صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : شهاب الدين محمود ابن عبدالله الحسيني الألوسي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

/ وحاصل ما أشرنا إليه أن ذلك من عموم المجاز ، والأمر على احتمال أن يراد من ذاك الجمادات ظاهر ، وزعم بعضهم أن السجود حقيقة مطلقاً وهو الوقوع على الأرض على قصد العبادة ويستدعي ذلك الحياة والعلم لتقصد العبادة ، وليس بشيء كما لا يخفى ، ثم إن قلنا على هذا الوجه : إن الواو حالية كما أشير إليه فالحالات مترادفتان ، وتعدد الحال جائز عند الجمهور ، ومن لم يجوز جعل الثانية بدل اشتمال أو بدل كل من كل كما فصله السمين ، وإن قلنا : إنها عاطفة فلا تكون الحال مترادفة بل متعاطفة ، وقال أبو البقاء : { سُجَّدًا } حال من الظلال { وَهُمْ داخرون } حال من الضمير في { سُجَّدًا } ويجوز أن يكون حالاً ثانية معطوفة اه ، وفيه القول بالتداخل وهو محتمل على تقدير كون { سُجَّدًا } حالاً من ضمير { ظلاله } والوجه الأول هو المختار عند الزمخشري ، ورجحه في «الكشف» فقال : إن انقياد الظل وذي الظل مطلوب ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { وظلالهم بالغدو والاصال } [ الرعد : 15 ] فجاعلهما حالاً من الضمير في { ظلاله } مقصر ، وفيه تكميل حسن لما وصف الظلال بالسجود وصف أصحابها بالدخور الذي هو أبلغ لأنه انقياد قهري مع صفة المنقاد ، ولم يجعل حالاً من الراجع إلى الموصول في { خَلَقَ الله } إذ المعنى على تصوير سجود الظل وذيه وتقارنهما في الوجود لا على مقارنة الخلق والدخور ، والعامل في الحال الثاني { *يتفيؤ } على ما قال ابن مالك في قوله تعالى : { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ البقرة : 135 ] اه ، ومنه يعلم ما في إعراب أبي البقاء . نعم أن في هذا الوجه بعداً لفظياً والأمر فيه هين ، وأما جعل { وَهُمْ داخرون } { وانشق القمر وَإِن يَرَوْاْ } فمما لا يصح بحال كما لا يخفى .
هذا وذكر الإمام في اليمين والشمال قولين غير ما تقدم . الأول : أن المراد بهما المشرق والمغرب تشبيهاً لهما بيمين الإنسان وشماله فإن الحركة اليومية آخذة من المشرق وهوى أقوى الجانبين فهو اليمين والجانب الآخر الشمال فالظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدىء من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها . والثاني : يمين البلد وشماله ، وذلك أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل الكلي وهو «كجل يز أو كحله» على اختلاف الارصاد فإن في الصيف تحصل الشمس على يمين تلك البلدة وحينئذ تقع الإظلال على يسارها وفي الشتاء بالعكس ، ولا يخفى ما في الثاني فإنه مختص بقطر مخصوص والكلام ظاهر في العموم ، وقيل : المراد باليمين والشمال يمين مستقبل الجنوب وشماله ، و { عَنْ } كما قال الحوفي متعلقة { *بيتفيؤ } وقال أبو البقاء : متعلقة بمحذوف وقع حالاً ، وقيل : هي اسم بمعنى جانب فتكون في موضع نصب على الظرفية ، ولهم في توحيد { عَنِ اليمين } وجمع { *الشمائل } وهو جمع غير قياسي كلام طويل .

(10/183)


فقيل : إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ المفرد كقوله تعالى : { جَعَلَ * الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] و { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ } [ البقرة : 7 ] وقيل : إذا فسرنا اليمين بالمشرق كان النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها فكانت اليمين واحدة ، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الاظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة فلذلك عبر عنها بصيغة الجمع ، وقيل : اليمين مفرد لفظاً لكنه جمع معنى فيطابق الشمائل من حيث المعنى ، وقال الفراء : إنه يحتمل أن يكون مفرداً وجمعاً فإن كان مفرداً ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإن جان جمعاً ذهب إلى كلها لأن ما خلق الله لفظه واحد ومعناه الجمع ، وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ باليمين لأن ابتداء التفيء منها أو تيمناً بذكرها ، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين الشمال واليمين من التضاد ، ونزل الخلف والقدام منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف ، وهو قريب من الأول . وتعقب بأن فيه جمع اللفظ باعتبار حقيقته ومجازه وفي صحته مقال ، وقيل : المراد باليمين يمين الواقف مستقبل المشرق ويسمى الجنوب وبالشمال شماله فكأنه قيل : يتفيؤ ظلاله عن الجنوب إلى الشمال وعن الشمال إلى الجنوب ولما كان غالب المعمورة شمالي وظلالها كذلك جمع الشمال ولم يجمع اليمين ، وهو كما ترى ، ونقل أبو حيان عن أستاذه الحسن علي بن الصائغ أنه أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى مه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة ، وهو في العشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان ، هذا من جهة المعنى وأما منجهة اللفظ فجمع الثاني ليطابق { سُجَّدًا } المجاور له شمالاً كما أفرد الأول ليطابق ضمير { ظلاله } المجاور له يميناً ، ولا يخفى ما في التقديم والتأخير من حسن رعاية الأصل والفرع أيضاً ، فحصل في الآية مطلقة اللفظ للمعنى وملاحظتهما معاً وتلك الغاية في الإعجاز ، ويخطر لي وجه آخر في الأفراد والجمع مبني على أن المراد باليمين جهة المشرق وبالشمال جهة المغرب ، وهو أنه لما كانت الجهة الأولى مطلع النور والجهة الثانية مغربه ومظهر الظلمة أفرد ما يدل على الجهة الأولى كما أفرد { النور } في كل القرآن ، وجمع يدل على الجهة الثانية كما جمع الظلمة كذلك وإفراد النور وجمع الظلمة تقدم الكلام فيهما ، وقد يقال : إن جمع الظلال مع إفراد ما قبله وما بعده لأن الظل ظلمة حاصلة من حجب الكثيف الشمس مثلاً عن أن يقع ضوؤها على ما يقابله فجمعت الظلال كما جمعت الظلمات ، ولا يعكر على هذا أنه جمعت المشارق في القرآن كالمغارب إذ كثيراً ما يرتكب أمر لنكتة في مقام ولا يرتكب لها في مقام آخر ، وآخر أيضاً وهوأنه لما كان اليمين عبارة عن جهة المشرق وهو مبدأ الظل وحده مناسبته لتوحيد المبدأ الحقيقي وهو الله تعالى ولا كذلك جهة المغرب ، ولايناسب رعاية نحو هذا في الشمال كما يرشدك إلى ذلك و { كِلْتَا * يَدَيْهِ * يَمِينٍ } ويعين على ملاحظة المبدئية نسبة الخلق إليه تعالى ، وآخر أيضاً وهو أن الظل الجائي من جهة المشرق لا يتعلق به أمر شرعي والجائي من جهة المغرب يتعلق به ذلك ، فإن صلاة الظهر يدخل وقتها بأول حدوثه من تلك الجهة بزوال الشمس عن وسط الماء ، ووقت العصر بصيرورته مثل الشاخص أو مثليه بعد ظل الزوال إن كان كما في الآفاق المائلة ، ووقت المغرب بشموله البسيطة بغروب الشمس ، وما ألطف وقوع { سُجَّدًا } بعد { *الشمائل } على هذا؛ وآخر أيضاً وهو أوفق بباب الإشارة وسيأتي فيه إن شاء الله تعالى الفتاح ، وبعد لمسلك الذهن اتساع فتأمل فلعل ما ذكرته لا يرضيك .

(10/184)


وقد بين الإمام أن اختلاف الظلال دليل على كونها منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره سبحانه ، ثم قال : فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اختلافها معلل باختلاف الشمس؟ قلنا : قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته فلا بد أن يكون تحركه من غيره ولا بد من الاستناد بالآخرة إلى واجب الوجود جل شأنه فيرجع أمر اختلاف الظلال إليه تعالى على هذا التقدير .
وأنت تعلم أنه لا ينبغي أن يتردد في أن السبب الظاهري للظلال هو الشمس ونحوها وكثافة الشاخص ، نعم في كون ذلك مستنداً إليه تعالى في الحقيقة ابتداء أو بالواسطة خلاف ، ومذهب السلف غير خفي عليك فقد أشرنا إليه غير مرة فتذكره إن لم يكن على ذكر منك ، ثم الظاهر أن المراد بالظلال الظلال المبسوطة وتسمى المستوية ، ويجوز أن يراد بها ما يشمل الظلال المعكوسة فإنها أيضاً تتفيؤ عن اليمين والشمائل فاعرف ذلك ولا تغفل ، وقرأ أبو عمرو . وعيسى . ويعقوب { *تتفيؤ } بالتاء على التأنيث ، وأمر التأنيث والتذكير في الفعل المسند لمثل الجمع المذكور ظاهر .
وقرأ عيسى { يَتَفَيَّأُ ظلاله } وهو جمع ظلة كحلة وحلل؛ قال «صاحب اللوامح» : الظلة بالضم الغيم وأما بالكسر فهو الفىء والأول جسم والثاني عرض ، فرأى عيسى أن التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى ، وأما في العامة فعلى الاستعارة اه ، ويلوح منه القول بالقراءة بالرأي ، ومن الناس من فر الظلال في قراءة العامة بالأشخاص لتكون على نحو قراءة عيسى ، وأنشدوا لاستعمال الظلال في ذلك قول عبدة :

(10/185)


إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
فإنه إنما تنصب الأخبية لا الظل الذي هو الفيء ، وقول الآخر :
يتبع أفياء الظلال عشية ... فإنه أراد أفياء الأشخاص . وتعقب ذلك الراغب بأنه لا حجة فيما ذكر فإن قوله : رفعنا ظل أخبية معناه رفعنا الأخبية فرفعنا بها ظلها فكأنه رفع الظل ، وقوله : أفياء الظلال فالظلام فيه عام والفيء خاص والإضافة من إضافة الشيء إلى جنسه ، وقال بعضهم : المراد من الظلة في قراءة عيسى الظل الذي يشبه الظلة ، والمراد بها شيء كهيئة الصفة في الانتفاع به وقيل : الكلام في تلك القراءة على حذف مضاف أي ظلال ظلله ، وتفسير الظلة بما هو كهيئة الصفة ، والمتبادر من الظل حينئذ الظل المعكوس . ثم إنه تعالى بعد أن ذكر ما ذكر أردفه بما يفيده تأكيداً مع زيادة سجود ما لا ظل له فقال سبحانه :

(10/186)


وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)

{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } أو أنه سبحانه بعد ما بين سجود الظلال وذويها من الأجرام السفلية الثابتة في إحيازها ودخورها له سبحانه شرع في شأن سجود المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أم لا؟ فقال عز من قائل ما قال ، والمراد بالسجود على ما ذكره غير واحد الانقياد سواء كان انقياداً لإرادته تعالى وتأثيره طبعاً أو انقياداً لتكليفه وأمره طوعاً ليصح إسناده إلى عامة أهل السموات والأرض من غير جمع بين الحقيقة والمجاز ولكون الآية آية سجدة لا بد من دلالتها على السجود المتعارف ولو ضمنا ، والاسم الجليل متعلق بيسجد والتقديم لإفادة القصر وهو ينتظم القلب والإفراد إلا أن الأنسب بحال المخاطبين قصر الافراد كما يؤذن به قوله تعالى : { وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } [ النحل : 51 ] أي له تعالى وحده ينقاد ويخضع جميع ما في السموات وما في الأرض { مِن دَابَّةٍ } بيان لما فيهما بناء على أن الذبيب هو الحركة الجسمانية سواء كان في أرض أو سماء ، والملائكة أجسام لطيفة غير مجردة وتقييد الذبيب بكونه على وجه الأرض لظهوره أو لأنه أصل معناه وهو عام هنا بقرينة المبين ، وقوله سبحانه : { والملئكة } عطف على محل الدابة المبين به وهو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف لأن { مِنْ } البيانية لا تكون ظرفاً لغواً وهو من عطف الخاص على العام إفادة لعظم شأن الملائكة عليهم السلام ، وجوز أن يكون من عطف المباين بناء على أن يراد بما في السموات الجسمانية ويلتزم القول بتجرد الملائكة عليهم السلام فلا يدخلون فيما في السموات لأن المجردات ليست في حيز وجهة وبعضهم استدل بالآية على تجرد الملائكة بناء على أن ما في السموات وما في الأرض بين أحدهما بالدابة والآخر بالملائكة والأصل في التقابل التغاير ، والدابة المتحركة حركة جسمانية فلا يكون مقابلها من الأجسام لأن الجسم لا بد فيه من حركة جسمانية ، ولا يخفى أنه دليل اقناعي إذ يحتمل كونه تخصيصاً بعد تعميم كما سمعت آنفاً أو هو بيان لما في الأرض ، والدابة اسم لما يدب على الأرض و { الملائكة } عطف على ما في السموات وهو تكرير له وتعيين إجلالاً وتعظيماً ، وذكر غير واحد أنه من عطف الخاص على العام لذلك أيضاً ، وجوز أن يراد بما في السموات الخلق الذين يقال لهم الروح ويلتزم القول بأنهم غير الملائكة عليهم السلام فكيون من عطف المباين أو هما بيان لما في الأرض ، والمراد بالملائكة عليهم السلام ملائكة يكونون فيها كالحفظة والكرام الكاتبين ولايراد بالدابة ما يشملهم ، و { مَا } إذا قلنا : إنها مختصة بغير العقلاء كما يشهد له خبر ابن الزبعري فاستعمالها هنا في العقلاء وغيرهم للتغليب ، وأما إن قلنا أن وضعها لأن تستعمل في غير العقلاء وفيما يعم العقلاء وغيرهم كالشبح المرئي الذي لا يعرف أنه عاقل أو لا فإنه يطلق عليه ما حقيقة فالأمر على ما قيل غير محتاج إلى تغليب ، وفي «أنوار التنزيل» أن { مَا } استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليبا ، وفي «الكشاف» أنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولاً للعقلاء خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم وهو جواب عن سبب اختيار ما على من ، وحاصله على ما في «الكشف» أن من للعقلاء والتغليب مجاز فلو جيء بغير قرينة تعين الحقيقة والمقام يقتضي التعميم فجيء بما يعم وهو ما وأراد أن لا دليل في اللفظ ، وقرينة العموم في السابق لا تكفي لجواز تخصيصهم من البين بعد التعميم على أن اقتضاء المقام العموم وما في التغليب من الخصوص كاف في العدول انتهى .

(10/187)


وقيل بناء على أن ما مختصه بغير العقلاء ومن مختصة بالعقلاء : إن الاتيان بما وارتكاب التغليب أوفق بتعظيم الله تعالى من الاتيان بمن وارتكاب ذلك فليفهم { وَهُمْ } أي الملائكة علو شأنهم { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن عبادته تعالى شأنه والسجود له ، وتقدير الضمير ليس للقصر ، والسين ليست للطلب وقيل : له على معنى لا يطلبون ذلك فضلاً عن فعله والاتصاف به . وإذا قلنا : إن صيغة المضارع لاستمرار التجددي فالمراد استمرار النفي . والجملة إما حال من فاعل { يَسْجُدُ } مسنداً إلى الملائكة أو استئناف للأخبار عنهم بذلك ، وإنما لم يجعل الضمير لما لاختصاصه بأولى العلم وليس المقام التغليب ، وخالف في ذلك بعضهم فجعله لها وكذا الضمير في قوله سبحانه : { يخافون رَبَّهُمْ } وممن صرح بعود الضمير فيه على { مَا } أبو سليمان الدمشقي ، وقال أبو حيان : أنه الظاهر ، وذهب ابن السائب ومقاتل إلى ما قلنا أي يخافون مالك أمرهم .

