد العقل إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن الإدراك ، فههنا العجز عن درك الإدراك إدراك ، ولا شك أن هذا موقف عجيب تتحير العقول فيه وتضطرب الألباب في حواشيه .
التفسير السادس : من لاه يلوه إذا احتجب ، ومعنى كونه محتجباً من وجوه : الأول : أنه بكنه صمديته محتجب عن العقول . الثاني : أن لو قدرنا أن الشمس كانت واقفة في وسط الفلك غير متحركة كانت الأنوار باقية على الجدران غير زائلة عنها ، فحينئذٍ كان يخطر بالبال أن هذه الأنوار الواقعة على هذه الجدران ذاتية لها ، إلا لما شاهدنا أن الشمس تغيب وعند غيبتها تزول هذه الأنوار عن هذه الجدران فبهذا الطريق علمنا أن هذه الأنوار فائضة عن قرص الشمس ، فكذا ههنا الوجود الواصل إلى جميع عالم المخلوقات من جناب قدرة الله تعالى كالنور الواصل من قرص الشمس ، فلو قدرنا أنه كان يصح على الله تعالى الطلوع والغروب والغيبة والحضور لكان عند غروبه يزول ضوء الوجود عن الممكنات ، فحينئذٍ كان يظهر أن نور الوجود منه ، لكنه لما كان الغروب والطلوع عليه محالاً لا جرم خطر ببال بعض الناقصين أن هذه الأشياء موجودة بذواتها ولذواتها ، فثبت أنه لا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال نوره ، فلهذا قال بعض المحققين : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عنها بكمال نوره وإذا كان كذلك ظهر أن حقيقة الصمدية محتجبة عن العقول ، ولا يجوز أن يقال : محجوبة لأن المحجوب مقهور ، والمقهور يليق بالعبد ، أما الحق فقاهر ، وصفة الاحتجاب صفة القهر فالحق محتجب ، والخلق محجوبون .

(1/145)


التفسير السابع : إشتقاقه من أله الفصيل إذا ولع بأمه ، والمعنى أن العباد مولهون مولعون بالتضع إليه في كل الأحوال ، ويدل عليه أمور : الأول : أن الإنسان إذا وقع في بلاء عظيم وآفة قوية فهنالك ينسى كل شيء إلا الله تعالى ، فيقول بقلبه ولسانه : يا رب ، يا رب ، فإذا تخلص عن ذلك البلاء وعاد إلى منازل الآلاء والنعماء أخذ يضيف ذلك الخلاص إلى الأسباب الضعيفة والأحوال الخسيسة ، وهذا فعل متناقض ، لأنه إن كان المخلص عن الآفات والموصل إلى الخيرات غير الله وجب الرجوع في وقت نزول البلاء إلى غير الله ، وإن كان مصلح المهمات هو الله تعالى في وقت البلاء وجب أن يكون الحال كذلك في سائر الأوقات ، وأما الفزع إليه عند الضرورات والإعراض عنه عند الراحات فلا يليق بأرباب الهدايات ، والثاني : أن الخير والراحة مطلوب من الله ، والثالث : أن المحسن في الظاهر إما الله أو غيره ، فإن كان غيره فذلك الغير لا يحسن إلا إذا خلق الله في قلبه داعية الإحسان ، فالحق سبحانه وتعالى هو المحسن في الحقيقة ، والمحسن مرجوع إليه في كل الأوقات ، والخلق مشغوفون بالرجوع إليه .
شكا بعض المريدين من كثرة الوسواس ، فقال الأستاذ : كنت حداداً عشر سنين ، وقصاراً عشرة أخرى ، وبوابًا عشرة ثالثة ، فقالوا : ما رأيناك فعلت ذلك ، قال : فعلت ولكنكم ما رأيتم ، أما عرفتم أن القلب كالحديد؟ فكنت كالحداد ألينه بنار الخوف عشر سنين ، ثم بعد ذلك شرعت في غسله عن الأوضار والأقذار عشر سنين ، ثم بعد هذه الأحوال جلست على باب حجرة القلب عشرة أخرى سالا سيف «لا إله إلا الله» فلم أزل حتى يخرج منه حب غير الله ، ولم أزل حتى يدخل فيه حب الله تعالى ، فلما خلت عرصة القلب عن غير الله تعالى وقويت فيه محبة الله سقطت من بحار عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب في تلك القطرة ، وفني عن الكل ، ولم يبق فيه إلا محض سر «لا إله إلا الله» .

(1/146)


التفسير الثامن : أن اشتقاق لفظ «الإله» من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره ، والمجير لكل الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه وتعالى ، لقوله تعالى : { وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } [ المؤمنون : 88 ] ولأنه هو المنعم لقوله تعالى : { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] ولأنه هو المطعم لقوله تعالى : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام : 14 ] ولأنه هو الموجد لقوله تعالى : { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } [ النحل : 53 ] فهو سبحانه وتعالى قهار للعدم بالوجود والتحصيل ، جبار لها بالقوة والفعل والتكميل ، فكان في الحقيقة هو الله ولا شيء سواه .
وههنا لطائف وفوائد : الفائدة الأولى : عادة المديون أنه إذا رأى صاحب الدين من البعد فإنه يفر منه ، والله الكريم يقول : عبادي : أنتم غرمائي بكثرة ذنوبكم ، ولكن لا تفروا مني ، بل أقول : { فَفِرُّواْ إِلَى الله } [ الذاريات : 50 ] فإني أنا الذي أقضي ديونكم وأغفر ذنوبكم ، وأيضًا الملوك يغلقون أبوابهم عن الفقراء دون الأغنياء ، وأنا أفعل ضد ذلك .
الفائدة الثانية : قال صلى الله عليه وسلم : " إن للّه تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والطير والبهائم والهوام فبها يتعاطفون ويتراحمون ، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة " ، وأقول : إنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر هذا الكلام على سبيل التفهيم ، وإلا فبحار الرحمة غير متناهية فكيف يعقل تحديدها بحد معين .
الفائدة الثالثة : قال صلى الله عليه وسلم : " إن اللّه عزّ وجلّ يقول يوم القيامة للمذنبين : هل أحببتم لقائي؟ فيقولون : نعم يا رب ، فيقول اللّه تعالى : ولم؟ فيقولون : رجونا عفوك وفضلك ، فيقول اللّه تعالى : إني قد أوجبت لكم مغفرتي "
الفائدة الرابعة : قال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عزّ وجلّ ينشر على بعض عباده يوم القيامة تسعة وتسعين سجلاً كل واحد منها مثل مد البصر فيقول له : هل تنكر من هذا شيئاً؟ هل ظلمك الكرام الكاتبون؟ فيقول : لا يا رب ، فيقول الله تعالى : فهل كان لك عذر في عمل هذه الذنوب؟ فيقول : لا يا رب ، فيضع ذلك العبد قلبه على النار فيقول الله تعالى : إن لك عندي حسنة وإنه لا ظلم اليوم ، ثم يخرج بطاقة فيها : «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله» فيقول العبد : يا رب ، كيف تقع هذه البطاقة في مقابلة هذه السجلات؟ فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة أخرى ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع ذكر الله شيء " . الفائدة الخامسة : وقف صبي في بعض الغزوات ينادي عليه في من يزيد في يوم صائف شديد الحر ، فبصرت به امرأة فعدت إلى الصبي وأخذته وألصقته إلى بطنها ، ثم ألقت ظهرها على البطحاء وأجلسته على بطنها تقيه الحر ، وقالت : ابني ، ابني ، فبكى الناس وتركوا ما هم فيه فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف عليهم فأخبروه الخبر ، فقال :

(1/147)


" أعجبتم من رحمة هذه بابنها فإن الله تعالى أرحم بكم جميعاً من هذه المرأة بابنها " فتفرق المسلمون على أعظم أنواع الفرح والبشارة .
أصل لفظ الجلالة :
المسألة الثالثة : في كيفية اشتقاق هذه اللفظة بحسب اللغة ، قال بعضهم هذه اللفظة ليست عربية ، بل عبرانية أو سريانية ، فإنهم يقولون إلهاً رحماناً ومرحيانا ، فلما عرب جعل «الله الرحمن الرحيم» وهذا بعيد ، ولا يلزم من المشابهة الحاصلة بين اللغتين الطعن في كون هذه اللفظة عربية أصلية ، والدليل عليه قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وقال تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] وأطبقوا على أن المراد منه لفظة «الله» وأما الأكثرون فقد سلموا كونها لفظة عربية ، أما القائلون بأن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى فقد تخلصوا عن هذه المباحث ، وأما المنكرون لذلك فلهم قولان : قال الكوفيون : أصل هذه اللفظة إلاه ، فأدخلت الألف واللام عليها للتعظيم ، فصار الإلاه ، فحذفت الهمزة استثقالاً ، لكثرة جريانها على الألسنة ، فاجتمع لامان ، فأدغمت الأولى فقالوا : «الله» وقال البصريون أصله لاه ، فألحقوا بها الألف واللام فقيل : «الله» وأنشدوا :
فكحلفة من أبي رباح ... يسمعها لاهه الكبار
فأخرجه على الأصل .
المسألة الرابعة : قال الخليل : أطبق جميع الخلق على أن قولنا : «الله» مخصوص بالله سبحانه وتعالى ، وكذلك قولنا الإله مخصوص به سبحانه وتعالى ، وأما الذين كانوا يطلقون اسم الإله على غير الله فإنما كانوا يذكرونه بالإضافة كما يقال إله كذا ، أو ينركونه فيقولون : إله كما قال الله تعالى خبرًا عن قوم موسى { اجعل لَّنَا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } [ الأعراف : 138 ] .
خواص لفظ الجلالة :
المسألة الخامسة : اعلم أن هذا الاسم مختص بخواص لم توجد في سائر أسماء الله تعالى ، ونحن نشير إليها : فالخاصة الأولى : أنك إذا حذفت الألف من قولك : «الله» بقي الباقي على صورة «الله» وهو مختص به سبحانه ، كما في قوله : { وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض } [ الفتح : 4 ] { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السموات والأرض } [ المنافقون : 7 ] وإن حذفت عن هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة «له» كما في قوله تعالى : { لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } [ الزمر : 63 ] وقوله : { لَهُ الملك وَلَهُ الحمد } [ التغابن : 1 ] فإن حذفت اللام الباقية كانت البقية هي قولنا : «هو» وهو أيضًا يدل عليه سبحانه كما في قوله : { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] وقوله : { هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ } [ غافر : 65 ] والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع؛ فإنك تقول؛ هما ، هم فلا تبقى الواو فيهما ، فهذه الخاصية موجودة في لفظ «الله» غيرموجودة في سائر الأسماء ، وكما حصلت هذه الخاصية بحسب اللفظ فقد حصلت أيضاً بحسب المعنى ، فإنك إذا دعوت الله بالرحمن فقد وصفته بالرحمة ، وما وصفته بالقهر ، وإذا دعوته بالعليم فقد وصفته بالعلم ، وما وصفته بالقدرة ، وأما إذا قلت يا الله فقد وصفته بجميع الصفات؛ لأن الإله لا يكون إلهاً إلا إذا كان موصوفاً بجميع هذه الصفات ، فثبت أن قولنا الله قد حصلت له هذه الخاصية التي لم تحصل لسائر الأسماء .

