صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني |
ونقل عن مجاهد . والضحاك . والفراء . وابن كيسان وهو رواية عن ابن عباس . والحسن أن ضمير { فِيهِ } للقرآن والمراد أن في القرآن شفاء لأمراض الجهل والشرك وهدى ورحمة ، واستحسن ذلك ابن النحاس . (10/232)
وقال القاضي أبو بكر بن العربي : أرى هذا القول لا يصح نقله عن هؤلاء ولو صح نقلاً لم يصح عقلاً فإن سياق الكلام كله للعسل ليس للقرآن فيه ذكر ، ورجوع الضمير للكتاب في قوله سبحانه : { وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذى اختلفوا فِيهِ } [ النحل : 64 ] مما لا يكاد يقوله أمثال هؤلاء الكرام والعلماء الأعلام . نعم كون القرآن شفاء مما لا كلام فيه ، وقد أخرج الطبراني . وغيره عن ابن مسعود « عليكم بالشفاءين العسل والقرآن » هذا .
وقد سبحانه الإخبار عن إنزال الماء لما أن الماء أتم نفعاً وأعظم شأناً وهو أصل أصيل لتكون اللبن وما بعده ، ثم ذكر اللبن لأنه يحتاج إليه أكثر من غيره مما ذكر بعده ، وقد يستغني بشربه عن شرب الماء كما شاهدنا ذلك من بعض متزهدي زماننا فقد ترك شرب الماء عدة من السنين مكتفياً بشرب اللبن ، وسمعنا نحو ذلك عن بعض رؤساء الأعراب ، وهو الدليل على الفطرة ولذلك اختاره صلى الله عليه وسلم حين أسري به وعرض عليه مع الخمر والعسل ، ثم الخمر لأنها أقرب إلى الماء من العسل فإنها ماء العنب ولم يعهد جعلها إداماً كالعسل فإنه كثيراً ما يؤدم به الخبز ويؤكل ، وبينها وبين اللبن نوع مشابهة من حيث أن كلاً منهما يخرج من بين أجزاء كثيفة وما أشبه ثفله بالفرث ، وإذا لوحظ السوغ في اللبن وعدمه في الخمر بناءً على ما يقولون : إنها ليست سهلة المرور في الحلق ولذا يقطب شاربها عند الشرب وقد يغص بها كان بينهما نوع من التضاد ، ويحسن إيقاع الضد بعد الضد كما يحسن إيقاع المثل بعد المثل ، وإذا لوحظ مآل أمرهما شرعاً رأيت أن الخمر لم يسغ شربها بعد نزول الآية فيه وشرب اللبن لم يزل سائغاً وبذلك يقوى التضاد ، ويقويه أيضاً أن اللبن يخرج من بطن حيوان ولا دخل لعمل البشر فيه والخمر ليست كذلك . وأما ذكر الرزق الحسن بعد الخمر وتقديمه على العسل فالوجه فيه ظاهر جداً ، ولعل ما اعتبرناه في وجه تقديم الخمر على العسل وذكره بعد اللبن أقوى مما يصح اعتباره في العسل وجهاً لتقديمه على الخمر وذكره بعد اللبن ، فلا يرد أن في كل جهة تقديماً فاعتبارها في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح ، وقد جاء ذكر الماء واللبن والخمر والعسل في وصف الجنة على هذا الترتيب قال تعالى :
{ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين وأنهار مّنْ عسل مصفى } [ محمد : 15 ] فتأمل فلمسلك الذهن اتساع والله تعالى أعلم بأسرار كتابه . (10/233)
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من آثار قدرة الله تعالى { لآيَةً } عظيمة { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن من تفكر في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة التي مرت الإشارة إليها وخروج هذا الشرب الحلو المختلف الألوان وتضمنه الشفاء جزم قطعاً أن لها رباً حكيماً قادراً ألهمها ما ألهم وأودع فيها ما أودع ، ولما كان شأنها في ذلك عجيباً يحتاج إلى مزيد تأمل ختم سبحانه الآية بالتفكر . ومن بدع تأويلات الرافضة على ما في الكشاف أن المراد بالنحل على كرم الله تعالى وجهه وقومه . وعن بعضهم أنه قال عند المهدي : إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم فقال له رجل : جعل الله تعالى طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهما ، وستسمع إن شاء الله تعالى ما يقوله الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في باب الإشارة ، ثم إنه سبحانه لما ذكر من عجائب أحوال ما ذكر من الماء والنبات والأنعام والنحل أشار إلى بعض عجائب أحوال البشر من أول عمره إلى آخره وتطوراته بين ذلك فقال
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
{ والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يتوفاكم } حسبما تقتضيه مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة بآجال مختلفة ، والقرينة على إرادة ذلك قوله سبحانه : { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } ولذا قيل : إنه معطوف على مقدر أي فمنكم من تعجل وفاته ومنكم الخ ، و { عَلَيْهِمُ العمر } أخسه وأحقره وهو وقت الهرم التي تنقص فيه القوى وتفسد الحواس ويكون حال الشخص فيه كحاله وقت الطفولية من ضعف العقل والقوة ، ومن هنا تصور الرد فهذا كقوله تعالى : { وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّسْهُ فِى الخلق } [ يس : 68 ] ففيه مجاز ، وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه أن { أَرْذَلِ العمر } خمس وسبعون سنة؛وعن قتادة أنه تسعون ، وقيل : خمس وتسعون واختار جمع تفسيره بما سبق وهو يختلف باختلاف الأمزجة فرب معمر لم تنتقص قواه ومنتقص القوى لم يعمر ، ولعل التقييد بسن مخصوص مبني على الأغلب عند من قيد . (10/234)
والخطاب إن كان للموجودين وقت النزول فالتعبير بالماضي والمستقبل فيه ظاهر ، وإن كان عاماً فالمضي بالنسبة إلى وقت وجودهم ، والاستقبال بالنسبة إلى الخلق ، وعلى التقديرين الظاهر أن { مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } يعم المؤمن مطلقاً والكافر ، وقيل : إنه مخصوص بالكافر والمسلم لا يرد إلى إرذل العمر لقوله تعالى : { ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ التين : 5 ، 6 ] وأخرج ابن المنذر . وغيره عن عكرمة أنه قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، والمشاهدة تكذب كلا القولين فكم رأينا مسلماً قارىء القرآن قد رد إلى ذلك ، والاستدلال بالآية على خلافه فيه نظر ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البخاري . وابن مردويه عن أنس « أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات »
{ لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } اللام للصيرورة والعاقبة وهي في الأصل للتعليل وكي مصدرية والفعل منصوب بها والمنسبك مجرور باللام والجار والمجرور متعلق بيرد ، وزعم الحوفي أن اللام لام كي دخلت على كي للتوكيد وليس بشيء ، والعلم بمعنى المعرفة ، والكلام كناية عن غاية النسيان أي ليصير نساءً بحيث إذا كسب علماً في شيء لم ينشب أن ينساه ويزل عنه علمه من ساعته يقول لك : من هذا؟ فتقول : فلان فما يلبث لحظة إلا سألك عنه ، وقيل : المراد لئلا يعلم زيادة علم على علمه ، وقيل : لئلا يعقل من بعد عقله الأول شيئاً فالعلم بمعنى العقل لا بمعناه الحقيقي كما في سابقه ، وفيه دلالة على وقوفه وأنه لا يقدر على علم زائد ، والوجه المعتمد الأول ، ونصب شيئاً على المصدرية أو المفعولية ، وجوز فيه التنازع بين يعلم وعلم ، وكون مفعول علم محذوفاً لقصد العموم أي لا يعلم شيئاً ما بعد علم أشياء كثيرة { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بكل شيء ومن ذلك وجه الحكمة في الخلق والتوفي والرد إلى أرذل العمر { قَدِيرٌ } على كل شيء ومنه ما يشاؤه سبحانه من ذلك ، وقيل : عليم بمقادير أعماركم قدير على كل شيء يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني ، وفيه تنبيه على أن تفاوت الآجال ليس إلا بتقدير قادر حكيم رتب الأبنية وعدل الأمزجة على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ هذا المبلغ ، وقيل : إنه تعالى لما ذكر ما يعرض في الهرم من ضعف القوى والقدرة وانتفاء العلم ذكر أنه جل شأنه مستمر على العلم الكامل والقدرة الكاملة لا يتغيران بمرور الأزمان كما يتغير علم البشر وقدرتهم ، ويفيد الاستمرار الجملة الاسمية ، والكمال صيغة فعيل ، وقدم صفة العلم لتجاوز انتفاء العلم عن المخاطبين مع أن تعلق صفة العلم بالشيء أول لتعلقه صفة القدرة به ، ولا يخفى عليك ما هو الأولى من الثلاثة فتدبر .
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
{ والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِى الرزق } أي جعلكم متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضل مما أعطى مماليككم { فَمَا الذين فُضّلُواْ } فيه على غيرهم وهم الملاك { بِرَآدّى } أي بمعطي { رَزَقَهُمُ } الذي رزقهم إياه { على مَا مَلَكَتْ أيمانهم } على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية { فَهُمُ } أي الملاك الذين فضلوا والمماليك { فِيهِ } أي في الرزق { سَوَآء } لا تفاضل بينهم ، والجملة الاسمية واقعة موقع فعل منصوب في جواب النفي أي لا يردونه عليهم فيستووا فيه ويشتركوا ، وجوز أن تكون في تأويل فعل مرفوع معطوف على قوله تعالى : { بِرَآدّى } أي لا يردونه عليهم فلا يستوون ، والمراد بذلك توبيخ الذين يشركون به سبحانه بعض مخلوقاته وتقريعهم والتنبيه على كمال قبح فعلهم كأنه قيل : إنكم لا ترضون بشركة عبيدكم لكم بشيء لا يختص بكم بل يعمكم وإياهم من الرزق الذي هم أسوة لكم في استحقاقه وهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله عز سلطانه فما بالكم تشركون به سبحانه وتعالى فيما لا يليق إلا به جل وعلا من الألوهية والمعبودية الخاصة بذاته تعالى لذاته بعض مخلوقاته الذي هو بمعزل عن درجة الاعتبار ، وهو على ما صرح به جماعة على شاكلة قوله تعالى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء * فِيمَا *رزقناكم فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } [ الروم : 28 ] يعنون بذلك أنه مثل ضرب لكمال قباحة ما فعلوه ، وفي قوله تعالى : { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } قرينة كما قيل على ذلك ، وكذا في قوله تعالى : { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الامثال } [ النحل : 74 ] والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر وهي داخلة في الحقيقة على الفعل أعني { يَجْحَدُونَ } ولتضمن الجحود معنى الكفر جىء بالباء في معموله المقدم عليه للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغة أو لرعاية رؤوس الآي ، والمراد بالنعمة قيل الرزق وقيل ولعله الأولى : ما يشمله وغيره من النعم الفائضة عليهم منه سبحانه أي يشركون به تعالى فيجحدون نعمته تعالى حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن يضيفوا ما أفيض عليهم من الله تعالى من النعم إلى شركائهم ويجحدوا كونها من عنده جل وعلا ، وجوز كون المراد بنعمة الله تعالى ما أنعم سبحانه به من إقامة الحجج وإيضاح السبل وإرسال الرسل عليهم السلام ولا نعمة أجل من ذلك ، فمعنى جحودهم ذلك إنكاره وعدم الالتفات إليه ، وصيغة الغيبة لرعاية «فما الذين» وقرأ أبو بكر عن عاصم . وأبو عبد الرحمن . والأعرج بخلاف عنه «تجحدون» بالتاء على الخطاب رعاية لبعضكم ، هذا وجوز أن يكون معنى الآية أن الله تعالى فضل بعضاً على بعض في الرزق وأن المفضلين لا يردون من رزقهم على من دونهم شيئاً وإنما أنا رازقهم فالمالك والمملوك في أصل الرزق سواء وإن تفاوتا كماً وكيفاً ، والمراد النهي عن الإعجاب والمن اللذين هما مقدمتا الكفران . (10/235)
والعطف على مقدر أيضاً أي أيعجبون ويمنون فيجحدون نعمة الله تعالى عليهم ، وقيل : التقدير ألا يفهمون فيجحدون؛ واختار في «الكشاف» أن المعنى أنه سبحانه جعلكم متفاوتين في الرزق فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهو بشر مثلكم وإخوانكم وكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تساووا في الملبس والمطعم كما يحكى عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون " فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ، وحاصله أن الله تعالى فضلكم على أمثالكم فكان عليكم أن تردوا من ذلك الفضل عليهم شكراً لنعمته تعالى لتكونوا سواء في ذلك الفضل ويبقى لكم فضل الإفضال والتفضل . (10/236)
فالآية حث على حسن الملكة وأدمج أنهم وعبيدهم مربوبون بنعمته تعالى ذلك مع تقلبهم فيها ليكون تمهيداً لكفرانهم نعمه سبحانه السوابغ إلى أن جعلوا له عز وجل أنداداً لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً فعبدوها عبادته تعالى أو أشد وأسد ، وفي ذلك من البعد ما فيه ، والعطف فيه على مقدر أيضاً كألا يعرفون ذلك فيجحدون .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)
{ والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من جنسكم ونوعكم وهو مجاز في ذلك ، والأشهر من معاني النفس الذات ولا يستقيم هنا كغيره فلذا ارتكب المجاز وهو إما في المفرد أو الجمع ، واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجوز للإنسان أن ينكح من الجن { أزواجا } لتأنسوا بها وتقيموا بذلك مصالحكم ويكون أولادكم أمثالكم . (10/237)
وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذا خلق آدم وحواء عليهما السلام فإن حواء خلقت من نفسه عليه السلام ، وتعقب بأنه لا يلائمه جمع الأنفس والأزواج ، وحمله على التغليب تكلف غير مناسب للمقام ، وكذا كون المراد منهما بعض الأنفس وبعض الأزواج { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم } أي منها فوضع الظاهر موضع الضمير للإيذان بأن المراد جعل لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره { بنيان } وبأن نتيجة الأزواج هو التوالد { وَحَفَدَةً } جمع حافد ككاتب وكتبة ، وهو من قولهم : حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع في الخدمة والطاعة ، وفي الحديث « إليك نسعى ونحفد » وقال جميل :
حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال
وقد ورد الفعل لازماً ومتعدياً كقوله :
يحفدون الضيف في أبياتهم ... كرماً ذلك منهم غير ذل
وجاء في لغة كما قال أبو عبيدة أحفد أحفاداً ، وقيل : الحفد سرعة القطع ، وقيل : مقاربة الخطو ، والمراد بالحفدة على ما روي عن الحسن . والأزهري وجاء في رواية عن ابن عباس واختاره ابن العربي أولاد الأولاد ، وكونهم من الأزواج حينئذٍ بالواسطة ، وقيل : البنات عبر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة فإنهن في الغالب يخدمن في البيوت أتم خدمة ، وقيل : البنون والعطف لاختلاف الوصفين البنوة والخدمة ، وهو منزل منزلة تغاير الذات ، وقد مر نظيره فيكون ذلك امتناناً بإعطاء الجامع لهذه الوصفين الجليلين فكأنه قيل : وجعل لكم منهن أولاداً هم بنون وهم حافدون أي جامعون بين هذين الأمرين ، ويقرب منه ما روي عن ابن عباس من أن البنين صغار الأولاد والحفدة كبارهم ، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس ، وكأن ابن عباس نظر إلى أن الكبار أقوى على الخدمة ومقاتل نظر إلى أن الصغار أقرب للانقياد لها وامتثال الأمر بها واعتبر الحفد بمعنى مقاربة الخط ، وقيل : أولاد المرأة من الزوج الأول ، وأخرجه ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عباس .