(10/188)


يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)

{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ } وممن صرح بعود الضمير فيه على { ما } [ النحل : 49 ] أبو سليمان الدمشقي ، وقال أبو حيان : إنه الظاهر ، وذهب ابن السائب ومقاتل إلى ما قلنا أي يخافون مالك أمرهم .
{ مّن فَوْقِهِمْ } إما متعلق بيخافون وخوف ربهم كناية عن خوف عذابه أو الكلام على تقدير مضاف هو العذاب على ما هو الظاهر أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من { رَّبُّهُمْ } أي كائناً من فوقهم ، ومعنى كونه سبحانه فوقهم قهره وغلبته لأن الفوقية المكانية مستحيلة بالنسبة إليه تعالى ، ومذهب السلف قد أسلفناه لك وأظنه على طكر منك .
والجملة حال من الضمير في { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } [ النحل : 49 ] وجوز أن تكون بياناً لنفي الاستكبار وتقريراً له لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته ، واختاره ابن المنير وقال : إنه الوجه ليس إلا لئلا يتقيد الاستكبار وليدل على ثبوت هذه الصفة أيضاً على الإطلاق ، ولا بد أن يقال على تقدير الحالية : أنها حال غير منتقلة وقد جاءت في الفصيح بل في أفصحه على الصحيح ، وفي اختيار عنوان الربوبية تربية للمهابة وإشعار بعلة الحكم .
{ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات وإيراد الفعل مبيناً للمفهول جرى على سنن الجلالة وإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استناده إلى غيره سبحانه ، واستدل بالآية على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء ، أما دلالتها على التكليف فلمكان الأمر ، وأما على الخوف فهوأظهر من أن يخفى ، وأما على الرجاء فلاستلزام الخوف له على ما قيل ، وقيل : إن اتصافهم بالرجاء لأن من خدم أكرم الأكرمين كان من الرجاء بمكان مكين ، وزعم بعضهم أن خوفهم ليس إلا خوف إجلال ومهابة لا خوف وعيد وعذاب ، ويرده قوله تعالى : { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 28 ، 29 ] ولا ينافي ذلك عصمتهم ، وقال الإمام : الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال ، وذكر أنه نقل عن ابن عباس واستدل له بقوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] وفي القلب منه شيء ، والحق أن الآية لا تصلح دليلاً لكون الملائكة أفضل من البشر . واستدل بها فرقة على ذلك من أربعة أوجه ذكرها الإمام ولم يتعقبها بشيء لأنه ممن يقول بهذه الأفضلية ، وموضع تحقيق ذلك كتب الكلام .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : { أتى أَمْرُ الله } وهو القيامة الكبرى التي يرتفع فيها حجب التعينات ويضمحل السوى ، ولما كان صلى الله عليه وسلم مشاهداً لذلك في عين الجمع قال { أتى } ولما كان ظهورها على التفصيل بحيث تظهر للكل لا يكون إلا بعد حين قال : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } لأن هذا ليس وقت ظهوره ، ثم أكد شهوده لوجه الله تعالى وفناء الخلق في القيامة بقوله :

(10/189)


{ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ النحل : 1 ] بإثبات وجود الغير ، ثم فصل ما شاهد في عين الجمع لكونه في مقام الفرق بعد الجمع لا يحتجب بالوحدة عن الكثرة ولا بالعكس فقال : { يُنَزّلُ الملائكة بالروح } وهو العلم الذي تحيا به القلوب { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهم المخلصون له { أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } [ النحل : 2 ] وقال بعضهم : أي خوفوا الخلق من الخواطر الرديئة الممزوجة بالنظر إلى غيري وخوفهم من عظيم جلالي ، وهذا وحي تبليغ وهو مخصوص بالمرسلين عليهم السلام ، وذكروا أن الوحي إذا لم يكن كذلك غير مخصوص بهم بل يكون للأولياء أيضاً { الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة * أَن لا *تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } [ فصلت : 30 ] وقد روى عن بعض أئمة أهل البيت أن الملائكة تزاحمهم في مجالسهم ، ثم إنه تعالى عدد الصفات وفصل النعم فقال : { خُلِقَ * السموات والارض بالحق } [ النحل : 3 ] الخ ، وفي قوله سبحانه : { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } [ النحل : 7 ] الخ إشارة كما نقل عن الجنيد قدس سره إلى أنه ينبغي لمن أراد البلوغ إلى مقصده أن يكون أول أمره وقصده الجهد والاجتهاد ليوصله بركة إلى مقصوده ، وذكروا أن المحمولين من العباد إلى المقاصد أصناف وكذا المحمول عليه ، فمحمول بنور الفعل ، ومحمول بنور الصفة ، ومحمول بنور الذات ، فالمحمول بنور الفعل يكون بلده مقام الخوف والرجاء ومحلته صدق اليقين وداره مربع الشهود ، والمحمول بنور الصفة يكون بلده مقام المعرفة ومحلته صفو الخلة وداره دار المودة ، والمحمول بنور الذات يكون بلده التوحيد ومحلته الفناء وداره البقاء ، وهذه الأصناف للسالك ، وأما المجذوب فمحمول على مطية الفضل إلى بلد المشاهدة ، وفي قوله سبحانه : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 8 ] تحيير للإفهام وعجيز أي تعجيز عن أن تدرك الملك العلام؛ وقال بعضهم : إن فيها تعليماً للوقوف عند ما لا يدركه العقل من آثار الصنع وفنون العلم وعدم مقابلة ذلك بالانكار حيث أخبر سبحانه أن يخل قما لا يعلم بمقتضى القوى البشرية المعتادة وإنما يعلم بقوة إلهية وعناية صمدية ، ألا ترى الصوفية الذين من الله تعالى عليهم بما من كيف عملوا عوالم عظيمة نسبة عالم الشهادة إليها كنسبة الذرة إلى الجبل العظيم ، وممن زعم الانتظام في سلكهم كالكفشية الملقبين أنفسهم بالكشفية من ذكر من ذلك أشياء لا يشك العاقل في أنها لا أصل لها بل لو عرض كلامهم في ذلك على الأطفال أو المجانين لم يشكوا في أنه حديث خرافة صادر عن محض التخيل ، وأنا أسأل الله تعالى أن لا يبتلي مسلماً بمثل ما ابتلاهم ، وقد عزمت حين رأيت بعض كتبهم التي ألفها بعض معاصرينا منهم مما اشتمل على ذلك على أن أصنع نحو ما صنعوا مقابلة للباطل بمثله لكن منعني الحياء من الله تعالى والاشتغال بخدمة كلامه سبحانه والعلم بأن تلك الخرافات لا تروج إلا عند من سلب مه الإدراك والتحق بالجمادات ، وقال الواسطي في الآية : المعنى يخلق فيكم من الأفعال ما لا تعلمون أنها لكم أم عليكم { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } أي السبيل القصد وهو التوحيد { وَمِنْهَا جَائِرٌ } وهو ما عدا ذلك

(10/190)


{ وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ النحل : 9 ] لكنه لم يشأ لعدم استعدادكم ولتظهر صفات جماله وجلاله سبحانه : { وألقى فِى الارض رَوَاسِىَ } وهم الأوتاد أرباب التمكين { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } أي تضطرب ، ومن الكلام المشهور على الألسنة لو خلت قلبت { وأنهارا } وهم العلماء الذين تحيا بفرات علومهم أشجار القلوب { وَسُبُلاً } [ النحل : 15 ] وهم المرشدون الداعون إليه تعالى { وعلامات } وهي الآيات الآفاقية والأنفسية { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } [ النحل : 16 ] وهي الأنوار التي تلوح للسالك من عالم الغيب .
وقال بعضهم : ألقى في أرض القلوب رواسي العلوم الغيببية والمعارف السرمدية وأجرى فيها أنهار أنوار المعرفة والمكاشفة والمحبة والشوق والعشق والحكمة والفطنة وأوضح سبلاً للأرواح والعقول والأسرار ، فسبيل الأرواح إلى أنوار الصفات ، وسبيل العقول إلى أنوار الآيات ، وسبيل الأسرار إلى أنوار الذات ، والسبل في الحقيقة غير متناهية ، ومن كلامهم الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق . والعلامات في الظاهر أنوار الأفعال للعموم ، وأخص العلامات في العالم الأولياء ، والنجوم أهل المعارف الذين يسبحون في أفلاك الديمومية بأرواحهم وقلوبهم وأسرارهم من اقتدى بهم يهتدي إلى مقصوده الأبدي ، وفي الحديث « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » والمراد بهم خواصهم ليتأتى الخطاب ، ويجوز أن يراد كلهم والخطاب لنا ولا مانع من ذلك على مشرب القوم { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أموات غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } [ النحل : 20 ، 21 ] ما أعظمها آية في النهي على من يستغيث بغير الله تعالى من الجمادات والأموات ويطلب منه ما لا يستطيع جلبه لنفسه أو دفعه عنها .
وقال بعض أكابر السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم : إن الاستغاثة بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم فيستغيث بالولي لا من حيث نفسه بل من حيث ظهور الحق فيه فإن ذلك غير محظور لأنه استغاثة بالحق حينئذ؛ وأنا أقول إذا كان الأمر كذلك فما الداعي للعدول عن الاستغاثة بالحق من أول الأمر؟ وأيضاً إذا ساغت الاستغاثة بالولي من هذه الحيثية فلتسغ الصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة له من تلك الحيثية أيضاً ، ولعل القائل بذلك قائل بهذا . بل قد رأيت لبعضهم ما يكون هذا القول بالنسبة إليه تسبيح ولا يكاد يجري قلمي أو يفتح فمي بذكره ، فالطريق المأمون عند كل رشيد قصر الاستغاثة والاستعانة على الله عز وجل فهو سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده ، فإياك والانتظام في سلك الذين يرجون النفع من غيره تعالى :

(10/191)


{ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } [ النحل : 28 ] ذكروا أن السابقين الموحدين يتوفاهم الله تعالى بذاته ، وأما الأبرار والسعداء فقسمان ، فمن ترقى عن مقام النفس بالتجرد ووصل إلى مقام القلب بالعلوم والفضائل يتوفاهم ملك الموت ، ومن كان في مقام النفس من العباد والصلحاء والزهاد المتشرعين الذين لم يتجردوا عن علائق البدن بالتحلية والتخلية تتوفاهم ملائكة الرحمة ، وأما الأشرار الأشقياء فتتوفاهم الملائكة أيضاً ولكن ملائكة العذاب ويتشكلون لهم على صورة أخلاقهم الذميمة كما يتشكل ملائكة الرحمة لمن تقدم على صورة أخلاقهم الحسنة { الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ } [ النحل : 32 ] طابت نفوسهم في خدمة مولاها وطابت قلوبهم في محبة سيدها وطابت أرواحهم بطيب مشاهدة ربها وطابت أسرارهم بطيب الأنوار ، وقيل : أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات .
وقيل : طيبة أرواحهم بالموت لكونه باب الوصال وسبب الحياة الأبدية { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } [ النحل : 35 ] قالواه الزاماً بزعمهم للموحدين وما دروا أنه حجة عليهم لأنه تعالى لا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم إلا ما عليه الشيء في نفسه فلولا أنهم في نفس الأمر مشركون ما شاء الله تعالى ذلك : { فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 43 ] هم أهل القرآن المتخلقون بأخلاقه القائمون بأمره ونهيه الواقفون على ما أوردع فيه من الأسرار والغيوب وقليل ما هم فالمراد بالذكر القرآن كما في قوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ النحل : 44 ] .
وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لم يظهر مكنونات أسرار كتابه إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم فهو عليه الصلاة والسلام الأمين المؤتمن على الأسرار . وقد أشار سبحانه له عليه الصلاه والسلام بتبيين ذلك وقد فعل ولكن على حسب القابليات لا تمنعوا الحكمة عن أهلها فتظلموهم ولا تمنحوها غير أهلها فتظلموها ولا تودع الأسرار إلا عند الأحرار . وذلك لأنها أمانة وإذا أودعت عند غيرهم لم يؤمن عليها من الخيانة . وخيانتها افشاؤها وافشاؤها خطر عظيم . ولذا قيل :
من شاوروه فأبدى السر مشتهرا ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وجانبوه فلم يسعد بقربهم ... وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا
لا يصطفون مذيعا بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذاكم حاشا
{ أَوَ لَمْ * يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } أي ذات وحقيقة مخلوقة أية ذات كانت { يَتَفَيَّأُ ظلاله } قيل : أي يتمثل صوره ومظاهره { عَنِ اليمين } جهة الخير { والشمآئل } [ النحل : 48 ] جهات الشرور ، ولما كانت جهة اليمين إشارة إلى جهة الخير الذي لا ينسب إلا إليه تعالى وحد اليمين ولما كانت جهة الشمال اشارة إلى جهة الشر الذي لا ينبغي أن ينسب إليه تعالى كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه وسلم : «والشر ليس إليك» ولكن ينسب إلى غيره سبحانه وكان في الغير تعدد ظاهر جمع الشمال .

(10/192)


وقيل في وجه الأفراد والجمع : إن جميع الموجودات تشترك في نوع من الخير لا تكاد تفىء عنه وهو العشق فقد برهن ابن سينا على سريان قوة العشق في كل واحد من الهويات ولا تكاد تشترك في شر كذلك فما تفىء عنه من الشر لا يكون إلا متعدداً فلذا جمع الشمال ولا كذلك ما تفىء عنه من الخير فلذا أفرد اليمين فليتأمل «ولله يسجد» ينقاد { ما في السموات وما في الأرض من دابة } أي موجود يدب ويتحرك من العدم إلى الوجود { والملائكة وهم لا يستكبرون } [ النحل : 49 ] لا يمتنعون عن الانقياد والتذلل لأمره { يخافون ربهم من فوقهم } لأنه القاهر المؤثر فيهم { ويفعلون ما يؤمرون } [ النحل : 50 ] طوعاً وانقياداً ، والله تعالى الهادي سواء السبيل .
ثم أنه تعالى بعد ما بين أن جميع الموجودات ، خاضعة منقادة له تعالى أردف ذلك بحكاية نهيه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الاشراك فقال عز قائلا :

(10/193)


وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)

{ وَقَالَ الله } عطفاً على قوله سبحانه : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } [ النحل : 49 ] . وجوز أن يكون معطوفاً على { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر } [ النحل : 44 ] وقيل : إنه معطوف على { مَّا خَلَقَ الله } [ النحل : 48 ] على أسلوب :
علفتها تبناً وماء بارداً ... أي أو لم يروا إلى ما خلق الله ولم يسمعوا إلى ما قال الله ولا يخفى تكلفه ، وإظهار الفاعل وتخصيص لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه تعالى متعين الألوهية وإنما المنهى عنه هو الإشراك به لا أن المنهى عنه هو مطلق اتخاذ الهين بحيث يتحقق الانتهاء عنه برفض أيهما كان ، ولم يذكر المقول لهم للعموم أي قال تعالى لجميع المكلفين بواسطة الرسل عليهم السلام : { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } المشهور أن { اثنين } وصف لإلهين وكذا «واحد» في قوله سبحانه : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } صفة لإله ، وجيء بهما للايضاح والتفسير لا للتأكيد وان حصل . وتقرير ذلك أن لفظ «إلهين» حامل لمعنى الجنسية أعني الإلهية ومعنى العدد أعنى الاثنينة وكذا لفظ «إله» حامل لمعنى الجنسية والوحدة ، والغرض المسوق له الكلام في الأول النهي عن اتخاذ الاثنين من الاله لا عن اتخاذ جنس الإله ، وفي الثاني إثبات الواحد من الإله لا إثبات جنسه فوصف «آلهين» باثنين «وإله» بواحد إيضاحاً لهذا الغرض وتفسيراً له ، فإنه قد يراد بالمفرد الجنس نحو نعم الرجل زيد . وكذا المثنى كقوله :
فإن النار بالعودين تذكى ... وأن الحرب أولها الكلام
وإلى هذا ذهب صاحب الكشاف هو ما يفهم منه أنه تأكيد فمعناه أنه تأكيد فمعناه أنه محقق ومقرر من المتبوع فهو تأكيد لغوى لا أنه مؤكد أمر المتبوع في النسبة أو الشمول ليكون تأكيداً صناعياً كيف وهو إنما يكون بتقرير المتبوع بنفسه أو بما يوافقه معنى أو بألفاظ محفوظة ، فما قيل : إن مذهبه إن ذلك من التأكيد الصناعي ليس بشيء إذ لا دلالة في كلامه عليه . وقد أورد السكاكي الآية في باب عطف البيان مصرحاً بأنه من هذا القبيل فتوهم منه بعضهم أنه قائل بأن ذلك عطف بيان صناعي ، وهو الذي اختارخ العلامة القطب في شرح المفتاح نافياً كونه وصفاً ، واستدل على ذلك بأن معنى قولهم : الصفة تابع يدل على معنى في متبوعه أنه تابع ذكر ليدل على معنى في متبوعه على ما نقل عن ابن الحاجب ، ولم يذكر { اثنين } للدلالة على الاثنينة والوحدة اللتين في متبوعهما فيكونا وصفين بل ذكرا للدلالة على أن القصد من متبوعهما إلى أحد جزئيه أعنى الأثنينية والوحدة دون الجزء الآخر أعنى الجنسية ، فكل منهما تابع غير صفة يوضح متبوعه فيكون عطف بيان لا صفة .
وقال العلامة الثاني : ليس في كلام السكاكي ما يدل على أنه عطف بيان صناعي لجواز أن يريد أنه من قبيل الإيضاح والتفسير وإن كان وصفاً صناعياً ، ويكون إيراده في ذلك المبحث مثل إيراد كل رجل عارف وكل إنسان حيوان في بحث التأكيد ومثل ذلك عادة له .