(1/148)


الخاصية الثانية : أن كلمة الشهادة وهي الكلمة التي بسببها ينتقل الكافر من الكفر إلى الإسلام لم يحصل فيها إلا هذا الاسم ، فلو أن الكافر قال : أشهد أن لا إله إلا الرحمن أو إلا الرحيم ، أو إلا الملك ، أو إلا القدوس لم يخرج من الكفر ولم يدخل في الإسلام ، أما إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله فإنه يخرج من الكفر ويدخل في الإسلام ، وذلك يدل على اختصاص هذا الاسم بهذه الخاصية الشريفة ، والله الهادي إلى الصواب .
الباب العاشر
في البحث المتعلق بقولنا الرحمن الرحيم
الرحمن الرحيم :
اعلم أن الأشياء على أربعة أقسام : الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً ، والذي يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً ، والذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً ، والذي لا يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً .
أما القسم الأول وهو الذي يكون نافعاً وضرورياً معاً فأما أن يكون كذلك في الدنيا فقط ، وهو مثل النفس فإنه لو انقطع منك لحظة واحدة حصل الموت ، وإما أن يكون كذلك في الآخرة ، وهو معرفة الله تعالى ، فإنها إن زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب ، واستوجب عذاب الأبد .
وأما القسم الثاني وهو الذي يكون نافعاً ولا يكون ضرورياً فهو كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة .
وأما القسم الثالث وهو الذي يكون ضرورياً ولا يكون نافعاً فكالمضار التي لا بدّ منها في الدنيا : كالأمراض ، والموت ، والفقر ، والهرم ، ولا نظير لهذا القسم في الآخرة ، فإن منافع الآخرة لا يلزمها شيء من المضار .
وأما القسم الرابع وهو الذي لا يكون نافعاً ولا ضرورياً فهو كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة .
إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن النفس في الدنيا نافع وضروري فلو انقطع عن الإنسان لحظة لمات في الحال ، وكذلك معرفة الله تعالى أمر لا بدّ منه في الآخرة فلو زالت عن القلب لحظة لمات القلب لا محالة ، لكن الموت الأول أسهل من الثاني؛ لأنه لا يتألم في الموت الأول إلا ساعة واحدة ، وأما الموت الثاني فإنه يبقى ألمه أبد الآباد ، وكما أن التنفس له أثران : أحدهما : إدخال النسيم الطيب على القلب وإبقاء اعتداله وسلامته ، والثاني : إخراج الهواء الفاسد الحار المحترق عن القلب ، كذلك الفكر له أثران : أحدهما : إيصال نسيم الحجة والبرهان إلى القلب وإبقاء اعتدال الإيمان والمعرفة عليه ، والثاني : إخراج الهواء الفاسد المتولد من الشبهات عن القلب ، وما ذاك إلا بأن يعرف أن هذه المحسوسات متناهية في مقاديرها منتهية بالآخرة إلى الفناء بعد وجودها ، فمن وقف على هذه الأحوال بقي آمناً من الآفات واصلاً إلى الخيرات والمسرات ، وكمال هذين الأمرين ينكشف لعقلك بأن تعرف أن كل ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمه الله ، وذرة من أنوار إحسانه ، فعند هذا ينفتح على قلبك معرفة كون الله تعالى رحماناً رحيماً .

(1/149)


فإذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم أنك جوهر مركب من نفس ، وبدن وروح ، وجسد .
( أما نفسك ) فلا شك أنها كانت جاهلة في مبدأ الفطرة كما قال تعالى : { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النمل : 78 ] ثم تأمل في مراتب القوى الحساسة والمحركة والمدركة والعاقلة ، وتأمل في مراتب المعقولات وفي جهاتها ، واعلم أنه لا نهاية لها ألبتة ، ولو أن العاقل أخذ في اكتساب العلم بالمعقولات وسرى فيها سريان البرق الخاطف والريح العاصف وبقي في ذلك السير أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان الحاصل له من المعارف والعلوم قدراً متناهياً ، ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل إليها أيضاً غير متناهية ، والمتناهي في جنب غير المتناهي قليل في كثير ، فعند هذا يظهر له أن الذي قاله الله تعالى في قوله : { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 85 ] حق وصدق .
( وأما بدنك ) فاعلم أنه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة ، فتأمل كيفية تركيبها وتشريحها ، وتعرف ما في كل واحد من الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشريفة وحينئذٍ يظهر لك صدق قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] وحينئذٍ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته في خلقك وهدايتك ، فتفهم شيئاً قليلاً من معنى قوله الرحمن الرحيم .
لا رحمن إلا الله
فإن قيل : فهل لغير الله رحمة أم لا؟ قلنا : الحق أن الرحمة ليست إلا لله ، ثم بتقدير أن تكون لغير الله رحمة إلا أن رحمة الله أكمل من رحمة غيره ، وههنا مقامان : المقام الأول : في بيان أنه لا رحمة إلا لله ، فنقول : الذي يدل عليه وجوه : الأول : أن الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فكل أحد غير الله فهو إنما يعطي ليأخذ عوضاً ، إلا أن الأعواض أقسام : منها جسمانية مثل أن يعطي ديناراً ليأخذ كرباساً ، ومنها روحانية وهي أقسام : فأحدها : أنه يعطي المال لطلب الخدمة ، وثانيها : يعطي المال لطلب الإعانة ، وثالثها : يعطي المال لطلب الثناء الجميل ، ورابعها : يعطي المال لطلب الثواب الجزيل ، وخامسها : يعطي المال ليزيل حب المال عن القلب ، وسادسها : يعطي المال لدفع الرقة الجنسية عن قلبه ، وكل هذه الأقسام أعواض روحانية ، وبالجملة فكل من أعطي فإنما يعطي ليفوز بواسطة ذلك العطاء بنوع من أنواع الكمال ، فيكون ذلك في الحقيقة معاوضة ، ولا يكون جوداً ، ولا هبة ، ولا عطية ، أما الحق سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته ، فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالاً ، فكان الجواد المطلق والراحم المطلق هو الله تعالى .

(1/150)


الحجة الثانية : أن كل من سوى الله فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد واجب الوجود لذاته ، فكل رحمة تصدر من غير الله فهي إنما دخلت في الوجود بإيجاد الله فيكون الرحيم في الحقيقة هو الله تعالى .
الحجة الثالثة : أن الإنسان يمكنه الفعل والترك ، فيمتنع رجحان الفعل على الترك إلا عند حصول داعية جازمة في القلب ، فعند عدم حصول تلك الداعية يمتنع صدور تلك الرحمة منه ، وعند حصولها يجب صدور الرحمة منه ، فيكون الراحم في الحقيقة هو الذي خلق تلك الداعية في ذلك القلب ، وما ذاك إلا الله تعالى ، فيكون الراحم في الحقيقة هو الله تعالى .
الحجة الرابعة : هب أن فلاناً يعطي الحنطة ، ولكن ما لم تحصل المعدة الهاضمة للطعام لم يحصل الانتفاع بتلك الحنطة ، وهب أنه وهب البستان فما لم تحصل القوة الباصرة في العين لم يحصل الانتفاع بذلك البستان ، بل الحق أن خالق تلك الحنطة وذلك البستان هو الله تعالى والممكن من الانتفاع بهما هو الله ، والحافظ له عن أنواع الآفات والمخافات حتى يحصل الانتفاع بتلك الأشياء هو الله تعالى ، فوجب أن يقال : المنعم والراحم في الحقيقة هو الله تعالى .
المقام الثاني : في بيان أن بتقدير أن تحصل الرحمة من غير الله إلا أن رحمة الله أكمل وأعظم . وبيانه من وجوه : الأول : أن الأنعام يوجب علو حال المنعم ودناءة حال المنعم عليه بالنسبة إلى المنعم ، فإذا حصل التواضع بالنسبة إلى حضرة الله فذاك خير من حصول هذه الحالة بالنسبة إلى بعض الخلق .
الثاني : أن الله تعالى إذا أنعم عليك بنعمة طلب عندها منك عملاً تتوصل به إلى استحقاق نعم الآخرة ، فكأنه تعالى يأمرك بأن تكتسب لنفسك سعادة الأبد ، وأما غير الله فإنه إذا أنعم عليك بنعمة أمرك بالاشتغال بخدمته والانصراف إلى تحصيل مقصوده ، ولا شك أن الحالة الأولى أفضل .
الثالث : أن المنعم عليه يصير كالعبد للمنعم ، وعبودية الله أولى من عبودية غير الله .
الرابع : أن السلطان إذا أنعم عليك فهو غير عالم بتفاصيل أحوالك ، فقد ينعم عليك حال ما تكون غنياً عن إنعامه ، وقد يقطع عنك إنعامه حال ما تكون محتاجاً إلى إنعامه ، وأيضاً فهو غير قادر على الإنعام عليك في كل الأوقات وبجميع المرادات ، أما الحق تعالى فإنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات ، فإذا ظهرت بك حاجة عرفها ، وإن طلبت منه شيئاً قدر على تحصيله ، فكان ذلك أفضل .

(1/151)


الخامس : الإنعام يوجب المنة ، وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق .
فثبت بما ذكرنا أن الرحمن الرحيم هو الله تعالى ، وبتقدير أن يحصل رحمن آخر فرحمة الله تعالى أكمل وأفضل وأعلى وأجل ، والله أعلم .
الباب الحادي عشر
في بعض النكت المستخرجة من قولنا ( بسم الله الرحمن الرحيم )
إشارات البسملة :
النكتة الأولى : مرض موسى عليه السلام واشتد وجع بطنه ، فشكا إلى الله تعالى ، فدله على عشب في المفازة ، فأكل منه فعوفي بإذن الله تعالى ، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه ، فقال : يا رب ، أكلته أولاً فانتفعت به ، وأكلته ثانياً فازداد مرضي ، فقال : لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء ، وفي المرة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض ، أما علمت أن الدنيا كلها سم قاتل وترياقها اسمي؟ .
الثانية : باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة ، فلما انفجر الصبح نامت ، فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها؛ وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب ، فوضعها فوجد الباب ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فنودي من زاوية البيت : ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان .
الثالثة : كان بعض العارفين يرعى غنماً وحضر في قطيع غنمه الذئاب ، وهي لا تضر أغنامه ، فمر عليه رجل وناداه : متى اصطلح الذئب والغنم؟ فقال الراعي : من حين اصطلح الراعي مع الله تعالى .
الرابعة : قوله ( بسم الله ) معناه أبدأ باسم الله ، فأسقط منه قوله : «أبدأ» تخفيفاً ، فإذا قلت بسم الله فكأنك قلت أبدأ باسم الله ، والمقصود منه التنبيه على أن العبد من أول ما شرع في العمل كان مدار أمره على التسهيل والتخفيف والمسامحة ، فكأنه تعالى في أول كلمة ذكرها لك جعلها دليلاً على الصفح والإحسان .
الخامسة : روى أن فرعون قبل أن يدعي الإلهية بنى قصراً وأمر أن يكتب ( بسم الله ) على بابه الخارج ، فلما ادعى الإلهية وأرسل إليه موسى عليه السلام ودعاه فلم يرَ به أثر الرشد قال : إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً ، فقال تعالى : يا موسى ، لعلك تريد إهلاكه ، أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه ، والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله؟ .
السادسة : سمى نفسه رحماناً رحيماً فكيف لا يرحم؟ روى أن سائلاً وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلاً ، فجاء في اليوم الثاني بفأس وأخذ يخرب الباب فقيل له : ولم تفعل؟ قال : إما أن يجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب . إلهنا إن بحار الرحمة بالنسبة إلى رحمتك أقل من الذرة بالنسبة إلى العرش ، فكما ألقيت في أول كتابك على عبادك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين عن رحمتك وفضلك .