وأخرج الطبراني . والبيهقي في سننه . والبخاري في تاريخه . والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنهم الأختان وأريد بهم على ما قيل أزواج البنات ويقال لهم أصهار ، وأنشدوا :
فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما يعد كثير
ولكنها نفس على أبية ... عيوني لأصهار اللئام تدور
والنصب على هذا بفعل مقدر أي وجعل لكم حفدة لا بالعطف على { بنيان } لأن القيد إذا تقدم يعلق بالمتعاطفين وأزواج البنات ليسوا من الأزواج . وضعف بأنه لا قرينة على تقدير خلاف الظاهر وفيه دغدغة لا تخفى . وقيل : لا مانع من العطف بأن يراد بالأختان أقارب المرأة كأبيها وأخيها لا أزواج البنات فإن إطلاق الأختان عليه إنما هو عند العامة وأما عند العرب فلا كما في «الصحاح» ، وتجعل { مِنْ } سببية ولا شك أن الأزواج سبب لجعل الحفدة بهذا المعنى وهو كما ترى . وتعقب تفسيره بالأختان والربائب بأن السياق للامتنان ولا يمتن بذلك . (10/238)
وأجيب بأن الامتنان باعتبار الخدمة ولا يخفى أنه مصحح لا مرجح . وقيل : الحفدة هم الخدم والأعوان وهو المعنى المشهور له لغة . والنصب أيضاً بمقدر أي وجعل لكم خدماً يحفدون في مصالحكم ويعينونكم في أموركم .
وقال ابن عطية بعد نقل عدة أقوال في المراد من ذلك : وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجته بنون وحفدة ولا يخفى أنه باعتبار الغالب ، ويحتمل أن يحمل قوله تعالى : { من أزواجكم } على العموم والاشتراك أي جعل من أزواج البشر البنين والحفدة ويستقيم على هذا إجراء الحفدة على مجراها في اللغة إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحدهم عن حفدة اه ، وحينئذٍ لا يحتاج إلى تقدير لكن لا يخفى أن فيه بعداً ، وتأخير المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر غير مرة من التشويق ، وتقديم المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعود منفعة الجعل إليهم إمداداً للتشويق وتقوية له .
{ وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } أي اللذائذ وهو معناها اللغوي ، وجوز أن يراد بالطيب ما هو متعارف في لسان الشرع وهو الحلال . وتعقبه أبو حيان بأن المخاطبين بهذا الكفار وهم لا شرع لهم فتفسيره بذلك غير ظاهر . وأجيب بأنهم مكلفون بالفروع كالأصول فيوجد في حقهم الحلال والحرام ، وأيضاً هم مرزوقون بكثير من الحلال الذي أكلوا بعضه ولا يلزم اعتقادهم للحل ونحوه ، و { مِنْ } للتبعيض لأن ما رزقوه بعض من كل الطيبات فإن ما في الدنيا منها بأسره أنموذج لما في الآخرة إذ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وما في الدنيا لم يصل كثير منه إليهم ، والظاهر على ما ذكرنا عموم الطيبات للنبات والثمار والحبوب والأشربة والحيوان ، وقيل : المراد بها ما أتى من غير نصب ، وقيل : الغنائم ، وليس بشيء .
{ أفبالباطل } وهو منفعة الأصنام وبركتها وما ذاك إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة ، والجار والمجرور متعلق بقوله تعالى : { يُؤْمِنُونَ } وقدم للحصر فيفيد أن ليس لهم إيمان إلا بذلك كأنه شيء معلوم مستيقن { وَبِنِعْمَتِ الله } المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز مما ذكر ومما لا تحيط به دائرة البيان { هُمْ يَكْفُرُونَ } أي يستمرون على الكفر بها والإنكار لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول وذلك بإضافتها إلى أصنامهم ، وقيل : الباطل ما يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله تعالى ما أحل لهم .
والآية على هذا ظاهرة التعلق بقوله سبحانه : { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } فقط دون ما قبله أيضاً والظاهر تعلقها بهما ، ومن ذلك يظهر حال ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج من أن الباطل الشيطان ونعمة الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذكرناه قد صرح بأكثره الزمخشري ، واستفادة الحصر من التقديم ظاهرة ، وأما كأنه شيء معلوم مستيقن فمستفاد من حصرهم الإيمان فيما ذكر لأن ذلك شأن المؤمن به لا سيما وقد حصروا ، وأيضاً المقابلة بالمشاهد المحسوس أعني نعمة الله تعالى دلت على تعكيسهم فيدل على أنهم جعلوا الموهوم بمنزلة المتيقن وبالعكس ، والفاء التي للتعكيس شديدة الدلالة على هذا الأمر والحمل على أنها للعطف على محذوف ليس بالوجه كذا في «الكشف» ، وفيه رد على ما قيل إن في كلا التركيبين تأكيداً وتخصيصاً ، أما التخصيص فيهما فمن تقديم المعمول ، وأما التأكيد في الأول فلأن الفاء تستدعي معطوفاً عليه تقديره أيكفرون بالحق ويؤمنون بالباطل والكفر بالحق مستلزم للإيمان بالباطل فقد تكرر الإيمان بالباطل والتكرير يفيد التأكيد ، وأما التأكيد في الثاني فمن بناء { يَكْفُرُونَ } على هم المفيد لتقوى الحكم ، وجعل كلام الزمخشري مشيراً إلى ذلك كله فتدبر . وما ذكر من أن تقديم الجار في التركيبين للتخصيص مما صرح به غير واحد ، والعلامة البيضاوي جوز ذلك لكنه أقحم الإيهام هنا نظير ما فعلناه فيما سلف آنفاً . (10/239)
ووجه ذلك بأن المقام ليس بمقام تخصيص حقيقة إذ لا اختصاص لإيمانهم بالباطل ولا لكفرانهم بنعم الله سبحانه ولم يقحمه في تفسير نظير ذلك في العنكبوت فإن وجه بأنهم إذا آمنوا بالباطل كان إيمانهم بغيره بمنزلة العدم وإن النعم كلها من الله تعالى إما بالذات أوب الواسطة فليس كفرانهم إلا لنعمه سبحانه كما قيل لا يشكر الله من لا يشكر الناس بقي المخالفة . وأجيب بأنه إذا نظر للواقع فلا حصر فيه وإن لوحظ ما ذكر يكون الحصر ادعائياً وهو معنى الإيهام للمبالغة فلا تخالف ، وجوز أن يكون التقديم للاهتمام لأن المقصود بالإنكار الذي سيق له الكلام تعلق كفرانهم بنعمة الله تعالى واعتقادهم للباطل لا مطلق الإيمان والكفران ، وأن يكون لرعاية الفواصل وهو دون النكتتين ، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب حالهم للإعراض عنهم وصرف الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه . وفي «البحر» أن السلمي قرأ { تُؤْمِنُونَ } بالتاء على الخطاب وأنه روى ذلك عن عاصم ، والجملة فيما بعده على هذا كما استظهره في «البحر» مجرداً عن الكفرة غير مندرج في التقريع .
هذا بقي أنه وقع في العنكبوت ( 67 ) { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ } بدون ضمير ووقع هنا ما سمعتب الضمير ، وبين الخفاجي سر ذلك بأنه لما سبق في هذه السورة قوله تعالى : { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } [ النحل : 71 ] أي يكفرون كما مر فلو ذكر ما نحن فيه بدون الضمير لكانت الآية تكراراً بحسب الظاهر فأتى بالضمير الدال على المبالغة والتأكيد ليكون ترقياً في الذم بعيداً عن اللغوية ، ثم قال : وقيل إنه أجرى على عادة العباد إذا أخبروا عن أحد بمنكر يجدون موجدة فيخبروا عن حاله الأخرى بكلام آكد من الأول ، ولا يخفى أن هذا إنما ينفع إذا سئل لم قيل : { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } [ العنكبوت : 67 ] بدون ضمير وقيل : { وبنعمة الله هم يكفرون } به ، وأما في الفرق بين ما هنا وما هناك فلا ، وقيل : آيات العنكبوت استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب وأما الآية التي نحن فيها فقد سبق قبلها مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب ، وتخصيص هذه بالزيادة دون { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } مع أنها الأولى بها بحسب الظاهر لتقدمها لئلا يلزم زيادة الفاصلة الأولى على الثانية ، واعترض عليه بأنه لا يخفى أنه لا مقتضى للزوم الغيبة ولا لبس لو ترك الضمير . (10/240)
وقد يقال : إنما لم يؤت في آية العنكبوت بالضمير وينبى الفعل عليه إفادة للتقوى استغناءً بتكرر ما يفيد كفر القوم بالنعم مع قربه من تلك الآية عن ذلك ، على أنه قد تقدم هناك ما تستمد منه الجملتان أتم استمداد وإن كان فيه نوع بعد ومغايرة ما وذلك قوله تعالى : { والذين ءامَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } [ العنكبوت : 52 ] ولما لم تكن آية النحل فيما ذكر بهذه المرتبة جىء فيها بما يفيد التقوى ، أو يقال : إنه لما كان سرد النعم هنا على وجه ظاهر في وصولها إليهم والامتنان بها عليهم كان ذلك أوفق بأن يؤتى بما فيه بما ذكر ، ولعل التعبير هنا بيكفرن وفيما قبل { يَجْحَدُونَ } [ النحل : 71 ] لأن ما قبل كان مسبوقاً على ما قيل بضرب مثل لكمال قباحة ما فعلوه والجحود أوفق بذلك لما أن كمال القبح فيه أتم ولا كذلك فيما البحث فيه كذا قيل فافهم والله تعالى بأسرار كتابه أعلم .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73)
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } قال أبو حيان : هو استئناف اخبار عن حالهم في عبادة الأصنام وفيه تبيين لقوله تعالى : { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } [ النحل : 72 ] وقال بعض أجلة المحققين : لعله عطف على { يَكْفُرُونَ } [ النحل : 72 ] داخل تحت الإنكار التوبيخي أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون من دونه سبحانه { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ * السموات والارض * شَيْئاً } أي ما لا يقدر أن يرزقهم شيئاً لا من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً فرزقاً مصدر ، و { شَيْئاً } نصب على المفعولية له وإلى ذلك ذهب أبو علي . وغيره . وتعقبه ابن الطراوة بأن الرزق هو المرزوق كالرعي والطحن والمصدر إنما هو الرزق بفتح الراء كالرعي والطحن . ورد عليه بأن مكسور الراء مصدر أيضاً كالعلم وسمع ذلك فيه فصح أن يعمل في المفعول ، وقيل : هو اسم مصدر والكوفي يجوز عمله في المفعول فشيئاً مفعوله على رأيهم ، وجوز أن يكون بمعنى مرزوق و { شَيْئاً } بدل منه أي لا يملك لهم شيئاً . وأورد عليه السمين . وأبو حيان أنه غير مفيد إذ من المعلوم أن الرزق من الأشياء والبدل يأتي لأحد شيئين البيان والتأكيد وليسا بموجودين هنا . وأجيب بأن تنوين { شَيْئاً } للتقليل والتحقير فإن كان تنوين { رِزْقاً } كذلك فهو مؤكد وإلا فمبين وحينئذٍ فيصح فيه أن يكون بدل بعض أو كل ولا إشكال . (10/241)
وجوز أن يكون { شَيْئاً } مفعولاً مطلقاً ليملك أي لا يملك شيئاً من الملك و { مِنْ * السموات } اما متعلق بقوله تعالى : { لاَ يَمْلِكُ } أو بمحذوف وقع صفة لرزقا أي رزقاً كائناً منهما ، واطلاق الرزق على المطر لأنه ينشأ عنه .
{ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } جوز أن يكون عطفاً على صلة { مَا } وأن يكون مستأنفاً للأخبار عن حالة الآلهة؛ واستطاع متعد ومفعوله محذوف هو ضمير الملك أي لا يستطيعون أن يملكوا ذلك ولا يمكنهم ، فالكلام تتميم لسابقه وفيه من الترقي ما فيه فلا يكون نفي استطاعة الملك بعد نفي ملك الرزق غير محتاج إليه ، وان جعل المفعول ضمير الرزق كما جوزه في الكشاف يكون هذا النفي تأكيداً لما قبله . وأورد عليه أنه قد قرر في المعاني أن حرف العطف لا يدخل بين المؤكد والمأكد لما بينهما من كمال الاتصال . ودفع بأن ذلك غير مسلم عند النحاة وليس مطلقاً عند أهل المعاني ألا ترى قوله تعالى : { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } [ النبأ : 4 ، 5 ] نعم يرد عليه حديث أن التأسيس خير من التأكيد ، ويجوز ولعله الأولى أن يكون الفعل منزلاً منزلة اللازم فيكون المراد نفي الاستطاعة عنهم مطلقاً على حد يعطي ويمنع المعنى أنهم أموات لا قدرة لهم أصلاً فيكون تذييلاً للكلام السابق ، وفيه ما فيه على الوجه الأول وزيادة .
وجمع الضمير فيه وتوحيده في «لا يملك» لرعاية جانب اللفظ أولا والمعنى ثانياً فإن «ما» مفرد بمعنى الآلهة ومثل هذه الرعاية وارد في الفصيح وان أنكره بعضهم لما يلزمه من الإجمال بعد البيان المخالف للبلاغة فإنه مردود كما بين في محله ، وقد روعي أيضاً في التعبير حال معبوداتهم في نفس الأمر فإنها أحجار وجمدات فعبر عنها بما الموضوعة في المشهور لغير العالم وحالها باعتبار اعتقادهم فيها أنها آلهة فعبر عنها بضمير الجمع الموضوع لذوي العلم ، هذا إذا كان المراد بما الأصنام ، ولا يخفى عليك الحال إذا كان المراد بها المعبودات الباطلة مطلقاً ملكاً كانت أو بشراً أو حجراً أو غيرها . (10/242)
وجوز أن يكون ضمير الجمع عائداً على الكفار كضمير { يَعْبُدُونَ } و { مَا } على المعنى المشهور فيها على معنى أنهم مع كونهم أحياء متصرفين في الأمور لا يستطيعون من ذلك شيئاً فكيف بالجماد الذي لا حس له ، فجملة { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } معترضة لتأكيد نفي الملك عن الآلهة والمفعول محذوف كما أشير إليه ، وهذا وان كان خلاف الظاهر لكنه سالم عن مخالفة المشهور في العود على المعنى بعد مراعاة اللفظ .
فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74)
{ فَلاَ تَضْرِبُواْ * الله الامثال } التفات إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي ، والفاء للدلالة على ترتيب النهي على ما عدد من النعم الفائضة عليهم منه تعالى وكون آلهتهم بمعزل من أن يملكوا لهم رزقاً فضلاً عما فضل ، والأمثال جمع مثل كعلم ، والمراد من الضرب الجعل فكأنه قيل : فلا تجعلوا لله تعالى الأمثال والاكفاء فالآية كقوله تعالى : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } [ البقرة : 22 ] وهذا ما يقتضيه ظاهر كلام ابن عباس ، فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال في الآية : يقول سبحانه لا تجعلوا معي إلهاً غيري فإنه لا إله غيري . (10/243)
وجعل كثير الأمثال جمع مثل بالتحريك ، والمراد من ضرب المثل لله سبحانه الإشراك والتشبيه به جل وعلا من باب الاستعارة التمثيلية ، ففي الكشف إن الله تعالى جعل المشرك به الذي يشبهه تعالى بخلقه بمنزلة ضارب المثل فإن المشبه المخذول يشبه صفة بصفة وذاتاً بذات كما ان ضارب المثل كذلك فكأنه قيل : ولا تشركوا بالله سبحانه ، وعدل عنه إلى المنزل دلالة على التعميم في النهي عن التشبية وصفاً وذاتاً ، وفي لفظ { الامثال } لمن لا مثال له أصلاً نعى عظيم عليهم بسوء فعلهم ، وفيه ادماج أن الأسماء توقيفية وهذا هو الظاهر لدلالة الفاء وعدم ذكر ضرب مثل منهم سابقاً ، وهذا الوجه هو الذي اختاره الزمخشري وكلام الحبر رضي الله تعالى عنه لا يأباه فقوله تاعلى : { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } تعليل للنهي أي أنه تعالى يعلم كنه ما تفعلون وعظمه وهو سبحانه معاقبكم عليه أعظم العقاب وأنتم لا تعلمون كنهه وكنه عقابه فلذا صدر منكم وتجاسر تم عليه .
