صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مفاتيح الغيب
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قلت : وههنا مسائل كثيرة متعلقة بالباء .
( أ ) قال أبو حنيفة : الثمن إنما يتميز عن المثمن بدخول حرف الباء عليه ، فإذا قال : بعت كذا بكذا ، فالذي دخل عليه الباء هو الثمن فقط ، وعلى هذا الفرق بنى مسألة البيع الفاسد فإنه قال : إذا قال : بعت هذا الكرباس بمن من الخمر صح البيع وانعقد فاسداً ، وإذا قال بعت هذا الخمر بهذا الكرباس لم يصح ، والفرق أن في الصورة الأولى الخمر ثمن ، وفي الصورة الثانية الخمر مثمن ، وجعل الخمر ثمناً جائز أما جعله مثمناً فإنه لا يجوز .
( ب ) قال الشافعي : إذا قال بعت منك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ذلك الدرهم ، وعند أبي حنيفة لا يتعين .
( ج ) قال الله تعالى : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } [ التوبة : 111 ] فجعل الجنة ثمناً للنفس والمال .
ومن أصول الفقه مسائل : ( أ ) الباء تدل على السببية قال الله تعالى : { ذلك بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله } [ الأنفال : 13 ] ههنا الباء دلت على السببية ، وقيل : إنه لا يصح لأنه لا يجوز إدخال لفظ الباء على السبب فيقال ثبت هذا الحكم بهذا السبب .
( ب ) إذا قلنا الباء تفيد السببية فما الفرق بين باء السببية وبين لام السببية ، لا بدّ من بيانه .
( ج ) الباء في قوله : «سبحانك اللهم وبحمدك» لا بدّ من البحث عنه فإنه لا يدري أن هذه الباء بماذا تتعلق ، وكذلك البحث عن قوله : { وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ } [ البقرة : 30 ] فإنه يجب البحث عن هذه الباء .
( د ) قيل : كل العلوم مندرج في الكتب الأربعة ، وعلومها في القران ، وعلوم القرآن في الفاتحة ، وعلوم الفاتحة في ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وعلومها في الباء من بسم الله ( قلت ) لأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب ، وهذا الباء باء الإلصاق فهو يلصق العبد بالرب ، فهو كمال المقصود .
النوع الثالث من مباحث هذه الباب ، مباحث حروف الجر .

(1/89)


فإن هذه الكلمة اشتملت على نوعين منها : أحدهما : الباء؛ وثانيهما : لفظ «من» فنقول : في لفظ «من» مباحث :
( أ ) أنك تقول : «أخذت المال من ابنك» فتكسر النون ثم تقول : «أخذت المال من الرجل» فتفتح النون ، فههنا اختلف آخر هذه الكلمة ، وإذا اختلفت الأحوال دلت على اختصاص كل حالة بهذه الحركة ، فههنا اختلف آخر هذه الكلمة باختلاف العوامل ، فإنه لا معنى للعامل إلا الأمر الدال على استحقاق هذه الحركات ، فوجب كون هذه الكلمة معربة .
( ب ) كلمة«من» وردت على وجوه أربعة : إبتداء الغاية ، والتبعيض ، والتبيين ، والزيادة .
( ج ) قال المبرد : الأصل هو ابتداء الغاية ، والبواقي مفرعة عليه ، وقال آخرون : الأصل هو التبعيض ، والبواقي مفرعة عليه .
( د ) أنكر بعضهم كونها زائدة ، وأما قوله تعالى : { يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } [ نوح : 4 ] فقد بينوا أنه يفيد فائدة زائدة فكأنه قال يغفر لكم بعض ذنوبكم ، ومن غفر كل بعض منه فقد غفر كله .
( ه ) الفرق بين من وبين عن لا بدّ من ذكره قال الشيطان { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } [ الأعراف : 17 ] وفيه سؤالان : الأول : لم خص الأولين بلفظ من والثالث والرابع بلفظ عن . الثاني : لما ذكر الشيطان لفظ من ولفظ عن فلم جاءت الاستعاذة بلفظ من فقال : ( أعوذ بالله من الشيطان ) ولم يقل عن الشيطان .
النوع الرابع من مباحث هذا الباب :
( أ ) الشيطان مبالغة في الشيطنة ، كما أن الرحمن مبالغة في الرحمة ، والرجيم في حق الشيطان فعيل بمعنى مفعول ، كما أن الرحيم في حق الله تعالى فعيل بمعنى فاعل ، إذا عرفت هذا فهذه الكلمة تقتضي الفرار من الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم ، وهذا يقتضي المساواة بينهما ، وهذا ينشأ عنه قول الثنوية الذين يقولون إن الله وإبليس أخوان ، إلا أن الله هو الأخ الكريم الرحيم الفاضل ، وإبليس هو الأخ اللئيم الخسيس المؤذي ، فالعاقل يفر من هذا الشرير إلى ذلك الخير .
( ب ) الإله هل هو رحيم كريم؟ فإن كان رحيماً كريماً فلم خلق الشيطان الرجيم وسلطه على العباد ، وإن لم يكن رحيماً كريماً فأي فائدة في الرجوع إليه والاستعاذة به من شر الشيطان .
( ج ) الملائكة في السموات هل يقولون : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإن ذكروه فإنما يستعيذون من شرور أنفسهم لا من شرور الشيطان .
( د ) أهل الجنة في الجنة هل يقولون أعوذ بالله .
( ه ) الأنبياء والصديقون لم يقولون ( أعوذ بالله ) مع أن الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم في قوله : { فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 82 83 ] .
( و ) الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم إلا في مجرد الدعوة حيث قال : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ }

(1/90)


[ إبراهيم : 22 ] وأما الإنسان فهو الذي ألقى نفسه في البلاء فكانت استعاذة الإنسان من شر نفسه أهم وألزم من استعاذته من شر الشيطان فلم بدأ بالجانب الأضعف وترك الجانب الأهم؟ .
الكتاب الثاني
في مباحث بسم اللّه الرحمن الرحيم وفيه أبواب :
الباب الأول :
في مسائل جارية مجرى ، المقدمات وفيه مسائل :
متعلق باء البسملة :
المسألة الأولى : قد بينا أن الباء من ( بسم الله الرحمن الرحيم ) متعلقة بمضمر ، فنقول : هذا المضمر يحتمل أن يكون اسماً ، وأن يكون فعلاً ، وعلى التقديرين فيجوز أن يكون متقدماً ، وأن يكون متأخراً ، فهذه أقسام أربعة ، أما إذا كان متقدماً وكان فعلاً فكقولك : أبدأ باسم الله ، وأما إذا كان متقدماً وكان اسماً فكقولك : ابتداء الكلام باسم الله ، وأما إذا كان متأخراً وكان فعلاً فكقولك : باسم الله أبدأ ، وأما إذا كان متأخراً وكان اسماً فكقولك : باسم الله ابتدائي ويجب البحث ههنا عن شيئين : الأول : أن التقديم أولى أم التأخير؟ فنقول كلاهما وارد في القرآن ، أما التقديم فكقوله : { باسم الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود : 41 ] وأما التأخير فكقوله : { اقرأ باسم رَبّكَ } [ العلق : 1 ] وأقول : التقديم عندي أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قديم واجب الوجود لذاته ، فيكون وجوده سابقاً على وجود غيره ، والسابق بالذات يستحق السبق في الذِّكر ، الثاني : قال تعالى : { هُوَ الاول والاخر } [ الحديد : 3 ] وقال : { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [ الروم : 4 ] الثالث : أن التقديم في الذكر أدخل في التعظيم ، الرابع : أنه قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } فههنا الفعل متأخر عن الاسم ، فوجب أن يكون في قوله : ( بسم الله ) كذلك ، فيكون التقدير باسم الله ابتدىء ، الخامس : سمعت الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رضي الله عنه يقول : سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير الميهني مع الأستاذ أبي القاسم القشيري فقال الأستاذ القشيري : المحققون قالوا ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله بعده ، فقال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير : ذاك مقام المريدين أما المحققون فإنهم ما رأوا شيئًا إلا وكانوا قد رأوا الله قبله ، قلت : وتحقيق الكلام أن الانتقال من المخلوق إلى الخالق إشارة إلى برهان الإنّ ، والنزول من الخالق إلى المخلوق برهان اللم ، ومعلوم أن برهان اللم أشرف ، وإذا ثبت هذا فمن أضمر الفعل أولاً فكأنه انتقل من رؤية فعله إلى رؤية وجوب الاستعانة باسم الله ومن قال : ( باسم الله ) ثم أضمر الفعل ثانياً فكأنه رأى وجوب الاستعانة بالله ثم نزل منه إلى أحوال نفسه .
المسألة الثانية : إضمار الفعل أولى أم إضمار الاسم ، قال الشيخ أبو بكر الرازي : نسق تلاوة القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل ، وهو الأمر ، لأنه تعالى قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ االفاتحة : 4 ] والتقدير قولوا إياك نعبد وإياك نستعين ، فكذلك قوله : { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } التقدير قولوا بسم الله ، وأقول : لقائل أن يقول : بل إضمار الاسم أولى ، لأنا إذا قلنا تقدير الكلام بسم الله ابتداء كل شيء كان هذا إخباراً عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث وخالقاً لجميع الكائنات ، سواء قاله قائل أو لم يقله ، وسواء ذكره ذاكر أو لم يذكره ، ولا شك أن هذا الاحتمال أولى ، وتمام الكلام فيه يجيء في بيان أن الأولى أن يقال قولوا الحمد لله أو الأولى أن يقال الحمد لله؛ لأنه إخبار عن كونه في نفسه مستحقاً للحمد سواء قاله قائل أو لم يقله .

(1/91)


المسألة الثالثة : الجر يحصل بشيئين : أحدهما : بالحرف كما في قوله : «باسم» والثاني : بالإضافة كما في «الله» من قوله : «باسم الله» وأما الجر الحاصل في لفظ «الرحمن الرحيم» فإنما حصل لكون الوصف تابعاً للموصوف في الإعراب ، فههنا أبحاث : أحدها : أن حروف الجر لم اقتضت الجر؟ وثانيها : أن الإضافة لم اقتضت الجر؟ وثالثها : أن اقتضاء الحرف أقوى أو اقتضاء الإضافة ، ورابعها : أن الإضافة على كم قسم تقع ، قالوا إضافة الشيء إلى نفسه محال ، فبقي أن تقع الإضافة بين الجزء والكل ، أو بين الشيء والخارج عن ذات الشيء المنفصل عنه ، أما القسم الأول فنحو «باب حديد ، وخاتم ذهب» لأن ذلك الباب بعض الحديد وذلك الخاتم بعض الذهب ، وأما القسم الثاني فكقولك : «غلام زيد» فإن المضاف إليه مغاير للمضاف بالكلية ، وأما أقسام النسب والإضافات فكأنها خارجة عن الضبط والتعديد؛ فإن أنواع النسب غير متناهية .
المسألة الرابعة : كون الاسم اسماً للشيء نسبة بين اللفظة المخصوصة التي هي الاسم وبين الذات المخصوصة التي هي المسمى ، وتلك النسبة معناها أن الناس اصطلحوا على جعل تلك اللفظة المخصوصة معرفة لذلك الشيء المخصوص ، فكأنهم قالوا متى سمعتم هذه اللفظة منا فافهموا أنا أردنا بها ذلك المعنى الفلاني ، فلما حصلت هذه النسبة بين الاسم وبين المسمى لا جرم صحت إضافة الاسم إلى المسمى ، فهذا هو المراد من إضافة الاسم إلى الله تعالى .
المسألة الخامسة : قال أبو عبيد : ذكر الاسم في قوله : «بسم الله» صلة زائدة ، والتقدير بالله قال ، وإنما ذكر لفظة الاسم : إما للتبرك ، وإما ليكون فرقاً بينه وبين القسم ، وأقول والمراد من قوله : «بسم الله» قوله : ابدؤا بسم الله ، وكلام أبي عبيد ضعيف؛ لأنا لما أمرنا بالابتداء فهذا الأمر إنما يتناول فعلاً من أفعالنا ، وذلك الفعل هو لفظنا وقولنا ، فوجب أن يكون المراد أبدأ بذكر الله ، والمراد أبدأ ببسم الله ، وأيضاً فالفائدة فيه أنه كما أن ذات الله تعالى أشرف الذوات فكذلك ذكره أشرف الأذكار ، واسمه أشرف الأسماء ، فكما أنه في الوجود سابق على كل ما سواه وجب أن يكون ذكره سابقاً على كل الأذكار ، وأن يكون اسمه سابقاً على كل الأسماء ، وعلى هذا التقدير فقد حصل في لفظ الاسم هذه الفوائد الجليلة .

(1/92)


الباب الثاني
فيما يتعلق بهذه الكلمة من القراءة والكتابة
أما المباحث المتعلقة بالقراءة فكثيرة :
الوقف على كلمات البسملة :
المسألة الأولى : أجمعوا على أن الوقف على قوله : «بسم» ناقص قبيح ، وعلى قوله : «بسم الله» أو على قوله : «بسم الله الرحمن» كاف صحيح ، وعلى قوله : «بسم الله الرحمن الرحيم» تام واعلم أن الوقف لا بدّ وأن يقع على أحد هذه الأوجه الثلاثة ، وهو أن يكون ناقصاً ، أو كافياً أو كاملاً ، فالوقف على كل كلام لا يفهم بنفسه ناقص ، والوقف على كل كلام مفهوم المعاني إلا أن ما بعده يكون متعلقاً بما قبله يكون كافياً ، والوقف على كل كلام تام ويكون ما بعده منقطعًا عنه يكون وقفاً تاماً .
ثم لقائل أن يقول : قوله : «الحمد لله رب العالمين» كلام تام ، إلا أن قوله : «الرحمن الرحيم ملك» متعلق بما قبله ، لأنها صفات ، والصفات تابعة للموصوفات ، فإن جاز قطع الصفة عن الموصوف وجعلها وحدها آية فلم لم يقولوا بسم الله الرحمن آية؟ ثم يقولوا الرحيم آية ثانية ، وإن لم يجز ذلك فكيف جعلوا الرحمن الرحيم آية مستقلة ، فهذا الإشكال لا بدّ من جوابه .
حكم لام الجلالة :
المسألة الثانية : أطبق القراء على ترك تغليظ اللام في قوله : «بسم الله» وفي قوله : «الحمد لله» والسبب فيه أن الانتقال من الكسرة إلى اللام المفخمة ثقيل؛ لأن الكسرة توجب التسفل ، واللام المفخمة حرف مستعل ، والانتقال من التسفل إلى التصعد ثقيل ، وإنما استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من هذه الكلمة في حال كونها مرفوعة أو منصوبة كقوله : { الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } [ الشورى : 19 ] { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] وقوله : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ } [ التوبة : 111 ] .
المسألة الثالثة : قالوا المقصود من هذا التفخيم أمران : الأول : الفرق بينه وبين لفظ اللام في الذكر ، الثاني : أن التفخيم مشعر بالتعظيم ، وهذا اللفظ يستحق المبالغة في التعظيم ، الثالث : أن اللام الرقيقة إنما تذكر بطرف اللسان ، وأما هذه اللام المغلظة فإنما تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر فوجب أن يكون أدخل في الثواب؛ وأيضاً جاء في التوراة يا موسى أجب ربك بكل قلبك ، فههنا كان الإنسان يذكر ربه بكل لسانه ، وهو بدل على أنه يذكره بكل قلبه ، فلا جرم كان هذا أدخل في التعظيم .
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : نسبة اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء ، وكنسبة السين إلى الصاد ، فإن الدال تذكر بطرف اللسان والطاء تذكر بكل اللسان وكذلك السين تذكر بطرف اللسان والصاد تذكر بكل اللسان ، فثبت أن نسبة اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء وكنسبة السين إلى الصاد ، ثم إنا رأينا أن القوم قالوا الدال حرف والطاء حرف آخر ، وكذلك السين حرف والصاد حرف آخر فكان الواجب أيضاً أن يقولوا : اللام الرقيقة حرف واللام الغليظة حرف آخر ، وأنهم ما فعلوا ذلك ولا بدّ من الفرق .