(1/152)


السابعة : «الله» إشارة إلى القهر والقدرة والعلو ، ثم ذكر عقيبه الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على أن رحمته أكثر وأكمل من قهره .
الثامنة : كثيراً ما يتفق لبعض عبيد الملك أنهم إذا اشتروا شيئاً من الخيل والبغال والحمير وضعوا عليها سمة الملك لئلا يطمع فيها الأعداء ، فكأنه تعالى يقول : إن لطاعتك عدواً وهو الشيطان فإذا شرعت في عمل فاجعل عليه سمتي ، وقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، حتى لا يطمع العدو فيها .
التاسعة : اجعل نفسك قرين ذكر الله تعالى حتى لا تبعد عنه في الدارين ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه " دفع خاتمه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال : أكتب فيه لا إله إلا الله ، فدفعه إلى النقاش وقال : أكتب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فكتب النقاش فيه ذلك ، فأتى أبو بكر بالخاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى النبي فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق ، فقال : يا أبا بكر ، ما هذه الزوائد؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ما رضيت أن أفرق إسمك عن إسم الله ، وأما الباقي فما قلته ، وخجل أبو بكر ، فجاء جبريل عليه السلام وقال : يا رسول الله أما إسم أبي بكر فكتبته أنا لأنه ما رضي أن يفرق إسمك عن اسم الله فما رضي الله أن يفرق إسمه عن إسمك " والنكتة أن أبا بكر لما لم يرض بتفريق اسم محمد صلى الله عليه وسلم عن إسم الله عزّ وجلّ وجد هذه الكرامة فكيف إذا لم يفارق المرء ذكر الله تعالى؟ .
العاشرة : أن نوحاً عليه السلام لما ركب السفينة قال : { بسم الله مجراها ومرساها } [ هود : 41 ] فوجد النجاة بنصف هذه الكلمة ، فمن واظب على هذه الكلمة طول عمره كيف يبقى محروماً عن النجاة؟ وأيضاً أن سليمان عليه السلام نال مملكة الدنيا والآخرة بقوله : { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } [ النمل : 30 ] فالمرجو أن العبد إذا قاله فاز بملك الدنيا والآخرة .
الحادية عشرة : إن قال قائل لم قدم سليمان عليه السلام إسم نفسه على إسم الله تعالى في قوله : { إنه من سليمان } فالجواب من وجوه : الأول : أن بلقيس لما وجدت ذلك الكتاب موضوعاً على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد واقفاً على طرف الجدار علمت أن ذلك الكتاب من سليمان ، فأخذت الكتاب وقالت : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب ورأت بسم الله الرحمن الرحيم قالت : وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ، فقوله : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } من كلام بلقيس لا كلام سليمان : الثاني : لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } وفي داخل الكتاب ابتدأ بقوله : { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } كما هو العادة في جميع الكتب ، فلما أخذت بلقيس ذلك الكتاب قرأت ما في عنوانه ، فقالت : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب قرأت : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقالت : وأنه بسم الله الرحمن الرحيم : الثالث : أن بلقيس كانت كافرة فخاف سليمان أن تشتم الله إذا نظرت في الكتاب فقدم إسم نفسه على إسم الله تعالى ، ليكون الشتم له لا لله تعالى .

(1/153)


الثانية عشرة : الباء من «بسم» مشتق من البر فهو البار على المؤمنين بأنواع الكرامات في الدنيا والآخرة ، وأجل بره وكرامته أن يكرمهم يوم القيامة برؤيته .
مرض لبعضهم جار يهودي قال : فدخلت عليه للعيادة وقلت له : أسلم ، فقال : على ماذا؟ قلت : من خوف النار قال : لا أبالي بها ، فقلت : للفوز بالجنة ، فقال : لا أريدها ، قلت : فماذا تريد؟ قال : على أن يريني وجهه الكريم ، قلت : أسلم على أن تجد هذا المطلوب ، فقال لي : أكتب بهذا خطاً ، فكتبت له بذلك خطاً فأسلم ومات من ساعته ، فصلينا عليه ودفناه ، فرأيته في النوم كأنه يتبختر فقلت له : يا شمعون ، ما فعل بك ربك؟ قال : غفر لي ، وقال لي : أسلمت شوقاً إليّ .
وأما السين فهو مشتق من اسمه السميع ، يسمع دعاء الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى .
روي أن زيد بن حارثة خرج مع منافق من مكة إلى الطائف فبلغا خربة فقال المنافق ندخل ههنا ونستريح ، فدخلا ونام زيد فأوثق المنافق زيداً وأراد قتله ، فقال زيد : لم تقتلني؟ قال : لأن محمداً يحبك وأنا أبغضه ، فقال زيد : يا رحمن أغثني ، فسمع المنافق صوتاً يقول : ويحك لا تقتله ، فخرج من الخربة ونظر فلم يرَ أحداً ، فرجع وأراد قتله فسمع صائحاً أقرب من الأول يقول : لا تقتله ، فنظر فلم يجد أحداً ، فرجع الثالثة وأراد قتله فسمع صوتاً قريباً يقول : لا تقتله ، فخرج فرأى فارساً معه رمح فضربه الفارس ضربة فقتله ، ودخل الخربة وحل وثاق زيد ، وقال له : أما تعرفني؟ أنا جبريل حين دعوت كنت في السماء السابعة فقال الله عزّ وجلّ : ( أدرك عبدي ) ، وفي الثانية كنت في السماء الدنيا ، وفي الثالثة بلغت إلى المنافق .
وأما الميم فمعناه أن من العرش إلى ما تحت الثرى ملكه وملكه .
قال السدي : أصاب الناس قحط على عهد سليمان بن داود عليهما السلام ، فأتوه فقالوا له : يا نبي الله ، لو خرجت بالناس إلى الاستسقاء ، فخرجوا وإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول : اللهم أنا خلق من خلقك ، ولا غنى لي عن فضلك ، قال : فصب الله تعالى عليهم المطر ، فقال لهم سليمان عليه السلام : ارجعوا فقد استجيب لكم بدعاء غيركم .

(1/154)


أما قوله : «الله» فاعلموا أيها الناس أني أقول طول حياتي الله ، فإذا مت أقول الله ، وإذا سئلت في القبر أقول الله ، وإذا جئت يوم القيامة أقول الله ، وأذا أخذت الكتاب أقول الله وإذا وزنت أعمالي أقول الله ، وإذا جزت الصراط أقول الله ، وإذا دخلت الجنة أقول الله ، وإذا رأيت الله قلت الله .
النكتة الثالثة عشرة : الحكمة في ذكر هذه الأسماء الثلاثة أن المخاطبين في القرآن ثلاثة أصناف كما قال تعالى : { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات } [ فاطر : 32 ] فقال : أنا الله للسابقين ، الرحمن للمقتصدين ، الرحيم للظالمين ، وأيضاً الله هو معطي العطاء ، والرحمن هو المتجاوز عن زلات الأولياء ، والرحيم هو المتجاوز عن الجفاء ، ومن كمال رحمته كأنه تعالى يقول أعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك ، ولو علمته المرأة لجفتك ، ولو علمته الأمة لأقدمت على الفرار منك ، ولو علمه الجار لسعى في تخريب الدار ، وأنا أعلم كل ذلك وأستره بكرمي لتعلم أني إله كريم .
الرابعة عشرة : الله يوجب ولايته ، قال الله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ } [ البقرة : 256 ] والرحمن يوجب محبته ، قال الله تعالى : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } [ مريم : 96 ] والرحيم يوجب رحمته { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } [ الأحزاب : 43 ] .
الخامسة عشرة : قال عليه الصلاة والسلام : " من رفع قرطاساً من الأرض فيه «بسم الله الرحمن الرحيم» إجلالاً له تعالى كتب عند الله من الصديقين ، وخفف عن والديه وإن كانا مشركين " وقصة بشر الحافي في هذا الباب معروفة ، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : " يا أبا هريرة ، إذا توضأت فقل : بسم الله ، فإن حفظتك لا تبرح أن تكتب لك الحسنات حتى تفرغ ، وإذا غشيت أهلك فقل : بسم الله ، فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة ، فإن حصل من تلك الواقعة ولد كتب لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد ، وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب ، حتى لا يبقى منهم أحد . يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل : بسم الله والحمد لله ، يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة ، وإذا ركبت السفينة فقل : بسم الله والحمد لله ، يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها " وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا : بسم الله الرحمن الرحيم ، والإشارة فيه أنه إذا صار هذا الاسم حجاباً بينك وبين أعدائك من الجن في الدنيا أفلا يصير حجاباً بينك وبين الزبانية في العقبى؟ " .