وجوز أن يكون المراد النهي عن قياس الله تعالى على غيره بجعل ضرب المثل استعارة للقياس ، فإن القياس الحاق شيء بشيء وهو عند التحقيق تشبيه مركب بمركب ، والفرق بينه وبين الوجه السابق قليل ، وأمر التعليل على حاله ، وجوز الزمخشري وغيره أن يكون المراد النهي عن ضرب الأمثال لله سبحانه حقيقة والمعنى فلا تضربوا لله تعالى الأمثال التي يضربها بعضكم لبعض ان الله تعالى يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ، ووجه التعليل ظاهر ، واللام على سائر الأوجه متعلقة بتضربوا وعزم ابن المنير تعلقها بالأمثال فيما إذا كان المراد التمثيل للإشراك والتشبيه ثم قال : كأنه قيل فلا تمثلوا الله تعالى ولا تشبهوه ، وتعلقها بتضربوا على هذا الوجه ثم قال كأنه قيل فلا تمثلوا لله تعالى الأمثال فإن ضرب المثل إنما يستعمل من العالم لغير العالم ليبين له ما خفي عنه والله تعالى هو العالم وأنتم لا تعلمون فتمثيل غير العالم للعالم عكس للحقيقة ، وليس بشيء؛ والمعنى الذي ذكره على تقدير تعلقه بالفعل خلاف ما يقتضيه السياق وان كان التعليل عليه أظهر ، ومن هنا قال العلامة المدقق في الكشف في ذلك بعد أن قال إنه نهى عن ضرب الأمثال حقيقة : كأنه أريد المبالغة في أن لا يلحدوا في أسمائه تعالى وصفاته فإنه إذا لم يجز ضرب المثل والاستعارات يكفي فيها سبه ما والإطلاق لتلك العلاقة كاف فعدم جواز إطلاق الأسماء من غير سبق تعليم منه تعالى وإثبات الصفات أولى وأولى ، ووجه ربط قوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)
{ ضَرَبَ الله مَثَلاً } الخ على هذا عند المدقق أنه تعالى عبد أن نهاهم عن ضرب الأمثال له سبحانه ضرب مثلاً دل به على أنهم ليسوا أهلاً لذلك وانهم إذا كانوا على هذا الحد من المعرفة والتقليد أو المكابرة فليس لهم إلى ضرب الأمثال المطابقة المستدعي ذكاء وهداية سبيل ، وقال غيره في ذلك ولعله أظهر منه : إنه تعالى لما ذكر أنه يعلم كيف تضرب الأمثال وانهم لا يعلمون علمهم كيف تضرب الأمثال في هذا الباب فقال تعالى : { ضُرِبَ } الخ . (10/244)
ووجه الربط على ما تقدم من أن انلهي عن الإشراك أنه سبحانه لما نهاهم عن ضرب المثل الفعلي وهو الإشراك عقبه بالكشف لذي البصيرة عن فساد ما ارتكبوه بقوله سبحانه : { ضُرِبَ } الخ أي أورد وذكر ما يستدل به على تباين الحال بين جنابه تعالى شأنه وبين ما أشركوه به سبحانه وينادي بفساد ما هم عليه نداء جلياً { عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } بدل من مثلا وتفسير له والمثل في الحقيقة حالته العارضة له من المملوكية والعجز التام وبحسبها ضرب نفسه مثلا ووصف العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبداً الله تعالى ، وقد أدمج فيه على ما قيل إن الكل عبيد له تعالى وبعدم القدر لتمييزه عن المكاتب والمأذون اللذين لهما تصرف في الجملة ، وفي إبهام المثل أولا ثم بيانه بما ذكر ما لا يخفى من الجزالة { وَمَن رَّزَقْنَاهُ } { مِنْ } نكرة موصوفة على ما استظهره الزمخشري ليطابق { عَبْداً } فإنه أيضاً نكرة موصوفة وإلى ذلك ذهب أبو البقاء ، وقال الحوفي : هي موصولة واستظهره أبو حيان ، وزعم بعضهم ان ذلك لكون استعمالها موصولة أكثر من استعمالها موصوفة ، والأول مختار الأكثرين أي حرا رزقناه بطريق الملك؛ والالتفات إلى التكلم للإشعار باختلاف حال ضرب المثل والرزق ، وفي اختيار ضمير العظمة تعظيم لأمر ذلك الرزق ويزيد ذلك تعظيماً قوله سبحانه : { مِنَّا } أي من جنابنا الكبير المتعالي { رِزْقًا حَسَنًا } حلالاً طيباً أو مستحسناً عند الناس مرضياً ويؤخذ منه على ما قيل كونه كثيراً بناء على أن القلة التي هي أخت العدم لا حسن في ذتها { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ } تفضلاً وإحساناً ، والفاء لترتب الانفاق على الرزق كأنه قيل : ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فأنفق وإيثار المنزل من الجملة الاسمية الفعلية الخبر للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجددي { سِرّا وَجَهْرًا } أي حال السر وحال الجهر أو إنفاق سر وإنفاق جهر والمراد بيان عموم انفاقه للأوقات وشمول انعامة لمن يجتنب عن قبوله جهراً .
وجوز أن يكون وصفه بالكثرة مأخوذاً من هذا بناء أن المراد منه كيف يشاء وهو يدل على انحاء التصرف وسعة المتصرف منه ، وتقديم السر على الجهر للإيذان بفضله عليه ، وقد مر الكلام في ذلك؛ والعدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال : وحرا مالكاً للأموال مع كونه أدل على تباين الحال بينه وبين قسيمه لما في ارشاد العقل السليم من توخي تحقيق الحق بأن الأحرار أيضاً تحت ربقة عبوديته تعالى وأن مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك مع محاولة المبالغة في الدلالة على ما قصد بالمثل من تباين الحال بين الممثلين فإن العبد المملوك حيث لم يكن مثل العبد المالك فما ظنك بالجماد ومالك الملك خلاق العالمين { هَلْ يَسْتَوُونَ } جمع الضمير وأن تقدمه اثنان وكان الظاهر يستويان للإيذان بأن المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما وان أخرج ابن عساكر .
وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان بنهاه والله تعالى أعلم بصحته . وقيل نزلت في عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وعبد له ولا يصح إسناده كما في البحر ، وفيه أنه يحتمل أن يكون الجمع باعتبار أن المراد بمن الجمع وأن يكون باعتبار عود الضمير على العبيد والأحرار وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة { عَبْدُ * شَىْء وَمَن رَّزَقْنَاهُ } عليهما ، والمعول عليه ما ذكر أولاً ، والمعنى هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيان في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وأن ما ينفقه الأحرار ليس مما لهم دخل في إيجاده ولا تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستو الفريقان فما ظنكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليل أذله منه وهو الاصنام ، وقيل : إن هذا تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق شبه الأول بمملوك لا تصرف له لأنه لا حباط عمله وعدم الاعتداد بأفعاله واتباعه لهواه كالعبد المنقاد الملحق بالبهائم بخلاف المؤمن الموفق ، وجعله تمثيلاً لذلك مروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقتادة ولا تعيين أيضاً وإن قيل : إن الآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه . وأبي جهل ، على أن أبا حيان قال إنه لا يصح إسناد ذلك ، هذا ثم أعلم أنهم اختلفوا في العبد هل يصح له ملك أم لا قال في الكشاف : المذهب الظاهر أنه لا يصح وبه قال الشافعي ، وقال ابن المنير على ما لخصه في الكشف من كلام طويل إنه يصح له الملك عند مالك : وظاهر الآية تشهد له لأنه أثبت له العجز بقوله تعالى : { مَّمْلُوكًا } ثم نفى القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله سبحانه : { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } وليس المعنى القدرة على التصرف لأن مقابله { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } والحمل على إخراج المكاتب مع شذوذه إيجاز مع اخلال كما قال امام الحرمين رحمه الله تعالى في «أيما أمرأة نكحت بغير اذن وليها» الحمل على المكاتبة بعيد لا يجوز والمأذون لم يخرج لما مر من أن المراد بالقدرة ما هو ، وليس لقائل أن يقول : إنه صفة لازمة موضحة فالأصل في الصفات التقييد اه . (10/245)
وتعقبه المدقق بقوله : والجواب أن المعنى على نفي القدرة عن التصرف فالآية واردة في تمثيل حال الاصنام به تعالى عن ذلك علوا كبيراً وكلما بولغ في حال عجز المشبه به وكمال المقابل دل في المشبه به أيضاً على ذلك فالذي يطابق المقام القدرة على التصرف وهو في مقابلة قوله تعالى : { يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرًا } وما ذكره لا حاصل له ولا إخلال في إخراج المكاتب لشمول اللفظ مع أن المقام مقام مبالغة فما يتوهم دخوله بوجه ينبغي أن ينفي وأين هذا مما نقله عن إمام الحرمين اه . واستدل بالآية أيضاً على أن العبد لا يملك الطلاق أيضاً وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال : ليس للعبد طلاق إلا باذن سيده وقرأ الآية؛ وقد فصلت أحكام العبيد في حكم الفقه على أتم وجه { الحمد للَّهِ } أي كله له سبحانه لا يستحقه أحد غيره تعالى لأنه جل شأنه الملوى للنعم وإن ظهرت على أيدي بعض الوسائل فضلاً عن استحقاق العبادة . (10/246)
وفيه إرشاد إلى ما هو الحق من أن ما يظهر على يد من ينفق فيما ذكر راجع إليه تعالى كما لوج به { رَّزَقْنَاهُ } وقال غير واحد هذا حمد على ظهور المحجة وقوة هذه الحجة { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ما ذكر فيضيفون نعمه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجل أو لا يعلمون ظهور ذلك وقوة ما هنالك فيبقون على شركهم وضلالهم ، ونفي العلم عن أكثرهم للاشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لم يعملوا بموجبه عناداً؛ وقيل : المراد بالأكثر الكل فكأنه قيل : هم لا يعلمون ، وقيل : ضمير { هُمْ } للخلق والأكثر هم المشركون ، وكلا القولين خلاف الظاهر .
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)
{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً } أي مثلا آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على وجه أظهر وأوضح ، وأبهم ثم بين بقوله تعالى : { رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا } لما تقدم والبكم الخرس المقارن للخلقة ويلزمه الصمم فصاحبه لا يفهم لعدم السمع ولا يفهم غيره لعدم النطق ، والإشارة لا يعتد بها لعدم تفهيمها حق التفهيم لكل أحد فكأنه قيل : أحدهما أخرس أصم لا يفهم ولا يفهم { مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } من الأشياء المتعلقة بنفسه أو غيره بحدس أو فراسة لسوء فهمه وإدراكه { وَهُوَ كَلٌّ } ثقيل وعيال { على مَوْلاهُ } على من يعوله ويلي أمره ، وهذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصاله نفسه بعد ذكر عدم قدرته مطلقاً ، وقوله سبحانه : (10/247)
/ { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } أي حيثما برسله مولاه في أمر لا يأت بنجح وكفاية مهم ، بيان لعدم قدرته على مصالح مولاه . وقرأ عبد الله في رواية { *توجهه } على الخطاب ، وقرأ علقمة . وابن وئاب . ومجاهد . وطلحة وهي رواية أخرى عن عبد الله { *يوجه } بالبناء للفاعل والجزم ، وخرج على أن الفاعل يعود على المولى والمفعول محذوف وهو ضمير الا بكم أي يوجهه ، ويجوز أن يكون ضمير الفاعل عائداً على الا بكم ويكون الفعل لازم وجه بمعنى توجه ، وعلى ذلك جاء قول الاضبط بن قريع السعدي :
أينما أوجه ألق سعدا ... وعن علقمة . وطلحة . وابن وثاب أيضاً { *يوجه } بالجزم والبناء للمفعول ، وفي رواية أخرى عن علقمة . وطلحة أنهما قرءا { *يوجه } بكسر الجيم وضم الهاء ، قال صاحب اللوامح . فإن صح ذلك فالهاء التي هي لام الفعل محذوفة فراراً من التضعيف أو لم يرد بأينما الشرط ، والمراد أينما هو يوجه وقد حذف منه ضمير المفعول به فيكون حذف الياء من آخر { لَمْ يَأْتِ } للتخفيف ، وتعقبه أبو حيان بأن أين لا تخرج عن الشرط أو الاستفهام . ونقل عن أبي حاتم أن هذه القراءة ضعيفة لأن الجزم لازم ، ثم قال : والذي توجه به هذه القراءة أن { أَيْنَمَا } شرط حملت على إذا بجامع ما اشتركا فيه من الشرط ثم حذفت ياء { يَأْتِ } تخفيفاً أو جزم على توهم أنه جيء بأينما جازمة كقراءة من قرأ { إنه من يتقي ويصبر } [ يوسف : 90 ] في أحد الوجهين ، ويكون معنى يوجه يتوجه كما مر آنفاً { هَلْ يَسْتَوِى هُوَ } أي ذلك الأبكم الموصوف بتلك الصفات المذكورة { وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } ومن هو منطيق فهم ذو رأي ورشد يكفي الناس في مهماتهم وينفعهم بحثهم على العدل الجامع لمجامع الفضائل { وَهُوَ } في نفسه مع ما ذكر من نفعه الخاص والعام { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي ، فالجملة حالية مبينة لكماله في نفسه ولما كان ذلك مقدماً على تكميل الغير أتى بها اسمية فإنها تشعر بذلك مع الثبوت إلى مقارنة ذي الحال ، فلا يقال .
الأنسب تقديمها في النظم الكريم ، ومقابلة تلك الصفات الأربع بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلها ونهايته فاختير آخر صفات الكامل المستدعية لما ذكر وأزيد حيث جعل هادياً مهدياً ، وتغيير الأسلوب حيث لم يقل : والآخر يأمر بالعدل الآية لمراعاة الملاءمة بينه وبين ما هو المقصود من بيان التباين بين الفريقين ، ويقال هنا كما قيل في المثل السابق : إنه حيث لم يستو الفريقان في الفضل والشرف مع استوائهما في الماهية والصورة فلأن يحكم بأن الصنم الذي لا ينطق ولا يسمع وهو عاجز لا يقدر على شيء كل على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويمسح عنه الأذى إذا وقع عليه ويخدمه وإن وجهه إلى أي مهم من مهماته لا ينفعه ولا يأت له به لا يساوي رب العالمين وهو هو في استحقاق المعبودية أحرى وأولى ، وقيل : هذا تمثيل للمؤمن والكافر فالأبكم هو الكافر ومن يأمر بالعدل هو المؤمن ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإياماً كان فليس المراد برجلين رجلان متصفان بما ذكر من الصفات مطلقاف ، وما روي من أن الأبكم أبو جهل والآمر بالعدل عمار أو الأبكم أبي ابن خلف والآمر عثمان بن مظعون فقال أبو حيان : لا يصح إسناده ، وما أخرج ابن جرير . وابن عساكر . وغيرهما عن ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية { وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ } الخ في عثمان بن عفان ومولى له كافر وهو أسيد بن أبي العيص كان يكره الإسلام وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف فنزلت فيهما فبعد تحقق صحته لا يضرنا في إرادة الموصوفين مطلقاً بحيث يدخل فيهما من ذكر . فقد صرحوا بأن خصوص السبب لا ينافي العمون . (10/248)
هذا وقد اقتصر شيخ الإسلام على كون الغرض من التمثيلين نفي المساواة بينه جل جلاله وبين ما يشركون ، وهو دليل على أنه مختاره ثم قال : اعلم أن كلا الفعلين ليس المراد بهما حكاية الضرب الماضي بل المراد انشاؤه بما ذكر عقيبه ، ولا يبعد أن يقال : إن الله تعالى ضرب مثلا بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وتعالى وبين ما يشركون فيكون كل من الفعلين حكاية للضرب الماضي اه ، ولا يخفى أنه لا كلام في حسن اختياره لكن في النفس من قوله لا يبعد شيء .