(1/93)


حكم الإدغام :
المسألة الخامسة : تشديد اللام من قولك : «الله» للإدغام فإنه حصل هناك لامان الأولى : لام التعريف وهي ساكنة والثانية : لام الأصل وهي متحركة ، وإذا التقى حرفان مثلان من الحروف كلها وكان أول الحرفين ساكناً والثاني متحركاً أدغم الساكن في المتحرك ضرورة سواء كانا في كلمتين أو كلمة واحدة ، أما في الكلمتين فكما في قوله : { فَمَا رَبِحَت تجارتهم } [ البقرة : 16 ] { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ } [ النحل : 53 ] { مَّا لَهُمْ مّنَ الله } [ الرعد : 34 ] وأما في الكلمة الواحدة فكما في هذه الكلمة .
واعلم أن الألف واللام والواو والياء إن كانت ساكنة امتنع اجتماع مثلين ، فامتنع الإدغام لهذا السبب ، وإن كانت متحركة واجتمع فيها مثلان كان الإدغام جائزاً .
المسألة السادسة : لأَرباب الإشارات والمجاهدات ههنا دقيقة ، وهي أن لام التعريف ولام الأصل من لفظة «الله» اجتمعا فأدغم أحدهما في الثاني ، فسقط لام المعرفة وبقي لام لفظة الله ، وهذا كالتنبيه على أن المعرفة إذا حصلت إلى حضرة المعروفة سقطت المعرفة وفنيت وبطلت ، وبقي المعروف الأزلي كما كان من غير زيادة ولا نقصان .
مد لام الجلالة :
المسألة السابعة : لا يجوز حذف الألف من قولنا : الله في اللفظ ، وجاز ذلك في ضرورة الشعر عند الوقف عليه ، قال بعضهم :
أقبل سيل جاء من عند الله ... يجود جود الجنة المغله
انتهى ، ويتفرع على هذا البحث مسائل في الشريعة : إحداها : أنه عند الحلف لو قال بله فهل ينعقد يمينه أم لا قال بعضهم : لا؛ لأن قوله بله اسم للرطوبة فلا ينعقد اليمين ، وقال آخرون ينعقد اليمين به لأنه بحسب أصل اللغة جائز ، وقد نوى به الحلف فوجب أن تنعقد وثانيها : لو ذكره على هذه الصفة عند الذبيحة هل يصح ذلك أم لا ، وثالثها : لو ذكر قوله : «الله» في قوله : «الله أكبر» هل تنعقد الصلاة به أم لا؟ .
المسألة الثامنة : لم يقرأ أحد الله بالإمالة إلا قتيبة في بعض الروايات انتهى .
حكم لام أل :
المسألة التاسعة : تشديد الراء من قوله : «الرحمن الرحيم» لأجل إدغام لام التعريف في الراء ، ولا خلاف بين القراء في لزوم إدغام لام التعريف في اللام ، وفي ثلاثة عشر حرفاً سواه وهي : الصاد ، والضاد ، والسين ، والشين ، والدال ، والذال ، والراء ، والزاي ، والطاء ، والظاء ، والتاء ، والثاء ، والنون ، انتهى . كقوله تعالى : { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر } والعلة الموجبة لجواز هذا الإدغام قرب المخرج ، فإن اللام وكل هذه الحروف المذكورة مخرجها من طرف اللسان وما يقرب منه ، فحسن الإدغام ، ولا خلاف بين القراء في امتناع إدغام لام التعريف فيما عدا هذه الثلاثة عشر كقوله :

(1/94)


{ العابدون الحامدون . . . . الآمرون بالمعروف } [ التوبة : 112 ] كلها بالإظهار ، وإنما لم يجز الإدغام فيها لبعد المخرج ، فإنه إذا بعد مخرج الحرف الأول عن مخرج الحرف الثاني ثقل النطق بهما دفعة فوجب تمييز كل واحد منهما عن الآخر ، بخلاف الحرفين اللذين يقرب مخرجاهما ، لأن التمييز بينهما مشكل صعب .
المسألة العاشرة : أجمعوا على أنه لا يمال لفظ «الرحمن» وفي جواز إمالته قولان للنحويين : أحدهما : أنه يجوز ، ولعله قول سيبويه ، وعلة جوازه انكسار النون بعد الألف ، والقول الثاني : وهو الأظهر عند النحويين ، أنه لا يجوز .
المسألة الحادية عشرة : أجمعوا على أن إعراب «الرحمن الرحيم» هو الجر لكونهما صفتين للمجرور الأول إلا أن الرفع والنصب جائزان فيهما بحسب النحو ، أما الرفع فعلى تقدير بسم الله هو الرحمن الرحيم ، وأما النصب فعلى تقدير بسم الله أعين الرحمن الرحيم .
النوع الثاني من مباحث هذا الباب ما يتعلق بالخط ، وفيه مسائل :
ما يتعلق بالبسملة قراءة وكتابة :
المسألة الأولى : طولوا الباء من «بسم الله» وما طولوها في سائر المواضع ، وذكروا في الفرق وجهين : الأول : أنه لما حذفت ألف الوصل بعد الباء طولوا هذه الباء ليدل طولها على الألف المحذوفة التي بعدها ، ألا ترى أنهم لما كتبوا { اقرأ باسم رَبّكَ } [ العلق : 1 ] بالألف ردوا الباء إلى صفتها الأصلية ، الثاني : قال القتيبي ، إنما طولوا الباء لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم ، وكان عمر بن عبد العزيز يقول لكتابه طولوا الباء ، وأظهروا السين . ودوروا الميم تعظيماً لكتاب الله .
المسألة الثانية : قال أهل الإشارة والباء حرف منخفض في الصورة فلما اتصال بكتبة لفظ الله ارتفعت واستعلت ، فنرجو أن القلب لما اتصل بخدمة الله عزّ وجلّ أن يرتفع حاله ويعلو شأنه .
المسألة الثالثة : حذفوا ألف «اسم» من قوله : «بسم الله» وأثبتوه في قوله : ( إقرأ باسم ربك ) والفرق من وجهين : الأول : أن كلمة «باسم الله» مذكورة في أكثر الأوقات عند أكثر الأفعال ، فلأجل التخفيف حذفوا الألف ، بخلاف سائر المواضع فإن ذكرها قليل . الثاني : قال الخليل : إنما حذفت الألف في قوله : «بسم الله» لأنها إنما دخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن ، فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الخط ، وإنما لم تسقط في قوله : { اقرأ باسم رَبّكَ } لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في ( بسم الله ) لأنه يمكن حذف الباء من { اقرأ باسم رَبّكَ } مع بقاء المعنى صحيحاً ، فإنك لو قلت إقرأ اسم ربك صح المعنى ، أما لو حذفت الباء من «بسم الله» لم يصح المعنى فظهر الفرق .

(1/95)


المسألة الرابعة : كتبوا لفظة الله بلامين ، وكتبوا لفظة الذي بلام واحدة ، مع استوائهما في اللفظ وفي كثرة الدوران على الألسنة ، وفي لزوم التعريف ، والفرق من وجوه : الأول : أن قولنا : «الله» اسم معرب متصرف تصرف الأسماء ، فأبقوا كتابته على الأصل ، أما قولنا «الذي» فهو مبني لأجل أنه ناقص؛ لأنه لا يفيد إلا مع صلته فهو كبعض الكلمة ، ومعلوم أن بعض الكلمة يكون مبنياً ، فأدخلوا فيه النقصان لهذا السبب ، ألا ترى أنهم كتبوا قولهم : «اللذان» بلامين ، لأن التثنية أخرجته عن مشابهة الحروف ، فإن الحرف لا يثنى .
الثاني : أن قولنا : «الله» لو كتب بلام واحدة لالتبس بقوله إله ، وهذا الالتباس غير حاصل في قولنا الذي .
الثالث : أن تفخيم ذكر الله في اللفظ واجب ، فكذا في الخط ، والحذف ينافي التفخيم وأما قولنا : «الذي» فلا تفخيم له في المعنى فتركوا أيضاً تفخيمه في الخط .
المسألة الخامسة : إنما حذفوا الألف قبل الهاء من قولنا : «الله» في الخط لكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة بالصورة عند الكتابة ، وهو مثل كراهتهم اجتماع الحروف المتماثلة في اللفظ عند القراءة .
المسألة السادسة : قالوا : الأصل في قولنا : «الله» الإله ، وهي ستة حروف ، فلما أبدلوه بقولهم : «الله» بقيت أربعة أحرف في الخط : همزة ، ولامان ، وهاء؛ فالهمزة من أقصى الحلق واللام من طرف اللسان ، والهاء من أقصى الحلق ، وهو إشارة إلى حالة عجيبة ، فإن أقصى الحلق مبدأ التلفظ بالحروف ، ثم لا يزال يترقى قليلاً قليلاً إلى أن يصل إلى طرف اللسان ثم يعود إلى الهاء الذي هو في داخل الحلق ، ومحل الروح ، فكذلك العبد يبتدىء من أول حالته التي هي حالة النكرة والجهالة ، ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية ، حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد ، فهو إشارة إلى ما قيل : النهاية رجوع إلى البداية .
المسألة السابعة : إنما جاز حذف الألف قبل النون من «الرحمن» في الخط على سبيل التخفيف ، ولو كتب بالألف حسن ، ولا يجوز حذف الياء من الرحيم ، لأن حذف الألف من الرحمن لا يخل بالكلمة ولا يحصل فيها التباس ، بخلاف حذف الياء من الرحيم .
الباب الثالث
من هذا الكتاب في مباحث الاسم ، وهي نوعان :
أحدهما : ما يتعلق من المباحث النقلية بالاسم ، والثاني : ما يتعلق من المباحث العقلية بالاسم .
النوع الأول : وفيه مسائل :
لغات الاسم :
المسألة الأولى : في هذا اللفظ لغتان مشهورتان ، تقول العرب : هذا اسمه وسمه ، قال : باسم الذي في كل سورة سمه .
وقيل : فيه لغتان غيرهما سم وسم ، قال الكسائي : إن العرب تقول تارة اسم بكسر الألف وأخرى بضمه ، فإذا طرحوا الألف قال الذين لغتهم كسر الألف سم ، وقال الذين لغتهم ضم الألف سم ، وقال ثعلب : من جعل أصله من سما يسمى قال اسم وسم ، ومن جعل أصله من سما يسمو قال اسم وسم ، وقال المبرد : سمعت العرب تقول اسمه واسمه وسمه وسمه وسماه .

(1/96)


المسألة الثانية : أجمعوا على أن تصغير الاسم سمي وجمعه أسماء وأسامي .
اشتقاق الاسم :
المسألة الثالثة : في اشتقاقه قولان : قال البصريون : هو مشتق من سما يسمو إذا علا وظهر ، فاسم الشيء ما علاه حتى ظهر ذلك الشيء به ، وأقول : اللفظ معرف للمعنى ، ومعرف الشيء متقدم في المعلومية على المعرف ، فلا جرم كان الاسم عالياً على المعنى ومتقدماً عليه ، وقال الكوفيون : هو مشتق من وسم يسم سمة ، والسمة العلامة ، فالاسم كالعلامة المعرفة للمسمى ، حجة البصريين لو كان اشتقاق الاسم من السمة لكان تصغيره وسيماً وجمعه أوساماً .
المسألة الرابعة : الذين قالوا اشتقاقه من السمة قالوا أصله من وسم يسم ، ثم حذف منه الواو ، ثم زيد فيه ألف الوصل عوضاً عن المحذوف كالعدة والصفة والزنة ، أصله الوعد والوصف والوزن ، أسقط منها الواو ، وزيد فيها الهاء ، وأما الذين قالوا اشتقاقه من السمو وهو العلو ، فلهم قولان : الأول : أن أصل الاسم من سما يسمو وسما يسمي ، والأمر فيه اسم : كقولنا ادع من دعوت ، أو اسم مثل ارم من رميت ، ثم إنهم جعلوا هذه الصيغة اسماً وأدخلوا عليها وجوه الإعراب ، وأخرجوها عن حد الأفعال ، قالوا : وهذا كما سموا البعير يعملا ، وقال الأخفش : هذا مثل الآن فإن أصله آن يئين إذا حضر ، ثم أدخلوا الألف واللام على الماضي من فعله ، وتركوه مفتوحاً ، والقول الثاني : أصله سمو مثل حمو ، وإنما حذفت الواو من آخره استثقالاً لتعاقب الحركات عليها مع كثرة الدوران ، وإنما أعربوا الميم لأنها صارت بسبب حذف الواو آخر الكلمة فنقل حركة الواو إليها ، وإنما سكنوا السين لأنه لما حذفت الواو بقي حرفان أحدهما ساكن والآخر متحرك ، فلما حرك الساكن وجب تسكين المتحرك ليحصل الاعتدال ، وإنما أدخلت الهمزة في أوله لأن الابتداء بالساكن محال ، فاحتاجوا إلى ذكر ما يبتدأ به ، وإنما خصت الهمزة بذلك لأنها من حروف الزيادة .
مسائل الاسم العقلية :
النوع الثاني : من مباحث هذه الباب ، المسائل العقلية :
فنقول : أما حد الاسم وذكر أقسامه وأنواعه ، فقد تقدم ذكره في أول هذا الكتاب وبقي ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قالت الحشوية والكرامية والأشعرية : الاسم نفس المسمى وغير التسمية وقالت المعتزلة : الاسم غير المسمى ونفس التسمية ، والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية .
وقبل الخوض في ذكر الدلائل لا بدّ من التنبيه على مقدمة؛ وهي أن قول القائل : «الاسم هل هو نفس المسمى أم لا» يجب أن يكون مسبوقاً ببيان أن الاسم ما هو ، وأن المسمى ما هو ، حتى ينظر بعد ذلك في أن الاسم هل هو نفس المسمى أم لا ، فنقول : إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة ، وبالمسمى تلك الذوات في أنفسها ، وتلك الحقائق بأعيانها ، فالعلم الضروري حاصل بأن الاسم غير المسمى ، والخوض في هذه المسألة على هذا التقدير يكون عبثاً ، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى ، وبالمسمى أيضاً تلك الذات كان قولنا الاسم هو المسمى معناه أن ذات الشيء عين الشيء ، وهذا وإن كان حقاً إلا أنه من باب إيضاح الواضحات وهو عبث ، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث .

(1/97)


المسألة الثانية : اعلم أنا استخرجنا لقول من يقول الاسم نفس المسمى تأويلاً لطيفاً دقيقاً ، وبيانه أن الاسم اسم لكل لفظ دل على معنى من غير أن يدل على زمان معين ، ولفظ الاسم كذلك ، فوجب أن يكون لفظ الاسم إسماً لنفسه ، فيكون لفظ الاسم مسمى بلفظ الاسم ، ففي هذه الصورة الاسم نفس المسمى ، إلا أن فيه إشكالاً ، وهو أن كون الاسم إسماً للمسمى من باب الاسم المضاف ، وأحد المضافين لا بدّ وأن يكون مغايراً للآخر .
المسألة الثالثة : في ذكر الدلائل الدالة على أن الاسم لا يجوز أن يكون هو المسمى ، وفيه وجوه :
الأول : أن الاسم قد يكون موجوداً مع كون المسمى معدوماً ، فإن قولنا : «المعدوم منفي» معناه سلب لا ثبوت له ، والألفاظ موجودة مع أن المسمى بها عدم محض ونفي صرف ، وأيضاً قد يكون المسمى موجوداً والاسم معدوماً مثل الحقائق التي ما وضعوا لها أسماء معينة ، وبالجملة فثبوت كل واحد منهما حال عدم الآخر معلوم مقرر وذلك يوجب المغايرة .
الثاني : أن الأسماء تكون كثيرة مع كون المسمى واحد كالأسماء المترادفة ، وقد يكون الاسم واحداً والمسميات كثيرة كالأسماء المشتركة ، وذلك أيضاً يوجب المغايرة .
الثالث : أن كون الاسم إسماً للمسمى وكون المسمى مسمى بالاسم من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية ، وأحد المضافين مغاير للآخر ولقائل أن يقول : يشكل هذا بكون الشيء عالماً بنفسه .
الرابع : الاسم أصوات مقطعة وضعت لتعريف المسميات ، وتلك الأصوات أعراض غير باقية ، والمسمى قد يكون باقياً ، بل يكون واجب الوجود لذاته .
الخامس : أنا إذا تلفظنا بالنار والثلج فهذان اللفظان موجودان في ألسنتنا ، فلو كان الاسم نفس المسمى لزم أن يحصل في ألسنتنا النار والثلج ، وذلك لا يقوله عاقل .
السادس : قوله تعالى : { وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا } وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن لله تعالى تسعة وتسعين إسماً " فههنا الأسماء كثيرة والمسمى واحد ، وهو الله عزّ وجلّ .
السابع : أن قوله تعالى : { بِسْمِ اللَّهِ } وقوله :

(1/98)


