صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : تفسير البحر المحيط |
وتلخص من هذه الأقوال أن هذه الجملة : إمّا أن يكون لها موضع من الإعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن ، أو نصب على المفعول بيقولن على الحكاية ، فيكون من جملة المقول ، وجملة المقول هو مجموع الجملتين : جملة التشبيه ، وجملة التمني . وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد ، وضمير الغيبة في وبينه للرسول . وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين ، وضمير الغيبة للقائل . وإمّا أن لا يكون لها موضع من الإعراب لكونها اعتراضاً في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخرت ، والنية بها التوسط بين الجملتين . أو لكونها اعتراضاً بين : ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني ، ولبس اعتراضاً يتعلق بمضمون هذه الجملة المتأخرة ، بل يتعلق بمضمون الجملتين ، والضمير الذي للخطاب هو للمؤمنين ، وفي بينه للقائل . واعترض به بين أثناء الحملة الأخيرة ، ولم يتأخر بعدها وإنْ كان من حيث المعنى متأخراً إذ معناه متعلق بمضمون الجملتين ، لأن معمول القول النية به التقديم ، لكنه حسن تأخيره كونه وقع فاصلة . ولو تأخرت جملة الاعتراض لم يحسن لكونها ليست فاصلة ، والتقدير : ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة ، إذ صدر منه قوله وقت المصيبة : قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً . وقوله : وقت الغنيمة يا ليتني كنت معهم ، وهذا قول من لم تسبق منه مودة لكم . (4/192)
وفي الآيتين تنبيه على أنهم لا يعدّون من المنح إلا أغراض الدنيا ، يفرحون بما ينالون منها ، ولا من المحن إلا مصائبها فيتألمون لما يصيبهم منها كقوله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه } الآية . وتضمنت هذه الجملة أنواعاً من الفصاحة والبديع : دخول حرف الشرط على ما ليس بشرط في الحقيقة في قوله : إن كنتم تؤمنون . والإشارة في ذلك : خير أولئك الذين يعلم الله ، فأولئك مع الذين ، وحسن أولئك رفيقاً ، ذلك الفضل من الله . والاستفهام المراد به التعجب في : ألم تر إلى الذين يزعمون . والتجنيس المغاير في : أن يضلهم ضلالاً ، وفي : أصابتهم مصيبة ، وفي : وقل لهم في أنفسهم قولاً ، وفي : يصدّون عنك صدوداً ، وفي : ويسلموا تسليماً ، وفي : فإنْ أصابتكم مصيبة ، وفي : فأفوز فوزاً عظيماً . والاستعارة في : فإن تنازعتم ، أصل المنازعة الجذب باليد ، ثم استعير للتنازع في الكلام . وفي : ضلالاً بعيداً استعار البعد المختص بالأزمنة والأمكنة للمعاني المختصة بالقلوب لدوام القلوب عليها ، وفي : فيما شجر بينهم استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للمنازعة التي يدخل بها بعض الكلام في بعض استعارة المحسوس للمعقول وفي : أنفسهم حرجاً أطلق اسم الحرج الذي هو من وصف الشجر إذا تضايق على الأمر الذي يشق على النفس للمناسبة التي بينهما وهو من الضيق والتتميم ، وهو أن يتبع الكلام كلمة تزيد المعنى تمكناً وبياناً للمعنى المراد وهو في قوله قولاً بليغاً أي : يبلغ إلى قلوبهم ألمه أو بالغاً في زجرهم .
وزيادة الحرف لزيادة المعنى في : من رسول أتت للاستغراق إذ لو لم تدخل لا وهم الواحد . والتكرار في : استغفر واستغفروا أنفسهم ، وفي أنفسهم واسم الله في مواضع . والالتفات في : واستغفر لهم الرسول . والتوكيد بالمصدر في : ويسلموا تسليماً . والتقسيم البليغ في قوله : من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وإسناد الفعل إلى ما لا يصح وقوعه منه حقيقة في : أصابتكم مصيبة ، وأصابكم فضل . وجعل الشيء من الشيء وليس منه لمناسبة في قوله : وإن منكم لمن ليبطئن . والاعتراض على قول الجمهور في قوله : كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة . والحذف في مواضع . (4/193)
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)
إدراك الشيء الوصول إليه ونيله . البرج : الحصن . وقيل : القصر . والبروج : منازل القمر ، وكلها من برج إذا ظهر ، ومنه التبرج وهو إظهار المرأة محاسنها ، والبرج في العين اتساعها . المشيد : المصنوع بالشيد وهو الجص . يقال : شاد وشيد كرر العين للمبالغة ، ككسرت العود مرة وكسرته في مواضع ، وخرقت الثوب وخرقته إذا كان الخرق منه في مواضع . فعلى هذا يقال : شاد الجدار . ومنه قال والشاعر : (4/194)
شاده مرمراً وجلله كلساً ... فللطير في ذراه وكور
والمشيد : المطول المرفوع يقال : شيد وأشاد البناء رفعه وطوّله ، ومنه أشاد الرجل ذكر الرجل إذا رفعه . الفقه : الفهم . يقال : فقهت الحديث إذا فهمته ، وفقه الرجل صار فقيهاً .
{ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } قيل : نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد . ويشرون بمعنى يشترون . والمعنى : أخلصوا الإيمان بالله ورسوله ، ثم جاهدوا في سبيل الله . وقيل : نزلت في المؤمنين المتخلفين ، ويشرون بمعنى يبيعون ويؤثرون الآجلة على العاجلة ، ويستبدلونها بها أمر الله تعالى بالجهاد من تخلف من ضعفة المؤمنين .
{ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً } ثم وعد من قاتل في سبيل الله بالأجر العظيم ، سواء استشهد ، أو غلب . واكتفى في الحالتين بالغاية ، لأن غاية المغلوب في القتال أن يقتل ، وغاية الذي يقتل أن يغلب ويغنم ، فأشرف الحالتين ما بدء به من ذكر الاستشهاد في سبيل الله ، ويليها أنْ يقتل أعداء الله ، ودون ذلك الظفر بالغنيمة ، ودون ذلك أن يغزو فلا يصيب ولا يصاب . ولفظ الجهاد في سبيل الله يشمل هذه الأحوال ، والأجر العظيم فسر بالجنة . والذي يظهر أنه مزيد ثواب من الله تعالى مثل كونهم أحياء عند ربهم يرزقون ، لأن الجنة موعود دخولها بالإيمان . وكان الذي فسره بالجنة ينظر إلى قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } الآية . وقرأ الجمهور : فليقاتل بسكون لام الأمر . وقرأت فرقة : بكسرها على الأصل . وقرأ الجمهور : فيُقتل مبنياً للمفعول . وقرأ محارب بن دثار : فيقتل على بناء الفعل للفاعل . وأدغم يغلب في الفاء أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه ، وأظهرها باقي السبعة . وقرأ الجمهور : نؤتيه بالنون . وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف : يؤتيه بالياء .
{ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً } هذا الاستفهام فيه حثّ وتحريض على الجهاد في سبيل الله ، وعلى تخليص المستضعفين . والظاهر أنّ قوله : لا تقاتلون في موضع الحال ، وجوزوا أن يكون التقدير : وما لكم في أنْ لا تقاتلوا ، فلما حذف حرف الجر ، وحذف أنْ ، ارتفع الفعل ، والمستضعفين هو مطعوف على اسم الله أي : وفي سبيل المستضعفين .
وقال المبرد والزجاج : هو معطوف على سبيل الله أي : في سبيل الله ، وفي خلاص المستضعفين . وقرأ ابن شهاب : في سبيل الله المستضعفين بغير واو عطف . فإما أن يخرج على إضمار حرف العطف ، وإما على البدل من سبيل الله أي : في سبيل الله سبيل المستضعفين لأنه سبيل الله تعالى . وأجاز الزمخشري أن يكون : والمستضعفين منصوباً على الاختصاص يعني : واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين ، لأن سبيل الله عام في كل خير ، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه انتهى كلامه . ولا حاجة إلى تكلف نصبه على الاختصاص ، إذ هو خلاف الظاهر . (4/195)
ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال قريش وأذاهم ، إذ كانوا لا يستطيعون خروجاً ، ولا تطيب لهم على الأذى إقامة . ومن المستضعفين : عبد الله بن عباس وأمه ، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجاة للمستضعفين من المؤمنين وسمى منهم : الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة . وقوله : من الرجال والنساء والولدان تبيين للمستضعفين .
والظاهر أنّ الولدان المراد به الصبيان ، وهو جمع وليد . قيل : وقد يكون جمع ولد ، كورل وورلان . ونبه على الولدان تسجيلاً بإفراط ظلم من ظلمهم ، وهم غير مكلفين ليتأذى بذلك آباؤهم ، ولأنهم كانوا يشركون آباءهم في الدعاء طلباً لرحمة الله تعالى ، وتخليصهم من أذى الكفار . وهم أقرب إلى الإجابة حيث لم تكن لهم ذنوب كما فعل قوم يونس ، وكما هي السنة في خروج الصبيان في الاستسقاء . وقيل المراد بقوله من الرجال والنساء الأحرار ، وبالولدان العبيد لأنه يطلق على العبد وليد ، وعلى الأمة وليدة وغلب المذكر على المؤنث إذ درج المؤنث في الجمع و { الذين يقولون ربنا أخرجنا } ليس لهم من القوة والمنعة من الظلم إلا بالدعاء والاستنصار بالله تعالى ، والقرية هنا مكة بإجماع .
وتكلموا في جريان الظالم وهو مذكر على القرية وهو مؤنث ، وهذا من واضح النحو . وقال الزمخشري : لو أنث فقيل : الظالمة ، أو جمع فقيل : الظالمين ، وأجاب عن ذلك وهذا لم يقرأ به ، فيحتاج إلى الكلام فيه . ولو تعرضنا لما يجوز في العربية في تراكيب القرآن لطال ذلك وخرجنا به عن طريقة التفسير . ووصف أهلها بالظلم إمّا لإشراكهم ، وإمّا لما حصل منهم من شدة الوطأة على المؤمنين وإذلالهم .
قال ابن عطية : والآية تتناول المؤمنين والأسرى ، وحواضر الشرك إلى يوم القيامة انتهى . ولما دعوا ربهم أجاب كثيراً منهم في الخروج ، فهاجر بعضهم إلى المدينة ، وفر بعضهم إلى الحبشة ، وبقي بعضهم إلى الفتح . والجمهور على أنّ الله تعالى استجاب دعاءهم ، فجعل لهم من لدنه خير وليّ وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فتولاهم أحسن التولي ، ونصرهم أقوى النصر .
ولما خرج من مكة ولى عليهم عتاب بن أسيد وعمره أحد وعشرون سنة ، فرأوا منه الولاية والنصر كما سألوا . قال ابن عباس : كان ينصف الضعيف من القوي ، حتى كانوا أعز بها من الظلمة . (4/196)
{ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً } لما أمر تعالى المؤمنين أولاً بالنفر إلى الجهاد ، ثم ثانياً بقوله : { فليقاتل في سبيل الله } ثم ثالثاً على طريق الحث والحض بقوله : { وما لكم لا تقاتلون } أخبر في هذه الآية بالتقسيم أن المؤمن هو الذي يقاتل في سبيل الله ، وأن الكافر هو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت ، ليبين للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار ، ويقويهم بذلك ويشجعهم ويحرضهم . وإنّ مَن قاتل في سبيل الله هو الذي يغلب ، لأن الله هو وليه وناصره . ومن قاتل في سبيل الله الطاغوت فهو المخذول المغلوب . والطاغوت هنا الشيطان لقوله : فقاتلوا أولياء الشيطان . وهنا محذوف ، التقدير : فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم تغلبونهم لقوتكم بالله ، ثم علل هذا المحذوف وهو غلبتكم إياهم بأنّ كيد الشيطان ضعيف ، فلا يقاوم نصر الله وتأييده ، وشتان بين عزم يرجع إلى إيمان بالله وبما وعد على الجهاد ، وعزم يرجع إلى غرور وأماني كاذبة . ودخلت كان في قوله : كان ضعيفاً إشعاراً بأنّ هذا الوصف سابق لكيد الشيطان ، وأنه لم يزل ضعيفاً . وقيل : هي بمعنى صار أي : صار ضعيفاً بالإسلام . وقول من زعم : أنها زائدة ، ليس بشيء . وقال الحسن : أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم ، فلذلك كان ضعيفاً .
{ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية } خرّج النسائي في سننه عن ابن عباس : أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقالوا : يا نبيّ الله كنا في عز ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة . فقال : إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ، فلما حوله الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا ، فأنزل الله هذه الآية . ونحو هذا روي عن قتادة والسدي ومقاتل . وروي عن ابن عباس أيضاً : نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمن المتقدم . قال أبو سليمان الدمشقي : كأنه يومىء إلى قصة الذين قالوا : { ابعث لنا مليكاً } وقال مجاهد : نزلت في اليهود . وقال الحسن : في المؤمنين لقوله : يخشون الناس ، أي : مشركي مكة . والخشية هي ما طبع عليه البشر من المخافة ، لا على المخالفة . ونحو ما قال الحسن . قال الزمخشري : قال كعّ فريق منهم لا شكاً في الدين ولا رغبة عنه ، ولكن نفوراً عن الأخطار بالأرواح ، وخوفاً من الموت . وقال قوم : كان كثير من العرب استحسنوا الدخول في الدين على فرائضه التي قبل القتال من الصلاة والزكاة ونحوها ، والموادعة ، فلما نزل القتال شق ذلك عليهم وجزعوا له ، فنزلت .
ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لأنه تعالى لما أمر بالقتال حين طلبوه وجب امتثال أمر الله ، فلما كعَّ عنه بعضهم قال تعالى : ألا تعجب يا محمد من ناس طلبوا القتال فأمروا بالموادعة ، فلما كتب عليهم فرق فريق وجزع . ومعنى كفوا أيديكم : أي عن القتال ، يدل عليه : فلما كتب عليهم القتال . وقال أبو عبد الله الرازي : لا يقال كفوا إلا للراغبين فيه ، وهم المؤمنون . وقيل : يريد المنافقين . وإنما قال : كفوا لأنهم كانوا يظهرون الرغبة فيه انتهى . (4/197)
وقال أيضاً : ودلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على إيجاب الجهاد ، وهذا الترتيب هو المطابق لما في العقول ، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله . ولا شك أنهما متقدمان على الجهاد . والفريق إمّا منافقون ، وإما مؤمنون ، أو ناس في الزمان المتقدم ، أو أسلموا قبل فرض القتال حسب اختلاف سبب النزول . والناس هنا أهل مكة قاله الجمهور ، أو كفار أهل الكتاب ومشركو العرب .
ولمّا حرف وجوب لوجوب على مذهب سيبويه ، وظرف زمان بمعنى حين على مذهب أبي علي . وإذا كانت حرفاً وهو الصحيح فجوابه إذا الفجائية ، وإذا كانت ظرفاً فيحتاج إلى عامل فيها فيعسر ، لأنه لا يمكن أن يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها ، ولا يمكن أن يعمل في لما الفعل الذي يليها ، لأنّ لمّا هي مضافة إلى الجملة بعدها . فقال بعضهم : العامل في لمّا معنى يخشون ، كأنه قيل : جزعوا . قال : وجزعوا هو العامل في إذا بتقدير الاستقبال . وهذه الآية مشكلة لأن فيها ظرفين أحدهما : لما مضى ، والآخر : لما يستقبل انتهى . والذي نختاره مذهب سيبويه في لمّا ، وأنها حرف . ونختار أنّ إذا الفجائية ظرف مكان يصح أن يجعل خبراً للاسم المرفوع بعده على الابتداء ، ويصح أن يجعل معمولاً للخبر . فإذا قلت : لما جاء زيد إذا عمرو قائم ، يجوز نصب قائم على الحال . وإذا حرف يصح رفعه على الخبر ، وهو عامل في إذا . وهنا يجوز أن يكون إذا معمولاً ليخشون ، ويخشون خبر فريق . ويجوز أن يكون خبراً ، ويخشون حال من فريق ، ومنهم على الوجهين صفة لفريق . ومن زعم أنَّ إذا هنا ظرف زمان لما يستقبل فقوله فاسد ، لأنه إن كان العامل فيها ما قبلها استحال ، لأن كتب ماض ، وإذا للمستقبل . وإن تسومح فجعلت إذا بمعنى إذْ صار التقدير : فلما كتب عليهم القتال في وقت خشية فريق منهم ، وهذا يفتقر إلى جواب لما ، ولا جواب لها . وإن كان العامل فيها ما بعدها ، احتاجت إلى جواب هو العامل فيها ، ولا جواب لها . والقول في إذا الفجائية : أهي ظرف زمان؟ أم ظرف مكان؟ أم حرف مذكور في علم النحو؟ والكاف في كخشية الله في موضع نصب .