(1/155)


السادسة عشرة : كتب قيصر إلى عمر رضي الله عنه أن بي صُداعاً لا يسكن فابعث لي دواء ، فبعث إليه عمر قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه يسكن صداعه ، وإذا رفعها عن رأسه عاوده الصداع ، فعجب منه ففتش القلنسوة فإذا فيها كاغد مكتوب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم .
السابعة عشرة : قال صلى الله عليه وسلم : " من توضأ ولم يذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لتلك الأعضاء ، ومن توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لجميع بدنه " فإذا كان الذكر على الوضوء طهوراً لكل البدن فذكره عن صميم القلب أولى أن يكون طهوراً للقلب عن الكفر والبدعة .
الثامنة عشرة : طلب بعضهم آية من خالد بن الوليد فقال : إنك تدعي الإسلام فأرنا آية لنسلم ، فقال : ائتوني بالسم القاتل ، فأتى بطاس من السم ، فأخذها بيده وقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، وأكل الكل وقام سالماً بإذن الله تعالى ، فقال المجوس هذا دين حق .
التاسعة عشرة : مر عيسى بن مريم عليه السلام على قبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتاً ، فلما انصرف من حاجته مر على القبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور ، فتعجب من ذلك ، فصلى ودعا الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه : يا عيسى ، كان هذا العبد عاصياً ومذ مات كان محبوساً في عذابي ، وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت ولداً وربته حتى كبر ، فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعلم بسم الله الرحمن الرحيم ، فاستحيت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على وجه الأرض .
العشرون : سئلت عمرة الفرغانية وكانت من كبار العارفات ما الحكمة في أن الجنب والحائض منهيان عن قراءة القرآن دون التسمية فقالت : لأن التسمية ذكر اسم الحبيب والحبيب لا يمنع من ذكر الحبيب .
الحادية والعشرون : قيل في قوله : «الرحيم» هو تعالى رحيم بهم في ستة مواضع في القبر وحشراته ، والقيامة وظلماته ، والميزان ودرجاته ، وقراءة الكتاب وفزعاته ، والصراط ومخافاته والنار ودركاته .
الثانية والعشرون : كتب عارف «بسم الله الرحمن الرحيم» وأوصى أن تجعل في كفنه فقيل له : أي فائدة لك فيه فقال : أقول يوم القيامة : إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه بسم الله الرحمن الرحيم ، فعاملني بعنوان كتابك .
الثالثة والعشرون : قيل «بسم الله الرحمن الرحيم» تسعة عشر حرفاً ، وفيه فائدتان : إحداهما : أن الزبانية تسعة عشر ، فالله تعالى يدفع بأسهم بهذه الحروف التسعة عشر ، الثانية : خلق الله تعالى الليل والنهار أربعة وعشرين ساعة ، ثم فرض خمس صلوات في خمس ساعات فهذه الحروف التسعة عشر تقع كفارات للذنوب التي تقع في تلك الساعات التسعة عشر .

(1/156)


الرابعة والعشرون : لما كانت سورة التوبة مشتملة على الأمر بالقتال لم يكتب في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم» وأيضاً السنة أن يقال عند الذبح «باسم الله ، والله أكبر» ولا يقال : «بسم الله الرحمن الرحيم» لأن وقت القتال والقتل لا يليق به ذكر الرحمن الرحيم ، فلما وفقك لذكر هذه الكلمة في كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب ، وإنما خلقك للرحمة والفضل والإحسان ، والله تعالى الهادي إلى الصواب .
الكلام في سورة الفاتحة وفي ذكر أسماء
هذه السورة ، وفيه أبواب :
الباب الأول
اعلم أن هذه السورة لها أسماء كثيرة ، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى :
أسماء الفاتحة وسببها :
فالأول : «فاتحة الكتاب» سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم ، والقراءة في الصلاة ، وقيل سميت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كلام على ما سيأتي تقريره ، وقيل لأنها أول سورة نزلت من السماء .
والثاني : «سورة الحمد» والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد .
والثالث : «أم القرآن» والسبب فيه وجوه :
الأول : أن أم الشيء أصله ، والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة : الإلهيات ، والمعاد ، والنبوات ، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى ، فقوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم } يدل على الإلهيات ، وقوله : { مالك يَوْمِ الدين } يدل على المعاد ، وقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } يدل على نفي الجبر والقدر وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره ، وقوله : { اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } يدل أيضاً على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات ، وسيأتي شرح هذه المعاني بالاستقصاء ، فلما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة وكانت هذه السورة مشتملة عليها لقبت بأم القرآن .
السبب الثاني لهذا الاسم : أن حاصل جميع الكتب الإلهية يرجع إلى أمور ثلاثة : إما الثناء على الله باللسان ، وإما الاشتغال بالخدمة والطاعة ، وإما طلب المكاشفات والمشاهدات ، فقوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } كله ثناء على الله ، وقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } اشتغال بالخدمة والعبودية ، إلا أن الابتداء وقع بقوله { إياك نعبد } وهو إشارة إلى الجد والاجتهاد في العبودية ، ثم قال : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وهو إشارة إلى اعتراف العبد بالعجز والذلة والمسكنة والرجوع إلى الله ، وأما قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } فهو طلب للمكاشفات والمشاهدات وأنواع الهدايات .
السبب الثالث لتسمية هذه السورة بأم الكتاب : أن المقصود من جميع العلوم : إما معرفة عزة الربوبية ، أو معرفة ذلة العبودية فقوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } يدل على أنه هو الإله المستولي على كل أحوال الدنيا والآخرة ، ثم من قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } إلى آخر السورة يدل على ذل العبودية ، فإنه يدل على أن العبد لا يتم له شيء من الأعمال الظاهرة ولا من المكاشفات الباطنة إلا بإعانة الله تعالى وهدايته .

(1/157)


السبب الرابع : أن العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله ، وهو علم الأصول وإما علم أحكام الله تعالى وتكاليفه ، وهو علم الفروع ، وإما علم تصفية الباطن وظهور الأنوار الروحانية والمكاشفات الإلهية . والمقصود من القرآن بيان هذه الأنواع الثلاثة ، وهذه السورة الكريمة مشتملة على تقرير هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه : فقوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } إشارة إلى علم الأصول : لأن الدال على وجوده وجود مخلوقاته ، فقوله : { رَبّ العالمين } يجري مجرى الإشارة إلى أنه لا سبيل إلى معرفة وجوده إلا بكونه رباً للعالمين ، وقوله : { الحمد للَّهِ } إشارة إلى كونه مستحقاً للحمد ، ولا يكون مستحقاً للحمد إلا إذا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات ، ثم وصفه بنهاية الرحمة وهو كونه رحماناً رحيماً ثم وصفه بكمال القدرة وهو قوله مالك يوم الدين حيث لا يهمل أمر المظلومين ، بل يستوفي حقوقهم من الظالمين ، وعند هذا تم الكلام في معرفة الذات والصفات وهو علم الأصول ، ثم شرع بعده في تقرير علم الفروع ، وهو الاشتغال بالخدمة والعبودية ، وهو قول : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ثم مزجه أيضاً بعلم الأصول مرة أخرى ، وهو أن أداء وظائف العبودية لا يكمل إلا بإعانة الربوبية ، ثم شرع بعده في بيان درجات المكاشفات وهي على كثرتها محصورة في أمور ثلاثة : أولها : حصول هداية النور في القلب ، وهو المراد من قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } ، وثانيها : أن يتجلى له درجات الأبرار المطهرين من الذين أنعم الله عليهم بالجلايا القدسية والجواذب الإلهية ، حتى تصير تلك الأرواح القدسية كالمرايا المجلوة فينعكس الشعاع من كل واحدة منها إلى الأخرى ، وهو قوله : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } ، وثالثها : أن تبقى مصونة معصومة عن أوضار الشهوات ، وهو قوله : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } وعن أوزار الشبهات ، وهو قوله : { وَلاَ الضالين } فثبت أن هذه السورة مشتملة على هذه الأسرار العالية التي هي أشرف المطالب ، فلهذا السبب سميت بأم الكتاب كما أن الدماغ يسمى أم الرأس لاشتماله على جميع الحواس والمنافع .
السبب الخامس : قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب ، قال : سمعت أبا بكر القفال قال : سمعت أبا بكر بن دريد يقول : الأم في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر ، قال قيس بن الحطيم :
نصبنا أمنا حتى ابذعروا ... وصاروا بعد ألفتهم سلالا
فسميت هذه السورة بأم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إلى هذه السورة كما أن مفزع العسكر إلى الراية ، والعرب تسمى الأرض أماً؛ لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ومماتهم ، ولأنه يقال : أم فلان فلاناً إذا قصده .

(1/158)


الاسم الرابع : من أسماء هذه السورة «السبع الثاني» قال الله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني } [ الحجر : 87 ] وفي سبب تسميتها بالمثاني وجوه :
الأول : أنها مثنى : نصفها ثناء العبد للرب ، ونصفها عطاء الرب للعبد .
الثاني : سميت مثاني لأنها تثنى في كل ركعة من الصلاة .
الثالث : سميت مثاني لأنها مستثناة من سائر الكتب ، قال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ، ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم .
الرابع : سميت مثاني لأنها سبع آيات ، كل آية تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن ، فمن قرأ الفاتحة أعطاه الله ثواب من قرأ كل القرآن .
الخامس : آياتها سبع ، وأبواب النيران سبعة ، فمن فتح لسانه بقراءتها غلقت عنه الأبواب السبعة ، والدليل عليه ما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، كنت أخشى العذاب على أمتك . فلما نزلت الفاتحة أمنت ، قال : لم يا جبريل؟ قال : لأن الله تعالى قال : { وإن جهنم لموعدهم أجمعين ، لها سبعة أبواب ، لكل باب منهم جزء مقسوم } [ الحجر : 43 ، 44 ] وآياتها سبع فمن قرأها صارت كل آية طبقاً على باب من أبواب جهنم ، فتمر أمتك عليها منها سالمين .
السادس : سميت مثاني لأنها تقرأ في الصلاة ثم إنها تثنى بسورة أخرى .
السابع : سميت مثاني لأنها أثنية على الله تعالى ومدائح له .
الثامن : سميت مثاني لأن الله أنزلها مرتين ، واعلم أنا قد بالغنا في تفسير قوله تعالى : { سَبْعًا مّنَ المثاني } في سورة الحجر .
الاسم الخامس : الوافية ، كان سفيان بن عيينة يسميها بهذا الاسم ، قال الثعلبي ، وتفسيرها أنها لا تقبل التنصيف ، ألا ترى أن كل سورة من القرآن لو قرىء نصفها في ركعة والنصف الثاني في ركعة أخرى لجاز ، وهذا التنصيف غير جائز في هذه السورة .
الاسم السادس : الكافية ، سميت بذلك لأنها تكفي عن غيرها ، وأما غيرها فلا يكفي عنها ، روى محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أم القرآن عوض عن غيرها ، وليس غيرها عوضاً عنها "
الاسم السابع : الأساس ، وفيه وجوه :
الأول : أنها أول سورة من القرآن ، فهي كالأساس .
الثاني : أنها مشتملة على أشرف المطالب كما بيناه ، وذلك هو الأساس .
الثالث : أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة ، وهذه السورة مشتملة على كل ما لا بدّ منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها .
الاسم الثامن : الشفاء ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(1/159)