{ تبارك اسم رَبّكَ } [ الرحمن : 78 ] ففي هذه الآيات يقتضي إضافة الاسم إلى الله تعالى وإضافة الشيء إلى نفسه محال .
الثامن : أنا ندرك تفرقة ضرورية بين قولنا إسم الله ، وبين قولنا اسم الاسم ، وبين قولنا الله الله ، وهذا يدل على أن الاسم غير المسمى .
التاسع : أنا نصف الأسماء بكونها عربية وفارسية فنقول : الله اسم عربي ، وخداي اسم فارسي ، وأما ذات الله تعالى فمنزه عن كونه كذلك .
العاشر : قال الله تعالى : { وَللَّهِ الاسماء الحسنى فادعوه بِهَا } [ الأعراف : 180 ] أمرنا بأن ندعو الله بأسمائه فالاسم آلة الدعاء ، والمدعو هو الله تعالى ، والمغايرة بين ذات المدعو وبين اللفظ الذي يحصل به الدعاء معلوم بالضرورة .
واحتج من قال الاسم هو المسمى بالنص ، والحكم ، أما النص فقوله تعالى : { تبارك اسم رَبّكَ } [ الرحمن : 78 ] والمتبارك المتعالي هو الله تعالى لا الصوت ولا الحرف ، وأما الحكم فهو أن الرجل إذا قال : زينب طالق ، وكان زينب إسماً لامرأته وقع عليها الطلاق ، ولو كان الاسم غير المسمى لكان قد أوقع الطلاق على غير تلك المرأة ، فكان يجب أن لا يقع الطلاق عليها .
والجواب عن الأول أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : كما أنه يجب علينا أن نعتقد كونه تعالى منزهاً عن النقائص والآفات ، فكذلك يجب علينا تنزيه الألفاظ الموضوعة لتعريف ذات الله تعالى وصفاته عن العبث والرفث وسوء الأدب .
وعن الثاني أن قولنا زينب طالق معناه أن الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق ، فلهذا السبب وقع الطلاق عليها .
المسألة الرابعة : التسمية عندنا غير الاسم ، والدليل عليه أن التسمية عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة ، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته ، وأما الاسم فهو عبارة عن تلك اللفظة المعينة . والفرق بينهما معلوم بالضرورة .
الاسم أسبق من الفعل وضعا :
المسألة الخامسة : قد عرفت أن الألفاظ الدالة على تلك المعاني تستتبع ذكر الألفاظ الدالة على ارتباط بعضها بالبعض ، فلهذا السبب الظاهر وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف ، فأما الأفعال والأسماء فأيهما أسبق؟ الأظهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال ، ويدل عليه وجوه :
الأول : أن الاسم لفظ دال على الماهية ، والفعل لفظ دال على حصول الماهية بشيء من الأشياء في زمان معين ، فكان الاسم مفرداً والفعل مركباً ، والمفرد سابق على المركب بالذات والرتبة ، فوجب أن يكون سابقاً عليه في الذكر واللفظ .
الثاني : أن الفعل يمتنع التلفظ به إلا عند الإسناد إلى الفاعل ، أما اللفظ الدال على ذلك الفاعل فقد يجوز التلفظ به من غير أن يسند إليه الفعل ، فعلى هذا الفاعل غنيّ عن الفعل ، والفعل محتاج إلى الفاعل ، والغنيّ سابق بالرتبة على المحتاج ، فوجب أن يكون سابقاً عليه في الذكر .

(1/99)


الثالث : أن تركيب الاسم مع الاسم مفيد ، وهو الجملة المركبة من المبتدأ والخير ، أما تركيب الفعل مع الفعل فلا يفيد ألبتة ، بل ما لم يحصل في الجملة الاسم لم يفد ألبتة ، فعلمنا أن الاسم متقدم بالرتبة ، على الفعل ، فكان الأظهر تقدمه عليه بحسب الوضع .
تقدم اسم الجنس على المشتق وضعا :
المسألة السادسة : قد علمت أن الاسم قد يكون اسماً للماهية من حيث هي هي ، وقد يكون إسماً مشتقاً وهو الاسم الدال على كون الشيء موصوفاً بالصفة الفلانية كالعالم والقادر ، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على المشتقات ، لأن الماهيات مفردات والمشتقات مركبات والمفرد قبل المركب .
المسألة السابعة : يشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها؛ لأنا لا نعرف الذوات إلا بواسطة الصفات القائمة بها ، والمعرف معلوم قبل المعرف والسبق في المعرفة يناسب السبق في الذكر .
أقسام أسماء المسميات :
المسألة الثامنة : في أقسام الأسماء الواقعة على المسميات : اعلم أنها تسعة ، فأولها : الاسم الواقع على الذات ، وثانيها : الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزاء ذاته كما إذا قلنا للجدار أنه جسم وجوهر ، وثالثها : الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كقولنا للشيء إنه أسود وأبيض وحار وبارد فإن السواد والبياض والحرارة والبرودة صفات حقيقية قائمة بالذات لا تعلق لها بالأشياء الخارجية ، ورابعها : الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية فقط كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومذكور ومالك ومملوك ، وخامسها : الاسم الواقع على الشيء بحسب حالة سلبية كقولنا إنه أعمى وفقير وقولنا إنه سليم عن الآفات خالٍ عن المخافات ، وسادسها : الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كقولنا للشيء إنه عالم وقادر فإن العلم عند الجمهور صفة حقيقية ولها إضافة إلى المعلومات والقدرة صفة حقيقية ولها إضافة إلى المقدورات ، وسابعها : الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً . وثامنها : الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية مع صفة سلبية مثل لفظ الأول فإنه عبارة عن مجموع أمرين : أحدهما : أن يكون سابقاً على غيره وهو صفة إضافية . والثاني : أن لا يسبقه غيره وهو صفة سلبية ، ومثل القيوم فإن معناه كونه قائماً بنفسه مقوماً لغيره فقيامه بنفسه أنه لا يحتاج إلى غيره وتقويمه لغيره احتياج غيره إليه ، والأول : سلب ، والثاني : إضافة ، وتاسعها : الاسم الواقع على الشيء بحسب مجموع صفة حقيقية وإضافية وسلبية ، فهذا هو القول في تقسيم الأسماء ، وسواء كان الاسم إسماً لله سبحانه وتعالى أو لغيره من أقسام المحادثات فإنه لا يوجد قسم آخر من أقسام الأسماء غير ما ذكرناه .

(1/100)


المسألة التاسعة : في بيان أنه هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟ اعلم أن الخوض في هذه المسألة مسبوق بمقدمات عالية من المباحث الآلهية :
المقدمة الأولى : أنه تعالى مخالف لخلقه ، لذاته المخصوصة لا لصفة ، والدليل عليه أن ذاته من حيث هي هي مع قطع النظر عن سائر الصفات إن كانت مخالفة لخلقه فهو المطلوب ، وإن كانت مساوية لسائر الذوات فحينئذٍ تكون مخالفة ذاته لسائر الذوات لا بدّ وأن يكون لصفة زائدة ، فاختصاص ذاته بتلك الصفة التي لأجلها وقعت المخالفة إن لم يكن لأمر ألبتة فحينئذٍ لزم رجحان الجائز لا لمرجح ، وإن كان لأمر آخر لزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فإن قيل؛ هي قولنا فهذا يقتضي أن تكون خصوصية تلك الصفة لصفة أخرى ويلزم منه التسلسل ، وهو محال .
المقدمة الثانية : أنا نقول : إنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ، لأن سلب الجسمية والجوهرية مفهوم سلبي ، وذاته المخصوصة أمر ثابت ، والمغايرة بين السلب والثبوت معلوم بالضرورة ، وأيضاً فذاته المخصوصة ليست عبارة عن نفس القادرية والعالمية ، لأن المفهوم من القادرية والعالمية مفهومات إضافية ، وذاته ذات قائمة بنفسها والفرق بين الموجود القائم بالنفس وبين الاعتبارات النسبية والإضافية معلوم بالضرورة .
المقدمة الثالثة : في بيان أنا في هذا الوقت لا نعرف ذاته المخصوصة ، ويدل عليه وجوه :
الأول : أنا إذا رجعنا إلى عقولنا وأفهامنا لم نجد عند عقولنا من معرفة الله تعالى إلا أحد أمور : أربعة : إما العلم بكونه موجوداً ، وإما العلم بدوام وجوده ، وإما العلم بصفات الجلال وهي الاعتبارات السلبية ، وإما العلم بصفات الإكرام وهي الاعتبارات الإضافية ، وقد ثبت بالدليل أن ذاته المخصوصة مغايرة لكل واحد من هذه الأربعة؛ فإنه ثبت بالدليل أن حقيقته غير وجوده ، وإذا كان كذلك كانت حقيقته أيضاً مغايرة لدوام وجوده ، وثبت أن حقيقته غير سلبية وغير إضافية ، وإذا كان لا معلوم عند الخلق إلا أحد هذه الأمور الأربعة وثبت أنها مغايرة لحقيقته المخصوصة ، ثبت أن حقيقته المخصوصة غير معلومة للبشر .
الثاني : أن الاستقراء التام يدل على أنا لا يمكننا أن نتصور أمراً من الأمور إلا من طرق أمور أربعة : أحدها : الأشياء التي أدركناها بإحدى هذه الحواس الخمس ، وثانيها : الأحوال التي ندركها من أحوال أبداننا كالألم واللذة والجوع والعطش والفرح والغم ، وثالثها : الأحوال التي ندركها بحسب عقولنا مثل علمنا بحقيقة الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان ، ورابعها : الأحوال التي يدركها العقل والخيال من تلك الثلاثة ، فهذه الأشياء هي التي يمكننا أن نتصورها وأن ندركها من حيث هي هي ، فإذا ثبت هذا وثبت أن حقيقة الحق سبحانه وتعالى مغايرة لهذه الأقسام ، ثبت أن حقيقته غير معقولة للخلق .
الثالث : أن حقيقته المخصوصة علة لجميع لوازمه من الصفات الحقيقية والإضافية والسلبية والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، ولو كانت حقيقته المخصوصة معلومة لكانت صفاته بأسرها معلومة بالضرورة ، وهذا معدوم فذاك معدوم ، فثبت أن حقيقة الحق غير معقولة للبشر .

(1/101)


المقدمة الرابعة : في بيان أنها وإن لم تكن معقولة للبشر فهل يمكن أن تصير معقولة لهم .
المقدمة الخامسة : في بيان أن البشر وإن امتنع في عقولهم إدراك تلك الحقيقة المخصوصة فهل يمكن ذلك العرفان في حق جنس الملائكة أو في حق فرد من أفرادهم؟ الإنصاف أن هذه المباحث صعبة ، والعقل كالعاجز القاصر في الوفاء بها كما ينبغي ، وقال بعضهم : عقول المخلوقات ومعارفهم متناهية ، والحق تعالى غير متناهٍ ، والمتناهي يمتنع وصوله إلى غير المتناهي ولأن أعظم الأشياء هو الله تعالى ، وأعظم العلوم علم الله سبحانه وتعالى ، وأعظم الأشياء لا يمكن معرفته إلا بأعظم العلوم ، فعلى هذا لا يعرف الله إلا الله .
المقدمة السادسة : اعلم أن معرفة الأشياء على نوعين : معرفة عرضية ، ومعرفة ذاتية : أما المعرفة العرضية فكما إذا رأينا بناء علمنا بأنه لا بدّ له من بان ، فأما أن ذلك الباني كيف كان في ماهيته ، وأن حقيقته من أي أنواع الماهيات ، فوجود البناء لا يدل عليه ، وأما المعرفة الذاتية فكما إذا عرفنا اللون المعين ببصرنا ، وعرفنا الحرارة بلمسنا ، وعرفنا الصوت بسمعنا ، فإنه لا حقيقة للحرارة والبرودة إلا هذه الكيفية الملموسة ، ولا حقيقة للسواد والبياض إلا هذه الكيفية المرئية ، إذا عرفت هذا فنقول : إنا إذا علمنا احتياج المحدثات إلى محدث وخالق فقد عرفنا الله تعالى معرفة عرضية إنما الذي نفيناه الآن هو المعرفة الذاتية ، فلتكن هذه الدقيقة معلومة حتى لا تقع في الغلط .
المقدمة السابعة : اعلم أن إدراك الشيء من حيث هو هو أعني ذلك النوع الذي سميناه بالمعرفة الذاتية يقع في الشاهد على نوعين : أحدهما : العلم ، والثاني : الإبصار ، فإنا إذا أبصرنا السواد ثم غمضنا العين فإنا نجد تفرقة بديهية بين الحالتين ، فعلمنا أن العلم غير ، وأن الإبصار غير ، إذا عرفت هذا فنقول : بتقدير أنه يقال يمكن حصول المعرفة الذاتية للخلق فهل لتلك المعرفة ولذلك الإدراك طريق واحد فقط أو يمكن وقوعه على طريقين مثل ما في الشاهد من العلم والإبصار؟ هذا أيضاً مما لا سبيل للعقل إلى القضاء به والجزم فيه ، وبتقدير أن يكون هناك طريقان : أحدهما : المعرفة ، والثاني : الإبصار فهل الأمر هناك مقصور على هذين الطريقين أو هناك طرق كثيرة ومراتب مختلفة؟ كل هذه المباحث مما لا يقدر العقل على الجزم فيها ألبتة ، فهذا هو الكلام في هذه المقدمات .
المسألة العاشرة : في أنه هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟ نقل عن قدماء الفلاسفة إنكاره ، قالوا : والدليل عليه أن المراد من وضع الاسم الإشارة بذكره إلى المسمى فلو كان لله بحسب ذاته اسم لكان المراد من وضع ذلك الاسم ذكره مع غيره لتعريف ذلك المسمى ، فإذا ثبت أن أحداً من الخلق لا يعرف ذاته المخصوصة ألبتة لم يبق في وضع الاسم لتلك الحقيقة فائدة ، فثبت أن هذا النوع من الاسم مفقود ، فعند هذا قالوا : إنه ليس لتلك الحقيقة اسم ، بل له لوازم معرفة ، وتلك اللوازم هي أنه الأزلي الذي لا يزول ، وأنه الواجب الذي لا يقبل العدم ، وأما الذين قالوا إنه لا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يشرف بعض المقربين من عباده بأن يجعله عارفاً بتلك الحقيقة المخصوصة قالوا : إذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ لا يمتنع وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ، فثبت أن هذه المسألة مبنية على تلك المقدمات السابقة .

(1/102)


المسألة الحادية عشرة : بتقدير أن يكون وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً وجب القطع بأن ذلك الاسم أعظم الأسماء ، وذلك الذكر أشرف الأذكار ، لأن شرف العلم بشرف المعلوم ، وشرف الذكر بشرف المذكور ، فلما كان ذات الله تعالى أشرف المعلومات والمذكورات كان العلم به أشرف العلوم ، وكان ذكر الله أشرف الأذكار ، وكان ذلك الاسم أشرف الأسماء وهو المراد من الكلام المشهور الواقع في الألسنة ، وهو اسم الله الأعظم ، ولو اتفق لملك مقرب أو نبي مرسل الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه لم يبعد أن يطيعه جميع عوالم الجسمانيات والروحانيات .
اسم الله الأعظم :
المسألة الثانية عشرة : القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه :
الأول : قول من يقول إن ذلك الاسم الأعظم هو قولنا : { ذو الجلال والإكرام } [ الرحمن : 27 ] وورد فيه قوله عليه الصلاة والسلام : « ألظوا بياذا الجلال والإكرام » وهذا عندي ضعيف ، لأن الجلال إشارة إلى الصفات السلبية ، والإكرام إشارة إلى الصفات الإضافية ، وقد عرفت أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات .
والقول الثاني : قول من يقول أنه هو { الحي القيوم } [ البقرة : 255 ] لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ابن كعب : ما أعظم آية في كتاب الله تعالى؟ فقال : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } [ البقرة : 255 ] فقال : « ليهنك العلم أبا المنذر » وعندي أنه ضعيف ، وذلك لأن الحي هو الدراك الفعال ، وهذا ليس فيه كثرة عظمة لأنه صفة ، وأما القيوم فهو مبالغة في القيام ، ومعناه كونه قائماً بنفسه مقوماً لغيره ، فكونه قائماً بنفسه مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره ، وكونه مقوماً لغيره صفة إضافية فالقيوم لفظ دال على مجموع سلب وإضافة ، فلا يكون ذلك عبارة عن الاسم الأعظم .
القول الثالث : قول من يقول : أسماء الله كلها عظيمة مقدسة ، ولا يجوز وصف الواحد منها بأنه أعظم؛ لأن ذلك يقتضي وصف ما عداه بالنقصان ، وعندي أن هذا أيضاً ضعيف لأنا بينا أن الأسماء منقسمة إلى الأقسام التسعة ، وبينا أن الاسم الدال على الذات المخصوصة يجب أن يكون أشرف الأسماء وأعظمها ، وإذا ثبت هذا بالدلائل فلا سبيل فيه إلى الإنكار .