قيل : على أنه نعت لمصدر محذوف أي : خشية كخشية الله . وعلى ما تقرر من مذهب سيبويه أنها على الحال من ضمير الخشية المحذوف ، أي : يخشونها الناس أي : يخشون الخشية الناس مشبهة خشية الله . (4/198)
وقال الزمخشري : ( فإن قلت ) : ما محل كخشية الله من الإعراب؟ ( قلت ) : محلها النصب على الحال من الضمير في يخشون ، أي : يخشون الناس مثل أهل خشية الله أي : مشبهين لأهل خشية الله . أو أشد خشية ، يعني : أو أشد خشية من أهل خشية الله . وأشد معطوف على الحال . ( فإن قلت ) : لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدره : يخشون خشية الله ، بمعنى مثل ما يخشى الله؟ ( قلت ) : أبى ذلك قوله : أو أشد خشية ، لأنه وما عطف عليه في حكم واحد . ولو قلت : يخشون الناس أشدّ خشية لم يكن إلا حالاً عن ضمير الفريق ، ولم ينتصب انتصاب المصدر ، لأنك لا تقول : خشي فلان أشد خشية ، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر ، إنما تقول : أشد خشية فتجرها ، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالاً منه ، اللهم إلا أنْ تجعل الخشية خاشية على حد قولهم : جد جده ، فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية أشدّ خشية من خشية الله . ويجوز على هذا أن يكون محل أشدّ مجروراً عطفاً على خشية الله ، يريد : كخشية الله أو كخشية أشدّ خشية منها انتهى كلامه . وقد يصح نصب خشية ، ولا يكون تمييزاً فيلزم من ذلك ما التزمه الزمخشري ، بل يكون خشية معطوفاً على محل الكاف ، وأشدّ منصوباً على الحال لأنه كان نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على الحال والتقدير : يخشون الناس مثل خشية الله أو خشية أشد منها . وقد ذكرنا هذا التخريج في قوله تعالى : { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } وأوضحناه هناك . وخشية الله مصدر مضاف إلى المفعول ، والفاعل محذوف أي : كخشيتهم الله . وأو على بابها من الشك في حق المخاطب ، وقيل : للإبهام على المخاطب . وقيل : للتخيير . وقيل : بمعنى الواو . وقيل : بمعنى بل . وتقدّم نظير هذه الأقوال في قوله : { أو أشد قسوة } ولو قيل أنها للتنويه ، لكان قولاً يعني : أنّ منهم من يخشى الناس كخشية الله ، ومنهم من يخشاهم خشية تزيد على خشيتهم الله .
{ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب } الظاهر أن القائلين هذا : هم منافقون ، لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان ، ولهذا جاء السياق بعده : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } وهذا لا يصدر إلا من منافق . ولولا للتحضيض بمعنى هلاّ وهي كثيرة في القرآن .
والأجل القريب هنا هو موتهم على فرشهم كذا قاله المفسرون . وذكر في حرف ابن مسعود : لولا أخرتنا إلى أجل قريب فنموت حتف أنفنا ولا نقتل ، فتسر بذلك الأعداء . ومن قال : إنه من قول المؤمنين ، فيكونون قد طلبوا التأخير في كتب القتال إلى وقت ظهور الإسلام وكثرته ، وهو بعيد . لأن لفظ لم رد في صدر أمر الله ، وعدم استسلامهم له مع قولهم : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . وقال الزمخشري : لولا أخرتنا إلى أجل قريب استزادة في مدّة الكف ، واستمهال إلى وقت آخر كقوله : { لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدق } وقال الراغب : وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، يجوز أن يكون تفوهوا به ، ويجوز أن يكون اعتقدوه وقالوا في أنفسهم ، فحكى تعالى ذلك عنهم تنبيهاً على أنهم لما استصعبوا ذلك دل استصعابهم على أنهم غير واثقين بأحوالهم . (4/199)
{ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } تقدم الكلام على كون متاع الدنيا قليلاً في قوله : { متاع قليل } وإنما قل : لأنه فان ، ونعيم الآخرة مؤبد ، فهو خير لمن اتقى الله وامتثل أمره في ما أحب ، وفي ما كان شاقاً من قتال وغيره . وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير : ولا يظلمون بالياء ، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب ، وهو التفات أي : لا تنقصون من أجور أعمالكم ومشاق التكاليف أدنى شيء ، فلا ترغبوا عن الأجر .
{ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } أي : هذا التأخر الذي سألوه لا فائدة فيه ، لأنه لا منجي من الموت سواء أكان بقتل أم بغيره ، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة . وتحتمل هذه الجملة أن يكون ذلك تحت معمول قل ، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله مستأنفاً بأنه لا ينجو من الموت أحد . والبروج هنا القصور في الأرض ، قاله : مجاهد ، وابن جريج ، والجمهور . أو القصور من حديد ، روي عن ابن عباس . أو قصور في سماء الدنيا مبنية قاله : السدّي . أو الحصون والآكام والقلاع قاله : ابن عباس . أو البيوت التي تكون فوق الحصون قاله : بعضهم . أو بروج السماء التي هي منازل القمر قاله : الربيع أنس ، والثوري ، وحكاه ابن القاسم عن مالك . وقال : ألا ترى إلى قوله : { والسماء ذات البروج } وجعل فيها بروجاً { ولقد جعلنا في السماء بروجاً } وقال زهير :
ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم
مشيدة مطولة قاله : أبو مالك ، ومقاتل ، وابن قتيبة ، والزجاج . أو مطلية بالشيد قاله : أبو سليمان الدمشقي . أو حصينة قاله : ابن عباس ، وقتادة . ومن قال : أنها بروج في السماء فلأنها بيض شبهها بالمبيض بالشيد ، ولهذا قال الذي هي قصور بيض في السماء مبنية .
والجزم في يدرككم على جواب الشرط ، وأينما تدل على العموم ، وكأنه قيل : في أي مكان تكونون فيه أدرككم الموت . ولو هنا بمعنى إن ، وجاءت لدفع توهم النجاة من الموت بتقدير : إن لو كانوا في بروج مشيدة ، ولإظهار استقصاء العموم في أينما .
وقرأ طلحة بن سليمان : يدرككم برفع الكافين ، وخرجه أبو الفتح : على حذف فاء الجواب أي : فيدرككم الموت وهي قراءة ضعيفة . قال الزمخشري : ويجوز أن يقال : حمل على ما يقع موقع أينما تكونوا ، وهو : أينما كنتم كما حمل ولا ناعب على ما يقع موقع ليسوا مصلحين ، وهو ليسوا بمصلحين . فرفع كما رفع زهير يقول : لا غائب ما لي ولا حرم . وهو قول نحوي سيبويهي انتهى . ويعني : أنه جعل يدرككم ارتفع لكون أينما تكونوا في معنى أينما كنتم ، بتوهم أنه نطق به . وذلك أنه متى كان فعل الشرط ماضياً في اللفظ فإنه يجوز في المضارع بعده وجهان : أحدهما : الجزم على الجواب . والثاني : الرفع . وفي توجيه الرفع خلاف ، الأصح أنّه ليس الجواب ، بل ذلك على التقديم والتأخير ، والجواب محذوف . وإذا حذف الجواب فلا بد أن يكون فعل الشرط ماضي اللفظ ، فتخريج هذه القراءة على هذا يأباه كون فعل الشرط مضارعاً . وحمله على ولا ناعب ليس بجيد ، لان ولا ناعب عطف على التوهم ، والعطف على لتوهم لا ينقاس . وقال الزمخشري أيضاً ويجوز أن يتصل بقوله : { ولا تظلمون فتيلاً } أي : لا تنقصون شيئاً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها . ثم ابتدأ بقوله : يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ، والوقف على هذا الوجه أينما تكونوا انتهى كلامه . وهذا تخريج ليس بمستقيم ، لا من حيث المعنى ، ولا من حيث الصناعة النحوية . أما من حيث المعنى فإنه لا يناسب أن يكون متصلاً بقوله : ولا تظلمون فتيلاً ، لأن ظاهر انتفاء الظلم إنما هو في الآخرة لقوله : { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } وأما من حيث الصناعة النحوية فإنه على ظاهر كلامه يدل على أنَّ أينما تكونوا متعلق بقوله : ولا تظلمون ، ما فسره من قوله أي : لا تنقصون شيئماً مما كتب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحم الحرب أو غيرها ، وهذا لا يجوز ، لأن أينما اسم شرط ، فالعامل فيه إنما هو فعل الشرط بعده . ولأن اسم الشرط لا يتقدم عليه عامله ، فلا يمكن أن يعمل فيه ، ولا تظلمون . بل إذا جاء نحو : اضرب زيداً متى جاء ، لا يجوز أن يكون الناصب لمتى اضرب . فإن قال : يقدّر له جواب محذوف يدل عليه ما قبله وهو : ولا تظلمون ، كما يقدر في اضرب زيداً : متى جاء ، فالتقدير : أينما تكونوا فلا تظلمون فتيلاً أي : فلا ينقص شيء من آجالكم وحذفه لدلالة ما قبله عليه . قيل له : لا يحذف الجواب إلا إذا كان فعل الشرط بصيغة الماضي ، وفعل الشرط هنا مضارع . تقول العرب : أنت ظالم إن فعلت ، ولا تقل أنت ظالم إن تفعل . (4/200)
وقرأ نعيم بن ميسرة : مشيدة بكسر الياء وصفاً لها بفعل فاعلها مجازاً ، كما قال : قصيدة شاعرة ، وإنما الشاعر ناظمها . (4/201)
{ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } قال ابن عباس : الضمير للمنافقين واليهود ، وقال الحسن : للمنافقين ، وقال السدي : لليهود . والظاهر أنه للمنافقين لأن مثل هذا لا يصدر من مؤمن ، واليهود لم يكونوا في طاعة الإسلام حتى يكتب عليهم القتال . وروي عن ابن عباس : أن الحسنة هنا هي السلامة والأمن ، والسيئة الأمراض والخوف . وعنه أيضاً : الحسنة الخصب والرخاء ، والسيئة الجدب والغلاء . وعنه أيضاً : الحسنة السراء ، والسيئة الضراء . وقال الحسن وابن زيد : الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر ، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد . وقيل : الحسنة الغنى ، والسيئة الفقر . والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى الله تعالى ، وأنها ليست باتباع الرسول ، ولا الإيمان به ، وإنّ تصبهم سيئة أضافوها إلى الرسول وقالوا : هي بسببه ، كما جاء في قوم موسى : { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } وفي قوم صالح : { قالوا اطيرنا بك وبمن معك } وروى جماعة من المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة قال اليهود والمنافقون : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه .
{ قل كل من عند الله } أمر الله نبيه أن يخبرهم أنَّ كلاً من الحسنة والسيئة إنما هو من عند الله ، لا خالق ولا مخترع سواه ، فليس الأمر كما زعمتم ، فالله تعالى وحده هو النافع الضار ، وعن إرادته تصدر جميع الكائنات .
{ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً } هذا استفهام معناه التعجب من هذه المقالة ، وكيف ينسب ما هو من عند الله لغير الله؟ أي أن هؤلاء كانوا ينبغي لهم أن يكونوا ممن يتفهم الأشياء ، ويتوقفون عما يريدون أن يقولوا حتى يعرضوه على عقولهم . وبالغ تعالى في قلة فهمهم وتعلقهم ، حتى نفى مقاربة الفقه ، ونفى المقاربة أبلغ من نفي الفعل . وهذا النوع من الاستفهام يتضمن إنكار ما استفهم عن علته ، وأنه ينبغي أن يوجد مقابله . فإذا قيل : ما لك قائماً ، فهو إنكار للقيام ، ومتضمن أن يوجد مقابله . وإذا قيل : ما لك لا تقوم ، فهو إنكار لترك القيام ، ومتضمن أن يوجد مقابله . قيل في قوله : حديثاً ، أي القرآن لو تدبروه لبصرهم في الدين ، وأورثهم اليقين . وقال ابن بحر : لامهم على ترك التفقه فيما أعلمهم به وأدبهم في كتابه . ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله : فما ، ووقف الباقون على اللام في قوله : فمال ، اتباعاً للخط . ولا ينبغي تعمد ذلك ، لأن الوقف على فما فيه قطع عن الخبر ، وعلى اللام فيه قطع عن المجرور دون حرف الجر ، وإنما يكون ذلك لضرورة انقطاع النفس .
مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)
{ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } الخطاب عام كأنه قيل : ما أصابك يا إنسان . وقيل : للرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد غيره . وقال ابن بحر : هو خطاب للفريق في قوله : { إذا فريق منهم } قال : ولما كان لفظ الفريق مفرداً ، صح أن يخبر عنه بلفظ الواحد تارة ، وبلفظ الجمع تارة . وعليه قوله : (4/202)
تفرق أهلاً نابثين فمنهم ... فريق أقام واستقل فريق
هذا مقتضى اللفظ . وأما المعنى بالناس خاصتهم وعامتهم مراد بقوله : ما أصابك من حسنة . وقال ابن عباس ، وقتادة ، والحسن ، وابن زيد ، والربيع ، وأبو صالح : معنى الآية أنه أخبر تعالى على سبيل الاستئناف والقطع أنَّ الحسنة منه بفضله ، والسيئة من الإنسان بذنوبه ، ومن الله بالخلق والاختراع . وفي مصحف ابن مسعود : فمن نفسك ، وإنما قضيتها عليك ، وقرأ بها ابن عباس . وحكى أبو عمرو : أنها في مصحف ابن مسعود ، وأنا كتبتها . وروي أن ابن مسعود وأبياً قرآ : وأنا قدرتها عليك . ويؤيد هذا التأويل أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم معناها : « أن ما يصيب الإنسان من المصائب فإنما هو عقوبة ذنوبه » وقالت طائفة : معنى الآية هو على قول محذوف تقديره : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟ يقولون : ما أصابك من حسنة الآية . والابتداء بقوله : { وأرسلناك } والوقف على قوله : فمن نفسك . وقالت طائفة : ما أصابك من حسنة فمن الله ، هو استئناف إخبار من الله أنَّ الحسنة منه وبفضله . ثم قال : وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، على وجه الإنكار والتقدير : وألف الاستفهام محذوفة من الكلام كقوله : { وتلك نعمة تمنها عليّ } أي : وتلك نعمة . وكذا { بازغاً قال : هذا ربي } على أحد الأقوال ، والعرب تحذف ألف الاستفهام قال أبو خراش :
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي : أهم هم . وحكى هذا الوجه عن ابن الأنباري . وروى الضحاك عن ابن عباس أن الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر والغنيمة يوم بدر ، والسيئة ما نكبوا به يوم أحد . وعن عائشة رضي الله عنها : « ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب ، حتى الشوكة يشاكها ، حتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر » . وقال تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ونعفوا عن كثير }
وقد تجاذبت القدرية وأهل السنة الدلالة من هذه الآيات على مذاهبهم ، فتعلقت القدرية بالثانية وقالوا : ينبغي أن لا ينسب فعل السيئة إلى الله بوجه ، وجعلوا الحسنة والسيئة في الأولى بمعنى الخصب والجدب والغنى والفقر . وتعلق أهل السنة بالأولى وقالوا : { قل كل من عند الله } عام يدل على أن الأفعال الظاهرة من العباد هي من الله تعالى ، وتأولوا الثانية وهي : مسألة يبحث عنها في أصول الدين .