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)
{ وَللَّهِ } تعالى خاصة لا لأحد غيره استقلال ولا اشتركا { غَيْبَ السموات والارض } أي جميع الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين بحيث لا سبيل لهم إلى إدراكها حساولاً إلى فهمها عقلاً ، ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالا أو مآلا واما باعتبار الغيبة عن أهلهما ، ولا حاجة إلى تقدير هذا المضاف ، والمراد بيان الاختصاص به تعالى من حيث المعلومية حسبما ينبىء عنه عنوان الغيبة لا من حيث المخلوقية والمملوكية وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر ، وفيه كما في إرشاد العقل السليم اشعار بأن علمه تعالى حضوري وأن تحقق الغيوب في نفسها بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ولذلك لم يقل تعالى : ولله علم غيب السموات والأرض ، وقيل : المراد بغيب السموات والأرض ما في قوله سبحانه : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث } [ لقمان : 34 ] الآية ، وقيل : يوم القيامة ، ولا يخفى أن القول بالعموم أولى . (10/249)
{ وَمَا أَمْرُ الساعة } التي هي أعظم ما وقع فيه المماراة من الغيوب المتعلقة بالسموات والأرض من حيث الغيبة عن أهلهما أو ظهور آثارها فيهما عند وقوعها أي وما شأنها في سرعة المجيء ، { إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } أي كرجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها . وفي البحر اللمح النظر بسرعة يقال : لمحه لمحا ولمحانا إذا نظره بسرعة { أَوْ هُوَ } أي أمرها { أَقْرَبُ } أي من ذلك وأسرع بأن يقع في بعض أجزاء زمانه فإن رجع الطرف من أعلا الحدقة إلى أسفلها وإن قصر حركة أينية لها هوية اتصالية منطبقة على زمان له هو كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضاً بل بأن يقع فيما يقال به آن وهو جزء غير منقسم من أجزاء الزمان كآن ابتداء الحركة ، و { أَوْ } قال الفراء : بمعنى بل . ورده في البحر بأن بل للإضراب وهو لا يصح هنا بقسيمه ، أما الإبطال فلأنه يؤل إلى أن الحكم السابق غير مطابق فيكون الأخبار به كذباً والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ، وأما الانتقال فلأنه يلزمه التنافي بين الأخبار بكونه مثل لمح البصر وكونه أقرب فلا يمكن صدقهما معا ويلزم الكذب المحال أيضاً . وأجيب باختيار الثاني ولا تنافي بين تشبيهه في السرعة بما هو غاية ما يتعارفه الناس في بابه وبين كونه في الواقع أقرب من ذلك ، وهذا بناء على أن الغرض من التشبيه بيان سرعته لا بيان مقدار زمان وفوعه وتحديده . وأجيب أيضاً بما يصححه بشقيه وهو أنه ورد على عادة الناس يعني أن أمرها إذا سئلتم عنها أن يقال فيه : هو كلمح البصر ثم يضرب عنه إلى ما هو أقرب .
وقيل : هي للتخيير . ورده في البحر أيضاً بأنه إنما يكون في المحظورات كخذ من مالي ديناراً أو درهماً أو في التكليفات كآية الكفارات . وأجيب بأن هذا مبني على مذهب ابن مالك من أن { أَوْ } تأتي للتخيير وأنه غير مختص بالوقوع بعد الطلب بل يقع في الخبر ويكثر في التشبيه حتى خصه بعضهم به . وفي شرح الهادي اعلم أن التخيير والإباحة مختصان بالأمر إذ لا معنى لهما في الخبر كما أن الشك والإبهام مختصان بالخبر . وقد جاءت الإباحة في غير الأمر كقوله تعالى : { كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً } إلى قوله سبحانه : { أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء } [ البقرة : 19 ] أي بأي هذين شبهت فأنت مصيب وكذا ان شبهت بهما جميعاً ، ومثله في الشعر كثير ، وقيل : إن المراد تخيير المخاطب بعد فرض الطلب والسؤال فلا حاجة إلى البناء على ما ذكر ، وهو كما ترى ، وزعم بعضهم أن التخيير مشكل من جهة أخرى وهي أن أحد الأمرين من كونه كلمح البصر أو أقرب غير مطابق للواقع فكيف يخير الله تعالى بين ما لا يطابقه ، وفيه أن المراد التخيير في التشبيه وأي ضرر في عدم وقوع المشبه به بل قد يستحسن فيه عدم الوقوع كما في قوله : (10/250)
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
وقال ابن عطية : هي للشك على بابها على معنى أنه لو اتفق أن يقف على أمرها شخص من البشر لكانت من السرعة بحيث يشك هل هو كلمح البصر أو أقرب . وتعقبه في البحر أيضاً بأن الشك بعيد لأن هذا اختبار من الله تعالى عن أمر الساعة والشك مستحيل عليه سبحانه أي فلا بد أن يكون ذلك بالنسبة إلى غير المتكلم ، وفي ارتكابه بعد ، ويدل على أن هذا مراده تعليله البعد بالاستحالة فليس اعتراضه مما يقضي منه العجب كما توهم ، وقال الزجاج : هي للإبهام وتعقب بأنه لا فائدة في إبهام أمرها في السرعة وإنما الفائدة في إبهام وقت مجيئها . وأجيب بأن المراد أنه يستبهم على ما يشاهد سرعتها هل هي كلمح البصر أو أقل فتدبر . والمأثور عن ابن جريج أنها بمعنى بل وعليه كثيرون ، والمراد تمثيل سرعة مجيئها واستقرابه على وجه المبالغة ، وقد كثر في النظم مثل هذه المبالغة ، ومنه قول الشاعر :
قالت له البرق وقالت له الريح جميعا وهما ما هما ... أأنت تجري معنا قال إن ... نشطت أضحكتكما منكما
ان ارتداد الطرف قد فته ... إلى المدى سبقا فمن أنتما
وقيل : المعنى وما أمر إقامة الساعة المختص علمها به سبحانه وهي اماتة الاحياء واحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت دائرة الإمكان في سرعة الوقوع وسهولة التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الأقوال في { أَوْ } { إِنَّ الله على شَىْء قَدِيرٌ } ومن جملة الأشياء أن يجيء بها في أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك ، وتقول على الثاني : ومن جملة ذلك أمر إقامتها فهو سبحانه قادر عليه فالجملة في موضع التعليل .
وفي الكشف على تقدير عموم الغيب وشموله لجميع ما غاب في السموات والأرض ان قوله تعالى : { وَمَا أَمْرُ الساعة } كالمستفاد من الأول وهو اكلتمهيد له أي يختص به علم كل غيب الساعة وغيرها فهو الآتي بها للعلم والقدرة ، ولهذا عقب بقوله سبحانه : { إِنَّ الله } الخ ، وأما إذا أريد بالغيب الساعة فهو ظاهر اه . ولا يخفي الحال على القول بأن المراد بالغيب ما في قوله تعالى : { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزّلُ الغيث } [ لقمان : 34 ] الآية ، وعلى القول الأخير في الغيب يكون ذكر الساعة من وضع الظاهر موضع الضمير لتقوية مضمون الجملة . (10/251)
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
{ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم } عطف على قوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } [ النحل : 72 ] منتظم معه في سلك أدلة التوحيد ، ويفهم من قول العلامة الطيبي أنه تعالى عقب قوله سبحانه : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } [ النحل : 77 ] بقوله جل وعلا : { والله أَخْرَجَكُم } الخ معطوفاً بالواو إيذاناً بأن مقدوراته تعالى لا نهاية لها والمذكور بعض منها أن العطف على قوله سبحلنه : { إِنَّ الله } الخ ، والذي تنبسط له النفس هو الأول . (10/252)
والأمهات بضم الهمزة وفتح الهمزة جمع أم والهاء فيه مزيدة وكثر زيادتها فيه وورد بدونها ، والمعنى في الحالين واحد ، وقيل : ذو الزيادة للإناسي والعاري عنها للبهائم ، ووزن المفرد فعل لقولهم الأمومة ، وجاء بالهاء كقول قصى بن كلاب عليهما الرحمة :
أمهتي خندف والياس أبى ... وهو قليل ، وأقل من ذلك زيادة الهاء في الفعل كما قيل في إهراق ، وفيه بحث فارجع إلى الصحاح وغيره .
وقرأ حمزة بكسر الهمزة والميمي هنا ، وفي الزمر ، والنجم . والورم ، والكسائي بكسر الميم فيهن؛ والأعمش بحذف الهمزة وكسر الميم ، وابن أبي ليلى بحذفها وفتح الميم ، قال أبو حاتم : حذف الهمة رديء ولكن قراءة ابن أبي ليلى أصوب ، وكانت كذلك على ما في البحر لأن كسر الميم إنما هو لإتباعها حركة الهمزة فإذا كانت الهمزة محذوفة زال الإتباع بخلاف قراءة ابن أبي ليلى فإنه أقر الميم على حركتها { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } في موضع الحال و { شَيْئاً } منصوب على المصدرية أو مفعول { تَعْلَمُونَ } ، والنفي منصب عليه ، والعلم بمعنى المعرفة أي غير عارفين شيئاً أصلاً من حق المنعم وغيره ، وقيل : شيئاً من منافعكم ، وقيل : مما قضى عليكم من السعادة أو الشقاوة ، وقيل : مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم ، والظاهر العموم ولا داعي إلى التخصيص . وعن وهب يولد المولود خدراً إلى سبعة أيام لا يدرك راحة ولا ألماً .
وادعى بعضهم أن النفس لا تخلو في مبدأ الفطرة عن العلم الحضوري وهو علمها بنفسها إذ المجرد لا يغيب عن ذاته أصلاً ، فقد قال الشيخ في بعض تعليقاته عند إثبات تجرد النفس : إنك لا تغفل عن ذاتك أصلاً في حال من الأحوال ولو في حال النوم والسكر ، ولو جوز مجوز أن يغفل عن ذاته في بعض الأحوال حتى لا يكون بينه وبين الجماد في هذه الحالة فرق فلا يجدي هذا البرهان معه ، وقال بهمنيار في التحصيل في فصل العقل والمعقول : ثم إن النفس الإنسانية تشعر بذاتها فيجب أن يكون وجودها عقلياً فيكون نفس وجودها نفس إدراكاً ولهذا لا تعزب عن ذاتها البتة ، ومثله في الشفاء ، وأنت تعلم أن عدم الخلو مبني على مقدمات خفية كتجرد النفس الذي أنكره الطبيعيون عن آخرهم وأن كل مجرد عالم ولا يتم البرهان عليه ، وأيضاً ما نقل من أن علم النفس بذاتها عين ذاتها لا ينافي أن يكون لكون الذات علماً بها شرط فما لم يتحقق ذلك الشرط لم تكن الذات علماً بها كما أن لكون المبتدأ الفياض خزانة لمعقولات زيد مثلاً شرطاً إذا تحقق تحقق وإلا فلا ، ويؤيد ذلك أن علم النفس بصفاتها أيضاً نفس صفاتها عندهم؛ ومع ذلك يجوز الغفلة عن الصفة في بعض الأحيان كما لا يخفى .
وأيضاً إذا قلنا : إن حقيقة الذات غير غائبة عنها ، وقلنا : إن ذلك علم بها يلزم أن يكون حقيقة النفس المجردة معلومة لكل أحد؛ ومن البين أنه ليس كذلك ، على أن المحقق الطوسي قد منع قولهم : إنك لا تغفل عن ذاتك أبداً ، وقال : إن المغمى عليه ربما غفل عن ذاته في وقت الإغماء ، ومثله كثير من الأمراض النفسانية ، ومن العجائب أن بعض الأجلة ذكر أن المراد بخلوها في مبدأ الفطرة خلوها حال تعلقها بالبدن ، وقال : إنه لا ينافي ذلك ما قاله الشيخ من أن الطفل يتعلق بالثدي حال التولد بإلهام فطري لأن حال التعلق سابق على ذلك ، وذلك بعد أن ذكر أن الخلو في مبدأ الفطرة إنما يظهر لذوي الحدس بملاحظة حال الطفل وتجارب أحواله ووجه العجب ظاهر فافهم ولا تغفل . (10/253)
وتفسير العلم بالمعرفة مما ذهب إليه غير واحد ، وفي أمالي العز لا يجوز أن يجعل باقياً على بابا ويكون { شَيْئاً } مصدراً أي لا تعلمون علماً لوجهين . الأول : الأول أنه يلزم حذف المفعولين وهو خلاف الأصل . الثاني : أنه لو كان باقياً على بابه لكان الناس يعلمون المبتدأ الذي هو أحد المفعولين قبل الخروج من البطون وهو محال لاستحالة العلم على من لم يولد ، بيان ذلك أنا إذا قلنا : علمت زيداً مقيماً يجب أن يكون العلم بزيد متقدماً قبل هذا العلم وهذا العلم إنما يتعلق بإقامته ، وكذلك إذا قلت : ما علمت زيداً مقيماً فالذي لم يعلم هو إقامة زيد وأما هو فمعلوم وذلك مستفاد من جهة الوضع فحيث أثبت العلم أو نفى فلا بد أن يكون الأول معلوماً فيتعين حمل العلم على المعرفة اه .
ويعلم منه عدم استقامة جعل العلم على بابه ، و { شَيْئاً } مفعوله الأول والمفعول الثاني محذوف . وقوله تعالى : { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة } يحتمل أن يكون جملة ابتدائية ويحتمل أن يكون معطوفاً على الجملة الواقعة خبراً والواو لا تقتضي الترتيب ، ونكتة تأخيره أن السمع ونحوه من آلات الإدراك إنما يعتد به إذا أحس وأدرك وذلك بعد الإخراج ، وجعل إن تعدى لواحد بأن كان بمعنى خلق فلكم متعلق به وإن تعدى لاثنين بأن كان بمعنى صير فهو مفعوله الثاني ، وتقديم الجار والمجرور على المنصوبات لما مر غير مرة .
والمعنى جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية ، وهذا خلاصة ما ذكره الإمام في هذا المقام ومستمد ما ذهب إليه الكثير من الحكماء من أن النفس في أول أمرها خالية عن العلوم فإذا استعملت الحواس الظاهرة أدركت بالقوة الوهمية أموراً جزئية بمشاركات ومباينات جزئية بينها فاستعدت لأن يفيض عليها المبدأ الفياض المشاركات الكلية ، ويثبتون للنفس أربع مراتب . مرتبة العقل الهيولاني . ومرتبة العقل بالملكة . ومرتبة العقل بالفعل . ومرتبة العقل المستفاد ، ويزعمون أن النفس لا تدرك الجزئي المادي ، ولهم في هذا المقام كلام طويل وبحث عريض . (10/254)
وأهل السنة يقولون : إن النفس تدرك الكلي والجزئي مطلقاً باستعمال المشاعر وبدونه كما فصل في محله ، وتحقيق هذا المطلب بماله وما عليه يحتاج إلى بسط كثير ، وقد عرض والمستعان بالحي القيوم جل جلاله وعم نواله من الحوادث الموجبة لاختلال أمر الخاصة والعامة ما شوش ذهني وحال بين تحقيق ذلك وبيني ، أسأل الله سبحانه أن يمن علينا بما يسر الفؤاد وييسر لنا ما يكون عوناً على تحصيل المراد وبالجملة المأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية أنه قال : يريد سبحانه أنه جعل لكم ذلك لتسمعوا مواعظ الله تعالى وتبصروا ما أنعم الله تعالى به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم إلى أن صرتم رجالاً وتعقلوا عظمته سبحانه . وقيل : المعنى جعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة التي هي دلائل سمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم والأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته تعالى وغرائب مخلوقاته سبحانه فتستدلوا بها على وحدانيته جل وعلا . والأفئدة لتعقلوا بها معاني الأشياء التي جعلها سبحانه دلائل لكم ، والسمع والأبصار على هذين القولين على ظاهرهما ولم نر من جوز إخراجهما عن ذلك .