(1/103)


القول الرابع : أن الاسم الأعظم هو قولنا : «الله» وهذا هو الأقرب عندي لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه سبحانه ، وإذا كان كذلك كان دالاً على ذاته المخصوصة .
المسألة الثالثة عشرة : أما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزاء ماهية المسمى فهذا في حق الله تعالى محال ، لأن هذا إنما يتصور في حق من كانت ماهيته مركبة من الأجزاء وذلك في حق الله محال ، لأن كل مركب فإنه محتاج إلى جزئه ، وجزؤه غيره فكل مركب فإنه محتاج إلى غيره ، وكل محتاج إلى غيره فهو ممكن ، ينتج أن كل مركب فهو ممكن لذاته ، فما لا يكون ممكناً لذاته امتنع أن يكون مركباً ، وما لا يكون مركباً امتنع أن يحصل له اسم بحسب جزء ماهيته .
المسألة الرابعة عشرة : اعلم أنّا بينا أن الاسم الدال على الذات هل هو حاصل في حق الله تعالى أم لا ، قد ذكرنا اختلاف الناس فيه ، وأما الاسم الدال بحسب جزء الماهية فقد أقمنا البرهان القاطع على امتناع حصوله في حق الله تعالى ، فبقيت الأقسام السبعة فنقول : أما الاسم الدال على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود ، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات ذلك الوجود ، ونحن نذكر المسائل المفرعة على هذه الأقسام ، والله الهادي .
الباب الرابع
في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية
قد عرفت أن هذا البحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : الأسماء الدالة على الوجود وفيه مسائل :
تسمية الله بالشيء :
المسألة الأولى : أطبق الأكثرون على أنه يجوز تسمية الله تعالى باسم الشيء ونقل عن جهم بن صفوان أن ذلك غير جائز ، أما حجة الجمهور فوجوه :
الحجة الأولى : قوله تعالى : { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله } [ الأنعام : 19 ] وهذا يدل على أنه يجوز تسمية الله باسم الشيء ، فإن قيل : لو كان الكلام مقصوراً على قوله : { قُلِ الله } لكان دليلكم حسناً ، لكن ليس الأمر كذلك بل المذكور هو قوله تعالى : { قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } [ الأنعام : 19 ] وهذا كلام مستقل بنفسه ، ولا تعلق له بما قبله ، وحينئذٍ لا يلزم أن يكون الله تعالى مسمى باسم الشيء قلنا : لما قال : { أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة } ثم قال : { قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } وجب أن تكون هذه الجملة جارية مجرى الجواب عن قوله : { أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة } وحينئذٍ يلزم المقصود .

(1/104)


الحجة الثانية : قوله تعالى : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] والمراد بوجهه ذاته ، ولو لم تكن ذاته شيئاً لما جاز استثنائه عن قوله : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ } وذلك يدل على أن الله تعالى مسمى بالشيء .
الحجة الثالثة : قوله عليه السلام في خبر عِمران بن الحصين : " كان الله ولم يكن شيء غيره " وهذا يدل على أن اسم الشيء يقع على الله تعالى .
الحجة الرابعة : روى عبد الله الأنصاري في الكتاب الذي سماه «بالفاروق» عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من شيء أغير من الله عزّ وجلّ "
الحجة الخامسة : أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وذات الله تعالى كذلك ، فيكون شيئاً .
واحتج جهم بوجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى : { الله خالق كُلّ شَىْء } [ الزمر : 62 ] وكذلك قوله : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } [ المائدة : 17 ] فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقاً ومقدوراً ، والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ، ينتج أن الله سبحانه وتعالى ليس بشيء . فإن قالوا إن قوله تعالى : { الله خالق كُلّ شَىْء } وقوله : { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] عام دخله التخصيص ، قلنا الجواب عنه من وجهين : الأول : أن التخصيص خلاف الأصل ، والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر ، الثاني : أن الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل ، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات ، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيراً قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه ، ويحكم على الباقي بحكم الكل ، فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يكون الله تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى ، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص ، فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال .
الحجة الثانية : قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] حكم الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء ، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه ، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء ، فإن قالوا إن الكاف زائدة ، قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو وعبث وباطل ، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال .
الحجة الثالثة : لفظ الشيء لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء ، وأسماء الله تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس اسماً لله تعالى : أما قولنا إن اسم الشيء لا يفيد المدح والجلال فظاهر ، وذلك لأن المفهوم من لفظ الشيء قدر مشترك بين الذرة الحقيرة وبين أشرف الأشياء ، وإذا كان كذلك كان المفهوم من لفظ الشيء حاصلاً في أخس الأشياء وذلك يدل على أن اسم الشيء لا يفيد صفة المدح والجلال ، وأما قولنا : إن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح والجلال ، فالدليل عليه قوله تعالى :

(1/105)


{ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أسمائه } [ الأعراف : 180 ] والاستدلال بالآية أن كون الأسماء حسنة لا معنى له إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة ، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى لم يكن الاسم حسناً ثم إنه تعالى أمرنا بأن ندعوه بهذه الأسماء ثم قال بعد ذلك { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أسمائه } [ الأعراف : 180 ] وهذا كالتنبيه على أن من دعاه بغير تلك الأسماء الحسنة فقد ألحد في أسماء الله ، فتصير هذه الآية دالة دلالة قوية على أنه ليس للعبد أن يدعو الله إلا بالأسماء الحسنى الدالة على صفات الجلال والمدح ، وإذا ثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب .
الحجة الرابعة : أنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنه خاطب الله تعالى بقوله يا شيء ، وكيف يقال ذلك وهذا اللفظ في غاية الحقارة ، فكيف يجوز للعبد خطاب الله بهذاالاسم ، بل نقل عنهم أنهم كانوا يقولون : يا منشىء الأشياء ، يا منشىء الأرض والسماء .
واعلم أن من الناس من يظن أن هذا البحث واقع في المعنى ، وهذا في غاية البعد ، فإنه لا نزاع في أن الله تعالى موجود وذات وحقيقة ، إنما النزاع في أنه هل يجوز إطلاق هذا اللفظ عليه ، فهذا نزاع في مجرد اللفظ لا في المعنى ، ولا يجري بسببه تكفير ولا تفسيق ، فليكن الإنسان عالماً بهذه الدقيقة حتى لا يقع في الغلط .
إطلاق لفظ الموجود على الله :
المسألة الثانية : في بيان أنه هل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى؟ اعلم أن هذا البحث يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة ، وهي أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك على معيين : أحدهما : أن يراد بالوجود الوجدان والإدراك والشعور ، ومتى أريد بالوجود الوجدان والإدراك فقد أريد بالموجود لا محالة المدرك والمشعور به ، والثاني : أن يراد بالوجود الحصول والتحقق في نفسه ، واعلم أن بين الأمرين ، فرقاً ، وذلك لأن كونه معلوم الحصول في الأعيان يتوقف على كونه حاصلاً في نفسه ، ولا ينعكس ، لأن كونه حاصلاً في نفسه لا يتوقف على كونه معلوم الحصول في الأعيان : لأنه يمتنع في العقل كونه حاصلاً في نفسه مع أنه لا يكون معلوماً لأحد ، بقي ههنا بحث ، وهو أن لفظ الوجود هل وضع أولاً للإدراك والوجدان ثم نقل ثانياً إلى حصول الشيء في نفسه ، أو الأمر فيه بالعكس ، أو وضعا معاً؟ فنقول : هذا البحث لفظي ، والأقرب هو الأول ، لأنه لولا شعور الإنسان بذلك الشيء لما عرف حصوله في نفسه ، فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون وضع اللفظ لمعنى الشعور والإدراك سابقاً على وضعه لحصول الشيء نفسه .

(1/106)


إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى يكون على وجهين : أحدهما : كونه معلوماً مشعوراً به ، والثاني : كونه في نفسه ثابتاً متحققاً ، أما بحسب المعنى الأول فقد جاء في القرآن قال الله تعالى : { لَوَجَدُواْ الله } [ النساء : 64 ] ولفظ الوجود ههنا بمعنى الوجدان والعرفان ، وأما بالمعنى الثاني فهو غير موجود في القرآن .
فإن قالوا : لما حصل الوجود بمعنى الوجدان لزم حصول الوجود بمعنى الثبوت والتحقق إذ لو كان عدماً محضاً لما كان الأمر كذلك .
فنقول : هذا ضعيف من وجهين : الأول : أنه لا يلزم من حصول الوجود بمعنى الوجدان والمعرفة حصول الوجود بمعنى الثبوت؛ لما ثبت أن المعدوم قد يكون معلوماً ، والثاني : أنا بينا أن هذا البحث ليس إلا في اللفظ ، فلا يلزم من حصول الاسم بحسب معنى حصول الاسم بحسب معنى آخر ، ثم نقول : ثبت بإجماع المسلمين إطلاق هذا الاسم فوجب القول به .
فإن قالوا : ألستم قلتم إن أسماء الله تعالى يجب كونها دالة على المدح والثناء ، ولفظ الموجود لا يفيد ذلك؟ .
قلنا عدلنا عن هذا الدليل بدلالة الإجماع ، وأيضاً فدلالة لفظ الموجود على المدح أكثر من دلالة لفظ الشيء عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه عند قوم يقع لفظ الشيء على المعدوم كما يقع على الموجود ، أما الموجود فإنه لا يقع على المعدوم ألبتة ، فكان إشعار هذا اللفظ بالمدح أولى . الثاني : أن لفظ الموجود بمعنى المعلوم يفيد صفة المدح والثناء ، لأنه يفيد أن بسبب كثرة الدلائل على وجوده وإلاهيته صار كأنه معلوم لكل أحد موجود عند كل أحد واجب الإقرار به عند كل عقل ، فهذا اللفظ أفاد المدح والثناء من هذا الوجه ، فظهر الفرق بينه وبين لفظ الشيء .
معنى قولنا ذات الله :
المسألة الثالثة : في الذات : روى عبد الله الأنصاري الهروي في الكتاب الذي سماه «بالفاروق» أخباراً تدل على هذا اللفظ : أحدها : عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن من أعظم الناس أجراً الوزير الصالح من أمير يطيعه في ذات الله " ، وثانيها : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم لم يكذب إلا في ثلاث ثنتين في ذات الله " ، وثالثها : عن كعب بن عجرة عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(1/107)


« لا تسبوا علياً فإنه كان مخشوشاً في ذات الله » ، ورابعها : عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل؟ قال : « أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله » وخامسها : عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أن للشيطان مصايد وفخوخاً منها البطر بأنعم الله ، والفخر بعطاء الله ، والكبر على عباد الله ، واتباع الهوى في غير ذات الله »
وأقول : إن كل شيء حصل به أمر من الأمور فإن كان اللفظ الدال على ذلك الشيء مذكراً قيل إنه ذو ذلك الأمر ، وإن كان مؤنثاً قيل إنها ذات ذلك الأمر ، فهذه اللفظة وضعت لإفادة هذه النسبة والدلالة على ثبوت هذه الإضافة ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه من المحال أن تثبت هذه الصفة لصفة ثانية ، وتلك الصفة الثانية تثبت لصفة ثالثة ، وهكذا إلى غير النهاية ، بل لا بدّ وأن تنتهي إلى حقيقة واحدة قائمة بنفسها مستقلة بماهيتها ، وحينئذٍ يصدق على تلك الحقيقة أنها ذات تلك الصفات ، فقولنا : إنها ذات كذا وكذا إنما يصدق في الحقيقة على تلك الماهية القائمة بنفسها ، فلهذا السبب جعلوا هذه اللفظة كاللفظة المفردة الدالة على هذه الحقيقة ، ولما كان الحق تعالى قيوماً في ذاته كان إطلاق اسم الذات عليه حقاً وصدقاً ، وأما الأخبار التي رويناها عن الأنصاري الهروي فإن شيئاً منها لا يدل على هذا المعنى؛ لأنه ليس المراد من لفظ الذات فيها حقيقة الله تعالى وماهيته ، وإنماالمراد منه طلب رضوان الله ، ألا ترى أنه قال : « لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث ثنتين في ذات الله » أي : في طلب مرضاة الله ، وهكذا الكلام في سائر الأخبار .
إطلاق لفظ النفس على الله :
المسألة الرابعة : في لفظ النفس ، وهذا اللفظ وارد في القرآن ، قال تعالى : { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } [ المائدة : 116 ] وقال : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } [ آل عمران : 28 ] وعن عائشة قالت : كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم فقدته ، فطلبته ، فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد ، وهو يقول : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « يقول الله تعالى : أنا مع عبدي حين يذكرني ، فإن ذكرني في في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ، وإن جاءني يمشي جئته أهرول » والخبر الثالث : عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(1/108)


" لما خلق الله الخلق كتب في كتابه على نفسه وهو مرفوع فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي " والخبر الرابع : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس أحد أحب إليه المدح من الله تعالى ، ومن أجل ذلك مدح نفسه ، وليس أحد أغير من الله ، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ، وليس أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل " الخبر الخامس : عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها هذا التسبيح : سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ، ومداد كلماته ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه . الخبر السادس : روى أبو ذر عن النبي عليه الصلاة والسلام عن الله سبحانه وتعالى أنه قال : " حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرماً ، فلا تظالموا " وتمام الخبر مشهور . الخبر السابع : عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذات يوم على المنبر { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } [ الأنعام : 91 ] ثم أخذ يمجد الله نفسه : أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أنا العزيز أنا الكريم ، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى خفنا سقوطه . الخبر الثامن : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : التقى آدم وموسى عليهما السلام فقال له موسى : أنت الذي أشقيت الناس فأخرجتهم من الجنة ، قال آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته ، واصطنعك لنفسه ، وأنزل عليك التوراة ، فهل وجدت كتبته على قبل أن يخلقني؟ قال : نعم ، قال فحج آدم موسى ثلاث مرات» الخبر التاسع : عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى : هذا دين ارتضيته لنفسي ، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، فأكرموه بهما " الخبر العاشر : عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه أنه قال : " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ، فلا أبالي في أي وادٍ من الدنيا أهلكه ، وأقذفه في جهنم ، وما ترددت في نفسي في قضاء شيء قضيت ترددي في قبض عبدي المؤمن؛ يكره الموت ولا بدّ له منه وأكره مساءته " الخبر الحادي عشر : عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب الله همه وغمه ، وأبدله مكان حزنه فرحاً "

(1/109)


الخبر الثاني عشر : عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله تعالى بعثني رحمة للعالمين وأن أكسر المعازف والأصنام ، وأقسم ربي على نفسه أن لا يشرب عبد خمراً ثم لم يتب إلى الله تعالى منه إلا سقاه الله تعالى من طينة الخبال " فقال : قلت : يا رسول الله ، وما طينة الخبال؟ قال : " صديد أهل جهنم "
نفس الشيء ذاته وحقيقته :
واعلم أن النفس عبارة عن ذات الشيء ، وحقيقته؛ وهويته ، وليس عبارة عن الجسم المركب من الأجزاء ، لأن كل جسم مركب ، وكل مركب ممكن ، وكل ممكن محدث ، وذلك على الله محال فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه .
المسألة الخامسة : في لفظ الشخص ، عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا شخص أغير من الله ، ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب إليه المدح من الله "
واعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الشخص الجسم الذي له تشخص وحجمية ، بل المراد منه الذات المخصوصة والحقيقة المعينة في نفسها تعيناً باعتباره يمتاز عن غيره .
هل يقال لله «النور» :
المسألة السادسة : في أنه هل يجوز إطلاق لفظ النور على الله ، قال الله تعالى : { الله نُورُ السموات والأرض } [ النور : 35 ] وأما الأخبار فروى أنه قيل لعبد الله بن عمر : نقل عنك أنك تقول الشقي من شقي في بطن أمه ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور شيء فقد اهتدى ، ومن أخطأ فقد ضل " فلذلك أقول : جف القلم على علم الله تعالى .
واعلم أن القول بأن الله تعالى هو هذا النور أو من جنسه قول باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية في جسم ، والجسم محدث فكيفياته أيضاً محدثة ، وجل الإله عن أن يكون محدثاً . الثاني : أن النور تضاده الظلمة ، والإله منزه عن أن يكون له ضد . الثالث : أن النور يزول ويحصل له أفول ، والله منزه عن الأفول والزوال ، وأما قوله تعالى : { الله نُورُ السموات والأرض } فجوابه أن هذه الآية من المتشابهات ، والدليل عليه ما ذكرناه من الدلائل العقلية ، وأيضاً فإنه تعالى قال عقيب هذه الآية { مَثَلُ نُورِهِ } [ النور : 35 ] فأضاف النور إلى نفسه إضافة الملك إلى مالكه ، فهذا يدل على أنه في ذاته ليس بنور ، بل هو خالق النور .