وقال القرطبي : هذه الآيات لا يتعلق بها إلا الجهال من الفريقين ، لأنّهم بنوا ذلك على أنّ السيئة هي المعصية ، وليست كذلك . والقدرية قالوا : ما أصابك من حسنة أي : من طاعة فمن الله ، وليس هذا اعتقادهم ، لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذاهبهم : أنّ الحسنة فعل المحسن ، والسيئة فعل المسيء . وأيضاً فلو كان لهم فيه حجة لكان يقول : ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ، لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعاً ، فلا تضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره ، نص على هذا الإمام أبو الحسن شيث بن ابراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحزّ العلاصم في إفحام المخاصم . (4/203)
وقال الراغب : إذا تؤمّل مورد الكلام وسبب النزول فلا تعلق لأحد الفريقين بالآية على وجه يثلج صدراً أو يزيل شكاً ، إذ نزلت في قوم أسلموا ذريعة إلى غنى وخصب ينالونه ، وظفر يحصلونه ، فكان أحدهم إذا نابتة نائبة ، أو فاته محبوب ، أو ناله مكروه ، أضاف سببه إلى الرسول متطيراً به . والحسنة هنا والسيئة كهما في : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } وفي { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } انتهى . وقد طعن بعض الملاحدة فقال : هذا تناقض ، لأنه قال : قل كل من عند الله وقال عقيبه : ما أصابك من حسنة الآية . وقال الراغب : وهذا ظاهر الوهي ، لأن الحسنة والسيئة من الألفاظ المشتركة كالحيوان الذي يقع على الإنسان والفرس والحمار . ومن الأسماء المختلفة كالعين . فلو أنّ قائلاً قال : الحيوان المتكلم والحيوان غير المتكلم ، وأراد بالأول الإنسان ، وبالثاني الفرس أو الحمار ، لم يكن متناقضاً . وكذلك إذا قال : العين في الوجه ، والعين ليس في الوجه ، وأراد بالأولى الجارحة ، وبالثانية عين الميزان أو السحاب . وكذلك الآية أريد بهما في الأولى غير ما أريد في الثانية كما بيناه انتهى .
والذي اصطلح عليه الراغب بالمشتركة وبالمختلفة ليس اصطلاح الناس اليوم ، لأن المشترك هو عندهم كالعين ، والمختلفة هي المتباينة . والراغب جعل الحيوان من الأسماء المشتركة وهو موضوع للقدر المشترك ، وجعل العين من الأسماء المختلفة وهو في الاصطلاح اليوم من المشترك . قال بعض أهل العلم : والفرق بين من عند الله ، ومن الله : أنَّ من عند الله أعم . يقال : فيما كان برضاه وبسخطه ، وفيما يحصل ، وقد أمر به ونهى عنه ، ولا يقال : هو من الله إلا فيما كان برضاه وبأمره ، وبهذا النظر قال عمر : إنْ أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن الشيطان انتهى . وعنى بالنفس هنا المذكورة في قوله : { إن النفس لأمارة بالسوء } وقرأت عائشة رضي الله عنها : فمن نفسك بفتح الميم ورفع السين ، فمن استفهام معناه الإنكار أي : فمن نفسك حتى ينسب إليها فعل المعنى ما للنفس في الشيء فعل .
{ وأرسلناك للناس رسولاً } أخبر تعالى أنه قد أزاح عللهم بإرساله ، فلا حجة لهم لقوله : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } وللناس عام عربهم وعجمهم ، وانتصب رسولاً على الحال المؤكدة . وجوّز أن يكون مصدراً بمعنى إرسالاً ، وهو ضعيف . (4/204)
{ وكفى بالله شهيداً } أي مطلعاً على ما يصدر منك ومنهم ، أو شهيداً على رسالتك . ولا ينبغي لمن كان الله شاهده إلا أن يطاع ويتبع ، لأنه جاء بالحق والصدق ، وشهد الله له بذلك .
وقد تضمنت هذه الآيات من البيان والبديع : الاستعارة في : يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ، وفي : فسوف نؤتيه أجراً عظيماً لما يناله من النعيم في الآخرة ، وفي : سبيل الله ، وفي : سبيل الطاغوت ، استعار الطريق للاتباع وللمخالفة وفي : كفوا أيديكم أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال . والاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في : وما لكم لا تقاتلون . والاستفهام الذي معناه التعجب في : ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا . والتجوز بفي التي للوعاء عن دخولهم في : الجهاد . والالتفات في : فسوف نؤتيه في قراءة النون . والتكرار في : سبيل الله ، وفي : واجعل لنا من لدنك ، وفي : يقاتلون ، وفي : الشيطان ، وفي : وإن تصبهم ، وفي : ما أصابك وفي : اسم الله . والطباق اللفظي في : الذين آمنوا والذين كفروا . والمعنوي في : سبيل الله طاعة وفي سبيل الطاغوت معصية . والاختصاص في : إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ، وفي : والآخرة خير لمن اتقى . والتجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في : يدرككم الموت ، وفي : إن تصبهم ، وفي : ما أصابك . والتشبيه في : كخشية . وإيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في : خير لمن اتقى . والتجنيس المغاير في : يخشون وكخشية . والحذف في مواضع .
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86)
التبييت قال الأصمعي وأبو عبيدة وأبو العباس : كل أمر قضي بليل ، قيل : قد بيت . وقال الزجاج : كل أمر مكر فيه أو خيض بليل فقد بيت . وقال الشاعر : (4/205)
أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر
وقال الأخفش : العرب تقول للشيء إذا قدر : بيت . وقال أبو رزين : بيت ألف . وقيل : هيىء وزور . وقيل : قصد ، ومنه قول الشاعر :
لما تبيتنا أخا تميم ... أعطى عطاء اللحز اللئيم
أي : قصدنا . وقيل : التبييت التبديل بلغة طيىء ، قال شاعرهم :
وتبييت قولي عند المليك قاتلك الله عبداً كفوراً ... التدبر : تأمل الأمر والنظر في إدباره وما يؤول إليه في عاقبته ، ثم استعمل في كل تأمل . والدبر : المال الكثير ، سمي بذلك لأنه يبقى للإعقاب وللإدبار قاله : الزجاج وغيره .
الإذاعةُ : إظهار الشيء وإفشاؤه يقال : ذاع ، يذيع ، وأذاع ، ويتعدى بنفسه وبالباء ، فيكون إذ ذاك أذاع في معنى الفعل المجرّد . قال أبو الأسود :
أذاعوا به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
الاستنباط : الاستخراج ، والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر ، والانباط والاستنباط إخراجه . وقال الشاعر :
نعم صادقاً والفاعل القائل الذي ... إذا قال قولاً انبط الماء في الثرى
وقال ابن الأعرابي : يقال للرّجل إذا كان بعيد العز والمنعة ما يجد عدوه له : نبطاً . قال كعب :
قريب تراه لا ينال عدوّه ... له نبطاً آبى الهوان قطوب
والنبط الذين يستخرجون المياه والنبات من الأرض . وقال الفراء : نبط مثل استنبط ، ونبط الماء ينبُط بضم الباء وفتحها . التحريض : الحث . التنكيل : الأخذ بأنواع العذاب وترديده على المعذب ، وكأنه مأخوذ من النكل وهو : القيد . الكفل : النصيب ، والنصيب في الخير أكثر استعمالاً . والكفل في الشر أكثر منه في الخير . المقيت : المقتدر . قال الزبير بن عبد المطلب :
وذي ضغن كففت النفس عنه ... وكان على إساءته مقيتاً
أي مقتدراً . وقال السموءل :
ليت شعري واشعرت إذا ما ... قربوها منشورة ودعيت
أتى الفصل ثم عليّ إذا حو ... سبت أني على الحساب مقيت
وقال أبو عبيدة : المقيت الحاضر . وقال ابن فارس : المقيت المقتدر ، والمقيت : الحافظ والشاهد . وقال النحاس : هو مشتق من القوت ، والقوت مقدار ما يحفظ به الإنسان من التلف . التحية قال عبد الله بن إدريس : هي الملك وأنشد :
أوّم بها أبا قابوس حتى ... أنيخ على تحيته بجندي
وقال الأزهري : التحية بمعنى الملك ، وبمعنى البقاء ، ثم صارت بمعنى السلامة . انتهى . ووزنها تفعلة ، وليس الإدغام في هذا الوزن واجباً على مذهب المازني ، بل يجوز الإظهار كما قالوا : أعيية بالإظهار ، وأعية بالإدغام في جمع عيي . وذهب الجمهور إلى أنه يجب الإدغام في تحية ، والكلام على المذهبين مذكور في كتب النحو .
{ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً } قال صلى الله عليه وسلم :
« من أحبني فقد أحب الله » فاعترضت اليهود فقالوا : هذا محمد يأمر بعبادة الله ، وهو في هذا القول مدع للربوبية فنزلت . وفي رواية : قال المنافقون لقد قارب الشرك . وفي رواية : قالوا ما يريد هذا الرجل إلا أن يتخذ رباً كما اتخذت النصارى عيسى . وتعلق الطاعتين لأنّه لا يأمر إلا بما أمر الله به ، ولا ينهى إلا عن ما نهى الله عنه ، فكانت طاعته في ذلك طاعة الله . ومن تولى بنفاق أو أمر فما أرسلناك هذا التفات ، إذ لو جرى على الرسول لكان فما أرسله . والحافظ هنا المحاسب على الأعمال ، أو الحافظ للأعمال ، أو الحافظ من المعاصي ، أو الحافظ عن التولي ، أو المسلط من الحفاظ أقوال . وتتضمن هذه الآية الإعراض عمن تولى ، والترك رفقاً من الله ، وهي قبل نزول القتال . (4/206)
{ ويقولون طاعة } نزلت في المنافقين باتفاق . أي : أمرتهم بشيء قالوا طاعة ، أي : أمرنا طاعة ، أو منا طاعة . قال الزمخشري : ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا من قول المرتسم سمعاً وطاعة ، وسمع وطاعة ، ونحوه قول سيبويه . وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له : كيف أصبحت؟ فيقول : حمداً لله وثناء عليه ، كأنه قال : أمري وشأني حمد الله . ولو نصب حمد الله وثناء عليه كان على الفعل ، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها انتهى . ولا حاجة لذكر ما لم يقرأ به ولا لتوجيهه ولا لتنظيره بغيره ، خصوصاً في كتابه الذي وضعه على الاختصار لا على التطويل .
{ فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول } أي إذا خرجوا من عندك رووا وسووا أي : طائفة منهم غير الذي تقوله لك يا محمد من إظهار الطاعة ، وهم في الباطن كاذبون عاصون ، فعلى هذا الضمير في تقول عائد على الطائفة ، وهو قول ابن عباس . وقيل : يعود على الرسول أي : غير الذي تقوله وترسم به يا محمد ، وهو الخلاف والعصيان المشتمل عليه بواطنهم . ويؤيد هذا التأويل قراءة عبد الله بيت مبيت منهم يا محمد . وقرأ يحيى بن يعمر يقول : بالياء ، فيحتمل أن يكون الضمير للرسول ، ويكون التفاتاً إذ خرج من ضمير الخطاب في من عندك ، إلى ضمير الغيبة . ويحتمل أن يعود على الطائفة ، لأنها في معنى القوم أو الفريق ، وخص طائفته بالتبيين لأنه لم يكونوا ليجتمعوا كلهم في دار واحدة ، أو لأنه إخبار عن من علم الله أنه يبقى على كفره ونفاقه . وأدغم حمزة وأبو عمرو بيت طائفة ، وأظهر الباقون .
{ والله يكتب ما يبيتون } أي : يكتبه في صحائف أعمالهم حسبما تكتبه الحفظة ليجازوا به . وقال الزجاج : يكتبه في كتابه إليك ، أي : ينزله في القرآن ويعلم به ويطلع على سرهم .
وقيل : يكتب يعلم عبر بالكتابة عن العلم ، لأنه من ثمراتها . (4/207)
{ فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً } هذا مؤكد لقوله : { ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً } أي لا تحدث نفسك بالانتقام منهم . وليس المعنى فاعرض عن دعوتهم إلى الإيمان وعن وعظهم . وقال الضحاك : معنى أعرض عنهم لا تخبر بأسمائهم فيجاهروك بالعداوة بعد المجاملة في القول ، ثم أمره بإدامة التوكل عليه ، هو ينتقم لك منهم ، وهذا أيضاً قبل نزول القتال .
{ أفلا يتدبرون القرآن } قرأ الجمهور : يتدبرون بياء وتاء بعدها على الأصل . وقرأ ابن محيصن : بإدغام التاء في الدال ، وهذا استفهام معناه الإنكار أي : فلا يتأملون ما نزل عليك من الوحي ولا يعرضون عنه ، فإنه في تدبره يظهر برهانه ويسطع نوره ولا يظهر ذلك لمن أعرض عنه ولم يتأمله .
{ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } الظاهر أن المضمر في فيه عائد على القرآن ، وهذا في علم البيان الاحتجاج النظري ، وقوم يسمونه المذهب الكلامي . ووجه هذا الدليل أنه ليس من متكلم كلاماً طويلاً إلا وجد في كلامه اختلاف كثير ، إما في الوصف واللفظ ، وإما في المعنى بتناقض أخبار ، أو الوقوع على خلاف المخبر به ، أو اشتماله على ما لا يلتئم ، أو كونه يمكن معارضته . والقرآن العظيم ليس فيه شيء من ذلك ، لأنه كلام المحيط بكل شيء مناسب بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء ، وتظافر صدق أخبار ، وصحة معان ، فلا يقدر عليه إلا العالم بما لا يعلمه أحد سواه .
قال ابن عطية : فإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافاً فالواجب أن يتهم نظره ، ويسأل من هو أعلم منه . وما ذهب إليه بعض الزنادقة المعاندين من أنّ فيه أحكاماً مختلفة وألفاظاً غير مؤتلفة فقد أبطل مقالتهم علماء الإسلام ، وما جاء في القرآن من اختلاف في تفسير وتأويل وقراءة وناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وعام وخاص ومطلق ومقيد فليس هو المقصود في الآية ، بل هذه من علوم القرآن الدالة على اتساع معانيه ، وأحكام مبانيه . وذهب الزجاج إلى أنَّ الضمير في فيه عائد على ما يخبره به الله تعالى مما يبيتون ويسرون ، والمعنى : أنّك تخبرهم به على حد ما يقع ، وذلك دليل على أنه من عند الله غيب من الغيوب . وفي ذكر تدبر القرآن ردّ على من قال من الرافضة : إن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم .
{ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به } روى مسلم من حديث ابن عباس عن عمر : « أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه ، فدخل عمر المسجد فسمع الناس يقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فسأله : أطلقت نساءك؟ قال : لا .
فخرج فنادى : ألا إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه ، فنزلت « . وكان هو الذي استنبط الأمر ، وروى أبو صالح عن ابن عباس : أن الرسول كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت ، أو غلبت ، تحدثوا بذلك وأفشوه ولم يصبروا حتى يكون هو المحدث به ، فنزلت . والضمير في : جاءهم على المنافقين ، قاله ابن عباس والجمهور . أو على ناس من ضعفة المؤمنين قاله : الحسن والزجاج . ولم يذكر الزمخشري غيره أو عليهما نقله ابن عطية ، أو على اليهود قاله بعضهم . والأمر من الأمن أو الخوف فوز السرية بالظفر والغنيمة ، أو الخيبة والنكبة ، فيبادرون بإفشائه قبل أن يخبر الرسول بذلك . أو ما كان ينزل من الوحي بالوعظ بالظفر ، أو بتخفيف من جهة الكفار ، كان يسر النبي عليه السلام ذلك إليهم فيفشونه ، وكان في ذلك مضرّة على المسلمين ، أو ما يعزم عليه النبي من الوداعة والأمان لقوم ، والخوف الخبر يأتي أنّ قوماً يجمعون للنبي صلى الله عليه وسلم فيخاف المسلمون منهم قاله : الزجاج ، والماوردي ، وأبو سليمان الدمشقي . وقال ابن عطية : المعنى أنّ المنافقين كانوا يشرئبون إلى سماع ما يسوء النبي صلى الله عليه وسلم في سراياه ، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين ، أو فتح عليهم ، حقروها وصغروا شأنها انتهى . والضمير في به عائد على الأمر ، قيل : ويجوز أن يعود على الأمن أو الخوف ، ووحد الضمير لأن ، أو تقتضي أحدهما . (4/208)
{ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } أي : ولو ردُّوا الأمر الذي بلغهم إلى الرسول وأولي الأمر وهم : الخلفاء الأربعة ومن يجري على سننهم ، قاله : ابن عباس ، أو أبو بكر ، وعمر خاصة ، قاله : عكرمة . أو أمراء السرايا قاله : السدي ، ومقاتل ، وابن زيد . أو العلماء من الصحابة قاله : الحسن ، وقتادة ، وابن جريج . والمعنى : لو أمسكوا عن الخوض فيما بلغهم ، واستقصوا الأمر من الرسول وأولي الأمر ، لعلم حقيقة ذلك الأمر الوارد من له بحث ونظر وتجربة ، فأخبروهم بحقيقة ذلك ، وأنّ الأمر ليس جارياً على أول خبر يطرأ .