« فاتحة الكتاب شفاء من كل سم » ومر بعض الصحابة برجل مصروع فقرأ هذه السورة في أذنه فبرىء فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « هي أم القرآن ، وهي شفاء من كل داء . » وأقول : الأمراض منها روحانية ، ومنها جسمانية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكفر مرضاً فقال تعالى : { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } [ البقرة : 10 ] وهذه السورة مشتملة على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات ، فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء في هذه المقامات الثلاثة .
الاسم التاسع : الصلاة ، قال عليه الصلاة والسلام : « يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد هذه السورة »
الاسم العاشر : السؤال ، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه قال : « من شغله ذكرى عن سؤالي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » وقد فعل الخليل عليه السلام ذلك حيث قال : { الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء : 78 ] إلى أن قال : { رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ الشعراء : 83 ] ففي هذه السورة أيضاً وقعت البداءة بالثناء عليه سبحانه وتعالى وهو قوله : { الحمد لله } إلى قوله { مالك يوم الدين } ثم ذكر العبودية وهو قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم } وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين ، وهو أيضاً يدل على أن جنة المعرفة خير من جنة النعيم لأنه تعالى ختم الكلام هنا على قوله { اهدنا } ولم يقل أرزقنا الجنة .
الاسم الحادي عشر : سورة الشكر ، وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإحسان .
الاسم الثاني عشر : سورة الدعاء ، لاشتمالها على قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } فهذا تمام الكلام في شرح هذه الأسماء ، والله أعلم .
الباب الثاني
في فضائل هذه السورة ، وفيه مسائل :
كيفية نزولها :
المسألة الأولى : ذكروا في كيفية نزول هذه السورة ثلاثة أقوال : الأول : أنها مكية ، روى الثعلبي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ، ثم قال الثعلبي : وعليه أكثر العلماء ، وروي أيضاً بإسناده عن عمرو بن شرحبيل أنه قال : أول ما نزل من القرآن { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى خديجة فقال : « لقد خشيت أن يكون خالطني شيء » ، فقالت : وما ذاك؟ قال : « إني إذا خلوت سمعت النداء بإقرأ » ، ثم ذهب إلى ورقة بن نوفل وسأله عن تلك الواقعة فقال له ورقة : إذا أتاك النداء فاثبت له ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : قل : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

(1/160)


« بسم الله الرحمن الرحيم » ، فقالت قريش : دق الله فاك .
والقول الثاني : أنها نزلت بالمدينة ، روى الثعلبي بإسناده عن مجاهد أنه قال : فاتحة الكتاب أنزلت بالمدينة قال الحسين بن الفضل : لكل عالم هفوة وهذه هفوة مجاهد ، لأن العلماء على خلافه ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن سورة الحجر مكية بالاتفاق ، ومنها قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني } [ الحجر : 87 ] وهي فاتحة الكتاب ، وهذا يدل على أنه تعالى آتاه هذه السورة فيما تقدم ، الثاني : أنه يبعد أن يقال إنه أقام بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب .
القول الثالث : قال بعض العلماء : هذه السورة نزلت بمكة مرة ، وبالمدينة مرة أخرى ، فهي مكية مدنية ، ولهذا السبب سماها الله بالمثاني؛ لأنه ثنى إنزالها ، وإنما كان كذلك مبالغة في تشريفها .
المسألة الثانية : في بيان فضلها ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فاتحة الكتاب شفاء من السم ، وعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبي من صبيانهم في المكتب { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة ، وعن الحسين قال : أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب من السماء فأودع علوم المائة في الأربعة ، وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ثم أودع علوم هذه الأربعة في الفرقان ، ثم أودع علوم الفرقان في المفصل ، ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة فمن علم تفسير الفاتحة كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة ، ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان .
قلت : والسبب فيه أن المقصود من جميع الكتب الإلهية علم الأصول والفروع والمكاشفات وقد بينا أن هذه السورة مشتملة على تمام الكلام في هذه العلوم الثلاثة ، فلما كانت هذه المطالب العالية الشريفة حاصلة فيها لا جرم كانت كالمشتملة على جميع المطالب الإلهية .
المسألة الثالثة : قالوا : هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف ، وهي الثاء ، والجيم والخاء ، والزاي ، والشين ، والظاء ، والفاء ، والسبب فيه أن هذه الحروف السبعة مشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الويل والثبور ، قال تعالى : { لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً } [ الفرقان : 14 ] والجيم أول حروف اسم جهنم ، قال تعالى : { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر : 43 ] وقال تعالى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } [ الأعراف : 179 ] وأسقط الخاء لأنه يشعر بالخزي قال تعالى : { يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } [ التحريم : 8 ] وقال تعالى : { إِنَّ الخزى اليوم والسوء عَلَى الكافرين } [ النحل : 27 ] وأسقط الزاي والشين لأنهما أول حروف الزفير والشهيق ، قال تعالى :

(1/161)


{ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } [ هود : 106 ] وأيضاً الزاي تدل على الزقوم ، قال تعالى : { إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم } [ الدخان : 43 ] والشين تدل على الشقاوة ، قال تعالى : { فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار } [ هود : 106 ] وأسقط الظاء لقوله : { انطلقوا إلى ظِلّ ذِى ثلاث شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللهب } [ المرسلات : 30 ، 31 ] وأيضاً يدل على لظى ، قال تعالى : { كَلاَّ إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً للشوى } [ المعارج : 15 ، 16 ] وأسقط الفاء؛ لأنه يدل على الفراق ، قال تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } [ الروم : 14 ] وأيضاً قال : { لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى } [ طه : 61 ] .
فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في شيء يوجب نوعاً من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة ، فنقول : الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْء مَّقْسُومٌ } [ الحجر : 44 ] والله تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة ، وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب ، تنبيهاً على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمناً من الدركات السبع في جهنم ، والله أعلم .
الباب الثالث
في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة ، وفيه مسائل :
أسرار الفاتحة :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { الحمد للَّهِ } فكأن سائلاً يقول : الحمد لله منبي عن أمرين : أحدهما : وجود الإله ، والثاني : كونه مستحقاً للحمد ، فما الدليل على وجود الإله وما الدليل على أنه مستحق الحمد؟ ولما توجه هذان السؤالان لا جرم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذين السؤالين ، فأجاب عن السؤال الأول بقوله : { رَبّ العالمين } وأجاب عن السؤال الثاني بقوله : { الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } أما تقرير الجواب الأول ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إن علمنا بوجود الشيء إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً ، لا جائز أن يقال العلم بوجود الإله ضروري ، لأنا نعلم بالضرورة أنا لا نعرف وجود الإله بالضرورة فبقي أن يكون العلم نظرياً ، والعلم النظري لا يمكن تحصيله إلا بالدليل ، ولا دليل على وجود الإله إلا أن هذا العالم المحسوس بما فيه من السموات والأرضين والجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان محتاج إلى مدبر يدبره وموجود يوجده ومرب يربيه ومبق يبقيه ، فكان قوله : { رَبّ العالمين } إشارة إلى الدليل الدال على وجود الإله القادر الحكيم .
ثم فيه لطائف : اللطيفة الأولى : أن العالمين إشارة إلى كل ما سوى الله فقوله : { رَبّ العالمين } إشارة إلى أن كل ما سواه فهو مفتقر إليه محتاج في وجوده إلى إيجاده ، وفي بقائه إلى إبقائه ، فكان هذا إشارة إلى أن كل جزء لا يتجزأ وكل جوهر فرد وكل واحد من آحاد الأعراض فهو برهان باهر ودليل قاطع على وجود الإله الحكيم القادر القديم ، كما قال تعالى :

(1/162)


{ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] .
اللطيفة الثانية : أنه تعالى لم يقل الحمد لله خالق العالمين ، بل قال : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى الموجد والمحدث حال حدوثها ، لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى محتاجة إلى المبقي أم لا؟ فقال قوم : الشيء حال بقائه يستغني عن السبب ، والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حاله حال بقائه ، فقوله : { رَبّ العالمين } تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها ، والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها أمر متفق عليه ، أما افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه الخلاف فخصه سبحانه بالذكر تنبيهاً على أن كل ما سوى الله فإنه لا يستغنى عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه .
اللطيفة الثالثة : أن هذه السورة مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن ، وأن يكون غيرها كالجداول المتشعبة منه ، فقوله : { رَبّ العالمين } تنبيه على أن كل موجود سواه فإنه دليل على إلهيته .
ثم إنه تعالى افتتح سوراً أربعة بعد هذه السورة بقوله : { الحمد للَّهِ } فأولها : سورة الأنعام وهو قوله : { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله : { رَبّ العالمين } لأن لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله ، والسموات والأرض والنور والظلمة قسم من أقسام ما سوى الله ، فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة ، وأيضاً فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق السموات والأرض؛ والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه رباً للعالمين ، وقد بينا أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه حال حدوثه إلى المحدث أولى ، أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه احتياجه إلى المبقي حال بقائه ، فثبت بهذين الوجهين أن المذكور في أول سورة الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة .
وثانيها : سورة الكهف ، وهو قوله : { الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف : 1 ] والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف ، فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب لحصول المكاشفات والمشاهدات ، فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط ، وقوله في أول سورة الفاتحة : { رَبّ العالمين } إشارة إلى التربية العامة في حق كل العالمين ، ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة في السموات والأرضين ، فكان المذكور في أول سورة الكهف نوعاً من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة .
وثالثها : سورة سبأ ، وهو قوله :

(1/163)


{ الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } [ سبأ : 1 ] فبين في أول سورة الأنعام أن السموات والأرض له ، وبين في أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السموات والأرض له ، وهذا أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } .
ورابعها : قوله : { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض } [ فاطر : 1 ] والمذكور في أول سورة الأنعام كونه خالقاً لها ، والخلق هو التقدير ، والمذكور في هذه السورة كونة فاطراً لها ومحدثاً لذواتها ، وهذا غير الأول إلا أنه أيضاً قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } .
ثم إنه تعالى لما ذكر في سورة الأنعام كونه خالقاً للسموات والأرض ذكر كونه جاعلاً للظلمات والنور ، أما في سورة الملائكة فلما ذكر كونه فاطر السموات والأرض ذكر كونه جاعلاً الملائكة رسلاً ، ففي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السموات والأرض جعل الأنوار والظلمات وذكر في سورة الملائكة بعد كونه فاطر السموات والأرض جعل الروحانيات ، وهذه أسرار عجيبة ولطائف عالية إلا أنها بأسرها تجري مجرى الأنواع الداخلة تحت البحر الأعظم المذكور في قوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } فهذا هو التنبيه على أن قوله : { رَبّ العالمين } يجري مجرى ذكر الدليل على وجود الإله القديم .
المسألة الثانية : أن هذه الكلمة كما دلت على وجود الإله فهي أيضاً مشتملة على الدلالة على كونه متعالياً في ذاته عن المكان والحيز والجهة ، لأنا بينا أن لفظ العالمين يتناول كل موجود سوى الله ومن جملة ما سوى الله المكان والزمان ، فالمكان عبارة عن الفضاء والحيز والفراغ الممتد ، والزمان عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية ، فقوله : { رَبّ العالمين } يدل على كونه رباً للمكان والزمان وخالقًا لهما وموجداً لهما ، ثم من المعلوم أن الخالق لا بدّ وأن يكون سابقاً وجوده على وجود المخلوق ، ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ والحيز ، متعالية عن الجهة والحيز ، فلو حصلت ذاته بعد حصول الفضاء في جزء من أجزاء الفضاء لانقلبت حقيقة ذاته ، وذلك محال ، فقوله : { رَبّ العالمين } يدل على تنزيه ذاته عن المكان والجهة بهذا الاعتبار .
المسألة الثالثة : هذه اللفظة تدل على أن ذاته منزهة عن الحلول في المحل كما تقول النصارى والحلولية؛ لأنه لما كان رباً للعالمين كان خالقاً لكل ما سواه ، والخالق سابق على المخلوق ، فكانت ذاته موجودة قبل كل محل ، فكانت ذاته غنية عن كل محل ، فبعد وجود المحل امتنع احتياجه إلى المحل .
المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن إله العالم ليس موجباً بالذات ، بل هو فاعل مختار والدليل على أن الموجب بالذات لا يستحق على شيء من أفعاله الحمد والثناء والتعظيم ، ألا ترى أن الإنسان إذا انتفع بسخونة النار أو ببرودة الجمد فإنه لا يحمد النار ولا الجمد لما أن تأثير النار في التسخين وتأثير الجمد في التبريد ليس بالقدرة والاختيار بل بالطبع ، فلما حكم بكونه مستحقاً للحمد والثناء ثبت أنه فاعل بالاختيار ، وإنما عرفنا كونه فاعلاً مختاراً؛ لأنه لو كان موجباً لدامت الآثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ، ولامتنع وقوع التغير فيها ، وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر بالاختيار لا موجب بالذات ، ولما كان الأمر كذلك لا جرم ثبت كونه مستحقاً للحمد .