(1/110)


بقي أن يقال : فما المقتضي لحسن إطلاق لفظ النور عليه؟ فنقول فيه وجوه : الأول : قرأ بعضهم «لله نور السموات والأرض» وعلى هذه القراءة فالشبهة زائلة ، والثاني : أنه سبحانه منور الأنوار ومبدعها وخالقها؛ فلهذا التأويل حسن إطلاق النور عليه . والثالث : أن بحكمته حصلت مصالح العالم . وانتظمت مهمات الدنيا والآخرة ، ومن كان ناظماً للمصالح وساعياً في الخيرات فقد يسمى بالنور ، يقال : فلان نور هذه البلد ، إذا كان موصوفاً بالصفة المذكورة . والرابع : أنه هو الذي تفضل على عباده بالإيمان والهداية والمعرفة ، وهذه الصفات من جنس الأنوار ويدل عليه القرآن والأخبار : أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية : { نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِى الله لِنُورِهِ مَن يَشَاء } وأما الأخبار فكثيرة :
الخبر الأول : ما روى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "
الخبر الثاني : عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " هل تدرون أي الناس أكيس؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أكثرهم للموت ذكراً ، وأحسنهم له استعداداً قالوا : يا رسول الله ، هل لذلك من علامة؟ قال : نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، فإذا دخل النور في القلب انفسح واتسع للاستعداد قبل نزول الموت "
الخبر الثالث : عن ابن مسعود قال : " تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ } [ الزمر : 22 ] فقلت : يا رسول الله كيف يشرح الله صدره؟ قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، فقلت : ما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والتأهب للموت قبل نزول الموت . " الخبر الرابع : عن أنس رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في طريق إذ لقيه حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت والله مؤمناً حقاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أنظر ما تقول ، فإن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك؟ فقال عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : عرفت فالزم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سره أن ينظر إلى رجل نور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا " ثم قال : يا رسول الله ، ادع الله لي بالشهادة ، فدعا له ، فنودي بعد ذلك : يا خيل الله اركبي ، فكان أول فارس ركب ، فاستشهد في سبيل الله .

(1/111)


الخبر الخامس : عن ابن عباس رضي الله عنه قال : بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع صوتاً من فوقه ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : " إن هذا الباب من السماء قد فتح ، وما فتح قط ، فنزل منه ملك فقال : يا محمد أبشر بنورين لم يؤتهما أحد من قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة "
الخبر السادس : عن يعلى بن منبه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يمر المؤمن على الصراط يوم القيامة فتناديه النار : «جز عني يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي "
الخبر السابع : عن نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اللهم بك نصبح ، وبك نمسي ، وبك نحيا وبك نموت ، وإليك النشور ، اللهم اجعلني من أفضل عبادك عندك حظاً ونصيباً ، في كل خير تقسمه اليوم : من نور تهدى به ، أن رحمة تنشرها ، أو رزق تبسطه ، أو ضر تكشفه ، أو بلاء تدفعه ، أو سوء ترفعه ، أو فتنة تصرفها "
الخبر الثامن : عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أهل الجنة فقال : " أهل الجنة شعث رؤسهم ، وسخة ثيابهم ، لو قسم نور أحدهم على أهل الأرض لوسعهم "
الخبر التاسع : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم ، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا ، وإذا قالوا لم ينصت لقولهم ، حاجة أحدهم تتلجلج في صدره ، لو قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم "
الخبر العاشر : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عزّ وجلّ يقول : نوري هداي ، و «لا إله إلا الله» كلمتي ، فمن قالها أدخلته حصني ومن أدخلته حصني فقد أمن "
الخبر الحادي عشر : عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو " أعوذ بكلمات الله التامة ، وبنوره الذي أشرقت له الأرض وأضاءت به الظلمات ، من زوال نعمتك ، ومن تحول عافيتك ، ومن فجأة نقمتك ، ومن درك الشقاء وشر قد سبق "
الخبر الثاني عشر : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : " اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي سمعي نوراً ، وفي بصري نوراً " والحديث مشهور .
لفظ الصورة :
المسألة السابعة : في لفظ الصورة ، وفيه أخبار : الخبر الأول : عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله خلق آدم على صورته "

(1/112)


وعن بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن " قال إسحاق بن راهويه : صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله خلق آدم على صورة الرحمن "
الخبر الثاني : عن معاذ بن جبل قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غدوة فقال له قائل : ما رأيتك أسفر وجهك مثل الغداة ، قال : " وما أبالي ، ، وقد بدا لي ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت : أنت أعلم أي ربي ، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها فعلمت ما في السموات والأرض "
واعلم أن العلماء ذكروا في تأويل هذه الأخبار وجوهًا : الأول : أن قوله : " إن الله خلق آدم على صورته " الضمير عائد إلى المضروب ، يعني أن الله تعالى خلق آدم على صورة المضروب ، فوجب الاحتراز عن تقبيح وجه ذلك المضروب . الثاني : أن المراد أن الله خلق آدم على صورته التي كان في آخر أمره ، يعني أنه ما تولد عن نطفة ودم وما كان جنيناً ورضيعاً ، بل خلقه الله رجلاً كاملاً دفعة واحدة الثالث : أن المراد من الصورة الصفة يقال صورة هذا الأمر كذا ، أي : صفته ، فقوله : " خلق الله آدم على صورة الرحمن " أي : خلقه على صفته في كونه خليفة له في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية ، كما أنه تعالى نافذ القدرة في جميع العالم .
إطلاق «الجوهر» على الله لا يجوز :
المسألة الثامنة : الفلاسفة قد يطلقون لفظ «الجوهر» على ذات الله تعالى ، وكذلك النصارى ، والمتكلمون يمتنعون منه ، أما الفلاسفة فقالوا : المراد من الجوهر الذات المستغنى عن المحل والموضوع ، والله تعالى كذلك ، فوجب أن يكون جوهراً ، فالجوهر فوعل واشتقاقه من الجهر ، وهو الظهور ، فسمي الجوهر جوهراً لكونه ظاهراً بسبب شخصيته وحجميته ، فكونه جوهراً عبارة عن كونه ظاهر الوجود ، وأما حجميته فليست نفس الجوهر ، بل هي سبب لكونه جوهراً وهو ظهور وجوده ، والحق سبحانه وتعالى أظهر من كل ظاهر بحسب كثرة الدلائل على وجوده ، فكان أولى الأشياء بالجوهرية هو هو ، وأما المتكلمون فقالوا : أجمع المسلمون على الامتناع من هذا اللفظ فوجب الامتناع منه .
إطلاق الجسم لا يجوز :
المسألة التاسعة : أطلق أكثر الكرامية لفظ «الجسم» على الله تعالى فقالوا : لا نريد به كونه مركباً مؤلفاً من الأعضاء ، وإنما نريد به كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل وأما سائر الفرق فقد أطبقوا على إنكار هذا الاسم .
ولنا مع الكرامية مقامان : المقام الأول : أنا لا نسلم أنهم أرادوا بكونه جسماً معنى غير الطول والعرض والعمق ، وكيف لا نقول ذلك وأنهم يقولون : أنه تعالى فوق العرش ، ولا يقولون إنه في الصغر مثل الجوهر الفرد ، والجزء الذي لا يتجزأ ، بل يقولون : إنه أعظم من العرش ، وكان ما كان كذلك كانت ذاته ممتدة من أحد جانبي العرش إلى الجانب الآخر فكان طويلاً عريضاً عميقاً ، فكان جسماً بمعنى كونه طويلاً عريضاً عميقاً ، فثبت أن قولهم إنا أردنا بكونه جسماً معنى غير هذا المعنى كذب محض وتزوير صرف . المقام الثاني : أن نقول : لفظ الجسم لفظ يوهم معنى باطلاً ، وليس في القرآن والأحاديث ما يدل على وروده فوجب الامتناع منه ، لا سيما والمتكلمون قالوا : لفظ الجسم يفيد كثرة الأجزاء بحسب الطول والعرض والعمق ، فوجب أن يكون لفظ الجسم يفيد أصل هذا المعنى .

(1/113)


إطلاق «الأَنية» :
المسألة العاشرة : في إطلاق لفظ «الأنية» على الله تعالى : اعلم أن هذه اللفظة تستعملها الفلاسفة كثيراً ، وشرحه بحسب أصل اللغة أن لفظة «إن» في لغة العرب تفيد التأكيد والقوة في الوجود ، ولما كان الحق سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته ، وكان واجب الوجود أكمل الموجودات في تأكد الوجود ، وفي قوة الوجود ، لا جرم أطلقت الفلاسفة بهذا التأويل لفظ الأنية عليه .
إطلاق «الماهية» :
المسألة الحادية عشرة : في إطلاق لفظ الماهية عليه : اعلم أن لفظ «الماهية» ليس لفظاً مفرداً بحسب أصل اللغة ، بل الرجل إذا أراد أن يسأل عن حقيقة من الحقائق فإنه يقول : ما تلك الحقيقة وما هي؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أرنا الأشياء كما هي ، فلما كثر السؤال عن معرفة الحقائق بهذه اللفظة جعلوا مجموع قولنا ما هي كاللفظة المفردة ، ووضعوا هذه اللفظة بإزاء الحقيقة فقالوا ماهية الشيء أي حقيقته المخصوصة وذاته المخصوصة .
إطلاق لفظ «الحق» :
المسألة الثانية عشرة : في إطلاق لفظ «الحق» اعلم أن هذا اللفظ إن أطلق على ذات الشيء كان المراد كونه موجوداً وجوداً حقيقياً في نفسه والدليل عليه أن الحق مقابل للباطل والباطل هو المعدوم قال لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فلما كان مقابل الحق هو المعدوم وجب أن يكون الحق هو الموجود ، وأما إن أطلق لفظ الحق على الاعتقاد كان المراد أن ذلك الاعتقاد صواب مطابق للشيء في نفسه ، وإنما سمي هذا الاعتقاد بالحق لأنه إذا كان صواباً مطابقاً كان واجب التقرير والإبقاء ، وأما أن أطلق لفظ الحق على القول والخبر كان المراد أن ذلك الأخبار صدق مطابق لأنه إذا كان كذلك كان ذلك القول واجب التقرير والإبقاء ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى هو المستحق لاسم الحق ، أما بحسب ذاته فلأنه هو الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله . وأما بحسب الاعتقاد فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه هو الاعتقاد الصواب المطابق الذي لا يتغير عن هذه الصفة ، وأما بحسب الأخبار والذكر فلأن هذا الخبر أحق الأخبار بكونه صدقاً واجب التقرير ، فثبت أنه تعالى هو الحق بحسب جميع الاعتبارات والمفهومات والله الموفق الهادي .

(1/114)


القسم الثاني : من هذا الباب الأسماء الدالة على كيفية الوجود :
اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمات عقلية .
كونه تعالى «أزلياً» :
المقدمة الأولى : اعلم أن كونه تعالى أزلياً أبدياً لا يوجب القول بوجود زمان لا آخر له ، وذلك لأنا نقول : كون الشيء دائم الوجود في ذاته إما أن يتوقف على حصوله في زمان أولاً يتوقف عليه ، فإن لم يتوقف عليه فهو المقصود ، لأن على هذا التقدير يكون تعالى أزلياً أبدياً من غير حاجة إلى القول بوجود زمان آخر ، وأما أن توقف عليه فنقول : ذلك الزمان إما أن يكون أزلياً أو لا يكون فإن كان ذلك الزمان أزلياً فالتقدير هو أن كونه أزلياً لا يتقرر إلا بسبب زمان آخر فحينئذٍ يلزم افتقار الزمان إلى زمان آخر فيلزم التسلسل ، وأما إن قلنا أن ذلك الزمان ليس أزلياً فحينئذٍ قد كان الله أزلياً موجوداً قبل ذلك الزمان ، وذلك يدل على أن الدوام لا يفتقر إلى وجود زمان آخر ، وهو المطلوب ، فثبت أن كونه تعالى أزلياً لا يوجب الاعتراف بكون الزمان أزلياً .
كونه تعالى «باقياً» :
المقدمة الثانية : أن الشيء كلما كان أزلياً كان باقياً ، لكن لا يلزم من كون الشيء باقياً كونه أزلياً ، ولفظ «الباقي» وورد في القرآن قال الله تعالى : { ويبقى وَجْهُ رَبّكَ } [ الرحمن : 27 ] وأيضاً قال تعالى : { كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] والذي لا يصير هالكاً يكون باقياً لا محالة ، وأيضاً قال تعالى : { هُوَ الأول والأخر } [ الحديد : 3 ] فجعله أولاً لكل ما سواه ، وما كان أولاً لكل ما سواه امتنع أن يكون له أول؛ إذ لو كان له أول لامتنع أن يكون أولاً لأول نفسه ، ولو كان له آخر لامتنع كونه آخراً لآخر نفسه ، فلما كان أولاً لكل ما سواه وكان آخراً لكل ما سواه امتنع أن يكون له أول وآخر ، فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى أزلياً لا أول له ، أبدياً لا آخر له .
المقدمة الثالثة : لو كان صانع العالم محدثاً لافتقر إلى صانع آخر ، ولزم التسلسل ، وهو محال فهو قديم ، وإذا ثبت أنه قديم وجب أن يمتنع زواله ، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه .
إذا ثبتت هذه المقدمات فلنشرع في تفسير الأسماء :
اسمه تعالى «القديم» :
الاسم الأول : القديم ، واعلم أن هذا اللفظ يفيد في أصل اللغة طول المدة ، ولا يفيد نفي الأولية يقال : دار قديم إذا طالت مدته ، قال الله تعالى : { حتى عَادَ كالعرجون القديم } [ ياس : 39 ] وقال : { إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم } [ يوسف : 95 ] .
اسمه تعالى " الأزلي " :

(1/115)


الاسم الثاني : الأزلي ، وهذا اللفظ يفيد الانتساب إلى الأزل ، فهذا يوهم أن الأزل شيء حصل ذات الله فيه ، وهذا باطل ، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت ذات الله مفتقرة إلى ذلك الشيء ومحتاجة إليه ، وهو محال ، بل المراد وجود لا أول له ألبتة .
عدم أوليته تعالى :
الاسم الثالث : قولنا لا أول له ، وهذا اللفظ صريح في المقصود ، واختلفوا في أن قولنا لا أول له صفة ثبوتية أو عدمية ، قال بعضهم : إن قولنا لا أول له إشارة إلى نفي العدم السابق ونفي النفي إثبات ، فقولنا لا أول له وإن كان بحسب اللفظ عدماً إلا أنه في الحقيقة ثبوت ، وقال آخرون : أنه مفهوم عدمي ، لأنه نفي لكون الشيء مسبوقاً بالعدم ، وفرق بين العدم وبين كونه مسبوقاً بالعدم ، فكونه مسبوقاً بالعدم كيفية ثبوتية ، فقولنا لا أول له سلب لتلك الكيفية الثبوتية ، فكان قولنا لا أول مفهوماً عدمياً ، وأجاب الأولون عنه بأن كونه مسبوقاً بالعدم لو كان كيفية وجودية زائدة على ذاته لكانت تلك الكيفية الزائدة حادثة ، فكانت مسبوقة بالعدم ، فكان كونها كذلك صفة أخرى ، ولزم التسلسل ، وهو محال .
اسمه تعالى « الأبدي والسرمدي » :
الاسم الرابع : الأبدي ، وهو يفيد الدوام بحسب الزمان المستقبل .
الاسم الخامس : السرمدي ، واشتقاق هذه اللفظة من السرد ، وهو التوالي والتعاقب ، قال عليه الصلاة والسلام في الأشهر الحرم : « واحد فرد وثلاثة سرد » أي : متعاقبة ، ولما كان الزمان إنما يبقى بسبب تعاقب أجزائه وتلاحق أبعاضه وكان ذلك التعاقب والتلاحق مسمى بالسرد أدخلوا عليه الميم الزائدة ليفيد المبالغة في ذلك المعنى .
إذا عرفت هذا فنقول : الأصل في لفظ السرمد أن لا يقع إلا على الشيء الذي تحدث أجزاؤه بعضها عقيب البعض ، ولما كان هذا المعنى في حق الله تعالى محالاً كان إطلاق لفظ السرمدي عليه مجازاً ، فإن ورد في الكتاب والسنّة أطلقناه وإلا فلا .
« المستمر » :
الاسم السادس : المستمر ، وهذا بناء الاستفعال ، وأصله المرور والذهاب ، ولما كان بقاء الزمان بسبب مرور أجزائه بعضها عقيب البعض لا جرم أطلقوا المستمر ، إلا أن هذا إنما يصدق في حق الزمان ، أما في حق الله فهو محال؛ لأنه باقٍ بحسب ذاته المعينة لا بحسب تلاحق أبعاضه وأجزائه .
الاسم السابع : الممتد وسميت المدة مدة لأنها تمتد بحسب تلاحق أجزائها وتعاقب أبعاضها فيكون قولنا في الشيء ، إنه امتد وجوده إنما يصح في حق الزمان والزمانيات ، أما في حق الله تعالى فعلى المجاز .
اسمه تعالى « الباقي » :
الاسم الثامن : لفظ الباقي ، قال تعالى : { ويبقى وَجْهُ رَبّكَ } [ الرحمن : 27 ] واعلم أن كل ما كان أزلياً كان باقياً ولا ينعكس ، فقد يكون باقياً ولا يكون أزلياً ولا أبدياً كما في الأجسام والأعراض الباقية ، ومن الناس من قال : لفظ الباقي يفيد الدوام ، وعلى هذا ألا يصح وصف الأجسام بالباقي ، وليس الأمر كذلك ، لإطباق أهل العرف على قول بعضهم لبعض أبقاك الله .