قال الزمخشري : هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال والاستبطان للأمور ، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوفٍ وخللٍ أذاعوا به ، وكانت إذاعتهم مفسدة . ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله ، وإلى أولي الأمر منهم وهم : كبار الصحابة البصراء بالأمور ، أو الذين كانوا يؤمرون منهم لعلمه ، لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه أي : الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها . وقيل : كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء ، أو على خوف واستشعار ، فيذيعونه فينشر ، فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة ، ولو ردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر وفوضوه إليهم ، وكانوا كأن لم يسمعوا لعلمه الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه ، وما يأتون ويدرون فيه .
وقيل : كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنوناً غير معلوم الصحة فيذيعونه ، فيعود ذلك وبالأعلى المؤمنين . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وقالوا : نسكت حتى نسمعه منهم ، ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع؟ لعلمه الذين يستنبطونه منهم لعلم صحته ، وهل هو مما يذيع هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي : يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم انتهى كلامه . (4/209)
وهذه كلها تأويلات حسنة ، وأجراها على نسق الكلام هذا التأويل الأخير وهو : أنّ المعنى إذا طرأ خبر بأمن المسلمين أو خوف ، فينبغي أن لايشاع ، وأن يردّ إلى الرسول وأولي الأمر ، فإنهم يخبرون عن حقيقة الأمر فيعلمه من يسألهم ، ويستخرج ذلك من جهتهم ، لأنّ ما أخبر به الرسول وأولوا الأمر إذ هم مخبرون عنه حق لا شك فيه . وقال أبو بكر الرازي : في هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام الحوادث ، لأنه أمر بردّ الحوادث إلى الرسول في حياته إذ كانوا بحضرته ، وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته ، والمنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه ، فثبت بذلك أنَّ من الأحكام ما هو مودع في النص قد كلف الوصول إلى علمه بالاستدلال والاستنباط . وطوَّل الرازي في هذه المسألة اعتراضاً وانفصالاً واستقرأ من الآية أحكاماً .
قال : ويدل على بطلان قول القائل بالإمامة : لأنه لو كان كل شيء من الأحكام منصوصاً عليه يعرفه الإمام لزال موضع الاستنباط ، وسقط الرد إلى أولي الأمر ، بل كان الواجب الرّد إلى الإمام الذي يعرف صحة ذلك من باطله من جهة النص . وقال الشيخ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن النقيب وهو جامع كتاب التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير ما نصه في ذلك الكتاب : وقد لاح لي في هذه الآية أنّ في الكلام حذفاً وتقديماً وتأخيراً وأنَّ هذا الكلام متعلق بالذي قبله مردود إليه ، ويكون التقدير : أفلا يتدبرون القرآن ، ولو تدبروه لعلموا أنه من كلام الله ، والمشكل عليهم من متشابهه لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم يعني : لعلم معنى ذلك المتشابه الذين يستنبطونه منهم من أهل العلم بالكتاب إلا قليلاً ، وهو ما ستأثر الله به من علم كتابه ومكنون خطابه . ثم قال : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، والذي حسن لهم ذلك وزينه الشيطان ، ثم التفت إلى المؤمنين فقال : { ولولا فضل الله عليكم } الآية وقد أشار إلى شيء من هذا أبو طالب المكي في كتابه المعروف بقوت القلوب ، وقال : إن قوله : { إلا قليلاً } متصل بقوله { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } وعلى هذا يكون الاستنباط استخراجاً من معنى اللفظ المتشابه بنوع من النظرة والاجتهاد والتفكر انتهى كلامه .
وهو كما ترى تركيب ونظم غير تركيب القرآن ونظمه ، وكثيراً ما يذكر هذا الرجل في القرآن تقديماً وتأخيراً ، وأغرب من ذلك أنه يجعله من أنواع علم البيان ، وأصحابنا وحذاق النحويين يجعلونه من باب ضرائر الأشعار ، وشتان ما بين القولين . وقرأ أبو السمال : لعلمه بسكون اللام . قال ابن عطية : وذلك مثل شجر بينهم انتهى . وليس مثله لأنّ تسكين علم قياس مطرد في لغة تميم ، وشجر ليس قياساً مطرداً ، إنما هو على سبيل الشذوذ . وتسكين علم مثل التسكين في قوله : (4/210)
فإن تبله يضجر كما ضجر بازل ... من الادم دبرت صفحتاه وغاربه
{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً } هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين قاله : ابن عطية . قال : والمعنى لولا هداية الله لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم وهو اتباع الشيطان . وقيل : الفضل الرسول . وقيل : الإسلام . وقيل : القرآن . وقيل : في الرحمة أنها الوحي . وقيل : اللطف . وقيل : النعمة . وقيل : التوفيق . والظاهر أنّ الاستثناء هو من فاعل اتبعتم . قال الضحاك : هدى الكل منهم للإيمان ، فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك ، ولا عنت له شبهة ارتياب ، وذلك هو القليل ، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر ، فلولا فضل الله بتجريد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان ، ويكون الفضل معيناً أي : رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، لأن الكل إنما هدي بفضل الله على الإطلاق .
وقال قوم : إلا قليلاً إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم ، أدركوا بعقولهم معرفة الله ووحدوه قبل أن يبعث الرسول ، كزيد بن عمرو بن نفيل أدرك فساد ما عليه اليهود والنصارى والعرب ، فوحد الله وآمن به ، فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً إذ ليس مندرجاً في المخاطبين بقوله : لاتبعتم .
وقال قوم : الاستثناء إنما هو من الاتباع ، فقدره الزمخشري : إلا اتباعاً قليلاً ، فجعله مستثنى من المصدر الدال عليه الفعل وهو لاتبعتم . وقال ابن عطية : في تقدير أن يكون استثناء من الاتباع قال : أي لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها ، ففسره في الاستثناء بالمتبع فيه ، فيكون استثناء من المتبع فيه المحذوف لا من الاتباع ، ويكون استثناء مفرّعاً ، والتقدير : لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا قليلاً من الأشياء فلا تتبعونه فيه . فإن كان ابن عطية شرح من حيث المعنى فهو صحيح ، لأنه يلزم من الاستثناء الاتباع القليل أن يكون المتبع فيه قليلاً ، وإن كان شرح من حيث الصناعة النحوية فليس بجيد ، لأن قوله : إلا اتباعاً قليلاً ، لا يرادف إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها .
وقال قوم : قوله إلا قليلاً عبارة عن العدم ، يريد : لاتبعتم الشيطان كلكم . قال ابن عطية : وهذا قول قلق ، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم : أرض قلما تنبت كذا ، بمعنى لا تنبته . لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها ، ولكن ذكره الطبري انتهى . وهذا الذي ذكره ابن عطية صحيح ، ولكن قد جوزه هو في قوله : { ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً } ولم يقلق عنده هناك ولا رده ، وقد رددناه عليه هناك فيطالع ثمة . (4/211)
وقيل : إلا قليلاً مستثنى من قوله : أذاعوا به ، والتقدير : أذاعوا به إلا قليلاً ، قاله : ابن عباس وابن زيد ، واختاره : الكسائي ، والفراء ، وأبو عبيد ، وابن حرب ، وجماعة من النحويين ، ورجحه الطبري . وقيل : مستثنى من قوله : لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، قاله : الحسن ، وقتادة ، واختاره ابن عيينة . وقال مكي : ولولا فضل الله عليكم أي : رحمته ونعمته إذ عافاكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين وصفهم بالتبييت ، والخلاف لاتبعتم الشيطان هو خطاب للذين قال لهم : { خذوا حذركم فانفروا ثبات } وقيل : الخطاب عام ، والقليل المستثنى هم أمة الرسول ، لأنهم قليل بالنسبة إلى الكفار . وفي الحديث الصحيح : « ما أنتم إلا كالرقمة البيضاء في الثور الأسود »
{ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين } قيل : نزلت في بدر الصغرى . دعا الناس إلى الخروج ، وكان أبو سفيان وعادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا فنزلت . فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد ، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده .
ومناسبة هذه الآية هي : أنه لما ذكر في الآيات قبلها تثبيطهم عن القتال ، واستطرد من ذلك إلى أنَّ الموت يدرك كل أحد ولو اعتصم بأعظم معتصم ، فلا فائدة في الهرب من القتال ، وأتبع ذلك بما أتبع من سوء خطاب المنافقين للرسول عليه السلام ، وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول وخلافها بالفعل ، وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال ، عاد إلى أمر القتال . وهكذا عادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق ، ثم تعود إلى ذلك الأول .
والفاء هنا عاطفة جملة كلام على جملة كلام يليه ، ومن زعم أنّ وجه العطف بالفاء هو أن يكون متصلاً بقوله : { وما لكم لا تقاتلون } أو بقوله : { فسوف يؤتيه أجراً عظيماً } وهو محمول على المعنى على تقدير شرط أي : إن أردت الفوز فقاتل . أو معطوفة على قوله : { فقاتلوا أولياء الشيطان } فقد أبعد . وظاهر الأمر أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده ، ويؤكده : لا تكلف إلا نفسك . وحمله الزمخشري على تقدير شرط ، قال : أي إن أفردوك وتركوك وحدك لا تكلف إلا نفسك وحدها أن تقدمها للجهاد ، فإنّ الله هو ناصرك لا الجنود ، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف انتهى .
وسبقه إليه الزجاج قال : أمره بالجهاد وإن قاتل وحده ، لأنه ضمن له النصرة . وقال ابن عطية : لم نجد قط في خبر أنّ القتال فرض على النبي دون الأمة مرة ما ، فالمعنى والله أعلم أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه : أي : أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له فقاتل في سبيل الله ، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر ، أن يجاهد ولو وحده ، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي » وقول أبي بكر وقت الردة : ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي . (4/212)
ومعنى لا تكلف إلا نفسك : أي : لا تكلف في القتال إلا نفسك ، فقاتل ولو وحدك . وقيل : المعنى إلا طاقتك ووسعك . والنفس يعبر بها عن القوّة يقال : سقطت نفسه أي قوته . وقرأ الجمهور : لا تكلف خبراً مبنياً للمفعول ، قالوا : والجملة في موضع الحال ، ويجوز أن يكون إخباراً من الله لنبيه ، لا حالاً شرع له فيها أنه لا يكلف أمر غيره من المؤمنين ، إنما يكلف أمر نفسه فقط . وقرىء : لا نكلف بالنون وكسر اللام ، ويحتمل وجهي الإعراب : الحال والاستئناف . وقرأ عبد الله بن عمر : لا تكلف بالتاء وفتح اللام ، والجزم على جواب الأمر . وأمره تعالى بحث المؤمنين على القتال ، وتحريك هممهم إلى الشهادة .
{ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } قال عكرمة وغيره : عسى من الله واجبه ، ومن البشر متوقعة مرجوّة . والذين كفروا : هم كفار قريش ، وقد كف الله تعالى بأسهم ، وبدا لأبي سفيان ترك القتال . وقال : هذا عام مجدب ، وما كان معهم إلا السويق ، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم . وقيل : كف البأس يكون عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام . وقيل : ذلك يوم الحديبية . وقيل : هي فيمن ضربت عليهم الجزية . والجمهور على ما قدمناه من أنّ ذلك كان عند خروجهم إلى بدر الصغرى . والظاهر في هذا أنه لا يتقيد كف بأس الذين كفروا بما ذكروا ، والتخصيص بشيء يحتاج إلى دليل .
{ والله أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً } هذا تقوية لقلوب المؤمنين ، وأنّ بأس الله أشدّ من بأس الكفار . وقد رجى كف بأسهم ، ثم ذكر ما أعد لهم من النكال ، وأن الله تعالى هو أشد عقوبة . فذكر قوّته وقدرته عليهم ، وما يؤول إليه أمرهم من التعذيب . قال الحسن وقتادة : وأشد تنكيلاً أي عقوبة فاصحة ، والأظهر أن أفعل التفضيل هنا على بابها . وقيل : هو من باب العسل أحلى من الخل ، لأن بأسهم بالنسبة إلى بأسه تعالى ليس بشيء .
{ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها } قال قوم : من يكن شفيعاً لوتر أصحابك يا محمد في الجهاد فيسعفهم في جهاد عدوّهم يكن له نصيب من الجهاد أو من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين ، فتلك حسنة ، وله نصيب منها . وحملهم على هذا التأويل ما تقدم من ذكر القتال والأمر به ، وقال قريباً منه الطبري . وقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم : هي في حوائج الناس ، فمن يشفع لنفع فله نصيب ، ومن يشفع لضر فله كفل . (4/213)
وقال الزمخشري : الشفاعة الحسنة هي التي روعي فيها حق مسلم ، ودفع عنه بها شر ، أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ، ولم يؤخذ عليها رشوة ، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ، ولا حق من الحقوق . والسيئة ما كان بخلاف ذلك انتهى . وهذا بسط ما قاله الحسن ، قال : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة ، والسيئة في المعاصي . وقيل : الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم لأنها في معنى الشفاعة إلى الله تعالى . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له ، وقال له الملك : ولك مثل ذلك النصيب » ولدعوة على المسلم بضد ذلك . وقال ابن السائب ومقاتل : الشفاعة الحسنة هنا الصلح بين الاثنين ، والسيئة الإفساد بينهما والسعي بالنميمة . وقيل : الشفاعة الحسنة أن يشفع إلى الكافر حتى يوضح له من الحجج لعله يسلم ، والسيئة أن يشفع إلى المسلم عسى يرتد أو ينافق . والظاهر أنّ من للسبب أي : نصيب من الخير بسببها ، وكفل من الشر بسببها . وتقدم في المفردات أن الكفل النصيب . وسمي المجازي .
وقال أبان بن تغلب : الكفل المثل . وقال الحسن وقتادة : هو الوزر والإثم ، وغاير في النصيب فذكره بلفظ الكفل في الشفاعة السيئة ، لأنه أكثر ما يستعمل في الشر ، وإن كان قد استعمل في الخير لقوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } قالوا : وهو مستعار من كفل البعير ، وهو كساء يدار على سنامه ليركب عليه ، وسمي كفلاً لأنه لم يعم الظهر ، بل نصيباً منه .
{ وكان الله على كل شيء مقيتاً } أي : مقتدراً قاله السدّي وابن زيد والكسائي . وقال ابن عباس ومجاهد : حفيظاً وشهيداً . وقال عبد الله بن كثير : واصباً قيماً بالأمور . وقيل : المحيط . وقيل : الحسيب . وقيل : المجازي . وقيل : المواظب للشيء الدائم عليه . قال ابن كثير : وهو قول ابن عباس أيضاً . وهذه أقوال متقاربة لاستلزام بعضها معنى بعض . وقال الطبري في قوله : إني على الحساب مقيت ، إنه من غير هذه المعاني المتقدّمة ، وإنه بمعنى موقوت . وهذا يضعفه أن يكون بناء اسم الفاعل بمعنى بناء اسم المفعول . وقال غيره : معناه مقتدر .
{ وإذا حييتم بتحية فيحوا بأحسن منها أو ردّوها } الظاهر أن التحية هنا السلام ، وأنّ المسلم عليه مخير بين أن يرد أحسن منها ، أو أن يردها يعني مثلها ، فأو هنا للتخيير .