(10/194)


وتعقب العلامة الأول بأنه إن أريد أنه لم يذكر إلا ليدل على معنى في متبوعه فلا يصدق التعريف على شيء من الصفة لأنها البتة تكون لتخصيص أو تأكيد أو مدح أو نحو ذلك وإن أريد أنه ذكر ليدل على هذا المعنى ويكون الغرض من دلالته عليه شيئاً آخر كالتخصيص والتأكيد وغيرهما فيجوز أن يكون ذكر { اثنين } للدلالة على الاثنينية والوحدة ويكون الغرض من هذا بيان المقصود وتفسيره ، كما أن الدابر في أمس الدابر ذكر ليدل على معنى الدبور والغرض منه التأكيد بل الأمر كذلك عند التحقيق ، ألا ترى أن السكاكي جعل من الوصف ما هو كاشف وموضح ولم يخرج بهذا عن الوصفية . وأجيب بأنا نختار الشق الثاني ونقول : مراد العلامة من قوله : ذكر ليدل على معنى في متبوعه أن يكون المقصود من ذكره الدلالة على حصول المعنى في المتبوع ليتوسل بذلك إلى التخصيص أو التوضيح أو المدح أو الذم إلى غير ذلك وذكر { اثنين } ليس للدلالة على حثول الاثنينية والوحدة في موصوفيهما بل تعيين المقصود من جزئيهما فلا يكونان صفة ، وذكر الدابر ليدل على حصول الدبور في الأمس ثم يتوسل بذلك إلى التأكيد وكذا في الوصف الكاشف بخلاف ما نحن فيه فتدبره فإنه غامض . ولم يجوز العلامة الأول البدلية فقال : واما أنه ليس ببدل فظاهر لأنه لا يقوم مقام المبدل منه .
ونظر فيه العلامة الثاني بأنا لا تسلم أن البدل يجب صحة قيامه مقام المبدل منه فقد جعل الزمخشري «الجن» في قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام : 100 ] بدلاً من «شركاء» ومعلوم أنه لا معنى لقولنا وجعلوا لله الجن ، ثم قال : بل لا يبعد أن يقال : الأولى أنه بدل لأنه المقصود بالنسبة إذ النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله على ما مر تقريره . وتعقب بأن الرضى قد ذكر أنه لما لم يكن البدل معنى في المتبوع حتى يحتاج إلى المتبوع كما احتاج الوصف ولم يفهم معناه من المبتوع كما فهم ذلك في التأكيد جاز اعتباره مستقلاً لفظاً أي صالحاً لأن يقوم مقام المتبوع اه .
ولا يخفى أن صحة إقامته بهذا المعنى لا تقتضي أن يتم معنى الكلام بدونه حتى يرد ما أورد؛ وقيل : إن ذكر «اثنين» للدلالة على منافاة الاثنينية للالوهية وذكر الوحدة للتنبيه على أنها من لوازم الألوهية .
وجعل ذلك بعضهم من روادف الدلالة على كون ما ذكر مساق النهي والإثبات وهو الظاهر وإن قيل فيه ما قيل .
وزعم بعضهم ان { تَتَّخِذُواْ } متعد إلى مفعولين وأن { اثنين } مفعوله الأول «وإلهين» مفعوله الثاني والتقدير لا تتخذوا اثنين إلهين ، وقيل : الأول مفعول أول والثاني ثان ، وقيل : «إلهين» مفعوله الأول «واثنين» باق على الوصفية والتوكيد والمفعول الثاني محذوف أي معبودين ، ولا يخفى ما في ذلك ، وإثبات الوحدة له تعالى مع أن المسمى المعين لا يتعدد بمعنى أنه لا مشارك له في صفاته وألوهيته فليس الحمل لغواً ، ولا حاجة لجعل الضمير للمعبود بحق المفهوم من الجلالة على طريق الاستخدام كما قيل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة الاخلاص .

(10/195)


وفي التعبير بالضمير الموضوع للغائب التفات من التكلم إلى الغيبة على رأي السكاكي المكتفي بكون الأسلوب الملتفت عنه حق الكلام وإن لم يسبق الذكر على ذلك الوجه ، واما قوله تاعلى : { فإياي فارهبون } ففيه التفات من الغيبة إلى التكلم على مذهب الجمهور أيضاً ، والنكتة فيه بعد النكتة العامة أعني الايقاظ وتطرية الاصغاء المبالغة في التخويف والترهيب فإن تخويف الحاضر مواجهة أبلغ من تخويف الغائب سيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعظمة والقدرة التامة على الانتقام .
والفاء في { فإياي } واقعة في جواب شرط مقدر و { *إياي } مفعول لفعل محذوف يقدر مؤخراً يدل عليه { وإياى فارهبون } أي إن رهبتم شيئاً فإياي ارهبوا ، وقول ابن عطية : أن { *إياي } منصوب بفعل مضمر تقديره فارهبوا إياي فارهبون ذهول عن القاعدة النحوية ، وهي انه إذا كان المعمول ضميراً منفصلاً والفعل متعد إلى واحد هو الضمير وجب تأخر الفعل نحو { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [ الفاتحة : 5 ] ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة نحو قوله :
إليك حتى بلغت إياكا ... وعطف المفسر المذكور على المفسر المحذوف بالفاء لأن المراد رهبة بعد رهبة ، وقيل : لأن المفسر حقه إن يذكر بعد المفسر ، ولا يخفى فصل الضمير وتقديمه من الحصر أي ارهبوني لا غير فانا ذلك الإله الواحد القادر على الانتقام

(10/196)


وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)

{ وَلَهُ مَا فِى * السموات والارض } عطف على قوله سبحانه : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } [ النحل : 51 ] أو على الخبر أو مستأنف جيء به تقريراً لعلة انقياد ما فيهما له سبحانه خاصة وتحقيقاً لتخصيص الرهبة به تعالى ، وتقديم الظرف لتقوية ما في اللام من معنى التخصيص ، وكذا يقال فيما بعد أي له تعالى وحده ما في السموات والأرض خلقا وملكا { وَلَهُ } وحده { الدين } أي الطاهة والانقياد كما هو أحد معانيه . ونقل عن ابن عطية وغيره { وَاصِبًا } أي واجباً لازماً لا زوال له لما تقرر أنه سبحانه الإله وحده الحقيق بأن يرهب ، وتفسير { وَاصِبًا } بما ذكر مروى عن ابن عباس . والحسن . وعكرمة . ومجاهد . والضحاك . وجماعة ، وأنشدوا لأبي الأسود الدؤولي :
لا أبتغى الحمد القليل بقاؤه ... يوماً بذم الدهر أجمع واصبا
وقال ابن الأنباري : هو من الوصب بمعنى التعب أو شدته ، وفاعل للنسب كما في قوله :
وأضحى فؤادي به فاتنا ... أي ذا وصب وكلفة ، ومن هنا سمى الدين تكليفاً ، وقال الربيع بن أنس : { وَاصِبًا } خالصاً ، ونقل ذلك أيضا عن الفراء ، وقيل : الدين الملك والواصب الدائم ، ويبعد ذلك قول أمية بن الصلت :
وله الدين واصبا وله الم ... لك وحمد له على كل حال
وقيل : الدين الجزاء والواصب كما في سابقه أي له تعالى الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه للمطيع وعقابه للعاصي ، وأياً ما كان فنصب { وَاصِبًا } على أنه حال من ضمير { الدين } المستكن في الظرف والظرف عامل فيه أو حال من { الدين } والظرف هو العامل على رأي من يرى جواز اختلاف العامل في الحال والعامل في صاحبها . واستدل بالآية على أن أفعال العباد مخلوقة تعالى : { أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ } الهمزة للانكار والفاء للتعقب أي أبعد ما تقرر من تخصيص جميع الموجودات للسجود به تعالى وكون ذلك كله له سبحانه ونهيه عن اتخاذ الإلهين وكون الدين له واصباً المستدعى ذلك لتخصيص التقوى به تاعلى تتقون غيره ، والمنكر تقوى غير الله تعالى لا مطلق التقوى ولذا قدم الغير ، وأولي الهمزة لا للاختصاص حتى يرد أن انكار تخصيص التقوى بغيره سبحانه لا ينافي جوازها ، وقيل : يصح أن يعتبر الاختصاص بالانكار فيكون التقديم لاختصاص الإنكار لا لإنكار الاختصاص . وفي البحر أن هذا الاستفهام يتضمن التوبيخ والتعجب أي بعد ما عرفتم من وحدانيته سبحانه وأن ما سواه له ومحتاج إليه كيف تتقون وتخافون غيره .

(10/197)


وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)

{ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } أي أي شيء يلابسكم ويصاحبكم من نعمة أي نعمة كانت فهي منه تاعلى فما موصولة مبتدأ متضمنة معنى الشرط و { مِنَ الله } خبرها والفاء زائدة في الخبر لذلك التضمن و { مِن نّعْمَةٍ } بيان للموصول و { بِكُمْ } صلته ، وأجاز الفراء وتبعه الحوفي أن تكون { مَا } شرطية وفعل الشرط محذوف أي وما يكن بكم من نعمة الخ . واعترضه أبو حيان بأنه لا يحذف فعل الشرط إلا بعد إن خاصة في موضعين باب الاشتغال نحو { وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } [ التوبة : 6 ] وأن تكون إن الشرطية متلوة بلا النافية وقد دل على الشرط ما قبله كقوله :
فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام
وحذفه في غير ما ذكر ضرورة كقوله :
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيراً معدماً قالت وإن
وقوله :
أينما الريح تمليها تمل ... وأجيب بأن الفراء لا يسلم هذا فما أجازه مبني على مذبه . واستشكل أمر الشرطية على الوجهين من حيث أن الشرط لا بد أن يكون سبباً للجزاء كما تقول : إن تسلم تدخل الجنة فإن الإسلام سبب لدخول الجنة وهنا على العكس ، فإن الأول وهو استقرار النعمة بالمخاطبين لا يستقيم أن يكون سبباً للثاني وهو كونها من الله من جهة كونه فرعاً عنه . وأجاب في إيضاح المفصل بأن الآية جيء بها لاخبار قوم استقرت بهم نعم جهلوا معطيها أوشكوا فيه أو فعلوا ما يؤدي إلى أن يكونوا شاكين فاستقرارها مجهولة أو مشكوكة سبب للاخبار بكونها من الله تعالى فيتحقق أن الشرط والمشروط فيها على حسب المعروف من كون الأول سبباً والثاني مسبباف ، وقد وهم من قال : إن الشرط قد يكون مسبباً . وفي الكشف أن الشرط والجزاء ليسا على الظاهر فإن الأول ليس سبباً للثاني بل الأمر بالعكس لكن المقصود منه تذكيرهم وتعريفهم فالاتصال سبب العلم بكونها من الله تعالى ، وهذا أولى مما قدره ابن الحاجب من أنه سبب الأعلام بكونها منه لأنه في قوم استقرت بهم النعم وجهلوا معطيها أوشكوا فيه ، ألا ترى إلى ما بنى عليه بعد كيف دل على أنهم عالمون بأنه سبحانه المنعم ولكن يضطرون إليه عند الإلجاء ويكفرون بعد الإنجاء انتهى . وفيه أنه يدفع ما ذكره بأن علمهم نزل لعدم الاعتداد به وفعلهم ما ينافيه منزلة الجهل فأخبروا بذلك كما تقول لمن توبخه : أما أعطيتك كذا أما وأما { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر } مساساً يسيراً { فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ } تتضرعون في كشفه لا إلى غيره كما يفيده تقديم الجار والجرور ، والجؤار في الأصل صياح الوحش واستعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة ، قال الأعشى يصف راهباً :

(10/198)


يداوم من صلوات المليك ... طوراً سجوداً وطوراً جؤراً
وقرى الزهري «تجرون» بحذف الهمزة والقاء حركتها على الجيم ، وفي ذكر المساس المنبىء عن أدنى إصابة وإيراده بالجملة الفعلية المؤذنة بالحدوث مع ثم الدالة على وقوعه بعد برهة من الدهر وتحلية { الضر } بلام الجنس المفيدة لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس مع إيراد النعمة بالجملة الاسمية المؤذنة بالدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء المصاحبة وأيراد { مَا } المعربة عن العموم على احتماليها ما لا يخفى من الجزالة والفخامة .
ولعل إيراد «إذا» دون ان للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب قاله الملوى أبو السعود ، وفيه ما يعرف مع الجواب عنه بأدنى تأمل ، وكان الظاهر على ما قيل أن يقال بعد { أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ } [ النحل : 52 ] : وما يصيبكم ضر إلا منه ليقوي إنكار اتقاء غيره سبحانه لكن ذكر النفع الذي يفهم بواسطته الضر واقتصر عليه إشارة إلى سبق رحمته وعمومها وبملاحظة هذا المعنى قيل : يظهر ارتباط «وما بكم من نعمة فمن الله» بما قبله ، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك ، واستدل بالآية على أن لله تاعلى نعمة على الكافر وعلى أن الإيمان مخلوق له تعالى .

(10/199)


ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)

{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ } أي رفع ما مسكم من الضر { إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } أي يتجدد إشراكهم به تعالى بعبادة غيره سبحانه ، والخطاب في الآية ان كان عاماً فمن للتبعيض والفريق الكفرة ، وإن كان خاصاً بالمشركين كما استظهره في الكشف فمن للبيان على سبيل التجريد ليحسن وإلا فليس من مواقعه كما قيل ، والمعنى إذا فريق هم أنتم يشركون؛ وجوز على هذا الاحتمال في الخطاب كون من تبعيضية أيضاً لأن من المشركين من يرجع عن شركه إذا شاهد ضراً شديداً كما يدل عليه قوله تعالى : { فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } [ لقمان : 32 ] على تقدير أن يفسر الاقتصاد بالتوحيد لا بعدم الغلو في الكفر ، و { إِذَا } الأولى شرطية والثانية فجائية والجلمة بعدها جواب الشرط ، واستدل أبو حيان باقترانها باذا الفجائية على أن إذا الشرطية ليس العامل فيها الجواب لأنه لا يعمل ما بعد إذا الفجائية فيما قبلها ، و { بِرَبّهِمْ } متعلق بيشركون والتقديم لمراعاة رؤوس الآي ، والتعرض لوصف الربوبية للإيذان بكمال قبح ما ارتكبوه من الاشراك الذي هو غاية في الكفران .
و { ثُمَّ } قال في إرشاد العقل السلم ليست لتمادي زمان مساس الضر ووقوع الكشف بعد برهة مديدة بل للدلالة على تراخي رتبة ما يترتب عليه من مفاجآت الاشراك فإن ترتبها على ذلك في أبعد غاية من الضلال .
وفي الكشف متعقباً صاحب الكشاف بأنه لم يذكر وجه الكلام في قوله تعالى : { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ } وهو على وجهين والله تعالى أعلم . أحدهما أن يكون قوله سبحانه { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] من تتمة السابق على معنى إنكار إتقاء غير الله تعالى وقد علموا أن كل ما يتقلبون فيه من نعمته فهو سبحانه القادر على سلبها ، ثم أنكر عليهم تخصيصهم بالجؤار عند الضر في مقابلة تخصيص غيره بالاتقاء ثم اشراكهم به تعالى كفراناً لتلك النعمة وجيء بثم لتفاوت الانكارين فإن اتقاء غير المنعم أقرب من الاعراض عنه وهو متقلب في نعمه ثم اللجأ إلى هذا المكفور به وحده عند الحاجة ، وأبعد منه الأعراض ولم يجف قدمه من ندى النجاة .
والثاني أن يكون جملة مستقلة واردة للتقريع و { ثُمَّ } في الأول لتراخي الزمان اشعاراً بأنهم غمطوا تلك النعم ولم يزالوا عليه إلى وقت الإلجاء ، وفيه الأشعار بتراخي الرتبة أيضاً على سبيل الإشارة وفي الثاني لتراخي الرتبة وحده ، اه وهو كلام نفيس ، وللطيبي كلام طويل في هذا المقام ان أردته فارجع إليه .
وقرأ الزهري { ثُمَّ إِذَا * كاشف } وفاعل هنا بمعنى فعل ، وفي الآية ما يدل على أن صنيع أكثر العوام اليوم من الجؤار إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم بل ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً عند إصابة الضر لهم واعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية سفه عظيم وضلال جديد لكنه أشد من الضلال القديم ، ومما تقشعر منه الجلود وتصعر له الخدود الكفرة أصحاب الأخدود فضلاً عن المؤمنين باليوم الموعود ان بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير : إياك ثم إياك أن تستغيث بالله تعالى إذا خطب دهاك فإن الله تعالى لا يعجل في اغاثتك ولا يهمه سوء حالتك وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين فأنهم يعجلون في تفريج كربك ويهمهم سوء ما حل بك فمج ذلك سمعي وهمي دمعي وسألت الله تعالى أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين ، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك .

(10/200)


لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)

{ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } من نعمة الكشف عنهم ، فالكفر بمعنى كفران النعمة واللام لام العاقبة والصيرورة ، وهي استعارة تبعية فإنه لما لم ينتج كفرهم واشراكهم غير كفران ما أنعم الله تعالى به عليهم جعل كأنه علة غائية له مقصودة منه ، وجوز أن يكون الكفر بمعنى الجحود أي انكار كون تلك النعمة من الله تعالى واللام هي اللام ، والمعنيان متقاربان { فَتَمَتَّعُواْ } أمر تهديد كما هو أحد معاني الأمر المجازية عند الجمهور كما يقول السيد لعبده افعل ما تريد ، والالتفات إلى الخطاب للإيذان بتناهي السخط .
وقرأ أبو العالية { *فيمتعوا } بضم الياء التحتية ساكن الميم مفتوح التاء مضارع متع مخففاً مبنياً للمفعول وروى ذلك مكحول الشامي عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو معطوف { أَن يَكْفُرُواْ } على أن يكون الأمران عرضاً لهم من الاشراك ، ويجوز أن يكون لام { لِيَكْفُرُواْ } لام الأمر والمقصود منه التهديد بتخليتهم وما هم فيه لخذلانهم ، فالفاء واقعة في جواب الأمر وما بعدها منصوب باسقاط النون ، ويجوز جزمه بالعطفأيضاً كما ينصب بالعطف إذا كانت اللام جارة { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب ، وفيه وعيد شديد حيث لم يذكر المفعول اشعاراً بأنه لا يوصف . وقرأ أبو العالية أيضاً { يَعْلَمُونَ } بالياء التحتية وروي ذلك مكحول عن أبي رافع أيضاً .

(10/201)


وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56)

{ وَيَجْعَلُونَ } قيل معطوف على { يُشْرِكُونَ } [ النحل : 54 ] وليس بشيء ، وقيل : لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى تعداداً لجناياتهم أي يفعلون مما قص عليك ويجعلون { لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } أي لآلهتهم التي لا يعلمون أحوالها وأنها لا تضر ولا تنفع على أن { مَا } موصولة والعائد محذوف وضمير الجمع للكفار أو لآلهتهم التي لا علم لها بشيء لأنها جماد على أن دما } موصولة أيضاً عبارة عن الآلهة ، وضمير { يَعْلَمُونَ } عائد عليه ، ومفعول { يَعْلَمُونَ } مترك لقصد العموم ، وجوز أن ينزل منزلة اللازم أي ليس من شأنهم العلم ، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة بصفاتهم ، ويجوز أن تكون { مَا } مصدرية وضمير الجمع للمشركين واللام تعليلة لا صلة الجعل كام في الوجهين الأولين ، وصلته محذوفة للعلم بها أي يجعلون لآلهتهم لأجل جعلهم { نَصِيبًا مّمّا رزقناهم } من الحرث والانعام وغيرهما مما ذرأ تقربا إليها { تالله لَتُسْئَلُنَّ } سؤال توبيخ وتقريع في الآخرة ، وقيل : عند عذاب القبر ، وقيل : عند القرب من الموت { عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } من قبل بأنها آلهة حقيقة بأن يتقرب إليها ، وفيتصدير الجملة بالقسم وصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب المنبىء عن كمال الغضب من شدة الوعيد ما لا يخفى .

(10/202)


وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57)

{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات } هم خزاعة وكنانة كانوا يقولون : الملائكة بنات الله تعالى وكأنهم لجهلهم زعموا تأنيثها وبنوتها ، وقال الإمام : أظن أنهم أطلقوا عليها البنات لاستتارها عن العيون كالنساء؛ ولهذا لما كان قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر أطلقوا عليه لفظ التأنيث .
ولا يرد على ذلك أن الجن كذلك لأنه لا يلزم في مثله الاطراد ، وقيل : أطلقوا عليها ذلك للاستتار مع كونها في محل لا تصل إليه الأغبار فهي كبنات الرجل اللاتي يغار عليهن فيسكنهن في محل أمين ومكان مكين ، والجن وإن كانوا مستترين لكن لا على هذه الصورة ، وهذا أولى مما ذكره الإمام ، وإما عدم التوالد فلا يناسب ذلك .
{ سبحانه } تنزيه وتقديس له تعالى شأنه عن مضمون قولهم ذلك أو تعجيب من جراءتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة ، وهو في المعنى الأول حقيقة وفي الثاني مجاز .
{ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين و { مَا } مرفوع المحل على أنه مبتدأ والظرف المقدم خبره والجملة حالية وسبحانه اعتراض في حاق موقعه؛ وجوز الفراء . والحوفي أنه في محل نصب معطوف على { البنات } كأنه قيل : ويجعلون لهم ما يشتهون . واعترض عليه الزجاج وغيره بأنه مخالف للقاعدة النحوية وهي أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل المرفوع بالفاعلية وكذا الظاهر إلى ضميره المتصل سواء كان تعديه بنفسه أو بحرف الجر إلا في باب ظن وما ألحق به من فقد وعدم فلا يجوز زيد ضربه بمعنى ضرب نفسه ولا زيد مر به أن مر هو بنفسه ويجوز زيد ظنه قائماً وزيد فقده وعدمه فلو كان مكان الضمير إسماً ظاهراً كالنفس نحو زيد ضرب نفسه أو ضميراً منفصلاً نحو زيد ما ضرب إلا إياه وما ضرب زيد إلا إياه جاز ، فإذا عطف { مَا } على { البنات } أدى إلى تعدية فعل المضمر المتصل وهو واو { يَجْعَلُونَ } إلى ضميره المتصل وهو { هُمْ } المجرور باللام في غير ما استثنى وهو ممنوع عند البصريين ضعيف عند غيرهم فكان حقه أن يقال لأنفسهم وأجيب بأن الممتنع إنما هو تعدي الفعل بمعنى وقوعه عليه أو على ما جر بالحرف نحو زيد مر به فإن المرور واقع بزيد وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فإن الجعل ليس واقعاً بالجاعلين بل بما يشتهون ، ومحصله كما قال الخفاجي المنع في المتعدي بنفسه مطلقاً والتفصيل في المتعدي بالحرف بين ما قصد الإيقاع عليه وغيره فيمتنع في الأول دون الثاني لعدم ألف إيقاع المرء بنفسه . وأبو حيان اعترض القاعدة بقوله تعالى : { وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة } [ مريم : 25 ] { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } [ القصص : 32 ] والعلامة البيضاوي أجاب بوجه آخر وهو أن الامتناع إنما هو إذا تعدى الفعل أولاً لا ثانياً وتبعاً فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ، ومنهم من خص ذلك بالمتعدي بنفسه وجوز في المتعدي بالحرف كما هنا وارتضاه الشاطبي في شرح الألفية ، وقال الخفاجي : هو قوي عندي لكن لا يخفى أن العطف هنا بعد هذا القيل والقال يؤدي إلى جعل الجعل بمعنى يعم الزعم والاختيار .

(10/203)


وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)

{ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالانثى } أي أخبر بولادتها ، واصل البشارة الأخبار بما يسر لكن لما كانت ولادة الأنثى تسوءهم حملت على مطلق الأخبار ، وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة بقطع النظر عن كونها أنثى وقيل : إنه بشارة حقيقة بالنظر إلى حال المبشر به في نفس الأمر ، وأياماً كان فالكلام على تقدير مضاف كما أشرنا إليه { ظَلَّ وَجْهُهُ } أي صار { مُسْوَدّا } من الكآبة والحياء من الناس ، وأصل معنى ظل أقام نهاراً على الصفة التي تسند إلى الاسم ، ولما كان التبشير قد يكون في الليل وقد يكون في النهار فسر بما ذكر وقد تلحظ الحالة الغالبة بناء على أن أكثر الولادات يكون بالليل ويتأخر اخبار المولود له إلى النهار خصوصاً بالأنثى فيكون ظلوله على ذلك الوصف طول النهار واسوداد الوجه كناية عن العبوس والغم والفكر والنفرة التي لحقته بولادة الأنثى ، قيل : إذا قوى الفرح انبسط روح القلب من داخله ووصل إلى الأطراف لا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فيرى الوجه مشرقاً متلألئاً ، وإذا قوى الغم انحصر الروح إلى باطن القلب ولم يبق له أثر قوي في ظاهر الوجه فيربد ويتغير ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية ، فمن لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ومن لوازم الغم والحزن اربداده واسوداده فلذلك كنى عن الفرح بالاستنارة وعن الغم بالاسوداد ، ولو قيل بالمجاز لم يبعد بل قال بعضهم : { أَنَّهُ } والظاهر أن { يُسْلِمْ وَجْهَهُ } اسم ظل { *ومسودا } خبره ، وجوز كون الاسم ضمير الأحد ووجهه بدلاً منه ولو رفع { وَجْهُهُ مُسْوَدّا } على أن { وَجْهَهُ } مبتدأ وهو خبر له والجملة خبر { ظِلّ } صح لكنه لم يقرأ بذلك هنا { وَهُوَ كَظِيمٌ } أي مملوء غيظاً وأصل الكظم مخرج النفس يقال : أخذ بكظمه إذا أخذ بمخرج نفسه ، ومنه كظم الغيظ لا خفائه وحبسه عن الوصول إلى مخرجه .
وفعل اما بمعنى مفعول كما أشير إليه أو صيغة مبالغة ، والظاهر أن ذلك الغيظ على المرأة حيث ولدت أنثى ولم تلد ذكراً ، ويؤيده ما روي الأصمعي أن امرأة ولدت بنتاً سمتها الذلقاء فهجرها زوجها فانشدت :
ما لأبي الذلقاء لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
يحرد أن لا نلد البنينا ... وإنما نأخذ ما يعطينا
والفقير قد رأيت من طلق زوجته لأن ولدت أنثى ، والجملة في موضع الحال من الضمير في { ظِلّ } وجوز أبو البقاء أن يكون حالا من وجه ، وجوز غيره أيضاً حاليته من ضمير { مُسْوَدّا } .

(10/204)


يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)

{ يتوارى مِنَ القوم } يستخفي من قومه { مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ } عرفاً وهو الأنثى ، والتعبير عنها بما لإسقاطها بزعمهم عن درجة العقلاء ، والجملة مستأنفة أو حال على الأوجه السابقة في { وهو كظيم } [ النحل : 58 ] إلا كونه من وجهه ، والجاران متعلقان بيتوارى و { مِنْ } الأولى ابتدائية ، والثانية تعليلية أي يتوارى من أجل ذلك ، ويروى أن بعض الجاهلية يتوارى في حال الطلق فإن أخبر بذكر ابتهج أو بأنثى حزن وبقي متوارياً أياً ما يدبر فيها ما صنع { أَيُمْسِكُهُ } أيتركه ويربيه { على هُونٍ } أي ذل ، والجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : معناه أيمسكه مع رضاه بهوان نفسه وعلى رغم أنفه ، وقيل : حال من المفعول به أي أيمسك المبشر به وهو الأنثى مهاناً ذليلاً ، وجملة { أَيُمْسِكُهُ } معمولة لمحذوف معلق بالاستفهام عنها وقع حالاً من فاعل { يتوارى } أي محدثاً نفسه متفكراً في أن يتركه { أَمْ يَدُسُّهُ } يخفيه { فِى التراب } والمراد يئده ويدفنه حياً حتى يموت وإلى هذا ذهب السدي . وقتادة . وابن جريج وغيرهم ، وقيل : المراد إهلاكه سواء كان بالدفن حياً أم بأمر آخر فقد كان بعضهم يلقى الأنثى من شاهق . روي أن رجلاً قال : يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، وقد كانت لي في الجاهلية بنت وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها فلما انتهيت إلى واد بعيد القعر ألقيتها فقالت يا أبت قتلتني فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء فقال صلى الله عليه وسلم : « ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار » وكان بعضهم يغرقها ، وبعضهم يذبحها إلى غير ذلك ، ولما كان الكل إماتة تفضي إلى الدفن في التراب قيل : { أَمْ يَدُسُّهُ فِى التراب } وقيل : المراد إخفاؤه عن الناس حتى لا يعرف كالمدسوس في التراب ، وتذكير الضميرين للفظ { مَا } . وقرأ الجحدري بالتأنيث فيهما عوداً على قوله سبحانه : { بالانثى } أو على معنى { مَا } . وقرىء بتذكير الأول وتأنيث الثاني ، وقرأ الجحدري أيضاً ، وعيسى { *هوان } بفتح الهاء وألف بعد الواو ، وقرىء { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ } بفتح الهاء وإسكان الواو وهو بمعنى الذل أيضاً ، ويكون بمعنى الرفق واللين وليس بمراد ، وقرأ الأعمش { على * سُوء } وهي عند أبي حيان تفسير لا قراءة لمخالفتها السواد { أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث يجعلون لمن تنزه عن الصاحبة والولد ما هذا شأنه عندهم والحال أنهم يتحاشون عنه ويختارون لأنفسهم البنين ، فمدار الخطأ جعلهم ذلك لله تعالى شأنه مع إبائهم إياه لا جعلهم البنين لأنفسهم ولا عدم جعلهم له سبحانه ، وجوز أن يكون مداره التعكيس كقوله تعالى :

(10/205)


{ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } [ النجم : 22 ] ، وقال ابن عطية : هذا استقباح منه تعالى شأنه لسوء فعلهم وحكمهم في بناتهم بالإمساك على هون أو الوأد مع أن رزق الجميع على الله سبحانه فكأنه قيل : الا ساء ما يحكمون في بناتهم وهو خلاف الظاهر جداً ، وروى الأول عن السدي وعليه الجمهور . والآية ظاهرة في ذم من يحزن إذا بشر بالأنثى حيث أخبرت أن ذلك فعل الكفرة ، وقد أخرج ابن جرير . وغيره عن قتادة أنه قال في قوله سبحانه : { وَإِذَا بُشّرَ } الخ هذا صنيع مشركي العرب أخبركم الله تعالى بخبثه فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله تعالى له وقضاء الله تعالى خير من قضاء المرء لنفسه ، ولعمري ما ندري أي خير لرب جارية خير لأهلها من غلام ، وإنما أخبركم الله عز وجل بصنيعهم لتجتنبوه ولتنتهوا عنه . واستدل القاضي بالآية على بطلان مذهب القائلين بنسبة أفعال العباد إليه تعالى لأن في ذلك إضافة فواحش لو أضيفت إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منها والتباعد عنها قال : فحكم هؤلاء القائلين مشابه لحكم هؤلاء المشركين بل أعظم لأن إضافة البنات إليه سبحاهه إضافة لقبيح واحد وهو أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إليه عز وجل . وأجيب عن ذلك أنه بما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد عليه سبحانه أردفه عز وجل بذكر هذا الوجه الإقناعي وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح منه تعالى ، ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهم وصورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع وبقي ينظر ما يحدث بينهم من الوقاع وغيره عد من أسفه السفهاء وعد صنيعه أقبح كل صنيع مع أن ذلك لا يقبح منه تعالى بل قد صنعه جل جلاله فعلم أن التعويل على مثل هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائلة القطعية ، وقد ثبت بها امتناع الولد عليه سبحانه فلا جرم حسنت تقويتها لهذه الوجوه الإقناعية ، وأما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل القاطعة أن خالقها هو الله تعالى فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا سوء التعصب .

(10/206)


لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)

{ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } ممن ذكرت قبائحهم { مَثَلُ السوء } صفة السوء التي هي كالمثل في القبح وهي الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم بعد موتهم ويبقى به ذكرهم ، وإيثار الذكور للاستظهار ، ووأد البنات لدفع العار أو خشية الإملاق على حسب اختلاف أغراض الوائدين المنادي كل واحد من ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ . وعن ابن عباس { مَثَلُ السوء } النار ، وأظنه لا يصح عنه رضي الله تعالى عنه ، ومنع ابن عطية حمل المثل على الصفة وقال : إنه لا يضطر إليه لأنه خروج عن اللفظ بل هو على بابه ، وذلك أنهم إذا قالوا : إن البنات لله سبحانه فقد جعلوا لله عز وجل مثلاً فإن البنات من البشر وكثرة البنات أمر مكروه عندهم ذميم فهو المثل السوء الذي أخبر الله تعالى بأنه لهم ، وليس في البنات فقط بل لما جعلوا له تعالى البنات جعله هو سبحانه لهم على الإطلاق في كل سوء ولا غاية أبعد من عذاب النار اه ، وهو أشبه شيء عندي بالرطانة كما لا يخفى؛ ووضع الموصول موضع الضمير للإشعار بأن مدار اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة { وَلِلَّهِ المثل الاعلى } أي الصفة العجيبة الشأن التي هي مثل في العلو مطلقاً وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الواسع والنزاهة عن صفات المخلوقين ويدخل فيه علوه تعالى عما يقول علواً كبيراً .
وأخرج ابن جرير . وغيره عن قتادة أن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله وهو رواية عن ابن عباس . والذي أخرجه عنه البيهقي في الأسماء والصفات وغيره هو { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] { وَهُوَ العزيز } المنفرد بكمال القدرة على كل شيء ومن ذلك مؤاخذتهم بقبائحهم ، وقيل : هو الذي لا يوجد له نظير { الحكيم } الذي يفعل كل ما يفعل بمقتضى الحكمة البالغة .