(1/116)


" الدائم " :
الاسم التاسع : الدائم ، قال تعالى : { أُكُلُهَا دَائِمٌ } [ الرعد : 35 ] ولما كان أحق الأشياء بالدوام هو الله كان الدائم هوالله .
واجب الوجود :
الاسم العاشر : قولنا : «واجب الوجود لذاته» ومعناه أن ماهيته وحقيقته هي الموجبة لوجوده ، وكل ما كان كذلك فإنه يكون ممتنع العدم والفناء ، واعلم أن ما كان واجب الوجود لذاته وجب أن يكون قديماً أزلياً ، ولا ينعكس؛ فليس كل ما كان قديماً أزلياً كان واجب الوجود لذاته ، لأنه لا يبعد أن يكون الشيء معللاً بعلة أزلية أبدية ، فحينئذٍ يجب كونه أزلياً أبدياً بسبب كون علته كذلك ، فهذا الشيء يكون أزلياً أبدياً مع أنه لا يكون واجب الوجود لذاته ، وقولهم بالفارسية «خداي» معناه أنه واجب الوجود لذاته لأن قولنا : «خداي» كلمة مركبة من لفظتين في الفارسية : إحداهما : خود ، ومعناه ذات الشيء ونفسه وحقيقته والثانية قولنا : «آي» ومعناه جاء ، فقولنا : «خداي» معناه أنه بنفسه جاء ، وهو إشارة إلى أنه بنفسه وذاته جاء إلى الوجود لا بغيره ، وعلى هذا الوجه فيصير تفسير قولهم : «خداي» أنه لذاته كان موجوداً .
" الكائن " :
الاسم الحادي عشر : الكائن ، واعلم أن هذا اللفظ كثير الورود في القرآن بحسب صفات الله تعالى ، قال الله تعالى : { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا } [ الكهف : 45 ] وقال إن الله : { كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } [ النساء : 24 ] وأما ورود هذا اللفظ بحسب ذات الله تعالى فهو غير وارد في القرآن ، لكنه وارد في بعض الأخبار ، روي في الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يا كائناً قبل كل كون ، ويا حاضراً مع كل كون ، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون " أو لفظ يقرب معناه مما ذكرناه ويناسبه من بعض الوجوه واعلم أن ههنا بحثاً لطيفاً نحوياً : وذلك أن النحويين أطبقوا على أن لفظ «كان» على قسمين : أحدهما : الذي يكون تاماً ، وهو بمعنى حدث ووجد وحصل ، قال تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [ آل عمران : 110 ] أي حدثتم ووجدتم خير أمة . والثاني : الذي يكون ناقصاً كقولك «كان الله عليماً حكيماً» ، فإن لفظ كان بهذا التفسير لا بدّ له من مرفوع ومنصوب ، واتفقوا على أن كان على كلا التقديرين فعل ، إلا أنهم قالوا : إنه على الوجه الأول فعل تام ، وعلى الثاني فعل ناقص ، فقلت للقوم : لو كانت هذه اللفظة فعلاً لكان دالاً على حصول حدث في زمان معين ولو كان كذلك لكنا إذا أسندناه إلى اسم واحد لكان حينئذٍ قد دل على حصول حدث لذلك الشيء ، وحينئذٍ يتم الكلام ، فكان يجب أن يستغنى عن ذكر المنصوب ، وعلى هذا التقدير يصير فعلاً تاماً . فثبت أن القول بأن بهذه الكلمة الناقصة فعل يوجب كونها تامة غير ناقصة ، وما أفضى ثوبته إلى نفيه كان باطلاً ، فكان القول بأن هذه الكلمة ناقصة كلاماً باطلاً ، ولما أوردت هذا السؤال عليهم بقي الأذكياء من النحويين والفضلاء منهم متحيرين فيه زماناً طويلاً ، وما أفلحوا في الجواب ، ثم لما تأملت فيه وجدت الجواب الحقيقي الذي يزيل الشبهة ، وتقريره أن نقول : لفظ «كان» لا يفيد إلا الحدوث والحصول والوجود ، إلا أن هذا على قسمين : منه ما يفيد حدوث الشيء في نفسه ، ومنه ما يفيد موصوفية شي بشيء آخر . أما القسم الأول : فإن لفظ «كان» يتم بإسناده إلى ذلك الشيء الواحد لأنه يفيد أن ذلك الشيء قد حدث وحصل ، وأما القسم الثاني فإنه لا تتم فائدته إلا بذكر الاسمين ، فإنه إذا ذكر كان معناه حصول موصوفية زيد بالعلم ولا يمكن ذكر موصوفية هذا بذاك إلا عند ذكرهما جميعاً ، فلا جرم لا يتم المقصود إلا بذكرهما ، فقولنا : «كان زيد عالماً» ، معناه أنه حدث وحصل موصوفية زيد بالعلم ، فثبت بما ذكرنا أن لفظ الكون يفيد الحصول والوجود فقط ، إلا أنه في القسم الأول يكفيه إسناده إلى اسم واحد ، وفي القسم الثاني : لا بدّ من ذكر الاسمين ، وهذا من اللطائف النفيسة في علم النحو ، إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير لا فرق بين الكائن والموجود فوجب جواز إطلاقه على الله تعالى .

(1/117)


القسم الثالث : من أقسام الصفات الحقيقية :
الصفة المغايرة للوجود مذهب نفاة الصفات :
الصفة التي تكون مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود .
اعلم أن هذا البحث مبني على أنه هل يجوز قيام هذه الصفات ذات الله تعالى؟ فالمعتزلة والفلاسفة ينكرونه أشد الإنكار ، ويحتجون عليه بوجوه :
الأول : أن تلك الصفة إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها ، والقسمان باطلان ، فبطل القول بالصفات ، وإنما قلنا أن يمتنع كونها واجبة لذاتها لوجهين : الأول : أنه ثبت في الحكمة أن واجب الوجود لذاته لا يكون إلا واحداً . الثاني : أن الواجب لذاته هو الذي يكون غنياً عما سواه ، والصفة هي التي تكون مفتقرة إلى الموصوف ، فالجمع بين الوجوب الذاتي وبين كونه صفة للغير محال ، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون ممكناً لذاته لوجهين : الأول : أن الممكن لذاته لا بدّ له من سبب ، وسببه لا يجوز أن يكون غير ذات الله ، لأن تلك الذات لما امتنع خلوها عن تلك الصفة ، وتلك الصفة مفتقرة إلى الغير لزم كون تلك الذات مفتقرة إلى الغير . وما كان كذلك كان ممكناً لذاته فيلزم أن يكون الواجب لذاته ممكناً لذاته ، وهو محال ، ولا يجوز أن يكون هو ذات الله تعالى؛ لأنها قابلة لتلك الصفة فلو كانت مؤثرة فيها لزم كون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد فاعلاً وقابلاً معاً ، وهو محال؛ لما ثبت أن الشيء الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد ، والفعل والقبول أثران مختلفان : الثاني : أن الأثر مفتقر إلى المؤثر ، فافتقاره إليه إما أن يكون بعد حدوثه ، أو حال حدوثه ، أو حال عدمه ، والأول باطل . وإلا لكان تأثير ذلك المؤثر في إيجاده تحصيلاً للحاصل ، وهو محال ، فبقي القسمان الأخيران ، وذلك يقتضي أن يكون كلما كان الشيء أثراً لغيره كان حادثاً ، فوجب أن يقال : الشيء الذي لا يكون حادثاً فإنه لا يكون أثراً للغير ، فثبت أن القول بالصفات باطل .

(1/118)


الحجة الثانية : على نفي الصفات : قالوا : إن تلك الصفات إما أن تكون قديمة أو حادثة والأول باطل لأن القدم صفة ثبوتية على ما بيناه ، فلو كانت الصفات قديمة لكانت الذات مساوية للصفات في القدم ، ويكون كل واحد منهما مخالفاً للآخر بخصوصية ماهيته المعينة وما به المشاركة غير ما به المخالفة ، فيكون كل واحد من تلك الأشياء القديمة مركباً من جزأين ثم نقول : ويجب أن يكون كل واحد من ذينك الجزأين قديماً لأن جزء ماهية القديم يجب أن يكون قديماً ، وحينئذٍ يكون ذانك الجزآن يتشاركان في القدم ويختلفان بالخصوصية ، فيلزم كون كل واحد منهما مركباً من جزأين ، وذلك محال لأنه يلزم أن يكون حقيقة الذات وحقيقة كل واحدة من تلك الصفات مركبة من أجزاء غير متناهية وذلك محال ، وإنما قلنا إنه يمتنع كون تلك الصفات حادثة لوجوه : الأول : أن قيام الحوادث بذات الله محال ، لأن تلك الذات إن كانت كافية في وجود تلك الصفة أو دوام عدمها لزم دوام وجود تلك الصفة أو دوام عدمها بدوام تلك الذات ، وإن لم تكن كافية فيه فحينئذٍ تكون تلك الذات واجبة الاتصاف بوجود تلك الصفة أو عدمها ، وذلك الوجود والعدم يكونان موقوفين على شيء منفصل ، والموقوف على الموقوف على الغير موقوف على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته ، ينتج أن الواجب لذاته ممكن لذاته ، وهو محال . والثاني : أن ذاته لو كانت قابلة للحوادث لكانت قابلية تلك الحوادث من لوازم ذاته ، فحينئذٍ يلزم كون تلك القابلية أزلية لأجل كون تلك الذات أزلية ، لكن يمتنع كون قابلية الحوادث أزلية؛ لأن قابلية الحوادث مشروط بإمكان وجود الحوادث ، وإمكان وجود الحوادث في الأزل محال ، فكان وجود قابليتها في الأزل محالاً . الثالث : أن تلك الصفات لما كانت حادثة الإله الموصوف بصفات الإلهية موجوداً قبل حدوث هذه الصفات ، فحينئذٍ تكون هذه الصفات مستغنى عنها في ثبوت الإلهية ، فوجب نفيها ، فثبت أن تلك الصفات إما أن تكون حادثة أو قديمة ، وثبت فسادهما فثبت امتناع وجود الصفة .

(1/119)


الحجة الثالثة : أن تلك الصفات إما أن تكون بحيث تتم الإلهية بدونها أو لا تتم ، فإن كان الأول كان وجودها فضلاً زائداً ، فوجب نفيها ، وإن كان الثاني كان الإله مفتقراً في تحصيل صفة الإلهية إلى شيء آخر ، والمحتاج لا يكون إلهاً .
الحجة الرابعة : ذاته تعالى إما أن تكون كاملة في جميع الصفات المعتبرة في المدائح والكمالات ، وإما أن لا تكون ، فإن كان الأول فلا حاجة إلى هذه الصفات ، وإن كان الثاني كانت تلك الذات ناقصة في ذاتها مستكملة بغيرها ، وهذه الذات لا يليق بها صفة الإلهية .
الحجة الخامسة : لما كان الإله هو مجموع الذات والصفات فحينئذٍ يكون الإله مجزأ مبعضاً منقسماً ، وذلك بعيد عن العقل؛ لأن كل مركب ممكن لا واجب .
الحجة السادسة : أن الله تعالى كفر النصارى في التثليث ، فلا يخلو إما أن يكون لأنهم قالوا بإثبات ذوات ثلاثة ، أو لأنهم قالوا بالذات مع الصفات ، والأول لا يقوله النصارى ، فيمتنع أن يقال إن الله كفرهم بسبب مقالة هم لا يقولون بها ، فبقي الثاني ، وذلك يوجب أن يكون القول بالصفات كفراً .
فهذه الوجوه يتمسك بها نفاة الصفات ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى هذا التقدير يمتنع أن يحصل الله تعالى اسم بسبب قيام الصفة الحقيقية به .
دلائل مثبتي الصفات :
المسألة الثانية : في دلائل مثبتي القول بالصفات : اعلم أنه ثبت أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً ، فنقول يمتنع أن يكون علمه وقدرته نفس تلك الذات ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنا ندرك تفرقة ضرورية بديهية بين قولنا : ذات الله ذات ، وبين قولنا : ذات الله عالمة قادرة ، وذلك يدل على أن كونه عالماً قادراً ليس نفس تلك الذات . الثاني : أنه يمكن العلم بكونه موجوداً مع الذهول عن كونه قادراً وعالماً ، وكذلك يمكن أن يعلم كونه قادراً مع الذهول عن كونه عالماً ، وبالعكس ، وذلك يدل على أن كونه عالماً قادراً ليس نفس تلك الذات ، الثالث : أن كونه عالماً عام التعلق بالنسبة إلى الواجب والممتنع والممكن ، وكونه قادراً ليس عام التعلق بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة ، بل هو مختص بالجائز فقط ، ولولا الفرق بين العلم وبين القدرة وإلا لما كان كذلك ، الرابع : أن كونه تعالى قادراً يؤثر في وجود المقدور ، وكونه عالماً لا يؤثر ، ولولا المغايرة وإلا لما كان كذلك ، الخامس : أن قولنا : موجود ، يناقضه قولنا : ليس بموجود ، ولا يناقضه قولنا : ليس بعالم ، وذلك يدل على أن المنفي بقولنا : ليس بموجود مغاير للمنفي بقولنا : ليس بعالم ، وكذا القول في كونه قادراً .
فهذه دلائل واضحة على أنه لا بدّ من الإقرار بوجود الصفات لله تعالى ، إلا أنه بقي أن يقال : لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من «كونه قادراً» كونه بحيث يصح منه الإيجاد ، وتلك الصحة معللة بذاته ، و «كونه عالماً» معناه الشعور والإدراك ، وذلك حالة نسبية إضافية ، وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته المخصوصة ، وهذا تمام الكلام في هذا الباب .