وقال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وابن زيد : بأحسن منها إذا كان مسلماً ، أو ردوها إذا كان يسلم عليك كافر فاردد ، وإن كان مجوسياً فتكون أو هنا للتنويع . والذي يظهر أنّ الكافر لا يرد عليه مثل تحيته ، لأن المشروع في الرد عليهم أن يقال لهم : وعليكم ، ولا يزادوا على ذلك ، فيكون قوله : وإذا حييتم معناه : وإذا حياكم المسلمون ، وإلى هذا ذهب . عطاء . وعن الحسن : ويجوز أن يقال للكافر : وعليك السلام ، ولا يقل : ورحمة الله ، فإنها استغفار ، وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه : وعليك السلام ورحمة الله فقيل له ، فقال : أليس في رحمة الله يعيش؟ وكأن من قال بهذا أخذ بعموم وإذا حييتم ، لكن ذلك مخالف للنص النبوي من قوله : « فقولوا وعليكم » وكيفية رد الأحسن أنه إذا قال : سلام عليك ، فيقول : عليك السلام ورحمة الله . فإذا قال : سلام عليك ورحمة الله قال : عليك السلام ورحمة الله وبركاته . فإذا قال المسلم هذا بكماله رد عليه مثله . وروي عن عمر ، وابن عباس ، وغيرهما : أن غاية السلام إلى البركة . (4/214)
وفي الآية دليل على أنّ الرد واجب لأجل الأمر ، ولا يدل على وجوب البداءة ، بل هي سنة مؤكدة ، هذا مذهب أكثر العلماء . والجمهور على أنْ لا يبدأ أهل الكتاب بالسلام ، وشذ قوم فأباحوا ذلك . وقد طول الزمخشري وغيره بذكر فروع كثيرة في السلام ، وموضوعها علم الفقه . وذهب مجاهد : إلى تخصيص هذه التحية بالجهاد ، فقال : إذا حييتم في سفركم بتحية الإسلام { فلا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } فإن أحكام الإسلام تجري عليهم . وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك : أن هذه الآية في تشميت العاطس ، والرد على المشمت . وضعف ابن عطية وغيره من أصحاب مالك هذا القول . قال ابن عطية : لأنه ليس في الكلام على ذلك دلالة . أما أنّ الرد على المشمت مما يدخل بالقياس في معنى رد التحية ، وهذا هو منحى مالك إن صح ذلك ، انتهى . وذهب قوم إلى أنّ المراد بالتحية هنا الهداية واللطف ، وقال : حق من أعطى شيئاً من ذلك أن يعطى مثله أو أحسن منه . قال ابن خويز منداد : يجوز أن تحمل هذه الآية على الهبة إذا كانت للثواب ، وقد شحن بعض الناس تأليفه هنا بفروع من أحكام القتال والسلام ، وتشميت العاطس ، والهدايا ، وموضوعها علم الفقه وذكروا أيضاً في ما يدخل في التحية مقارناً للسلام ، واللقاء والمصافحة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها وفعلها مع السلام والمعانقة ، وأول من سنها ابراهيم عليه السلام ، والقبلة . وعن الحسن في قوله تعالى : { رحماء بينهم } قال : كان الرجل يلقى أخاه فما يفارقه حتى يلزمه ويقبله .
وعن عليّ قبلة الولد رحمة ، وقبلة المرأة شهوة ، وقبلة الوالدين برّ ، وقبلة الأخ دين ، وقبلة الإمام العادل طاعة ، وقبلة العالم إجلال الله تعالى . قال القشيري : في الآية تعليم لهم حسن العشرة وآداب الصحبة ، وأنَّ من حملك فضلاً صار ذلك في ذمتك قرضاً ، فإنْ زدت على فعله وإلا فلا تنقص عن مثله . (4/215)
{ إن الله كان على كل شيء حسيباً } أي : حاسباً من الحساب ، أو محسباً من الاحساب ، وهو الكفاية . فإما فعيل للمبالغة ، وإما بمعنى مفعل .
وتضمنت هذه الآيات من البيان والبديع أنواعاً الالتفات في قوله : فما أرسلناك . والتكرار في : من يطع فقد أطاع ، وفي : بيت ويبيتون ، وفي : اسم الله في مواضع ، وفي : أشد ، وفي : من يشفع شفاعة . والتجنيس المماثل في : يطع وأطاع ، وفي : بيت ويبيتون ، وفي : حييتم فحيوا . والمغاير في : وتوكل ووكيلاً ، وفي : من يشفع شفاعة ، وفي : وإذا حييتم بتحية . والاستفهام المراد به الإنكار في : أفلا يتدبرون . والطباق في : من الأمن أو الخوف ، وفي : شفاعة حسنة وشفاعة سيئة . والتوجيه في : غير الذي تقول . والاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في : ولو كان من عند غير الله . وخطاب العين والمراد به الغير في : فقاتل . والاستعارة في : في سبيل الله ، وفي : أن يكف بأس . وافعل في : غير المفاضلة في أشد . وإطلاق كل على بعض في : بأس الذين كفروا واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى . والحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة .
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)
الإركاس : الرد والرجع . قيل : من آخره على أوله ، والركس : الرجيع . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في « الروثة هذا ركس » وقال أمية بن أبي الصلت : (4/216)
فأركسوا في حميم النار أنهم ... كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
وحكى الكسائي والنضر بن شميل : ركس وأركس بمعنى واحد أي : رجعهم . ويقال : ركَّس مشدّداً بمعنى أركس ، وارتكس هو أي ارتجع . وقيل : أركسه أوبقه قال :
بشؤمك أركستني في الخنا ... وأرميتني بضروب العنا
وقيل : أضلهم . وقال الشاعر :
وأركستني عن طريق الهدى ... وصيرتني مثلاً للعدا
وقيل : نكسه . قاله الزجاج قال :
ركسوا في فتنة مظلمة ... كسواد الليل يتلوها فتن
الدية : ما غرم في القتل من المال ، وكان لها في الجاهلية أحكام ومقادير ، ولها في الشرع أحكام ومقادير ، سيأتي ذكر شيء منها . وأصلها : مصدر أطلق على المال المذكور ، وتقول : منه ودي ، يدي ، وديا ودية . كما تقول : وشى يشي ، وشيا وشية ، ومثاله من صحيح اللام : زنة وعدة .
التعمد والعمد : القصد إلى الشيء { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } قال مقاتل : نزلت فيمن شك في البعث ، فاقسم الله ليبعثنه . ومناسبتها لما قبلها ظاهرة وهي : أنه تعالى لما ذكر أن الله كان على كل شيء حسيباً ، تلاه بالاعلام بوحدانية الله تعالى والحشر والبعث من القبور للحساب . ويحتمل أن يكون لا إله إلا هو خبر عن الله ، ويحتمل أن يكون جملة اعتراض ، والخبر الجملة المقسم عليها ، وحذف هنا القسم للعلم به . وإلى إما على بابها ومعناها : من الغاية ، ويكون الجمع في القبور ، أو يضمن معنى : ليجمعنكم معنى : ليحشرنكم ، فيعدى بإلى . قيل : أو تكون إلى بمعنى في ، كما أولوه في قول النابغة :
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلى به القار أجرب
أي : في الناس . وقيل : إلى بمعنى مع . والقيامة والقيام بمعنى واحد ، كالطلابة والطلاب . قيل : ودخلت الهاء للمبالغة لشدة ما يقع فيه من الهول ، وسمي بذلك إما لقيامهم من القبور ، أو لقيامهم للحساب . قال تعالى : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ولما كان الحشر جائزاً بالعقل ، واجباً بالسمع ، أكده بالقسم قبله وبالجملة بعده من قوله : لا ريب فيه . واحتمل الضمير في فيه أن يعود إلى اليوم ، وهو الظاهر . وأن يعود على المصدر المفهوم من قوله تعالى : ليجمعنكم . وتقدم تفسير لا ريب فيه في أول البقرة .
{ ومن أصدق من الله حديثاً } . هذا استفهام معناه النفي ، التقدير : لا أحد أصدق من الله حديثاً . وفسر الحديث بالخبر أو بالوعد قولان ، والأظهر هنا الخبر . قال ابن عطية : وذلك أنّ دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف أو الرجاء أو سوء السجية ، وهذه منفية في حق الله تعالى ، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقاً لما في قلبه ، والأمر المخير عنه في وجوده انتهى .
وقال الماتريدي : أي إنكم تقبلون حديث بعضكم من بعض مع احتمال صدقه وكذبه ، فإنْ تقبلوا حديث من يستحيل عليه الكذب في كل ما أخبركم به من طريق الأولى . وطوّل الزمخشري هنا إشعاراً بمذهبه فقال : لا يجوز عليه الكذب ، وذلك أنَّ الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه الذي هو كونه كذباً وإخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ، ليجرّ منفعة ، أو يدفع مضرة ، أو هو غني عنه ، إلا أنه يجهل غناه ، أو هو جاهل بقبحه ، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في أخباره ، ولا يبالي بأيهما نطق ، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق . وعن بعض السفهاء : أنه عوتب على الكذب فقال : لو غرغرت لهراتك به ، ما فارقته . وقيل لكذاب : هل صدقت قط؟ فقال : لولا أني صادق في قولي لا ، لقلتها . فكان الحكيم الغني الذي لا تجوز عليه الحاجات ، العالم بكل معلوم ، منزهاً عنه كما هو منزه عن سائر القبائح انتهى . وكلامه تكثير لا يليق بكتابه ، فإنه مختصر في التفسير . وقرأ حمزة والكسائي : أصدق بإشمام الصاد زاياً ، وكذا فيما كان مثله من صاد ساكنة بعدها دال ، نحو : يصدقون وتصدية . وأما إبدالها زاياً محضة في ذلك فهي لغة كلب . وأنشدوا : (4/217)
يزيد الله في خيراته ... حامي الذمار عند مصدوقاته
يريد : عند مصدوقاته .
{ فما لكم في المنافقين فئتين } ذكروا في سبب نزولها أقوالاً طولوا بها وملخصها : أنّهم قوم أسلموا فاستوبئوا المدينة فخرجوا ، فقيل لهم : أما لكم في الرسول أسوة؟ أو ناس رجعوا من أحد لِما خرج الرسول ، وهذا في الصحيحين من قول زيد بن ثابت . أو ناس بمكة تكلموا بالإسلام وهم يعينون الكفار ، فخرجوا من مكة . قال الحسن ، ومجاهد : خرجوا الحاجة لهم ، فقال قوم من المسلمين ، اخرجوا إليهم فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم . وقال قوم : كيف نقتلهم وقد تكلموا بالإسلام؟ رواه ابن عطية عن ابن عباس . أو قوم قدموا المدينة وأظهروا الإسلام ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك ، أو قوم أعلنوا الإيمان بمكة وامتنعوا من الهجرة قاله : الضحاك . أو العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً ، أو المنافقون الذين تكلموا في حديث الإفك .
وما كان من هذه الأقوال يتضمن أنهم كانوا بالمدينة ، يردّه قوله : { حتى يهاجروا في سبيل الله } إلا إنْ حملت المهاجرة على هجرة ما نهى الله عنه ، والمعنى : أنه تعالى أنكر عليهم اختلافهم في نفاق من ظهر منه النفاق أي : من ظهر منه النفاق قطع بنفاقه ، ولو لم يكونوا بادياً نفاقهم ، لما أطلق عليه اسم النفاق .
وفي المنافقين متعلق بما تعلق به لكم ، وهو كائن أي : أيّ شيء كائن لكم في شأن المنافقين . أو بمعنى فئتين أي : فرقتين في أمر المنافقين . وانتصب فئتين على الحال عند البصريين من ضمير الخطاب في لكم ، والعامل فيها العامل في لكم . وذهب الكوفيون إلى أنه منصوب على إضمار كان أي : كنتم فئتين . ويجيزون مالك الشاتم أي : كنت الشاتم ، وهذا عند البصريين لا يجوز ، لأنه عندهم حال ، والحال لا يجوز تعريفها . (4/218)
{ والله أركسهم بما كسبوا } أي : رجّعهم وردّهم في كفرهم قاله : ابن عباس ، واختار الفراء والزجاج : أوبقهم . روى عن ابن عباس : أو أضلهم ، قاله السدي . أو أهلكهم قاله قتادة ، أو نكسهم قاله الزجاج . وكلها متقاربة . ومن عبر به عن الإهلاك فإنه أخذ بلازم الإركاس . ومعنى بما كسبوا أي : بما أجراه الله عليهم من المخالفة ، وذلك الاركاس هو بخلق الله واختراعه ، وينسب للعبد كسباً .
وقال الزمخشري : والله أرسكهم أي : ردّهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ، ولحوقهم بالمشركين ، واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو أركسهم في الكفر بأنْ خذلهم حتى ارتكسوا فيه لما علم من مرض قلوبهم انتهى . وهو جار على عقيدته الاعتزالية ، فلا ينسب الاركاس إلى الله حقيقة ، بل يؤوّله على معنى الخذلان وترك اللطف ، أو على الحكم بكونهم من المشركين . إذ هم فاعلو الكفر ومخترعوه ، لا الله تعالى الله عن قولهم .
وقرأ عبد الله : ركسهم ثلاثياً . وقرىء : ركسهم ركسوا فيها بالتشديد ، قال الراغب : الركس والنكس الرذل ، والركس أبلغ من النكس ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه ، والركس أصله ما رجع رجيعاً بعد أن كان طعاماً فهو كالرجس وصف أعمالهم به ، كما قال : { إنما المشركون نجس } وأركسه أبلغ من ركسه ، كما أنَّ أسقاه بلغ من سقاه انتهى . وهذه الجملة في موضع الحال ، أنكر تعالى عليهم اختلافهم في هؤلاء المنافقين في حال أنّ الله تعالى قد ردهم في الكفر ، ومن يرده الله إلى الكفر لا يختلف في كفره .
{ أتريدون أن تهدوا من أضلّ الله } هذا استفهام إنكار أي : من أراد الله ضلاله ، لا يريد أحد هدايته لئلا تقع إرادته مخالفة لإرادة الله تعالى ، ومَن قضى الله عليه بالضلال لا يمكن إرشاده ، ومن أضل الله اندرج فيه المركسون وغيرهم . ممن أضله الله فكأنه قيل : أتريدون أن تهدوا هؤلاء المنافقين؟ ومن أضله الله تعالى من غيرهم واندراجهم في عموم من بعد قوله : والله أركسهم ، هو على سبيل التوكيد ، إذ ذكروا أولاً على سبيل الخصوص ، وثانياً على سبيل اندراجهم في العموم . وقال الزمخشري : أتريدون أن تجعلوا من جملة المهتدين؟ من أضله الله من جعله من الضلال وحكم عليه بذلك ، أو خذله حتى ضل انتهى .
وهو على طريقته الاعتزالية من أنه لا ينسب الإضلال إلى الله على سبيل الحقيقة . (4/219)
{ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً } أي : فلن تجد لهدايته سبيلاً . والمعنى : لخلق الهداية في قلبه ، وهذا هو المنفى . والهداية بمعنى الإرشاد والتبيين ، هي للرسل . وخرج من خطابهم إلى خطاب الرسول على سبيل التوكيد في حق المختلفين ، لأنه إذا لم يكن له ذلك ، فالأحرى أن لا يكون ذلك لهم . وقيل : من يحرمه الثواب والجنة لا يجد له أحد طريقاً إليهما . وقيل : من يهلكه الله فليس لأحد طريق إلى نجاته من الهلاك . وقيل : ومن يضلل الله فلن تجد له مخرجاً وحجة .
{ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } مَن أثبت أن لو تكون مصدرية قدره : ودُّوا كفركم كما كفروا . ومَن جعل لو حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره ، جعل مفعول ودُّوا محذوفاً ، وجواب لو محذوفاً ، والتقدير : ودُّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ، لسرُّوا بذلك . وسبب ودّهم ذلك إمّا حسداً لما ظهر من علوّ الإسلام كما قال في نظيرتها : { حسداً من عند أنفسهم } وإمّا إيثاراً لهم أن يكونوا عباد أصنام لكونهم يرون المؤمنين على غير شيء ، وهذا كشف من الله تعالى لخبيث معتقدهم ، وتحذير للمؤمنين منهم . وفتكونون معطوف على قوله : تكفرون .