(10/207)


وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)

{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس } الظالمين مطلقاً ، وقيل : بالكفر والمؤاخذة مفاعلة من فاعل بمعنى فعل وهو الظاهر ، وقال ابن عطية : هي مجاز كأن العبد يأخذ حق الله تعالى بمعصيته والله تعالى يأخذ منه بمعاقبته وكذا الحال في مؤاخذة الخلق بعضهم بعضاً { بِظُلْمِهِمْ } أي بسبب كفرهم ومعاصيهم بناءً على أن الظلم فعل ما لا ينبغي ووضعه في غير موضعه؛ وقد يخص بالكفر والتعدي على الغير ويدخل فيه ما عد من القبائح ، وهذا تصريح بما أفاده قوله تعالى : { وَهُوَ العزيز الحكيم } [ النحل : 60 ] وإيذان بأن ما أتاه هؤلاء الكفرة من القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } أي على الأرض المدلول عليها بالناس وبقوله تعالى : { مِن دَابَّةٍ } بناءً على شهرة كون الدبيب في الأرض أي ما ترك عليها شيئاً من الدواب أصلاً بل أهلكها بالمرة ، أما الظالم فبظلمه وأما غيره فبشؤم ذلك فقد قال سبحانه : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال : 25 ] وأخرج البيهقي في الشعب وغيره عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال : بلى والله إن الحبارى لتموت هزلاً في وكرها من ظلم الظالم ، وأخرج أيضاً هو فيه وغيره عن ابن مسعود قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ الآية ، وأخرج أحمد في الزهد عنه أنه قال : ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره ثم قال : أي والله زمن غرق قوم نوح عليه السلام ، وقيل : المراد من دابة ظالمة على أن التنوين للنوع وهو مخصوص بالكفار والعصاة من الإنس ، وقيل : منهم ومن الجن ، وقيل : المراد الدابة الظالمة الفاعلة لما لا ينبغي شرعاً أو عرفاً فيدخل بعض الدواب إذا ضر غيره ، وقالت فرقة منهم ابن عباس : المراد بالدابة المشرك فقد قال تعالى : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 55 ] وقال الجبائي : الدابة على عمومها فتشمل سائر الحيوانات ، والمراد بالناس الظالمون مطلقاً؛ ووجه الملازمة أنه تعالى لو آخذهم بما كسبوا من كفر أو معصية لعجل هلاكهم وحينئذٍ لا يبقى لهم نسل ، ومن المعلوم أن لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العقاب وإذا هلكوا جميعاً وبطل نسلهم لا يبقى أحد من الناس وحينئذٍ يهلك الدواب لأنها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً } [ البقرة : 29 ] وبتخصيص الناس يسقط الاستدلال بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وقال بعض المحققين : لا حاجة إلى التخصيص في ذلك والآية من باب بنو تميم قتلوا قتيلاً لتظافر الأدلة والنصوص على عصمة الأنبياء عليهم السلام ، فلا يقال : الأصل الحمل على الحقيقة .

(10/208)


واستدل بعضهم للتخصيص بقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات } [ فاطر : 32 ] وإلا يفسد التقسيم ، وقد يقال : إنه ما أحد إلا وهو متصف بظلم إلا أن مراتبه مختلفة فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، والعصمة التي تدعى للأنبياء عليهم السلام إنما هي العصمة مما يعد ذنباً بالنسبة إلى غيرهم وأما العصمة مما يعد ذنباً بالنسبة إلى مقامهم ومرتبتهم فلا تدعى لهم إذ قد وقع ذلك منهم كما يشهد به كثير من الآيات . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن الله تعالى يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنوبنا وفي لفظ بما جنت هاتان الإبهام والتي تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئاً » نعم إنه لا يقال لنبي هو ظالم ولا للأنبياء عليهم السلام هم ظالمون ويقال الناس ظالمون وهذا نظير قولهم : لا يقال لله سبحانه خالق القردة والخنازير ويقال هو خالق كل شيء ، ورب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً ، وأمر التقسيم هين عند المتأمل فليتأمل ، ومن الناس من احتج بالآية على أن أصل المضار الحرمة إذ لو كان الضرر مشروعاً فإما أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاءً على جرم أو لا وكلا القسمين باطل ، أما الأول فللآية وذلك من وجهين .
الأول : إنها لمكان لو تقتضي أن تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة .
الثاني : إن مقتضى المؤاخذة عدم ترك دابة على ظهرها ونحن نشاهد أنه سبحانه قد ترك كثيراً من الدواب فيجب القطع بأنه تعالى لم يؤاخذ بالظلم ، وأما الثاني فباطل بالإجماع فثبت بمقتضى الآية تحريم المضار ، ويؤكد ذلك آيات أخر وأخبار؛ وحينئذٍ يقال : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من جميع الوجوه فإن وجدنا نصاً يدل على كونه مشروعاً قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا بالحرمة بناءً على الأصل الذي قرر . واستدل بها المعتزلة على أن العباد خالقون لأفعالهم ووجه مع رده غني عن البيان { ولكن } لا يؤاخذهم بذلك بل { يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } سماه سبحانه وعينه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } المسمى { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عنه { سَاعَةِ } أقل مدة { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } عليه ، وقد مر الكلام في نظيرها .

(10/209)


وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)

{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ } أي يثبتون له سبحانه وينسبون إليه بزعمهم { مَا يَكْرَهُونَ } الذي يكرهونه لأنفسهم من البنات ، والتعبير بما عند أبي حيان على إرادة النوع ، وهذا على ما سمعت تكرير لما سبق تثنية للتقريع وتوطئة لقوله تعالى : { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } أي يجعلون لله تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } أي العاقبة الحسنى عند الله عز وجل ولا يتعين إرادة الجنة .
وعن بعضهم أن المراد بها ذلك بناءً على أن منهم من يقر بالبعث وهذا بالنسبة لهم أو أنه على الفرض والتقدير كما روي أنهم قالوا : إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً في البعث فلنا الجنة بما نحن عليه ، قيل : وهو المناسب لقوله تعالى الآتي : { لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار } لظهور دلالته على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة ، فلا يرد أنهم كيف قالوا ذلك وهم منكرون للبعث ، وعن مجاهد أنهم أرادوا بالحسنى البنين وليس بذاك وقال بعض المحققين : المراد بما يكرهون أعم مما تقدم فيشمل البنات وقد علم كراهتهم لها وإثباتها لله تعالى بزعمهم والشركاء في الرياسة فإن أحدهم لا يرضى أن يشرك في ذلك ويزعم الشريك له سبحانه والاستخفاف برسل الله تعالى عليهم السلام فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم ويستخفون برسل الله تعالى عليهم السلام وأراذل الأموال فإنهم كانوا إذا رأوا ما عينوه لله تعالى من أنعامهم أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها ولو فعل نحو ذلك معهم غضبوا ، وعلى هذا يفسر الجعل بما يعم الزعم والاختيار و { مَا } تعم العقلاء وغيرهم ولا يخلو الكلام عن نوع تكرير ، والمراد من { تَصِفُ * أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } يكذبون وهو من بليغ الكلام وبديعه ، ومثله قولهم : عينها تصف السحر أي ساحرة وقدها يصف الهيف أي هيفاء ، وقول أبي العلاء المعري :
سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات برامة يصف الكلالا
وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمام الكلام في ذلك ، والظاهر أن { الكذب } مفعول { تَصِفُ } و { أَنَّ لَهُمْ } بدل منه أو بتقدير بأن لهم ولما حذفت الباء صار في موضع نصب عند سيبويه ، وعند الخليل هو في موضع جر ، وجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف كما أشرنا إليه في بيان المعنى ، وجوز أبو البقاء كون { الكذب } بدلاً مما يكرهون وهو كما ترى . وقرأ الحسن . ومجاهد باختلاف { *ألسنهم } بإسقاط التاء وهي لغة تميم ، واللسان يذكر ويؤنث قيل : ويجمع المذكر على ألسنة نحو حمار وأحمرة والمؤنث على ألسن كذراع وأذرع .

(10/210)


وقرأ معاذ بن جبل . وبعض أهل الشام { يَفْتَرِى الكذب } بثلاث ضمات وهو جمع كذوب كصبر وصبور وهو مقيس . وقيل : جمع كاذب نحو شارف وشرف وهو غير مقيس ، ورفعه على أنه صفة الألسنة و { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } حينئذٍ مفعول { تَصِفُ } { لاَ جَرَمَ } أي حقاً { أَنَّ لَهُمْ } مكان ما زعموه من الحسنى { النار } التي ليس وراء عذابها عذاب وهي علم في السوأى ، وكلمة { لا } رد لكلام و { جَرَمَ } بمعنى كسب و { أَنَّ لَهُمْ } في موضع نصب على المفعولية أي كسب ما صدر منهم أن لهم ذلك .
وإلى هذا ذهب الزجاج ، وقال قطرب : { جَرَمَ } بمعنى ثبت ووجب و { أَنَّ لَهُمْ } في موضع رفع على الفاعلية له ، وقيل : { لاَ جَرَمَ } بمعنى حقاً و { أَنَّ لَهُمْ } فاعل حق المحذوف ، وقد مر تمام الكلام في ذلك وحلا . وقرأ الحسن . وعيسى بن عمر { أَنَّ لَهُمْ } بكسر الهمزة وجعل الجملة جواب قسم أغنت عنه { لاَ جَرَمَ } وكذا قرءا بالكسر في قوله تعالى : { وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } أي مقدمون معجل بهم إليها على ما روي عن الحسن . وقتادة من أفرطته إلى كذا قدمته وهو معدى بالهمزة من فرط إلى كذا تقدم إليه ، ومنه أنا «فرطكم على الحوض» أي متقدمكم وكثيراً ما يقال للمتقدم إلى الماء لإصلاح نحو دلو فارط وفرط ، وأنشدوا للقطامى :
واستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تعجل فراط لوراد
وقال مجاهد ، وابن جبير . وابن أبي هند : أي متركون في النار منسيون فيها أبداً من أفرطت فلاناً خلفي إذا تركته ونسيته . وقرأ ابن عباس . وابن مسعود . وأبو رجاء . وشيبة . ونافع . وأكثر أهل المدينة { مُّفْرَطُونَ } بكسر الراء اسم فاعل من أفرط اللازم إذا تجاوز أي متجاوزو الحد في معاصي الله تعالى . وقرأ أبو جعفر { مُّفْرَطُونَ } بتشديد الراء وكسرها من فرط في كذا إذا قصر أي مقصرون في طاعة الله تعالى ، وعنه أنه قرأ { مُّفْرَطُونَ } بتشديد الراء وفتحها من فرطته المعدي بالتضعيف من فرط بمعنى تقدم أي مقدمون إلى النار .

(10/211)


تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)

{ تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يناله من جهالات قومه الكفرة ووعيد لهم على ذلك ، ولا يخفى ما في ذلك من عظيم التأكيد أي أرسلنا رسلاً إلى أمم من قبل أمتك أو من قبل إرسالك إلى هؤلاء فدعوهم إلى الحق { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن * أعمالهم } القبيحة فلم يتركوها ولم يمتثلوا دعوة الرسل عليهم السلام ، وقد تقدم الكلام في نسبة التزيين إلى الشيطان { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ } أي قرين الأمم وبئس القرين أو متولي إغوائهم وصرفهم عن الحق { اليوم } أي يوم زين الشيطان أعمالهم فيه ، وهو وإن كان ماضياً واليوم المعرف معروف في زمان الحال كالآن لكن صور بصورة الحال ليستحضر السامع تلك الصورة العجيبة ويتعجب منها ، وسمي مثل ذلك حكاية الحال الماضية وهو استعارة من الحضور الخارجي للحضور الذهني أو المراد باليوم مدة الدنيا لأنها كالوقت الحاضر بالنسبة للآخرة وهي شاملة للماضي والآتي وما بينهما أي فهو وليهم في الدنيا { وَلَهُمْ } في الأخرى { عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهو عذاب النار ، وقد ورد إطلاق اليوم على مدتها كثيراً فهو مجاز متعارف وليس فيه حكاية لما مضى أو يوم القيامة الذي فيه عذابهم لكن صور بصورة الحال استحضاراً له كما في الوجه الأول إلا أنه حكاية حال آتية وفي الأول حكاية حال ماضية وليس من مجاز الأول ، والولي على هذا بمعنى الناصر أي لا ناصر لهم في ذلك اليوم غيره وهو نفي للناصر على أبلغ وجه على حد قوله :
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
ولا يجوز أن يكون بمعنى المتولي للإغواء إذ لا إغواء ثمة ولا بمعنى القرين لأنه في الدرك الأسفل من النار ، وجوزه بعضهم باعتبار أنه معهم في النار في الجملة ولا يضر اختلافهم في الدركات ، والظاهر أن ضمائر الجمع كلها للأمم كما أشرنا إليه في بعضها ، وجوز الزمخشري أن يكون ضمير { وَلِيُّهُمُ } المضاف إليه لقريش لا للأمم و { اليوم } بمعنى الزمان الذي وقع فيه الخطاب أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم . وأن يكون الضمير للمتقدمين ، والكلام على حذف مضاف أي ولي أمثالهم ، والمراد من الأمثال قريش .
وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه بعداً لاختلاف الضمائر من غير داع إليه ولا إلى تقدير المضاف . ورد بأن لفظ اليوم داع إليه ، وقال الطيبي : إنه الوجه وعليه النظم الفائق لأن في تصدير القسمية بقوله تعالى : { تالله } بعد إنكارهم الرسالة وتعداد قبائحهم الإشعار بأن ما ذكر كالتسلية للرسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل : إن الأمم الخالية مع الرسل السالفة لم تزل على هذه الوتيرة فلك أسوة بالرسل عليهم السلام وقومك خلف لتلك الأمم فلا تهتم لذلك فإن ربك ينتقم لك منهم في الدنيا والآخرة فاشتغل أنت بتبليغ ما أنزل إليك وتقرير أنواع الدلائل المنصوبة على الوحدانية وبالتنبيه على إقامة الشكر على نعم الله تعالى المتظاهرة اه .