(1/120)


المسألة الثالثة : أنا إذا قلنا بإثبات الصفات الحقيقية فنقول : الصفة الحقيقية إما أن تكون صفة يلزمها حصول النسبة والإضافة ، وهي مثل العلم والقدرة ، فإن العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم ، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور ، فهذه الصفات وإن كانت حقيقية إلا أنه يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات .
أما الصفة الحقيقية العارية عن النسبة والإضافة في حق الله تعالى فليست إلا صفة الحياة فلنبحث عن هذه الصفة فنقول : قالت الفلاسفة : الحي هو الدراك الفعال ، إلا أن الدراكية صفة نسبية والفعالية أيضاً كذلك ، وحينئذٍ لا تكون الحياة صفة مغايرة للعلم والقدرة على هذا القول ، وقال المتكلمون إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً قادراً ، واحتجوا عليه بأن الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في هذه الصحة ، فلا بدّ وأن تكون تلك الذوات مختلف في قبول صفة الحياة ، فوجب أن تكون صحيحة لأجل صفة زائدة ، فيقال لهم : قد دللنا على أن ذات الله تعالى مخالفة لسائر الذوات لذاته المخصوصة ، فسقط هذا الدليل ، وأيضاً الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة ، فوجب أن يكون صحة قبول الحياة لصفة أخرى ، ولزم التسلسل ، ولا جواب عنه إلا أن يقال : إن تلك الصحة من لوازم الذات المخصوصة فاذكروا هذا الكلام في صحة العالمية ، وقال قوم ثالث : معنى كونه حياً أنه لا يمتنع أن يقدر ويعلم ، فهذا عبارة عن نفي الامتناع ، ولكن الامتناع عدم ، فنفيه يكون عدماً للعدم ، فيكون ثبوتاً ، فيقال لهم : هذا مسلم ، لكن لم لا يجوز أن يكون هذا الثبوت هو تلك الذات المخصوصة؟ فإن قالوا : الدليل عليه أن نعقل تلك الذات مع الشك في كونها حية ، فوجب أن يكون كونها حية مغايراً لتلك الذات ، فيقال لهم : قد دللنا على أنا لا نعقل ذات الله تعالى تعقلاً ذاتياً ، وإنما نتعقل تلك الذات تعقلاً عرضياً ، وعند هذا يسقط هذا الدليل ، فهذا تمام الكلام في هذا الباب .
اسمه تعالى الحي :
المسألة الرابعة : لفظ الحي وارد في القرآن ، قال الله تعالى : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم } [ البقرة : 255 ] وقال : { وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم } [ طه : 111 ] وقال : { هُوَ الحى لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ غافر : 65 ] فإن قيل : الحي معناه الدراك الفعال أو الذي لا يمتنع أن يعلم ويقدر ، وهذا القدر ليس فيه مدح عظيم ، فما السبب في أن ذكره الله تعالى في معرض المدح العظيم؟ فالجواب إن التمدح لم يحصل بمجرد كونه حياً ، بل بمجموع كونه حياً قيوماً . وذلك لأن القيوم هو القائم بإصلاح حال كل ما سواه ، وذلك لا يتم إلا بالعلم التام والقدرة التامة ، والحي هو الدراك الفعال ، فقوله : «الحي» يعني كونه دراكاً فعالاً ، وقوله : «القيوم» يعني كونه دراكاً لجميع الممكنات فعالاً لجميع المحدثات والممكنات ، فحصل المدح من هذا الوجه .

(1/121)


الباب الخامس
في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية
الاسم الدال على الصفات الإضافية :
اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمة عقلية ، وهي أن التكوين هل هو نفس المكون أم لا؟ قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس المكون ، وقال آخرون إنه غيره ، واحتج النفاة بوجوده :
الحجة الأولى : أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب ، فإن كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير ، وإن كان الثاني لزم كونه تعالى موجباً بالذات لا فاعلاً بالا ختيار .
الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها قدم الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها ، إلى تكوين آخر ولزم التسلسل .
الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية ، فإن كان الأول فحينئذٍ تكون القدرة كافية في خروج الأثر من العدم إلى الوجود ، وعلى هذا التقدير فلا حجة إلى إثبات صفة أخرى ، وإن كان الثاني فحينئذٍ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير ، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة ، وذلك يوجب التناقض .
واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ، ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده ، وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً ، ثم نقول : كونه موجداً إما أن يكون معناه دخول الأثر في الوجود أو يكون أمراً زائداً ، والأول باطل لأنا نعلل دخول هذا الأثر في الوجود بكون الفاعل موجداً له ، ألا ترى أنه إذا قيل : لم وجد العالم؟ قلنا : لأجل أن الله أوجده ، فلو كان كون الموجد موجداً له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجدية يقتضي تعليل وجوده نفسه ، ولو كان معللاً بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل ، فوجب أن يكون كون الموجد موجداً أمراً مغايراً لكون الفاعل قادراً لوجود الأثر ، فثبت أن التكوين غير المكون .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا : معنى كونه تعالى خالقاً رازقاً محيياً مميتاً ضاراً نافعاً عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة ، وهي تأثير قدرة الله تعالى في حصول هذه الأشياء . وأما القائلون بأن التكوين غير المكون ، فقالوا معنى كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط ، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية .

(1/122)


اعلم أن الصفات الإضافية على أقسام : أحدها : كونه معلوماً مذكوراً مسبحاً ممجداً ، فيقال : يا أيها المسبح بكل لسان ، يا أيها الممدوح عند كل إنسان ، يا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان ، ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناهٍ كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية . وثانيها : كونه تعالى فاعلاً للأفعال صفة إضافية محضة بناءً على أن تكوين الأشياء ليس بصفة زائدة ، إذا عرفت هذا فالمخبر عنه إما أن يكون مجرد كونه موجداً ، أو المخبر عنه كونه موجداً للنوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية ، أما القسم الأول وهو اللفظ الدال على مجرد كونه موجداً فههنا ألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة مثل : الموجد ، والمحدث ، والمكون ، والمنشىء ، والمبدع ، والمخترع ، والصانع ، والخالق ، والفاطر ، والبارىء ، فهذه ألفاظ عشرة متقاربة ، ومع ذلك فالفرق حاصل : أما الاسم الأول وهو الموجد فمعناه المؤثر في الوجود ، وأما المحدث فمعناه الذي جعله موجوداً بعد أن كان معدوماً ، وهذا أخص من مطلق الإيجاد ، وأما المكون فيقرب من أن يكون مرادفاً للموجد ، وأما المنشىء فاشتقاقه من النشوء والنماء ، وهو الذي يكون قليلاً قليلاً على التدريج ، وأما المبدع فهو الذي يكون دفعة واحدة ، وهما كنوعين تحت جنس الموجد . والمخترع قريب من المبدع ، وأما الصانع فيقرب أن يكون اسماً لمن يأتي بالفعل على سبيل التكلف ، وأما الخالق فهو عبارة عن التقدير ، وهو في حق الله تعالى يرجع إلى العلم ، وأما الفاطر فاشتقاقه من الفطر وهو الشق ، ويشبه أن يكون معناه هو الأحداث دفعة ، وأما البارىء فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة ، يقال : برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقاً لغرض معين ، فهذا بيان هذه الألفاظ الدالة على كونه موجداً على سبيل العموم ، أما الألفاظ الدالة على إيجاد شيء بعينه فتكاد أن تكون غير متناهية ، ويجب أن نذكر في هذا الباب أمثلة فالمثال الأول : أنه إذا خلق النافع سمي نافعاً ، وإذا خلق المؤلم سمي ضاراً ، والمثال الثاني : إذا خلق الحياة سمي محيياً ، وإذا خلق الموت سمي مميتاً ، والمثال الثالث : إذا خصهم بالإكرام سمي براً لطيفاً ، وإذا خصهم بالقهر سمي قهاراً جباراً ، والمثال الرابع : إذا قلل العطاء سمي قابضاً ، وإذا أكثره سمي باسطاً ، والمثال الخامس : إن جارى ذوي الذنوب بالعقاب سمي منتقماً وإن ترك ذلك الجزاء سمي عفواً غفوراً رحيماً رحماناً ، المثال السادس : إن حصل المنع والإعطاء في الأموال سمي قابضاً باسطاً ، وإن حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضاً رافعاً .

(1/123)


إذا عرفت هذا فنقول : إن أقسام مقدورات الله تعالى بحسب الأنواع والأجناس غير متناهية ، فلا جرم يمكن أن يحصل لله تعالى أسماء غير متناهية بحسب هذا الاعتبار .
وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا دقائق لا بدّ منها : فالدقيقة الأولى : أن مقابل الشيء تارة يكون ضده وتارة يكون عدمه ، فقولنا : «المعز المذل» وقولنا : «المحيي المميت» يتقابلان تقابل الضدين ، وأما قولنا : «القابض الباسط ، الخافض الرافع» فيقرب من أن يكون تقابلهما تقابل العدم والوجود ، لأن القبض عبارة عن أن لا يعطيه المال الكثير ، والخفض عبارة أن لا يعطيه الجاه الكبير ، أما الإعزاز والإذلال فهما متضادان؛ لأنه فرق بين أن لا يعزه وبين أن يذله والدقيقة الثانية : أنه قد تكون الألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة ولكن التأمل التام يدل على الفرق اللطيف ، وله أمثلة : المثال الأول : الرؤف الرحيم ، يقرب من هذا الباب إلا أن الرؤف أميل إلى جانب إيصال النفع ، والرحيم أميل إلى جانب دفع الضرر ، والمثال الثاني : الفاتح ، والفتاح ، والنافع والنفاع ، والواهب والوهاب ، فالفاتح يشعر بأحداث سبب الخير ، والواهب يشعر بإيصال ذلك الخير إليه ، والنافع يشعر بإيصال ذلك النفع إليه بقصد أن ينتفع ذلك الشخص به ، وإذا وقفت على هذا القانون المعتبر في هذا الباب أمكنك الوقوف على حقائق هذا النوع من الأسماء .
الباب السادس
في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية
واعلم أن القرآن مملوء منه ، وطريق الضبط فيه أن يقال : ذلك السلب إما أن يكون عائداً إلى الذات ، أو إلى الصفات ، أو إلى الأفعال ، أما السلوب العائدة إلى الذات فهي قولنا إنه تعالى ليس كذا ولا كذا ، كقولنا : إنه ليس جوهراً ولا جسماً ولا في المكان ولا في الحيز ولا حالاً ولا محلاً ، واعلم أنا قد دللنا على أن ذاته مخالفة لسائر الذوات والصفات لعين ذاته المخصوصة ، لكن أنواع الذوات والصفات المغايرة لذاته غير متناهية ، فلا جرم يحصل ههنا سلوب غير متناهية ، ومن جملتها قوله تعالى : { والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء } [ محمد : 38 ] وقوله : { وَرَبُّكَ الغنى ذُو الرحمة } [ الأنعام : 133 ] لأن كونه غنياً أنه لا يحتاج في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية إلى شيء غيره ، ومنه أيضاً قوله : { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [ الإخلاص : 3 ] وأما السلوب العائدة إلى الصفات فكل صفة تكون من صفات النقائص فإنه يجب تنزيه الله تعالى عنها ، فمنها ما يكون من باب أضداد العلم ومنها ما يكون من باب أضداد القدرة ، ومنها ما يكون من باب أضداد الاستغناء ، ومنها ما يكون من باب أضداد الوحدة : ومنها ما يكون من باب أضداد العلم فأقسام ، أحدها : نفي النوم ، قال تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] وثانيها : نفي النسيان ، قال تعالى :

(1/124)


{ وما كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } [ مريم : 64 ] وثالثها : نفي الجهل قال تعالى : { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السموات وَلاَ فِى الأرض } [ سبأ : 3 ] ورابعها : أن علمه ببعض المعلومات لا يمنعه عن العلم بغيره فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ، وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة فأقسام : أحدها : أنه منزه في أفعاله عن التعب والنصب قال تعالى : { وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } [ ق : 38 ] وثانيها : أنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات والأدوات وتقدم المادة والمدة ، قال تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] وثالثها : أنه لا تفاوت في قدرته بين فعل الكثير والقليل ، قال تعالى : { وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [ النحل : 77 ] ورابعها : نفي انتهاء القدرة وحصول الفقر ، قال تعالى : { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] وأما السلوب العائدة إلى صفة الاستغناء فكقوله : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام : 24 ] { وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } [ المؤمنون : 88 ] وأما السلوب العائدة إلى صفة الوحدة وهو مثل نفي الشركاء والأضداد والأنداد فالقرآن مملوء منه ، وأما السلوب العائدة إلى الأفعال وهو أنه لا يفعل كذا وكذا فالقرآن مملوء منه ، أحدها : أنه لا يخلق الباطل ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } [ ص : 27 ] وقال تعالى حكاية عن المؤمنين : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } [ آل عمران : 191 ] وثانيها : أنه لا يخلق اللعب ، قال تعالى : { وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ، وَمَا خلقناهما إِلاَّ بالحق } [ الدخان : 38 39 ] وثالثها : لا يخلق العبث؛ قال تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فتعالى الملك الحق } [ المؤمنون : 115 ، 116 ] ورابعها : أنه لا يرضى بالكفر ، قال تعالى : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } [ الزمر : 7 ] وخامسها : أنه لا يريد الظلم ، قال تعالى : { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } [ غافر : 31 ] وسادسها : أنه لا يحب الفساد ، قال تعالى : { والله لاَ يُحِبُّ الفساد } [ البقرة : 205 ] وسابعها : أنه لا يعاقب من غير سابقة جرم ، قال تعالى : { مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ } [ النساء : 147 ] وثامنها : أنه لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين ، قال تعالى : { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء : 7 ] وتاسعها : أنه ليس لأحد عليه اعتراض في أفعاله وأحكامه ، قال تعالى : { لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ } [ الأنبياء : 23 ] وقال تعالى : { فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } [ االبروج : 16 ] وعاشرها : أنه لا يخلف وعده ووعيده ، قال تعالى : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ ق : 29 ] .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : أقسام السلوب بحسب الذات وبحسب الصفات وبحسب الأفعال غير متناهية ، فيحصل من هذا الجنس أيضاً أقسام غير متناهية من الأسماء ، إذا عرفت هذا الأصل فلنذكر بعض الأسماء المناسبة لهذا الباب : فمنها القدوس ، والسلام ، ويشبه أن يكون القدوس عبارة عن كون حقيقة ذاته مخالفة للماهيات التي هي نقائص في أنفسها ، والسلام عبارة عن كون تلك الذات غير موصوفة بشيء من صفات النقص ، فالقدوس سلب عائد إلى الذات ، والسلام سلب عائد إلى الصفات ، وثانيها : العزيز ، وهو الذي لا يوجد له نظير ، وثالثها : الغفار ، وهو الذي يسقط العقاب عن المذنبين ، ورابعها : الحليم ، وهو الذي لا يعاجل بالعقوبة ، ومع ذلك فإنه لا يمتنع من إيصال الرحمة ، وخامسها : الواحد ، ومعناه أنه لا يشاركه أحد في حقيقته المخصوصة ، ، ولا يشاركه أحد في صفة الإلهية ، ولا يشاركه أحد في خلق الأرواح والأجسم ، ولا يشاركه أحد في نظم العالم وتدبير أحوال العرش وسادسها : الغني : ومعناه كونه منزهاً عن الحاجات والضرورات ، وسابعها : الصبور ، والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور هو الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه ، والحليم هو الذي يكون كذلك مع أنه لا يمنعه من إيصال نعمته إليه ، وقس عليه البواقي ، والله الهادي .