قال الزمخشري : ولو نصب على جواب التمني لجاز ، والمعنى : ودُّوا كفركم وكونكم معهم شرعاً واحداً فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء انتهى . وكون التمني بلفظ الفعل ، ويكون له جواب فيه نظر . وإنما المنقول أنَّ الفعل ينتصب في جواب التمني إذا كان بالحرف نحو : ليت ، ولو وإلا ، إذا أشربتا معنى التمني ، أما إذا كان بالفعل فيحتاج إلى سماع من العرب . بل لو جاء لم تتحقق فيه الجوابية ، لأن ودّ التي تدل على التمني إنما متعلقها المصادر لا الذوات ، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعين أن تكون فاء جواب ، لاحتمال أن يكون من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به ، فيكون من باب : للبس عباءة وتقرّ عيني .
{ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله } لما نص على كفرهم ، وأنَّهم تمنوا أن تكونوا مثلهم بانت عداوتهم لاختلاف الدّينين ، فهي تعالى أن يوالي منهم أحد وإن آمنوا ، حتى يظاهروا بالهجرة الصحيحة لأجل الإيمان ، لا لأجل حظ الدّنيا ، وإنما غياباً بالهجرة فقط لأنها تتضمن الإيمان . وفي هذه الآية دليل على وجوب الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ولم يزل حكمها كذلك إلى أن فتحت مكة ، فنسخ بقوله صلى الله عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا » . وخالف الحسن البصري فقال بوجوبها ، وإن حكمها لم ينسخ ، وهو باق فتحرم الإقامة بعد الإسلام في دار الشرك .
وإجماع أهل المذاهب على خلافه . قال القاضي أبو يعلى وغيره : من هو قادر على الهجرة ولا يقدر على إظهار دينه فهي تجب عليه لقوله تعالى : { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } ومن كان قادراً على إظهار دينه استحبت له ، ومن لا يقدر على إظهار دينه ولا على الحركة كالشيخ الفاني والزمِنْ ، لا يستحب له . (4/220)
{ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً } أي . فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم الكفار يقتلون حيث وجدوا في حل وحرم ، وجانبوهم مجانبة كلية ، ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم .
{ إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } هذا استثناء من قوله : فخذوهم واقتلوهم ، والوصول هنا : البلوغ إلى قوم . وقيل : معناه ينتسبون قاله أبو عبيدة . وأنشد الأعشى :
إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم
وقال النحاس : هذا غلط عظيم ، لأنه ذهب إلى أنه تعالى حظر أن يقاتلَ أحدُ بينه وبين المسلمين نسب والمشركون قد كان بينهم وبين المسلمين السابقين أنساب . يعني : وقد قاتل الرسول ومن معه من انتسب إليهم بالنسب الحقيقي ، فضلاً عن الانتساب . قال النحاس : وأشد من هذا الجهل قول من قال : إنه كان ثم نسخ ، لأن أهل التأويل مجمعون على أنّ الناسخ له براءة ، وإنما نزلت بعد الفتح ، وبعد أن انقطعت الحروب ، ووافقه على ذلك الطبري .
وقال القرطبي : حمل بعض أهل العلم معنى ينتسبون على الأمان ، أو أن ينتسب إلى أهل الأمان ، لا على معنى النسب الذي هو القرابة انتهى . قال عكرمة : إلى قوم هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي ، وادع الرسول على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، ومن لجأ إليهم فله مثل ما لهلال . وروي عن ابن عباس : أنهم بنو بكر بن زيد مناة . والجمهور على أنّهم خزاعة وذو خزاعة . وقال مقاتل : خزاعة وبنو مدلج . وقال ابن عطية : كان هذا الحكم في أول الإسلام قبل أن يستحكم أمر الطاعة من الناس ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادن من العرب قبائل كرهط هلال بن عويمر الأسلمي ، وسراقة بن مالك بني جعشم ، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف ، فقضت هذه الآية أنه من وصل من المشركين الذين لا عهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء أهل العهد ، ودخل في عدادهم ، وفعل فعلهم من الموادعة ، وفعل فعلهم من الموادعة ، فلا سبيل عليه . قال عكرمة والسدي وابن زيد : ثمّ لما تقوى الإسلام وكثر ناصره نسخت هذه الآية والتي بعدها بما في سورة براءة انتهى . وقيل : هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف . والذين حصرت صدورهم هم ، بنو مدلج ، اتصلوا بقريش .
وبه وعن ابن عباس : إنهم قوم من الكفار اعتزلوا المسلمين يوم فتح مكة ، فلم يكونوا مع الكافرين ، ولا مع المسلمين ، ثم نسخ ذلك بآية القتال . (4/221)
وأصل الاستثناء أن يكون متصلاً ، وظاهر الآية وهذه الأقوال التي تقدّمت : أنه استثناء متصل . والمعنى : إلا الكفار الذين يصلون إلى قوم معاندين ، أو يصلون إلى قوم جاؤوكم غير مقاتلين ولا مقاتلي قومهم . إن كان جاؤوكم عطفاً على موضع صفة قوم ، وكلا العطفين جوز الزمخشري وابن عطية ، إلا أنهما اختارا العطف على الصلة . قال ابن عطية بعد أن ذكر العطف على الصلة قال : ويحتمل أن يكون على قوله : بينكم وبينهم ميثاق ، والمعنى في العطفين مختلف انتهى . واختلافه أنّ المستثنى إمّا أن يكونا صنفين واصلاً إلى معاهد ، وجائياً كافاً عن القتال . أو صنفاً واحداً يختلف باختلاف من وصل إليه من معاهد أو كاف . قال ابن عطية : وهذا أيضاً حكم ، كان قبل أن يستحكم أمر الإسلام ، فكان المشرك إذا جاء إلى دار الإسلام مسالماً كارهاً لقتال قومه مع المسلمين ولقتال المسلمين مع قومه ، لا سبيل عليه . وهذه نسخت أيضاً بما في براءة انتهى .
وقال الزمخشري : الوجه العطف على الصلة لقوله : { فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم } الآية بعد قوله : فخذوهم واقتلوهم ، فقرر أنّ كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض لهم ، وترك الإيقاع بهم . ( فإن قلت ) : كل واحد من الاتصالين له تأثير في صحة الاستثناء ، واستحقاق ترك التعرّض الاتصال بالمعاهدين والاتصال بالكافين ، فهلا جوزت أن يكون العطف على صفة قومٍ ، ويكونَ قوله : فإن اعتزلوكم تقريراً لحكم اتصالهم بالكافين ، واختلاطهم فيهم ، وجريهم على سننهم؟ ( قلت ) : هو جائز ، ولكنَّ الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام انتهى . وإنما كان أظهروا وأجرى على أسلوب الكلام لأنّ المستثنى محدث عنه محكوم له بخلاف حكم المستثنى منه . وإذا عطفت على الصلة كان محدثاً عنه ، وإذا عطفت على الصفة لم يكن محدثاً عنه ، إنما يكون ذلك تقييداً في قوم الذين هم قيد في الصلة المحدث عن صاحبها ، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسنادية في المعنى ، وبين أن تكون تقييدية ، كان حملُها على الإسنادية أولى للاستثقال الحاصل بها ، دون التقييدية هذا من جهة الصناعة النحوية . وأما من حيث ما يترتب على كل واحد من العطفين من المعنى ، فإنه يكون تركهم القتال سبباً لترك التعرّض لهم ، وهو سبب قريب ، وذلك على العطف على الصلة ، ووصولهم إلى من يترك القتال سبب لترك التعرض لهم ، وهو سبب بعيد ، وذلك على العطف على الصفة . ومراعاة السبب القريب أولى من مراعاة البعيد . وعلى أن الاستثناء متصل من مفعول : فخذوهم واقتلوهم ، والمعنى : أنه تعالى أوجب قتل الكافر إلا إذا كان معاهداً أو داخلاً في حكم المعاهد ، أو تاركاً للقتال ، فإنه لا يجوز قتلهم .
وقول الجمهور : إن المستثنين كفار . (4/222)
وقال أبو مسلم : إنه تعالى لما أوجبَ الهجرة على كل من أسلم ، استثنى مَن له عذر فقال : { إِلا الذين يصلون } وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول بالهجرة والنصرة ، إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقاً إليه خوفاً من أولئك الكفار ، فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد ، وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص ، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول وإلى الصحابة ، لأنه يخاف الله فيه ، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه ، أو لأنه بقي أزواجه وأولاده بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه . فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم ، وإن كان لم توجد منهم الهجرة ، ولا مقاتلة الكفار انتهى . واختاره الراغب . وعلى قول أبي مسلم : يكون استثناء منقطعاً ، لأن المؤمنين لم يدخلوا تحت قوله : { فما لكم في المنافقين فئتين } . وقال الماتريدي : إلا الذين يصلون أي : إن لحق المنافقون بمن لا ميثاق بينكم وبينهم فاقتلوهم حتى يتوبوا ويهاجروا ، وإن لحقوا بأهل الميثاق فلا تقاتلوهم ، أو جاؤوكم حصرت صدورهم هذا صفة لمن سبق ذكرهم ، فيكون الاستثناء عن الذين يصلون إلى أهل العهد ، إذا كان وصفهم أنْ تضيق صدورهم عن مقاتلة المؤمنين والكفار جميعاً ، إما لنفار طباعهم ، وإما لوفاء العهد ، وإما لكونهم في مهلة النظر ليتبينوا الحق من الباطل ، وعلى هذا وصف الله جميع المعاهدين الذين عزموا على الوفاء بالعهد : أنهم إنما قبلوا العهد والذمة لما تعذر عليهم قتال المسلمين وأبت نفوسهم معاونة المسلمين على قومهم ، فلم يسلموا حقيقة ، ولكن سالموا لقبول العهد انتهى . وقال القفال بعد ذكر من دخل في عهد مَن كان داخلاً في عهدكم ، فهو أيضاً داخل في العهد ، قال : وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرت الرسول عليه السلام ، فيتعذر عليهم ذلك المطلوب ، فيلجوا إلى قوم بينهم وبين الرسول عهد ، إلى أن يجدوا السبيل إليه انتهى .
وفي مصحف أُبي وقراءته : ميثاق جاؤوكم بغير واو . قال الزمخشري : ووجهه أن يكون جاؤوكم بياناً ليصلون ، أو بدلاً ، أو استئنافاً ، أو صفة بعد صفة لقوم انتهى . وهي وجوه محتملة ، وفي بعضها ضعف . وهو البيان والبدل ، لأن البيان لا يكون في الأفعال ، ولأن البدل لا يتأتى لكونه ليس إياه ، ولا بعضاً ، ولا مشتملاً . ومعنى حصرت : ضاقت ، وأصل الحصر في المكان ، ثم توسع فيه حتى صار في القول . قال :
ولقد تكنفني الوشاة فصادفوا ... حصراً بسرك يا أميم ضنينا
وقيل : معناه كرهت . والمعنى : كرهوا قتالكم مع قومهم معكم . وقيل : معناه أنهم لا يقاتلونكم ولا يقاتلون قومهم معكم ، فيكونون لا عليكم ولا لكم . وقرأ الجمهور : حصرت . وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب : حصرة على وزن نبقة ، وكذا قال المهدوي عن عاصم في رواية حفص .
وحكى عن الحسن أنه قرأ : حصرات . وقرىء : حاصرات . وقرىء : حصرة بالرفع على أنه خبر مقدم ، أي : صدورهم حصرة ، وهي جملة اسمية في موضع الحال . فأما قراءة الجمهور فجمهور النحويين على أنَّ الفعل في موضع الحال . فمَن شرط دخول قد على الماضي إذا وقع حالاً زعم أنها مقدرة ، ومن لم ير ذلك لم يحتج إلى تقديرها ، فقد جاء منه ما لا يحصى كثرة بغير قد . ويؤيد كونه في موضع الحال قراءة من قرأ ذلك اسماً منصوباً ، وعن المبرد قولان : أحدهما : أنّ ثم محذوفاً هو الحال ، وهذا الفعل صفته أي : أو جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم . والآخر : أنه دعاء عليهم ، فلا موضع له من الإعراب . ورد الفارسي على المبرد في أنه دعاء عليهم بأنا أمرنا أن نقول : اللهم أوقع بين الكفار العداوة ، فيكون في قوله : أو يقاتلوا قومهم ، نفي ما اقتضاه دعاء المسلمين عليهم . قال ابن عطية : ويخرج قول المبرد على أنّ الدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا المسلمين تعجيز لهم ، والدعاء عليهم بأن لا يقاتلوا قومهم تحقير لهم ، أي : هم أقل وأحقر ، ويستغني عنهم كما تقول إذا أردت هذا المعنى : لا جعل الله فلاناً علي ولا معي ، بمعنى : استغنى عنه ، واستقل دونه . وقال غير ابن عطية : أو تكون سؤالاً لموتهم ، على أنّ قوله : قومهم ، قد يعبر به عن من ليسوا منهم ، بل عن معاديهم . وأجاز أبو البقاء أن يكون حصرت في موضع جر صفة لقوم ، وأو جاؤوكم معترض . قال : يدل عليه قراءة من أسقط أو ، وهو أبي . وأجاز أيضاً أن يكون حصرت بدلاً من جاؤوكم ، قال : بدل اشتمال ، لأن المجيء مشتمل على الحصر وغيره . وقال الزجاج : حصرت صدورهم خبر بعد خبر . قال ابن عطية : يفرق بين تقدير الحال ، وبين خبر مستأنف في قولك : جاء زيد ركب الفرس ، إنك إن أردت الحال بقولك : ركب الفرس ، قدرت قد . وإن أردت خبراً بعد خبر لم نحتج إلى تقديرها . وقال الجرجاني : تقديره إن جاؤوكم حصرت ، فحذف إنْ ، وما ادعاه من الإضمار لا يوافق عليه ، أن يقاتلوكم تقديره : عن أن يقاتلوكم . (4/223)
{ ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم } هذا تقرير للمؤمنين على مقدار نعمته تعالى عليهم . أي : لو شاء لقواهم وجرأهم عليكم ، فإذا قد أنعم عليكم بالهدنة فاقبلوها . وهذا إذا كان المستثنون كفاراً ، فأما على قول من قال : إنهم مؤمنون ، فالمعنى أنه تعالى أظهر نعمته على المسلمين ، وأنه تعالى لو لم يهدهم لكانوا في جملة المسلطين عليكم .
قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين ما كان مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم؟ ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه ، فكانوا مسلطين مقاتلين غير كافين ، فذلك معنى التسليط انتهى .
وهذا على طريقته الاعتزالية . وهذا الذي قاله الزمخشري قاله أبو هاشم قبله . قال : أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء أن يفعل ، وتسليط الله المشركين على المؤمنين ليس بأمر منه ، وإنما هو بإزالة خوف المسلمين من قلوبهم ، وتقوية أسباب الجرأة عليهم . والغرض بتسليطهم عليهم لأمور ثلاثة : أحدها : تأديباً لهم وعقوبة لما اجترحوا من الذنوب . الثاني : ابتلاء لصبرهم واختباراً لقوة إيمانهم وإخلاصهم كما قال : { ولنبلونكم } الآية . الثالث : لرفع درجاتهم وتكثير حسناتهم . أو المجموع وهو أقرب للصواب انتهى . (4/224)
وأمّا غيرهما من المعتزلة فقال الجبائي : قد بينا أن القوم الذين استثنوا مؤمنون لا كافرون ، وعلى هذا معنى الآية . ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتهم على مقاتلتهم على سبيل الظلم . وقال الكعبي : إنه تعالى أخبر أنه لو شاء فعل ، وهذا لا يفيد ، إلا أنه قادر على الظلم ، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول : إنه تعالى لا يفعل الظلم ، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده ، انتهى كلامه .
وقال أهل السنة : في هذه الآية دليل على أنه تعالى لا يقبح منه تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه .
وقرأ الجمهور : فيقاتلوكم بألف المفاعلة . وقرأ مجاهد وطائفة : فلقتلوكم على وزن ضربوكم . وقرأ الحسن والجحدري : فلقتلوكم بالتشديد ، واللام في لقاتلوكم لام جواب لو ، لأن المعطوف على الجواب جواب ، كما لو قلت : لو قام زيد لقام عمرو ولقام بكر . وقال ابن عطية : واللام في لسلطهم جواب لو ، وفي فلقاتلوكم لام المحاذاة والازدواج ، لأنها بمثابة الأولى لو لم تكن الأولى كنت تقول : لقاتلوكم انتهى . وتسميته هذه اللام لام المحاذاة والازدواج تسمية غريبة ، لم أر ذلك إلا في عبارة هذا الرجل ، وعبارة مكي قبله .
{ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً } إذا كان المستثنون كفاراً فالاعتزال حقيقة لا يتهيأ إلا في حالة المواجهة في الحرب كأنه يقول : إذا اعتزلوكم بانفرادهم عن قومهم الذين يقاتلونكم فلا تقتلوهم . وقيل : أراد بالاعتزال هنا المهادنة ، وسميت اعتزالاً لأنها سبب الاعتزال عن القتال . والسلم هنا الانقياد قاله : الحسن ، أو الصلح قاله : الربيع ومقاتل ، أو الإسلام قاله : الحسن أيضاً . وأما على من قال : إن المستثنين مؤمنون ، فالمعنى أنهم إذ قد اعتزلوكم وأظهروا الإسلام فاتركوهم ، فعلى هذا تكون في « الذين أسلموا ولم يستحكم إيمانهم » والمعنى : سبيلاً إلى قتلهم ومقاتلتهم . وقرأ الجحدري : السلم بسكون اللام . وقرأ الحسن : بكسر السين ، وسكون اللام .
{ ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردّوا إلى الفتنة أركسوا فيها } لمّا ذكر صفة المحقين في المتاركة ، المجدّين في إلقاء السلم ، نبّه على طائفة أخرى مخادعة يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم يقولون لهم : نحن معكم وعلى دينكم ، ويقولون للمسلمين كذلك إذا وجدوا .
قيل : كانت أسد وغطفان بهذه الصفة فنزلت فيهم ، قاله : مقاتل . وقيل : نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان ينقل بين النبي صلى الله عليه وسلم الأخبار قاله : السدي . وقيل : في قوم يجيئون من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم رياء ويظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش يكفرون ، ففضحهم الله تعالى ، وأعلم أنهم ليسوا على صفة من تقدّم قاله : مجاهد . وقيل : إنهم من أهل تهامة قاله : قتادة . وقيل : إنهم من المنافقين قاله : الحسن . (4/225)
والظاهر من قوله : ستجدون آخرين ، أنهم قوم غير المستثنين في قوله : { إلا الذين يصلون } . وذهب قوم : إلى أنها بمنزلة الآية الأولى ، والقوم الذين نزلت فيهم هم الذين نزلت فيهم الأولى ، وجاءت مؤكدة لمعنى الأولى مقررة لها . والسين في ستجدون ليست للاستقبال قالوا : إنما هي دالة على استمرارهم على ذلك الفعل في الزمن المستقبل كقوله : { سيقول السفهاء } وما نزلت إلا بعد قوله : { ما ولاهم عن قبلتهم } فدخلت السين إشعاراً بالاستمرار انتهى . ولا تحرير في قولهم : إن السين ليست للاستقبال وإنما تشعربالاستمرار ، بل السين للاستقبال ، لكنْ ليس في ابتداء الفعل ، لكن في استمراره أن يأمنوكم أي : يأمنوا أذاكم ويأمنوا أذى قومهم . والفتنة هنا : المحنة في إظهار الكفر . ومعنى أركسوا فيها رجعوا أقبح رجوع وأشنعه ، وكانوا شراً فيها من كل عدو . وحكى أنهم كانوا يرجعون إلى قومهم فيقال لأحدهم : قل ربي الخنفساء ، وربي القردة ، وربي العقرب ، ونحوه فيقولها . وقرأ ابن وثاب والأعمش : ردّوا بكسر الراء ، لما أدغم نقل الكسرة إلى الراء . وقرأ عبد الله : ركسوا بضم الراء من غير ألف مخففاً . وقال ابن جني عنه : بشدّ الكاف .
{ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أمر تعالى بقتل هؤلاء في أي مكان ظفر بهم ، على تقدير انتفاء الاعتزال وإلقاء السلم ، وكف الأيدي . ومفهوم الشرط يدل على أنه إذا وجهوا الاعتزال وإلقاء السلم وكف الأيدي ، لم يؤخذوا ولم يقتلوا .
قال ابن عطية : وهذه الآية حضّ على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم . وتأمل فصاحة الكلام في أنْ ساقه في الصيغة المتقدّمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال ، وإيجاب إلقاء السلم ، ونفى المقاتلة ، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له . وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفى الاعتزال ، ونفى إلقاء السلم ، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين ، والحكم سواء على السياقين . لأن الذين لم يجعل عليهم سبيلاً لو لم يعتزلوا ، لكان حكمهم ، حكم هؤلاء الذين جعل عليهم السلطان المبين . وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان إذا لم يعتزلوا ، لو اعتزلوا كان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم ، ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا انتهى كلامه . وهو حسن . ولما كان أمر الفرقة الأولى أخف ، رتّب تعالى انتفاء جعل السبيل عليهم على تقدير سببين : وجود الاعتزال ، وإلقاء السلم .
ولما كان أمر هذه الفرقة المخادعة أشدّ ، رتب أخذهم وقتلهم على وجود ثلاثة أشياء : نفي الاعتزال ، ونفي إلقاء السلم ، ونفي كف الأذى . كل ذلك على سبيل التوكيد في حقهم والتشديد . (4/226)
{ وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً } أي على أخذهم وقتلهم حجة واضحة ، وذلك لظهور عداوتهم ، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر ، وإضرارهم بأهل الإسلام ، أو حجة ظاهرة حيث أذنا لكم في قتلهم . قال عكرمة : حيثما وقع السلطان في كتاب الله فالمراد به الحجة .
{ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ } روي أن عياش بن أبي ربيعة وكان أخا أبي جهل لأمه ، أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يأويها سقف حتى يرجع ، فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم ، ففتك منه أبو جهل في الزرود والغارب وقال : أليس محمد بحثك على صلة الرحم؟ انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك ، حتى نزل وذهب معهما ، فلما أبعدا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحد مائة جلدة ، فقال للحرث : هذا أخي ، فمن أنت يا حرث الله؟ عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك . وقدما به على أمه فحلفت لا تحلّ كتافه أو يرتد ، ففعل . ثم هاجر بعد ذلك ، وأسلم الحارث ، وهاجر فلقيه عياش بظهر قبا ولم يشعر بإسلامه ، فأنحى عليه فقتله ، ثم أُخبر بإسلامه ، فانحنى عليه فقتله ، ثم أُخبر بإسلامه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قتلته ولم أشعر بإسلامه ، فنزلت . وقيل : نزلت في رجل كان يرعى غنماً فقتله في بعض السرايا أبو الدرداء وهو يتشهد وساق غنمه ، فعنفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت . وقيل : نزلت في أبي حذيفة بن اليمان حين قتل يوم أحد خطأ . وقيل غير ذلك انتهى .
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار ، ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالمحاربة ، ومنها أن يظن رجلاً حربياً وهو مسلم فيقتله . وهذا التركيب تقدم نظيره في قوله : { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } وفي قوله : { وما كان لنبي أن يغل } وكان يغني الكلام هناك عن الكلام هنا ، ولكن رأينا جمع ما قاله من وقفنا على كلامه من المفسرين هنا .
قال الزمخشري : ما كان لمؤمن : ما صح له ، ولا استقام ، ولا لاق بحاله ، كقوله : وما كان لنبي أن يغل ، وما يكون لنا أن نعود ، أن يقتل مؤمناً ابتداء غير قصاص إلا خطأ على وجه الخطأ . ( فإن قلت ) : بما انتصب خطأ؟ ( قلت ) : بأنه مفعول له أي : ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده ، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى : لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ ، وأن يكون صفة لمصدر أي : إلا قتلا خطأ .
والمعنى : أنَّ من شأن المؤمن أن تنتفي عنه وجوه قتل المؤمن ابتداء البتة ، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً ، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم . وقال ابن عطية : قال جمهور أهل التفسير : ما كان في إذن الله ولا في أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه ، ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأول ، وهو الذي يكون فيه إلا بمعنى لكن ، والتقدير : ولكن الخطأ قد يقع ، ويتجه وجه آخر وهو أن تقدر كان بمعنى استقر ووجد . كأنه قال : وما وجد ولا تقرر ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحياناً ، فيجيء الاستثناء على هذا غير منقطع ، وتتضمن الآية على هذا إعظام العهد وبشاعة شأنه كما تقول : ما كان لك يا فلان أن تتكلم بهذا إلا ناسياً إعظاماً للعمد والقصد ، مع حظر الكلام به البتة . (4/227)
وقال الراغب : إنْ قيل : أيجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى يقال : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ قيل قولك يجوز أو لا يجوز؟ إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة ، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك ، وما كان لك أن تفعل كذا ، وما كنت لتفعل كذا متقاربان ، وهما لا يقالان بمعنى . وإن كان أكثر ما يقال الأول لما كان الإحجام عنه من قبل نفسه ، أي : ما كان المؤمن ليقتل مؤمناً إلا خطأ ولهذا المعنى أراد من قال معناه : ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمناً متعمداً ، لكن يقع ذلك منه خطأ . وكذا من قال : ليس في حكم الله أن يقتل المؤمن المؤمن إلا خطأ . وقال الأصم : معناه ليس القتل لمؤمن بمتروك أن يقتضي له ، إلا أن يكون قتله خطأ . وقال أبو عبد الله الرازي : وما كان أي : فيما آتاه الله ، أو عهد إليه ، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك ، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف . وقال أبو هاشم : تقدير الآية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ويبقى مؤمناً ، إلا أن يقتله خطأ ، فيبقى حينئذ مؤمناً ، وهذا الذي قاله أبو هاشم قاله السدي . قال السدي : قتل المؤمن المؤمن يخرجه عن أن يكون مؤمناً ، إلا أن يكون خطأ ، وليس هذا معتقد أهل السنة والجماعة . وقيل : هو نفي جواز قتل المؤمن ، ومعناه : النهي ، وأفاد دخول كان أنه لم يزل حكم الله . وقال الماتريدي : الإشكال أن الله تعالى نهى المؤمن عن القتل مطلقاً ، واستثنى الخطأ ، والاستثناء من النفي إثبات ، ومن التحريم إباحة ، وقتل الخطأ ليس بمباح بالإجماع ، وفي كونه حراماً كلام انتهى .
وملخص ما بني على هذا أنه إن كان نفياً وأريد به معنى النهي كان استثناء منقطعاً إذ لا يجوز أن يكون متصلاً لأنه يصير المعنى : إلا خطأ فله قتله . وإن كان نفياً أريد به التحريم ، فيكون استثناء متصلاً إذ يصير المعنى : إلا خطأ بأن عرفه كافراً فقتله ، وكشف الغيب أنه كان مؤمناً ، فيكون قد أبيح الإقدام على قتل الكفرة ، وإن كان فيهم من أسلم إذا لم يعلم بهم ، فيكون الإستثناء من الحظر إباحة . وقال بعض أهل العلم : المعنى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ فيكون إلا بمعنى : ولا ، وأنكر الفراء هذا القول ، وقال : مثل هذا لا يجوز ، إلا إذا تقدم استثناء آخر ، ويكون الثاني عطف استثناء على استثناء ، كما في قول الشاعر : (4/228)
ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروانا
وروى أبو عبيدة عن يونس أنه سأل رؤبة بن العجاج عن هذه الآية فقال : ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ ، ولكنه أقام إلا مقام الواو ، وهو كقول الشاعر :
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
والذي يظهر أن قوله : إلا خطأ ، استثناء منقطع ، وهو قول الجمهور منهم : أبان بن تغلب . والمعنى : لكن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ ، والقتل عند مالك عمد وخطأ ، فيقاد باللطمة ، والعضة ، وضرب السوط مما لا يقتل غالباً . وعند الشافعي : عمد ، وشبه عمد . ولا قصاص في شبه العمد ، ولا الخطأ . وعند أبي حنيفة : عمد ، وخطأ ، وشبه ، عمد ، وما ليس بخطأ ولا عمد ولا شبه عمد . والخطأ ضربان : أن يقصد رمي مشرك أو طائر فيصيب مسلماً ، أو يظنه مشركاً لكونه عليه سيما أهل الشرك ، أو في حيزهم . وشبه العمد ما يعمد بما لا يقتل غالباً من حجر أو عصا ، وما ليس بخطأ ولا عمد ولا شبه عمد قتل الساهي والنائم . وقرأ الجمهور خطاء على وزن بناء . وقرأ الحسن والأعمش : على وزن سماء ممدوداً . وقرأ الزهري : على وزن عصا مقصوراً لكونه خفف الهمزة بإبدالها ألفاً ، أو إلحاقاً بدم ، أو حذف الهمزة حذفاً كما حذف لام دم . وقال ابن عطية : وجوه الخطأ كثيرة ، ومربطها عدم القصد .
{ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلممة إلى أهله إلا أن يصدقوا } التحرير : الإعتاق ، والعتيق : الكريم ، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد . ومنه عتاق الطير ، وعتاق الخيل لكرامها . وحر الوجه أكرم موضع منه ، والرقبة عبر بها عن النسمة ، كما عبر عنها بالرأس في قولهم : فلان يملك كذا رأساً من الرقيق . والظاهر أنَّ كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإيمان منتظم تحت قوله : رقبة مؤمنة ، انتظام عموم البدل . فيندرج فيها من ولد بين مسلمين ، ومن أحد أبويه مسلم ، صغيراً كان أو كبيراً ، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ .
وقال ابراهيم : لا يجزى إلا البالغ . وقال ابن عباس ، والحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وقتادة ، وغيرهم : لا يجزىء إلا التي صامت وعقلت الإيمان ، لا يجزىء في ذلك الصغيرة . وقال أبو حنيفة ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد بن زياد ، وزفر : يجزى في كفارة القتل الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً . وقال عطاء : يجزىء الصغير المولود بين المسلمين . وقال مالك : من صلى وصام أحب إليّ ، ولا خلاف أنّ قوله : ومن قتل مؤمناً ، ينتظم الصغير والكبير ، وكذلك ينبغي أن يكون في فتحرير رقبة مؤمنة . قال ابن عطية : وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكبير كقطع اليدين والرجلين والأعمى ، لا يجزىء فيما حفظت ، فإن كان يسيراً يمكن معه المعيشة والتحرف كالعرج ونحوه ففيه قولان . وقال أبو بكر الرازي : لا خلاف بين الأمة أنه لا يجزىء في الكفارة أعمى ، ولا مقعد ، ولا مقطوع اليدين أو الرجلين ، ولا أشلهما ، واختلفوا في الأعرج . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجزىء مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين . وقال مالك والشافعي والأكثرون : لا يجزىء عند أكثرهم المجنون المطبق ، ولا عند مالك الذي يجن ويفيق ، ولا المعتق إلى سنين ، ويجزئان عند الشافعي . ولا يجزىء المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي ، ويجزىء في قول الشافعي وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر . وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه ، واختلفوا في سبب وجوب الكفارة في قتل الخطأ . فقيل : تمحيصاً وطَهر الذنب القاتل ، حيث ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم . وقيل : لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الاحياء ، لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق حياتها ، من قبل أنّ الرقيق ممنوع من تصرّف الأحرار . (4/229)
والظاهر أن وجوب التحرير والدية على القائل ، لأنه مستقرأ في الكتاب والسنة : أن من فعل شيئاً يلزم فيه أمر من الغرامات مثل الكفارات ، إنما يجب ذلك على فاعله . فأما التحرير ففي مال القاتل . وأما الدية فعلى العاقلة كلها في قول طائفة منهم : الأوزاعي ، والحسن بن صالح . وما جاوز الثلث في قول الجمهور أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، والليث ، وابن شبرمة ، وغيرهم . وأما الثلث ففي مال الجاني ، ولم يجب عليهم إلا على سبيل المواساة . وهي خلاف قياس الأصول في الغرمات والمتلفات . والدية كانت مستقرة في الجاهلية . قال الشاعر :
نأسوا بأموالنا آثار أيدينا ... ولم تتعرض الآية لمقدار ما يعطى في الدية ، ولا من أي شيء تكون . فذهب أبو حنيفة : إلى أنها من الإبل مائة على ما يأتي تفصيلها ، والدنانير والدراهم ألف دينار ، أو عشرة آلاف درهم . وقال أبو يوسف ومحمد : ومن البقر والشاة والحلل ، وبه قالت طائفة من التابعين ، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين .
فمن البقر مائتا بقرة ، ومن الشاة ألف شاة ، ومن الحلل مائتا حلة ، وذلك فعل عمر وجعله على كل أهل صنف من ذلك ما ذكر . وقال مالك : أهل الذهب أهل الشام ومصر ، وأهل الورق أهل العراق ، وأهل الإبل أهل البوادي ، فلا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ، ولا من أهل الذهب إلا الذهب ، ولا من أهل الورق إلا الورق . وقالت طائفة منهم طاووس والشافعي : هي مائة من الإبل لا غير . قال الشافعي : والدراهم والدنانير بدل عنها إذا عدمت ، وله قول آخر : إنه يجب اثنا عشر ألف درهم ، أو ألف دينار . قال أبو بكر الرازي : أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة والشافعي ومالك أن دية الخطأ أخماس ، واختلفوا في الأسنان . فقال أصحابنا جميعاً : عشرون بني مخاض ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة ، وهو : مذهب ابن مسعود ، وبه قال أحمد . وقال مالك : عشرون حقاقاً ، وعشرون جذاعاً ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون ابن لبون ، وعشرون بنت مخاض . وحكي هذا عن عمر بن عبد العزيز ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، وربيعة والليث . (4/230)
وقال الشافعي : الدية قسمان ، مغلظة أثلاثاً ، ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة في بطونها أولادها ، ومخففة أخماساً كقول مالك . وروي عن عطاء أن دية الخطأ أربع : خمس وعشرون حقة ، وخمس وعشرون جذعة ، وخمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون ، مثل أسنان الذكور . وقال عمر وزيد بن ثابت : في الخطا ثلاثون بنت لبون ، وثلاثون جذعة ، وعشرون ابن لبون ، وعشرون بنت مخاض . وروي عنهما مكان الجذاع الحقات .
والظاهر أنه لا فرق بين القتل خطأ في الحرم وفي شهر حرام ، وبينه في الحل ، وفي شهر غير حرام . وسئل الأوزاعي عن القتل في الشهر الحرام ، أو في الحرم ، هل تغلظ فيه الدية؟ فقال : بلغنا أنه إذا قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على القاتل الثلث ، ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل .
وأما من العاقلة فقيل هم العصبات الأربعة : الأب ، والجدّ وان علا ، والابن ، وابن الابن وإن سفل . وهو قول مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه : هم أهل ديوانه دون أقربائه ، فإن لم يكن القاتل من أهل الديوان فرضت على عاقلته الأقرب فالأقرب ، ويضم إليهم أقرب القبائل في النسب . وقال الشافعي فيما روي عنه المزني في مختصره : العقل على ذوي الأنساب دون أهل الديوان والحلفاء ، على الأقرب فالأقرب من بني أبيه ثم جدّه ، ثم بني جد أبيه .
وأما المدة التي تؤدّي فيها الدية فقد انعقد الإجماع ووردت به الأحاديث الصحاح : أنها تتأدّى في ثلاث سنين ، وفي الدية والعاقلة أحكام كثيرة تعرض لها بعض المفسرين وهي مذكورة في كتب الفقه .
ومعنى مسلمة إلى أهله : أي مؤدّاة مدفوعة إلى أهل المقتول ، أي أوليائه الذين يرثونه يقتسمونها كالميراث ، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء ، يقضي منها الدين ، وتنفذ الوصية .
وإذا لم يكن وارث فهي لبيت المال . وقال شريك : لا يقضي من الدية دين ، ولا تنفذ منها وصية . وقال ابن مسعود : يرث كل وارث منها غير القاتل ، ومعنى قوله : إلا أن يصدقوا أي إلا أن يعفو ورّاثه عن الدية فلا دية . وجاء بلفظ التصدق تنبيهاً على فضيلة العفو وحضاً عليه ، وأنه جار مجرى الصدقة ، واستحقاق الثواب الآجل به دون طلب العرض العاجل ، وهذا حكم من قتل في دار الإسلام خطأ . وفي قوله : إلا أن يصدقوا ، دليل على جواز البراءة من الدين بلفظ الصدقة ، ودليل على أنه لا يشترط القبول في الإبراء خلافاً لزفر ، فإنه قال : لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة . والظاهر أنَّ الجماعة إذا اشتركوا في قتل رجل خطأ أنه ليس عليهم كلهم إلا كفارة واحدة ، لعموم قوله : ومن قتل ، وترتيب تحرير رقبة واحدة ، ودية على ذلك . وبه قالت طائفة هكذا قال أبو ثور ، وحكي عن الأوزاعي ذلك ، وقال الحسن ، وعكرمة ، والنخعي ، والحارث ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي : على كل واحد منهم الكفارة . (4/231)
وهذا الاستثناء قيل : منقطع ، وقيل : إنه متصل . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : بم تعلق أن يصدقوا؟ وما محله؟ ( قلت ) : تعلق بعليه ، أو بمسلمة . كأن قيل : وتجب عليه الدية أو يسلمها ، إلا حين يتصدقون عليه ، ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان كقولهم : اجلس ما دام زيد جالساً ، ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى : إلا متصدقين انتهى كلامه . وكلا التخريجين خطأ . أما جعل أن وما بعدها ظرفاً فلا يجوز ، نص النحويون على ذلك ، وأنه مما انفردت به ما المصدرية ومنعوا أن تقول : أجيئك أن يصيح الديك ، يريد وقت صياح الديك . وأما أن ينسبك منها مصدر فيكون في موضع الحال ، فنصوا أيضاً على أن ذلك لا يجوز . قال سيبويه في قول العرب : أنت الرجل أن تنازل أو أن تخاصم ، في معنى أنت الرجل نزالاً وخصومة ، أنَّ انتصاب هذا انتصاب المفعول من أجله ، لأن المستقبل لا يكون حالاً ، فعلى هذا الذي قررناه يكون كونه استثناء منقطعاً هو الصواب . وقرأ الجمهور يصدقوا ، وأصله يتصدقوا ، فأدغمت التاء في الصاد . وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن ، وعبد الوارث عن أبي عمرو : تصدقوا بالتاء على المخاطبة للحاضرة . وقرىء : تصدقوا بالتاء وتخفيف الصاد ، وأصله تتصدقوا ، فحذف إحدى التاءين على الخلاف في أيهما هي المحذوفة . وفي حرف أبيّ وعبد الله : يتصدقوا بالياء والتاء .
{ فإن كان من قوم عدوٍّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } قال ابن عباس وقتادة والنخعي والسدي وعكرمة وغيرهم : المعنى إن كان هذا المقتول خطأ رجلاً مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة عدوّ لكم فلا دية فيه ، وإنما كفارته تحرير رقبة .
والسبب عندهم في نزولها : أنَّ جيوش المسلمين كانت تمر بقبائل الكفرة ، فربما قتل من آمن ولم يهاجر ، أو من هاجر ثم رجع إلى قومه ، فيقتل في حملات الحرب على أنه من الكفار ، فنزلت الآية . وسقطت الدية عند هؤلاء ، لأن أولياء المقتول كفرة ، فلا يعطون ما يتقوّون به . ولأنّ حرمته إذا آمن ولم يهاجر قليلة فلا دية . وإذا قتل مؤمناً في بلاد المسلمين وقومه حرب ، ففيه الدية لبيت المال والكفارة . وقالت فرقة : الوجه في سقوط الدية أنّ أولياءه كفار ، سواء أكان القتل خطأ بين أظهر المسلمين وبين قومه ولم يهاجر ، ولو هاجر ثم رجع إلى قومه ، وكفارته ليس إلا التحرير ، لأنه إنْ قتل بين أظهر قومه فهو مسلط على نفسه ، أو بين أظهر المسلمين فأهله لا يستحقون الدية ، ولا المسلمون لأنهم ليسوا أهله ، فلا تجب على الحالين ، هذا قول : مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال ابراهيم : المؤمن المقتول خطأ إن كان قومه المشركون ليس بينهم وبين النبي عهد فعلى قاتله تحرير رقبة ، أو كان فتؤدى ديته لقرابته المعاهدين . (4/232)
قال بعض المصنفين : اختلفت فقهاء الأمصار في من أسلم في دار الحرب وقتل قبل أن يهاجر ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في المشهور عنه : إن قتله مسلم مستأمن فكفارة الخطأ ، أو كانا مستأمنين فعلى القاتل الدية وكفارة الخطأ ، أو أسيرين فعلى القاتل كفارة الخطأ في قول أبي حنيفة . وقال محمد وأبو يوسف : الدية في العمد والخطأ . وقال مالك : على قاتل من أسلم في دار الحرب ، ولم يخرج ، الدية والكفارة إن كان خطأ . والآيةُ إنما كانت في صلح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة ، لأنه من لم يهاجر لم يورث ، لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة . وقال الحسن بن صالح : إذا أقام بدار الحرب وهو قادر على الخروج حكم عليه بما يحكم على أهل الحرب في نفسه وماله وأدّ الحق بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام . وقال الشافعي : إذا قتل مسلماً في دار الحرب في الغارة وهو لا يعلمه مسلماً فلا عقل فيه ولا قود ، وعليه الكفارة . وسواء أكان المسلم أسيراً ، أو مستأمناً ، أو رجلاً أسلم هناك ، وإن علمه مسلماً فقتله فعليه القود انتهى ما نقله هذا المصنف . والذي يظهر من مدلول هذه الجمل إن الله تعالى بين أحكام المؤمن المقتول خطأ في هذه الجمل الثلاث ولذلك قابلها بقوله : ومن يقتل مؤمناً متعمداً ، فهو المؤمن المقتول خطأ إن كان أهله مؤمنين أو معاهدين ، فالتحرير والدية . ونزل المعاهدون في أخذ الدية منزلة المؤمنين ، لأن أحكام المؤمنين جارية عليهم ، وإن كان أهله حربيين فالتحرير فقط .
{ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلَّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } قال الحسن وجابر بن زيد وابراهيم وغيرهم : وإن كان المقتول خطأ مؤمناً من قوم معاهدين لكم ، فعهدهم يوجب أنهم أحق بدية صاحبهم ، وكفارته التحرير ، وأداء الدية إليهم .
وقال النخعي : ميراثه للمسلمين . وقرأها الحسن : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ، وهو مؤمن . وبهذا قال مالك . وقال ابن عباس ، والشعبي ، وابراهيم أيضاً ، والزهري : المقتول من أهل العهد خطأ كان مؤمناً أو كافراً على عهد قومه ، فيه الدية كدية المسلم والتحرير . (4/233)
واختلف على هذا في دية المعاهد . فقال أبو حنيفة وغيره : ديته كدية المسلم . وروى ذلك عن أبي بكر وعمر . وقال مالك وأصحابه : نصف دية المسلم . وقال الشافعي وأبو ثور : ثلث دية المسلم . والذي يظهر من دلالة من التبعيضية أنها قيد في الجملة الأولى بكونه من قوم عدو ، وقيد في الجملة الثانية بكونه من قوم معاهدين ، والمعنى في النسب لا في الدين ، لأنه مؤمن وهم كفار . فإذا تقيدت هاتان الجملتان دل ذلك على تقييد الأولى بأن يكون من المؤمنين في النسب ، وهي من قتل مؤمناً خطأ كأنه قال : وأهله مؤمنون لا حربيون ولا معاهدون . ولا يمكن حمله على الإطلاق للتعارض والتعاند الذي بينه وبين الآيتين بعد .
وقال أبو بكر الرازي : قوله : وإن كان من قوم عدو لكم ، استئناف كلام لم يتقدم له ذكر في الخطاب ، لأنه لا يجوز أعط هذا رجلاً وإن كان رجلاً فاعطه ، فهذا كلام فاسد لا يتكلم به حكيم ، فثبت أنّ هذا المؤمن المعطوف على الأول غير داخل في الخطاب . ثم قال : ظاهر الآية يعني : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ، يقتضي أن يكون المقتول المذكور في الآية ذا عهد ، وأنه غير جائز إضمار الإيمان له إلا بدلالة ، ويدل عليه : أنه لما أراد مؤمناً من أهل دار الحرب ذكر الإيمان فقال : وهو مؤمن ، لأنه لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافراً من قوم عدو لكم انتهى كلامه .
أما قوله : استئناف لم يتقدم له ذكر في الخطاب ، فليس بصحيح ، بل تقدم له ذكر في الخطاب في قوله : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ، ومن قتل مؤمناً خطأ ، ولكنه ليس استئنافاً ، إنما هو من باب التقسيم كما ذكرناه . بدأ أولاً بالأشرف وهو المؤمن ، وأهله مؤمنون ليسوا بحربيين ولا معاهدين . وأما قوله : لأنه لا يجوز أعط هذا رجلاً وإن كان رجلاً فأعطه ، فهذا ليس نظير الآية بوجه ، وإنما الضمير في كان عائداً على المقتول خطأ ، المؤمن إذا كان من قوم عدو لكم ، وجاء قوله : وهو مؤمن على سبيل التوكيد لا سبيل التقييد ، إذ القيد مفهوم مما قبله في الاستثناء ، وفي جملة الشرط . وقوله : ويدل عليه إلى آخره ، لا يدل عليه لما ذكرنا أنَّ الحال مؤكدة ، وفائدة تأكيدها أن لا يتوهم أنَّ الضمير يعود على مطلق المقتول لا بقيد الإيمان .
وقوله : لأنه لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافراً من قوم عدو ، وليس كذلك بل لو لم يأت بقوله : وهو مؤمن ، لكان الضمير الذي في كان عائداً على المقتول خطأ ، لأنّه لم يجر ذكر لغيره ، فلا يعود الضمير على غير من لم يجر له ذكر ، ويترك عوده على ما يجري عليه ذكر . (4/234)
{ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } يعني : رقبة لم يملكها ، ولا وجد ما يتوصل به إلى ملكها ، فعليه صيام شهرين متتابعين . وظاهر الآية يقضي أنه لا يجب غير ذلك ، إذ لو وجبت الدّية لعطفها على الصيام ، وإلى هذا ذهب : الشعبي ، ومسروق ، وذهب الجمهور : إلى وجوب الدّية . قال ابن عطية : وما قاله الشعبي ومسروق وهم ، لأنّ الدّية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل انتهى . وليس بوهم ، بل هو ظاهر الآية كما ذكرناه .
ومعنى التتابع : لا يتخللها فطر . فإن عرض حيض في أثنائه لم يعد قاطعاً بإجماع . وليس له أن يسافر فيفطر ، والمرض كالحيض عند : ابن المسيب ، وسليمان بن يسار ، والحسن ، والشعبي ، وعطاء ، ومجاهد ، وقتادة ، وطاووس ، ومالك . وقال ابن جبير ، والنخعي ، والحكم بن عتيبة ، وعطاء الخراساني ، والحسن بن حي ، وأبو حنيفة وأصحابه : يستأنف إذا أفطر لمرض . وللشافعي القولان . وقال ابن شبرمة : يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان .
{ توبة من الله } انتصب على المصدر أي : رجوعاً منه إلى التسهيل والتخفيف ، حيث نقلكم من الرقبة إلى الصوم . أو توبة من الله أي قبولاً منه ورحمة من تاب الله عليه إذا قبل توبته . ودعا تعالى قاتل الخطأ إلى التوبة ، لأنه لم يتحرز ، وكان من حقه أن يتحفظ .
{ وكان الله عليماً حكيماً } أي عليماً بمن قتل خطأ ، حكيماً حيث رتب ما رتب على هذه الجناية على ما اقتضته حكمته تعالى .
{ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار ، فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الدّية ، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر مّا ، فقتله مقيس ، ورجع إلى مكة مرتداً وجعل ينشد :
قتلت به فهراً وحملت عقله ... سراه بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثورتي ... وكنت إلى الأوثان أوّل راجع
فقال صلى الله عليه وسلم : « لا أؤمنه في حل ولا حرم ، وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة » وهذا السبب يخص عموم قوله : ومن يقتل ، فيكون خاصاً بالكافر ، أو يكون على ما قال ابن عباس ، قال : معنى متعمداً أي : مستحلاً ، فهذا .