(10/212)


وقال في «الكشف» : لا ترجيح لهذا الوجه من حيث التسلي إذ الكل مفيد لذلك على وجه بين وإنما الترجيح للوجه الصائر إلى استحضار الحال لما فيه من مزيد التشفي اه ، والحق أن ما ذكره الزمخشري غير ظاهر وما قيل : إن لفظ { اليوم } داع إليه ففي حيز المنع ، وقصارى ما يقال : وجود القرينة المصححة لا المرجحة هذا . وذكر في «الكشف» في بيان ربط الآيات أن قوله سبحانه : { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } [ النحل : 56 ] إلى هذا الموضع فن آخر من كفرانهم وتداد قبائحهم ، وجاز أن يكون من تتمة سابقه على منوال { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل : 53 ] إلا أنه بنى على الغيبة دلالة على أنه فن آخر ، وهذا قريب المتناول ، وجاز أن يجعل عطفاً على قوله تعالى : { وَأَقْسَمُواْ بالله } [ النحل : 38 ] فإن ما وقع من الكلام بعده من تتمته اعتراضاً واستطراداً كأنه قيل : ذاك معتقدهم في المعاد وهذا في المبدأ وهم فيما بين ذلك متدينون بهذا الدين القويم ومع اختلاف العقيدة في المبدأ والمعاد يدعون أن لهم الحسنى فيحق لهم ضد ذلك حقاً ثم قال : وقوله تعالى :

(10/213)


وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)

{ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذى اختلفوا فِيهِ } شديد الملائمة على هذا الوجه لقوله سبحانه هنالك : { لِيُبَيّنَ لَهُمُ الذى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } [ النحل : 39 ] ، ولقوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل : 44 ] وفيه أن من استبان له الهدى بهذا البيان استغنى عن ذلك البيان حيث لا ينفعه إلا العلم بكذبه وهذا أنسب لتأليف النظم اه .
وأنت تعلم أن احتمال العطف بعيد ، والمراد بالكتاب القرآن فإنه الحقيق بهذا الاسم ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلة من العلل إلا لتبين لهم ما اختلفوا فيه من البعث وقد كان فيهم من يؤمن به وأشياء من التحليل والتحريم والإقرار والإنكار ومقتضى رجوع الضمائر السابقة إلى الأمم السالفة أن يرجع ضمير { إِلَيْهِمُ } و { اختلفوا } إليهم أيضاً لكن منع عنه عدم تأتي تبيين الذين اختلفوا فيه لهم فمنهم من جعله راجعاً إلى قريش لأن البحث فيهم ومنهم من جعله راجعاً إلى الناس مطلقاً لعدم اختصاص ذلك بقريش ويدخلون فيه دخولاً أولياً .
{ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } عظيمين { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } خصهم بالذكر لكونهم المغتنمين آثاره . والإسمان قال أبو حيان : في موضع نصب على أنهما مفعول من أجله والناصب { أَنزَلْنَا } ولما اتحد الفاعل في العلة والمعلول وصل الفعل لهما بنفسه ، ولما لم يتحد في { لِتُبَيّنَ } لأن فاعل الإنزال هو الله تعالى لا الرسول عليه الصلاة والسلام وصلت العلة بالحرف .
وقال الزمخشري : هما معطوفان على محل { لِتُبَيّنَ } وهو ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً فيعطف منصوب عليه ، ألا ترى أنه لو نصب لم يجز لاختلاف الفاعل اه . وتعقب بأن معنى كونه في محل نصب أنه في محل لو خلا من الموانع ظهر نصبه وهو هنا كذلك لمن تأمل فقوله : ليس بصحيح لأن محله ليس نصباً ليس على ما ينبغي .
وقال الحلبي : إن ذلك ممنوع إذ لا خلاف في أن محل الجار والمجرور النصب ولذا أجازوا مررت بزيد وعمراً بالعطف على المحل ، وللخفاجي ههنا كلام إن أردته فارجع إليه وراجع ، ولعله إنما قدمت علة التبيين على علتي الهدى والرحمة لتقدمه في الوجود عليهما .

(10/214)


وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)

{ والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء } تقدم الكلام في مثله ، وهذا على ما قيل تكرير لما سبق تأكيداً لمضمونه وتوحيداً لما يعقبه من أدلة التوحيد { فَأَحْيَا بِهِ الارض } بما أنبت به فيها من أنواع النباتات { بَعْدَ مَوْتِهَا } بعد يبسها فالإحياء والموت استعارة للإنبات واليبس ، وليس المراد إعادة اليابس بل إنبات مثله ، والفاء للتعقيب العادي فلا ينافيه ما بين المتعاطفين من المهلة ، ونظير ذلك تزوج فولد له ولد ، والآية دليل لمن قال : إن المسببات بالأسباب لا عندها ومن قال به أول { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض الميتة { لآيَةً } وأية آية دالة على وحدته سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته جل شأنه ، والإشارة بما يدل على البعد إما لتعظيم المشار إليه أو لعدم ذكره صريحاً { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } قال المولى ابن الكمال : أريد بالسمع القبول كما في سمع الله لمن حمده أي لقوم يتأملون فيها ويعقلون وجه دلالتها ويقبلون مدلولها ، وإنما خص كونها آية لهم لأن غيرهم لا ينتفع بها وهذا كالتخصيص في قوله تعالى : { هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ النحل : 64 ] وبما قررناه تبين وجه العدول عن يبصرون إلى { يَسْمَعُونَ } انتهى ، وقال الخفاجي : اللائق بالمقام ما ذكره الشيخان وبيانه أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل إلى الأمم السالفة رسلاً وكتباً فكفروا بها فكان لهم خزي في الدنيا والآخر عقبه بأنه أرسله صلى الله عليه وسلم بسيد الكتب فكان عين الهدى والرحمن لمن أرسل إليه إشارة إلى أن مخالفة أمته لمن قبلهم تقربهم من سعادة الدارين وتبشيراً له عليه الصلاة والسلام بكثرة متابعيه وقلة مناويه وأنهم سيدخلون في دينه أفواجاً أفواجاً ثم أتبع ذلك على سبيل التمثيل لإنزاله تلك الرحمة التي أحيت من موتة الضلال إنزال الأمطار التي أحيت موات الأرض { وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا } [ الشورى : 28 ] ولولا هذا لكان قوله تعالى : { والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء } كالأجنبي عما قبله وبعده ، وقوله سبحانه : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } الخ تتميم لقوله تعالى : { وَمَا أَنزَلْنَا } [ النحل : 64 ] الخ وللمقصود بالذات منه فالمناسب { يَسْمَعُونَ } لا يبصرون ولو كان تتميماً لملاصقه من الإنبات لم يكن ليسمعون بمعنى يقبلون مناسبة أيضاً ، ثم قال : ومن لم يقف على محط نظرهم قال في جوابه : يمكن أن يحمل على يسمعون قولي والله أنزل الخ فإنه مذكر وحامل على تأمل مدلوله انتهى ، وفي قوله عقبه : بأنه أرسله صلى الله عليه وسلم بسيد الكتب فكان عين الهدى والرحمة إشارة الخ خفاءً كما لا يخفى ، ومتى كان تتميماً لقوله تعالى : { وَمَا أَنزَلْنَا } [ النحل : 64 ] الخ لم يظهر جعل المشار إليه ما سمعت وهو الظاهر ، وفي «البحر» أنه تعالى لما ذكر إنزال الكتاب للتبيين كان القرآن حياة للأرواح وشفاء لما في الصدور من علل العقائد ولذلك ختم بقوله سبحانه

(10/215)


{ لقوم يؤمنون } [ النحل : 64 ] أي يصدقون والتصديق محله القلب ذكر سبحانه إنزال المطر الذي هو حياة الأجسام وسبب بقائها ثم أشار سبحانه بإحياء الأرض بعد موتها إلى إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } [ الأنعام : 122 ] فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها كذلك القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتاً بالجهل ولذلك ختم تعالى بقوله سبحانه : { يَسْمَعُونَ } أي يسمعون هذا التشبيه المشار إليه والمعنى سماع إنصاف وتدبر ، ولملاحظة هذا المعنى والله تعالى أعلم لم يختم سبحانه بلقوم يبصرون وإن كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد انتهى .
وفيه أيضاً من التكلف ما فيه ، وأقول : لعل الأظهر أن المشار إليه ما ذكر من الإنزال والإحياء والسماع على ظاهره والكلام تتميم لملاصقه والعدول عن يبصرون إلى { يَسْمَعُونَ } للإشارة إلى ظهور هذا المعتبر فيه وأنه لا يحتاج إلى نظر ولا تفكر وإنما يحتاج المنبه إلى أن يسمع القول فقط ، ويكفي في ربط الآية بما قبلها تشارك الكتاب والمطر في الإحياء لكن في ذاك إحياء القلوب وفي هذا إحياء الأرض الجدوب فتأمل .

(10/216)


وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)

{ وَإِنَّ لَكُمْ فِى الانعام لَعِبْرَةً } أي معبراً يعبر به من الجهل إلى العلم ، وأصل معنى العبر والعبور التجاوز من المحل إلى آخر ، وقال الراغب : العبور مختص بتجاوز الماء بسباحة ونحوها ، والمشهور عمومه فإطلاق العبرة على ما يعتبر به لما ذكر لكنه صار حقيقة في عرف اللغة؟ والتنكير للتفخيم أي لعبرة عظيمة { نُّسْقِيكُمْ } ومنهم من قدر هنا مبتدأ وهو هي نسقيكم ولا حاجة إليه ، وضمير { بُطُونِهِ } للإنعام وهو اسم جمع واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه وتأنيثه وجمعه باعتبار معناه ، ولذا جاء بالوجهين في القرآن وكلام العرب كذا قيل .
ونقل عن سيبويه أنه عد الأنعام مفرداً وكلامه رحمه الله تعالى متناقض ظاهراً فإنه قال في باب ما كان على مثال مفاعل ومفاعيل ما نصه : وأما أجمال وفلوس فإنها تنصرف وما أشبهها لأنها ضارعت الواحد ، ألا ترى أنك تقول : أقوال وأقاويل وأعراب وأعاريب وأيد وإياد فهذه الأحرف تخرج إلى مفاعل ومفاعيل كما يخرج الواحد إليه إذا فسر للجمع ، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا لأن هذا هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت ، ثم قال : وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس فإنك تخرجه إلى فعائل كما تقول جدود وجدائد وركوب وركائب . ولو فعلت ذلك بمفاعل ومفاعيل لم يجاوز هذا البناء ، ويقوي ذلك أن بعض العرب تقول : أتى للواحد فيضم الألف ، وأما أفعال فقد يقع للواحد ومن العرب من يقول هو الأنعام قال جل ثناؤه : { نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ } وقال أبو الخطاب . سمعت العرب تقول : هذا ثوب أكياس انتهى .
وقال رحمه الله تعالى في باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة وليس في الكلام أفعيل ولا أفعول ولا أفعال ولا أفعل ولا أفعال إلا أن تكسر عليه أسماء للجمع انتهى ، وقد اضطرب الناس في التوفيق بين كلاميه فذهب أبو حيان إلى تأويل الأول وإبقاء الثاني على ظاهره من أن أفعالاً لا يكون من أبنيته المفرد فحمل قوله أولاً وأما أفعال فقد يقع للواحد الخ : على أن بعض العرب قد يستعمله فيه مجازاً كالأنعام بمعنى النعم كما قال الشاعر :
تركنا الخيل والنعم المفدي ... وقلنا للنساء بها أقيمي
وليس مراده أنه مفرد صيغة ووضعاً بدليل ما صرح به في الموضع الآخر من أنه لا يكون إلا جمعاً . واعترض عليه بأن مقصود سيبويه بما ذكره أولاً الفرق بين صيغتي منتهى الجموع وأفعال وفعول حيث منع الصرف للأول دون الثاني بوجوه . منها أن الأولين لا يقعان على الواحد بخلاف الآخيرين كما أوضحه فلو لم يكن وقوع أفعال على الواحد بالوضع لم يحصل الفرق فلا يتم المقصود .

(10/217)


نعم لا كلام في تدافع كلاميه ، وأيضاً لو كان كذلك لم يختص ببعضهم؛ وأيضاً أن التجوز بالجمع عن الواحد يصح في كل جمع حتى صيغتي منتهى الجموع . وتعقبه الخفاجي بقوله : والحق أنه لا تدافع بين كلاميه فإنه فرق بين صيغتي منتهى الجموع والصيغتين الأخيرتين بأن الأولتين لا تجمعان والأخيرتان تجمعان فاشبهتا الآحاد ثم قوي ذلك بأن قوماً من العرب استعملت أتى وهو على وزن فعول مفرداً حقيقة ، ومنهم من استعمل الأنعام وهو على وزن أفعال كذلك ، وقد أشار إلى أن ذلك لغة نادرة ببعض ، ومن وما ذكره بعد بناء على اللغة المتداولة ، وقوله : إن مقصوده أولاً الفرق بوجوه لا وجه له كما يعرفه حملة الكتاب انتهى ، ويعلم منه أن رجوع الضمير المفرد المذكور إلى الأنعام عند سيبويه باعتبار أنه مفرد على لغة بعض العرب ومن قال : إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض أما المقدر أي بعض الأنعام أو المفهوم منها أو للأنعام باعتبار بعضها وهو الإناث التي يكون اللبن منها أو لواحدة كما في قول ابن الحاجب : المرفوعات هو ما اشتمل على علم الفاعلية أو له على المعنى لأن أل الجنسية تسوي بين المفرد والجمع في المعنى فيجوز عود ضمير كل منهما على الآخر . وفي «البحر» أعاد الضمير مذكراً مراعاة الجنس لأنه إذا صح وقوع المفرد الدال على الجنس مقام جمعه جاز عوده علهي مذكراً كقولهم هو أحسن الفتيان وأبتله لأنه يصح هو أحسن فتى وإن كان هذا لا ينقاس عند سيبويه؛ وقيل جمع التكثير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة ومعاملة الجمع فيعود الضمير عليه مفرداً كقوله :
مثل الفراخ نتفت حواصله ... وقال الكسائي : أفرد وذكر على تقدير المذكور كما يفرد اسم الإشارة بعد الجمع كقوله :
فيها خطوط من سواد وباق ... كأنه في الجلد توليع البهق
وهو في القرآن سائغ ومنه قوله تعالى : { إِنها تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } [ المدثر : 54 ، 55 ] { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً االَ هذا رَبّى } [ الأنعام : 78 ] ولا يكون هذا إلا في التأنيث المجازي فلا يجوز جاريتك ذهب . واعترض بأنه كيف جمع نعم وهي تختص الإبل والأنعام تقال للبقر والإبل والغنم مع أنه لو اختص كان مساوياً . وأجيب بأن من يراه جمعاً له يخص الأنعام أو يعمم النعم ويجعل التفرقة ناشئة من الاستعمال ويجعل الجمع للدلالة على تعدد الأنواع .
وقرأ ابن مسعود بخلاف عنه . والحسن . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . وابن عامر . ونافع . وأبوبكر . وأهل المدينة { نُّسْقِيكُمْ } بفتح النون هنا وفي المؤمنين ( 21 ) على أنه مضارع سقي وهو لغة في أسقى عند جمع وأنشدوا قول لبيد :
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميراً والقبائل من هلال
وقال بعض : يقال سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه ، وقيل : سقاه بمعنى رواه بالماء وأسقاه بمعنى جعله شراباً معداً له ، وفيه كلام بعد فتذكر .

(10/218)


وقرأ أبو رحاء { *يسقيكم } بالياء مضمومة والضمير عائد على الله تعالى .
وقال «صاحب اللوامح» ويجوز أن يكون عائداً على النعم وذكر لأن النعم مما يذكر ويؤنث ، والمعنى وإن لكم في الأنعام نعماً يسقيكم أي يجعل لكم سقياً ، وهو كما ترى . وقرأت فرقة منهم أبو جعفر { *تسقيكم } بالتاء الفوقية مفتوحة قال ابن عطية : وهي قراءة ضعيفة انتهى ، ولم يبين وجه ضعفها ، وكأنه والله تعالى أعلم عنى به اجتماع التأنيث والتذكير باعتبار وجهين .
{ بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } افرق على ما في «الصحاح» السرجين ما دام في الكرش والجمع فروث . وفي «البحر» كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش أو المعي ، و { بَيْنَ } تقتضي متعدداً وهو هنا الفرق والدم فيكون مقتضى ظاهر النظم توسط اللبن بنيهما ، وروى ذلك الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن البهيمة إذا عتلفت وأنضج العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً .
وروى نحوه عن ابن جبير فالبينية على حقيقتها وظاهرها وتعقب ذلك الإمام الرازي بقوله : ولقائل أن يقول : اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحسن فإن الحيوانات تذبح دائماً ولا يرى في كرشها شيء من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل إلى معدته وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد وما كان كثيفاً نزل إلى الأمعاء ثم ذلك الذي يحصل في الكبد ينضج ويصير دماً وذلك هو الهضم الثاني ويكون ذلك مخلوصاً بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة والسوداء إلى الطحال والماء إلى الكلية ومنها إلى المثانة ، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة والعروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم من تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم فيه إلى صورة اللبن ، لا يقال : إن هذه المعنى حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن لأنا نقول : الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته فأوجبت أن يكون مزاج الذكر حاراً يابساً مزاج الأنثى بارداً رطباً فإن الولد إنما يتولد في داخل بدن الأنثى فكان اللائق بها اختصاصها بالرطوبة لتصير مادة للتولد وسبباً لقبول التمدد فتتسع للولد ، ثم إن تلك الرطوبة بعد انفصال الجنين تنصب إلى الضرع فتصير مادة لغذائه كما كانت كذلك قبل في الرحم ، ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها وتسخير القوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه سبحانه وقدرته وحكمته وتناهي رأفته ورحمته .