(1/164)


المسألة الخامسة : لما خلق الله العالم مطابقاً لمصالح العباد موافقاً لمنافعهم كان الإحكام والإتقان ظاهرين في العالم الأعلى والعالم الأسفل ، وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالماً فثبت بما ذكرنا أن قوله : { الحمد للَّهِ } يدل على وجود الإله ويدل على كونه منزهاً عن الحيز والمكان ، ويدل على كونه منزهاً عن الحلول في المحل ، ويدل على كونه في نهاية القدرة ويدل على كونه في نهاية العلم ويدل على كونه في نهاية الحكمة .
وأما السؤال الثاني وهو قوله : هب أنه ثبت القول بوجود الإله القادر فلم قلتم إنه يستحق الحمد والثناء؟ والجواب هو قوله : { الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } وتقرير هذا الجواب أن العبد لا يخلو حاله في الدنيا عن أمرين : إما أن يكون في السلامة والسعادة ، وإما أن يكون في الألم والفقر والمكاره ، فإن كان في السلامة والكرامة فأسباب تلك السلامة وتلك الكرامة لم تحصل إلا بخلق الله وتكوينه وإيجاده ، فكان رحماناً رحيماً ، وإن كان في المكاره والآفات ، فتلك المكاره والآفات إما أن تكون من العباد ، أو من الله ، فإن كانت من العباد فالله سبحانه وتعالى وعد بأنه ينتصف للمظلومين من الظالمين في يوم الدين ، وإن كانت من الله فالله تعالى وعد بالثواب الجزيل والفضل الكثير على كل ما أنزله بعباده في الدنيا من المكروهات والمخافات ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لا بدّ وأن يكون مستحقاً للحمد الذي لا نهاية له ، والثناء الذي لا غاية له فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن قوله : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين } مرتب ترتيباً لا يمكن في العقل وجود كلام أكمل وأفضل منه .
واعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الصفات المعتبرة في الربوبية أردفه بالكلام المعتبر في العبودية ، واعلم أن الإنسان مركب من جسد ، ومن روح ، والمقصود من الجسد أن يكون آلة للروح في اكتساب الأشياء النافعة للروح فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتياً بأعمال تعين الروح على اكتساب السعادات الروحانية الباقية ، وتلك الأعمال هي أن يكون الجسد آتياً بأعمال تدل على تعظيم المعبود وخدمته ، وتلك الأعمال هي العبادة ، فأحسن أحوال العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظباً على العبادات ، وهذه أول درجات سعادة الإنسان ، وهو المراد بقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } فإذا واظب على هذه الدرجة مدة فعند هذا يظهر له شيء من أنوار عالم الغيب ، وهو أنه وحده لا يستقل بالإتيان بهذه العبادات والطاعات بل ما لم يحصل له توفيق الله تعالى وإعانته وعصمته فإنه لا يمكنه الإتيان بشيء من العبادات والطاعات ، وهذا المقام هو الدرجة الوسطى في الكمالات ، وهو المراد من قوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ثم إذا تجاوز عن هذا المقام لاح له أن الهداية لا تحصل إلا من الله ، وأنوار المكاشفات والتجلي لا تحصل إلا بهداية الله وهو المراد من قوله : { اهدنا الصراط المستقيم } وفيه لطائف :

(1/165)


اللطيفة الأولى : أن المنهج الحق في الاعتقادات وفي الأعمال هو الصراط المستقيم ، أما في الاعتقادات فبيانه من وجوه : الأول : أن من توغل في التنزيه وقع في التعطيل ونفي الصفات ، ومن توغل في الإثبات وقع في التشبيه وإثبات الجسمية والمكان ، فهما طرفان معوجان ، والصراط المستقيم الإقرار الخالي عن التشبيه والتعطيل ، والثاني : أن من قال فعل العبد كله منه فقد وقع في القدر ، ومن قال لا فعل للعبد فقد وقع في الجبر وهما طرفان معوجان ، والصراط المستقيم إثبات الفعل للعبد مع الإقرار بأن الكل بقضاء الله ، وأما في الأعمال فنقول : من بالغ في الأعمال الشهوانية وقع في الفجور ، ومن بالغ في تركها وقع في الجمود ، والصراط المستقيم هو الوسط ، وهو العفة ، وأيضاً من بالغ في الأعمال الغضبية وقع في التهور ، ومن بالغ في تركها وقع في الجبن ، والصراط المستقيم هو الوسط ، وهو الشجاعة .
اللطيفة الثانية : أن ذلك الصراط المستقيم وصفه بصفتين أولاهما إيجابية ، والأخرى سلبية أما الإيجابية فكون ذلك الصراط صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وأما السلبية فهي أن تكون بخلاف صراط الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات حتى استوجبوا غضب الله عليهم ، وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم النظرية حتى ضلوا عن العقائد الحقية والمعارف اليقينية .
اللطيفة الثالثة : قال بعضهم : إنه لما قال : { اهدنا الصراط المستقيم } لم يقتصر عليه ، بل قال : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل ، وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق ، وعقولهم غير وافية بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط ، فلا بدّ من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل ذلك الكامل؛ فحينئذٍ يصل إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات .
وقد ظهر بما ذكرنا أن هذه السورة وافية ببيان ما يجب معرفته من عهد الربوبية وعهد العبودية المذكورين في قوله تعالى :

(1/166)


{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة : 40 ] .
المسألة الثانية : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة :
اعلم أن أحوال هذا العالم ممزوجة بالخير والشر ، والمحبوب والمكروه ، وهذه المعاني ظاهرة لا شك فيها ، إلا أنا نقول : الشر وإن كان كثيراً إلا أن الخير أكثر ، والمرض وإن كان كثيراً إلا أن الصحة أكثر منه والجوع وإن كان كثيراً إلا أن الشبع أكثر منه ، وإذا كان الأمر كذلك فكل عاقل اعتبر أحوال نفسه فإنه يجدها دائماً في التغيرات والانتقال من حال إلى حال ، ثم إنه يجد الغالب في تلك التغيرات هو السلامة والكرامة والراحة والبهجة ، أما الأحوال المكروهة فهي وإن كانت كثيرة إلا أنها أقل من أحوال اللذة والبهجة والراحة ، إذا عرفت هذا فنقول أن تلك التغيرات لأجل أنها تقتضي حدوث أمر بعد عدمه تدل على وجود الإله القادر ، ولأجل أن الغالب فيها الراحة والخير تدل على أن ذلك الإله رحيم محسن كريم ، أما دلالة التغيرات على وجود الإله فلأن الفطرة السليمة تشهد بأن كل شيء وجد بعد العدم فإنه لا بدّ له من سبب ، ولذلك فإنا إذا سمعنا أن بيتاً حدث بعد أن لم يكن فإن صريح العقل شاهد بأنه لا بدّ له من فاعل تولى بناء ذلك البيت ، ولو أن إنساناً شككنا فيه لم نتشكك ، فإنه لا بدّ وأن يكون فاعل تلك الأحوال المتغيرة قادراً ، إذ لو كان موجباً بالذات لدام الأثر بدوامه ، فحدوث الأثر بعد عدمه يدل على وجود مؤثر قادر ، وأما دلالة تلك التغيرات على كون المؤثر رحيماً محسناً؛ فلأنا بينا أن الغالب في تلك التغيرات هو الراحة و الخير والبهجة والسلامة ، ومن كان غالب أفعاله راحة وخيراً وكرامة وسلامة كان رحيماً محسناً ، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد ، ولما كانت هذه الأحوال معلومة لكل أحد وحاضرة في عقل كل أحد عاقل كان موجب حمد الله وثنائه حاضراً في عقل كل أحد؛ فلهذا السبب علمهم كيفية الحمد فقال : { الحمد للَّهِ } ولما نبه على هذا المقام نبه على مقام آخر أعلى وأعظم من الأول ، وكأنه قيل : لا ينبغي أن تعتقد أن الإله الذي اشتغلت بحمده هو إلهك فقط ، بل هو إله كل العالمين ، وذلك لأنك إنما حكمت بافتقار نفسك إلى الإله لما حصل فيك من الفقر والحاجة والحدوث والإمكان وهذه المعاني قائمة في كل العالمين ، فإنها محل الحركات والسكنات وأنواع التغيرات ، فتكون علة احتياجك إلى الإله المدبر قائمة فيها ، وإذا حصل الاشتراك في العلة وجب أن يحصل الاشتراك في المعلول ، فهذا يقتضي كونه ربًا للعالمين ، وإلهًا للسموات والأرضين ، ومدبراً لكل الخلائق أجمعين ، ولما تقرر هذا المعنى ظهر أن الموجود الذي يقدر على خلق هذه العوالم على عظمتها ويقدر على خلق العرش والكرسي والسموات والكواكب لا بدّ وأن يكون قادراً على إهلاكها ، ولا بدّ وأن يكون غنياً عنها ، فهذا القادر القاهر الغني يكون في غاية العظمة والجلال ، وحينئذٍ يقع في قلب العبد أني مع نهاية ذلتي وحقارتي كيف يمكنني أن أتقرب إليه ، وبأي طريق أتوسل إليه ، فعند هذا ذكر اللّه ما يجري مجرى العلاج الموافق لهذا المرض ، فكأنه قال : أيها العبد الضعيف ، أنا وإن كنت عظيم القدرة والهيبة والإلهية إلا أني مع ذلك عظيم الرحمة ، فأنا الرحمن الرحيم وأنا مالك يوم الدين ، فما دمت في هذه الحياة الدنيا لا أخليك عن أقسام رحمتي وأنواع نعمتي وإذا مت فأنا مالك يوم الدين ، لا أضيع عملاً من أعمالك ، فإن أتيتني بالخير قابلت الخير الواحد بما لا نهاية له من الخيرات ، وإن أتيتني بالمعصية قابلتها بالصفح والإحسان والمغفرة .