وجوزأن يراد بهما الحواس الظاهرة على الأول ، والأفئدة جمع فؤاد وهو وسط القلب وهو من اقللب كالقلب من الصدر ، وهذا الجمع على ما في «الكشاف» من جموع القلة الجارية مجرى جموع الكثرة والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير فجرى ذلك المجرى ، وقال الزجاج : لم يجمع فؤاد على أكثر العدد وربما قيل : أفئدة وفئدان كما قيل : أغربة وغربان في جمع غراب ، وفي «التفسير الكبير» لعل الفؤاد إنما جمع على بناء القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثر وأما الفؤاد فقليل لأنه إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية وأكثر الخلق ليس لهم ذلك بل يكونون مشتغلين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية فكأن فؤادهم ليس بفؤاد فلذا ذكر في جمعه جمع القلة اه ، ويرد عليه الأبصار فإنه جمع قلة أيضاً .
وفي «البحر» بعد نقله أنه قول هذياني ولولا جلالة قائله لم نسطره في الكتب وإنما يقال في هذا ما قاله الزمخشري مما ذكر سابقاً إلا أن قوله : لم يجء في جمع شسع إلا شسوع لس بصحيح بل جاء فيه إشساع جمع قلة على قلة اه فاحفظ ولا تغفل . (10/255)
وزعم بعضهم أن الفؤاد إنما يدرك ما ليس بمحدود بنحو أين وكيف وكم وغير ذلك وإن لكل مدرك قوة مدركة له تناسبه لا يمكن أن يدرك بغيرها على نحو المحسوسات الظاهرة من الأصوات والألوان والطعوم ونحوها والحواس الظاهرة من السمع والبصر والذوق إلى غير ذلك وهو كما ترى .
وإفراد السمع باعتبار أنه مصدر في الأصل ، وقيل : إنما أفرد وجمع الأبصار للإشارة إلى أن من مدركاته نوع واحد ومدركات البصر أكثر من ذلك وتقديمه لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه من إدراك البصر ، وقيل : لأن مدركاته أقل من مدركاته ، والخلاف في الأفضل منهما شهير وقد مر ، وتقديمها على الأفئدة المشار بها إلى العقل لتقدم الظاهر على الباطن أو لأن لهما مدخلاً في إدراكه في الجملة بل هما من خدمه والخدم تتقدم بين يدي السادة ، وكثير من السنن أمر بتقديمه على فروض العبادة أو لأن مدركاتهما أقل قليل بالنبة إلى مدركاته كيف لا ومدركاته لا تكاد تحصى وإن قيل : إن للعقل حداً ينتهي إليه كما أن للبصر حداً كذلك ، واستأنس بعضهم بذكر ما يشير إليه فقط دون ضم ما يشير إلى سائر المشاعر الباطنة إليه لنفي الحواس الخمس الباطنة التي أثبتها الحكماء بما لا يخلو عن كدر ، وتفصيل الكلام في محله { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } كي تعرفوا ما أنعم سبحانه به عليكم طوراً غب طور فتشكروه ، وقيل : المعنى جعل ذلك كي تشكروه تعالى باستعمال ما ذكر فيما خلق لأجله .
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)
{ أَلَمْ يَرَوْاْ } وقرأ حمزة . وابن عامر . وطلحة . والأعمش . وابن هرمز { أَلَمْ تَرَوْاْ } بالتاء الفوقية على أنه خطاب العامة ، والمراد بهم جميع الخلق المخاطبون قبل في قوله تعالى : { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم } [ النحل : 78 ] لا على أن المخاطب من وقع في قوله تعالى : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } [ النحل : 73 ] بتلوين الخطاب لأنه المناسب للاستفهام الإنكاري ولذا جعل قراءة الجمهور بياء الغيبية باعتبار غيبة { يَعْبُدُونَ } ولم يجعلوا ذلك التفاتاً حينئذ فالإنكار باعتبار اندراجهم في العامة ، والرؤية بصرية أي ألم ينظروا { إِلَى الطير } جمع طائر كركب وراكب ويقع على الواحد أيضاً وليس بمراد ويقال في الجمع أيضاً طيور وأطيار { مسخرات } مذلللات للطيران ، وفيه إشارة إلى أن طيرانها ليس بمقتضى طبعها { فِى جَوّ السمآء } أي في الهواء المتباعد من الأرض واللوح السكاك أبعد منه ، وقيل : الجو مسافة ما بين السماء والأرض والجوة لغة فيه ، وإضافته إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولا إظهار كمال القدرة ، وعن السدي تفسير الجو بالجوف وفسرت السماء على هذا بجهة العلو والطير قد يطير في هذه الجهة حتى يغيب عن النظر ولم يعلم منتهى ارتفاعه في الطيران إلا الله تعالى ، وعن كعب أن الطير لا ترتفع أكثر من اثني عشر ميلاً . (10/256)
{ مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الجو عن الوقوع { إِلاَّ الله } عز وجل بقدرته الواسعة فإن ثقل جسدها ورقة الهواء يقتضيات سقوطها ولاعلاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها ، والجملة إما حال من الضمير المستترفي { مسخرات } أو من { الطير } وإما مستأنفة { إِنَّ فِى ذَلِكَ } الذي ذكر من التسخير في الجو والإمساك فيه ، وقيل المشار إليه ما اشتملت عليه هذه الآية والتي قبلها { لاَيَاتٍ } دالة على كمال قدرته جل شأنه { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي ن شأنهم أن يؤمنوا ، وخص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به ، واقتصر الإمام على جعل المشار إليه ما فيه هذه الآية قال : وهذا دليل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته سبحانه فإنه جل شأنه خلق الطائر خلقة معها يمكه الطيران أعطاه جناحاً يبسطه مرة ويكنه أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء وخلق الجو خلقة معها يمكن الطيران خلقه خلقة لطيفة يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً اه .
وكذا المولى أبو السعود قال : إن في ذلك الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها تتمكن بها منه بأن جعل لها أجنحة خفيفة وأذناباً كذلك وجعل أجسادها من الخفة بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابها لا يطيق ثقلها أن يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام وتخرق ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبير لآيات ظاهرة ، وذكر أن تسخرها بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المساعدة .
وتعقب ذلك أبو حيان بقوله : والذي نقوله إنه كان يمكن الطائر أن يطير ولو لم يخلق له جناح وأنه كان يمكنه خرق الشيء الكثيف وذلك بقدرة الله تعالى ولا نقول : إنه لولا الجناح ولطف الجو والآلات ما أمكن الطيران اه وأنا لا أظن أن أحداً ينفي الإمكان الذاتي للطيران بدون الجناح مثلاً لكن لا يبعد نفيه بدون لطف المطار والكثيف متى خرق كان المطار لطيفاً فافهم . واستدل بالآية على أن العبد خالق لأفعاله ، وأولها القاضي وهو ارتكاب لخلاف الظاهر لغير دليل . (10/257)
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)
{ والله جَعَلَ لَكُمُ } معطوف على ما مر ، وتقديم { لَكُمْ } على ما بعده للتشويق والإيذان من أول الأمر بأن هذا الجعل لمنفعتهم ، وقوله تعالى : { مِن بُيُوتِكُمْ } تبيين لذلك المجعول المبهم في الجملة وتأكيد لما سبق من التشويق والإضافة للعهد أي من بيوتكم المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدر والأخشاب { سَكَناً } فعل بمعنى مفعول كنقض وأنشد الفراء : (10/258)
جاء الشتاء ولما أتخذ سكنا ... يا ويح نفسي من حفر القراميص
وليس بمصدر كما ذهب إليه ابن عطية أي موضعاً تسكنون فهي وقت إقامتكم ، وجوز أن يكون المعنى تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه أي جعل بعض بيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به .
{ وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الانعام بُيُوتًا } أي بيوتاً أخر مغايرة لبيوتكم المعهودة وهي القباب المتخذة من الأدم والظاهر أنه لا يندرج في هذه البيوت البيوت المتخذة من الشعر والصوف ولوبر ، وقال ابن سلام وغيره : بالإندراج لأنها من حيث أنها ثابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها . واعترض بأن { مِنْ } على الأول تبعيضية وعلى إرادة البيوت التي من الشعر ونحوه ابتدائية ، فإذا عمم ذلك يلزم استعمال المشترك في معنييه وأجيب بأن القائل بذلك لعله يى جواز هذا الاستعمال ، وممن قال بذلك البيضاوي وهو شافعي . وقيل : الجلود مجاز عن المجموع { تَسْتَخِفُّونَهَا } أي تجدونها خفيفة سهلة المأخذ فالسين ليست للطلب بل للوجدان كأحمدته وجدته محموداً { يَوْمٍ } وقت ترحالكم في النقض والحمل { ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقامتكم } ووقت نزولكم وإقامتكم في مسايركم حسبما يتفق في الضرب والبناء ، وجوز أن يكون المعنى تجدونها خفيفة في أوقات السفر وفي أوقات الحضر ، واختار ابن المنير الأول وقال : إنه التفسير لأن المنة في خفتها في السفر أتم وأقوى إذا لا يهم المقيم أمرها ، قال في «الكشف» : وهو حق ، وقال بعض الفضلاء : ينبغي أن يكون الثاني أولى للعموم فإن حالتي السفر اندرجتا في يوم ظعنكم حيث أريد به مقابل الحضر والخفة على المقيم نعمة في حقه أيضاً فإنه يضربها وقد ينقلها من مكان إلى مكان قريب لداع يدعو إليه فالأولى أن لا تخلو الآية عن التعرض لذلك اه ولا يخفى أن الاندراج ظاهر إن أريد بالظعن مقال الحضر وأما إذا أريد به مقابل النزول كما سمعت فغير ظاهر .
نعم يجوز إرادة ذلك ، وقرأ الحرميان . وأبو عمرو { ظَعْنِكُمْ } بفتح العين . وباقي السبعة بسكونها وهما لغتان والفتح على ما في المعالم أجزلهما ، وقيل : الأصل الفتح والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق كالشعر والشعر .
{ وَمِنْ * أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } عطف على قوله تعالى : { وَمِنْ * جُلُودِ } والضمير للأنعام على وجه التنويع أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز { أَثَاثاً } أي متاع البيت كالفرش وغيرها كما قال المفضل ، قال الفراء : لا واحد له من لفظه كما أن المتاع كذلك ولو جمعت قلت : أأثثة في القليل وأثث في الكثير .
وقال أبو زيد : واحده أثاثة وأصله كما قال الخليل من قولهم : أثث النبات والشعر وهو أثيث إذا كثر قال امرؤ القيس : (10/259)
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
ونصبه على أنه معطوف على { بُيُوتًا } مفعول جعل فيكون مما عطف فيه جار ومجرور مقدم ومنصوب على مثلهما نحو ضربت في الدار زيداً وفي الحجرة عمراً وهو جائز وليس بمستقبح كما زعم في الإيضاح .
وجوز أن يكون نصباً على الحال فيكون من عطف الجار والمجرور فقط على مثله أي وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها حال كونها أثاثاً . وتعقبه السمين بأن المعنى ليس على ذا وهو ظاهر .
{ ومتاعا } أي شيثاً يتمتع به وينتفع في المتجر والمعاش قاله المفضل ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتاع الزينة ، وقال الخليل : الأثاث والمتاع واحد ، والعطف لتنزيل تغاير اللفظ منزلة تغاير المعنى كما في قوله :
وألفى قولها كذباً وميناً ... والأولى أولى { إلى حِينٍ } إلى انقضاء حاجاتكم منه ، وعن مقاتل إلى بلى ذلك وفنائه؛ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلى الموت ، والكلام في ترتيب المفاعيل مثله في مر غير مرة .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)
{ والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ } من غير صنع منكم { ظلالا } أشياء تستظلون بها من الغمام والشجر والجبال وغيرها وهو الذي يقتضيه الظاهر وروى ذلك عن قتادة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد الاقتصار على الغمام ، وعن الزجاج . وقتادة أيضاً الاقتصار على الشجر ، وعن ابن قتيبة الاقتصار على الشجر والجبال ولعل كل ذلك من باب التمثيل ، وعن ابن السائب أن المراد ظلال البيوت وهو كما ترى ، ومن سبحانه بما ذكر لأن تلك الديار كانت غالبة الحرارة { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا } مواضع تستكنون فيها من الغيران ونحوها ، والواحد كن وأصله السترة من أكنه وكنه أي ستره ويجمع على أكنان وأكنة . (10/260)
{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } جمع سربال وهو كل ما يلبس أي جعل لكم لباساً من القطن والكتان والصوف وغيرها { تَقِيكُمُ الحر } خصه بالذكر كما قال المبرد اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر أعني البرد ، ولم يخص هو بالذكر اكتفاء لأن وقاية الحر أهم عندهم لما مر آنفاً .
وقال بعضهم : من الرأس خص الحر بالذكر لأن وقايته أهم . وتعقب دعوى الأهمية بأنه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقاً في قوله تعالى : { لَكُمْ فِيهَا دِفْء } [ النحل : 5 ] ثم قيل : وهذا وجه الاقتصار على الحر هنا لتقدم ذكر خلافه ثمت .
واعترض بأنا لا نسلم أن إثبات الدفء هناك يبعد دعوى الأهمية بل في تغاير الأسلوبين ما يشعر بهذه الأهمية ، وقال الزجاج : خص الحر بالذكر لأن ما يقي من الحر يقي من البرد ، وذكر ذلك الزمخشري بعد ذكر الأهمية ، وقال في «الكشف» : هو الوجه ، وتخصيص الحر بالذكر لما قدمه في الوجه الأول يعني الأهمية ، وما قيل : من أولوية الأول لقوله تعالى : { مّمَّا خَلَقَ ظلالا } فليس بيء لأنه تعالى عقبه بقوله بسحانه : { مّنَ الجبال أكنانا } كيف وهو في مقام الاستيعاب اه ، وصاحب القيل هو ابن المنير ، وقد اعترض أيضاً على قوله : إن ما يقي من الحر يقي من البرد بأنه خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها ووقاية البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس الآخر لعد من الثقلاء اه فتدبر .
{ وسرابيل } من الجواشن والدروع { تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } أي البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحروب من الضرب والطعن ، وقال بعضهم : أصل البأس الشدة وأريد به هنا الحرب ، والكلام على حذف مضاف أي إذا بأسكم وعلى الأول لا حاجة إليه وقد رجح لذلك { كذلك } أي مثل ذلك الاتمام للنعمة في الماضي { يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } في المستقبل ، ومن هنا قيل :
كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي (10/261)
أو مثل هذا الاتمام البالغ يتم نعمته عليكم ، وإفراد النعمة أما لأن المراد بها المصدر أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جانب الكبرياء شيء قليل . وقرأ ابن عباس { *تتم } بتاء مفتوحة و { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ } بالرفع على الفاعلية وإسناد التمام إليها على الاتساع ، وعنه أيضاف رضي الله تعالى عنه { نِعَمَهُ } بصيغة الجمع { لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } أي إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم فتعرفوا حق منعمها فتؤمنوه به تعالى وحده وتذروا ما كنتم به تشركون على أن الإسلام بمعناه المعروف أي رديف الإيمان ، ويجوزأن يكون بمعناه اللغوي وهو الاستسلام والانقياد أي لعلكم تستسلمون له سبحانه وتنقادون لأمره عز وجل ، وأياً ما كان فهو موضوع موضع سببه كما أشير إليه أو مكني به عنه .
/ وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { تُسْلِمُونَ } بفتح التاء واللام من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك ، وقيل : تسلمون من الجراح بلبس تلك السرابيل ، ولا بأس أن يفسر ذلك بالسلامة من الآفات مطلقاً ليشمل آفة الحر والبرد ، والأقرب إلى معنى قراءة الجمهور التفسير الثاني .
هذا وفي بعض الآثار أن أعرابياً سمع قوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } [ النحل : 80 ] إلى آخر الآيتين فقال عند كل نعمة : اللهم نعم فلما سمع قوله سبحانه : { لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } اللهم هذا فلا فنزلت .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82)
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } فعل ماض على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وتوجيه الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلية له عليه الصلاة والسلام أي فإن داموا على التولي والإعراض وعدم قبول ما ألقي إليهم من البينات { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين } أي فلا يضرك لأن وظيفتك هي البلاغ الموضح أو الواضح وقد فعلته بما لا مزيد عليه فهو من باب وضع السبب موضع المسبب ، وقال ابن عطية : تقدير المعنى إن أعرضوا فلست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم فإنما عليك البلاغ لا خلق الإيمان ، وجوز أن يكون { تَوَلَّوْاْ } مضارعاً حذفت إحدى تاءيه وأصله تتولوا فلا التفات لكن قيل عليه : إنه لا يظهر حينئذ ارتباط الجزاء بالشرط إلا بتكلف ولذا لم يلتفت إليه بعض المحققين ، وفي التعبير بصيغة التفعيل إشارة كما قيل إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله تعالى والإعراض لا يكون إلا بنوع تكلف ومعالجة . (10/262)
يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83)
{ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } استئناف لبيان أن تولي المشركين وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه أصلاً فإنهم يعرفونها أن من الله تعالى { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بأفعالهم حيث لم يفردوا منعمها بالعبادة فكأنهم لم يعبدوه سبحانه أصلاً وذلك كفران منزل منزلة الإنكار . (10/263)
وأخرج ابن جرير . وغيره عن مجاهد أنه قال : إنكارهم إياها قولهم : ورثناها من آبائنا ، وأخرج هو وغيره أيضاً عن عون بن عبد الله أنه قال : إنكارهم إياها أن يقول الرجل : لولا فلان أصابني كذا وكذا ولولا فلان لم أصب كذا وكذا وفي لفظ إنكارها إضافتها إلى الأسباب ، وقيل : قولهم هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى ، وحكى صاحب الغنيان يعرفونها في الشدة ثم ينكرونها في الرخاء ، وقيل : يعرفونها بقلوبهم ثم ينكرونها بألسنتهم .
وأخرج ابن المنذر وغيره عن السدي أنه قال النعمة هنا محمد صلى الله عليه وسلم ورجح ذلك الطبري أي يعرفون أنه عليه الصلاة والسلام نبي بالمعجزات ثم ينكروه ذلك ويجحدونه عناداً ، وفي لفظ ابن أبي حاتم أنه قال هذا في حديث أبي جهل والأخنس حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد صلى الله عليه وسلم فقال : هو نبي .
ومعنى { ثُمَّ } الاستبعاد الإنكار بعد المعرفة لأن حق من عرف النعمة الاعتراف بها وأداء حقها لا إنكارها ، وإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب حال البعض إلى الكل فإن بعضهم ليسوا كذلك كما هو ظاهر قوله سبحانه : { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } أي المنكرون بقلوبهم غير المعترفين بما ذكر ، والحكم عليهم بمطلق الكفر المئذن بالكمال من حيث الكمية لا ينافي كمال الفرقة الأولى من حيث الكيفية كذا قيل ، وجوز أن يكون الإسناد السالف على ظاهره والمراد أن أكثرهم المصرون الثابتون على كفرهم إلى يوم يلقونه فالتعبير بالأكثر لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن ، وقيل : المعنى وأكثرهم الجاحدون عناداً ، والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان عقله وعدم اهتدائه إليه أو لعدم نظره في الأدلة نظراً يؤدي إلى المطلوب أو لأنه لم يقم عليه الحجة لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه وإما لأنه يقام مقام الكل فتأمل .
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84)
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ } جماعة من الناس { شَهِيداً } يثشهد لهم بالإيمان والطاعة وعليهم بالكفر والعصيان ، والمراد به كما روى ابن المنذر . وغيره عن قتادة نبي تلك الأمة { ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي في الاعتذار كما قال سبحانه : { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } [ المرسلات : 35 ، 36 ] والظاهر أنهم يستأذنون في ذلك فلا يؤذن لهم ، ويحتمل أنهم لا استئذان منهم ولاإذن إلا لا حجة لهم حتى تذكر ولا عذر حتى يعتذر ، وقال أبو مسلم : المعنى لا يسمع كلامهم بعد شهادة الشهداء ولا يلتفت إليه كما في قول عدي بن زيد : (10/264)
في سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار
وقيل : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا ، والأول مروي عن ابن عباس وأبي العالية وثم للدلالة على أن ابتلاءهم بعدم الإذن المنبىء عن الاقناط الكلي وذلك عندما يقال لهم : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } [ المؤمنون : 108 ] أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم السلام فهي للتراخي الرتبي { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي لا يطلب منهم أن يزيلوا عتب ربهم أي غضبه بالتوبة والعمل الصالح إذ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل والرجوع إلى الدنيا مما لا يكون ، وقول الزمخشري : أي لا يقال لهم ارضوا ربكم تفسير باللازم ، وقيل : المعنى ولا يطلب رضاهم في أنفسهم بالتلطف بهم من استعتبه كأعتبه إذا أعطاه العتبي وهي الرضا وأياً ما كان فالمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار ، وانتصاب الظرف على ما قال الحوفي . وغيره بمحذوف تقديره اذكر وقدره بعضهم خوفهم وهو في ذلك مفعول به ، وقيل : وهو نصب على الظرفية بمحذوف أي يوم نبعث يحيث بهم ما يحيق ، وقال الطبري : هو معطوف على ظرف محذوف العالم فيه ينكرونها أي ثم ينكرونها اليوم ويوم نبعث من كل أمة شهيداً فيشهد عليهم ويكذبهم وليس بشيء وتجري هذه الاحتمالات في قوله تعالى :
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85)
{ وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب } أي الذين يستوجبونه بظلمهم وهو عذاب جهنم ، والمراد من الذين ظلموا الذين كفروا وكان الظاهر الضمير إلا أنه أقيم المظهر مقامه للنعي عليهم بما ذكر في حيز الصلة وتعليق الرؤية بالعذاب للمبالغة ، وقيل : المراد به جهنم نفسها مجازاً ، ويراد بضميره في قوله تعالى : { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ } معناه الحقيقي على سبيل الاستخدام وليس بذاك وهذه الجملة قيل : مستأنفة ، وقيل : جواب إذا بتقدير فهو لا يخفف لأن المضارع مثبتاً كان أو منفياً إذا وقع جواب إذا لا يقترن بالفاء ، واستظهره ذلك أبو حيان ونقل عن الحوفي القول بأنه جواب وأنه العامل في { إِذَا } ثم قال : وقد تقدم لنا أن ما تقدم فاء الجواب في الجواب في غير أما لا يعمل فيما قبله وبينا أن العامل في { إِذَا } ثم قال : وقد تقدم لنا أن ما تقدم فاء الجواب في غير أما لا يعمل فيما قبله وبينا أن العامل في { إِذَا } الفعل الذي يليلها كسائر أدوات الشرط وإن كان ليس قول الجمهور تعقب الخفاجي القول بالجوابية بأنه محتاج إلى ما سمعت من التقدير وهو مع كونه خلاف الأصل مناف للغرض في تغاير الجملتين في النظم يعني قوله تعالى : { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } وقوله سبحانه : { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي يمهلون وهو أن عدم التخفيف واقع بعد رؤية العذاب فلذا لم يؤت بجملة اسمية بخلاف عدم الإمهال فإنه ثابت لهم في تلك الحالة اه . (10/265)
وفي كلام الزمخشري كما في «الكشف» إشعار بأن الناصب المحذوف لإذا بغتهم وإنه هو الجواب حيث قال بعد أن بين وجه انتصاب اليوم وكذلك إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون كقوله تعالى : { بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ } [ الأنبياء : 40 ] الآية ، وفيه إشعار أيضاً بأن عدم التخفيف والأنظار يدل على أثقاله ومباغتته كما صرح به الآية الأخرى حيث أبت الإتيان بغتة والبهت هو الأثقال وزيادة ورتب عليه { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } [ الأنبياء : 40 ] ومثل هذه الفاء فصيحة عندهم فافهم ، وفي «التفسير الكبير» قال المتكلمون إن العذاب يجب أن يكون خالصاً عن شوائب النفع وهو المراد بقوله تعالى : { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ } ويجب أن يكون دائمياً وهو المراد من قوله سبحانه : { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } وفيه نظر .
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)
{ وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ } الذين كانوا يزعمونهم شركاء لله سبحانه وتعالى ويعبدونهم معه عز وجل؛ والمراد بهم كل من اتخذوه شريكاً له جل وعلا من صنم ووثن وشيطان وآدمي وملك وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ ، وقيل : أريد بهم معبوداتهم الباطلة كما تقدم ، والإضافة إليهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم وأنعامهم ، واقتصر بعضهم على الأصنام ولعل التعميم أولى ، وقال الحسن : شركاؤهم الشياطين شركوهم في الأموال والأولاد ، وقيل : شركوهم في الكفر أي كفروا مثل كفرهم ، وقيل : شركوهم في وبال ذلك حيث حملوهم عليه { قَالُواْ } أي بألسنتهم وقيل : ختم الله تعالى على أفواههم وأنطق جوارحهم فقالت عنهم { رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } أي نعبدهم ونطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذاب بينهم . واعترض بأنه لا يناسب تفسير الشركاء بالأصنام وفيه أنها تجيء على حالة يعقل معها عذابها فلا بأس في ذلك سواء فسرت الشركاء بالأصنام فقط أو بما يعمها وغيرها ، وقال أبو مسلم : مقصودهم من ذلك إحالة الذنب على الشركاء طناً منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم شيئاً . (10/266)
وتعقبه القاضي بأنه بعيد لأن الكفار يعلمون علماً ضرورياً في الآخرة أن العذاب سينزل بهم ولا نصرة ولا فدية ولا شفاعة ، وأورد نحوه على ما ذكرنا بناء على أنهم يعلمون علماً ضرورياً أيضاً أنه لا يحمل أحد من عذابهم شيئاً .
وأجيب بأنه على تقدير تسليم حصول العلم الضروري لهم بذلك إذ ذاك يجوز أن يدهشوا فيغفلوا عن ذلك فيقولوا ما يقولون طامعين فيما ذكر وهو نظير قولهم : { يخفف عنا يوماً من العذاب } [ غافر : 49 ] { يا مالك ليقض علينا ربك } [ الزخرف : 77 ] { ربنا أخرجنا نعمل صالحاً } [ فاطر : 37 ] إلى غير ذلك مما لهم علم ضروري عند بعضهم بأنه لا يكون . وقيل : إن القوم مع علمهم بأن ما يرجونه ويطمعون فيه لا يحصل لهم أصلاًوعدم غفلتهم عن ذلك تغلبهم أنفسهم بمقتضى الطبيعة لشدة ما هم فيه والعياذ بالله تعالى حتى تعلق آمالها بالمحال ، وقيل : قالوا ذلك اعترافاً بأنهم كانوا مخطئين في عبادتهم . وتعقب بأنه لا يناسب قوله تعالى : { مِن دُونِكَ } وفيه تأمل . نعم قوله تعالى : { فَأَلْقَوُاْ } أي شركاؤهم { إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون } أظهر ملاءمة للأول فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ظاهر في كونه للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه والظاهر أن التكذيب راجع إلى دعوى أنهم كانوا يعبدونهم أو يطيعونهم من دون الله تعالى ومرادهم على ما قيل : إنكم ما عبدتمونتا حقيقة وإنما عبدتم أشياء تصورتموها بأذهانكم الفاسدة وزعمتم أنا هاتيك الأشياء وهيهات هيهات ليس بيننا وبينها جهة جامعة ولا علاقة نافعة ، وقيل : إنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم لأن الأوثان ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتهم لم تكن عبادة لهم كما قالت الملائكة عليهم السلام :
{ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } [ سبأ : 41 ] يعنون أن الجن هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن ، والشياطين وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر والالجاء كما قال إبليس : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } [ إبراهيم : 22 ] فكأنهم قالوا : ما عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم ، وقيل : يجوز أن يكون الشياطين كاذبين في أخبارهم بكذب من عبدهم كما كذب إبليس عليه اللعنة في قوله : { إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } [ إبراهيم : 22 ] وجوز أن يكون التكذيب راجعاً إلى أنهم شركاء لله سبحانه لا إلى أنهم كانوا يعبدونهم ومرادهم تنزيه الله جل وعلا عن الشريك في ذلك الموقف ، وخص هذا بعضهم بتقدير إرادة الشياطين من الشركاء فافهم ، والظاهر أن قائل هذا جميع الشركاء ولا يمنع من ذلك تفسيره بما يعم الأصنام إذ لا بعد في أن ينطقها الله تعالى الذي أنطق كل شيء بذلك ، وجوز على التعميم أن يكون القائل بعضهم وهو من يعقل منهم؛ وكان الظاهر فقالوا لهم أنكم لكاذبون إلا أنه عدل إلى ما في «النظم الكريم» للإشارة إلى أنهم قالوا ذلك لهم على وجه الإفصاح بحيث يدرك ويمتاز عن غيره ، وفيه من الإشعار بالحرص على تكذيبهم ما فيه ، ويؤيد ذلك تأكيدهم الجملة الدالة على تكذيبهم أتم تأكيد ، وهي في موضع البدل من القول كما قال الإمام أي ألقوا إليهم أنكم لكاذبون . (10/267)
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87)
{ وَأَلْقَوْاْ } أي الذين أشركوا ، وقيل : هم وشركاؤهم جميعاً ، والأكثرون على الأول { إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } الاستسلام الانقياد لحكمه تعالى العزيز الغالب بعد الإباء والاستكبار في الدنيا فلم يكن لهم إذا ذاك حيلة ولا دفع . وروى يعقوب عن أبي عمرو أنه قرأ { السلام } بإسكان اللام ، قرأ مجاهد السلم بضم السين واللام { وَضَلَّ عَنْهُم } ضاع وبطل { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن لله سبحانه شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين سمعوا ما سمعوا . (10/268)
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } [ النحل : 54 ] بنسبة ذلك إلى غيره سبحانه ورؤيته منه { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } من النعمة بالغفلة عن منعها { فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 55 ] وبال ذلك أو فسوف تعلمون بظهور التوحيد أن لا تأثير لغيره تعالى في شيء { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } فيعتقدون فيه من الجهالات ما يعتقدون وهو السوي { نَصِيباً مّمَّا * رزقناهم } [ النحل : 56 ] فيقولون هو أعطاني كذا ولو لم يعطني لكان كذا { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الانعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } [ النحل : 66 ] الإشارة فيه على ما في أسرار القرآن إلى ما تشربه الأرواح مما يحصل في العقول الصافية بين النفس والقلب من زلال بحر المشاهدة وهناك منازل اعتبار المعتبرين ، والإشارة في قوله تعالى : { وَمِن ثمرات النخيل والاعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } [ النحل : 67 ] على ما فيه أيضاً إلى ما تتخذه الأرواح والأسرار من ثمرات نخيل القلوب وأعناب العقول من خمر المحبة والانس الآخذة بها إلى حضيرة القدس :
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت ... لعادت إليه الروح وانتعش الجسم
{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } قيل أي نحل الأرواح { أَنِ اتخذى مِنَ الجبال } أي جبال أنوار الذات { بُيُوتًا } مقار لتسكنين فيها { وَمِنَ الشجر } أي ومن أشجار أنوار الصفات { وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } [ النحل : 68 ] أنوار عروش الأفعال { ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات } أي من ثمرات تلك الأشجار الصفاتية ونور بهاء الأنوار الذاتية وأزهار الأنوار الأفعالية { فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ } وهي صحارى قدسه تعالى وبراري جلاله جل شأنه { ذُلُلاً } منقادة لما أمرت به { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ } وهو شراب معرفته تعالى بقدم جلاله وعز بقائه وتقدس ذاته سبحانه { مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } باختلاف الثمرات { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } [ النحل : 69 ] لكل مريض المحبة وسقيم الألفة ولديغ الشوق ، وقيل : الإشارة بالنحل إلى الذين هم في مبادىء السلوك من أرباب الاستعداد ، ومن هنا قال الشيخ الأكبر قدس سره في مولانا ابن الفارض قدس سره حين سئل عنه : نحلة تدندن حول الحمى أمرهم الله تعالى أولاً أن يتخذوا مقار من العقائد الدينية التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات ومن العبادات الشرعية التي هي كالشجر في التشعب ومن المعاملات المرضية التي هي كالعروض في الارتفاع ثم يسلكوا سبله سبحانه وطرقه الموصلة إليه جل شأنه من تهذيب الباطن والمراقبة والفكر ونحو ذلك متذللين خاضعين غير معجبين ، وفي ذلك إشارة إلى أن السلوك إنما يصح بعد تصحيح العقائد ومعرفة الأحكام الشرعية ليكون السالك على بصيرة في أمره وإلا فهو كمن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء ، ومتى سلك على ذلك الوجه حصل له الفوز بالمطلوب وتفجرت ينابيع الحكمة من قلبه وصار ما يقذف به قلبه كالعسل شفاء من علل الشهوات وأمراض النفس لا سيما مرض التثبط والتكاسل عن العبادة وهو المرض البلغمي .