(10/219)


حكم حارت البرية فيها ... وحقيق بأنها تحتار
وحاصل ما ذكروه أنه إذا ورد الغذاء الكرش انطبخ فيه وتميزت منه أجزاء لطيفة تنجذب إلى الكبد فينطبخ فيها فيحصل الدم فتسري أجزاء منه إلى الضرع ويستحيل لبناً بتدبير الحكيم العليم ، وحينئذ فالمراد أن اللبن إنما يحصل من بين أجزاء الفرث ثم من بين أجزاء الدم فالبينية على هذا مجازية وفي إرشاد العقل السليم وغيره لعل المراد بما روى عن ابن عباس أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يعذو البدن فإن عدم تكونهما في العكرش مما لا ريب فيه والداعي إلى ذلك مخالفة ما يقتضيه الظاهر للحس ولما ذكره الحكماء أهل التشريح . ويؤيد ما ذكروه ما أخبرني به من أثق به من أنه قد شاهد خروج الدم من الضرع بعد اللبن عند المبالغة في الحلب والله تعالى أعلم ، و { مِنْ } الأولى تبعيضية لما أن اللبن بعض ما في بطون الأنعام لأنه مخلوق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث حسبما سمعت ، وهي متعلقة بنسقيكم و { مِنْ } الثانية ابتدائية وهي أيضاً متعلقة بنسقيكم فإن بين الدم والفرث المحل الذي يبتدأ منه الإسقاء وتعلقهما بعامل واحد لاختلاف مدلوليهما و { لَّبَنًا } مفعول ثان لنسقيكم وتقديم ذلك عليه لما مر مراراً من أن تقديم ما حقه التأخير يبعث للنفس شوقاً إلى المؤخر موجباً لفضل تمكنه عند وروده عليها لا سيما إذا كان المقدم متضمناً لوصف مناف لوصف المؤخر كالذي نحن فيه ، فإن بين وصفي المقدم والمؤخر تنافياً وتنائياً بحيث لا يتراآى ناراهما فإن ذلك مما يزيد الشوق والاستشراف إلى المؤخر ، وجوز أن يكون { مِن بَيْنِ } حالاً من { لَّبَنًا } قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة .
وجوز أن تكون { مِنْ } الأولى ابتدائية كالثانية فيكون { مِن بَيْنِ } بدل اشتمال مما تقدم { خَالِصًا } مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه أوصافياً لا يستصحبه لون الدم ولا رائحة الفرث { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في حلقهم لدهنيته . أخرج ابن مردويه عن يحيى بن عبد الرحمن ابن أبي لبيبة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما أشرب أحد لبناً فشرق إن الله تعالى يقول { لبناً خالصاً سائغاً للشاربين } »

(10/220)


وقرأت فرقة { *سيغاً } بتشديد الياء . وقرأ عيسى بن عمر «سيغاً» مخففاً من سيغ كهين المخفف من هين . واستدل بالآية على طهارة لبن المأكول وإباحة شربه ، وقد احتج بعض من يرى على أن المني طاهر على من جعله نجساً لجريه في مسالك البول بها أيضاً وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر كما خرج اللبن من بين فرث ودم طاهراً وفي «التفسير الكبير» قال أهل التحقيق : اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيراً انقلب به لبناً ثم دبر تدبيراً آخر حدث من ذلك البلن الدهن والجبن ، وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة؛ فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع .

(10/221)


وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)

{ وَمِن ثمرات النخيل والاعناب } متعلق بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما ، وحذف لدلالة { نُّسْقِيكُمْ } قبله عليه ، وقوله تعالى : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء أو بتتخذون و { مِنْهُ } من تكرير الظرف للتأكيد كما في قولك زيد في الدار فيهاأو خبر لمحذوف صفته { تَتَّخِذُونَ } أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه ، وضمير { مِنْهُ } عائد إما على المضاف المقدر أو على الثمرات المؤولة بالثمر لأنه جمع معرفة أريد به الجنس ، وفائدة الصيغة الإشارة إلى تعداد الأنواع أو على ثمر المقدر ، و { *السكر } الخمر قال الأخطل :
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المزاء والسكر
وهو في الأصل مصدر سكر سكراً وسكراً نحو رشد رشداً ورشداً . واستشهد له بقوله :
وجاؤنا بهم سكر علينا ... فأجلى اليوم والسكران صاحي
وفسروا الرزق الحسن بالخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك ، وإليه ذهب «صاحب الكشاف» وقد ذكر في توجيه إعرابها ما ذكرناه ، وقدم الوجه الأول من أوجه الثلاثة وهو ظاهر في ترجيحه وصرح به الطيبي وبينه بما بينه ، وأخر الثالث وهو ظاهر في أنه دون أخويه . وفي «الكشف» بعد نقل كلامه في الوجه الأول فيه إضمار العصير وأنه لا يصلح عطفاً في الظاهر على السابق لأنه لا يصلح بياناً للعبرة في الإنعام ، وفيه أن { أنكاثا تَتَّخِذُونَ } لا يصلح كشفاً عن كحنه الإسقاء كيف وقد فسر الرزق الحسن بالتمر والزبيب أيضاً وأي مدخل للعصير وأين هذا البيان من البيان بقوله تعالى : { نُّسْقِيكُمْ } [ النحل : 66 ] ليجعل مدركاً لترجيحه فهذا وجه مرجوح مؤول بأنه عطف على مجموع السابق ، وأوثر الفعلية لمكان قربه من { نُّسْقِيكُمْ } وقوله تعالى : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } تم البيان عنده ثم أتى بفائدة زائدة ، وأظهر الأوجه ما ذكر آخر أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون ليكون عطفاً للإسمية على الإسمية أعني قوله تعالى : { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الانعام لَعِبْرَةً } [ النحل : 66 ] ولما لم يكن العبرة فيه كالأول اكتفى بكونه عطفاً على ما هو عبرة ولم يصرح ، وأفيد بالتبعيض أن من ثمراتها ما يؤكل قبل الإدراك وما يتلف ويأكل الوحوض وغير ذلك اه ، وما ذكره في التأويل من بيان البيان عند { سَكَرًا } محوج إلى جعل { رِزْقاً } معمولاً لعامل آخر ولا يخفى بعده ، والظاهر أنه لا ينكره ، وما ذكره من الوجه الأظهر طكره الحوفي كصاحبه ، ولا يرد عليه أن فيه حذف الموصوف بالجملة لأن ذلك إذا كان الموصوف بعضاً من مجرور من أوفى المقدم عليه مطرد نحو منا أقام ومنا ظعن أراد فريق ، وقد يحذف موصوفاً بالجملة في غير ذلك كقول الراجز :

(10/222)


مالك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديد الوترجادت بكفي كان من أرمى البشر
أراد رجل نعم قال الطبري : التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه ، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك لا يجوز على مذهب البصريين وكأنه اعتبر { مَا } موصولة وحذف الموصول مع إبقاء الصلة لا يجوز عنهم ، ولعلهم يفرقون بين الموصول والموصوف فيما ذكر ، وقال العلامة ابن كمال في بعض رسائله : لا وجه لما اختاره صاحب «الكشاف» يعني به تعليق الجار بنسقيكم محذوفاً وتقدير العصير مضافاً لأنه حينئذ لا يتناول المأكول وهو أعظم صنفي ثمراتها يعني النخيل والأعناب والمقام مقام الامتنان ومقتضاه استيعاب الصنفين ثم قال : والعجب منه وممن اتبعه كالبيضاوي كيف اتفقوا على تفسير الرزق الحسن بما ينتظم التمر والزبيب ومع ذلك يقولون : إن المعنى ومن عصيرهما تتخذون سكراً ورزقاً حسناً فإنه لا انتظام بين هذين الكلامين فالوجه أن يتعلق الجار بتتخذون ويكون منه تكرير الظرف للتأكيد اه وهو الذي استظهره أبو حيان وقد سبقت الإشارة إلى الاعتراض بما تعجب منه مع الجواب بما فيه بعد ، ونقل عنه أنه جعله متعلقاً بما في الإسقاء من معنى الإطعام أي نطعمكم من ثمرات النخيل والأعناب لينتظم المأكول منهما والمشروب المتخذ من عصيرهما . وفيه من البعد ما فيه .
وأنت تعلم أن تقدير العصير على الوجه الأول عند من يراه لازم ، وتقديره على الوجه الثاني جائز عند ذاك أيضاً ولا يجوز عند المعترض . واختار أبو البقاء تعليقه بخلق لكم أو جعل وليس بذاك ، وقيل : إنه معطوف على الانعام على معنى ومن ثمرات النخيل والأعناب عبرة { وَتَتَّخِذُونَ } بيان لها وهو غير الوجه الذي استظهره صاحب الكشف وكان الظاهر في بدل من وضمير { مِنْهُ } لا يتعين فيه ما سمعت كما لا يخفى عليك بعد أن أحطت خبراً بما قيل في ضمير { بُطُونِهِ } وتفسير { *السكر } بالخمر هو المروى عن ابن مسعود . وابن عمر . وأبي رزين . والحسن . ومجاهد . والشعبي . والنخعي . وابن أبي ليلى . وأبي ثور . والكلبي . وابن جبير مع خلق آخرين ، والآية نزلت في مكة والخمر إذ ذاك كانت حلالاً يشربها والفاجر وتحريمها إنما كان بالمدينة إتفاقاً واختلفوا في أنه قبل أحد أو بعدها والآية المحرمة لها { يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والانصاب والازلام رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه } [ المائدة : 90 ] على ما ذهب إليه جمع فما هنا منسوخ بها ، وروى ذلك غير واحد ممن تقدم كالنخعي وأبي ثور وابن جبير ، وقيل : نزلت قبل ولا نسخ بناء على ما روى عن ابن عباس أن { *السكر } هو الخل بلغة الحبشة أو على ما نقل عن أبي عبيدة أن { *السكر } المطعوم المتفكه به كالنقل وأنشد :

(10/223)


جعلت إعراض الكرام سكراً ... وتعقب بأن كون السكر في ذلك بمعنى الخمر أشبه منه بالطعام ، والمعنى أنه لشغفه بالغيبة وتميزق الأعراض جرى ذلك عنده مجرى الخمر المسكرة ، وكأنه لهذا قال الزجاج : إن قول أبي عبيدة لا يصح ، وفيه أن المعروف في الغيبة جعلها نقلاً ولذا قيل : الغيبة فاكهة القراء وإلى عدم النسخ ذهب الحنفيون وقالوا : المراد بالسكر ما لا يسكر من الأنبذة ، واستدلوا عليه بأن الله تعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ولا يقع الامتنان إلا بمحلل فيكون ذلك دليلاً على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ فإذا انتهى إلى السكر لم يجز وعضدوا هذا من السنة بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حرم الله تعالى الخمر بعينها القليل منها والكثير والسكر من كل شراب " أخرجه الدارقطني ، وإلى حل شرب النبيذ ما لم يصل إلى الإسكار ذهب إبراهيم النخعي : وأبو جعفر الطحاوي وكان إمام أهل زمانه . وسفيان الثوري وهو من تعلم وكان عليه الرحمة يشربه كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره . والبيضاوى بعد أن فسر { *السكر } بالخمر تردد في أمر نزولها فقال : إلا أن الآية إن كانت سابقة على تحريم الخر فدالة على كراهيتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة ، ووجه دلالتها على الكراهية بأن الخمر وقعت في مقابة الحسن وهو مقتضى لقبحها والقبيح لا يخلو عن الكراهة وإن خلا عن الحرمة ، واعترض عليه بأن تردده هنا في سبقها على تحريم الخمر ينافي ما في سورة البقرة حيث ساق الكلام على القطع على أنه جزم في أول هذه السورة بأنها مكية إلا ثلاث آيات من آخرها .
وفي «الكشاف» بعد أن فسر { *السكر } أيضاً بما ذكر قال : وفيه وجهان . أحدهما : أن تكون منسوخة . والثاني : أن يجمع بين العتاب والمنة ، ونقل «صاحب الكشاف» أن القول بكونها منسوخة أولى الأقاويل ، ثم قال : وفي الآية دليل على قبح تناولها تعريضاً من تقييد المقابل بالحسن ، وهذا وجه من ذهب إلى أنه جمع بين العتاب والمنة ، وعلى الأول يكون رمزاً إلى أن السكر وإن كان مباحاً فهو مما يحسن اجتنابه اه . واستدل ابن كمال على نزولها قبل التحريم بأن المقام لا يحتمل العتاب فإن مساق الكلام على ما دل عليه سياقه ولحاقه في تعداد النعم العظام ، وذكر أن الكلام الزمخشري ومن تبعه ناشي عن الغفلة عن هذا ، ولعل عدم وصف { *السكر } بما وصف به ما بعده لعلم الله تعالى أنه سيكون رجساً يحكم الشرع بتحريمه . وجوز الزمخشري أن يجعل الكر رزقاً حسناً كأنه قيل : تتخذون منه ما هو مسكر ورزق حسن أي على أن العطف من عطف الصفات .

(10/224)


وأنت تعلم أن العطف ظاهره المغايرة .
هذا ولما كان اللبن نعمة عظيمة لا دخل لفعل الخلق فيه إضافة سبحانه لنفسه بقوله تعالى { نُّسْقِيكُمْ } [ النحل : 66 ] بخلاف اتخاذ السكر وقد صرح بذلك في البحر فتأمل { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } باهرة { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل بالآيات فالفعل منزل منزلة اللازم ، قال أبو حيان : ولما كان مفتتح الكلام { وَإِنَّ لَكُمْ فِى الانعام لَعِبْرَةً } [ النحل : 66 ] ناسب الختم بقوله سبحانه : يعقلون لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول . وأنا أقول : إذا كان في الآية إشارة إلى الحط من أمر السكر ففي الختم المذكور تقوية لذلك وله في النفوس موقع وأي موقع حيث أن العقار كما قيل للعقول عقال :
إذا دارها بالأكف السقاة ... لخطاباها أمهروها العقولا
فافهم ذاك والله تعالى يتولهم هداك .

(10/225)


وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)

{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } الهمها وألقى في روعها وعلمها بوجه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير؛ وفسر بعضهم الإيحاء إليها بتسخيرها لما أريد منها ، ومنعوا أن يكون المراد حقيقة الإيحاء لأنه إنما يكون للعقلاء وليس التحل منها . نعم يصدر مها أفعال ويوجد فيها أحوال يتخيل بهاأنها ذوات عقول وصاحبة فضل تقصر عنه الفحول ، فتراها يكون بينها واحد كالرئيس هو أعظمها جثة يكون نافذ الحكم على سائرها والكل يخدمونه ويحملون عنه وسمي اليعسوب والأمير ، وذكروا أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت بجمعيتها إلى موضع آخر فإذا أؤرادوا عودها إلى وكرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى ورودها بواسطة تلك الألحان إلى وكرها ، وهي تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية والعقلاء لا يمكنهم ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار وتختارها على غيرها من البيوت المشكلة بأشكال أخر كالمثلثات والمربعات والمخمسات وغيرها ، وفي ذلك سر لطيف فإنهم قالوا : فإنهم قالوا : ثبت في الهندسة أنها لو كانت مشكلة بأشكال أخر يبقى فيما بينها بالضرورة فرج خالية ضائعة؛ ولها أحوال كثيرة عجيبة غير ذلك قد شاهدها كثير من الناس وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والصوفية على ما ذكره الشعراني في غير موضع لا يمنعون إرادة الحقيقة ، وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلاً وأنبياء والشرع يأبى ذلك . وذهب بعض حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات وأكاد أسلم لهم ذلك ولم نسع عن أحد غير الصوفية القول بما سمعت عنهم ، والنحل جنس واحده نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال سبحانه : { أَنِ اتخذى } وقرأ ابن وثاب { النحل } بفتحتين وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون إتباعاً لحركة النون ، و { ءانٍ } إما مصدرية بتقدير بناء الملابسة أي بأن اتخذي أو تفسيرية وما بعدها مفسر للإيحاء لأن فيه باعتبار معناه المشهور معنى القول دون حروفه ، وذلك كاف في جعلها تفسيرية : وقد غفل عن ذلك أبو حيان أو لم يعتبره فقال : إن في ذلك نظراً لأن الوحي هنا بمعنى الإلهام إجماعاً وليس في الإلهام معنى القول { مِنَ الجبال بُيُوتًا } أوكاراً ، وأصل البيت مأوى الإنسان واستعمل هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه تشبيهاً له بما يبنيه الإنسان لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة كما سمعت : وقرىء { بُيُوتًا } بكسر الباء لمناسبة الياء وإلا فجمع فعل على فعول بالضم .
{ وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي يعرشه الناس أي يرفعه من الكروم كما روى عن ابن زيد وغيره أو السقوف كما نقل عن الطبري أو أعم منهما كما قال البعض ، و { مِنْ } في المواضع الثلاثة للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء فإن النحل لا يبني في كل شجر وكل جبل وكل ما يعرش ولا في كل مكان من ذلك ، وبعضهم قال : إن { مِنْ } للتبعيض بحسب الأفراد فقط ، والمعنى الآخر معلوم من خارج لا من مدلول { مِنْ } إذ لا يجوز استعمالها فيهما ولمولانا ابن كمال تأليف مفرد في المسألة ليراجع ، وأياً ما كان ففيه مع ما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى من البديع صنعة الطبقا ، وتفسير البيوت بيما تبنيه هو الذي ذهب إليه غير واحد ، وقال أبو حيان : الظاهر أنها عبارة عن الكوى التي تكون في الجبال وفي متجوف الأشجار والخلايا التي يصنعها ابن آدم للنحل والكوى التي تكون في الحيطان ، ولما كان النحل نوعين منه ما مقره في الجبال والغياض ولا يتعهده أحد ومنه ما يكون في بيوت الناس ويتعهده في الخلايا ونحوها شمل الأمر بالاتخاذ البيوت النوعين .