(1/167)


ثم لما قرر أمر الربوبية بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء : أولها : مقام الشريعة ، وهو أن يواظب على الأعمال الظاهرة ، وهو قوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وثانيها : مقام الطريقة ، وهو أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، فيرى عالم الشهادة كالمسخر لعالم الغيب ، فيعلم أنه لا يتيسر له شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد يصل إليه من عالم الغيب ، وهو قوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وثالثها : أنه يشاهد عالم الشهادة معزولاً بالكلية ، ويكون الأمر كله لله ، وحينئذٍ يقول : { اهدنا الصراط المستقيم } .
ثم إن ههنا دقيقة ، وهي أن الروح الواحد يكون أضعف قوة من الأرواح الكثيرة المجتمعة على تحصيل مطلوب واحد ، فحينئذٍ علم العبد أن روحه وحده لا يكفي في طلب هذا المقصود ، فعند هذا أدخل روحه في زمرة الأرواح المقدسة المطهرة المتوجهة إلى طلب المكاشفات الروحانية والأنوار الربانية ، حتى إذا اتصل بها وانخرط في سلكها صار الطلب أقوى والاستعداد أتم ، فحينئذٍ يفوز في تلك الجمعية بما لا يقدر على الفوز به حال الوحدة ، فلهذا قال : { صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } .
ثم لما بين أن الاتصال بالأرواح المطهرة يوجب مزيد القوة والاستعداد؛ بين أيضاً أن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب الخيبة والخسران والخذلان والحرمان ، فلهذا قال : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } وهم الفساق { وَلاَ الضالين } وهم الكفار .
ولما تمت هذه الدرجات الثلاث وكملت هذه المقامات الثلاثة أعني الشريعة المدلول عليها بقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، والطريقة المدلول عليها بقوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، والحقيقة المدلول عليها بقوله : { اهدنا الصراط المستقيم } ثم لما حصل الاستسعاد بالاتصال بأرباب الصفاء والاستكمال بسبب المباعدة عن أرباب الجفاء والشقاء ، فعند هذا كملت المعارج البشرية والكمالات الإنسانية .
المسألة الثالثة : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة ، اعلم أن الإنسان خلق محتاجاً إلى جر الخيرات واللذات ، ودفع المكروهات والمخافات ، ثم إن هذا العالم عالم الأسباب فلا يمكنه تحصيل الخيرات واللذات إلا بواسطة أسباب معينة ، ولا يمكنه دفع الآفات والمخافات إلا بواسطة أسباب معينة ، ولما كان جلب النفع ودفع الضرر محبوباً بالذات ، وكان استقراء أحوال هذا العالم يدل على أنه لا يمكن تحصيل الخير ولا دفع الشر إلا بتلك الأسباب المعينة ، ثم تقرر في العقول أن ما لا يمكن الوصول إلى المحبوب إلا بواسطته فهو محبوب صار هذا المعنى سبباً لوقوع الحب الشديد لهذه الأسباب الظاهرة ، وإذا علم أنه لا يمكنه الوصول إلى الخيرات واللذات إلا بواسطة خدمة الأمير والوزير والأعوان والأنصار بقي الإنسان متعلق القلب بهذه الأشياء ، شديد الحب لها ، عظيم الميل والرغبة إليها ، ثم قد ثبت في العلوم الحكمية أن كثرة الأفعال سبب لحدوث الملكات الراسخة وثبت أيضاً أن حب التشبه غالب على طباع الخلق . أما الأول فكل من واظب على صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف مدة مديدة صارت تلك الحرفة والصناعة ملكة راسخة قوية وكلما كانت المواظبة عليها أكثر كانت الملكة أقوى وأرسخ . وأما الثاني فهو أن الإنسان إذا جالس الفساق مال طبعه إلى الفسق ، وما ذاك إلا لأن الأرواح جبلت على حب المحاكاة وإذا عرفت هذا فنقول : إنا بينا أن استقراء حال الدنيا يوجب تعلق القلب بهذه الأسباب الظاهرة التي بها يمكن التوسل إلى جر المنافع ودفع المضار ، وبينا أنه كلما كانت مواظبة الإنسان عليها أكثر كان استحكام هذا الميل والطلب في قلبه أقوى وأثبت ، وأيضاً فأكثر أهل الدنيا موصوفون بهذه الصفة مواظبون على هذه الحالة . وبينا أن النفوس مجبولة على حب المحاكاة وذلك أيضاً يوجب استحكام هذه الحالة . فقد ظهر بالبينات التي ذكرناها أن الأسباب الموجبة لحب الدنيا والمرغبة في التعلق بأسبابها كثيرة قوية شديدة جدًا ثم نقول : إنه إذا اتفق للإنسان هداية إلهية تهديه إلى سواء السبيل وقع في قلبه أن يتأمل في هذه الأسباب تأملاً شافياً وافياً فيقول : هذا الأمير المستولي على هذا العالم استولى على الدنيا بفرط قوته وكمال حكمته أم لا؟ الأول باطل ، لأن ذلك الأمير ربما كان أكثر الناس عجزاً ، وأقلهم عقلاً ، فعند هذا ، يظهر له أن تلك الأمارة والرياسة ما حصلت له بقوته ، وما هيئت له بسبب حكمته ، وإنما حصلت تلك الأمارة والرياسة لأجل قسمة قسام وقضاء حكيم علام لا دافع لحكمه ولا مرد لقضائه ، ثم ينضم إلى هذا النوع من الاعتبار أنواع أخرى من الاعتبارات تعاضدها وتقويها ، فعند حصول هذه المكاشفة ينقطع قلبه عن الأسباب الظاهرة ، وينتقل منها إلى الرجوع في كل المهمات والمطلوبات إلى مسبب الأسباب ومفتح الأبواب ، ثم إذا توالت هذه الاعتبارات وتواترت هذه المكاشفات صار الإنسان بحيث كلما وصل إليه نفع وخير قال هو النافع وكلما وصل إليه شر ومكروه قال : هو الضار ، وعند هذا لا يحمد أحداً عى فعل إلا الله ، ولا يتوجه قلبه في طلب أمر من الأمور إلا إلى الله ، فيصير الحمد كله لله والثناء كله لله ، فعند هذا يقول العبد { الحمد للَّهِ } .

(1/168)


واعلم أن الإستقراء المذكور يدل العبد على أن أحوال هذا العالم لا تنتظم إلا بتقدير الله ، ثم يترقى من العالم الصغير إلى العالم الكبير فيعلم أنه لا تنتظم حالة من أحوال العالم الأكبر إلا بتقدير الله ، وذلك هو قوله : { رَبّ العالمين } ثم إن العبد يتأمل في أحوال العالم الأعلى فيشاهد أن أحوال العالمين منظومة على الوصف الأتقن والترتيب الأقوم والكمال الأعلى والمنهج الأسنى فيرى الذرات ناطقة بالإقرار بكمال رحمته وفضله وإحسانه فعند ذلك يقول : { الرحمن الرحيم } فعند هذا يظهر للعبد أن جميع مصالحه في الدنيا إنما تهيأت برحمة الله وفضله وإحسانه ، ثم يبقى العبد متعلق القلب بسبب أنه كيف يكون حاله بعد الموت فكأنه يقال : { مالك يَوْمِ الدين } ليس إلا الذي عرفته بأنه هو الرحمن الرحيم ، فحينئذٍ ينشرح صدر العبد وينفسح قلبه ويعلم أن المتكفل بإصلاح مهماته في الدنيا والآخرة ليس إلا الله ، وحينئذٍ ينقطع التفاته عما سوى الله ولا يبقى متعلق القلب بغير الله ، ثم إن العبد حين كان متعلق القلب بالأمير والوزير كان مشغولاً بخدمتهما ، وبعد الفراغ من تلك الخدمة كان يستعين في تحصيل المهمات بهما وكان يطلب الخير منهما ، فعند زوال ذلك التعلق يعلم أنه لما كان مشتغلاً بخدمة الأمير والوزير فلأن يشتغل بخدمة المعبود كان أولى ، فعند هذا يقول : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، والمعنى إني كنت قبل هذا أعبد غيرك ، وأما الآن فلا أعبد أحداً سواك ، ولما كان يستعين في تحصيل المهمات بالأمير والوزير فلأن يستعين بالمعبود الحق في تحصيل المرادات كان أولى ، فيقول : وإياك نستعين والمعنى : إني كنت قبل هذا أستعين بغيرك وأما الآن فلا أستعين بأحد سواك ، ولما كان يطلب المال والجاه اللذين هما على شفا حفرة الانقراض والانقضاء من الأمير والوزير فلأن يطلب الهداية والمعرفة من رب السماء والأرض أولى ، فيقول : { اهدنا الصراط المستقيم } ، ثم إن أهل الدنيا فريقان : أحدهما : الذين لا يعبدون أحداً إلا الله ولا يستعينون إلا بالله ولا يطلبون الأغراض والمقاصد إلا من الله ، والفرقة الثانية ، الذين يخدمون الخلق ويستعينوا بهم ويطلبون الخير منهم ، فلا جرم العبد يقول : إلهي اجعلني في زمرة الفرقة الأولى ، وهم الذين أنعمت عليهم بهذه الأنوار الربانية والجلايا النورانية ، ولا تجعلني في زمرة الفرقة الثانية وهم المغضوب عليهم والضالون ، فإن متابعة هذه الفرقة لا تفيد إلا الخسار والهلاك كما قال إبراهيم عليه السلام : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً؟ والله أعلم .

(1/169)


الباب الرابع
في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة
فقه الفاتحة :
المسألة الأولى : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبة في الصلاة ، وعن الأصم والحسن بن صالح أنها لا تجب .
لنا أن كل دليل نذكره في بيان أن قراءة الفاتحة واجبة فهو يدل على أن أصل القراءة واجب وتزيد ههنا وجوهًا :
الأول : قوله تعالى : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر } [ الإسراء : 78 ] والمراد بالقرآن القراءة ، والتقدير : أقم قراءة الفجر ، وظاهر الأمر للوجوب .
الثاني : عن أبي الدرداء أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفي الصلاة قراءة فقال : " نعم " فقال السائل : وجبت ، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل على قوله وجبت .
الثالث : عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أيقرأ في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " أتكون صلاة بغير قراءة ، " وهذان الخبران نقلتهما من «تعليق الشيخ أبي حامد الإسفرايني» .
حجة الأصم قوله عليه الصلاة والسلام : " صلوا كما رأيتموني أصلي " جعل الصلاة من الأشياء المرئية ، والقراءة ليست بمرئية ، فوجب كونها خارجة عن الصلاة ، والجواب أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم .
المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة ، فإن ترك منها حرفاً واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته ، وبه قال الأكثرون ، وقال أبو حنيفة لا تجب قراءة الفاتحة .
لنا وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة في الصلاة فوجب أن يجب علينا ذلك ، لقوله تعالى : { واتبعوه } ولقوله : { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } [ النور : 63 ] ولقوله تعالى : { فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله } [ آل عمران : 31 ] ويا للعجب من أبي حنيفة أنه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر واحد ، وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه ، في أنه عليه الصلاة والسلام مسح على الناصية ، فجعل ذلك القدر من المسح شرطاً لصحة الصلاة ، وههنا نقل أهل العلم نقلاً متواتراً أنه عليه الصلاة والسلام واظب طول عمره على قراءة الفاتحة ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها ، وهذا من العجائب .
الحجة الثانية : قوله تعالى : { وأَقِيمُواْ الصلاة } والصلاة لفظة مفردة محلاة بالألف واللام فيكون المراد منها المعهود السابق ، وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلا الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها : وإذا كان كذلك كان قوله : «أقيموا الصلاة» جارياً مجرى قوله : «أقيموا الصلاة التي كان يأتي بها الرسول ، والتي أتى بها الرسول عليه الصلاة والسلام هي الصلاة المشتملة على الفاتحة ، فيكون قوله : { أقيمواالصلاة } أمراً بقراءة الفاتحة وظاهر الأمر الوجوب ، ثم إن هذه اللفظة تكررت في القرآن أكثر من مائة مرة فكان ذلك دليلاً قاطعاً على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة .

(1/170)


الحجة الثالثة : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها طول عمرهم ، ويدل عليه أيضاً ما روى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وإذا ثبت هذا وجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي » ولقوله عليه الصلاة والسلام : « اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » والعجب من أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تمسك في مسألة طلاق الفار بأثر عثمان مع أن عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير كانا يخالفانه ونص القرآن أيضاً يوجب عدم الإرث ، فلم لم يتمسك بعمل كل الصحابة على سبيل الأطباق والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة مع أن هذا القول على وفق القرآن والأخبار والمعقول؟ .
الحجة الرابعة : أن الأمة وإن اختلفت في أنه هل تجب قراءة الفاتحة أم لا لكنهم اتفقوا عليه في العمل ، فإنك لا ترى أحداً من المسلمين في المشرق والمغرب إلا ويقرأ الفاتحة في الصلاة ، إذا ثبت هذا فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركاً سبيل المؤمنين فيدخل تحت قوله : { وَمَن يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } [ النساء : 115 ] فإن قالوا إن الذين اعتقدوا أنه لا يجب قراءتها قرءوها لا على اعتقاد الوجوب ، بل على اعتقاد الندبية فلم يحصل الإجماع على وجوب قراءتها ، فنقول : أعمال الجوارح غير أعمال القلوب ، ونحن قد بينا إطباق الكل على الإتيان بالقراءة ، فمن لم يأتِ بالقراءة كان تاركاً طريقة المؤمنين في هذا العمل ، فدخل تحت الوعيد ، وهذا القدر يكفينا في الدليل ، ولا حاجة بنا في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء الإجماع في اعتقاد الوجوب .
الحجة الخامسة : الحديث المشهور ، وهو أنه سبحانه وتعالى قال : « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى : حمدني عبدي ، إلى آخر الحديث ، وجه الاستدلال أنه تعالى حكم على كل صلاة بكونها بينه وبين العبد نصفين ثم بين أن هذا التنصيف لم يحصل إلا بسبب آيات هذه السورة ، فنقول : الصلاة لا تنفك عن هذا التنصيف ، وهذا التنصيف لا يحصل إلا بسبب هذه السورة ، ولازم اللازم لازم ، فوجب كون هذه السورة من لوازم الصلاة ، وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة .

(1/171)


الحجة السادسة : قوله عليه الصلاة والسلام : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " قالوا : حرف النفي دخل على الصلاة ، وذلك غير ممكن ، فلا بدّ من صرفه إلى حكم من أحكام الصلاة ، وليس صرفه إلى الصحة أولى من صرفه إلى الكمال ، والجواب من وجوه : الأول : أنه جاء في بعض الروايات : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ، وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على الصلاة وإنما دخل على حصولها للرجل ، وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها ، وخروجه عن عهدة للتكليف بسببها ، وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء النفي على ظاهره ، الثاني : من اعتقد أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة فعند عدم قراءة الفاتحة لا توجد ماهية الصلاة لأن الماهية يمتنع حصولها حال عدم بعض أجزائها ، وإذا ثبت هذا فقولهم إنه لا يمكن إدخال حرف النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزأ من الصلاة ، وهذا هو أول المسألة ، فثبت أن على قولنا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره . الثالث : هب أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره ، إلا أنهم أجمعوا على أنه متى تعذر العمل بالحقيقة وحصل للحقيقة مجازان : أحدهما : أقرب إلى الحقيقة . والثاني : أبعد فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب ، إذا ثبت هذا فنقول : المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون صحيحاً أتم من المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي يكون صحيحاً لكنه لا يكون كاملاً ، فكان حمل اللفظ على نفي الصحة أولى . الوجه الرابع : أن الحمل على نفي الصحة أولى لوجوه : أحدها : أن الأصل إبقاء ما كان على ما كان ، والثاني : أن جانب الحرمة راجح ، والثالث : أن هذا أحوط .
الحجة السابعة : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، غير تمام ، " قالوا : الخداج هو النقصان ، وذلك لا يدل على عدم الجواز ، قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز؛ لأن التكليف بالصلاة قائم ، والأصل في الثابت البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بالصلاة على صفة الكمال ، فعند الإتيان بها على سبيل النقصان وجب أن لا نخرج عن العهدة ، والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح ، قال : لأن الواجب عليه هو الصوم الكامل ، والصوم في هذا اليوم ناقص ، فوجب أن لا يفيد هذا القضاء الخروج عن العهدة ، وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام في هذا المقام .
الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في «تعليقه» عن ابن المنذر أنه روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(1/172)


" لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " . والحجة التاسعة : روى رفاعة بن مالك أن رجلاً دخل المسجد وصلى ، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل : علمني الصلاة يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : " إذا توجهت إلى القبلة فكبر ، واقرأ بفاتحة الكتاب " وجه الدليل أن هذا أمر ، والأمر للوجوب ، وأيضاً الرجل قال : علمني الصلاة ، فكل ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم وجب أن يكون من الصلاة ، فلما ذكر قراءة الفاتحة وجب أن تكون قراءة الفاتحة جزءاً من أجزاء الصلاة .
الحجة العاشرة : روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " ألا أخبركم بسورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها» ، قالوا : نعم ، قال : «فما تقرؤن في صلاتكم؟» قالوا : الحمد لله رب العالمين ، فقال : «هي هي» ، " وجه الدليل أنه عليه الصلاة والسلام لما قال : ما تقرؤن في صلاتكم فقالوا : الحمد لله ، وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عند الصحابة أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة ، فكان هذا إجماعاً معلوماً عندهم .
الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وجه الدليل أن قوله «فاقرؤا» أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة ، فنقول : المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة أو غير الفاتحة ، أو المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول : يقتضي أن تكون الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب ، والثاني : يقتضي أن تكون قراءة غير الفاتحة واجبة علينا ، وهو باطل بالإجماع ، والثالث : يقتضي أن يكون المكلف مخيراً بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها ، وذلك باطل بالإجماع ، لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها ، وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص ، والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز .
واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل ، وأما سائر السور فقد تكون محفوظة وقد لا تكون ، وحينئذٍ لا تكون متيسرة للكل .
الحجة الثانية عشرة : الأمر بالصلاة كان ثابتاً ، والأصل في الثابت البقاء ، خالفنا هذا الأصل عند الإتيان بها للصلاة المشتملة على قراءة الفاتحة ، لأن الأخبار دالة على أن سورة الفاتحة أفضل من سائر السور ، ولأن المسلمين أطبقوا على أن الصلاة مع قراءة هذه السورة أكمل من الصلاة الخالية عن قراءة هذه السورة ، فعند عدم قراءة هذه السورة وجب البقاء على الأصل .
الحجة الثالثة عشرة : قراءة الفاتحة توجب الخروج عن العهدة باليقين ، فكانت أحوط فوجب القول بوجوبها للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام :

(1/173)


« دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ، وأما المعقول فهو أنه يفيد دفع ضرر الخوف عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس واجب؛ فإن قالوا : فلو اعتقدنا الوجوب لاحتمل كوننا مخطئين فيه ، فيبقى الخوف ، قلت : اعتقاد الوجوب يورث الخوف المحتمل ، واعتقاد عدم الوجوب يورثه أيضاً فيتقابل هذان الضرران ، وأما في العمل فإن القراءة لا توجب الخوف ، أما تركه فيفيد الخوف ، فثبت أن الأحوط هو العمل .
الحجة الرابعة عشرة : لو كانت الصلاة بغير الفاتحة جائزة وكانت الصلاة بالفاتحة جائزة لما كانت الصلاة بالفاتحة أولى؛ لأن المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز ، لكنهم أجمعوا على أن الصلاة بهذه السورة أولى ، فثبت أن الصلاة بغير هذه السورة غير جائزة .
الحجة الخامسة عشرة : أجمعنا على أنه لا يجوز إبدال الركوع والسجود بغيرهما ، فوجب أن لا يجوز إبدال قراءة الفاتحة بغيرها ، والجامع رعاية الاحتياط .
الحجة السادسة عشرة : الأصل بقاء التكليف ، فالقول بأن الصلاة بدون قراءة الفاتحة تقتضي الخروج عن العهدة ، أما أن يعرف بالنص أو القياس ، أما الأول فباطل ، لأن النص الذي يتمسكون به هو قوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وقد بينا أنه دليلنا ، وأما القياس فباطل ، لأن التعبدات غالبة على الصلاة ، وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس .
الحجة السابعة عشرة : لما ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام واظب على القراءة طول عمره فحينئذٍ تكون قراءة غير الفاتحة ابتداعاً وتركاً للاتباع وذلك حرام لقوله عليه الصلاة والسلام : « اتبعوا ولا تبتدعوا » ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : « وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها » . الحجة الثامنة عشرة : الصلاة مع الفاتحة وبدون الفاتحة إما أن يتساويا في الفضيلة أو الصلاة مع الفاتحة أفضل ، والأول باطل بالإجماع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام واظب على الصلاة بالفاتحة ، فتعين الثاني ، فنقول : الصلاة بدون الفاتحة توجب فوات الفضيلة الزائدة من غير جابر فوجب أن لا يجوز المصير إليه ، لأنه قبيح في العرف فيكون قبيحاً في الشرع .
واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر أما القرآن فقوله تعالى : { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] وأما الخبر فما روى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج ، وأنادي : « لا صلاة إلا بقراءة ، ولو بفاتحة الكتاب » . والجواب عن الأول : أنا بينا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا ، وذلك لأن قوله { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } [ المزمل : 20 ] أمر ، والأمر للوجوب ، فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة فنقول : المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة ، أو غير الفاتحة أو المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها ، والأول : يقتضي أن يكون الفاتحة بعينها واجبة ، وهو المطلوب ، والثاني : يقتضي أن يكون قراءة غير الفاتحة واجبة بعينها ، وهو باطل بالإجماع والثالث : يقتضي أن يكون المكلف مخيراً بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها ، وذلك باطل بالإجماع؛ لأن الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها ، وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز .

(1/174)