(1/125)


الباب السابع
في الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية ، وفيه فصول :
الفصل الأول
في الأسماء الحاصلة بسبب القدرة
الأسماء الدالة على صفة القدرة :
والأسماء الدالة على صفة القدرة كثيرة : الأول : القادر ، قال تعالى : { قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } [ الأنعام : 65 ] وقال في أول سورة القيامة : { أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بلى قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } [ القيامة : 3 ، 4 ] وقال في آخر السورة : { أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى } [ القيامة : 40 ] الثاني : القدير ، قال تعالى : { تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } [ الملك : 1 ] وهذا اللفظ يفيد المبالغة في وصفه بكونه قادراً ، الثالث : المقتدر ، قال تعالى : { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا } [ الكهف : 45 ] وقال : { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } [ القمر : 55 ] الرابع : عبر عن ذاته بصيغة الجمع في هذه الصفة قال تعالى : { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون } [ المرسلات : 23 ] واعلم أن لفظ «الملك» يفيد القدرة أيضاً بشرط خاص ، ثم إن هذا اللفظ جاء في القرآن على وجوه مختلفة : فالأول : المالك ، قال الله تعالى : { مالك يَوْمِ الدين } الثاني : الملك ، قال تعالى : { فتعالى الله الملك الحق } [ طه : 114 ] وقال : { هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس } [ الحشر : 23 ] وقال : { مَلِكِ الناس } واعلم أن ورود لفظ الملك في القرآن أكثر من ورود لفظ المالك ، والسبب فيه أن الملك أعلى شأناً من المالك ، الثالث : مالك الملك ، قال تعالى : { قُلِ اللهم مالك الملك } [ آل عمران : 26 ] الرابع : «المليك» قال تعالى : { عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } [ القمر : 55 ] الخامس : لفظ الملك ، قال تعالى : { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } [ الفرقان : 26 ] وقال تعالى : { لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض } [ البقرة : 107 ] واعلم أن لفظ القوة يقرب من لفظ القدرة ، وقد جاء هذا اللفظ في القرآن على وجوه مختلفة : الأول : القوي ، قال تعالى :

(1/126)


{ إِنَّ الله لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 40 ] الثاني : ذو القوة ، قال تعالى : { إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين } [ الذاريات : 58 ] .
الفصل الثاني
الأسماء الحاصلة بسبب العلم :
في الأسماء الحاصلة بسبب العلم ، وفيه ألفاظ : الأول : العلم وما يشتق منه ، وفيه وجوه : الأول : إثبات العلم لله تعالى ، قال تعالى : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } [ البقرة : 255 ] وقال تعالى : { وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } [ فصلت : 47 ] وقال تعالى : { قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَاً } [ الطلاق : 12 ] وقال تعالى : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 34 ] الاسم الثاني : العالم ، قال تعالى : { عالم الغيب والشهادة } [ الزمر : 46 ] الثالث : العليم ، وهو كثير في القرآن ، الرابع : العلام ، قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } [ المائدة : 116 ] الخامس : الأعلم ، قال تعالى : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] السادس : صيغة الماضي ، قال تعالى : { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } [ البقرة : 187 ] السابع : صيغة المستقبل ، قال تعالى : { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } [ البقرة : 197 ] وقال : { والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } [ النحل : 19 ] الثامن : لفظ علم من باب التفعيل ، قال تعالى : { وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } [ البقرة : 31 ] وقال في حق الملائكة { سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } [ البقرة : 32 ] وقال : { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [ النساء : 113 ] وقال : { الرحمن عَلَّمَ القرءان } [ الرحمن : 1 ، 2 ] .
واعلم أنه لا يجوز أن يقال إن الله معلم مع كثرة هذه الألفاظ لأن لفظ المعلم مشعر بنوع نقيصة ، التاسع : لا يجوز إطلاق لفظ العلامة على الله تعالى؛ لأنها وإن أفادت المبالغة لكنها تفيد أن هذه المبالغة إنما حصلت بالكد والعناء ، وذلك في حق الله تعالى محال .
اللفظ الثاني : من ألفاظ هذا الباب لفظ الخبر والخبرة ، وهو كالمرادف للعلم ، حتى قال بعضهم في حد العلم : إنه الخبر ، إذا عرفت هذا فنقول : ورد لفظ «الخبير» في حق الله تعالى في حد العلم : إنه الخبر ، إذا عرفت هذا فنقول : ورد لفظ «الخبير» في حق الله تعالى كثيراً في القرآن ، وذلك أيضاً يدل ، على العلم .
النوع الثالث من الألفاظ : الشهود والمشاهدة ، ومنه «الشهيد» في حق الله تعالى ، إذا فسرناه بكونه مشاهداً لها عالماً بها ، أما إذا فسرناه بالشهادة كان من صفة الكلام .
النوع الرابع : الحكمة ، وهذه اللفظة قد يراد بها العلم ، وقد يراد بها أيضاً ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي .
النوع الخامس : اللطيف ، وقد يراد به العلم بالدقائق ، وقد يراد به إيصال المنافع إلى العباد بطريق خفية عجيبة .
الفصل الثالث
الأَسماء الحاصلة بصفة الكلام :
في الأسماء الحاصلة بسبب صفة الكلام ، وما يجري مجراه :
اللفظ الأول : الكلام ، وفيه وجوه : الأول : لفظ الكلام ، قال تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } [ التوبة : 6 ] الثاني : صيغة الماضي من هذا اللفظ ، قال تعالى : { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً }

(1/127)


[ النساء : 164 ] وقال : { وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } [ الأعراف : 143 ] الثالث : صيغة المستقبل ، قال تعالى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً } [ الشورى : 51 ] .
اللفظ الثاني : القول ، وفيه وجوه : الأول : صيغة الماضي ، قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة } [ البقرة : 30 ] ونظائره كثيرة في القرآن ، الثاني : صيغة المستقبل ، قال تعالى : { إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ } [ البقرة : 68 ] الثالث : القيل والقول ، قال تعالى : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } [ النساء : 122 ] وقال تعالى : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق : 29 ]
اللفظ الثالث : الأمر ، قال تعالى : { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [ الروم : 4 ] وقال : { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] وقال حكاية عن موسى عليه السلام { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } [ البقرة : 67 ] .
اللفظ الرابع : الوعد ، قال تعالى : { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرءان } [ التوبة : 111 ] وقال تعالى : { وَعْدَ الله حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } [ يونس : 4 ] .
اللفظ الخامس : الوحي ، قال تعالى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً } [ الشورى : 51 ] وقال : { فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى } [ النجم : 10 ] .
اللفظ السادس : كونه تعالى شاكراً لعباده ، قال تعالى : { فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ لإسرء : 19 ] { وَكَانَ الله شاكرا عَلِيماً } [ النساء : 147 ] .
الفصل الرابع
الإرادة وما بمعناها :
في الإرادة وما يقرب منها :
فاللفظ الأول : الإرادة ، قال تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } [ البقرة : 185 ] .
اللفظ الثاني : الرضا ، قال تعالى : { وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } [ الزمر : 7 ] وقال : { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } [ الزمر : 7 ] وقال : { لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة } [ الفتح : 18 ] وقال في صفة السابقين الأولين { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ االمائدة : 119 ] وقال حكاية عن موسى { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى } [ طه : 84 ] .
اللفظ االثالث : المحبة ، قال : { يحبهم ويحبونه } [ المائدة : 54 ] وقال : { ويحب المتطهرين } [ البقرة : 222 ] .
اللفظ الرابع : الكراهة ، قال تعالى : { كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } [ الإسراء : 38 ] وقال : { ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ } [ التوبة : 46 ] قالت الأشعرية : الكراهة عبارة عن أن يريد أن لا يفعل وقالت المعتزلة : بل هي صفة أخرى سوى الإرادة ، والله أعلم .
الفصل الخامس
السمع والبصر ومشتقاتها :
في السمع والبصر : قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير } [ الشورى : 11 ] وقال تعالى : { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } [ الإسراء : 1 ] وقال تعالى : { إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى } [ طه : 46 ] وقال : { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } [ مريم : 42 ] وقال تعالى : { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } [ الأنعام : 103 ] .
فهذا جملة الكلام في الصفات الحقيقية مع الإضافية .
الفصل السادس
في الصفات الإضافية مع السلبية
اعلم أن «الأول» هو الذي يكون سابقاً على غيره ، ولا يسبقه غيره ، فكونه سابقاً على غيره إضافة ، وقولنا أنه لا يسبقه غيره فهو سلب ، فلفظ «الأول» يفيد حالة متركبة من إضافة وسلب ، «والآخر» هو الذي يبقى بعد غيره ، ولا يبقى بعده غيره ، والحال فيه كما قدم ، أما لفظ «الظاهر» فهو إضافة محضة ، لأن معناه كونه ظاهراً بحسب الدلائل ، وأما لفظ «الباطن» فهو سلب محض ، لأن معناه كونه خفياً بحسب الماهية .

(1/128)


ومن الأسماء الدالة على مجموع إضافة وسلب «القيوم» لأن هذا اللفظ يدل على المبالغة في هذا المعنى ، وهذه المبالغة تحصل عند اجتماع أمرين : أحدهما : أن لا يكون محتاجاً إلى شيء سواه ألبتة ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان واجب الوجود في ذاته وفي جملة صفاته ، والثاني : أن يكون كل ما سواه محتاجاً إليه في ذواتها وفي جملة صفاتها ، وذلك بأن يكون مبدأ لكل ما سواه ، فالأول سلب ، والثاني إضافة ومجموعهما هو القيوم .
الفصل السابع
في الأسماء الدالة على الذات والصفات
الحقيقية والإضافية والسلبية
فمنها قولنا : «الإله» وهذا الاسم يفيد الكل؛ لأنه يدل على كونه موجوداً ، وعلى كيفيات ذلك الوجود ، أعني كونه أزلياً أبدياً واجب الوجود لذاته ، وعلى الصفات السلبية الدالة على التنزيه ، وعلى الصفات الإضافية الدالة على الإيجاد والتكوين ، واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يطلق على غير الله تعالى؟ أما كفار قريش فكانوا يطلقونه في حق الأصنام ، وهل يجوز ذلك في دين الإسلام؟ المشهور أنه لا يجوز ، وقال بعضهم : إنه يجوز لأنه ورد في بعض الأذكار : يا إله الآلهة ، وهو بعيد ، وأما قولنا : «الله» فسيأتي بيان أنه اسم علم لله تعالى ، فهل يدل هذا الاسم على هذه الصفات؟ فنقول : لا شك أن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات ، والمعنى أنه تعالى لو كان بحيث يصح أن يشار إليه لكان هذا الاسم قائماً مقام تلك الإشارة ، ثم اختلفوا في أن الإشارة إلى الذات المخصوصة هل تتناول الصفات القائمة بتلك الذات؟ فإن قلنا إنها تتناول الصفات كان قولنا : «الله» دليلاً على جملة الصفات ، فإن قالوا : الإشارة لا تتناول الصفات السلبية فوجب أن لا يدل عليها لفظ الله قلنا : الإشارة في حق الله إشارة عقلية منزهة عن العلائق الحسية ، والإشارة العقلية قد تتناول السلوب .
الفصل الثامن
في الأسماء التي اختلف العقلاء فيها أنها هل هي من
أسماء الذات أو من أسماء الصفات
الأسماء المختلف في مرجعها :
هذا البحث إنما ظهر من المنازعة القائمة بين أهل التشبيه وأهل التنزيه ، وذلك لأن أهل التشبيه يقولون : الموجود إما أن يكون متحيزاً ، وإما أن يكون حالاً في المتحيز أما الذي لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز فكان خارجاً عن القسمين فذاك محض العدم ، وأما أهل التوحيد والتقديس فيقولون : أما المتحيز فهو منقسم ، وكل منقسم فهو محتاج ، فكل متحيز هو محتاج ، فما لا يكون محتاجاً امتنع أن يكون متحيزاً ، وأما الحال في المتحيز فهو أولى بالاحتياج ، فواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون متحيزاً أو حالاً في المتحيز .

(1/129)


إذا عرفت هذا الأصل فنقول : ههنا ألفاظ ظواهرها مشعرة بالجسمية والحصول في الحيز والمكان : فمنها «العظيم» وذلك لأن أهل التشبيه قالوا : معناه أن ذاته أعظم في الحجمية والمقدار من العرش ومن كل ما تحت العرش ، ومنها «الكبير» وما يشتق منه ، وهو لفظ «الأكبر» ولفظ «الكبرياء» ولفظ «المتكبر» .
واعلم أني ما رأيت أحداً من المحققين بيَّن الفرق بينهما ، إلا أن الفرق حاصل في التحقيق من وجوه : الأول : أنه جاء في الأخبار الإلهية أنه تعالى يقول : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فجعل الكبرياء قائماً مقام الرداء ، والعظمة قائمة مقام الإزار . ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الإزار ، فوجب أن يكون صفة الكبرياء أرفع حالاً من صفة العظمة . والثاني : أن الشريعة فرقت بين الحالين ، فإن المعتاد في دين الإسلام أن يقال في تحريمه الصلاة «الله أكبر» ولم يقل أحد «الله أعظم» ولولا التفاوت لما حصلت هذه التفرقة . الثالث : أن الألفاظ المشتقة من الكبير مذكورة في حق الله تعالى كالأكبر والمتكبر بخلاف العظيم فإن لفظ المتعظم غير مذكور في حق الله .
واعلم أن الله تعالى أقام كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى ، فقال : { وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلى العظيم } [ البقرة : 255 ] وقال في آية أخرى : { حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق وَهُوَ العلى الكبير } [ سبأ : 23 ] إذا عرفت هذا فالمباحث السابقة مشعرة بالفرق بين العظيم وبين الكبير ، وهاتان الآيتان مشعرتان بأنه لا فرق بينهما ، فهذه العقدة يجب البحث عنها فنقول ومن الله الإرشاد والتعليم : يشبه أن يكون الكبير في ذاته كبيراً سواء استكبره غيره أم لا ، وسواء عرف هذه الصفة أحد أو لا ، وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره ، وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية والثانية عرضية والذاتي أعلى وأشرف من العرضي ، فهذا هو الممكن في هذا المقام والعلم عند الله .
ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة الألفاظ المشتقة من «العلو» فمنها قوله تعالى : { العلى } ومنها قوله : { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } [ الأعلى : 1 ] ومنها المتعالى ومنها اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الأطباق وهو أنهم كلما ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم : «تعالى» لقوله تعالى في أول سورة النحل : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ االنحل : 1 ] إذا عرفت هذا فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا : معنى علوه وتعاليه كونه موجوداً في جهة فوق ، ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش ، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد متناه ، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد غير متناه ، وكيف كان فإن المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار وحملوا لفظ العلي على العلو في المكان والجهة ، وأما أهل التنزيه والتقديس فإنهم حملوا العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار : فأحدها : أنه عظيم بحسب مدة الوجود ، وذلك لأنه أزلي أبدي ، وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في الوجود والبقاء والدوام ، وثانيها : أنه عظيم في العلم والعمل ، وثالثها : أنه عظيم في الرحمة والحكمة ، ورابعها : أنه عظيم في كمال القدرة ، وأما العلو فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزهاً عن صفات النقائص والحاجات .

(1/130)


إذا عرفت هذا فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات ، وعند أهل التوحيد من أسماء الصفات ، وأما لفظ العلي فعند الكل من أسماء الصفات ، إلا أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى ، وعند أهل التوحيد يفيد كونه منزهاً عن كل ما لا يليق بالإلهية ، فهذا تمام البحث في هذا الباب .
الفصل التاسع
في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة
الأسماء المضمرة :
اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو ، وأعرف الأقسام الثلاثة قولنا : «أنا»أن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه ، وأعرف المعارف عند كل أحد نفسه ، وأوسط هذه الأقسام قولنا : «أنت» لأن هذا خطاب للغير بشرط كونه حاضراً ، فلأجل كونه خطاباً للغير يكون دون قوله أنا ، ولأجل أن الشرط فيه كون ذلك المخاطب حاضراً يكون أعلى من قوله : «هو» فثبت أن أعلى الأقسام هو قوله : «أنا» وأوسطها «أنت» وأدناها «هو» وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من هذه الألفاظ ، أما لفظ «أنا» فقال في أول سورة النحل { أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ } [ النحل : 2 ] وفي سورة طه { إِنَّنِى أَنَا للَّهِ لاَ إله إِلا أَنَاْ } [ طه : 14 ] وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله : { فنادى فِى الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ } [ الأنبياء : 87 ] وأما لفظ هو فقد جاء كثيراً في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله : { وإلهكم إله واحد لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم } [ البقرة : 163 ] وآخرها في سورة المزمل وهو قوله : { رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً } [ المزمل : 9 ] وأما ورود هذه الكلمة مقروناً باسم آخر سوى هذه الأربعة فهو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون أنه قال : { آمنت أنه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو اسرائيل } [ يونس : 90 ] ثم بين الله تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه .
إذا عرفت هذا فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول : أما قوله : { لا إله إِلا أَنَاْ } فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله أو من يذكره على سبيل الحكاية عن الله ، لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل ، وذلك لا يليق إلا بالله سبحانه ، واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله : «أنا» وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى؛ لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به ، لا سيما في حق الحق تعالى ، فثبت أن قوله : «لا إله إلا أنا» لم يحصل العلم به على سبيل الكمال إلا للحق تعالى ، وأما الدرجة الثانية وهي قوله : «لا إله إلا أنت» فهذا يصح ذكره من العبد لكن بشرط أن يكون حاضراً لا غائباً ، لكن هذه الحالة إنما اتفق حصولها ليونس عليه السلام عند غيبته عن جميع حظوظ النفس ، وهذا تنبيه على أن الإنسان ما لم يصر غائباً عن كل الحظوظ لا يصل إلى مقام المشاهدة ، وأما الدرجة الثالثة وهي قوله : «لا إله إلا هو» فهذا يصح من الغائبين .

(1/131)