(10/226)


ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)

{ ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات } أي من جميعها ، وهي جمع ثمرة محركة حمل الشجر ، وأخذ بظاهر ذلك ابن عطية فقال : إنما تأكل النوار من الأشجار ، وتقال الثمرة للشجرة أيضاً كما في «القاموس» ، قيل : وهو المناسب هنا إذ التخصيص بحمل الشجر خلاف الواقع لعموم أكلها للأوراق والأزهار والثمار . وتعقب بأنه لا يخفى أن إطلاق الثمرة على الشجرة مجاز غير معروف وكونها تأكل من غيرها غير معلوم وغي رمناف للاقتصار على أكل ما ينبت فيها والعموم في كل على مايشير إليه كلام البعض عرفي ، وجوز أن يكون مخصوصاً بالعادة أي كلي من كل ثمرة تشتهينها ، وقيل : { كُلٌّ } للتكثير ، قال الخفاجي : ولو أبقى على ظاهره أيضاً جاز لأنه لا يلزم من الأمر بالأكل من جميع الثمرات الأكل منها لأن الأمر للتخلية والإباحة ، وأياً ما فمن للتعيض .
وقال الإمام : رأيت في كتب الطب أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع على أوراق الأشجار فقد تكون تلك الأجزاء لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة وهذا مثل الترنجين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على الأطراف في بعض البلدان ، وأما القسم الأول فهو الذي ألهم الله تعالى النحل حتى تلتقطه من الأزهار أوراق الأشجار بأفواهها وتغتذي به فإذا شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئاً من تلك الأجزاء وذهبت به إلى بيوتها ووضعته هناك كأنها تحاول أن تدخر لنفسه غذاءها فالمجتمع من ذلك هو العسل ، ومن الناس من يقول : إن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة أشياء ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنها عسلاً ثم تقيئه ، والقول الأول أقرب إلى العقرب وأشد مناسبة للاستقراء ، فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ويقع على أطراف الأسجار والأزهار فكذا ههنا ، وأيضاً فنحن نشاهد أن النحل تتغذى بالعسل حتى إنا إذا أخرجنا العسل من بيوتها تركنا لها بقية منه لغذائها ، وحينئذ فكلمة من لابتداء الغاية اه . وأنت تعلم أن ظاهر { كُلِى } يؤيد القول الثاني وهو أشد تأييداً له من تأييد مشابهة الترنجبين للعسل في الطعم والشكل للقول الأول لا سيما وطبيعة العسل والترنجبين مختلفة فقد ذكر بعض أجلة الأطباء أن العسل حار في الثالثة يابس في الثانية والترنجبين حار في الأولى رطب في الثانية أو معتدل . نعم لتلك المشابهة يطلق عليه اسم العسل فإن ترنجبين فارسي معناه عسل رطب لا طل النداء كما زعم وإن قالوا : هو في الحقيقة طل يسقط على العاقول بفارس ويجمع كالمن ، ويجلب من التكرور شيء يسمى بلسانهم طنبيط أشبه الأشياء به في الصورة والفعل لكن أغلظ ، والأمر في مشاهدة تغذيها بالعسل سهل فإنه ليس دائمياً ، وينقل عن بعض الطيور التي تكمن شتاء التغذي بالرجيع .

(10/227)


ويؤيد المشهور ما روى عن الأمير علي كرم الله تعالى وجهه في تحقير الدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة وأشرف شرابه رجيع نحل ، وجاء عنه كرم الله تعالى وجهه أيضاً أما العسل فونيم ذباب ، وحمله على التمثيل خلاف الظاهر وعلى ذلك نظمت الأشعار فقال المعري :
والنحل يجني المر من زهر الربا ... فيعود شهداً في طريق رضا به
وقال الحريري :
تقول هذا محاج النحل تمدحه ... وإن ترد ذمه قيء الزنابير
وأخبرني من أثق به أنه شاهد كثيراً حملها لأوراق الأزهار بفمها إلى بيوتها وهو ما يستأنس به للآكل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى أيضاً ما يؤيده ، { فاسلكى سُبُلَ رَبّكِ } أي طرقه سبحانه راجعة إلى بيوتك بعد الأكل ، فالمراد بالسبل مسالكها في العود ، ويحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فانتجعت الأماكن البعيدة للمرعى ثم تعود إلى بيوتها لا تضل عنها ، وفي إضافة السبل إلى الرب المضاف إلى ضميرها إشارة إلى أنه سبحانه هو المهيىء لذلك والميسر له والقائم بمصالحها ومعايشها ، وقيل : المراد من السبل طرق الذهاب إلى مظان ما تأكل منه ، وحينئذ فمعنى { كُلِى } اقصدي الأكل ، وقيل : السبل مجاز عن طرق العمل وأنواعها أي فاسلكي الطرق التي ألهمك ربك في عمل العسل ، وقيل : مجاز عن طرق إحالة الغذاء عسلاً ، و { *اسلكي } متعد من سلكت الخيط في الإبرة سلكاً لا لازم من سلك في الطريق سلوكاً ، ومفعوله محذوف أي فاسلكي ما أكلت في مسالكه التي يستحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك .
وتعقب بأن السلك في تلك المسالك ليس فيه لها اختيار حتى تؤمر به فلا بد أن يكون الأمر تكوينياً ، ورد بأنه ليس بشيء لأن الإدخال باختيارها فلا يضره كون الإحالة المترتبة عليه ليست اختيارية وهو ظاهر فليس كما زعم { رَبّكِ ذُلُلاً } أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك فهو جمع ذلول حال من السبل وروى هذا عن مجاهد .
وجعل ابن عبد السلام وصف السبل بالذلل دليلاً على أن المراد بالسبل مسالك الغذاء لا طرق الذهاب أو الإياب قال : لأن النحل تذهب وتؤب في الهواء وهو ليس طرقاً ذللاً لأن الذلول هو الذي يذلل بكثرة الوطء والهواء ليس كذلك وفيه نظر .
وقال قتادة : أي مطيعة منقادة فهو حال من الضمير في { فاسلكى } { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } استئناف عدل به عن خطاب النحل إلى الكلام مع الناس لبيان ما يظهر منها من تعاجيب صنع الله تعالى التي هي موضع عبرتهم بعد ما أمرت بما أمرت { شَرَابٌ } يعني العسل ، وسمي بذلك لأنه مما يشرب حتى قيل : إنه لا يقال : أكلت عسلاً وإنما يقال : شربت عسلاً ، وكأنه سبحانه إنما لم يعبر بالإخراج مسنداً إليه تعالى اكتفاءاً بإسناد الإيحاء بالمبادىء إليه جل شأنه وفيه إيذان بعظيم قدرته عز وجل بحيث أن ما يشعر بإرادة الشيء كاف في حصوله .

(10/228)


و { مِنْ } لابتداء الغاية ، وذكر سبحانه مبدأ الغاية الأولى وهي البطون ولم يذكر سبحانه مبدأ الغاية الأخيرة والجمهور على أنه يخرج من أفواهها ، وزعم بعضهم أنه أبلغ في القدرة ، وبيت الحريري على ذلك وكذا قول الحسن : لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم ، وقيل : من أدبارها وهو ظاهر ما روى عن يعسوب المؤمنين كرم الله تعالى وجهه .
وقال آخرون : لا ندري إلا ما ذكره الله تعالى . وحكى أن سليمان عليه السلام . والإسكندر . وأرسطو صنعوا لها بيوتاً من زجاج لينظروا إلى كيفية صنيعها وهل يخرج العسل من فيها أم من غيره فلم تضع من العسل شيئاً حتى لطخت باطن الزجاج بالطين بحيث يمنع المشاهدة ، وقال بعضهم : المراد بالبطون الأفواه ، وسمي الفم بطناً لأنه في حكمه ولأنه مما يبطن ولا يظهر ، وهذا تأويل من ذهب إلى أنها تلتقط الذراة الصغيرة من الطل وتدخرها في بيوتها وهو العسل . وأنت تعلم أن الظاهر من البطن الجارحة المعروفة فالآية تؤيد القول المشهور في تكون العسل . وفي «الكشف» أن في قوله تعالى : { ثُمَّ كُلِى } إشارة لى أن لمعدة النحل في ذلك تأثيراً وهو المختار عند المحققين من الحكماء ، ومن جعل العسل نباتياً محضاً وفسر البطون بأفواه النحل فليست شعري ماذا يصنع بقوله سبحانه : { ثُمَّ كُلِى } وأجيب بأنه يفسر الأكل بالالتقاط وهو كما ترى أن دفع الفساد لا يدفع الاستبعاد ، ومن الناس من زعم أنها تجتني زهراً وطلا فالمجتنى من الزهر نفسه يكون عسلاً والمجتنى من الطل يكون موماً والعقل يجوز العكسل ولعله أقرب من ذلك { مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } بالبياض والصفرة والحمرة والسواد إما لمحض إرادة الصانع الحكيم جل جلاله وإما لاختلاف المرعى أو لاختلاف الفصل أو لاختلاف سن النحل ، فالأبيض لفتيها والأصفر لكلها والأحمر لمسنها والأسود للطاعن في ذلك جداً .
وتعقب بأنه مما لا دليل عليه ، وقد سألت جمعاً ممن أثق بهم قد اختبروا أحوالها فذكروا أنهم قد استقرؤا وسبروا فرأوا أقوى الأسباب الظاهرة لاختلاف الألوان اختلاف السن بل قال بعضهم : ما علمنا لذلك سبباً إلا هذا بالاستقراء ، وحينئذٍ يكون ما ذكر مؤيداً للقول المشهور في تكون العسل كما لا يخفى على من له أدنى ذوق .
{ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } أما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض إذ قلما يكون معجون لا يكون فيه عسل فله دخل في أكثر ما به الشفاء من المعاجين والتراكيب ، وقيل عليه : إن دخوله في ذلك لا يقتضي أن يكون له دخل في الشفاء بل عدم الضرر إذ قيل : إن إدخاله في التراكيب لحفظها ولذا ناب عنه في ذلك السكر ، والذي رأيناه في كثير من كتب الطب أنه يحفظ قوى الأدوية طويلاً ويبلغها منافعها ، ولا يخفى على المنصف أن ما يحفظ القوى ويبلغ منافع الدواء يصدق عليه أن له دخلاً في الشفاء ، ولم يشتهر أن السكر ينوب منابه في ذلك .

(10/229)


وفي «البحر» أن العسل موجود كثيراً في أكثر البلاد وأما السكر فمختص به بعض البلاد وهو محدث مصنوع للبشر ، ولم يكن فيما تقدم من الأزمان يجعل في الأدوية والأشربة إلا العسل اه ، وفي «شرح الشمائل» أنه عليه الصلاة والسلام لم يأكل السكر ، وذكر غير واحد أنه ليس المراد بالناس هنا العموم لأن كثيراً من الأمراض لا يدخل في دوائها العسل كأمراض الصفراء فإنه مضر للصفراوي ، ولو يسلم أن السكنجبين الذي هو خل وعسل كما ينبىء عنه أصل معناه نافع له ، والنافع نوع آخر من السكنجبين فإنه نقل إلى ما ركب من حامض وحلو ، وله أنواع كثيرة ألفت في جمعها الرسائل حتى قالوا بحرمة تناوله عليه وإنما المراد بالناس الذين ينجع العسل في أمراضهم . والتنوين في { شِفَآء } إما للتعظيم أي شفاء أي شفاء ، وإما للتبعيض أي فيه بعض الشفاء فلا يقتضي أن كل شفاء به ولا أن كل أحد يستشفى به .
ولا يرد أن اللبن أيضاً كذلك بل قلما يوجد شيء من العقاقير إلا وفيه شفاء للناس بهذا المعنى لما قيل : إن التنصيص على هذا الحكم فيه لإفادة ما يكاد يستبعد من اشتمال ما يخرج على اختلاف ألوانه من هذه الدودة التي هي أشبه شيء بذوات السموم ولعلها ذات سم أيضاً فإنها تلسع وتؤلم وقد يرم الجلد من لسعها وهو ظاهر في أنها ذات سم على { شِفَآء لِلنَّاسِ } ويفهم من ظاهر بعض الآثار أن الكلام على عمومه . فقد أخرج حميد بن زنجويه عن نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً حتى الدمل إذا كان به طلاه عسلاً فقلنا له : تداوى الدمل بالعسل؟ فقال : أليس الله تعالى يقول : { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } ؟ .
وأنت تعلم أنه لا بأس بمداواة الدمل بالعسل فقد ذكر الأطباء أنه ينقي الجروح ويدمل ويأكل اللحم الزائد . والحق أنه لا مساغ للعموم إذ لا شك في وجود مرض لا ينفع فيه العسل ، والآثار المشعرة بالعموم الله تعالى أعلم بصحتها . وأما ما أخرجه أحمد .

(10/230)


والبخاري . ومسلم . وابن مردويه «عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أخي استطلق بطنه فقال : اسقه عسلاً فسقاه عسلاً ثم جاء فقال : سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً قال : اذهب فاسقه عسلاً فسقاه عسلاً ثم جاء فقال : ما زاده إلا استطلاقاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق الله تعالى وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلاً فذهب فسقاه فبرأ» فليس صريحاً في العموم لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام قد علمه الله سبحانه أن داء هذا المستطلق مما يشفى بالعسل فإن بعض الاستطلاق قد يشفي بالعسل . ففي طبقات الأطباء أنه إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه علم أن في معدة المريض رطوبات لزجة غليظة قد أزلقت معدته فكلما مر به شيء من الأدوية القابضة لم يؤثر فيها والرطوبات باقية على حالها والأطعمة تزلق عنها فيبقى الإسهال فلما تناول العسل جلا تلك الرطوبات وأحدرها فكثر الإسهال أولاً بخروجها وتوالى ذلك حتى نفذت الرطوبة بأسرها فانقطع إسهاله وبرىء ، فقوله صلى الله عليه وسلم : " صدق الله تعالى " يعني بالعلم الذي عرف نبيه عليه الصلاة والسلام به ، وقوله : " كذب بطن أخيك " يعني ما كان يظهر من بطنه من الإسهال وكثرته بطريق العرض وليس هو بإسهال ومرض حقيقي فكان بطنه كاذباً اه . وقال بعضهم : المراد بصدق الله تعالى صدق سبحانه في أن العسل فيه الشفاء ، وقوله عليه الصلاة والسلام : «كذب بطن أخيك» من المشاكلة الضدية كقولهم : من طالت لحيته تكوسج عقله ، وهو على الأول استعارة مبنية على تشبيه البطن بالكاذب في كون ما ظهر من إسهالها ليس بأمر حقيقي وإنما هو لما عرض لها ، وعلى ذلك قول الأطباء : زحير كاذب وزحير صادق . وأنكر بعضهم هذا النوع من المشاكلة وقال : إنها ليست معروفة وإنه إنما عبر به لأن بطنه كأنه كذب قول الله تعالى بلسان حاله وهو ناشىء من قلة الاطلاع . وقد وقع نظير هذه القصة في زمن المأمون ، وذلك أن ثمامة العبسي وكان من خواصه مرض بالإسهال فكان يقوم في اليوم والليلة مائة مرة وعجز الأطباء عن علاجه فعالجه يزيد بن يوحنا طبيب المأمون بالمسهل أيضاً فبرىء وكان قد ظن الأطباء أنه يموت بسبب ذلك ولا يبقى لغده ، وذكر الطبيب حين سأله المأمون عن وجه الحكمة فيما فعل فذكر أنه كان في جوف الرجل كيموس فاسد فلا يدخله غذاءً ولا دواء إلا أفسده فعلمت أنه لا علاج له إلا قلع ذلك بالإسهال ، ومنه يعلم أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان من معجزاته الدالة على علمه بدقائق الطب من غير تعليم ، وكذا يعلم أن ما طعن به بعض الملحدين ومن في قلبه مرض من أنه كيف يداوي الإسهال بالعسل وهو مسهل باتفاق الأطباء ناشىء عن الجهل بالدقائق وعدم الوقوف على الحقائق .

(10/231)