وقال أبو بكر الوراق : النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبل ربها على ما أمرت به جعل لعابها شفاءً للناس كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر وأقبل على ربه عز وجل جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاءً للخلق فمن نظر إليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد انتهى . وفي الآية إشارة أيضاً إلى أنه تعالى قد يودع الشخص الحقير الشيء العزيز فإنه سبحانه أودع النحل وهي من أحقر الحيوانات وأضعفها العسل وهو من ألذ المذوقات وأحلاها فلا ينبغي التقيد بالصور والاحتجاب بالهيآت ، وفي الحديث « رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله تعالى لأبره » وعن يعسوب المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِى الرزق } [ النحل : 71 ] قيل : الإشارة فيه إلى تفاوت أرزاق السالكين فرزق بعضهم طاعات ، وبعض آخر مقامات وبعض حالات وبعض مكاشفات وبعض مشاهدات وبعض معرفة وبعض محبة وبعض توحيد إلى غير ذلك ، وذكروا أن رزق الأشباح العبودية ورزق الأرواح رؤية أنوار الربوبية ورزق العقول الأفكار ورزق القلوب الأذكار ورزق الأسرار حقائق العلوم الغيبية المكشوفة لها في مجالس القرب ومشاهدة الغيب { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الامثال } لتقدسه تعالى عن الأوهام والإشارات والعبارات وتنزهه سبحانه عن درك الخليقة فإن الخلق لا يدرك إلا خلقاً ، ولذا قال علي كرم الله تعالى وجهه : إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها فلا يعرف الله تعالى إلا الله عز وجل وعل النهي بقوله تعالى : { إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 74 ] { ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا } محباً لغير الله تعالى ولا شك أن المحب أسير بيد المحبوب لا يقدر على شيء لأنه مقيد بوثاق المحبة { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } فجعلناه محباً لنا مقبلاً بقلبه علينا متجرداً عما سوانا وآتيناه من لدنا علماً { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا } وذلك من النعم الباطنة (10/269)
{ وَجَهْرًا } [ النحل : 75 ] وذلك من النعم الظاهرة { وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } لا استعداد فيه للنطق وهو مثل المشرك { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } لعدم استطاعته وقصور قوته للنقص اللازم لاستعداده { وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ } لعجزه بالطبع عن تحصيل حاجة { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } لعدم استعداده وشرارته بالطبع فلا يناسب إلا الشر الذي هو العدم { هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } وهو الموحد القائم بالله تعالى الفاني عن غيره ، والعدل على ما قيل : ظل الوحدة في عالم الكثرة { وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ النحل : 76 ] صراط العزيز الحميد الذي عليه خاصته تعالى من أهل البقاء بعد الفناء الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة يمرون عليه كالبرق اللامع { وَللَّهِ غَيْبُ * السموات والارض } علم مراتب الغيوب أو ما غاب من حقيقتهما أو ما خفي فيهما من أمر القيامة الكبرى { وَمَا أَمْرُ الساعة } أي القيامة الكبرى بالقياس إلى الأمور الزمانية { إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } وهو بناءً على التمثيل وإلا فقد قيل : إن أمر الساعة ليس بزماني وما كان كذلك يدركه من يدركه لا في الزمان { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } [ النحل : 77 ] ومن ذلك أمر الساعة { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } [ النحل : 78 ] الآية ، قال في أسرار القرآن : أخبر سبحانه أنه أخرجهم من بطون الأقدار وأرحام العدم وأصلاب المشيئة على نعت الجهل لا يعلمون شيئاً من أحكام الربوبية وأمور العبودية وأوصاف الأزل فألبسهم أسماعاً من نور سمعه وكساهم أبصاراً من نور بصره وأودع في قلوبهم علوم لعلهم يشكرونه انتهى . وهو ظاهر في أن المراد بالأفئدة القلوب . (10/270)
وذكر بعض من أدركناه من المرتاضين في كتابه «الفوائد» وشرحه أن مشاعر الإنسان الصدر ، والمراد به الخيال والنفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية أو جزئية فهو محل العلم المقابل للجهل ، والقلب وهو محل المعاني واليقين بالنسب الحكمية ويقابله الشك والريب ، والفؤاد وهو محل المعارف الإلهية المجرد عن جميع الصور والنسب والأوضاع والإشارات والجهات والأوقات ويقابلها الإنكار وهو أعلى المشاعر ، ونور الله تعالى المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى " وهو الوجود لأنه الجهة العليا من الإنسان أعني وجهه من جهة ربه وبه يعرف الله تعالى وهو في الإنسان بمنزلة الملك في المدينة والقلب بمنزلة الوزير له انتهى ، وله أيضاً كلام في الأم وكذا في الأب غير ما ذكر ، وذلك أنه يطلق الأب على المادة والأم على الصورة ، وزعم أن قول الصادق رضي الله تعالى عنه : إن الله تعالى خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخو ا لمؤمن لأبيه وأمه أبوه النور وأمه الرحمة إشارة إلى ذلك وأن ما اصطلح عليه المتقدمون والحكماء من أن الأب هو الصورة والأم هي المادة وأن الصورة إذا نكحت المادة تولد عنهما الشيء توهماً منهم أن النشور والخلق في بطن المادة بعيد من جهة المناسبة إلى آخر ما قال فتفطن وإياك أن تعدل عن الطريق السوي { أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِى جَوّ السمآء } فيه إشارة إلى تسخير طير القوى الروحانية والنفسانية من الفكر والعقل النظري والعملي بل الوهم والتخيل في فضاء عالم الأرواح { مَا يُمْسِكُهُنَّ } من غير تعلق بمادة ولا اعتماد على جسم ثقيل
{ إِلاَّ الله } [ النحل : 79 ] عز وجل { والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظلالا } وهو ما يستظل به من وهج نار الحاجة فالماء ظل للعطشان والطعام ظل للجيعان وكل ما يقوم بحاجة شخص ظل له ، وفي الخبر « السلطان ظل الله تعالى في الأرض يأوي إليه كل مظلوم » ، وقيل : الظلال الأولياء يستظل بهم المريدون من شدة حر الهجران ويأوون إليهم من قهر الطغيان ، وقد يؤل قوله تعالى : { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا } بنحو هذا فما أشبه الأولياء بالجبال { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } فيه إشارة إلى ما جعل للعارفين من سرابيل روح الأنس لئلا يحترقوا بنيران القدس وأشار تعالى بقوله جل جلاله : { وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } إلى ما من به من المعرفة والمحبة ليدفع بذلك كيد الشياطين والنفوس { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } [ النحل : 81 ] تنقادون لأمره سبحانه في العبودية وتخضعون لعز الربوية ، قال ابن عطاء : تمام النعمة السكون إلى المنعم ، وقال حمدون : تمامها في الدنيا المعرفة وفي الآخرة الرؤية ، وقال أبو محمد الحريري : تمامها خلو القلب من الشرك الخفي وسلامة النفس من الرياء والسمعة { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } وهي هداية النبي أو وجوده بقوة الفطرة { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } لعنادهم وغلبة صفات نفوسهم { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } [ النحل : 83 ] لشهادة فطرهم بحقيته { وَيَوْمَ نَبْعَثُ * كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } في الاعتذار عن التخلف عن دعوته إذ لا عذر لهم { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } [ النحل : 84 ] لأنهم قد حق عليهم القول بمقتضى استعدادهم نسأل الله تعالى العفو والعافية { وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } [ النحل : 87 ] قيل : هذا في الموقف الثاني حين تضعف غواشي أنفسهم المظلمة وترق حجبها الكثيفة وأما في الموقف الأول حين قوة هيآت الرذائل وشدة شكيمة النفس في الشيطنة فلا يستسلمون كما يشير إليه قوله تعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } [ المجادلة : 18 ] وقيل : المستسلمون بعض والحالفون بعض فافهم والله تعالى أعلم . (10/271)
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88)
{ الذين كَفَرُواْ } في أنفسهم { وَصُدُّواْ } غيرهم { عَن سَبِيلِ الله } بمنع من يريد الإسلام عنه وبحمل من استخفوه على الكفر فالصد عن السبيل أعم من المنع عنه ابتداءً وبقاءً كذا قيل : والظاهر الأول ، والظاهر أن الموصول مبتدأ وقوله تعالى : { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } خبره ، وجوز ابن عطية كون الموصول بدلاً من فاعل { يَفْتَرُونَ } [ النحل : 87 ] ويكون { زِدْنَاهُمْ } مستأنفاً ، وجوز بعضهم كون الأول نصباً على الذم أو رفعاً عليه فيضمر الناصب والمبتدأ وجوباً و { زِدْنَاهُمْ } بحاله ، وهذه الزيادة إما بالشدة أو بنوع آخر من العذاب والثاني هو المأثور ، فقد أخرج ابن مردويه . والخطيب عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال : « عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم » وروى نحوه الحاكم وصححه . والبيهقي . وغيره عن ابن مسعود . (10/272)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم وأفاعي كأنهم البخاتي فتضربهم فذلك الزيادة ، وعن ابن عباس أنها أنهار من صفر مذاب يسيل من تحت العرش يعذبون بها ، وعن الزجاج يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } متعلق بزدناهم أي زدناهم عذاباً فوق العذاب الذي يستحقونه بكفرهم بسبب استمرارهم على الإفساد وهو الصد عن السبيل ، وجوز أن يفسر ذلك بما هو أعم من الكفر والصد ، والمعنى زدناهم عذاباً فوق عذابهم الذي يستحقونه بمجرد الكفر والصد بسبب استمرارهم على هذين الأمرين القبيحين ، ووجه ذلك أن البقاء على المعصية يومين مثلاً أقبح من البقاء عليها يوماً والبقاء ثلاثة أيام أقبح من البقاء يومين وهكذا ، ومن هنا قالوا : الإصرار على الصغيرة كبيرة ، وقيل : إن أهل جهنم يستحقون من العذاب مرتبة مخصوصة هي ما يكون لهم أول دخولها والزيادة عليها إنما هي لحفظها إذ لو لم تزد لألفوها وطابت أنفسهم بها كمن وضع يده في ماء حار مثلاً فإنه يجد أول زمان وضعها ما لا يجده بعد مضي ساعة وهو كما ترى .
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ } وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نبيهم الذي بعث فيهم في الدنيا ، ومعنى كونه { مّنْ أَنفُسِهِمْ } أنه منهم ، وذلك ليكون أقطع للمعذرة ، ولا يرد لوط عليه السلام فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم أيضاً ، وقال ابن عطية : يجوز أن يبعث الله تعالى شهداء من الصالحين مع الأنبياء عليهم السلام ، وقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم : إذا رأيت أحداً على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيداً عليه يوم القيامة ، وذكر الإمام في الآية قولين الأول أن كل نبي شاهد على قومه كما تقدم ، والثاني إن كل قرن وجمع يحصل في الدنيا فلا بد أن يحصل فيهم من يكون شهيداً عليهم ولا بد أن لا يكون جائز الخطأ وإلا لاحتاج إلى آخر وهكذا فيلزم التسلسل ، ووجود الشهيد كذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر وأما بعده فلا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وهم قائمون مقام الشهيد المعصوم ، ثم قال : وهذا يقتضي أن يكون إجماع الأمة حجة انتهى ، وإلى أنه لا بد في كل عصر ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ذهب الجبائي وأكثر المعتزلة ، قال الطبرسي في «مجمع البيان» : ومذهبهم يوافق مذهب أصحابنا يعني الشيعة وإن خالفه في أن ذلك الحجة من هو . وأنت تعلم أن الاستدلال بالآية على هذا المطلب ضعيف ، وتحقيق الكلام في ذلك يطلب من محله . (10/273)
وقال الأصم : المراد بالشهيد أجزاء من الإنسان ، وذلك أنه تعالى ينطق عشرة أجزاء منه وهي الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان فتشهد عليه لأنه سبحانه قال في صفة الشهيد من أنفسهم .
وتعقبه القاضي . وغيره بأن كونه شهيداً على الأمة يقتضي أن يكون غيرهم ، وأيضاً قوله تعالى : { مِن كُلّ أمَّةٍ } يأبى ذلك إذ لا يصح وصف آحاد الأعضاء بأنها من الأمة؛ وأيضاً مقابلة ذلك بقوله سبحانه : { وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا على هَؤُلآء } يبعد ما ذكر كما لا يخفى ، والمراد بهؤلاء أمته صلى الله عليه وسلم عند أكثر المفسرين ، ولم يستبعد أن يكون المراد بهم ما يشمل الحاضرين وقت النزول وغيرهم إلى يوم القيامة فإن أعمال أمته عليه الصلاة والسلام تعرض عليه بعد موته .
فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه وما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم " بل جاء أن أعمال العبد تعرض على أقاربه من الموتى ، فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تفضحوا أمواتكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور " وأخرج أحمد عن أنس مرفوعاً " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيراً استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتعهم حتى تهديدهم كما هديتنا " وأخرجه أبو داود من حديث جابر بزيادة " وألهمهم أن يعملوا بطاعتك " (10/274)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء أنه قال : «إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساؤن» فكان أبو الدرداء يقول عند ذلك : اللهم إني أعوذ بك أن يمقتني خالي عبد الله بن رواحة إذا لقيته يقول ذلك في سجوده . والنبي صلى الله عليه وسلم لأمته بمنزلة الوالد بل أولى ، ولم أقف على عرض أعمال الأمم السابقة على أنبيائهم بعد الموت ولم أر من تعرض لذلك لا نفياً ولا إثباتاً ، فإن قيل : إنها تعرض فأمر الشهادة مما لا غبار عليه في نبي لم يبعث في أمته بعد خلوهم عنه نبي آخر ، وإن قيل : إنها لا تعرض احتاج أمر الشهادة إلى الفحص عن وجود أمر يفيد العلم المصحح لها أو التزام أن الشهيد ليس هو النبي وحده كما سمعت فيما سبق ، ثم إن حديث العرض على نبينا عليه الصلاة والسلام يشكل عليه حديث " ليذادن عن الحوض أقوام " الخبر ، وقد ذكر ذلك المناوي ولم يجب عنه ، وقد أجبت عنه في بعض تعليقاتي فتأمل ، وقيل : المراد بهم شهداء الأمم وهم الأنبياء عليهم السلام لعلمه عليه الصلاة والسلام بعقائدهم واستجماع شرعه لقواعدهم لا الأمة لأن كونه صلى الله عليه وسلم شهيداً على أمته علم مما تقدم فالآية مسوقة لشهادته عليه الصلاة والسلام على الأنبياء صلى الله عليه وسلم فتخلو عن التكرار . ورد بأن المراد بشهادته عليه الصلاة والسلام على أمته تزكيته وتعديله لهم بعد أن يشهدوا على تبليغ الأنبياء عليهم السلام حسبما علموه من كتابهم وهذا لم يعلم مما مر ليكون تكراراً وهو الوارد في الحديث ، وقد ذكره غير واحد في تفسيره قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة : 143 ] و { على } لا مضرة فيها وإن ضرت فالضرر مشترك . نعم لم يفهم مما قبل شهادة هذه الأمة على تبليغ الأنبياء عليهم السلام ليظهر كون هذه الشهادة للتزكية كما في آية البقرة ، ولعل الأمر في ذلك سهل . وفي إرشاد العقل السليم أن قوله تعالى : { وَيَوْمَ نَبْعَثُ } تكرير لما سبق تثنية للتهديد ، والمراد بهؤلاء الأمم وشهداؤهم ، وإيثار لفظ المجىء على البعث لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع انتهى .
وتعقب بأن حمل { هَؤُلاء } على ما ذكر خلاف الظاهر ، وجوز أن يكون إيثار المجىء على البعث للإيذان بالمغايرة بين الشهادتين بناءً على أن شهادته صلى الله عليه وسلم على أمته للتزكية ولا كذلك شهادة سائر الأنبياء عليهم السلام على أممهم . (10/275)
والظرف معمول لمحذوف كما مر ، والمراد به يوم القيامة { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } الكامل في الكتابية الحقيق بأن يخص به اسم الجنس ، وهذا على ما في «البحر» استئناف أخبار وليس داخلاً مع ما قبله لاختلاف الزمانين .
وجوز غير واحد كونه حالاً بتقدير قد ، وذكر بعض الأفاضل أن قوله تعالى : { وَجِئْنَا بِكَ } الخ إن كان كلاماً مبتدأ غير معطوف على قوله سبحانه : { نَبْعَثَ } و { شَهِيداً } حالاً مقدرة فلا إشكال في الحالية وإن كان عطفاً عليه ، والتعبير بالماضي لما عرف في أمثاله ، فمضمون الجملة الحالية متقدم بكثير فلا يتمشى التأويل الذي ذكروه في تصحيح كون الماضوية حالاً هنا ، ففي صحة كونه حالاً كلام إلا أن يبني على عدم جريان الزمان عليه سبحانه وتعالى . وتعقب بأنه ليس شيء لأن قوله سبحانه : { تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } يدخل فيه العقائد والقواعد بالدخول الأولى ، وذلك مستمر إلى البعث وما بعده ، ولا حاجة إلى ما قيل من أن المعنى بحيث أو بحال أنا كنا نزلنا عليك وتلك الحيثية ثابتة له سبحانه وتعالى إلى الأبد انتهى ، وفيه نظر .
وزعم بعضهم أن الجملة حال من ضمير الرفع في الفعل العامل في الظرف أي خوفهم ذلك اليوم وقد نزلنا عليك الكتاب ، وهو كما ترى والأسلم الاستئناف؛ والتبيان مصدر يدل على التكثير على ما روى ثعلب عن الكوفيين . والمبرد عن البصريين ، قال سلامة الأنباري في «شرح المقامات» : كل ما ورد من المصادر عن العرب على تفعال فهو بفتح التاء إلا لفظتين وهما تبيان وتلقاء ، وقال ابن عطية : هو اسم وليس بمصدر ، وهذه الصيغة أيضاً في الأسماء قليلة ، فعن ابن مالك أنه قال في «نظم الفوائد» : جاء على تفعال بالكسر وهو غير مصدر رجل تكلام وتلقام وتلعاب وتمساح للكذاب وتضراب للناقة القريبة بضراب الفحل وتمراد لبيت الحمام وتلفاف لثوبين ملفوفين وتجفاف لما تجلل به الفرس وتهواء لجزء ماض من الليل وتنبال للقصير اللئيم وتعشار وتبارك لموضعين ، وزاد ابن جعوان تمثال وتيفاق لموافقة الهلال ، واقتصر أبو جعفر النحاس في «شرح المعلقات» على أقل من ذلك فقال : ليس في كلام العرب على تفعال إلا أربعة أسماء وخامس مختلفت فيه يقال تبيان ويقال لقلادة المرأة تقصار وتعشار وتبراك والخامس تمساح وتمسح أكثر وأفصح انتهى ، والمعروف أن { تِبْيَانًا } مصدر وليس باسم وإن قيل : إنه قول أكثر النحويين ، وجوز الزجاج فيه الفتح في غير القرآن ، والمراد من { كُلّ شَىْء } على ما ذهب إليه جمع ما يتعلق بأمور الدين أي بياناً بليغاً لكل شيء يتعلق بذلك ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم عليهم السلام ، وكذا ما أخبرت به هذه الآية من بعث الشهداء وبعثه عليه الصلاة والسلام ، فانتظام الآية بما قبلها ظاهر ، والدليل على تقدير الوصف المخصص لشيء المقام وأن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي لبيان الدين ، ولذا أجيب السؤال عن الأهلة بما أجيب ، وقال صلى الله عليه وسلم :
« أنتم أعلم بأمور دنياكم » وكون الكتاب تبياناً لذلك باعتبار أن فيه نصاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة حيث أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل فيه : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } [ النجم : 3 ] وحثا على الإجماع في قوله سبحانه : { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } [ النساء : 115 ] الآية فإنها على ما روي عن الشافعي وجماعة دليل الإجماع ، وقد رضي صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه حيث قال عليه الصلاة والسلام : { عَلَيْكُمْ } وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق الاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس مستندة إلى تبيان الكتاب ، وقال بعض : { قَدِيرٌ ءامَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون كُلٌّ } للتكثير والتفخيم كما في قوله تعالى : { تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا } [ الأحقاف : 25 ] إذ يأبى الإحاطة والتعميم ما في التبيان من المبالغة في البيان وأن من أمور الدين تخصيصاً لا يقتضيه المقام . ورد الثاني بما سمعت آنفاً؛ والأول بأن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية كما قيل في قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] إنه من قولك : فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ، ومنه قوله سبحانه : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } [ البقرة : 270 ] وقال بعضهم : لكل من القولين وجهة والمرجح للأول إبقاء { كُلٌّ } على حقيقتها في الجملة ، وتعقب بأنه يرجح الثاني إبقاء { شَىْء } على العموم وسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل ومن المجاز على قول . نعم ذهب أكثر المفسرين إلى اعتبار التخصيص وروي ذلك عن مجاهد . (10/276)
وقال الجلال المحلي في الرد على من لم يجوز تخصيص السنة بالكتاب : إنه يدل على الجواز قوله تعالى : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } وإن خص من عمومه ما خص بغير القرآن ، وتوجيه كونه تبياناً لكل ما يتعلق بالدين بما تقدم هو الذي يقتضيه كلام غير واحد من الأجلة ، فعن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال مرة بمكة : سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله تعالى فقيل له : ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] وحدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمانعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
« اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر » وحدثنا سفيان عن مسعر بن كدام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه أمر بقتل المحرم الزنبور ، وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال : « لعن الله تعالى الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى » فقالت له امرأة في ذلك فقال : مالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى فقالت له : لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول فقال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا } [ الحشر : 7 ] قالت : بلى . قال : فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه . (10/277)
وذهب بعضهم إلى ما يقتضيه ظاهر الآية غير قائل بالتخصيص ولا بأن { كُلٌّ } للتكثير فقال : ما من شيء من أمر الدين والدنيا ألا يمكن استخراجه من القرآن وقد بين فيه كل شيء بياناً بليغاً واعتبر في ذلك مراتب الناس في الفهم فرب شيء يكون بياناً بليغاً لقوم ولا يكون كذلك لآخرين بل قد يكون بياناً لواحد ولا يكون بياناً لآخر فضلاً عن كون البيان بليغاً أو غير بليغ وليس هذا التفاوت قوى البصائر ، ونظير ذلك اختلاف مراتب الإحساس لتفاوت قوى الإبصار ، وقيل : معنى كونه تبياناً أنه كذلك في نفسه وهو لا يستدعي وجود مبين له فضلاً عن تشارك الجميع في تحقق هذا الوصف بالنسبة إليهم بأن يفهموا حال كل شيء منه على أتم وجه ، ونظير ذلك الشمس فإنها منيرة في حد ذاتها ، وإن لم يكن هناك مستنير أو ناظر ، ويغني عن هذا الاعتبار اعتبار أن المبالغة بحسب الكمية لا الكيفية ، ويؤيد القول بالظاهر أن الشيخ الأكبر قدس سره وغيره قد استخرجوا منه ما لا يحصى من الحوادث الكونية . وقد رأيت جد ولا حرفياً منسوباً إلى الشيخ كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل المحشر ، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل الجنة ، وآخر كتب عليه أنه يعرف منه حوادث أهل النار وكل ذلك على ما يزعمون مستخرج من الكتاب الكريم ، ومثل هذا الجفر الجامع المنسوب إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه فإنهم قالوا : إنه جامع لما شاء الله تعالى من الحوادث الكونية وهو أيضاً مستخرج من القررن العظيم .
وقد نقل الجلال السيوطي عن المرسي أنه قال : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن عباس وابن مسعود حتى قال الأول : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا علومه وقامت كل طائفة بفن من فنونه ، وقيل : لا يخلو الزمان من عارف بجميع ذلك وهو الوارث المحمدي ويسمى الغوث وقطب الأقطاب والمظهر الأتم ومظهر الاسم الأعظم إلى غير ذلك ، ويرد على هؤلاء القائلين حديث التأبير وقوله صلى الله عليه وسلم :
« أنتم أعلم بأمور دنياكم » وأجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم قبل نزول ما يعلم منه عليه الصلاة والسلام حال التأبير ، ويحتمل أن يكون بعد النزول وقال ذلك صلى الله عليه وسلم قبل الرجوع إليه والنظر فيه ولو رجع ونظر لعلم فوق ما علموا فأعلميتهم بأمور دنياهم إنما جاءت لكون علمهم بذلك لا يحتاج إلى الرجوع والنظر وعلمه عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى ذلك وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : « لو استقبلت ما استدبرت لما سقت الهدى » مع أن سوق الهدى من الأمور الدينية ، وقد قالوا : إن القرآن العظيم تبيان لها ، وهذا يرد عليهم لولا هذا الجواب فتأمل فالبحث بعد غير خال عن القيل والقال ، وقال بعضهم : إن الأمور إما دينية أو دنيوية والدنيوية لا اهتمام للشارع بها إذ لم يبعث لها والدينية إما أصلية أو فرعية والاهتمام بالفرعية دون الاهتمام بالأصلية فإن المطلوب أولاً بالذات من بعثة الأنبياء عليهم السلام هو التوحيد وما أشبهه بل المطلوب من خلق العباد هو معرفته تعالى كما يشهد له قوله سبحانه : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56 ] بناءً على تفسير كثير العبادة بالمعرفة ، وقوله تعالى في الحديث القدسي المشهور على الألسنة المصحح من طريق الصوفية : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » والقرآن العظيم قد تكفل ببيان الأمور الدينية الأصلية على أتم وجه فليكن المراد من ( كُلّ شَىْء ) ذلك ، ولا يحتاج هذا إلى توجيه كونه تبياناً إلى ما احتاج إليه حمل ( كُلّ شَىْء ) على أمور الدين مطلقاً من قولنا : إنه باعتبار أن فيه نصاً على البعض وإحالة للبعض الآخر على السنة الخ ، واختار بعض المتأخرين أن ( كُلّ شَىْء ) على ظاهره إلا أن المراد بالتبيان التبيان على سبيل الإجمال وما من شيء إلا بين في الكتاب حاله إجمالاً ، ويكفي في ذلك بيان بعض أحواله والمبالغة باعتبار الكمية لا الكيفية على ما علمت سابقاً ، ولو حمل التبيان على ما يعم الإجمال والتفصيل مع اعتبار مراتب المبين لهم واعتبر التوزيع جاز أيضاً فليتدبر ، ونصب { تِبْيَانًا } على الحال كما قال أبو حيان . (10/278)
وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي نزلنا عليك الكتاب لأجل التبيان { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } للجميع بقرينة قوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] وحرمان الكفرة من جهة تفريطهم { وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة ، وجوز صرف الجميع لهم لأنهم المنتفعون بذلك أو لأنه الهداية الدلالة الموصلة والرحمة الرحمة التامة .
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
{ إِنَّ الله يَأْمُرُ } أي فيما نزله عليك تبياناً لكل شيء ، وإيثار صيغة الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجدد والاستمرار { بالعدل } أي بمراعاة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، وهو رأس الفضائل كلها يندرج تحته فضيلة القوة العقلية الملكية من الحكمة المتوسطة بين الجربزة والبلادة ، وفضيلة القوة الشهوية البهيمية من العفة المتوسطة بين الخلاعة والجمود ، وفضيلة القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن . (10/279)
فمن الحكم الاعتقادية التوحيد المتوسط بين التعطيل ونفي الصنائع كما تقوله الدهرية والتشريك كما تقوله الثنوية والوثنية ، وعليه اقتصر ابن عباس في تفسير { *العدل } على ما رواه عنه البيهقي في الأسماء والصفات . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم ، وضم إليه بعضهم القول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر . ومن الحكم العملية التعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة وترك العمل لزعم أنه لا فائدة فيه إذ الشقي والسعيد متعينان في الأزل كما ذهب إليه بعض الملاحدة والترهب بترك المباحات تشبيهاً بالرهبان . ومن الحكم الخلقية الجد المتوسط بين البخل والتبذير . وعن سفيان بن عيينة أن العدل استواء السريرة والعلانية في العمل . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : دعاني عمر بن عبد العزيز فقال لي : صف لي العدل فقلت بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتكون من العادين ، ولعل اختيار ذلك لأنه الأوفق بمقام السائل وإلا فما تقدم في تفسير أولى .
{ والإحسان } أي إحسان الأعمال والعبادة أي الاتيان بها على الوجه اللائق ، وهو إما بحسب الكيفية كما يشير إليه ما رواه البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » أو بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل الجابرة لما في الواجبات من النقص ، وجوز أن يراد بالإحسان الإحسان المتعدي بإلى لا المتعدي بنفسه فإنه يقال : أحسنه وأحسن إليه أي الإحسان إلى الناس والتفضل عليهم ، فقد أخرج ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي عن أبيه قال : مر علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه بقوم يتحدثون فقال : فيم أنتم؟ فقالوا : نتذاكر المروءة فقال : أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه إذ يقول : { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } فالعدل الانصاف والإحسان التفضل فما بقي بعد هذا ، وأعلى مراتب الإحسان على هذا الإحسان إلى المسيء وقد أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : قال عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام : إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعدما فسر العدل بالتوحيد فسر الإحسان بإداء الفرائض ، وفيه اعتبار الإحسان متعدياً بنفسه ، وقيل : العدل أن ينصف وينتصف والإحسان أن ينصف ولا ينتصف؛ وقيل : العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال .